ليس من تناقض في مسار
النصوص، فالايمان هو حالة عاطفية
تحايث حالة تعقلية محكمة القبضة عليه، توجه مساره
نحو
هدف وحيد هو الله الواحد المتوحد، نحوالتوحيد الذي هو غاية انسانية ثلاثية
الابعاد مع الزمن ماضيا وحاضرا ومستقبلا...
الانسان يؤمن بمن يحب من البشر، بل ويعبده احيانا...
خوفا او
طمعا او شهوة او ضعفابشريا واحتياجا الى الحماية.
انها عبادة
الانبهار بالمجهول الغامض الجميل. وقد يؤمن بالشمس والقمر والفرعون والعاصفة
والذهب، والاقوى...
هذا كله يسكن في النفس التي تحمل معنى القلب، على
انها
مقر الغرائز الانسانية ومستوطن التشهي والضعف
والقوة وآلاف
العواطف المتضاربة التي عبر عنها الامام الصادق في
حديثه
الشهير الذي بداه: «اعرفوا العقل وجنده
والجهل وجنده»((480))، والذي عده بعضهم من موضوعات الكافي
متاثرا بالفلسفة اليونانية،رغم تهافت هذا الزعم.
النفس عالم فسيح تعزز ب آلاف الكتب وعشرات المذاهب
العلمية، تحكمها فيزيولوجيا الجملة
الباراسميتاويه او شبه
الودية، لحركة الانفعالات والعواطف، اماالعقل
فكائن ساكن
متحرك في برجه العاجي، موطن الاتزان والسيطرة
والتفكير
والتامل والخلق والابداع والقرار. يبدو
احيانا في صراع
مع النفس في حيز واحدللشخصية الانسانية، ونتيجة
هذا
الصراع في غلبة احدهما على الاخر يتحرك
العالم الانساني لهذا الاتجاه او ذاك.
والطافي على سطح توجه الاحداث، في عالمنا، يبدو ان
من له
الغلبة هو سلطان الشرالكامن في نفوس اصحاب القرار،
في
مواجهة الخير الذي يستوطن العقل... في هزيمة جلية
على
صعيد القيم الاخلاقية العظيمة، وفي انتصار مؤزر
على صعيد
التقنية والتقدم العلمي.
بالنتيجة يتكون الانسان من ثنائية دراسية من جهة،
ومن
وحدة ممتدة من جهة اخرى،
ومن اصرار على الثنائية من
قبل
الفلاسفة والمتكلمين واهل البيت، ومحصلة
آيات القرآن الكريم المتعلقة بطبيعة المخلوق الانساني.
هذه الثنائية تترافق مع ثنائية وجودية تتصل بوجود
الخير
وارادة خير الانسانية المتمثلة بالله سبحانه من
جهة، وكيان
الشر المتجسم بالشيطان الخالد حتى يوم الدينونة
بارادة الله من جهة اخرى.
ان فلسفة الخير والشر، وهما المتموضعان في محيط
الانسان
وداخله، تحمل جدلية صراعية، وبنتيجتها يرتدي مصير
الكائن
البشري ثوب السعادة الابدية او الشقاء الابدي،وهما
ليسا شرطا
لسعادة الحياة الدنيا او شقائها. ان منهج مدرسة اهل
البيت
يحدد
سعادة الدنيا بالزهد فيها عبر اتباع متطلبات
العقل على
صعيد السلوك، ليرتقي الزهد في الدنيا الى مستوى
التعقل،
وتحتل فلسفة العمل للاخرة والسعادة فيها مرتبة
العقل الخالص، الذي يحتقر المتع الزائلة، وصولا
الى سعادة
الخلود في الذات الالهية في الجنة.
انها ثنائية لا مناص من التعامل معها في تحليل
المنهج العقلي
الاسلامي الامامي،
احدهما يقود الانسان الى
السعادة والاخر الى
الشقاء. فالعقل الذي هو احدها يتسم بالخلود
الابدي؛ لانه
مصدر الذاكرة التي يتم الحساب على اساسها يوم
الدينونة،
حيث يترتب الثواب والعقاب على اساس ان الذي لا يزوغ
وهو
العقل لم يستخدم بمايكفي لردع النفس موطن نزعات
الشر،
وانه تم تغييبه فاستحق التدمير من قبل اللهسبحانه
على ما
سنرى عبر الاشتقاق من القرآن الكريم، بما يدفع الى
طرح
اسئلة متجددة لا تجد جوابا في حياة مؤرقة تطغى فيها
الاسئلة
المرهقة للعقل نفسه، والذي يعجز بحكم محدودية
العلم فيه
عن استخدام مكوناته التعقلية على سعتها للوصول
الى الحقيقة.
وفي سياق جدلية التعقل، فان مدرسة اهل البيت لها
راي في
ذلك يمكن استنطاقه من خلال رائدها الامام الصادق؛
حيث
وضع تصنيفا للعقول مثيرا للجدل حقا، عندما سئل عن
ماهية
عقل معاوية بن ابي سفيان فقال: «تلك النكراء، تلك
الشيطنة،
وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل»((481)).
وهو بذلك منسجم مع مقولة الامام الكاظم، او بالعكس،
بان
العقل لا يقود الا الى الخير، وانه ما ليس عقلا في
الانسان يقود
الى عكس ذلك، بمعنى النفس التي هي مستودع الغرائز
البشرية ومنفذ الشيطان الى الشخصية الانسانية،
وهدف وقوع
العقاب الالهي.
يفسر الامام الكاظم، ضمن مترادفاته الكثيرة، ما
ورد في القرآن
الكريم، ب«الابصار»
اي بالعقول، عندما سئل بما هو
شبيه
بسؤال الصادق في الحديث الاتي: قلت لابي الحسن: ان
عندنا
قوما لهم محبة وليست لهم تلك العزيمة يقولون بهذا
القول؟
فقال: ليس اولئك ممن عاتب الله، انما قال الله:
(فاعتبروا يا
أولي الابصار)»((482)).
الامام يجسم التعقل بالوقوف مع الحق بشجاعة، ومن
امتلك
العقل اصبح له موقف من الحياة، وانحاز الى المبدا
الذي يلائم
قناعاته، اما من لم يفعل ذلك فهو منحاز الى
ضد العقل، الى
اللاعقل في ذاته، لهذا لا ينطبق عليه قوله تعالى
بما خاطب به
اصحاب العقول بالاعتبار.
الامام يحدد تخوم العاطفة والعقل في المواقف، ويصل
بالنتيجة
الى تعريف التعقل اوالعقل في حالة الفعل على انه
موقف من
الحياة معبر عنه من خلال السلوك وليس الكمية او
الالفاظ
التي تجيش في النفوس على شكل حوار لا يستتبع
مسؤولية ما
امام الاخر.
وهو هنا يقصد النية التي ان وجدت سبيلا الى التحقق
بوساطة
العمل عمدت الى ذلك، ولا يناقض ذلك مبداه في التقية، واولئك هم الصفوة القلائل
دوما. نظرية الصفوة
يقول الامام: «ثم ذم الله الكثرة فقال: (وان تطع
اكثر من في
الارض يضلوك عن سبيل الله) [الانعام/117]، وقال:
(ولئن
سالتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله
قل الحمد لله
بل اكثرهم لا يعلمون) [لقمان/31]، وقال: (ولئن سالتهم
من
نزل من السماء ماء فاحيا به الارض من بعد موتها
ليقولن الله قل
الحمد لله بل اكثرهم لا يعقلون) [العنكبوت/63]، ثم
مدح القلة
فقال: (وقليل من عبادي الشكور) [سبا/13]، وقال: (وقليل
ما
هم) [ص/28]، وقال: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم
ايمانه اتقتلون رجلا اءن يقول ربي الله) [المؤمن/29]، وقال:
(ومن آمن وما آمن معه الاقليل)[هود/40]، وقال: (ولكن
اكثرهم لا يعلمون) [الانعام/38]، وقال: (واكثرهم
لايعقلون)
[المائدة/103]، وقال: (واكثرهم لا يشعرون)
[البقرة/369]»((483)). هذا الحديث المهم - وان لم يخصص الامة الاسلامية تحديدا بالخطاب - يقسم البشر الى شطرين (بمن في ذلك المسلمون): الصفوة العقلاء، والرعاع اصحاب التقليدوالاتباع، فهل تتصف هذه النظرة الى الامة بالانصاف حتى وان اخذت على ضوء آيات القرآن الكريم؟!
تحديدات الامام تقودنا الى بحث مرهق في جدلية الوجود الانساني برمته، غايته
اسبابه،تشكيلاته التي اتخذها منذ فجر التاريخ، واخيرا سيادة الشر والشرك
واللاعقلانية،ومسالة الضرورة الحتمية في وجود الاشياء لهداية البشر (البشر جميعهم)
على ضوء العقل. هل يطلق الامام صرخة تحذير من هزيمة الخير والعقلانية في هذا العالم بسبب قلة الذين يتمتعون بهاتين الصفتين من البشر؟
الصفوة، في هذا الاعتبار، هم الذين يمتلكون النظرية والتطبيق معا، ولقلتهم فان
ظاهرنظرية الامام (رض) هو فصل الافراد الصفوة عن الامة، واعتبار حركة التاريخ هي
فعل هؤلاء الافراد وابداعهم. ان في مجال التبشير ام في مجال العلم، بحيث تصبح الامة
اوتتحول الى ذيل للتاريخ وليس فاعلا فيه.
من تحليل النصوص، يمكن ان نضيف انه ليست الصفوة
امتلاكا
للنظرية والتطبيق فحسب بل هي فوق هذا وذاك، حالة من
الاقتراب من الكمال في العلم والسلوك.. حالة اتصال
بالمطلق
الكلي القدرة؛ هذا فينظر الامام عند تحليله آيات
القرآن الكريم
وبمايتصل بالمؤمن الحق... وبالتالي ليس شرطا لهذا
المؤمن
الحق الممتلك للنظرية والتطبيق ان يكون فاعلا في
مجتمعه،
يحتل مركز القيادة فيه ما دامت الكثرة ليست كذلك، فقد يكون محاربا مضطهدا
معذبا، وهو يعمل على نشر الدعوة والتبشير.
واذا نفذنا الى عمق منهج الامام، في النصوص
السالفة، فاننا
نجده يسعى الى تاسيس عقلنة نظرية الامامة في مدرسة
اهل
البيت بالاستناد الى نصوص القرآن الكريم. وفي جميع
الاحوال
علينا الاقرار بان من العناصر التي حددها القرآن في
القلة
البشرية: الشعور، الايمان، العلم، العقل، الشكر،
التميز
باستشفاف المستقبل والاتصال بالله... الخ.
ان هذه العناصر تمتلك مزية التفاوت في تواجدها في الناس.
لانها بحد ذاتها ابرز روائزالتقييم للبشر. انها
ميزان القياس بين
هذا وذاك في الرفعة او الانخفاض، في السمو
اوالاعتيادي
المتكرر في الغالبية العظمى، انها ما يميز الفنان
من الفحام كما
يقول ارسطو.
والامام يعلم ان نظرية الامامة، في مدرسة اهل
البيت، مؤسسة
على الصفوة من بيت النبوة، وهو يعلم ايضا بالاثني
عشر
اماما(ع)، والغيبة الاخيرة، لهذا فان استنتاجاته
من خلال آيات
القرآن الكريم تتعلق تحديدا بالمستقبل الابعد من
وجود الائمة
(رضي الله عنهم)، انها تتعلق بقيادة الصفوة من
حكماء الامة
المقبلين في زمن الغيبة، وهو يصل الحالتين عبر
الايات بان
العقلاء المؤمنين العلماء القلة هم الذين عليهم ان
يتحملوامسؤولية قيادة الامة الى آفاق بعيدة من
الزمن لا
يعلمها الا الله، لكنه مع ذلك يرى ان الله سبحانه
يعزي القلة
العاقلة المعذبة برسالتها المرهقة نحو الامة،
بانها
الافضل والصفوة والاقرب الى نعيم الله سبحانه،
تماما كتعزيته
لرسله، ومنهم محمد بن عبدالله(ص)، بسرد قصص
الانبياء
وعذاباتهم وانتصاراتهم ايضا في القرآن الكريم.
لقد اختلفت المراتب والدرجات في الدنيا والاخرة
تبعا لذلك
حكما (وجعلنا بعضهم فوق بعض درجات)، وليس من شك في
ان نظرية ولاية الفقيه في مدرسة اهل البيت اشتقت من ارشادات على ضوء نصوص كالتي
جاءت من حديث الامام الكاظم.
ان صفة التعقل واستخدام العقل، بوصفها حالة، هي فرع
من
السعادة المذهلة والعذاب المرهق في آن واحد معا،
والصفوة
الذين يتصفون بجدارة حملهم لذلك كما اشتق الامام
صفاتهم
من آيات القرآن الكريم هم الذين استطاعوا في زمنه
الثبات
امام اعتى صنوف الارهاق والعذابات والاضطهاد
والملاحقة،
لانهم بعقولهم التي اوصلتهم الى الايمان بحق الائمة في قيادة الامة الى الخير
والسعادة، اثبتوا الفهم لواقع الاسلام عبرالنصوص (ظاهرا وباطنا)، ولا يعقل ذلك الا
العالمون...
والذين هم في الان نفسه،زهدوا في الدنيا السريعة
الزوال
العابرة كالريح العاصف، واختاروا الاخرة
بارشادعقولهم، تماما
كاقتدائهم بالامام علي بن ابي طالب قطب العاقلين
بعد
رسول الله(ص). تعقل راهن الدنيا لا يقود الا الى
فهم الزمن
الذي هو الله، والذوبان في ذاته في خلود هو
السعادة الازلية
التي لا تشكل الحياة الدنيا منها الا التماعة برق
في النور
السرمدي الهائل الذي لا ينتهي. فكم من البشر
بامكانه تعقل
ذلك وفهمه واستيعابه ان لم يكن من اولي العزم،
واولئك
بحساب الكم مجرد (ثلة من الاولين وقليل من الاخرين)
[الواقعة/13 و14]. تلك سنة الحياة كما ارادها الله..
الامانة
التي عرضها على السماوات والارض فابين ان يحملنها... وحملها الانسان... ورغم
انه حملهافانه سبحانه يصفه بالجهول الظلوم، رغم محبته لهذا المخلوق ورحمته الهائلة
له..
شعورالمطلق الغامر تجاه ذرات الهباء السابحة في
كون فسيح
ازلي ليس له حدود. وتلك هي مجرد التماعات ضئيلة في
افكار
ربما ارادها الامام في حديثه عن القلة في معرض
من حديثه
عن اولي العقول وجبروت العقل، وكان هذا المعرض
مثيرا
للغرابة والدهشة معا. نماذج من السلوك العاقل
يقول الامام موسى بن جعفر(ع)4 في سياق حديثه موضع
البحث: «قال الحسن بن علي(ع)4: اذا طلبتم الحوائج
فاطلبوها
من اهلها، قيل: يا ابن رسول الله، ومن اهلها؟قال:
الذين نص الله في كتابه وذكرهم فقال: (انما يتذكر اولو الالباب). قال: هم اولو
العقول.
وقال علي بن الحسين(ع)4: مجالسة الصالحين داعية الى
الصلاح، وآداب العلماءزيادة في العقل، وطاعة ولاة
العدل تمام
العز، واستثمار المال تمام المروءة،
وارشاد المستشير قضاء لحق
النعمة، وكف الاذى من كمال العقل، وفيه راحة البدن
عاجلا وآجلا»((484)).
باسناده الى الامامين الحسن وزين العابدين ثم
الامام علي،
يكمل الكاظم حلقة الاقتباس لاكمال رسم ملامح المنهج العقلي على صعيد السلوك.
اولو العقل هم الاكثر غيرية من غيرهم، لذا تراهم
يلبون حاجة
الاخرين ان طلب منهم ذلك، ويفهم من ذلك انهم الابعد
عن
الذرائعية او البراغماتية رفض تلبية حاجة الاخر من
دون توقع
مقابل مادي منه ليوضع العقل (الذي هو الخير) في
مواجهة
مبداالمنفعة، هذا ما يفهم من حديث الامام الحسن
المهم على
صعيد ربط الغيرية بالتعقل. ان تلبية حاجات الاخرين
من اسمى
مهمات فعل التعقل في السلوك الانساني، فهوليس عملا
عاطفيا. ومنهج اهل البيت يعد العقل منبعا لهذا
الخير الذي
يدفع الى خدمة الاخرين من دون مقابل. لماذا يحتل حديث كهذا تلك الاهمية البالغة؟
ان ذلك ينبع من ان مذهب المنفعة من اخطر المذاهب الفلسفية على مقولة القيم
الاخلاقية، فهو يرفضها بالمطلق، فليس هناك اخلاق بل هناك عمليا تبادل للمنافع.
هذا الرفض تبلور مذهبا او منهجا فكريا في العصر
الحديث، رغم
قدمه الموغل على صعيد السلوك. والخطورة هنا تكمن في
فلسفة التبادلية، وتدمير فعل القيم
الاخلاقية المرتبطة جذريا
بفعل السلوك العاقل (وليس العاطفي) لدى الانسان. ولم
تكن
مصادفة ان موطن تطور نظرية المنفعة كان في
الولايات
المتحدة الاميركية رغم ان ميكيافيللي عد واضعا
للاسس في
فن السياسة، وهو ايطالي وقد جاء ترسيخ نبذ
القيم المثالية في
الاخلاق عند وليم جيمس وجون ديوي هناك، ثم ايجاد
الارضية الصالحة للتطبيق في اميركا، لتصبح رمزا
للشر في هذا
العالم انطلاقا من النصف الثاني للقرن العشرين،
ولتكون قاعدة
للسلوك البراغماتي واستعباد البشر ونظرية القوة
المتصلة بالمنفعة الذاتية المطلقة من دون اعتبار
لمصالح
الاخرين، تماما في اتجاه معاكس للنبوات وافكار الاديان السماوية.
لقد كان الرسول والائمة قدوة في سلوك الغيرية،
بذلوا في
سبيل الاخرين كل ما
يمتلكون (احيانا)، وظلوا الابرز على صعيد النظرية
والتطبيق
لعلم الاخلاق ضمن رموز الصفوة الانسانية على مر العصور.
ويعد الاسلام وسلوك المرتبطين به من العظام من
رموزه،
الذين تمثلوا الايديولوجيا مثالا ساطعا على
النظرية والتطبيق
بالتلازم، ولولاذلك لما اتيح لهذا الدين ان يكتسب
الخلود
والانتشار واقتحام المستقبل، الامر الذي يخيف حقيقة حاملي دين النخب المهيمنة
في العالم (المسيحية السياسية،واليهودية الصهيونية)، الذين وضعوا الاسلام في قائمة
الاهداف المطلوب تحطيمهاوتدميرها ايديولوجيا واجتماعيا، تحت خانة الارهاب.
معلوم ان هناك نهوضا اسلاميا يحمل على كاهله على
اختلاف
المشارب مهمة محاربة النخب المهيمنة تلك على
العالم، من
خلال طرح المبادى والقيم الاجتماعية الكبرى وبالتلازم مع الكفاح المسلح، في
مواجهة البراغماتية المسيطرة.
ان من ابرز مظاهر السلوك العاقل، ايضا، كما ورد عن
الامام
الرابع علي بن الحسين،مجالسة الصالحين والعلماء
والاقتباس
من ادبهم وتجاربهم في الحياة، ثم طاعة ولاة العدل.
لقد وردت هذه الفقرة في خاتمة حديث الامام الكاظم:
ان
طاعة ولاة العدل في فعل التعقل يقابلها حكما عصيان
ولاة
الظلم في هذا السلوك، ليبدا عكس ذلك في
تصنيف السلوك
غير العاقل؛ اي طاعة ولاة الظلم والاغتصاب. انه
مبدا عام
تشريعي ليس له علاقة بنظرية التقية، فهو تلخيص
مكثف
لنظرية مدرسة اهل البيت السياسية، وقدوردت هنا
بالشكل
الايجابي (الطاعة)، وليس السلبي (المعصية) عاكسة
بجلاء
طبيعة عصر الامام الرابع واسلوبه في العمل والتنظير.
ولكن لماذا وضع الكاظم (سلام الله عليه) هذه
المقولة في
خانة السلوك العاقل؟ بينماوضعها زين العابدين في
خانة «تمام
العز». الكاظم يعقلن المقولة وعلي زين
العابدين يسيسها، والفارق في الحالتين طفيف ومع ذلك مهم.
تعزيز العدل ودعم الحاكم العادل صفة المجتمع
الصالح
والراقي اجتماعيا، وداعيا للتقدم والسعادة
للمحكومين، والعدل
هدف اساسي من اهداف الجمهورية الفاضلة، وقمة القيم
الاخلاقية وصلب علم الاخلاق. هذا المفهوم يرتبط
بمطلقات
هذا العلم، بؤرة التبشير الاخلاقي عبر العصور
وبؤرة الاخلاق
العملية، وعنوان للسلوك الانساني الصحيح. وهو في
الايديولوجيا الاسلامية فرض انساني شامل: (ان الله
يامر
بالعدل والاحسان...) [النحل/90] و(انا خلقناكم من ذكر
وانثى
وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند
الله اتقاكم)[الحجرات/13].
وفي علم كلام مدرسة اهل البيت ياتي مفهوم العدل
الالهي في
البشرية، وفي التطبيق الاجتماعي على الارض بين
الناس، قمة
جدل هذه المدرسة الكلامي. وقد ورد في الفلسفات
الاوروبية
الحديثة وبخاصة لدى كانط سندا رئيسيا للفعل
الاخلاقي العاقل... (ان تعامل الاخر كما تعامل
الانسانية في
ذاتك): «انه مبدا فعلي، وبالتالي الفعل الذي اقوم
به تبعا لهذا
المبدا انما يكون اخلاقيا من حالة واحدة، وواحدة
فحسب،
هي ان اراني قادرا على ان اريد له ان يكون قانونا
كليا»((485))،
اي يشمل الانسانية كلها، فالعدالة قيمة مطلقة لا
تتجزا
وتطبق اسلاميا على العدو والصديق معا «فهي
ليست نسبية»
ويدخل فيها عمليا «قانون التعامل بالمثل» الشهير.
ومع ذلك
فقد اورد رسول الله(ص) حديثا عن منهج السلوك
الاخلاقي
العاقل للمسلم قائلا: «لا تخن من خانك» في ترسيخ لمبدا اساسي، وهو ان لا ينحدر
المسلم حتى ضمن مبداالتعامل بالمثل الى درك تحطيم القيم الاخلاقية الكبرى التي
اقرها الاسلام.
ضمن ملامح عصر الامام الكاظم اقتضاء السلوك العاقل
عصيان
ولاة الظلم، ولم يدرج الامام هذه القضية، بهذا
النص، في
حديثه ليكتفي بعكسها اكمالا لنظريته في
منهجه العقلي، حتى
يتعدى التنظير السياسي المباشر، او بالاحرى
التحريض على
ولاة الظلم،والذي كان له مكان آخر في احاديثه
المنقولة عنه
في الكافي او غيره، تاييدا لمقولة: ان في العدل السياسي خلود الدول والعهود،
وفي الظلم خرابها. وتلك حقيقة تؤشر عبرالتاريخ الى المنهج العقلي.
ويستكمل الامام الكاظم عن الامام زين العابدين
ثلاثية عقلانية
تكمل الاحاطة بصفات عصره، وهي: استثمار المال، ارشاد المستشير وكف الاذى.
هذه الثلاثية الاقتصادية الاجتماعية تفتح الافاق
على مناقشة
جوانب من نظرية مدرسة اهل البيت بعامة، وتسلط
الضوء على
افكار للامام الرابع(ع) بخاصة، وهو الذي عرف عنه
استثمار
الاموال كما اسلفنا في انواع من التجارة، بل لعله
الوحيد بين
الائمة في ممارسته لذلك.
ان مناقشة الجانب الاقتصادي من زاوية العقلنة لا
يمكن
اختزاله في بحثنا وايفاءه حقه،ولمعرفة انه يحتل
اهمية بالغة
في النظرية الاجتماعية لمدرسة اهل البيت،
يمكن الرجوع الى
ابحاث متميزة للسيد الشهيد محمد باقر الصدر في
كتابيه
اقتصادنا، والبنك اللاربوي في الاسلام((486)).
المثير للاهتمام، في المنهج العقلي هنا، هو تصنيف
السلوك
الايجابي للانسان ضمن السلوك المتصف بالعقلانية.
فارشاد
المستشير، وكذلك كف الاذى هما سلوكان اخلاقيان ايجابيان.
فمن خلال استعراض مجمل الحديث نجد انه يقدم نوعي
السلوك العقلاني السلبي والايجابي في اطار واحد،
وفيهما
السلوك الاخلاقي الايجابي والسلبي، والعقلاني
المحض
الايجابي والسلبي. فالصمت، والوحدة، والاعتزال،
على سبيل
المثال، لا الحصر، عقلية سلبية، والامتناع عن
الاذى، او كف
الاذى بالامتناع عنه،والامتناع عن الكذب اخلاق
سلبية، بينما
اسداء النصيحة والمشورة، وقول الصدق(موقف مباشر)،
وتحقيق العدالة او الاعانة عليها عمل اخلاقي
ايجابي، وقد
يصنف في العمل العقلي، الا اذا قبلنا نظرية: ان كل
عمل
اخلاقي هو عمل عقلاني، وتلك مقولة لاتتسم دائما
بالدقة،
فالصدق (المشار اليه) مثلا قد لا يتسم بالعقلانية في
بعض
الاحيان والظروف، والتقية المنبثقة من التعقل قد
تعاكس
الاخلاق في كثير من الاحيان، وحتى الايجابية في
السلوك
الاجتماعي، بوصفها فعلا اخلاقيا قد تاتي معاكسة
للتعقل اذا
ادت للاستغلال الانساني وبخاصة في عملية
الاستثمار المالي
الذي ترفضه القيم الاخلاقية المتصلة بالعدالة، والتي عالجتها نصوص كثيرة في
السنة النبوية.
وفي الواقع، تظل الايجابية في السلوك على الصعيد
الاجتماعي اكثر اخلاقية دائما، وقدمدحتها السنة
النبوية في
حديث رسول الله(ص): «من راى منكم منكرا
فليغيره بيده، فان
لم يستطع فبلسانه [والعملان ايجابيان] فان لم يستطع
فبقلبه
وذلك اضعف الايمان». واضعف الايمان يقل في القيمة
كثيرا
عما سبقه في الايجابية (الشجاعة). بل ان رسول
الله(ص) يقول:
«افضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر»، ويقول ايضا:
«لا
طاعة لمخلوق في معصية الخالق» وهو يفسر دائما
برفضه
طاعة ولاة الامر اذالوحظ لديهم مخالفة لاي من
تعاليم الاسلام
الاساسية، ويقول: «المؤمن القوي خير من المؤمن
الضعيف».
طبعا القوي بالموقف الايجابي وليس بجسده وصحته،
المؤمن
القادرعلى قول كلمة الحق، الذي يغير المنكر بيده،
والذي
يقدم النصيحة، ويكف الاذى ويساعد او يعزز احقاق
العدالة
بدعم ولاة العدل ومساندتهم ومحاربة ولاة الظلم.
الموقف الاخلاقي الايجابي تحديدا هو موقف السلوك
الظاهر
الذي يتم التقييم على اساسه، واستنادا الى
الايديولوجيا
الاسلامية، فهو الموقف المعزز ايضا بالنية او
القصد.وهو الموقف
الذي تتفق عليه المذاهب الاخلاقية الانسانية
جميعها حتى
البراغماتي المنفعي باعتباره يحقق ذات الانسان
على الاقل،
فالسلوك الاخلاقي الايجابي (وهويتسم بالعلنية
غالبا) يقف
دائما في الذروة من التقييم الاخلاقي وفي اعتقادنا
انه
صفة الانسان المناضل الذي يستحق الخلود تاريخيا
لانه غالبا
ما يكلف سالكه دفع ثمن باهظ (بما في ذلك حياته نفسها
احيانا)، والمناضلون، امثال هذا الانسان، هم
الذين يصنعون
التاريخ الانساني او يشكلون منعطفاته المهمة،
ومنهم الانبياء
والمفكرون الكبار. وكان الائمة(ع) من اصحاب هذا
السلوك
الايجابي العقلاني والاخلاقي معا،حتى عندما رفضوا
«قيادة» الثورة ضد السلطة العباسية الظالمة. ندوة فى الرياض
نظمت مكتبة الملك عبد العزيز
العامة، في الرياض، ندوة دولية
تحت عنوان: «الاسلام وحوار الحضارات»، وتميزت
بكثافة
المشاركة العربية والاسلامية والدولية، فبلغ
عدد المشاركين
95 مشاركا، من دول عربية واسلامية واوروبية وآسيوية
وامريكية، وقد بلغ عدد البحوث المقدمة للندوة 44 بحثا، نوقشت على مدى اربعة
ايام، وخلال 17جلسة.
تهدف الندوة، كما ذكر منظموها، الى تجلية مفهوم
الحوار بين
الحضارات بوصفه بديلاموضوعيا وايجابيا لاطروحة
الصدام
والصراع بين الحضارات والثقافات، وتوضيح
مبداالحوار
والتواصل في الاسلام، وبيان القيم والمبادى التي
يجب ان
يستند اليها الحواربين الحضارات، وتوضيح المفاهيم
الاساسية
لتعامل الاسلام مع الحضارات الاخرى،ومحاولة ازالة
بعض
المفاهيم الخاطئة والمغلوطة، ومنها الصورة
النمطية
للاسلام والمسلمين، في وسائل الاعلام الغربية.
توزعت بحوث الندوة على المحاور الاتية: الجلسة الافتتاحية
بدات الجلسة الافتتاحية بكلمة راعي الندوة، ولي
العهد الامير
عبدالله بن عبد العزيز، وقد القاها نيابة عنه
الامير متعب بن
عبد العزيز، تلتها كلمة الامين العام للامم
المتحدة د.كوفي
انان، وقد القاها نيابة عنه السيد خوسيه اغروين،
المنسق
المقيم للامم المتحدة.ثم القى د. عبدالله بن عبد
المحسن
التركي كلمة الامين العام لرابطة العالم
الاسلامي.والقى السفير
سعد الدين الطيب، مدير ديوان الامين العام لمنظمة
المؤتمر
الاسلامي،كلمة الامين العام للمنظمة د. عبد الواحد
بلقزيز. ثم
القى د. محمد طاهر كلمة جامعة الدول العربية.
واخيرا، القى
المشرف العام على المكتبة، ورئيس اللجنة
التحضيرية للندوة،
الاستاذ فيصل بن عبد الرحمن بن معمر، كلمة المكتبة.
وقد
اكد المتحدثون في هذه الجلسة اهمية الحوار بين
الثقافات
والحضارات وضرورته، لتعزيز الاستقرار في العلاقات
الدولية،
وتحقيق الامن والسلام بين الشعوب. وطالب المتحدثون
العرب والمسلمون بضرورة ان تقوم العلاقات الدولية
على
مفاهيم العدل والحق والشرعية،للقضاء على اسباب
التوتر،
وتضييق مجالات النزاع التي تفجر الصراع بين
الدول والشعوب،
واكدوا براءة الاسلام مما نسب اليه في وسائل
الاعلام العالمية
من تشجيع على الارهاب، ودعوا الى ضرورة تعريف
العالم
بالاسلام وقيمه ومبادئه، الداعية الى التسامح واحترام الاخرين، والتعايش
والتعارف بين الشعوب وحضاراتها. جلسات اليوم الاول
راس الجلسة الاولى، (صباحا)، وعنوانها: جهود خادم
الحرمين
الشريفين في رعاية المراكز والملتقيات الاسلامية
ودورها في
حوار الحضارات، د. عبد الرحمن بن سليمان المطرودي
(من
السعودية)، وقد تحدث فيها كل من د. عبدالله بن عبدالمحسن التركي، ود. مزمل يحيى
صديقي، ود. بهيج ملاحويش.
الجلسة الثانية (مساء)، راسها د. ابراهيم بن محمد
ابو عبادة،
رئيس جهاز الارشاد والتوجيه في الحرس الوطني، وقد
القى
فيها د. صالح بن عبدالله بن حميد، رئيس مجلس
الشورى في
المملكة العربية السعودية، محاضرة بعنوان: موقف
الاسلام
من الارهاب.
الجلسة الثالثة (مساء)، راسها د. سعد بن عبد الرحمن
البازعي
(استاذ الادب الانجليزي في كلية الاداب جامعة الملك سعود).
وتحدث فيها، في البداية، د. محمود امين العالم
(كاتب وناقد
مصري) عن: «صراع الحضارات ام صراع مصالح وهيمنة»
وقسم بحثه الى ثلاثة محاور، المحور الاول استعرض
فيه نظرية
هنتنغتون عن صراع الحضارات ونظرية فوكوياما عن
نهاية
التاريخ، منتقدا المفاهيم التي ارتكزت عليها كل من
النظريتين
الغربيتين، اما المحور الثاني فاستعرض فيه مجموعة
من الاراء
والافكارلمفكرين عرب عالجوا وانتقدوا نظرية
الصراع، مثل انور
عبد الملك والسيد ياسين وحسن حنفي ومحمد عمارة
ومحمد
عابد الجابري... وفي المحور الثالث استعرض وجهة
نظره
التفصيلية والنقدية لنظرية هنتغتون، فابرز مفهومه
للثقافة
وللحضارة، كماعرض مفهوما للعولمة، ميز فيه «بين
العولمة
الراسمالية بوصفها ظاهرة موضوعية تاريخية»، وبين
جانبها
الذاتي الذي يتمثل في هيمنة الدول الراسمالية
الكبرى،
وعلى راسها الولايات المتحدة الامريكية، على هذه
العولمة،
ليخلص في نهاية البحث الى نتيجة مفادها ان «حقيقة
الصراع
الدائر في عصرنا في صوره المختلفة والمتنوعة،
هوصراع
مصالح لا صراع حضارات، وان اتخذ في مستوى او آخر،
مظهرا
ثقافيا اوحضاريا بالمعنى الشائع..». كما اشار الى
وجود «عولمة
بديلة اخذت تتنامى داخل هذه العولمة الراسمالية
الاستغلالية
الشرسة، تتنادى نظريا وتناضل عمليا من اجل
حماية الحياة والانسان والطبيعة.. عولمة ديمقراطية يتحقق بها وفيها مشترك
انساني عالمي هوثمرة التطور الديمقراطي
الخلاق
المتنوع لمختلف الهويات القومية
والخصوصيات الثقافية».
الورقة الثانية قدمها د. صالح بن بكر الطيار (رئيس
مركز
الدراسات العربي الاوروبي في باريس، وهو سعودي)،
وجاءت
تحت عنوان: «الاسلام والحضارة: صراع ام
حوار؟»،فتحدث، في
البداية، عن التفاعل الجدلي بين الحضارتين
الاسلامية
والغربية وعن تاثيرالحضارة الاسلامية في الحركة
الاحيائية
الاوروبية وما نجم عنه من نهضة اوروبا. ثم تحدث
بالتفصيل
عن مفهوم الانسان وكرامته وحقوقه في الاسلام،
وقارن هذه
الحقوق بما جاء في المواثيق الدولية، مبرزا ان هذه
المواثيق
اهملت الجانب الروحي، ثم شرع في مناقشة بعض
القضايا
الاشكالية التي تعرض لها الفكر العربي الاسلامي
المعاصر،واتخذ تجاهها مواقف متباينة مثل
الديمقراطية
والشورى، واسباب تخلف المسلمين وتقدم غيرهم، وختم
ورقته باستعراض واقع التفاعل الحضاري وآفاق
المستقبل،
من خلال قراءة مكثفة لمجالات الحوار والصراع..
الورقة الثالثة، في هذه الجلسة، قدمها د. ميثم
الجنابي (كلية
اللغات الجامعة الروسية)، وجاءت تحت عنوان:
«اشكالية العقل
والحكمة في حوار الحضارات».حاول فيها الكشف عن
طبيعة
الحوار الداخلي للحضارة. وعن خصوصية الحضارات وراى
انها
تظهر في كيفية حلها للاشكاليات الكبرى في ميادين
الطبيعيات والماورائيات،وهذا الامر هو الذي يفسر
تباين
الحضارات واختلافها او فرادتها واصالتها، كما
يحددثبات
المرجعيات الثقافية الكبرى لاي حضارة، لذلك فان
معرفة هذه
الخصوصيات تفسح في المجال للحوار بين الحضارات
وتعميقه،
ودعا الى تفعيل ما سماه الاسلام الثقافي؛ بغية الاسهام في بناء عولمة ثقافية
سياسية جديدة.
ثم تحدث د. مارك غنسبرغ (من الولايات المتحدة الامريكية) والشيخ يوسف اسلام(من
بريطانيا) عن موضوع الحوار والصراع بين الحضارات. جلسات اليوم الثاني
عقدت، في اليوم الثاني، خمس جلسات، راس الجلسة الاولى د.
عبد اللطيف بن عبدالله بن دهيش (من السعودية) وقدم
فيها،
في البداية، د. عبدالله بن محفوظ بن بيه(من موريتانيا استاذ في جامعة الملك عبد
العزيز جدة)، ورقة بعنوان:
«الاسلام والحضارات الاخرى»، اشار فيها الى ان المؤرخ الفرنسي فيرناند برودل
كان قدتحدث، في كتابه «المتوسط والعالم المتوسطي» الذي صدر في اواخر القرن
الماضي،عن الصراع الذي استمر بين الحضارات على ضفتي المتوسط قائلا:
«ان الغرب والاسلام يجمعهما تعارض عميق يقوم على
التنافس
والعداء والاقتباس في آن واحد، انهما عدوان
متكاملان»، كما
اشار الى عمليات التداخل بين الفضاءات
الحضارية والثقافية،
بين العالمين الاسلامي والغربي. وقدم الباحث
تعريفا للحوار
مفاده ان الحوار«حديث بين طرفين للعثور على ارضية
مشتركة يتوصلان من خلالها الى اهداف محددة». اما
اسس
الحوار في الاسلام، في رايه، فتقوم على مرتكزات هي:
ثم تحدث د. شعبان محمد سلام (من مصر، وهو مدير مركز
بحوث كلية اللغة والترجمة في جامعة الملك سعود). عن
«سماحة الاسلام ودوره في تقدم الحضارات». واكد ان
الدولة
الاسلامية عندما تاسست اول مرة عملت على ضمان حقوق
مواطنيها من دون اعتبار للجنس او اللون او اختلاف
المعتقد،
وقدم على ذلك امثلة من تاريخ اليهود والديانة
اليهودية، فاكد
ان اليهود وضعوا قواعد لقراءة التوراة على شاكلة
المسلمين
ومنهاجهم في كتابة القرآن وتلاوته، كما تاثروا
بعلم الكلام
الاسلامي وباوزان الشعر العربي، كما اشار الى تاثير الحضارة العربية الاسلامية
في اوروبا عبر الاندلس.
ثم تحدث د. عبدالله بن ابراهيم العسكر (استاذ
التاريخ في
كلية الاداب جامعة الملك سعود)، عن «الجدل الديني
في
الاندلس، سمة من سمات حوار الحضارات»، فاكد ان
الاختلاف
في مجال العقائد يعد من بين اهم الاختلافات
الموجودة بين
بني البشر، لذلك يعد الجدل، في مجال العقائد، من
اهم مزايا
حوار الحضارات والثقافات.واشار الى ان المسلمين قد
بادروا
الى هذا الحوار، وان منهجهم كان ولا يزال قائما
على البرهان
والاقناع والجدل بالتي هي احسن، وقد ظهر ذلك في
ارقى
صوره في الحضارة الاندلسية التي «تعد، بحق، اول
حضارة
انسانية ارست مبادى ما نطلق عليه اليوم اسم حوار
الحضارات». ثم تحدث د. محمد فاروق النبهان (مدير دار الحديث الحسنية بالمغرب) عن «التصورالاسلامي لمنهجية حوار الحضارات»، فبين اصالة منهج الحوار في التصور الاسلامي، وان القرآن ميز بين الحوار والجدل، ودعا اهل الكتاب الى كلمة سواء بعدما حاورهم في عقائدهم بالحجة والبرهان.
ثم تحدث الباحث جون تيلر معقبا على الاوراق المقدمة في هذه الجلسة.
الجلسة الصباحية الثانية راسها د. عثمان ياسين
الرواف (من
السعودية)، وتحدث فيها د.السيد ياسين (استاذ علم
الاجتماع
السياسي في المركز القومي للبحوث
الاجتماعية والجنائية،
مصر)، عن: «الغرب الكوني والشرق المتفرد: دراسة
تحليلية
لحوارالحضارات»، فناقش فيها عدة موضوعات، مثل:
العولمة
وحوار الحضارات، شروط الحوار واسسه الفلسفية،
الحوار بين
الاخلاق والسياسة، الصراع الثقافي في
حوارالحضارات،
المركزية الغربية وتجلياتها المعاصرة، وقد تساءل
الباحث عن
دور الثقافة الشعبية في الحوار، منتقدا اهمالها مع
ان لها تاثيرا
حاسما «في تشكيل الوعي الاجتماعي» داعيا الى مشاركة ممثلي هذه الثقافة في
الحوار بين الحضارات.
ثم تحدث د. انور عبد الملك (استاذ الفلسفة في جامعة
القاهرة)، عن: «لحظة ريح الشرق في صياغة المشروع
الحضاري
الجديد»، فدعا الى ضرورة تجاوز
الثنائيات التقليدية في الفكر
العربي الحديث والمعاصر مثل: الاسلام والمسيحية،
الاسلام والغرب، والمسارعة لمواكبة المتغيرات
والمؤشرات
التي تدل على انتقال مركز الثقل في الحركة
التاريخية من
الغرب الاطلنتي الى الشرق الاسيوي حول الصين،
وكذلك مواكبة الصحوة الحضارية الاسلامية
المرتقبة، والعمل
على صياغة مشروع حضاري شرقي يقوم على التنوع واحترام اولوية الروح الجماعية،
والعدل، والتنمية الاجتماعية،والاهتمام بفعالية الدين والفلسفة والقيم العقلانية.
ثم تحدث د. محمد طاهر العدواني (مدير عام في جامعة
الدول
العربية، من الجزائر).عن: «الحضارة العربية
الاسلامية في حوار
الحضارات». فراى ان الثقافة العربية الاسلامية
تعيش اخطر
تجاربها في التاريخ، وهي تجربة الانبثاق
والانطلاق، لانهافقدت
بالامس منجزاتها ومكتسباتها الحضارية، لكن اذا كان
من
الحتمي استعارة المكتسبات والوسائل من حضارات
اخرى، فلا
بد من تكييفها وملاءمتها مع الروح العربية الاسلامية.
ثم قدم كل من توماس ميشيل وجيري ليونارد مداخلتين
في
موضوع الجلسة وما عرض فيها من آراء وافكار.
راس الجلسة الثالثة د. صالح المانع، وتحدث فيها
الاستاذ
جمال الدين بدوي (رئيس تحرير صحيفتي الوفد وصوت
الازهر
السابق مصر) عن «الحضارات: صراع ام حوار؟»، فركز
على
التفاعل الثقافي بين الحضارات، وراى ان الامم
والشعوب
تشرع في تبادل الافكار والمعارف بعد انتهاء الحروب والصراعات التي تقوم بينها.
ثم تحدث د. عارف حسين (مدير قسم الانضمام بمنظمة
التجارة العالمية من الهند)عن: «الاسلام والحضارات
الاخرى»،
فاستعرض بعض التجارب الثقافية
والاجتماعية والفلسفية التي
مرت بها الحضارة الاسلامية، وخصوصا في علاقتها
بالحضارة
الهندية،واشار الى هيمنة الحضارة الغربية
المعاصرة
واصطدامها والحضارة الاسلامية، مطالباالمجتمعات
الاسلامية
بالنهوض لمواجهة تحديات العولمة بصورة فعالة
ومؤثرة
عن طريق تشجيع الابداع والتعاطي بايجابية مع
المتغيرات،
والاستفادة من الوسائل العلمية والتقنية، من دون اهمال او اغفال الخصوصية او
مكونات الهوية الحضارية.
ثم تحدثت د. آمنة بلعلي (استاذة من جامعة تيزي اوزو
الجزائرية) عن «استراتيجية الاقناع: المنهج الامثل
للتواصل
والحوار»، فاستعرضت اساليب الاقناع في
القرآن الكريم والسنة
النبوية الشريفة، منتقدة القول الذي يدعي ان
الخطاب الديني
يفرض على عقول الناس بسبب التربية، وانه يدعو الى
التسليم
من دون برهان، مؤكدة وجودمنطق فطري صيغت به الحجج
القرآنية، يكتشفه صاحب الفطرة السليمة، كما
انتقدت المركزية الغربية القائمة على الاحادية وارادة الهيمنة، والغاء الاخر
باسم الحداثة تارة،والعولمة تارة اخرى..
ثم تحدث د. محمد السعيد عبد المؤمن (استاذ الدراسات
الايرانية في كلية الاداب جامعة عين شمس في القاهرة)، عن:
«مدخل اسلامي لحوار الحضارات»، فاكد ان الحضارة
الاسلامية
هي واسطة عقد حضارات العالم، ليس لانها حضارة الامة
الوسط زمنيا فحسب، بل لانها حضارة الامة الوسط
عقديا وثقافيا
بحكم قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا
شهداء
على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا). لذلك،وبوصفها
الشاهد على غيرها من الحضارات، لا يضرها اي تفاعل
او تثاقف
مع هذه الحضارات للاستفادة من الابداع الانساني في مجالات العلم والتقنية.
ثم تحدث د. عفيف احمد بهنسي (مدير عام الاثار
والمتاحف
السورية سابقا) عن «الحضارة المعاصرة: تجارب
وممارسات،
العولمة والصراع، العالمية والحوار»، فاكد
ان الاسلام حدد المبدا
الاساسي لنظام العالم والعلاقات الدولية في
التعارف
وليس الصدام، وهذا المبدا القرآني يؤكده كذلك
علماء
الانثروبولوجيا الذين يسعون الى تنظيم التفاهم
بين البشر، بين
الانا والاخر، من المجتمع الصغير الى المجتمع
الكبير.كما اكد
ان اول خطوة في طريق التفاهم هي فهم الذات ثم فهم
الاخر،
مشيرا الى ان الاستشراق الذي بحث طويلا في اسرار الشرق لم يكن نزيها.
راس الجلسة المسائية الاولى الاستاذ فيصل بن عبد
الرحمان
بن معمر (وكيل الحرس الوطني للشؤون الثقافية
والتعليمية)،
وتحدث فيها د. عطاء الله مهاجراني (مستشارالرئيس
الايراني
السيد محمد خاتمي ومدير المركز الدولي لحوار
الحضارات
في طهران) عن التسامح في الاسلام.
الجلسة المسائية الثانية راسها د. عبد الرحمن الذيب
الانصاري
(عضو مجلس الشورى السعودي سابقا)، وتحدث فيها د.
حامد
الرفاعي، عن «الاسلام والحضارات الاخرى».ثم تحدث
د. حسن
حنفي (رئيس قسم الفلسفة في جامعة القاهرة سابقا)، عن
«صراع الحضارات ام حوار الثقافات: نماذج
متبادلة». في البداية،
اشار الباحث الى ان الغرب الراسمالي، وبعد انهيار
المعسكر
الاشتراكي، شغل العالم بمجموعة من المفاهيم ليست
بريئة،
فظاهرها فكري لكن باطنها سياسي، ثم تحدث عن جذور
الصراع،فذهب الى ان عداء الغرب للعالم الاسلامي
بدا في العصر
الوسيط مع الحملات الصليبية التي افرزت الانموذج الحديث:
صراع الحضارات، في محاولة للقضاء على الثقافات
المحلية
باسم التثاقف او التحديث، الذي ادى، في نهاية
المطاف، الى
التغريب وانتشار ثقافة المركز. اما بخصوص حوار
الثقافات، فقد
تحدث د. حنفي عن الانموذج العربي الاسلامي الذي
يقوم على
الاخذ والعطاء، وعلى مستوى الندية بين
الطرفين،مشيرا الى
اسلوب القرآن في حواره لاهل الكتاب وكشفه عن
انحرافهم،
مع احترامه لكياناتهم المذهبية والدينية والثقافية..
تحدث، في هذه الجلسة كذلك، كل من د. ستيفن هيبل من
الولايات المتحدة الامريكية ود. ميلوش مندل من تشيكيا. جلسات اليوم الثالث
بدات اعمال اليوم الثالث بجلسة صباحية راسها
الاستاذ محمد
رضا نصر الله (من السعودية) وتحدث فيها د. محمد نور
الدين
افاية، (استاذ في كلية الاداب جامعة محمد الخامس في
الرباط) عن «الاسلام والعالم: مرتكزات التصور
الاسلامي
للاخر».ثم تحدث د. بكر مصباح تنيرة، (استاذ العلوم
السياسية
في جامعة بنغازي ليبيا، من فلسطين). عن «تطور
استراتيجية
الحوار في الحضارة الاسلامية مع الحضارات
قديماوحديثا». ثم
تحدث د. سمر عبد الحميد ابراهيم (استاذ في جامعة
الامام
محمد بن سعود الاسلامية، من مصر) عن «البوشيدو (روح
اليابان) وقيم الحضارة العربية الاسلامية»، فراى
ان تعاليم
البوشيدو هي روح اليابان ودستورها الاخلاقي،
وتحتضن مجموعة من القيم والمثل العليا مستمدة من
تعاليم
الكونفوشية والشنتوية. وحاول ان يجري مقارنة بين
هذه
التعاليم وتعاليم «الفتوة» في الفكر والتصوف
الاسلاميين
ليؤكدتقاربهما، وليؤكد كذلك ان ما حققته اليابان
من تقدم
كان بسبب حرصها الشديد على قيمها الروحية، وليس
بسبب
اندماجها في التقاليد الغربية، واستنتج الباحث
وجود
قيم مشتركة كثيرة بين روح اليابان وقيم حضارتها، وقيم الحضارة الاسلامية
ومبادئها، داعياالى ضرورة تعريف الامة اليابانية بالحضارة الاسلامية وقيمها الروحية
والتربوية.
ثم تحدث الدكتور سيد زين العابدين (من ماليزيا) عن
موضوع
الحوار في الاسلام.
راس الجلسة الصباحية الثانية د. ابو بكر باقادر (من
السعودية)،
وتحدث فيها السيدمحمد صادق الحسيني (الامين العام
لمنتدى الحوار العربي الايراني في طهران)عن
«الاسلام وحوار
الحضارات: نحن والاخر»، فعرف الاختلاف، واكد انه
سنة
كونية طبيعية وظاهرة ايجابية، ولا تتحول الى مشكلة
«الا
عندما تتحول معالجة الخلاف والاختلاف، لتصبح
نزاعا وشقاقا»،
وراى «ان الحوار بات ضرورة عالمية لا مناص منها،ما
دام
الواحد منا جادا في سعيه نحو رفعة الانسان في البيت
وفي
المدرسة وفي المعمل وفي القرية وفي المدينة وفي
العالم
اجمع... كما ان الحاجة للتكامل تجعل من ظاهرة الحوار
حاجة
ضرورية وماسة للجميع... ثم تحدث د. محمد اركال (عميد
كلية الالهيات في جامعة صاقريا تركيا) عن: «تطوير
الحوار بين
المسلمين والنصارى وبعض المقترحات اللازمة
لذلك»، ثم
تحدث د. اندرزيج كابيزوسكي (استاذ علم الاجتماع،
ومدير
قسم دراسات الشرق الاوسط والشرق الاقصى في جامعة
جاجيلونين بولندا) عن: «المواطنين والعمال الاجانب
في
بلدان الخليج: التعددية الثقافية في مجال العمل»،
فراى انه
يمكن عد انموذج الاحتكاك الثقافي في هذه المنطقة
انموذجا
لحوارالثقافات الذي لم يتطور الى صراع. ثم تحدث د.
محمد
خليفة حسن (مدير مركزالدراسات الشرقية واستاذ
بكلية
الاداب جامعة القاهرة) عن «الموقف
العربي والاسلامي من
العولمة والشرق اوسطية»، فراى ان الشرق اوسطية
ترتبط
بالعولمة ارتباطا عضويا الى حد يمكن ان نعدها معه
مشروع
العولمة الخاصة بالشرق الاوسط،الشرق اوسطية مثلها
مثل
العولمة، ظاهرة اقتصادية سياسية اجتماعية ثقافية
تحمل
في طياتها معاني الهيمنة والسيادة الاقتصادية
والسياسية،
وانتهى الى القول: ان السوق الشرق اوسطية مشروع
امريكي
اسرائيلي مرتبط بالعولمة الامريكية وتابع لها،
وتقوم
اسرائيل بدور وظيفي في الشرق اوسطية بوصفها مركزا
او
محورا يرتبط بالشرق اوسطية والعولمة.
الجلسة الثالثة راسها د. حامد احمد الرفاعي (رئيس
المنتدى
الاسلامي العالمي للحوار، من السعودية)، وتحدث
فيها الشيخ
محمد بن ناصر العبودي (الامين العام المساعد لرابطة العالم الاسلامي السعودية)
عن «الحضارة المعاصرة:
تجارب وممارسات». ثم تحدث د. حسن عبد الكريم
الوراكلي،
(استاذ الاداب والاسلاميات كلية الاداب، وجدة، المغرب) عن «ثقافة الحوار في
الاسلام: ادبياتها ومعطياتها
ومبادئها».
وقدم، في نهاية الجلسة، كل من د. تشارلز بتروث ونهاد
عوض
(من الولايات المتحدة الامريكية) مداخلتين في الموضوع.
انعقدت الجلسة المسائية الاولى برئاسة د. محمد بن
سعد
السالم (من السعودية) فالقى فيها رئيس الوزراء
التركي السابق
د. نجم الدين اربكان محاضرة عن: «علاقة
الاسلام بالغرب:
وراى وزير الثقافة الايراني السابق د. عطاء الله
مهاجراني، في
التعليق على رؤية اربكان الى الحضارة الغربية، انه
من الضروري
ان تكون الاحكام والانتقادات موضوعية،
فالحضارة
الغربية لها
فضلها ومجالات السبق فيها كثيرة، وتضخيم منجزات
الحضارة الاسلامية وتحقير منجزات باقي الحضارات فيه اجحاف لا يخدم الحوار
المطلوب. |