النص القرآني، المكانة والدور حيدر حب الله تكاد وجهات النظر جميعها تتفق على منح القرآن
الكريم مكانة
مرموقة في الاسلام والفكر الاسلامي، فيما تحافظ
السنة
الشريفة على موقع متميز في هذا الوسط.
لكن اشكاليات عديدة، اثارها ثنائي القرآن والسنة،
على امتداد
التاريخ، في الفكر الاسلامي، جعلت هذا الفكر يخضع،
على
اثرها، لتجاذبات بلغت درجة كبيرة من الحدة احيانا
كثيرة.
ونحاول هنا رصد تحولات الموقف، وتسجيل ملاحظات على
سبيل الايجاز والاختصار:
1 - اول اشكالية واهمها، على هذا الصعيد، تكمن في
الرسم
الهرمي لوسائل الاثبات في الفكر الديني، فرغم
تداول شعار
القرآن اولا والسنة ثانيا، فان تيارين آخرين وقفا
على حذر من
هذه المقولة: ولا نستهدف، فعلا، الخوض في جدل مع هذا الاتجاه، اذ له مجاله الخاص من علم اصول الفقه والكلام ايضا، وانما نركز على:
2 - ولا يبدو هذا الاتجاه كثير التناقض مع نفسه حينما
يجد
امتدادا له في فلسفات الكلام واصول الفقه، فنظرية
حجية خبر
الواحد وتخصيص العام الكتابي به الخ. .. اصول تحتية
لمشروع
اخباري في قلب علم الاصول، اي ان فكرة الحجية (التي
تعني
ابراء الذمة بالعمل بخبر الواحد وتحملها المسؤولية
ازاءه)
احدثت تشويشا في الذهن الاخباري (العملي)، فقد تم تخطي
الحجية، وهي نوع علاقة في دائرة المولوية
والعبودية (عقل
عملي)، الى التقدم الاثباتي لخبر الواحد على النص
القرآني،
وهو تقدم ينتمي الى المجال المعرفي لاثبات ما هو
كائن (عقل
نظري)، وهذا هو الخلط الذي حصل بين وظائف العقل
العملي
والعقل النظري،بين الحقيقي والاعتباري، فلنفرض ان
خبر
الواحد حجة، الا ان حجيته - بالمعنى الاصولي - تعني
العذر
للعبد اذا عمل به، وتحمل المسؤولية اذا لم يفعل،
وهذالا يعني
ان النص الروائي اضيفت عليه بهذه الحجية قيمة
معرفية اكثر
مما كان يملكه قبل اضفاء الحجية عليه، واذا خصص
عاما كتابيا
نتيجة منطق الحجتين، لا القطعي والظني، فهذا يفيد
في
العذر والتنجيز، لا في تخصيص عام كتابي على الصعيد
المعرفي، وهذه مسالة بالغة الحساسية، حتى لو اخذنا
بالاتجاه
الاصولي الذي اسس له الميرزا محمد حسين النائيني
والقائل
باضفاء الاعتراف التشريعي بالرواية بعدا علميا
عليها، بتحويلها -
اعتبارا - الى علم، فان هذا الاتجاه يرى ذلك في
دائرة النصوص
التي تملك بعدا عملانيا يمكن فيه الحديث عن تنجيز
وتعذير،
لا في تلك التي لا تحوي هذا الجانب، وهذا شاهد على
ان هذا
الاتجاه لم يدخل علمية الخبر الظني على الصعيد
المعرفي،
بقدر ما سعى الى توظيف هذا المنحى في نطاق تشريعي،
ولهذا
رفض النائيني نفسه اجراء الخبر في العقائديات، كما
حصر السيد
الخوئي - احد اتباع مدرسة النائيني - قيمة الخبر في
مجال
التاريخ بما اذا بان وجود اثر عملي له كالاخبار مما
يصح
وصفه بالحرمة والحلية، وهذا كله اقحام لموضوعة
«علمية
الخبر تعبدا» في دائرة الاعتباري لا في نطاق
التكويني. ومن هنا نجد ان السيرة العقلائية التي افترضت اساسا لحجية الخبر، لا تقوم - على الصعيد المعرفي بعيدا عن العملي والسلوكي - على تقديم ظن على يقين،بعيدا عن الحديث عن ظنية الدلالة في النص القرآني؛ الامر الذي يفسح في المجال لاعادة انتاج قراءة جديدة لخبر الواحد في الفكر الاسلامي تبدو اليوم في غاية الاهمية.
وبهذه الطريقة سالفة الذكر، يمكن وضع حد للتناقض المعرفي الحاصل في علاقة النص
القرآني بالرواية، اذا ما اردنا الحفاظ على قيمة الرواية على مختلف الصعد، تماما
كما فعل العلامة الطباطبائي في بعض زوايا تجربته القرآنية، حينما اعترف بالرواية مع
قناعته باستبعادها - بوصفها خبرا ظنيا -عن مجال التفسير، وبهذا يمكننا على الصعيد
المعرفي، طبقا لمنهج علمي، الخروج بنتائج تحكمها ضوابط علمية، منها تقدم اليقين على
الظن، وان كان التعامل مع النصوص من ناحية وظائفية - على تقدير صحة نظرية حجية خبر
الواحد انطلاقا من غير السيرة العقلائية (اوليا او ما يرشد اليها) التي لنا فهم آخر
لها - ربما يفضي الى نتيجة مختلفة. 3 - لكن الامتداد التاريخي العميق للحديث الشريف الى قلب نواة العلوم الاسلامية، ربما يشكل معوقا نفسيا، واحيانا معرفيا، عن ايجاد فصل معرفي بين هذه العلوم وبين الحديث، واعادة انتاجها على اساس قرآني، فقد كون الحديث علوما اسلامية برمتها كالفقه والتفسير والقراءات والتاريخ.. في مراحل تبلورها الاولى،ثم ما لبثت ان استقلت عنه، ليسهم في امدادها بوصفه عنصرا من العناصر، فقد سمى بعضهم الفقه «علم الفقه والحديث»، ولم يكن التفسير، في بداية امره، سوى احاديث، ولولا الحديث لما كان الفقه علما مذكورا كما يقول السيوطي... ومع ذلك، كيف نستسيغ ايجاد فاصل معرفي مستبعدين الحديث عن هذا الصعيد، ما دام هو المكون الاساس من الناحية التاريخية - العلمية للعلوم الاسلامية؟!
وفي مقام تقييم هذه المقولة، يمكن التاكيد على ضرورة تبني احد موقفين:
4 - لكن تحدي الثقافة القرآنية يبقى قائما ازاء
ظاهرة التفاصيل،
ثمة مقولة نمطية تضع السنة الشريفة (ممثلة
بالرواية) في
قائمة المفسر، والشارح، والمفصل لغموض القرآن
ومتشابهه
ومجمله وموجزه... وهذه الرؤية للقرآن والسنة، ادت -
ولا تزال -
دورا في خلق محدودية للنص القرآني، ذلك ان تطورات
الحياة الاسلامية جعلت التفاصيل واليوميات اكثر
حضورا من
الكليات والخطوط العريضة، وهذا امر طبيعي ومترقب.
نسجل، هنا، وان كنا لا نرفض هذه المقولة، ملاحظة
نقدية على
تهميش الخطوط العريضة لصالح التفاصيل، فما الامر
على
العكس من ذلك تماما، فالخطوط العريضة والمعالم
الرئيسية
التي رسمها النص القرآني هي الاقدر - لا اقل في
زمننا هذا - على
وضع فواصل نظرية واضحة بين تيارات الفكر في العالم
المعاصر،اما التفاصيل، فان ادخالها في هذا السياق
لا يزيد جدل
العصر الا تعقيدا وغموضا.
ان محاكمة دين معين، على اساس تفاصيل، خطوة لا تنم
عن
رسم واضح لمعالم هذا الدين، لان التفاصيل لا ترسم
بثبات
معلما، ولا تقيم عمادا من دون ان نتجاهلها
بالكلية، وانما
الحكم الاساس في معركة الافكار هذه هو الكلي الذي
يمثل
البنية التحتية والركائز الاولية، ومن ثم من الخطا
عد غير
القرآني عدا كميالتكون النتيجة ظنية اكثر الدين
(وهي
اشكالية بالغة اليوم)، فيما يستبعد التعداد الكيفي
الذي يقف
لصالح يقين النص القرآن وكليته، وبالتالي سيكون
الاستغراق
في جدل المفردة، استغراقا في متحرك، يصعب اقامة
مشروع
ديني متكامل عليه.
5 - ويبقى احياء القرآن في الاوساط الدينية اساسا
روحيا
واخلاقيا، لتكون مرجعية القرآن مرجعية للاهدى
والاقوم
والاصلح، فالمسالة الاساس اليوم على الصعيد
الروحي اصالة
القرآن واعتباره النص المؤسس، وهذا معناه ضرورة ان
يكون
الفعل الروحي للنص القرآني في حياة المسلمين اكبر
من اي
فعل بما فيه النص الثاني، لان اصالة النص القرآني
وصدارته
ليست معرفية فحسب، كما هو التصور السائد، بل هي
صدارة
الفعل الروحي والاجتماعي والسياسي... ايضا، بمعنى ان
حياة
المسلمين مطالبة في اندفاعاتها وحركاتها وسكناتها
باسهام
القرآن - في الدرجة الاولى - في هذه الاندفاعات...
لتكون
المشاركة القرآنية الشعورية والمشاريعية مشاركة
تحظى
بنصيب الاسد، اما الاعتقاد بصدارة النص القرآني
واولويته في
المجال المعرفي على اي نص آخر، مع تحريك النص
الثاني (الحديث و...) عمليا لواقع المسلمين بدرجة
اكبر من
النص الاول، فهذا نوع من اللاانسجام في الرؤية
الكلية، وهذا ما
يستدعي احضارا تربويا واجتماعيا للقرآن الكريم
يتناسب
ودرجته المعرفية ومستوى حضوره في تشكيل البنى
والمفاهيم، وهذه هي الاستجابة العملانية للصورة
النظرية
المكونة عن القرآن، وهو معنى مااثاره الامام
الخميني(قدس
سره) من ضرورة اخراج القرآن من المقابر ومجالس
الموتى الى
الحياة برمتها.
(ان هذا القرآن يهدي للتي هي اقوم ويبشر المؤمنين
الذين
يعملون الصالحات ان لهم اجرا كبيرا) [الاسراء/9]. تاريخيته وبنيته الموضوعية (2) د. عبد الامير زاهد
المبحث الثالث: نماذج متقدمة من الخطاب العلماني وقراءات متسائلة المطلب الاول: محمد اراكون ومشروعه للانتقال من الاجتهاد الى نقد العقل الاسلامي الفرع الاول: اشكاليات منهجية عامةيعد الباحث محمد اراكون كاتبا صدرت عنه نماذج متقدمة للخطاب العلماني، وفي تقديرنا، بعد استبعاد الدوافع غير البحثية، ان بحوثه جاءت لاهثة وراء عملية الاستفادة القصوى من الابستمولوجيا السائدة في الوسط الثقافي الاوروبي.
لذلك اول ما توصف به بحوثه انها ممارسة للتفكير
والكتابة في
الاسلاميات، بنمط تفكير اوروبي وبلغة غير عربية،
وباستخدام
غربي محض للمصطلح.
وعلى معايير ومفاهيم ووجهات نظر، تستقى من خارج
المنظومة الفكرية الاسلامية، تقاس وتوزن النتائج
الفكرية
لمقدمات بحثية اسلامية.
واذا جمعنا ذلك كله، فاننا يمكن ان نصف الانجاز
البحثي
لمحمد اراكون بانه «يتناول قضايا الاسلاميات
بتفكير غربي،
وبلغة غير عربية، وبمصطلح غربي، ويخضعها تماما
لموازين
قياس من خارج منظومتها الفكرية والثقافية».
ومن أمثلة هذا الرصد، في كتابه: «من الاجتهاد الى
نقد العقل
الاسلامي»، المظاهر الاتية:
1- انه يطلق على المذاهب الفقهية الاسلامية
«المذاهب
اللاهوتية»((1))، والحقيقة هي ان مصطلح
«اللاهوت» مصطلح
مسيحي يقابل «العلوم المدنية الانسانية»، ويرى
ان مفهوم
الاجتهاد تمرينات ذهنية لفهم كلام الله، تاسيسا
على اعتباره
مؤسسي المذاهب الاسلامية لاهوتيين.
2- ومشروعه محاولة لاخضاع فكر اللاهوت، كما يسميه،
الى
معايير انتروبولوجية((2))، اي اخضاع تفسيرات الوحي الى
«معايير فكرية بشرية انجبها علم الاجتماع
ومنهجه». وبهذا
يقلب اراكون نمط الاستدلال، من ضرورة اخضاع النتاج
الفكري الانساني الى معايير النص الموحى به الى
الانبياء،
باعتبار صدوره من المطلق الحاكم على كل فكر صادر
عما
دون المطلق، الى اخضاع المطلق الى غير الكامل لانه
نتاج
«عقل انساني» تحدده «امكانات البيئة المكانية
والزمانية ومقدار
الوعي».
3- يحاول اراكون فهم النص الموحى به على اساس مناهج
بحثية، بشرية، محضة، فينقد الفهم «الاركولوجي»،
اي الباحث
عن جذور اية مسالة دينية، ويسعى الى فهمها وفق
المنهج
الفللولوجي((3)).
4- ونجده يفكك الملكات العقلية (او العقل
الاجتهادي) الى
عقل فلسفي، وعقل لاهوتي، وعقل الهي((4)).
5- وعليه، فهو يساوي بين القانون الكنسي الذي
اسقطته
العلمانية في اوروبا وبين الفقه الاسلامي واصوله،
ويدعو الى
حركة علمانية جديدة في العالم الاسلامي((5)).
ان هذه الامثلة التي سقناها تبرهن على اولى
اشكاليات البحث
في الاسلاميات عند محمد اراكون، والتي تعد من نواقص
التواصل بين ما هو سائد وما ينبغي ان يكون. لانه من
الثوابت ان
لكل ثقافة مفاهيمها الخاصة ومنطقها المتخصص
ومصطلحها
ولغتها التي تكونت عبر نحت تاريخي للفكر وطبيعة
المفاهيم،واستقرت على تحديدات حصل بها تبادر نوعي
للعقل
المخاطب، واستندت الى معايير برهانية محددة،
فمحاولة
تفكيك هذه الثقافة بادوات غربية، احدى نواقص البحث
وعيوبه
عند محمد اراكون وثغرة في المنهج والمعرفيات من دون
ادنى ريب. يعد كتاب اراكون: «من الاجتهاد الى نقد العقل الاسلامي»، كما يصفه مترجمه، محاولة لتحديد مفهوم الاجتهاد، ثم الانتقال منه الى نقد العقل الاسلامي، بحيث يشكل ذلك النقد امتدادا للاجتهاد نفسه.
وهنا نلحظ قضية، طالما اشرنا اليها، وهي ان الخطاب
العلماني
المعاصر عازم على ان يدخل باهدافه من بوابات
اسلامية.
وفي متن البحث، يعترف اراكون ان منهج الاستشراق
(الفللوجي) منهج غير مجد لدراسة الفكر الاسلامي.
ان المنهجية البشرية (المدانة) كانت، يوما ما،
الانجاز العلمي
الاخير، واراكون يحاول اخضاع هذا الفكر لمنهج جديد
سيصبح
قطعا غير ذي جدوى بعد حين،لاننا واياه نؤمن
بالطبيعة
التطورية للعلم ومناهج البحث. وفيه ان جهود
الاستشراق،
على مدى قرنين من الزمان، كانت سائرة على منهج
مغلوط.
لذلك جاء ليقيم اسس بحثه على «الحقائق
السوسيولوجية»، ثم
يسجل اعترافا مهما بقوله: «لم تعد مسالة الدين كما
كانت
تعامل على انها مسالة رجعية، فلقداصبحت تحظ ى
باهتمامات
المفكرين»، وهدف اراكون من ذلك هو: اجراء عملية
الفصل
بين «الوحي النص»، وبين الفكر المؤسس عليه
تفسيره، ليقرر
ان فكرالنص وثقافته وليدا عصورهما، ما يعني انه لا
بد لهذا
العصر من فكر وثقافة عن معطياته.
وبذلك، يلغي هذا النمط من الخطاب العلماني ما صار
من
الثوابت في فكر النص وثقافته من دون عملية اثبات
عدم
جدواه العلمية، لذلك فهو يستبسل اولالاحباط
«احتكار الفقهاء
لقضية الاجتهاد»، ليجعله حقا عاما يمارسه المتخصص
الممتلك للادوات وغيره على السواء. وفي ذلك، كما هو
واضح،
دعوة الى فوضوية الثقافة، بل يشارك زملاءه في
الهجوم على
«مقولة ان القواعد الاصولية هي المعيارية الوحيدة
لاستنباط
الاحكام».
لئلا تقف هذه المعيارية في وجه ما يسمونه «الحداثة
العقلية
الثقافية»، يرى اراكون ان اجتهاد محمد عبده
و«مدرسة المنار»
عبارة عن منهجية ذرائعية منفتحة لدفع المفاهيم
التي كانت
تعد بدعا وتمثلها((6)).
ويعتقد جازما ان المعرفة، في الستينات، حولت مفهوم
الاجتهاد من كونه تمرينات ذهنية لفهم اللاهوت الى
تطبيق
للمناهج المعاصرة في فهم النص.
لذلك فهو يرفض ما يسميه ب «الارثوذكسية» التي
يحتكرونها
في انتاج القانون، ويرى مخالفا، الجابري، ان
الشاطبي لم يقدم
جديدا انما كان تكرارا مدرسيا لتصورات وهمية لا بد
من
مواجهتها لزحزحة شروط الاجتهاد من كونه محاولة
لفهم
النص اللاهوتي الى طرح تساؤلات ناقدة لكثير من
المواقف
العقدية والقانونية. ويمثل لذلك بموقف الشريحة من
المراة((7))،
ويشير الى محاولة الاستاذة فاطمة ميرنسي،
الاستاذة في جامعة الرباط، في اعادتها تفسير النص
لصالح المراة، فنالها غضب رجال الدين.
اذا فهو يدعو الى فهم القواعد الاصولية
«الكلاسيكية»، ثم الى
اجراء خطوة نحو الحداثة باستخدام المعرفة المعاصرة
في فهم
النص. وفي ما ياتي انموذج تطبيقي:
يرى ضرورة اعادة تفسير الايات: (12، 176) من سورة
النساء
و(180، 182، 240) من سورة البقرة بقراءة الايات قراءة
جديدة،
اي اعادة تفسيرها، ورفض ماذهب اليه الاجماع من
تفاسير، بل
الهجوم على الاجماع نفسه، اي قراءة اللاهوت تحت
ضوابط
«انثرولوجية الوحي». ويجد نفسه مضطرا، لكي يسقط
اقوال العلماء في تفسير الايات، الى مراجعة تفسير
الطبري
وتتبع ما يراه نقصا، مثل عدم ترجيحه للراجح من بين
ما عرف
من اقوال.
ويقرر ان الاجماع «عددي لا نوعي عن وعي، وان اقوال
المفسرين في الايات المتقدمة شكلتها الصيرورة
التاريخية
التي اعتبرها وراء الاغلبية (الاجماع)»، ثم افادان
الفهم الارقى
يواجهه المفسرون بمقولة النسخ متى اصطدم الراي
الارقى مع
المصالح الضاغطة.
ثم يهاجم «جدوى» الاسناد، ويرى انها تمت في اطار
كتابة
المدونات تحت تلك المصالح التي سماها ضاغطة.
ثم ينتهي الى ان تلك الاراء كانت تنقصها، آنذاك،
الامكانيات
المعرفية والمنهجيات المناسبة لمقاصد النص.
وفي ضوء ذلك التصور يقرر ان الطبري، كغيره، استبسل
كي
تبقى قضية «الكلالة» غامضة جريا وراء ما يريده
النظام المعرفي
السائد؛ وذلك لان التفسير الصحيح،في رايه، يحدث
وضعا
يزعزع نظام الارث العربي، وبهذا ينتهي الى ان
المفسرين
اوجدوا هوة كبيرة بين مقاصد القرآن، وبين ما كانت
تريده
اوضاع المجتمع والدولة آنذاك.
اذا فهو يدعو الى تجنيد باحثين للكشف عن الاوضاع
الاجتماعية المختفية وراء الاراء المدونة، او
المشافه بها في
عصر المشافهة، للوصول الى معنى للنص محمي من اي
تاثير
للتراثات الفكرية الخارجية. وكما كان منهجه في
الاية
المذكورة، سار في تفسيره للايات (180 - 182) و(240)، من
سورة البقرة، حول آية الوصية وآية المتاع الى
الحول لمن يتوفى
عنها زوجها، فقرر ان المفسرين اهدروا حق المراة،
استجابة
منهم لضغط العرف بحجة النسخ، والحال ان دافعهم
حصرحرية
التوارث، ثم يقرر اغرب نتائجه:
ان علم الارث شكله الفقهاء بما يتناسب مع القيود
الاجتماعية
السائدة، وان النص يتحمل غير هذه المعاني وبما
يتناسب مع
الوضع المعاصر.
ان هذا الاحتطاب الليلي، عند اراكون، يثير
الانتباه الى ان هذه
المسائل قد حظيت بتراكمات خبرية وعقلية واسعة،
وعريضة،
منها: اعراضه عن علم دلالة الالفاظ،فهو لا يفرق بين
الالفاظ
الدالة على الوجوب في نظام اللغة العربية التي نزل
النص بها
وفسر بها، وبين ما لا يدل كقوله تعالى: (ان ترك خيرا
الوصية).
وان العلماء غير مجمعين على النسخ، فلم يقل به الا
القليل،
وان الاغلب يقولون بالتخصيص، بل في تفسير الايات
وجهات
نظر متعددة، اغلب الظن ان اراكون لم يطلع الا على
الطبري،
وهو حلقة متقدمة في تراكمات العلم.
اما النسخ فهو قضية لا تثبت الا بالخبر «نصا»، وحيث
لا خبر
معتبر ينص على الناسخ والمنسوخ، فقد تركت
للاجتهاد، الا ان
اراكون يريد ارجاع الناسخ والمنسوخ الى اسباب
النزول، وفي ما
هو معروف عن عدم الضبط والقطع، بل والاختلافات التي
في
اسباب النزول نفسها. يقرر اراكون ان الاجماع تكرار عددي صيرته ضرورات اجتماعية وثقافية، ليقرر بعد ذلك اكتساحه من طريق التفسيرات الشاذة غير المنضبطة بضوابط «من تلقى النص»، ممن فهموه لغة وبيئة، واتفقوا على مراده، ويحق للنقاد هنا ان يذكروا ان الاجماع ليس مصدرا من مصادر الفقه فقط وانما مصدر للقوانين الوضعية ومشرعي الدساتير، لانه ببساطة عبارة عن «اتفاق اهل قضية ما على موقف قانوني ازاءها مستمد من مصادر محددة».
فهو، من جهة المبدا، قضية عقلانية تشترك في
اعتبارها عقول
البشر كافة، فاذا كان في الشريعة عبارة عن نتاج
لصيرورة
اجتماعية، فهو كذلك في جميع القوانين والافكار
المجمع
عليها، ومنها الفكر المعاصر، بل والمنهجية
الاراكونية حتى في
حالة ما اذا حظيت باجماع. هذا من زاوية، ومن زاوية
اخرى
يصادر اراكون قضية نفسية روحية انفرد بها صناع
الثقافة
الاسلامية، من مفسرين وفقهاء، وهي قضية التقوى
والخوف
من الله في الفتيا وفي القول بكتاب الله بالراي
المحض.
ان عدم احتساب دور الورع ظاهرة في الفكر البشري
العلماني
سحبت على صيرورة ثقافة النص القرآني سحبا غير موفق.
فاذا اشكل علينا ان اجماعات غير موفقة حصلت، في
تاريخ
الثقافة والمواقف الاسلامية، فذلك لا يقدح بمبدا
الاجماع،
وانما بتطبيقاته، وهذا ما يقع فيه الخطاب
العلماني؛ اذ انه
يعول، ابدا ودائما، على التطبيقات من دون عرضها على
معيار
النص نفسه.
ومع ذلك كله فان الاصوليين، من علماء الاسلام، قد
نظروا
للاجماع الحجة تنظيرات ضابطة، فمثلا لم يعد اكثرهم
الاجماع السكوتي حجة، فقد سماه الرازي ماادخل في
الاجماع
وليس منه((8))،
وذكر قول الامام الشافي: انه ليس بحجة،
ومعه اساطين المعتزلة وعلماء الامامية.
وفصل غيرهم انه ان كان القول بسبب ضغوط السلطة فهو
ليس باجماع ولا حجة. وفسر المتساهلون من العلماء
فيه
السكوت بان الفقيه غير المعترض عليه ربمايراه
سائغا الى حد
ما، ولم يصل الامر عنده الى حد القبول او حد
الاعتراض، او
ربما لاعتبار التصويب عند بعض الاصوليين، فلا يرى
الانكار
عليه فرضا.
اما ما ذكره اراكون من الاجماع على عول الفريضة في
الارث
في زمن عمر، فلم يكن اجماعا لمخالفة ابن عباس له
وحشد
من الصحابة وجميع الامامية وابن حزم((9)). وعلى رفض الاجماع السكوتي انشئت قاعدة: «لا ينسب الى ساكت قول»((10)) ونلحظ للجباشي من المعتزلة موقفا ناقدا، اذ يرى انه يكون حجة اذا زالت الظروف الموجدة له، وبقي الاتفاق على الحكم، بل حتى المعتبرين له حجة اشترطوا لحجيته ان لا تظهر امارة انكار عليه مع القدرة من قبل مجتهد واحد من بين آلاف المجتهدين، بل ولا امارة سخط او تقية((11)).
وبهذا نلحظ ان الفكر الاصولي قد ضبط المسالة من
مختلف
جوانبها. لذلك كله يرى الباحث ان اراكون كان غير
موفق في
مقدماته للوصول الى النتائج التي قررهافي بحثه من
الدعوة
الى:
-
تجاوز المفهوم التقليدي للاجتهاد الى استخدام
وسائل النقد
الحديث للنص، على انه لو اغمضنا العين عن «العزوف
غير
المبرهن عليه عن التراث الاصولي»،فعناصر النقد
الحديث
تحتاج الى انموذج يعادل ذلك التراث، وهذا ما لا
يوجد الا عنوانا
يفتقد الى التفاصيل، لكي تتقرر بعد النظر فيه،
صلاحيته بديلا
للتراث الاصولي او عدم صلاحيته لذلك.
-
الفصل بين «النص» وتفسير النص، بوصف الاخير ناتجا
عن
الشروط التاريخية لعقل المفسر. والحال: اذا كانت
الاوضاع
التاريخية قابلة للفحص، فان قوانين اللغة مستقرة
وسماعية
وغير قابلة لاعادة النظر باجتهاد معاصر.
-
اخضاع النص لمقتضيات الفلسفة الحديثة للغة ومسالك
التوصيل المعاصرة، وهذا يتطلب ان يقام الدليل على
«ان ذلك
الاساس» قد وصل الى درجة القطع واليقين ليبنى
عليه مشروع
الامة الفكري، وهذا غير متيسر.
-
لم يستطع اراكون ان يخفي مجموعة من النتائج التي
يرغب
في الوصول اليها من جراء خطابه العلماني، والتي
ساكتفي
بذكرها كما هي محيلا على فهم اللبيب لاستيعاب
مراميها،
وهي:
1 - انه يقرر ان الاسلام لا يملك مقاومة ذاتية
للعلمنة، وبفعالية
اكثر من النصرانية، وحجته ان منطق الاديان واحد.
2 - ويرى ضرورة تصفية جميع الافكار التي تزعم ان
الاسلام
قادر ذاتيا، وبفعالية عالية، على مقاومة العلمنة،
للسبب نفسه
اعلاه.
3 - ويرى ان اخضاع النص لبرنامجه يخلص علوم الشريعة
(اللاهوت) من كونها نظاما للاستعباد، ويسقط التشنج،
وعدم
التسامح في الصراع في منطقة العالم الاسلامي «بين
اليهود
والعرب» والصراع الفلسطيني الاسرائيلي، باسقاط
مفهوم
الجهاد والحرب العادلة من قاموس التفكير الاسلامي
المعاصر((12)). صدر هذا الكتاب في تونس عن الدار التعاضدية العمالية للطباعة والنشر، صفاقس، وسجل ايداعه في اواخر عام 1985.
يبدأ الكتاب بوضع اسس لفرضياته، يقرر فيها:
1- ان التخلف ظاهرة اجتماعية - ثقافية، سببها هبوط
فاعلية
القيم والمفاهيم، لذلك فان اي مشروع نهضوي لا بد
له، بدءا،
من ان يقيم جذور الاسس الفكرية اقامة سليمة بوسيلة
القيم
والمفاهيم. ويميز بين القسمين بان الاول مصدره غيبي، وسلسلته مستمدة من الله، واساسه الوحي، ومناهجه ثابتة، وهو فكر توليدي معياري غائي غالبا ما يحصل فيه الخلط بين الذات والموضوع واللاشعور والتنبؤ، بينما الصنف الثاني مصدره الانسان، ومحوره الطبيعة والانسان، ومنطقه الجدل، ومعاييره نسبية الحقائق وتاريخيتها،وبه يميز بين الاسطورة والمعرفة التاريخية((13)).
لذلك يرى شقرون ان اي انتقال ثقافي، في مجتمع ما، من
الثقافة الدينية الى الفكر «العلمي»، يعد ثورة لم
تتحقق الا في
بعض المجتمعات. ولكي يسند هذاالتعميم الذي ليس اكثر
من
دعوى عريضة، اختار مجموعة من المرويات التي لا
يترتب
عليها اثر في تصور كوني، ليدل على ما يذهب اليه،
ومنها:
كرامات الاولياء وموقف الشهرزوري من تحريم التعامل
مع
الفلسفة الوثنية، وسخرية زكي نجيب محمود من جاهل
خاطبه مفيدا ان الارض لا تدور؟ ثم يعود لمسار
بحثه،فيتساءل
عن اسباب العجز النهضوي العربي، ليقرر ان المحتوى
الثقافي
للعقل العربي هو التراث الديني.
وهكذا يتوصل الى عرض مفاصل مشروعه في ما ياتي: وذلك «بتطوير القيم الفكرية للتراث من خلال علوم الغرب وتقنياته ووعي الشروط الايديولوجية التي انتجته، والعراقيل التي وضعت امام تحرير العقل العربي»((14)). و«باشاعة الفكر النقدي» كما وجد في اوروبا((15)).
ويتناول شقرون مجموعة من الظواهر في تاريخ الثقافة الاسلامية، ومنها: ظاهرة
الصراع بين الفكر الاسلامي والفلسفة اليونانية، فيتساءل، اولا، عن الاسباب التي
اوجدت الصراع والتي حرمت المجتمع منها. حرمته، كما يرى، من العلم. ويرى ان قضية
الزندقة اتسعت لتشمل كل من يحكم العقل. ويقرر ان الفلسفة لا تنتعش الا في ظل اقتصاد
حركي نشط واوضاع سياسية تسع الراي الاخر. ويستخلص ان السبب هو «تقديس النص»، ويعزو
الامر الى الاسباب التاريخية المكونة للشخصية العربية، في الجاهلية، ذلك ان العربي
لا يفكر بقدر ما يحفظ، فثقافته ثقافة الذاكرة، لا ثقافة العقل. ويتوصل شقرون الى ان
تاثر الفكر العربي المعاصر بالفلسفة الحديثة (الفرنسية)، من خلال مجلة المقتطف
(1876م) ونتاج الجامعات العربية المتاثرة بالمنهج الاوروبي، قد انجب مؤلفات مهمة
مثل «الاسلام واصول الحكم» لعلي عبد الرازق (1925)، وكتاب «الشعر الجاهلي» لطه حسين
(1926م)، وهما قد تاثرا بالمنهج الديكارتي، ولم تسر السفينة، بل وقفت في وجه ذلك
التاثر سلفية معاصرة اعتمدت حجج الغزالي نفسها.
والخطاب الاسلامي المعاصر، في راي شقرون، لم يميز
بين
الغرب (الاستعمار) والغرب (الثقافة والعلم)((16))
ان خطاب شقرون يتناسق مع القواسم المشتركة للخطاب
العلماني بصورة عامة، فهو معجب بفكر الغرب، بل مقدس
له،
ويرى ان الثقافة فكر بشري يوجد نصا، فلا يستطيع ان
يهضم ان
الثقافة الاسلامية بدات نصا انجب ثقافة، كان النص
اساسا
لتصور كوني شمولي، لذلك فانها لم تكن بحاجة الى
«فلسفة»
تصدر لنا تصوراكونيا، وبذلك سقط خطاب شقرون في
النقيصة
المنهجية نفسها للخطاب العلماني الذي حاول فيه
تفكيك
الثقافة الاسلامية ووزنها بادوات غربية، وبذلك
لايحسن هذا
الخطاب في توصيف المقدمات ولا في استقراء النتائج. الخاتمة
ويمكن، في نهاية البحث، تركيز النتائج الاتية:
1- ان المشروع النهضوي العربي المتصل بتاريخ الامة
وصيرورة ثقافتها والمكون لشخصيتها هو المشروع
الاسلامي،
وان الاتجاه العلماني دخيل على الثقافة العربية
الاسلامية،
ومجرد وجوده، مزاحما في مسرح المشاريع النهضوية،
محاولة
لتعطيل الامة عن اكتشاف هويتها المعاصرة وبلورة
مشروعها
النهضوي.
2- ظهر - من خلال المقارنة - ان مراحل تطور الخطاب
العلماني
مناظرة لمراحل خطاب الاستشراق والمسالك الفكرية
للهيمنة
الغربية على العالم الاسلامي، وسواء اوجد ذلك
الخطاب من فكر
الاستشراق ام من الهيمنة الغربية ام من توافق
الخطابين، فانه
يعبر عن المضامين نفسها، ويحقق الاهداف نفسها.
3- ظهر ان ذلك الخطاب لا يزال مشدودا، في ما يتعلق
بالمكون التاريخي لثقافة الامة، بصوره جميعها، الى
الفكر
الغربي والتجربة الغربية.
4- لوحظ، من خلال التحليل التاريخي، ان الخطاب
العلماني،
في مختلف مراحله ومضامينه واهدافه، قد غير أسلوبه
وفقا
للنجاحات والاخفاقات التي عرفها، عروكانت مراحله
السابقة
منها سببا للاحقة والتالية نتيجة للسابقة، وان ظهر
منه نعي
كل مرحلة سابقتها واتهامها بالاخفاق والخيبة.
ولوحظ ان
الاستشراق والعلمانية توجها اولا الى التقليل من
قيمة النص
القرآني ونصوص الله واستبدالها بالثقافة
الغربية، ثم الى
مهاجمة تفسيرات النص بوصفها وسيلة للوصول
الى تقويم
ثقافة النص والتخلص من ضوابط علم الاصول الذي يضبط
انتاج ثقافة النص بقواعد صاغتها اجيال من
المفكرين، مبرهنة
عليها بغير دليل علمي.
5- لدى تحليل البنية الموضوعية لذلك الخطاب، ظهر
انه
يتصف بنقائص منهجية في اسلوب تناوله لقضاياه،
ونقائص
معرفية في تاصيل معرفياته ومعلوماته المساقة. وظهر
ان
استدلالاته على فرضياته استدلالات غير رصينة وغير
منتجة
لاهدافها.
6- لوحظ ان ذلك الخطاب، على الرغم من انفراده، على
مدى
قرن او يزيد في الساحة الثقافية العربية، وعلى
الرغم من
امكانياته المتعاظمة، وعلى الرغم من تردي تقنيات
الخطاب
الاسلامي المضاد له وعدم السماح له بالظهور، انه لم
يحقق
انجازا ملموسا. وليس ادل على ذلك من اتساع المد
الاسلامي
في العالم العربي والاسلامي. بل ربما يتحمل رواد
ذلك
الخطاب ظاهرة العنف لدى الاسلاميين بوصفها رد فعل
للقمع
والاضطهاد الفكري والجسدي الموجه اليهم. ان الحرية
والديمقراطية شعارات يرفعها العلمانيون متى كانت
الاستفادة
غير المشروعة لهم منها متحققة، لكن متى ما تحولت
الى
وسائل للمواجهة الفكرية لهم في حدها الادنى
تنازلوا عنها فكريا
وعمليا، وتجارب غير قطر عربي تؤيد هذه الملاحظة.
7- لوحظ ان هذا الخطاب يركز حواره في البنى الفوقية
للثقافة المفسرة للنص الاسلامي، ويعزف متعمدا -
ربما لعدم
قدرته - عن البدء، في حواره مع الخطاب الاسلامي، من
الاسس
العقدية.
8- يلتزم الخطاب العلماني بالتركيز على التطبيقات
المنحرفة
للنظرية الاسلامية في احقاب تاريخية، لظروف
معروفة،
ويتخذها مادة للتشهير بالتجربة الاسلامية. ويعزف
متعمدا عن
الجوانب المشرقة في تلك التطبيقات، فهو انتقائي من
جهة،
وفاقد لنقطة شروع واحدة في حواره مع الاسلاميين من
نقطة
الاسس العقدية الكبرى في التوحيد والخالقية
والحاكمية من
جهة اخرى.
9- لم يقدم الخطاب العلماني نظرية شمولية للحياة،
انما كان
عبارة عن فكر ملفق من مناشى متعددة لا يربط بينها
رابط
الاسس الفلسفية الكونية الواحدة كالخطاب
الاسلامي.
10- لوحظ ان الخطاب العلماني اخفق في محاولته
الكسيحة
لالغاء التراث برمته والتراكم العلمي فيه؛ وذلك
يعود الى
امرين: اولهما عدم قدرة العلمانية على اثبات اخفاق
ذلك
التراث وخطئه بالبرهان العلمي القاطع، وثانيهما
عدم تقديمه
بديلا مكافئا له.
11- يهدف الخطاب العلماني الى اسناد ايجاد تصور
كوني
شامل للنهضة المعاصرة الى العقل البشري والتجربة
التاريخية
عموما، وهما معا محدودان بحدودالمكان والزمان
ودرجة
الوعي.
12- استفاد الخطاب العلماني من بطء التطور الفكري
للتفكير
الاسلامي المعاصر وتلكئه في صياغة افكار (بمضمونها
الاكثر
رقيا) في اسلوب عرض معاصر، فانتقد الخطاب الاسلامي
مصورا اياه انه عاجز عن استيعاب الحاضر.
13- يدعو الخطاب العلماني الفكر العربي المعاصر
برمته الى
الاندماج في الحضارة الاوروبية تحت شعار الكونية،
والعولمة،
وبذلك يميع ذلك الخطاب الخصوصية القومية للعرب
والمسلمين، ويحدث شرخا بين الحاضر والماضي، ويفقد
المستقبل امكاناته في النهوض.
14- سيقت بعض صور الخطاب العلماني باسلوب تفكير
غربي،
وبلغة غير عربية، وبمصطلح وليد ثقافة غربية،
وبمعايير يوزن
بها الفكر الاسلامي من بيئة ثقافية غربية، وفي ذلك
اعراض
متعمد عن حقيقة ثابتة، وهي ان لكل فكر منظومة من
المفاهيم ومنطقا متخصصا وتاريخا للنشوء والتطور،
وفي ذلك
وحده نقيصة كبيرة يتصف بها الخطاب العلماني.
15- ان الخطاب العلماني، في عرضة للافكار، انتقائي
غير
موضوعي، فغالبا ما يستعين باختيار الراي المرجوح
والاضعف،
ويعزف اما جهلا او تعمدا عن الاراء الراجحة
والرصينة مع
وجودها وشهرتها.
16- لا يريد الخطاب العلماني ان يتعامل مع النص
الاسلامي
وفكره على انه بناء هرمي متكامل من الاسس الكبرى
للتصور
الكوني الى آخر فرعياته بتماسك شديد. بل يركز فقط
على بعض
المواقف من جنس البنى الثقافية الفوقية.
17- لا يستطيع الخطاب العلماني ان يتصور «الموازنة
الاسلامية» في ثقافة المسلمين بين الماديات
والروح
ومتطلباتهما، فيركز على تقييم الافكار على اسس محض
مادية.
18- من كل ما تقدم، يتقرر ان على رواد الخطاب
العلماني، اذا
ارادوا ان يكونوا اصحاب اقلام نزيهة ومخلصة
للمشروع
النهضوي:
أ - ان يفكوا الارتباط، في بناهم الفكرية، بين هذه البنى وبين التبعية للثقافة
الغربية. تاملات منهجية في قراءة التاريخ الاسلامي الشيخ حيدر حب الله تمهيد
يعد
علم التاريخ، اليوم، من اهم فروع شجرة المعرفة البشرية، وقد شهد هذا العلم تطورات
كبيرة مهمة في المرحلة الاخيرة، واتسع نطاقه ليتجاوز التاريخ السياسي وتاريخ
السلاطين ليصل الى المعرفة، والى العلم نفسه.
لقد شعر البناء المعرفي الانساني - ومن خلال
التطورات العلمية -
باهمية الظاهرة التاريخية معرفيا، وصار هناك احساس
بان
التاريخ يمكنه ان يمد فروع المعرفة الاخرى بالكثير
من المواد
المعرفية التي من شانها انضاج العلم كله؛ فالوثائق
التاريخية
والتدوين التاريخي اسهما، ولا يزالان يسهمان، في
حفظ الحضارات واستمرار كينونتها، وارتكز الدين
نفسه على
التاريخ، فشكل العقل التاريخي جزءا لا يتجزا من
العقل الديني
عموما، حتى وصلت الحال الى ان ذهبت بعض الاتجاهات
الدينية الى عدم الاعتراف باي شرعية علمية سوى
للتاريخ
الديني. ومن هنا يلاحظ انه بقدر ما اصيب البحث
التاريخي
ومعطياته بازمات ومشكلات ونواقص بقدر ما انعكس ذلك
ضررا وتازيما للمعرفة الدينية نفسها... بل تعدى
الامر الساحة
الدينية الى الادب والفن فاتك آ على التاريخ،
فشكل العديد من
النتاجات الادبية المكتوبة والمقروءة: شعرا ونثرا،
قصة ورواية،
وكذلك النتاجات المسرحية والسينمائية.. التي استقت
من
التاريخ مادة لها.. شكلت هذه النتاجات شاهدا بارزا
على مدى
التاثير الذي احدثه التاريخ في المجالين: الادبي
والفني..، فقد
امد بما يحمله من قداسة وعمق هذه الجهود بالكثير
من فرص
النجاح والجاذبية، ومنحها بتاثيراته المتوغلة في
النفوس
مجالات كبيرة للتاثير والصنع.
وتسارعت وتائر الحضور التاريخي في الحياة العلمية
والعملية
الى ان وصلت الحال الى تشكيل تاريخ العلوم الذي
تمخض
عنه، بعد سلسلة تطورات، ما يسمى اليوم بالقراءة
التاريخية
للفكر، وما تحمله هذه القراءة من ميزات، وما تقدمه
من
معطيات ربما قلبت الكثير من الموروث في بعض
المجالات.
نستهدف، في هذه المقالة، اثارة جملة من الافكار
المتصلة
بدراسة التاريخ الاسلامي، والتعرض لجملة اشكاليات
معاصرة
في الوسط الديني، كان لها غير تاثيرعلى الوضع
الفكري
الاسلامي عموما. وسوف نحاول تقديم هذه الاشكاليات
على
شكل عناوين فرعية تعالج كل منها اشكالية، كما سوف
نسعى،
في آخر المقالة،الى اثارة دعوة لتاريخ واقعنا
المعاصر بصورة
سليمة، وعدم ترك الامر للدول والحكومات او
التكتلات
العالمية. هل هناك حاجة للدعوة لاعادة النظر في التاريخ الديني كله؟
ثمة دعوة لاعادة النظر في منظومة التصورات التاريخية التي تمس الاسلام وتلتقي
به، يقابلها تحفظ شديد يميل الى الابقاء على التصورات الموروثة جميعها، بل ويميل،
احيانا، ايضا، الى اقفال ملف الجدل فيها. يجب تقديم جواب معقول عن التساؤل الاتي: ما هو مدى صحة الدعوة هذه؟ والى اي حد من التفاؤل والتشاؤم يمكن التعاطي مع الموروث التاريخي اليوم؟
بداية، لا بد من معرفة الاسباب التي ادت الى ان تجتاح موجات الشك بالتاريخ
الاوساط الدينية. ومن طريق ذلك يمكن تفهم هذه الظاهرة بشكل هادى وموضوعي وعقلاني،
فبعيدا عن السياق العام الذي يثيره موضوع الغرب، في فكرنا وثقافتنا، يمكن الاشارة
سريعا الى جملة اسباب ابرزها: أ - اشكالية الخطاب «الدوغمائي»: فقد قدم التيار المدرسي خطابا جزميا قطعيا في شان طائفة كبيرة من احداث التاريخ، وسيق هذا الخطاب ضمن اطر نهائية ناجزة، فقد شعرت القاعدة بان موضوعات كثيرة محكومة بالبداهة، لان الخطاب النمطي الدوغمائي قدم تصورات كثيرة عن التاريخ بهذه الصورة، وعندما جرت مناقشة بعض هذه التصورات، وتم تفنيد جملة منها، ارتد ذلك ارتكاسا في الثقة المحمولة عن التاريخ، وشاعت نتيجة ذلك موجات الشك، لان العقل الانساني - كما حصل غربيا في عصر النهضة وما بعده - فقد ثقته بالتصورات الموروثة عندما انكشف له زيف قضايا قدمت له بوصفها قطعيات جازمة لا مجال للشك فيها، ولما وجدها هزيلة فقد اعتماده على ما تبقى.
هذا الخطاب المليء ب«الدوغمة»، كان سببا في ردة
الفعل
السلبية هذه، ونحن وان كنا لا نحصر هذه العاهة
بالمجال
التاريخي، لكننا نرى التاريخ، علميا، ابعد
من غيره، كالفلسفة
والكلام والاصول، عن هذا النوع من الخطاب.
المطلوب اليوم، عموما، وفي النطاق التاريخي خصوصا،
خطاب
علمي منفتح يثبت امرا من دون ان يشبع اثباتاته بجزم
تعسفي،
او يسد الباب على اثارة احتمالات او تصورات
متعددة، وعبر
هذه الطريقة يمكن تخفيف ردات الفعل السلبية الى حد
ما.
المطلوب استبعاد هذا العقل المستقيل، والاحساس
العميق
بان حركة العلم والبحث لا تتوقف ابدا، والاهم
الاقرار بان
التحولات المنهجية والانقلابات الكيفية في العلوم
تستدعي
معها اعادة قراءة الموضوعات السالفة، وفق المنهجية
الجديدة،
وان الاتكال على جهود من سبق امر قد تتم الموافقة
عليه في
غير حالة التحول المنهجي العام. |