ومن هنا نتوقف قليلا
عند مقولة «الثوابت» التي يفترض انشاء
البحث عليها، ولا بد من الانتباه الى ان هذه
المقولة التي تحيل
اعادة النظر في الثوابت نفسها، لاتجدي في حالات
التحول
المنهجي، لان حدوث نقلات منهجية كبيرة وقفزات
كيفية
حادة يلغي منهجيا ما نسميه نحن «ثوابت»، لان
الثابت ليس
سوى معطيات قريبة جدا للمنهج، بمعنى انها لا تفترض
امتدادا
استدلاليا يبعث على الشك في احدى فقرات الدليل،
فكلما
كانت الفكرة اقرب الى اختزال الاستدلال في
المنهج كانت
اقرب الى ان تتحول الى ثابت، كما ان تراكم الاعتراف
بقضية ما
تراكما زمنيا يفضي هو الاخر الى تحول موضوعة ما الى
ثابت،
وعندما يحصل الانقلاب المنهجي يختل كلا هذين
الميزانين،
ذلك ان المنهج نفسه قد خضع لتحول ومن ثم لم يعد يمثل
في صورته القديمة اي معيار ليكون الاختزال والوضوح
في المقدمات والتركيب عاملا مساعدا على دخول
القضية
مجال الثابت، فعندما يتحول المنهج تفقد آليات
الاستدلال
السابقة هيبتها، او تخسر قسما كبيرا منها، وعندما
يكون الوضوح
في النتيجة متفرعا على شكل الاستدلال كما على مادته
فسيغدو هذا الوضوح مبددا عندما يفقد شكل الاستدلال
تلك
المكانة.
وهكذا الحال في موضوع التراكم الزمني، ذلك ان هذا
التراكم
لم يكن ليتحقق لولا حدوث «ستاتيكية» في المنهج،
ومع تبدل
المنهج، او خضوعه لتحولات حادة، يفقد هذا التراكم
قيمته،
لانه يرتكز على عنصر جرى استبداله سلفا.
ومن هنا نجد ان الكثير من الخلافات الفكرية
المعاصرة تعود
الى هذه المسالة بالذات، وتشكل ازمة تخاطب بين
اطراف
الحوار، وفي الحقيقة اذا كانت اشكال الخلاف الفكري
المعاصر
في الساحة الاسلامية والعربية بادية على شكل
موضوعات
معينة، فانها في روحها خلافات عميقة في المنهج، وان
الحاجة
اليوم لنقاش في المنهج (وهو نقاش مهمل في بعض
الاوساط)
اهم من الحاجة الى اي نقاش آخر واولى.
ومن هنا نلاحظ ان دعوتنا الى استمرارية البحث في
الموضوعات كافة دعوة تختزن اقرارا بمنهج جديد،
والا لو
وافقنا على المنهج السالف فلربما فقدت الكثيرمن
الموضوعات
حاجة البحث فيها اليوم.
لقد جرت، احيانا كثيرة، قراءة الحدث التاريخي من
زاوية
محدودة، غلب عليها السجال المذهبي، فعلى سبيل
المثال،
سيرة ائمة اهل البيت (ع)، جرت قراءتهابطريقة مجتزاة
في
بعض الاحيان، هدفت، فقط وفقط، الى ابراز الجوانب
الشخصية،
ودراسة الامام (ع) بوصفه ظاهرة مستقلة عن المحيط،
وقد
ادى هذا التغييب لوقائع تاريخية محيطة، وكذلك
التغييب
لبعض المصادر التاريخية تحت مسوغات هي في العمق
مذهبية...، الى صور منقوصة غلب عليها طابع الاسقاط.
المطلوب قراءة شمولية للتاريخ - كما التراث كله - من
جهة،
ومعالجات محايدة من جهة اخرى، لم يعد يجذب ذاك
المؤرخ
الذي يرسم تاريخه على صفحات كتابه الاولى، ليرى
القارى انه
حدد مسار تاريخه او دراسته سلفا، الامر الذي بات
يفقد
العقليات الجديدة ثقتها بالنتائج.
وانطلاقا من هذه الاسباب وغيرها، يجدر بنا تفهم
ظاهرة الشك
المعاصرة، والتعامل معها بروح ابوية، واعترافا بما
تقدم يتم
الميل اكثر فاكثر الى الاقرار بضرورة اعادة قراءة
التاريخ
الاسلامي، لكن مع حذر هذه المرة من الانطلاق من عقد
او
تصفية حساب.
ان موجة الاطاحة بالتاريخيات الدينية، تحت ستار
التجديد
والقراءة الجديدة، وبطريقة تعسفية احيانا، لا تصلح
الامور، وانما
تزيد في تعقيدها، ومن هنا كان المطلوب احلال
الاستقرار
النفسي للباحثين، وازالة اسباب التوتر المضر
بموضوعية
البحث التاريخي، مع الاقرار بان حالة كهذه على
رفضها من
الزاوية المنهجية والقيمية معا، مترقبة من
الزاوية
السيسيولوجية بشكل لا يجدر بنا استغرابها
واستهجانها. مشكلة التاريخ، المعاصرة او المنهج
يقف التاريخ، بوصفه واقعا علميا، دائما، بين مطرقة
دارسيه
وسندان المدونين والمؤرخين، ويبدو ان قدر هذا
العلم سيبقى
كذلك؛ فالدارسون للتاريخ والباحثون فيه، مهما
اصابوا في
تقييمهم، لا يمكنهم، على اي تقدير، معايشته،
فالحياة
التاريخية ليست امرا سهلا لمن ماتت في زمنه تلك
الحياة، وهو
مجبور اليوم على التعامل بمنطق «هذا ما وصلني»
اكثر من
منطق «هذا ما كان» اذا اراد ان يتحدث عن التاريخ
برؤية
مشرفة ومتزنة. اما المدونون والمؤرخون المعاصرون
لهذا التاريخ فانهم مشمولون للطبيعة الانسانية غير
المكتملة،
لا اقل انهم لا يدركون دائما اهمية الوقائع التي
يعيشونها
بالنسبة للاجيال اللاحقة، فيغفلون عن كميات من
المعلومات
ضخمة، لانهم لا يشعرون بها في تعقلهم وانما في لا
وعيهم
فحسب.
ان تعقد الحياة الانسانية تعقدا مذهلا على الصعد
جميعها،
وتداخل المجالات البشرية تداخلا واسعا على
الميادين كافة،
يجعل من العسير جدا على انسان واحدان يكون قادرا
على نقل
الحقائق الواقعة الا في مظهرها الخارجي السطحي
غالبا، لانه
غير قادر على استيعاب الظاهرة الانسانية من مختلف
زواياها،
بل غير قادرعلى تفسير ظاهرة واحدة وشرحها شرحا
متكاملا ما
دام غير مطلع على الخيوط التي تلتقي بتلك الظاهرة
وتؤثر
فيها اطلاعا كاملا، الامر الذي يجعل
المعرفة المعاصرة بهذه
الظاهرة معرفة منقوصة وليست بالضرورة خاطئة.
وهذا معناه ان تكشف التاريخ، عبر قنوات المؤرخين،
مرهون
دائما ليس فقط بعنصر المعاصرة والقرب الزمني من
الواقعة
التاريخية فقط - كما قد يجري تصورهذا العنصر على انه
العامل
الوحيد الذي يقوم بتقييم المعطيات التي يقدمها
مؤرخ ما - بل
يضاف اليه عنصر الوعي العام والبعد المنهجي لدى
المؤرخ
نفسه،وامور اخرى ايضا((17)).
ان اقتراب المؤرخ من عصر الواقعة من دون امتلاكه
افقا واسعا
ومنهجا توثيقيا سليما الخ...، لا يحسم الموقف امام
مؤرخ ابعد
زمنا، بيد انه ادق فهما واوسع افقا،وهذا يدل على ان
العلوم
البشرية الاخرى، سيما المرتبطة بالنفس والاجتماع،
قادرة
على ترشيد العمل التاريخي ودفعه نحو نقطة اكثر قربا
من
الواقع الذي حصل.
وبعبارة اخرى: يرشد ما تقدم الى ضرورة دمج المؤرخ
والدارس
في شخصية علمية واحدة، لان الحديث عن مؤرخ غير دارس
وعن دارس غير مؤرخ يمكنه - اذااستمر - ان يخلق مشكلات
عديدة تقدم بعضها، لكن هذا الدمج لا يعني تحويل
النقل
التاريخي الى جهد مزدوج من النقل المجرد والتحليل
المعمق،
لان هذامن شانه ان يحدث اختلاطا بين ما يمارسه
المؤرخ
بوصفه مخبرا وبين ما يمارسه بوصفه محللا، فتمتزج
النقولات
بالتصورات، وفي هذا ما فيه من اضراربالحقيقة
التاريخية.
وفي انموذج حاصل في اوساط البحث الديني المدرسي،
الاختلاف الموجود بين الشيخ ابي جعفر محمد بن الحسن
الطوسي (م 460 ه) والشيخ ابي العباس النجاشي (م 450 ه)،
وهما من اكبر علماء الرجال عند الشيعة، فقد بذلت
جهود
تحقيقية واضحة من الطبقات اللاحقة من العلماء لحل
ما
يمكن تسميته عقدة التضارب الموجودة احيانا بينهما
في توثيق
الرجال، او تسجيل اية معلومات اخرى عن الرواة، وقد
عدت
الدقة والمنهج والاطلاع الواسع - وهي صفات حظ ي بها
النجاشي في دراساته الرجالية - عدت عناصر قوة، دفعت
جملة
من العلماء لتقديم كلام النجاشي على الطوسي عند
التعارض،
وهكذا الحال مع تحفظ بعض العلماء من المواقف
الرجالية التي
كان يتخذها الشيخ الصدوق (م 381 ه)، وهو احد اهم رجال
الحديث عند الشيعة، حيث سجلت ملاحظة منهجية تتصل
بعدم وجود منهج علمي خاص بالشيخ الصدوق، وان هذا
العالم
كان مجرد مقلد في الشؤون الرجالية لشيخه ابن
الوليد.. الى
غير ذلك من نماذج كثيرة حتى في الوسط المدرسي تؤكد
ان
عنصر المنهج ذو دور فعال في التقييم التاريخي.
ما نريد الخروج به، هنا، هو: وعليه، فما يجري تصوره في الاوساط الدينية، احيانا، من حصر العنصر المؤثر بمجرد الاقتراب الزمني من عصر النص او الحدث، انما هو صورة مبسطة لاليات النقل التاريخي، اذ مع الاقرار بدور هذا العنصر المهم، بيد انه لا يحسم الموقف لصالحه دائما، وقد تطور الاخذ بهذا العنصر الى حد شل جملة نشاطات فكرية، اذعانا لتبني السالفين لها بحجة انهم اقرب الى عصر النص والحدث. التاريخ والاسقاط
وتبقى هناك مشكلة اخرى امام المؤرخ، الا وهي مشكلة
الحمولات التي تلقى عليه نتيجة تاثره بالظرف
الراهن، وهذه
المشكلة يتمكن الدارس للتاريخ عن بعدمن التفلت
منها على
نطاق اكبر وان لم ينج منها كليا، لانه لا يعيش تلك
الضغوطات
النفسية والاجتماعية المحسوسة وغير المحسوسة
للحدث،
وبالتالي لا تثقل كاهله تاثيراته النفسية
والباطنية، وهذا امر اكثر
ما يظهر في الدين والسياسة، وهو يعني ايضا ان
المعاصرة
للحدث ليست دائما عنصرا ايجابيا لا سلبية فيه، كما
انهاليست
سلبا لا ايجاب فيه اطلاقا.
ويمكن ان نذكر هنا مثالين بسيطين لتاكيد هذه
المسالة،
وهما:
وهكذا - كما اشرنا - على خط دراسة التاريخ الاسلامي،
فقد
مورست - وتمارس - عمليات اسقاط مكثفة على المادة
التاريخية
استنصارا لاتجاه ما او مذهب معين، وربما يلاحظ
المطالع
للنشاط البحثي التاريخي في الاوساط الدينية ان هذه
الاوساط
لم تنفلت من اسار هذه النزعة، حتى بالنسبة لباحثين
حصيفين كبار.
وقد تجلت ظواهر الاسقاط على التاريخ وتطويعه في
ميادين
كثيرة من ابرزها: ومع انحسار التصادم هذا بين التركي وغيره، بقي الثنائي العربي - الفارسي على حاله، وهو ما نلاحظ تناميا سلبيا فيه في الاونة الاخيرة، الامر الذي يجر على المسيرة كلها، وعلى المسيرة التاريخية بالاخص، مشكلات عويصة وجذرية، ومع ذهاب تيار - داخل الوسط الشيعي - الى القول: ان كل ما عند الشيعة انما هونتاج جهود العلماء الايرانيين، وان الايرانيين هم الذين صنعوا التاريخ الاسلامي والحاضر كذلك، افرط طرف آخر الى حد القول - مستعينا باطروحة التشيع العلوي والتشيع الصفوي التي اطلقها الدكتور علي شريعتي - بان العاهات الفكرية والشعائرية والسلوكية جميعها انما جاءت من الجانب الايراني، وان الخليط الباطني العرفاني الصوفي الذي مسخ الوضوح الاسلامي انما اتى من تلك الجهة الشرقية. المطلوب على الصعيد العلمي - وعلى مستوى البحث التاريخي بالخصوص - تجاوز للاطر المذهبية والقومية والحضارية، ودراسة تتعالى عن اسقاط الافكارالشخصية على المادة التاريخية، لتقديم قراءات تاريخية لا تحكمها الا المعطيات الممنهجة والمنضبطة. خبر الواحد وقراءة التاريخ الاسلامي
اثيرت في علم اصول الفقه الشيعي - وتثار اليوم على
غير صعيد -
مسالة خبر الواحد، وقيمته في اثبات المسائل
التشريعية،
وكذلك التاريخية والعقدية والتفسيرية الخ..
ففي علم اصول الفقه، ثمة فصل مستقل وموسع تعالج فيه
قيمة هذه الوسيلة الاثباتية، وقد تضخم هذا البحث
واخذ ابعادا
متنوعة، ودخل في الاطار الفلسفي(امكان التعبد
بالظن،
الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري) في القرون
الاخيرة.
ورغم ان الجهود الاصولية، كانت تهدف بالدرجة
الاولى الى
التوصل لمعرفة قيمة هذا الدليل على الصعيد
التشريعي، غير
ان الاستطراد دفع علماء الاصول لمعالجة قيمة هذا
الدليل -
ومطلق الظن ايضا - في دائرة المسائل العقدية، ومن ثم
الحديث
ولو بشكل اكثر ايجازا عن القضايا التاريخية
وغيرها، بمعنى
ان الخروج الذي حصل عن دائرة البحث الاصولي كان
كلاميا،
ومنه اثير البحث في التاريخي وغيره بصورة اكثر سعة،
واحيانا
تحت اطار ثنائية التكويني والتشريعي.
اما على خط علم التاريخ، فقد تاثر المؤرخون
القدامى، بالمنهج
الحديثي الذي كان يعتمد النقل المسند او المعنعن...
فجرت
مدونات تاريخية على هذا المنوال كتاريخ الطبري
وغيره،
وظهرت الى جانب هذه الطريقة طرق اخرى، احتوت مزايا
عديدة، فيما افتقدت مزايا اخرى احتوتها طريقة
العرض
المسند((19)). وفي المرحلة الاخيرة، برز الى السطح، في الاوساط العلمية الدينية، جدال في منهج قراءة التاريخ الاسلامي، فهل نبقى نعتمد منهج الحديث المسند، فنقول: ان الحدث التاريخي يكفي فيه مجيء حديث مسند باسناد صحيح او نتجاوز هذه الطريقة الى منهج آخر نستقي بعض آلياته وادواته على الاقل من آخر منجزات البحث التاريخي المعاصر؟
واذا اخذنا بالمنهج الاول، فلن يقف الامر عند حد
الاخذ
بالحدث نتيجة رواية مسندة، بل ستلاحقنا منظومة
كاملة من
منهج الاثبات تستطيل لتصل الى معادلات اضافية من
نوع
الاخذ بالخبر التاريخي حتى لو لم يكن مسندا او كان
مسندا
بطريق غير معتبر، وذلك نتيجة انجبار هذا الضعف الذي
يعانيه
باخذ العلماءوالمؤرخين والباحثين عبر اجيال به، او
العكس
وفق نظرية تسمى بنظرية الوهن والانجبار.
ان الاخذ بمنهج الاثبات الصدوري القائم على نظرية
حجية
خبر الواحد في علم اصول الفقه، يصعب ممارسة عملية
اجتزاء
فيه، اي ان كل المنظومة الاثباتية -او فلنقل مجمل
نسيجها
العام - سوف يتم نقله تطبيقا الى المجال التاريخي،
وربما يتم
التعامل مع النص التاريخي كما يتم التعامل مع النص
القانوني
الديني اوالاخلاقي.
وهكذا اذا اخذنا بنظرية اخرى في هذا المجال، ذلك ان التجزئة في المجال المنهجي
امر خاطى عادة من جهة، وذات
تاثيرات
سلبية على الاداء العلمي من جهة اخرى.
وحيث لا يتسنى، في هذه الصفحات، معالجة بحث كهذا،
نكتفي بالاشارة الى ان الاعتماد الرئيسي عند
العلماء المتاخرين
في اثبات حجية خبر الواحد هو السيرة العقلائية،
وعندما ندخل
مجال السير العقلائية، يجب ان تكون رؤيتنا شاملة
وبعيدة قدر
الامكان عن الظروف والبيئة، لان مقررات علم الاصول
تقضي
بضرورة الابتعاد عن المتحركات المحيطة لاكتشاف
العنصر
المركزي المعتمد على عقلائية العقلاء، ومعنى ذلك
ان
الترجمة العملية للمرتكز العقلائي في عصر من
العصور- حتى لو
كان عصر النص - لا تمثل معيارا لتسنين القانون على
اساسه،
وانما المعيار هو العنصر المختفي والمرتكز في
الذهن العقلائي
الذي دفع الى ممارسة هذا التطبيق انطلاقا من
امكاناته
المتوافرة((20)).
وتاسيسا على هذه المعادلة التي اخذ بها السيد محسن
الحكيم
وعمقها الشهيد السيد محمد باقر الصدر، يصبح
التعامل مع
موضوع الاثبات التاريخي اكثر عمقاوحيوية، فمجرد ان
العقلاء
جروا في ازمنة سالفة على العمل باخبار الاحاد ضمن
نطاق
عنصر الوثاقة والامانة، لا يعني (عقلائيا) بالضرورة
ان المرتكز
العقلائي في الاثبات التاريخي هو هذا العنصر.
وعليه، فاذا اردنا التماس العنصر العمدة الذي قامت
وتقوم على
اساسه اتكاءات العقلاء على مصادرهم في النقل، فسوف
نجده -
وفق التسمية القديمة - عنصر«الوثوق» ، وهو عنصر
ذاتي اذا
ابقيناه على هذه التسمية، وموضوعي الى حد كبير اذا
ادخلناه
في السياق الرياضي او غيره كما فعل الشهيد محمد
باقر الصدر.
واذا اردنا ان نستبعد عملية ضبط هذا العنصر موضوعيا
وقوننته
علميا، فاننا نجده المحور الذي تقوم عليه نشاطات
العقلاء في
هذا المجال، والاعتماد على خبرالثقة في ما سبق، كان
ناجما
عن اشتماله بقوة على احياء عنصر الوثوق في النفس،
ولهذا
وجدنا ان غير عالم وباحث ومؤرخ خرج عن دائرة هذا
الحصار
عندماوجد وثوقيات اخرى كالاجماع والشهرة واندراج
النص
في مصادر متعددة الخ...
وانطلاقا من هذه التغطية المشرعنة، واعتمادا على
مبدا
الوثوق، نجد المجال مفتوحا لعلاقات ايجابية مع
منجزات
البحث التاريخي الحديث، لان المنهجيات التاريخية
تعتمد هي
الاخرى العنصر نفسه، بعد التنازل عن وضعه في مصاف
اليقين
والقطع بالمعنى الذي يمنحه اياه المنطق الارسطوي،
وهذا
معناه ان المعطيات جميعها مفتوحة عندما نخضعها
لقوننة
محكمة تضع الوثوق اساسا.
لكن هذا المعطى الجديد - كما اشرنا - يجب معرفيا
ومنهجيا، ان
يستل من براثن النزعات الذاتية قدر الامكان، لان
وضع مفهوم
الوثوق او الاطمئنان او... يؤدي عادة الى حالة من
الغموض
والالتباس، لان هذه المصطلحات المتداولة ليست
محددات
علمية، ما يضطر المنهجيين الى القيام بتقنين صارم
ومحدد
لانتاج هذاالوثوق موضوعيا، الامر الحاصل الى حد
جيد في
الدراسات الدينية وكذلك في الدراسات التاريخية
الحديثة.
وطبقا لما تقدم، يمكن القول: ان منهجية التعاط ي مع
الحدث
التاريخي، يفترض الا تكون على غرار آليات التعامل
الفقهي
(بقطع النظر عن الموقف هناك ايضا)سيما عند امثال
مدرسة
الرجال المتاخرة التي برز فيها السيدان ابو القاسم
الخوئي
(م 1413 ه) ومحمد حسين البروجردي (م 1380 ه)، وهذا
التحرر من قيود تلك الاليات يفسح في المجال للباحث
لنشاط
اكثر شمولية واستيعابا، ليغدو الباحث ناقدا
مضمونيا وسنديا،
يتعامل مع متن النص كتعامله مع اثباته التاريخي.
واستنتاجا من ذلك كله، نسجل ملاحظتنا على الطريقة
التي لا
تزال مرعية الاجراء في البحث التاريخي في الاوساط
الدينية،
وهي الطريقة التي تحاول ان تحسم الموقف لمجرد وجود
رواية
او خبر مسند او مرسل احيانا، كان هذا العنصر وحده هو
كل ما
بايدينا من ادوات اثبات للتاريخ. جدلية العقدي والتاريخي
ثمة اشكالية بالغة، اليوم، تؤرق بتداعياتها
الاوساط الدينية
العلمية، وهي اشكالية العقدي والتاريخي، وتاخذ هذه
الاشكالية
في مدياتها غير بعد مثيرة غير سؤال وخالقة غير
عقبة. اول سؤال تثيره هذه الجدلية هو سؤال موضوعي، اي انه يعالج الموضوع المدروس، هل يمكن ان يكون موضوع واحد تاريخيا وعقديا، هل ان النتيجة التاريخية سوف تزودنا بمعطى عقدي او هل ستكون بنفسها موضوعة عقدية؟
يبدو ان مجال التردد محدود، فبالتاكيد هناك امتزاج
كبير في
الفكر الديني بين العقديات والتاريخ، فالاعتقاد
بالانبياء
السابقين (ع) انما هو نتاج تاريخي احياناكثيرة (بقطع
النظر
عن القرآن)، والاعتقاد ببعض الموضوعات العقدية
الفرعية
عندما يقرر ان اساس الاعتقاد بها هو النص سيكون
بالتاكيد
متزاوجا والاثبات التاريخي.
لكن هذا لا يعني اقحام الموضوعات التاريخية جميعها في العقديات حتى لو كانت
نتائج البحث التاريخي تصب لصالح معتقد ما او مذهب معين، لان مجردامكانية توظيف معطى
تاريخي في مجال عقدي لا يعني ان هذا المعطى تحول
بنفسه
الى قضية عقدية، ليستتبع ذلك التعامل معه بوصفه
امرا
اعتقاديا له آثاره ومستلزماته؛ والدليل على هذا
الامر هو القراءة
المنطقية لتقسيمات العلوم، فمنذ قديم الايام وضع
علماء
المنطق والفلسفة قانونا لاحظوه لدى قراءتهم
الواقع العلمي
البشري، ويقضي هذا القانون بوجود علاقة تقدم وتاخر
بين
العلوم البشرية، وقد دفعهم هذا الاعتقاد الى
اعتبار بعض العلوم
ما اسموه مبادى تصورية اوتصديقية لعلوم اخرى، او
على الاقل
كانت جملة من مسائل هذا العلم بمثابة مبادى تصورية
او
تصديقية في العلم الاخر، وقد استفادوا من هذا
التفريع ان
هذه المبادى تعبر عن اصول موضوعة (بحسب الاصطلاح
المنطقي) لقضايا العلم الاخر، وفائدة ذلك عندهم ان
توكل
مهمة البحث عن الاصول الموضوعة الى العلم الاسبق،
ومن هنا
راوا ان علم الفلسفة اسبق العلوم.
وهذه المعادلة التي تحكم علاقة العلوم والمعارف
ببعضها،
تؤكد ان العلماء الذين نظروا في فلسفة العلم (ولو
قبل ظهور
هذا المصطلح)، نجحوا في المحافظة على فرز العلوم
واستقلال
كل منها من دون ان يحدثوا قطيعة، واستطاعوا في
النهاية ان
يجمعوا بين فكرة او قضية تنتمي الى علم ما،
واستحضار
القضية نفسهافي علم آخر بغرض توظيفها.
هذا هو بالضبط ما نلاحظه في قضية العقدي والتاريخي،
فوفقا
للمحدد الموضوعي المجعول في علم العقيدة، يصار الى
ادراج
كل مسالة في هذا العلم فقط عندما تدخل دائرة
الاعتقاد،
وتنتمي الى مجال «عقد القلب»، بعيدا عن الدخول في
جدل
حول هذا الامر فعلا، فالتوحيد قضية عقدية، بمعنى
انها قضية
تدخل مجال عقد القلب عليها اذا ما ثبتت، فيصبح
الاخذ
بنظرية التوحيد (في الرؤية الاسلامية للموضوع)
ملزما
بالاعتقاد بهذه النظرية ودمج نفسه في سياقها،
وهذامعناه ان
اي قضية لا دليل (يكفي عدم الدليل) على اندراجها ضمن
محور عقد القلب وتحصيل المعرفة (طبعا بالمعنى
الديني
لعقد القلب) فان ذلك سوف يخرجها عن الدائرة
العقدية، حتى
لو بحثها علماء الكلام في دراساتهم.
وهذا معناه الخروج بنتيجتين:
وهكذا الحال مع موضوعات فقهية تصور بعضهم انها
مسائل
كلامية، فاذا كان الدليل على موضوع فقهي متحدا مع
الدليل
على موضوع كلامي كالامامة، فلا يعني ذلك - ومن
زاوية
منهجية - ان الموضوع الفقهي دخل النطاق العقدي وان
حظ ي
ببنى كلامية، لان الدليل ونوعه لا يحددان وحدهما
انتماء
موضوع البحث، فقداستخدمت مناهج متحدة في علوم
مختلفة
كالمنهج التجريبي ومنهج الاحصاء والمنهج النقلي من
دون ان
تختلط هذه العلوم بعضها ببعض.
وحصيلة الكلام ان العنصر المحدد لعقدية موضوع ما،
او
تاريخيته، يعود بالدرجة الاولى الى النقطة التي
ترتكز عليها
الافكار العقدية، وقد تتحد مع المسارالتاريخي
للعلم وقد لا
تتحد. اما ثاني الاسئلة المثارة على صعيد العقدي والتاريخي - ولعله هو الاهم منهجيا ومعرفيا - فهو اقحام المعطيات العقدية في آليات البحث التاريخي، اننا نسال: هل يفترض بالمؤرخ او الدارس للتاريخ ان يصطحب معه عقائده الدينية، ويرى فيها اصولا موضوعة غير قابلة للتجاوز، تحاكم على اساسها النقولات التاريخية،او ان البحث التاريخي لا يعرف في عالم حياديته وموضوعيته امرا من هذا النوع؟
ثمة تياران ينتاب تفاعلهما نوع من التجاذب احيانا:
1 - تيار يرى ان العقدي يفترض اخذه في البحث
التاريخي، لان
تجاهله يعد تجاهلا لمعطيات علمية مؤثرة في مجال
البحث،
ووفقا لذلك فاذا ما واجه المؤرخ نقلا تاريخيا يحكي
عن تصرف
مناف للشريعة صدر من احد ائمة اهل البيت (ع)، فان
انتماءه
المذهبي (ولنفرضه شيعيا) يابى عليه وفق النظرة
المتداولة
في علم الكلام الشيعي الاخذ بهذا النقل، او لا اقل
يستدعي
ذلك منه التصرف في مدلول النص بعملية تحليلية
تاويلية،
وقد تبنى هذا النهج تيار مدرسي كبير ما زال
له انصار كثر في
الاوساط الاسلامية.
2 - اما التيار الاخر، فهو التيار الذي يرى في نفسه
الانتماء الى
عالم الموضوعية العلمية، ويقول: المفترض بالمؤرخ
او الدارس
للتاريخ ان يقصي افكاره وعقائده قبل ان يلج البحث
العلمي
التاريخي، لان استحضار هذه المعتقدات سوف يحرف
البحث
عن آلياته الموضوعية، ويخضع المادة التاريخية كلها
الى
عملية اسقاط منظمة.
ويبدو ان بالامكان - في ما نرى - التوفيق الى حد ما
بين هذين
الاتجاهين المتباعدين، فعلى ما يبدو يهدف التيار
الثاني الى
آلية تعامل مع النقل التاريخي تحكمها قواعد البحث
التاريخي
الصارمة، وهذا امر صحيح، ومعنى ذلك ان المؤرخ او
القارى
يتعامل تعاملا اكاديميا حياديا مع ما بيده من
معطيات،
وحتى نحدد مدى النتيجة التي يخرج بها، وهذا امر
مهم، هنا،
يمكن القول: انها نتيجة بحث تاريخي، اي بحث يعتمد
جملة
اصول اكاديمية محددة.
ومن هذه النقطة بالذات يمكن رفع الالتباس، وذلك
بوساطة
فك شخصيات الباحث المتعددة، هل هناك مانع من ان
تكون
نتيجة البحث التاريخي على خلاف المعطيات العقدية للمؤرخ؟ واساسا هل ان نتيجة
البحث التاريخي حاسمة دائما؟ ان ابعد مدى يمكن تصوره هو ان تكون نتائج البحث
التاريخي مخالفة لمعطى عقدي، وحينئذ يفترض استئناف مرحلة جديدة
تؤسس لعلاقة في النتائج بين علم الكلام مثلا
والتاريخ؟ وهذا
التاسيس متحرك، ذلك ان القضية تابعة
لنوعية الموضوعات واشكال الادلة، فاذا تصادم معطى تاريخي جزئي مع
فكرة
عقدية وكانت الفكرة العقدية قطعية لا لبس فيها ولا
مجال
للتاويل مثلا فيما كان المعطى التاريخي محكوما
للضعف
اليقيني الموجود عموما في الدراسات التاريخية، ان
المؤرخ
يقول: هذا ما وصلني لا هذا ما كان... امكن حينئذ
الحديث عن
علاقة معرفية بين هذين الموضوعين، وصار من المنطقي
تحكيم العقدي في التاريخي عندما نريد الخروج
باقتناع نهائي
يخصنا نحن، بوصفنا اشخاصا، ولو لم يكن يعنينا
بوصفنا
مؤرخين؛ وهذا هو الفصل المهم بين الشخصيات العلمية
للباحث، وعلى اساس هذا الفصل يمكن حل الاشكاليات
المثارة
هنا.
وهكذا على الخط الاخر، فاذا تراكمت معطيات تاريخية
كثيرة
جدا لصالح عكس النتيجة العقدية ادى ذلك علميا الى
التاثير
في النتيجة، لتدفع المتكلم الى اعادة النظر في ما
بين يديه، اي
ان التاريخيات جزء من ادوات البحث عن المتكلم في
بعض
الموضوعات، واي ضير في ان يتعامل الباحث مع دليل او
اداة
بعيدا عن بقية الادلة والادوات، ويعمل في نهاية
المطاف على
التوفيق بين الادلة محترما اياها من دون ان يسنن
لاولوية
شاملة للعقدي على التاريخي او العكس.
وهذه العملية، انما يصل الدور اليها لا انطلاقا من
البعد
التاريخي او العقدي، بل هي عملية لاحقة يعنى بها
الباحث
لنفسه، وبالتالي فمن الضرورة ان نقدر على القول:
انني،
بوصفي مؤرخا، ارى كذا وكذا، ولكنني، بوصفي انسانا،
له آراؤه
الشاملة المتصلة باكثر من بعد فكري، لي الراي
الاخر.
واساس مقولتنا هذه يعتمد على التعامل مع العلوم، لا
مع
الواقع، والوصول الى مرحلة الواقع انما يكون في
نهاية المطاف.
واستنتاجا مما تقدم، يصح لنا القول بخطا عمليات
الاسقاط
المنظمة على التاريخ، حتى ليبدو البحث التاريخي
بلا حرمة او
مكانة، كما ان عمليات الاقصاءالمتعمدة للعقديات عن
مجال
العلوم الانسانية جميعها، بما فيها التاريخ، يمكن
الموافقة عليها
عندما يراد الخروج باستنتاج يخص تلك العلوم، من دون
ادعاء
انه النتيجة النهائية على صعيد الواقع، لان نتيجة
كهذه
تستدعي استحضار المعطيات العلمية جميعها مهما كان
انتماؤها في مادة البحث، وما دامت الامور
العقدية مواد علمية
تخضع لانظمة معرفية فلها الحق في الحضور، وابداء
النظر
لتشكيل مكون مفهومي نهائي حول الموضوع حينما يعتقد
بها
صاحبها. الحاجة الى تاريخ علمي معاصر مما تقدم كله، ومن قراءة تجارب التاريخ الذي حصل هنا وهناك، ومن استكشاف مشكلات المؤرخين الذين سبقونا، ومن الاعتراف بصعوبة اكتساب ميزات المؤرخ والدارس معا، ... يطرح السؤال الاتي نفسه: اذا كان هناك من ارخ في الماضي ما عاصره وعايشه، واذا كان هناك من سد هذه الثغرة بحسب ما اوتي من قدرة وارادة، فاين هو الجهد التاريخي اليوم سيما على الساحة الاسلامية؟ وما هي الوسائل التي يمكن الاخذ بها لتفادي قدر اكبر من المشكلات والفجوات التي تورط بها المؤرخ السابق؟ وهل هناك مسؤولية ما امام الاجيال اللاحقة حتى لا تتخبط في تاريخ معقد معتم لما نراه نحن اليوم واضحا او يمكن استيضاحه في كثير من الاحيان؟
قبل كل شيء لا بد من التاكيد انه ليس الهدف، هنا،
في هذا
المقطع من البحث، استقصاء مشكلات التاريخ جميعها،
ولا
الحلول المستوعبة كافة، ولو لبعض هذه المشكلات،
كما انه
ليس الهدف اعادة قراءة الماضي التاريخي الديني او
غير الديني
ولا دراسة منهج البحث التاريخي او ما شابه ذلك،
وانما هو اثارة
الاحساس باهمية العمل التاريخي اليوم لما نعاصره
او نقرب منه
تفاديا لمشكلات ونواقص في تاريخ الامس سببتها لنا
ظروف
وانماط تفكير عديدة.
الامر الاساس ليس ترشيد العمل التاريخي المعاصر
فقط، بل
وانشاؤه، لان احصاء سريعا على النتاجات التاريخية
يؤكد ان
تاريخ الذات قد تم ويتم من قبل الاخر اكثر من الذات
نفسها،
فالغربي يؤرخ للعالم الاسلامي ربما اكثر واهم مما
يؤرخه
المسلم نفسه عن ذاته وكيانه وواقعه، وتاريخ الحركة
الاسلامية
اليوم يجري بصورة اكبر من قبل معارضيها ومخالفيها،
فالكلام
انما هو في احياء روح التاريخ في وسط الذات لتتكامل
النتاجات
مع تاريخ الاخر لهذه الذات، والمستفيد الاول من
هذه المراكمة
هو الاجيال اللاحقة التي ستتوافر لها بذلك مادة
اكبر للدراسة
والاكتشاف((21)).
ان هناك نصا للامام الخميني (رحمه الله) يمكن ان
يكون في
غاية الاهمية من الناحيتين العلمية والعملية، اذ
يقول: «من
الضروري ان يعمل الكتاب الملتزمون على دراسة تاريخ
هذه
النهضة الاسلامية دراسة دقيقة، وذلك بهدف تنبيه
الاجيال
القادمة والحيلولة دون تزويرات المغرضين.
من الواضح ان حركة الجهاد الاسلامي الاصيل في
ايران، ومن
اول انعقاد نطفتها وحتى الان، وكذلك الاحداث
والمجريات
التي ستقع في المستقبل، من الواضح انها من الامور
المهمة
التي لا بد من ان يهتم بها الكتاب والعلماء
المفكرون
والملتزمون.
نعم ان الشيء الذي يبدو لنا اليوم واضحا وجليا،
سوف يكون
بالنسبة للاجيال القادمة غامضا ومبهما، فيما سيكون
التاريخ
مشعل هذه الاجيال»((22)).
ويقول (رحمه الله) في كلام آخر: «لقد كتب التاريخ في
الماضي -
ومع الاسف - بيد الاعداء غالبا، انني آمل ان لا يسمح
لهذا العدو
بتدوين تاريخ هذه الثورة»((23)).
ان هذين النصين، وان كان موردهما الثورة الاسلامية
في
ايران، الا انهما ينمان عن رؤية شاملة لمسالة
التاريخ، اي
لضرورة سعي الجماعة لتاريخ ذاتها فورا من دون
الاقتصار
والاتكال على تاريخ الاخرين لسيرورة هذه الجماعة
وصيرورتها، سواء كانت جماعة سياسية ام غير سياسية.
وكما تقدم يمكن التركيز على قضية الوضوح والغموض
بالنسبة
لجيلين، وهي قضية في غاية الاهمية، لانها تفرض على
المعاصرين ان لا يقتصروا في تاريخهم على الاحداث
الغامضة
بالنسبة اليهم، بل ان يكون للامور الواضحة حيز
اساسي من
عمليات التاريخ هذه((24)).
القضية الاساس هي ان المجتمع المتدين - بالاخص -
مجتمع
تاريخي، اي انه يرتبط ويتفاعل مع التاريخ ويقراه،
بيد ان ما
يكمل تاريخيته هذه هو قيامه بتاريخ نفسه وشعوره
بضرورة
ذلك، لان التاريخ بما يحمله من قيمة ودور ليس
محدودا في
دائرة التاريخ النبوي او ما شابه، بل انه يمتد
للاجيال المتعاقبة
بعد هذاالتاريخ ايضا، والتي منها جيلنا نحن
بالنسبة للاجيال
الاتية.
هذه هي الضرورة التي نحتاجها اليوم، ان نؤسس لجهود
تاريخية - كتابا ومؤسسات ومراكز ابحاث.. - تستوعب
مفاصل
حياتنا: الظاهرة منها والغامضة، وان لانكتفي فقط
بدراسة
التاريخ السالف.
غير ان هذه الضرورة اذا ما استتبعت بعمل فمن الممكن
ان
تواجه مشكلات وعقبات وثغرات، كتلك التي تحدثنا
عنها آنفا،
ولذا تجدر الاشارة الى مجموعة مسائل يمكنها ان تحد بعض الشيء من حجم هذه المشكلات، ونظرا لضيق المجال
نقتصر
على ابرزها، وهو:
1 - ليس الهدف من تاريخ الذات القيام بارشفة صحفية
للوقائع،
وانما تذهب القضية - وفق ما تقدم - الى ما هو ابعد من
ذلك، اي
الى قراءة هذه المعلومات المتوافرة قراءة
موضوعية، وفرز
الظواهر وبيان ارتباطاتها... وليس الاقتصار على
تقديم مسرد
بالاحداث مهما كان مفصلا، وهذا ما اشرنا اليه سابقا
عند
الحديث عن المزاوجة بين الدارس والمؤرخ، مع
الانتباه الى
عدم حدوث خلط بين التحليل الشخصي والجهد التوثيقي
المدروس.
2 - ان ابرز مشكلة تواجه هذا العمل الذي من الضروري
ان
يتحول الى ثقافة معيشة، وليس مجرد هواية لافراد
يحبون هذه
المادة، هي مشكلة التحيز، وهي مشكلة عامة وخاصة،
قديمة
وجديدة، فمن اللازم توخي جانب الحياد العلمي قدر
الامكان،
وتقبل الحقيقة، والاهم الكشف عنها مهما كانت
قاسية، والا فان
هذاالجهد التاريخي سوف يفقد قيمته تحت تاثير تهم من
قبيل
التحيز والحزبية والمذهبية والانتماء الخ..
3 - ان هناك نقطة مهمة جدا تتصل بصورة قوية
بالمسؤولية
التاريخية، وهي ان التاريخ الذي نتحدث عنه، في هذه
الدعوة،
ليس عبارة عن اعادة انتاج لتاريخناالماضي واعادة
دراسة له،
وانما هو تاريخ المرحلة التي نعيش لنكون شهداء
عليها امام
المستقبل، وهذا النوع من الجهود يصطدم عادة بمديح
وثناء
وتاييد وتزكية لاشخاص او جماعات او مذاهب، كما
يواجه
مواقف ونقاطا سلبية في هؤلاء ايضا؛ الامر الذي يجعل
مسؤولية
المؤرخ صعبة جدا، تارة من حيث ما قد يواجهه من ردة
فعل
من قبل الاخرين، او ما قد يفعله، ما يؤدي ربما الى
ازالة اقنعة
واسقاط رموز واتجاهات.. وهو امر يجعل المؤرخ مضطرا -
في
كثير من الاحيان -الى ابداء المجاملة او المداراة
او تهدئة الوضع
وازالة مسوغات التشنج، الامر الذي قد يعطيه احيانا
صبغة
مصلحية عامة، ما يؤدي في المحصلة الى ضياع الحقائق
وزوال
الوثائق والمستندات.
وقد تتعقد القضية حينما يحاول المؤرخ جمع الوثائق
ممن
قارب الحدث او خاض فيه، وربما يكون من قاربه شخصية
كبيرة او جهة مهمة قد يؤدي بوحهابالحقيقة الى
تعقيدات
مرحلية، الامر الذي يفقد المؤرخ مستندات غاية في
الاهمية،
ويجعله امام معطيات منقوصة.
ان الامر الذي تحتاجه حركة التاريخ الاسلامي
المعاصر -
بالمعنى الذي ذكرناه - هو ان لا تكون الاعتبارات
والاسماء
والظروف مقيدة للحقيقة التاريخية((25))، بل لا بد من ان
تكون لكشف هذه الحقيقة الاولوية في اكثر الاحيان،
مع الاخذ
بعين الاعتبار - بدرجة معقولة غير مبالغ فيها -
الظروف الامنية او
العسكرية او السياسية او الاجتماعية الطارئة
والحساسة جدا،
وهو امر يمكن تفاديه بوساطة اعطاء المرحلة الزمنية
المعقولة
للتدوين والذي تفصله عن الحدث نفسه.
4 - ليس المقصود من الجهد التاريخي مجرد التاريخ
السياسي
على اهميته، وانما ايضا - وربما اهم احيانا - العمل
على توثيق
التاريخ الديني والمذهبي والجغرافي والسكاني
والشعبي...
وحتى تاريخ الشخصيات العلمية والدينية والسياسية
والمالية
والاجتماعية والجهادية..
ان كتب تاريخ المذاهب والفرق، وكتب الرجال
والتراجم،
وقصص العلماء والزهاد...، مما كان يدون في الماضي
ولا يزال،
تحتاج الى تفعيل مستمر ومتواصل،ومن الخطا افتراض
ان هذه
الجهود كانت، او هي الان، غير مهمة او غير تاريخية.
ان ابسط المعلومات المتداولة يمكنه ان يشكل مادة
دسمة
للباحثين المستقبليين، فالامثال الشعبية التي
تتداولها جماعة
او امة يمكن ان تمنح الاجيال اللاحقة مادة في غاية
الاهمية
قابلة لكشف الماضي على نطاق جيد، فقراءة الامثال
والحكم
الشعبية، حينما تدون، يمكنها ان تحدد عقل امة ونمط
عيشها
واساليب حياتها، وهكذا الكلمات المتداولة الخاصة
باهل منطقة
او بلد يمكن لتاريخها ان يحدد العديد من المعطيات
على ما هو
المنهج المتبع اليوم في التحليل اللغوي،لا اقل في
تحديد
تفاعلات هذه الامة مع الامم والحضارات الاخرى..
وهكذا الحال
في النتاجات الادبية والفنية التي يمكنها ان ترسم
معالم
التاريخ بشكل جيد،فالتاريخ ليس هو النص الصريح
الذي يحكي
لنا عن حدث وقع بقدر ما هو مجموعة كنايات ورموز
قادرة
على الاشارة المكثفة لهذا الواقع.
وهكذا الحال في التاريخ الديني، لقد ظهرت في القرن
الاخير
فرق ومذاهب واتجاهات دينية عديدة، وكما ارخ
النوبختي
والشهرستاني لمذاهب عصرهم هناك ضرورة للتاريخ
لمذاهب
عصرنا كذلك... وان لا تبقى دراساتنا حول الفرق
والمذاهب
مقتصرة على المذاهب التي تكرر الحديث عنها مرارا.
5 - ليس من الضروري ان تكون هناك مفاضلة ما بين
التاريخ
الذي كتبه الصديق والذي كتبه العدو دائما سيما على
مستوى
التاريخ السياسي الديني الحضاري،بل ربما يكون
تاريخ الصديق
اضعف قيمة من تاريخ الاخر حتى لو كان الصديق اكثر
معاصرة
من ذاك، لان القضية - كما تقدم - ترتبط بالمعاصرة
والمنهج
معا،وربما يكون العكس صحيحا، ومن هنا لا يحكم على
جهود
الاخر بالسقوط المعرفي لمجرد انه ليس من الذات كما
العكس
تماما، وعليه فالاستفادة ممكنة مماكتبه الصديق
والعدو - ان
صح التعبير - واحيانا بدرجة متساوية.
6 - انطلاقا من تعقد القراءة التاريخية والجهد
التاريخي ومن
تخط ي التاريخ دائرة نقل الاخبار والانباء كما
تقدم، صارت
هناك ضرورة جديدة استتبعتهاالترابطات المحكمة بين
العلوم، تفرض على المؤرخ، فردا كان ام جهة، ان يملك
بصورة
مسبقة افقا اوسع ونظرة اشمل ورؤية ابعد تنطلق من
اشتماله
على ثقافة حضارية دينية اجتماعية سياسية الخ..
تمنحه من ثم
قدرة اكبر على تقديم عرض متكامل للظاهرة المؤرخة،
فيجد
نفسه مجبرا على تقديم تصور للواقع الاقتصادي لدى
عرضه
ظاهرة سياسية انطلاقا من طبيعة التفاعل، وهذا
الامر يقودنا
الى الاحساس باهمية ترشيد المؤرخ حتى يكون اقدر على
اداء
وظيفته متجاوزا النظرة الضيقة ومتخطيا المفردات
المتحركة
الصغيرة. في الفكر العربي المعاصر (الجابري انموذجا) أ. نور الدين الدغير مقدمة
لقد أصبح التراث الاسلامي، في القرن الماضي، منبعا
خصبا
للدراسات والبحوث والتحقيقات، وصار مجالا يمكن ان
يستحث لاستنهاض ماضي الامة واحياءامجادها. كما ان
اكثر
المفكرين دابوا على استعمال آليات متنوعة تختلف
والاطار
الايديولوجي الذي يحمله الدارس؛ حيث الامل في
اعطاء
جواب صحيح لسقطات الحضارة الاسلامية، وكذلك احياء
الزمن التصوري للامة من اجل تحريك عجلة الحضارة.
لهذا
اصبحت الخزانة الاسلامية مليئة بالقراءات
المتعددة للمجتمع
الاسلامي وحضارته. فكان مشروع حسن حنفي المصري من
اجل احياء التراث وتجديده، والبحث عن المحرك
الفعلي فيه،
وتحويل الاصول من طابعها البحثي الميتافيزيقي -
الذي خاض
فيه الكلاميون القدامى - الى حالة تقترن والواقع
المعيش يوميا
عبر تفعيل الدين، في موسوعته: من العقيدة
الى الثورة، او
بعبارة اخرى: اعادة تجديد اصول الدين، وايجاد
واقعية للفكر
الاسلامي.
وحسن حنفي وحده يحتاج الى دراسة منفصلة وخاصة؛ لكون
مشروعه اضخم مشروع داخل ساحة الفكر الاسلامي، حيث
ينطلق من تجديد الفقه الى الاصول الى الفلسفة، وفي
الاخير
الخروج من دائرة المدروس - عبر المستشرقين من طريق
ما
يسمى بالاستشراق - الى الدارس، وذلك من طريق
الاستغراب
(مقدمات في علم الاستغراب).
كذلك هناك دراسات ومشاريع اخرى كان لها صدى داخل
الوطن العربي، عبرت عن هم النخبة المثقفة من اجل
اخراج
الازمة الحضارية من مازقها، وكان من بين هذه
النخبة حسين
مروة ممثلا لاتجاه المدرسة الماركسية في ما سمي
ب «النزعات المادية في التاريخ العربي
والاسلامي»، او ما طرح
متناغما مع المدرسة الماركسية التاريخانية التي
تزعمها
المغربي عبدالله العروي، او ما طرحته جماعة
السوربون مع
اراكون، او محاولات المدرسة التفكيكية العربية
متمثلة
بالانتاج الذي قدمه علي حرب عبر نقود للمدارس
جميعها، ما
ادى الى تراكم كم ضخم من الدراسات الانتقادية التي
يمكن
ان تفيد المدرسة الفكرية العربية للنهوض والخروج
من المازق
الحضاري الذي تعيشه. |