والكلمة
العربية هي صورة تتضمن صوتا ومعنى وخيالا مرئيا. وعلى
هذا فان الكلمات العربية عندما استخدمت بوصفها
عناصر فنية في الارابيسك، لم يكن القصد الافادة من
شكل هذه الكلمة الفني بحد ذاته وحسب، بل كان القصد
ترتيب لوحة فنية ذات ابعاد مكانية وزمانية، ومن هنا
اصبحت الكلمة صورة تكشف عن المفاهيم الكامنة
فيها، واصبحت الصورة مصعدا يرقى بالحدس الى هذه
المفاهيم مباشرة للرابطة اللغوية بين صورة الكلمة،
وبوادر الشعور بالطبيعة. وهذا
بحد ذاته هو ما دفع بالخط العربي الى ما نشاهد من
تطور يغرس في وعينا وتصورنا الحسي بدرجة كاملة ان
الخالق الاعظم لا يمكن التعبير عنه او تمثله في
الحس، فطالما ان هذا الخط قد اصبح لونا من الوان
الارابيسك يمكننا اذا ان نتصوره عملا فنيا مستقلا
قادرا على التحليق بالخيال نحو الفكرة الذهنية
تماماكما يفعل الارابيسك في نفس الرائي. ومن ثم لا
غرابة في ان يصبح الخط العربي، وبخاصة حين ياخذ
مادته من القرآن الكريم، هو الفن السائد في
المجتمعات الاسلامية خلال العصور الطويلة. وقد
ادرك فلاسفة اللغة العربية، منذ القديم، تلك القيم
الجمالية الرائعة المتضمنة في الخط العربي، فطبقا
لما يرويه الزمخشري، في «اساس البلاغة»، فان
الوزير محمد ابا علي بن مقلة عقد مقارنة بين تركيب
الشعر وتاليفه ليحدد الوظائف والقيم الجمالية في
كل منهما، وهو يحدد للكتابة العربية معايير اساسية
خمسة تؤدي الى جمالها ورونقها وهي: التوفية
والاتمام والاكمال والاشباع والارسال((120))
اما ابو حيان التوحيدي فقد ذكر في كتابه «علم
الكتابة» «ان الكتابة عموماروحانية تسربلت برداء
مادي»((121)). وهكذا
نجد ان الرسم العربي الذي ينمو نحو التجريد، ويتضمن
كثيرا من الدلالات الرمزية، كان ينقل بروية
واعتدال ما كان يستشرفه من المعاني في حالات الوجد
الصوفي الدائب الذي ربط منذ القدم بروحانية راسخة
دفعته للبحث عن «اللانهائية» الملاذ الاجل حسب
تعبير «بشر فارس» في مؤلفه «سر
الزخرفة العربية». وبمعنى
آخر: ان الفنان العربي المسلم كان يستجمع الموضوع
من طريق الحدس او الالهام، وليس من طريق الفهم
فحسب، ذلك لان ادراك الله لا يقوم على الحس،وانما
يقوم في حقيقته على الوحي والالهام، ودرجات الوحي
والالهام متفاوتة، اعلاها وحي الانبياء وادناها
الهام المبدعين من الفنانين والمتواجدين من
الصوفية والسالكين. والالهام
او الحدس هنا هو الالهام المتفوق على الحس والتعقل
معا، اما العمل الفني نفسه فهو ارتسام التجلي
المتعالي ارتساما واعيا محسوسا. ومن هنا
كانت الصورة الالهية قائمة في وجودنا منذ الازل،
وفي الانسان الاستعداد الخاص لهذا النوع من
التجلي، اما الصور العقلية فهي الصورة القائمة
خارج وجودنا بفعل منا،ولذلك حين سئل ابو حيان
التوحيدي عن هذه الصورة؟ قال: «التي بها يخرج
الجوهر الى الظهور عند اعتقاب المصور اياه»((122)). ولقد
اوضح التوحيدي الفرق بين الصورة الالهية والصورة
العقلية بما يصح ان يكون قواما فلسفيا للرقش العربي
او الارابيسك. فالصورة الالهية هي التي
تجلت بالوحدة، وثبتت بالدوام، ودامت بالوجود. اما
الصورة العقلية فهي شقيقة تلك، الا انها دونها
بالانحطاط الحسي، ولكن معها بالمرتبة اللفظية. وليس
بين الصورتين فصل الا من ناحية النعت، والا
فالوحدة شائعة وغالبة وشاملة.
ادلة التشريع العليا السيد علي عباس الموسوي تمهيد من الممكن عنونة هذه
المقالة بعناوين متعددة تحكي عن مقصود واحد،
فاضافة الى عنوان «ادلة التشريع العليا»، تاتي
عناوين اخرى منها: «المؤشرات الاسلامية العامة،
او العناصر الثابتة في التشريع» و«المقاصد
العامة للشريعة»، و«الخطوط التشريعية العامة
للاحكام الولائية». ان
الاساس في فتح الحديث عن مبادى التشريع وادلته هو
الاجابة عن الاشكالية المثارة حول مسالة اهلية
الدين لحل مشكلات الحياة جميعها، لا سيما
مع التطور الحياتي الذي يعيشه الانسان، وقد طرحت،
في هذا الصدد، مجموعة من الصيغ الهادفة لحل تلك
الاشكالية، اهمها ما قام به الشهيد محمد باقر
الصدر،لدى تقديمه صورة عن اقتصاد المجتمع
الاسلامي، من تقسيم الاحكام، في الاسلام، الى
عناصر ثابتة واخرى مرنة: الاولى هي الاحكام
المنصوصة في الكتاب والسنة، والثانية هي الاحكام
التي تستمد - على ضوء طبيعة المرحلة في كل ظرف - من
المؤشرات الاسلامية العامة التي تدخل في نطاق
العناصرالثابتة((123)). اما
الشيخ محمد مهدي شمس الدين فقد جعل الاحكام على
قسمين: احكام تشريعية واخرى تدبيرية، وهي الاحكام
التنظيمية الادارية التي لا تتضمن احكاما شرعية
الهية. ويرى الشيخ شمس الدين ان هناك خلطا بين النبي
(ص) بوصفه مبلغا للاحكام الشرعية وبينه بوصفه حاكما
ورئيسا للدولة وقائدا للمجتمع ورباللاسرة وانسانا
يتفاعل مع محيطه وحياته ومع معاشريه من الناس((124)).
وبعد ان يخرج دائرة العبادات، وبشكل مطلق، من دائرة
الاحكام التدبيرية، لان العبادات لا مجال فيها
لاي تصرف؛ حيث كانت توقيفية من جميع الجهات:
الاجزاء والعدد والشرائط والمواقيت، ينطلق ليجعل
الاحكام التدبيرية خاضعة لادلة التشريع العليا،
فيرى ان عملية الاستنباط، في مجال الاحكام
التدبيرية (الفراغ التشريعي)، تخضع لمعايير اخرى
بالاضافة الى الاسس والاصول العامة
للاجتهاد والاستنباط، وهذه المعايير تستفاد من
ادلة التشريع العليا على شكل قضايا كلية تتصل
بالمسائل المالية والاقتصادية والعقلائية - داخل
المجتمع الاسلامي وبين المجتمع المسلم ودولته
والمجتمعات والدول الاخرى - والتنظيمية والامنية((125)).
والمراد منها التعليلات التي هي ليست احكاما شرعية
الهية، وليست هي المنشا لاحكام شرعية الهية، بل هي
اسس احكام شرعية تدبيرية. اغراض الشارع استخدم الفقهاء مصطلح غرض الشارع في مواد
متعددة، وهي قليلة ان لم تكن نادرة، فمثلا في بحث
الوكالة ذكروا انه يصح التوكيل في كل ما لم يعلم
تعلق غرض الشارع فيه بقيام المكلف فيه بالمباشرة.
قال في المختصر: «ما تصح فيه الوكالة، وهو كل فعل،
لا يتعلق غرض الشارع فيه بمباشر معين،
كالبيع، والنكاح»((126)). ولم يذكر الفقهاء - رغم
اتساع البحث الاصولي - مسالة ضوابط معرفة غرض
الشارع في بعض الموارد، ولكن ههنا نص لبعض
الفقهاء المعاصرين يرجع مسالة تحديد غرض الشارع الى
العرف، فانه بعد ان يقسم الاحكام الشرعية الى
قسمين: الاول منهما يرتبط بالاحكام التي تتناول
علاقة الانسان بربه والتي لا يعرفها الا الاوحدي،
اي العبادات، يقول: «والقسم الثاني: الاحكام
المشروعة لنظم امور الدنيا، وسياسة المدن، وادارة
المجتمع، وروابط الافراد بعضها مع بعض في الاموال
وغيرها، ففي مثل هذه الاحكام بملاحظة الاحكام
وموضوعاتها والمناسبة بينهما، يفهم العرف في
الجملة غرض الشارع، ومايحققه وما يرتبط به، ويكون
لهذا الفهم دخل في استظهار مراده من كلامه من
العموم والخصوص وغيرهما، وتكون هذه المناسبات التي
يفهمها العرف من القرائن الحالية، او المقامية
الدالة على ما اراده المتكلم من كلامه، فاذا قرر
الشارع الذي اخذ بيد المراة المسكينة، وانقذها من
دركات السقوط والشقاء، ان للنساء نصيبا مما ترك
الوالدان والاقربون كما قرر ذلك للرجال، بمناسبات
كثيرة من عناية بحفظ حقوق النساء وكرامتهن
الانسانية والمنع عن استضعافهن، يفهم ان عموم هذا
الحكم الحافظ لشؤون المراة وتثبيت حقوقها في
المجتمع لا يقبل التخصيص بحرمان المراة عن حقها
واستقلال المرء بارث جميع ما بقي لكونه من الكرعلى
ما فر. فكما
لا يقبل التخصيص قوله تعالى: (اعدلوا هو اقرب
للتقوى)، وقوله تعالى: (ما على المحسنين من سبيل)،
وقوله تعالى: (فان
عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) وغيرها من
القواعد الشرعية القرآنية، لا تقبل هذه القاعدة
المحكمة، الحاكمة بارث المراة من الميت اذا كانت مع
المرء في طبقة واحدة، ايضا التخصيص. وهذه امور لا بد
للفقيه ملاحظتها عند النظر في ادلة الاحكام»((217)). وعليه،
ففي دائرة معينة من الاحكام لا بد من ان يكون غرض
الشارع حاكما على الادلة. وعلى الفقيه، عند
استنباطه للحكم الشرعي، ملاحظة غرض
الشارع وادخاله عنصرا في فهم النص. حقيقة ادلة التشريع العليا تنطلق الحاجة الى ملاحظة ادلة
التشريع العليا والبحث فيها من اشكالية تناهي
النصوص وعدم تناهي الوقائع، فاننا لو اردنا ان نوجد
لكل واقعة نصا، فاننا سوف نواجه قصورا واضحا في
النص، ولكن تلك طريقة خاطئة لان النص ياتي ليضع
مبادى تشريعية كلية لتنطبق عليها الوقائع
اللامتناهية، ومما لا بد من الالتفات اليه هو ان
المنطلقات التي هي الاساس في البحث عن ادلة التشريع
العليا متعددة، ويمكننا ان نجعل البحث في ادلة
التشريع العليا ضمن منطلقات اربع: والولاية،
بحسب تعريف السيد محمد حسين الطباطبائي، هي
«الموقف الذي يتصدى بموجبه الشخص، او المركز،
لادارة شؤون الاخرين وتسيير حياتهم وتوجيهها»((129)).
ولا يختلف تعريف السيد الطباطبائي كثيرا عن
التعريف الذي يطرحه الشهيد الصدر، فهو ايضا يتحدث
عن العناصر الثابتة والعناصرالمتغيرة، ويجعل
الاحكام والقوانين المتغيرة خاضعة لامرين يشكلان
اساسا ويقومان بمهمة ضبط حركتها، وهما: الحق
والمصلحة الواقعية للمسلمين. اما الاحكام الثابتة،
فيصطلح عليها الطباطبائي باسم «الشريعة»،
ويعرفها بانها عبارة عن عناصر ثابتة شخصها
الاسلام، وهي تتجاوز التقلبات، وتبقى رغم
التحولات المدنية المتغيرة((130)). وتسمية السيد
الطباطبائي لها باسم الشريعة مقابل الاحكام
المتغيرة التي يرى الطباطبائي، وخلافا لسائر
الباحثين، انها ليست احكامافي حقيقتها، ولا تكون
جزءا من الشريعة السماوية الثابتة، ولكنها واجبة
التنفيذ عندما تصدر عن مركز الولاية. فهي
اذن تقع تحت دائرة صلاحية ولي الامر - الحاكم الشرعي
الاسلامي - ليتخذ سلسلة من القرارات والاحكام
الثابتة، ويعتمد على هذه الاحكام الثابتة
في استيعاب المصالح المتجددة في المجتمع وامتصاص
المتغيرات الطارئة. ونتيجة
هذا المدخل من المتفق عليه انه توجد في الشريعة
الاسلامية مجموعة من الاحكام والتشريعات التي تشكل
عناصر ثابتة اساسية، وتكون مبادى لاحكام اخرى. هذه
المجموعة من الاحكام لم تبحث بحثا مستقلا من قبل مع
تعرض الباحثين لها عرضا عند حديثهم في العناوين
المتقدمة، ونحن نحاول وضع قراءة اولية لهذه
المجموعة من الاحكام قابلة لمزيد من البحث
والتفصيل. الاول: مبدا العدالة الاجتماعية قال تعالى: (ما افاء الله
على رسوله من اهل القرى، فلله وللرسول ولذي القربى
واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة
بين الاغنياء منكم) [الحشر/7].
تعد هذه الاية من الايات الكريمة التي تتحدث بوضوح عن هدف من اهداف التشريع
الاسلامي، فهي تعلل مجموع الاحكام الالهية الواردة في توزيع الفيء
بانها
لاجل ان لا يكون المال في طبقة خاصة من
المجتمع الاسلامي من دون سائر الطبقات، فقسمة
الخمس تحكي عن ضريبة مفروضة على الاغنياء لسد
حاجة الفقراء، فالاسلام يقف موقفا حازما للحد من
تداول المال لدى طائفة خاصة من الناس. وهكذا
الحال في سائر الواجبات المالية، فنحن لو اردنا
الاطلالة على واجب آخر من الواجبات المالية التي
فرضها الاسلام، وهو الزكاة، لامكن استجلاء
كون الهدف منها انما هو تحقيق العدالة
الاجتماعية؛ وذلك ممكن عبر عدة ملاحظات: ويتحدث
الشهيد الصدر عن هذه المسالة، فيقول: «جاء في
الحديث عن الامام موسى بن جعفر (ع): «ان على الوالي،
في حال عدم كفاية الزكاة، ان يمون الفقراء من عنده
بقدر سعته حتى يستغنوا». وكلمة من عنده تدل على ان
المسؤولية في هذا الامر متجهة نحو ولي الامر
بامكاناته جميعها، لا نحو قسم خاص من بيت المال،
فهناك اذن هدف ثابت يجب على ولي الامر تحقيقه او
السعي في هذا السبيل بما اوتي من امكانات، وهو
توفير حد ادنى يحقق الغنى في مستوى المعيشة لجميع
افراد المجتمع الاسلامي((134)) فيترقى الامر الى كون
المطلوب الشرعي ليس هو مجرد رفع الفقر، بمعنى رفع
الحاجة، بل المطلوب الشرعي هو تحقيق الغنى،
فتعميم الغنى هو الهدف الذي تضعه النصوص امام ولي
الامر. ويحاول
السيد الشهيد استكشاف طبيعة الحد؛ وذلك عبر
الاستفادة من حديث ابي بصير: «سالت ابا عبدالله (ع)
عن رجل من اصحابنا له ثمانمئة درهم، وهورجل خفاف
وله عيال كثيرة: اله ان ياخذ من الزكاة؟ فقال: يا ابا
محمد ايربح في دراهمه ما يقوت به عياله ويفضل؟ قال:
قلت: نعم، قال: كم يفضل؟ قلت: لاادري، قال: ان كان
يفضل عن القوت مقدار نصف القوت فلا ياخذ الزكاة،
وان كان اقل من نصف القوت اخذ الزكاة، قلت: فعليه في
ماله زكاة تلزمه؟ قال: بلى،
قلت: كيف يصنع؟ قال: يوسع بها على عياله في طعامهم
[وشرابهم] وكسوتهم، وان بقي منها شيء يناوله غيرهم وما اخذ من الزكاة فضه
على عياله حتى يلحقهم بالناس». فالهدف
هو الحاق الفقير بالناس لا مجرد رفع الحاجة،
فالمفاسد الاجتماعية لا تنشا من الحاجة الفعلية
التي تقتصر على ضرورات الحياة، بل ان بعضها قد
ينشامن الطبقية التي قد يعيشها المجتمع. هذه
الطبقية تجعل صاحب المستوى الادنى يفكر جديا في
الوصول الى الطبقة الاعلى، وان يعيش كما تعيش هي.
وكما قديتوسل للوصول الى ذلك بالطرق المشروعة، قد
يلجا الى استخدام بعض الوسائل غير المشروعة،
والشريعة كما فرضت على ولي الامر العمل على ازالة
الطبقية الاجتماعية في المجتمع المسلم، دعت اصحاب
الطبقات العليا الى التخلي عن بعض الصفات التي توجب
هذه الطبقية كالمنع من الاسراف والتبذير
والبذخ والتكبر، ودعتهم ايضا الى التحلي بالصفات
التي لا تجعل هذه الطبقية ملحوظة كالدعوة الى
التواضع والانفاق المستحب والاهتمام بالطبقة
الادنى. الثاني: مبدا العدل والاحسان قال تعالى: (ان الله يامر
بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى) [النحل/90]. وقال
تعالى: (يا ايها الذين آمنوا كونوا قوامين لله
شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شن آن قوم على الا
تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى واتقوا الله)
[المائدة/8]. وقال
تعالى: (يا ايها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط
شهداء لله ولو على انفسكم او الوالدين والاقربين
ان يكن غنيا او فقيرا فالله اولى بهما فلا تتبعوا
الهوى ان تعدلوا وان تلووا او تعرضوا فان الله
كان بما تعملون خبيرا) [النساء/135]. العدل
والاحسان من الركائز الاساسية لصلاح المجتمع
الانساني، وقد ركز الاسلام، في مجموع احكامه، على
تحقيق العدالة الفردية والاجتماعية، بل
وتتحدث النصوص عن ان العدل والاحسان هما السبب في
دوام النعمة((136)) وان اي دولة تقام على
الارض، على اساس العدل والاحسان، محكومة
بالاستمرار.ولنلحظ مجموعة من الاحكام الشرعية التي
تدل على ان العدل والاحسان من الاهداف الاسلامية
للتشريع، يقول الشيخ المفيد: «ان الاسلام بني على
توحيد اللهفي ذاته وصفاته وتوحيده في عنايته
وعبادته، وهل هذا الا الفطرة، واسس شرعه على العدل
والاحسان والفضيلة والمحبة، وجميعها احكام
الفطرة»((137)) والعدل من المدركات العقلية
المستقلة التي يوافقها حكم الشارع بمقتضى قاعدة ان
ما حكم به العقل حكم به الشرع، وحسن العدل لا يتغير
بتغير الزمان والمكان.والظاهر، من الايات الكريمة،
ان الحديث فيها انما هو عن العدل الاجتماعي، بمعنى
ان يعامل كل فرد من افراد المجتمع بما يستحقه ويوضع
في موضعه الذي ينبغي ان يوضع فيه، وهذا امر يكلف
المجتمع اقامته وتتقلده الحكومة باعتبارها تتولى
امر المجتمع وتدبيره. ويرى
الشيخ محمد مهدي شمس الدين ان آية الامر بالعدل
والاحسان تعد مصدر تشريع لا ينحصر في باب من
الابواب، وانما يشتمل، ما عدا العبادات، على جميع
انشطة البشر، وكلما التبس علينا امر نرى، بحسب
فهمنا وسليقتنا النقية والسليمة، ما هو مقتضى
العدل والاحسان فيه((138)). الثالث: مبدا الاخوة الاسلامية
تعد مسالة الاخوة الاسلامية اساسا من اسس التشريع الاسلامي وهدفا من الاهداف
التي عمل الاسلام على تحقيقها من خلال مجموعة من التشريعات في مختلف الابواب. ويجب
على الفقيه ان يلاحظ هذا المبدا عند اصداره فتواه
الفقهية، ولاختلاف نظرات الفقيه، الى هذا المبدا،
دور اساسي في اختلاف الفتاوى التي يريد ان يصدررايه
فيها، فاذا راى الفقيه مبدا الاخوة الاسلامية خاصا
بطائفة خاصة من الطوائف الاسلامية، فستتغير الفتوى
لديه، تبعا لذلك. ونلاحظ مثلا على ذلك ادلة
عدالة الشاهد، فان من لا يرى ولا يلحظ مبدا الاخوة
الاسلامية سينظر الى من يكون تابعا لمذهب مختلف معه
على انه مخدوش العدالة، وان كان عادلا في مذهبه،
امامع ملاحظة مبدا الاخوة الاسلامية فسوف تختلف
النتيجة، ومن هذا القبيل الافتاء بجواز العدوان
على اتباع المذاهب الاخرى وجواز شتمهم، فان هذه
الفتاوى تتناقض تناقضا اساسيا مع المبدا التشريعي
الفوقي الاعلى، والحاكم الذي لا يجوز غض النظر عنه
في مجال الاجتهاد والاستنباط في الحقل
السياسي والاجتماعي((139)) وهذا المبدا يمكن العمل به
ضمن اتجاهين: الرابع: مبدا وحدة الامة الاسلامية
قال تعالى: (وان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون). تشكل
وحدة الامة الاسلامية مبدا اساسيا في الاسلام،
ويكفي لبيان ذلك ملاحظة التضحيات التي قام بها ائمة
اهل البيت (ع) في سبيل ذلك، فعدم قيام اميرالمؤمنين
علي بن ابي طالب (ع)، طوال خلافة الثلاثة، انما كان
لاجل الحفاظ على وحدة الامة الاسلامية. وهنا
يمكن ملاحظة الفتوى الصادرة عن الامام الخامنئي
بجواز الصلاة خلف اهل السنة، ويعلق ذلك على ما اذا
كان الامر لاجل الحفاظ على الوحدة الاسلامية، بل
ويجوز الصلاة خلفهم حتى ولو لم يحرز المكلف دخول
الوقت بالنسبة لمثل صلاة المغرب، فيما اذا كانت
مراعاة الوحدة الاسلامية تقتضي ذلك((143)) ويمثل
بعض الفقهاء للتقية المستحبة بمثل حضور مساجدهم
والصلاة معهم من دون احتمال الضرر على تقدير تركها((144)).
والذي يؤكد على اهمية هذا المبدا وضرورة ملاحظته بوصفه مبدا تشريعيا تصريح
الروايات الواردة في التقية الامرة بالتعاطي الايجابي مع المخالفين،
ففي صحيحة هشام الكندي قال: «سمعت ابا عبدالله
يقول: اياكم ان تعملوا عملا نعير به، فان ولد السوء
يعير والده بعمله، كونوا لمن انقطعتم اليه زينا ولا
تكونوا عليه شينا، صلوا في عشائرهم، وعودوا في مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، ولا
يسبقونكم الى شيء من الخير، فانتم اولى به منهم، والله ما عبد الله بشيء احب اليه من الخباء. قلت:
وما
الخباء قال: التقية»((145)) فان هذه الرواية تتحدث عن
عدم توقف التقية على مسالة ترتب ضرر على تركها،
ومنها يستظهر السيد الخوئي ان الرواية تدل على ان
حكمة المداراة معهم في الصلاة، او غيرها، انما هو
ملاحظة المصلحة النوعية واتحاد كلمة المسلمين من
دون ان يترتب ضرر على تركها،ويلاحظ هذا الفقيه
الكبير هذه الحكمة في بحث آخر، ويستفيد منها لاجل
تعميم التقية حتى لمثل عصرنا حيث لا قدرة حاكمة من
قبلهم وعدم اختصاص ذلك بزمان شوكة المخالفين
واقتدارهم؛ اذ انه وان كان لا يحتمل الضرر في ترك
التقية في امثال هذا الزمان لاجل عدم توقف التقية
على الضرر، بل لان الحكمة في تشريعها هي المداراة
وتوحيد الكلمة((146)). وهذه التقية يصطلح عليها بعض الفقهاء باسم «التقية المداراتية»، ويستشهد لها بالايات المتقدمة وبفعل الائمة، سيما امير المؤمنين علي (ع) وبالروايات الواردة في ذلك((147)). الخامس: مبدا الدولة الاسلامية وحفظها
يرى الامام الخميني ان اقامة الدولة الاسلامية من الاحكام الاولية للاسلام، بل
ويراها مقدمة على جميع الاحكام الاولية حتى العبادات، كالحج، يقول: «ان الحكومة
شعبة من ولاية رسول الله المطلقة، وواحدة من الاحكام الاولية للاسلام ومقدمة
على جميع الاحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج...». فاقامة
الحكومة الاسلامية تعني حفظ النظام الاجتماعي
العام، وهو من اهم الفرائض الالهية. وينظر السيد
محمد حسين الطباطبائي الى مسالة الولاية على
انهاحكم فطري ثابت غير قابل للتغيير، ويستدل، من
جهة انه فطري، ان احكام الاسلام جميعها فطرية، لان
القرآن الكريم يصرح بان احكام الاسلام تقوم
على الفطرة، وعليه تصبح مسالة اصل الولاية من
المسائل الدينية الثابتة التي لا تقبل التغيير،
لكونها جزءا من الشريعة نفسها. ومن
جهة اخرى، يستدل الطباطبائي بسيرة النبي (ص) بين
المسلمين وتاكيده على مسالة الولاية والحكم وعدم
اهماله لها. ويقول
في تتمة كلامه: «ان مسالة الولاية هي من ثوابت
الشريعة الاسلامية ومما يدخل في العناصر التشريعية
الدينية التي يجب ان تبقى حية في المجتمع الاسلامي
الى الابد»((148)). السادس: مبدا حفظ مصالح المسلمين لقد صدرت مجموعة من
الاحكام عن الائمة (ع) تهدف الى حفظ مصالح المسلمين
العامة، ومثاله نهي النبي (ص) عن ذبح لحوم الحمر
الاهلية، فقد ورد عن علي بن جعفر، عن اخيه، قال:
«سالته عن لحوم الحمر الاهلية: اتؤكل؟ فقال: نهى
عنها رسول الله (ص)، وانما نهى عنها، لانهم كانوا
يعملون عليها، فكره ان يفنوها»((149)). ومن
هذه الموارد الاذن الصادر من الائمة (ع) لاصحابهم
بتولي الولايات في الدولة الظالمة والوظائف في
الحكومات غير الشرعية، لان الكثير من المصالح
التي ترتبط بالشيعة ما كانت لتتم الا عبر تولي بعض
افراد الشيعة لهذه المناصب مع شدة النهي الوارد عن
تولي مناصب الظالمين وتقديم العون لهم باي نحو
من الانحاء. ومن
الممكن لنا عد النهي الصادر من قبل النبي (ص) عن بيع
الماء من هذه الموارد، ففي رواية سماعة عن ابان، عن
ابي بصير، عن ابي عبدالله (ع) قال: «نهى رسول الله
(ص) عن النطاف والاربعاء، قال: والاربعاء ان يسنى
مسناة فيحمل الماء فيسقي به الارض ثم يستغني عنه،
قال: فلا تبعه، ولكن اعره جارك، والنطاف: ان يكون
له الشرب فيستغني عنه»((150)). ويتحدث
الشهيد الصدر معلقا على هذا الحديث فيقول: «وهذا
النهي نهي تحريم مارسه الرسول الاعظم (ص) بوصفه ولي
الامر، نظرا الى ان مجتمع المدينة كان بحاجة شديدة
الى انماء الثروة الزراعية والحيوانية، والى توفير
المواد اللازمة للانتاج توفيرا عاما وعدم
احتكارها، فالزمت الدولة على هذا الاساس الافراد
ببذل ما يفضل من مائهم وكلئهم للاخرين»((151)). وبمراجعة
نص آخر للعلامة الطباطبائي نجده يتحدث عن مسالة
ملاحظة المصلحة العامة للمسلمين ليجعلها عنصرا
ثابتا، يقول: «ان المصلحة الواقعية
للاسلام والمسلمين تشكل مؤشرا يضبط حركة القوانين
المتغيرة»((152)). والقيام
بمصالح المسلمين وظيفة الحاكم الاسلامي، ولذا ورد
في الرواية الحاكية عن حكمة الخمس قوله (ع): «وانما
صارت للامام وحده من الخمس ثلاثة اسهم لان الله
قد الزمه بما الزم النبي (ص) من تربية الايتام ومؤن
المسلمين وقضاء ديونهم وحملهم في الحج والجهاد»((153)).
بل وتعطي الروايات دائرة الصلاحية للامام الحاكم
للقيام بمصالح المسلمين عملا ودفع كل ما فيه مفسدة
لهم، ففي رواية عن الامام علي(ع): «يجب على
الامام ان يحبس الفساق من العلماء والجهال من
الاظباء والمفاليس من الاكرياء» فان((154)) كل
ما يلحق الضرر النوعي بالمسلمين يدخل رفعه تحت
وظائف الحاكم الاسلامي. السابع: مبدا رفع العسر والحرج الاجتماعيين ذكر الفقهاء
انه ثمة احكام تكون حاكمة على الاحكام الاولية
ورافعة لها، واصطلحوا على تسميتها باسم الاحكام
الثانوية، وذكروا ان الاحكام الثانوية تختص بصورة
العسر والحرج الشخصيين من دون النوعين. اما في صورة
وجود عسر وحرج او ضرر نوعي فلا مورد للاحكام
الثانوية بل هنا ياتي دور الاحكام الولائية لتصدر
حكما يكون حاكما على دليل العنوان الاولي، ومثاله
الفقهي مسالة التحليل الصادر من الائمة (ع) للشيعة
بالنسبة للخمس، فانه ورد في نصوص
التحليل المتواترة ان ذلك لاجل رفع العسر والحرج
عن الشيعة، ففي رواية قال الامام(ع): «ما انصفناكم
ان كلفناكم ذلك اليوم»((155)) فهنا قد لا يكون اي حرج
على اشخاص المكلفين في دفع الحقوق الواجبة عليهم،
ولكن الامام في تحليله هذا لاحظ الحرج النوعي
اللاحق على المكلفين بسبب الظروف التي كانت
الشيعة تعاني منها في ذلك الزمان، وهكذا القائم
بالامر في عصر الغيبة الحاكم لا بد له من ان يلحظ
حال الناس في ظروفهم المعيشية. الثامن: مبدا اليسر والسماحة في الشريعة ورد، في العديد من
النصوص، ان النبي جاء بالشريعة السهلة السمحاء((156))
كما ذكر الفقهاء ان الذي يدل على التخفيف في احكام
الشريعة الخاتمة قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا
الا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) [البقرة/286]. فالاية
دالة على ان الثقل الذي كان قد حمل على الامم
السابقة لم يحمل على هذه الامة، ويعلل السيد
الطباطبائي هذا التخفيف على الامة بالضعف الذي
خلق عليه الانسان، كما نص عليه قوله تعالى: (يريد
الله ان يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا) [النساء/28]. ويسوغ
اختصاص التخفيف بهذه الامة من دون سائر الامم بكون
مقتضى التخفيف موجود في سائر الامم، ولكن الموانع
لم ترتفع فلم يرد التخفيف اليهم، ووردالى هذه الامة((157)). وقد
استعمل الفقهاء هذا المبدا في بعض استدلالاتهم
فذكر صاحب «الحدائق»، عند تعرضه للروايات
الواردة بالتفريق بين الزوجين، اذا زنا احدهما بعد
العقد،وقبل الدخول، ذكر ان الاقرب حمل هذه
الروايات على محمل التقية، لان ما اشتملت عليه من
هذه الاحكام المغلظة لا يوافق مقتضى قواعد الشريعة
السمحة السهلة المبنية على التخفيف سيما مع
مقابلتها بما هو اكثر منها واصح سندا من الاخبار
المشار اليها((158)). ووصف
الشيخ الصدوق في مقدمة الفقيه الشريعة بالسمحة
السهلة((159)). وقد
تمسك الفقهاء، في العديد من ابحاثهم، بكون الشريعة
سهلة سمحاء لنفي العسر والحرج في مجموعة من الاحكام
الشرعية، وكذلك يرى الشهيد الاول ان العسر والحرج
لا يناسبان الشريعة السمحة السهلة((160)). التاسع: مبدا التساوي في الحقوق والواجبات بين الرجل والمراة
قال الله تعالى: (فاستجاب لهم ربهم اني لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر او انثى
بعضكم من بعض) [آل عمران/195] وقال تعالى: (يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر
وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم
خبير) [الحجرات/13]. تتحدث
هاتان الايتان، كما يرى العلامة الطباطبائي، عن
قاعدة عامة في التشريع الاسلامي، ينظر الاسلام
وفقها الى المراة على انها كالرجل على السواء في
كونها جزءا كاملا في المجتمع الانساني. العاشر: مبدا قيام الاسلام على سنة الاجتماع بنى الاسلام
مجموع احكامه على سنة الاجتماع، فمن الاحكام
الشرعية ما يتضمن الاجتماع بشكل مباشر كوجوب
الجهاد ومثله الصلاة والصيام والحج، ومنها
مايتضمنه بشكل غير مباشر، وهي ما تدخل في دائرة غير
الزامية كصلاة الجماعة ونحوها من الاجتماع في
تشييع المؤمن وغيره من الاحكام، والاسلام
يراعي الاجتماع في جميع ما يدعو الناس اليه في
معارفه الاساسية من قوانين الاعمال العبادية
والمعاملية والسياسية((161)). وهذه
الملاحظة تظهر بوضوح في العبادات فانها جعلت بنحو
تشكل وسيلة لعلاقة الانسان مع اخيه الانسان، فمثلا
عبادة الحج وان لم يرتبط امتثالها بالاخرين ولكن
تحديد مواقيت معينة من الناحية الزمانية والمكانية
بنحو يتحتم على المكلف القيام بها ضمن تلك المواقيت
تجعلها ذات بعد اجتماعي كبير، فالعلاقة العبادية
ذات دور اجتماعي في حياة الانسان، ولا تعد ناجحة
الا حين تكون قوة فاعلة في توجيه ما يواكبها من
علاقات اجتماعية توجيها صالحا((162)). بل
تتحدث مجموعة من النصوص بلهجة شديدة تجاه بعض
الواجبات العبادية ذات البعد الاجتماعي، وانموذجا
لذلك يمكن ملاحظة النصوص الواردة في الصلاة في
المسجد، فقد ورد عن الامام الصادق (ع): «قال: لا صلاة
لمن لا يصلي في المسجد مع المسلمين الا من علة، ولا
غيبة الا لمن صلى في بيته ورغب عن جماعتنا، ومن رغب
عن جماعة المسلمين سقطت عدالته، ووجب هجرانه، وان
رفع الى امام المسلمين انذره وحذره، ومن لزم جماعة
المسلمين حرمت عليهم غيبته وثبتت عدالته»((163)). الحادي عشر: مبدا التعاون والسلم في العلاقات الخارجية
تتحدث مجموعة من الايات القرآنية عن اصل التعاطي بالقسط مع غير المسلمين في
خارج بلاد الاسلام (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم
من دياركم ان تبروهم وتقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين) [الممتحنة/8]، بل
تتحدث آيات اخرى عن عدم وجود اي سبيل للمسلمين على الكافرين الذين لا يرغبون في
القتال بل يطلبون السلام، قال تعالى: (فان اعتزلوكم فلم يقاتلوكم والقوا اليكم
السلام فما جعل الله لكم عليهم سبيلا) [النساء/90].وهنا، ايضا، يمكن ملاحظة
مجموع العقود التي اقرها الاسلام كعقد الجزية والاستئمان وما قام به النبي (ص)
في عصر الدولة المدنية وتاسيس المجتمع المدني من عقود مع اتباع الاديان
المختلفة الذين كانوا يقيمون في المدينة المنورة وجوارها. الثاني عشر: مبدا احياء شعائر الاسلام وفي الاسلام شعائر
اساسية يجب على المسلمين اقامتها والحفاظ عليها،
وهي تتجاوز الحالة الفردية للمكلفين الى المجتمع
المسلم؛ وذلك كما تقدم في مسالة الحث على صلاة
الجماعة، وان من يغيب عن جماعة المسلمين يجب على
الامام ان يحذره، بل ورد في روايات اخرى عن الامام
الصادق (ع) ان رسول الله (ص)هم باحراق قوم في
منازلهم كانوا يصلون في منازلهم ولا يصلون الجماعة((164)). وفي
مسالة الحج الذي هو من اهم الواجبات الدينية
الاجتماعية تتحدث الروايات عن ان اقامة الحج في حال
تعطله لسبب من الاسباب هو من وظيفة
الامام والوالي، ففي رواية ان من صلاحيات الحاكم
اجبار الناس على الحج لو عطلوه، فعن الصادق (ع): «لو
ان الناس تركوا الحج لكان على الوالي ان يجبرهم على
ذلك وعلى المقام عنده، ولو تركوا زيارة النبي (ص)
لكان على الوالي ان يجبرهم على ذلك وعلى المقام
عنده، فان لم يكن لهم اموال انفق عليهم من بيت
مال المسلمين»((165)) وعملا بهذا الحديث لم
يستبعد السيد اليزدي الحكم بان الحج من الواجبات
الكفائية. المذاهب الاسلامية د. جودت القزويني شغلت مسالة التقريب بين
المذاهب الاسلامية اذهان الساعين الى الاصلاح بين
ابناء الدين الواحد الذين ابعدت اجتهاداتهم
النظرية وممارساتهم السياسية بعضهم عن بعضهم
الاخر. فبمقدار
المحاولات الداعية الى النفرة والاختلاف، في
مؤلفات المتقدمين او المتاخرين، على حد سواء، وجدت
محاولات الالفة والتقارب، وان اخذت اشكالا متعددة
الا انها تقوم على التقارب القائم على منطق الجدل
والحوار الذي يتلخص بمحاولة دراسة اسباب الاختلاف،
ووضع الاصول المشتركة للاتفاق للوصول الى نتائج
تجمع الاطراف على قبولها. ولا
يعني ان تكون النتائج هذه من المسلمات لدى الاطراف
المتنازعة، وانما يمكن ان تكون خلاصة لما تهدف اليه
هذه الاتجاهات، حسبما يراها اصحابها. ويمكن ان تصنف
على هذه الشاكلة: 1 - الاتجاه السياسي
حيث ان الجدل الطائفي يقوم، في الاساس، على عوامل الاختلاف الخارجي (الواقع)
الذي يقود الى تفسير النصوص (النظرية) حسبما يقتضي هذا الواقع تفسيرها. وليست
هناك مشكلة اكبر من مشكلة السياسة والتنافس في الادارة والسلطة. فقد تلازم
الجدل الطائفي بالاختلاف السياسي، كما ترافق التسامح الطائفي بحالة الهدنة
السياسية خصوصا بين الدول، ومراكز القرار. وقد
انعكست مظاهر هذا الاتجاه، على المستوى الرسمي،
بمبادرة السلطان نادر شاه الافشاري (قتل سنة
1160ه/
1747م) لحل الخلاف السياسي بين دولته ايران، والدولة العثمانية، باللجوء الى
مدينة النجف الاشرف، عاصمة العلم الشيعية، وعقد مؤتمر كبير سنة 1156ه/
1743م جمع فيه علماء الشيعة الذين استقدمهم من بلاده الى العراق، وعلماء السنة
الذين رشحتهم السلطة العثمانية للاسهام في هذا المؤتمر، وانجاحه. وبغض
النظر عن النتائج التي توصل لها المؤتمرون او لا،
وعدم استمرار تحقق نجاح مثل هذه المبادرات
الرسمية، فان هذه المحاولة بحد ذاتها تكشف بعمق
ان العامل الطائفي هو من افتك الاسلحة التي تساعد
على اذكاء المبررات الطائفية في تعبئة الاطراف
للتوصل الى مقاصد بعيدة في السلطة والحكم وتغيير
الانظمة والحكام. 2 - الاتجاه القائم على التسامح الروحي
وقد ظهر من خلال التشكيلة التي حاول بعض اصحاب الطرق الصوفية من خلال توحيد
الفرق الاسلامية بالاعتماد على التسامح الروحي، والتعالي على التصنيف العقدي
القائم على التعصب. ومن
شروط ارباب هذه الطرق الميل لال البيت(ع)، واتخاذ
شخصية الامام علي بن ابي طالب (ع) مثالا يحتذى به
مقدما على الخلفاء الراشدين الثلاثة باعتبارسند
حديث الغدير الذي يقرون دلالاته، اضافة الى جمعه
للحقائق الثلاث: الخلافة، الوراثة، والولاية. كما
ادانوا، في الوقت نفسه، التعرض الى الصحابة، او
الانتقاص منهم، والتجرؤ عليهم باي شكل من اشكال
الانتقاد. 3 - الاتجاه القائم على الحوار
ويراد به التقارب القائم على الحوار الشخصي الذي يعد من اهم مظاهر تسوية النزاع
القائم على الاختلاف العقدي بين الفرق والملل والنحل. وغالبا
تكون دوافع هذا الحوار مدعاة لوضع حلول يتفق عليها
الطرفان بوصفها قواسم مشتركة بينهما. ومن
مظاهر هذا التقارب المراسلات الشخصية التي دارت
بين عالم سني بغدادي هو الشيخ ابراهيم الراوي
(المتوفى سنة 1365هر1946م)، وبين السيد محمد مهدي
السبزواري احد شباب الروحانيين الشيعة (المتوفى في
ايران شابا سنة 1350ه/
1931م)، اي بعد نشر هذا الحوار باقل من عام واحد. كان
المحفز لهذا الحوار تقهقر الدولة العثمانية بعد
سقوط البلدان الاسلامية بيد القوات الانكليزية بعد
الحرب العالمية الاولى. وكان يهدف بمجمله - من
خلال الدعوة لتسوية الخلافات الطائفية بين
المذاهب الاسلامية -، الى عودة الخلافة الاسلامية،
وتصدرها للحكم مرة اخرى. وقد
اعد الراوي بعض نصوص الرسائل المتبادلة بينه وبين
السبزواري، والتي تمثل حصيلة جهود سنتين كاملتين
من المكاتبة، ومواصلة الحوار، في كتيب نشره في
بغداد سنة 1349هر1930م بعنوان «داعي الرشاد الى سبيل
الاتحاد». وتعد
هذه الرسائل من الحوارات الساعية الى تسوية
النزاعات الطائفية المتنازع فيها تاريخيا، واعادة
قراءة تفسير النصوص التي انبثقت عنها. وجدية
«داعي الرشاد» انه كتاب حوار مفتوح لا يتبنى تفسيرا
آحاديا للاحداث بل يترك الباب مفتوحا للراي والراي
الاخر، بخلاف غيره من المؤلفات الداعية الى تسوية
الخلاف الطائفي بالرجوع الى رؤية واحدة يجهد
صاحبها للبرهان على احقيتها من دون غيرها من
المناهج والرؤى، كما يتجلى ذلك في محاولة
الامام السيد عبد الحسين شرف الدين الذي الف
مطارحاته مع شيخ الازهر الامام سليم البشري (ت:1335/ه 1916م)
في كتاب شهير طبع باسم «المراجعات» اول مرة في
مدينة صيدا سنة 1355ه/
1936م، وزادت طبعاته على الخمسين. والسبب
في اختلاف المحاولتين ان المراجعات بين شرف الدين
والبشري كانت قد بدات في ظل سيطرة الدولة العثمانية
عندما حل شرف الدين بمصر عام 1329هر1911م. لذا فان هم
المتحاورين كان منصبا على الجدل الطائفي، ومناقشة
حوادث التاريخ لاثبات ما علق بها من خطا، وما بقي
فيها من نصاعة لغرض رفضها او قبولها. اما
مطارحات «داعي الرشاد» فقد انبثقت ردة فعل لسقوط
الخلافة الاسلامية، وان كانت المبادرة بحد ذاتها
شخصية بحتة. وقد
امتازت هذه المحاولة بالنضج والموضوعية والصراحة
في تشخيص الاوضاع ونقدها، والخروج بنتائج هي في
تصور المتحاورين يمكن ان تكون طريقا لانهاء
الصراعات المبنية على التعصب الطائفي. |