أول المنهاج

الخطاب الاسلامي التواصلي وشريحة الشباب
ازمة ثقة ومشكلة ممانعة

الشيخ حيدر حب الله

الخطاب الاسلامي التواصلي هو ذاك الجانب من الخطاب الاسلامي الذي يعنى بفتح علاقات مع كيان بشري معين، وهذا معناه من الناحية الاولية انه خطاب يخضع لنظم العلاقات وحاجاتها، ومن ثم فلا يمكنه ان يتعالى عن طرفي العلاقة المفترضة، وهما هنا: الاسلام من جهة، وشرائح المجتمع بمجموعها، او بجماعاتها، من جهة اخرى.

ونظم العلاقات نظم خاصة لا تخضع لمجرد آليات اكتشاف الحقيقة، او انتاج المعرفة، وانما تتخطى هذا الجانب لنقل تلك الحقيقة او المعرفة الى طرف آخر، لاجراء تفاعل معه يهدف، في المحصلة الايديولوجية الداخلية، الى ايصال فكرة او ممارسة دور اقناعي في صددها.

وقد مثلت عناصر، كالمنبر سيما الحسيني والدروس الدينية المباشرة، ولو عن طريق معلوماتي متطور... الوسائل القديمة والجديدة لاليات الخطاب الاسلامي، وكانت هذه العناصر ولا تزال صاحبة دور فاعل ورئيسي في هذا الميدان.

ونتيجة تداعيات عديدة، ظهرت الى السطح مسافة فصلت ما بين الخطاب الاسلامي التواصلي وبين واحدة من شرائح المجتمع تكاد تكون اهمها، الا وهي شريحة الشباب، بذكورها واناثها، وتبدت ظواهر عديدة كشفت الى حد معين عن سوء علاقة بين الطرفين بلغت احيانا حد القطيعة الكاملة.

وقد استدعى هذا الامر، ولا يزال، الحاجة الى دراسة هذه العلاقة وقراءتها مرة ثانية، سيما من زاوية نقدية للخطاب التواصلي، كمافعل الغزالي والمطهري والقرضاوي ومغنية الخ...

1- اول اشكالية واجهت الخطاب التواصلي كانت اشكالية فهم شريحة الشباب، فحتى الان هناك تيار، في الوسط الاسلامي، لم يدرك بعد طبيعة الشاب وتكوينه، سيما مع الاخذ بعين الاعتبار الظروف الحالية التي تحيط به وبتكونه، وقد ادى الجهل بالشباب الى ممارسات قمعية احيانا زادت في الشاب نفسه عوامل القطيعة، والبعد عن الدين، بوصفه، في نظره، قطعة جامدة صلبة وجافة لارحمة ولا عطف ولا حنان فيها.

ان استخدام خطاب مختمر، من الزاوية العقلية والمعرفية، مع شاب يسير في مراحل الاختمار والتكون، ادى الى ان يجد الشاب نفسه غير معني بذاك الخطاب، انه خطاب يعالج هموم غيره ومشكلاته، ولا يعالج ما يعانيه هو من هموم ومشكلات.

ان الاحساس الحقيقي، من جانب ارباب الخطاب التواصلي الاسلامي، بهموم الشاب ومعاناته هو ما يوفر الطريق لفتح علاقة معه،اما الاستهزاء بتلك الهموم بادعاء انها مجرد اوهام صبيانية فلن يقدم خدمة لهذا الخطاب في علاقته بالشباب، وسيزيد الهوة الفاصلة بدل ان يردمها.

ويمثل القلق والرغبة في الاستقلال والجنس اهم هموم الشباب واكثرها حساسية في محيطه العائلي والاجتماعي معا، ان الشاب قلق لانه يحاول الشروع في رسم مسلسل حياته لمستقبل لا يعرفه، وهو ايضا بحاجة للاستقلال لكي يشعر بكيانه ويلتذ بذاته،الامر الذي يخلق له مشكلات اسرية جادة، وهو كذلك في اوج نضوجه الجنسي... ذاك النضوج الذي يلاحقه مهما خفت صوت المؤثرات، انه احساس ينبعث من اعماقه في يوم لا يترقبه حتى لو خمدت المؤثرات الى ابعد الحدود...، ان حاجة الشاب للاستقلال واشباع الغريزة هو ما يسبب له القلق والاضطراب، سيما في ظل ظروف عائلية غير سليمة، او في اجواء اقتصادية بالغة الحدة.

ولا تقف هذه الحاجات عند بداياتها، بل قد يتطور شعور القلق ليترجم اجراما احيانا او ادمانا احيانا اخرى او...، كما يتطور حب الاستقلال ليبلغ حالات من التهور التي لا يفعلها السوي في حالاته العادية، فيقدم الشاب على تصرفات لا يريد من ورائها سوى الشعور بالذات مهما بدت لنا من بعيد امرا سلبيا، وهكذا اشباع الغريزة يتنامى في افراط فينكشف عن مظاهر سلوكية شاذة قديصعب وضع لجام لها في ما بعد.

ان محاولة تحليل الظواهر السلوكية، التي تبدو على شخصية الشاب، تحليلا عميقا ومدروسا، هو الذي يجعلنا قادرين على اكتشافه، ومن ثم اصلاح نقطة الخطا او ترشيدها بدل اهدار الذات في اصلاح مظاهر لا تعدو ان تتكيف وفاقا للظروف لتبرز على شكل نتوءات في مكان آخر من الشخصية.

وهذا يعني ان الخطاب التواصلي الذي يريد اصلاح الشباب لا يمكنه ان يحقق هدفه بخطاب موحد يوجهه الى الشباب نفسه، ويتبع فيه طريقة الخطاب المباشر المعتادة، وانما يطالب بخطاب معني بالعائلة والمدرسة وغيرها، ما يؤدي دورا مهما في تكوين الشاب،ويكون هو المسؤول كثيرا عن انحرافاته.

2- واذا ما تم اكتشاف الشاب وقراءة الوجه الاخر له، من دون مجرد المظاهر السطحية، ومن ثم تم فهم همومه والاحساس معه لاالتعالي عليه وقمعه وممارسة تكبر وعجرفة امامه.. امكن، حينئذ، تفهم ظاهرة النقد والرفض التي يمارسها الشاب سيما في ظل ظروفنا الاجتماعية المعاصرة، وفي سياق تطور المعلوماتية.

ان الخطاب الذي يريد من الشباب ان يستمع فقط، وان يعبر بكلمة «نعم» عن كل ما يقال له.. هو خطاب واهم، ان الشباب اليوم آوهذه حقيقة يختلف حتى عن شباب الامس القريب، فلم تعد الامية كما كانت، ولم يعد المستوى الذهني والعقلي العام كما كانت عليه الحال قبل عقود، فضلا عن قرون، وهذا معناه ان الشاب السؤول بطبيعته سوف يمارس - على ضوء وعيه الجديد - حسا نقديا قويا قد يكون لاذعا ومفرطا بحكم الحيوية الهائجة التي تحكم الشباب نفسه.

وهذا ما يفرض علينا اولا: الاقرار بحق الشباب في السؤال والنقد، وثانيا: عدم سحب هذا الاقرار بسبب الضعف المعرفي الذي قديبتلى به الشاب نتيجة عدم اختمار الافكار والتصورات عنده، الامر الذي يؤدي ثالثا الى استيعاب الشباب بدل طردهم.

واذا ما اضفنا حقيقة اخرى غدت ملموسة اليوم للجميع، وهي ان الدين والمفاهيم الدينية دخلت بالفعل سوق التداول العام حتى في بعدها النظري الذي كان في ما مضى حكرا على طوائف معينة... اذا اخذنا هذه الحقيقة، فسوف نفهم انه من الضروري اعداد خطاب معرفي حقيقي للشباب والتخلي عن الخطاب التلقيني الذي يفترض سلفا امية الشباب وجهله، حتى لو لم يكن متخصصا في العلوم الدينية، سيما مع اعتقاد الشاب نفسه احيانا بعدم كفاءة الطرف الاخر من الزاوية العلمية.

3- واذا ما ادركنا الشاب وهمومه ومشكلاته، ادركنا ايضا ان انتظاره لياتينا مجرد وهم زائف، قلما يتحول الى حقيقة ملموسة، ولهذا لا بد من الذهاب وراء الشاب لجذبه الى الدين، لا الجلوس في انتظار مجيئه الينا، ليسالنا عن دينه، او يستفهمنا عن شرعية اعماله.

والاشكالية الاساسية التي تواجه الخطاب التواصلي، هنا، تكمن احيانا في الشعور بالاستعلاء على الشاب، والانفة من السيروراءه لتوجيهه برفق نحو الدين والقيم الاسلامية، ان هذا الشعور، علاوة على الاشكاليات الاخلاقية التي يختزنها، لا ينم عن وعي واقعي بمشكلة التبليغ والدعوة الى الله تعالى.

ان الاهتمام بالشباب واحساسهم باننا معهم نحميهم، ونريدهم، يعزز عندهم الشعور بالاستقلال والاحساس بالذات، انه يرضيهم، وهذا الرضا هو المؤشر المهم الذي يسمح لنا بالدخول الى اعماقهم من دون قلق او وجل، فنحن لا نريد السيطرة عليهم بل نريد الرفق بهم ومداواتهم.

ولا يعني ذلك ابدا اننا الاكمل، او اننا نمارس وصاية عليهم، ذلك ما يشمئز منه الشاب على الدوام، بل يعني ان نمارس منطق التعاون ومنطق نقل الخبرات والتجارب والمعرفة.

4- واذا كان من الضروري السير خلف الشاب لمساندته وتوعيته اسلاميا، فهذا يعني ضرورة البحث عن النوافذ التي تربطنا به، لاتلك التي تربطه بنا وتوصله الينا اذا اردنا، يجب ان نعرف كيف نصل نحن اليه لا كيف يصل هو الينا فقط.

يمكن للشاب ان يطلبنا ربما في المساجد والمعاهد الدينية وفي اماكن الذكر والعبادة و... الاخرى، لكننا لن نجده اذا طلبناه هناك، مايعني اننا مطالبون بسلوك الطرق التي سلكها، اي ان نصل اليه عبر وسائل الاتصال الجديدة من التلفزيون والاذاعة والانترنت والصحيفة الخ... وهذا ما يتطلب التعالي عن بعض الكبرياء الزائفة والاقتناع بان التواجد مع الشباب لهدايته، ولو في غير اماكننا التقليدية ليس عيبا يعاب عليه الانسان ولا جرما يحاسب عليه، اذا ما اتقن الانسان الظروف وراعاها باقصى ما يمكن من الدقة والتحفظ، والا فقد لا نجد هذا الشاب ولا نراه في حياتنا ابدا.

5- وليس سلوك طريق اداتي هو الغاية، وانما الغاية خطاب رحيم يراف بالشاب وياخذه في احضان الايمان والصدق، وكما ذكرفقهاؤنا الاعلام(رض): ينبغي الرفق بمن نامره بالمعروف وننهاه عن المنكر.

والرفق ليس كلمة تذكر على لسان او تنادى في ميدان، وانما هي سلوك اصيل يطالب الداعية الى الله بتمثله في حياته، ان الخطاب الذي يحمله اشخاص اجلاف قساة لا يرحمون ولا يرافون لهو خطاب مصيره الموت، وهذه هي سيرة النبي(ص) والائمة(ع)، سيما ما ورد عن الامامين: الحسن والحسين(ع) لتدل بوضوح على الروح الرحيمة التي كانت بين جنبيهم (صلوات الله عليهم)، اما تلك الروح الجافة الصدئة فليس لها من آذان تستمع اليها وتصغي.

6- وهذا ما يستدعي اتقياء يحمون الاهل والبلد من الفساد والانهيار، تصان بهم الارض من شرور الفسق والفجور، وتعم بهم روح الرحمة والرافة والهداية والابوية.

ان الفصل الدقيق ما بين «اشداء على الكفار» و«رحماء بينهم» هو اساس هذا المفهوم، ذلك ان بعضهم يقف احد موقفين: اما ان يعادي اغلب الناس حينما تجده يتعامل مع الجميع بشدة حتى لا تكاد البسمة تتعرف الى شفتيه، او يصادق حتى عدوه الذي يستحق القتال فتراه طيعا قد لا يركن الى ركن حفيظ، وهذا الخلط هو ما يسبب احيانا التعامل داخل الدائرة، مع الشباب المسلم، بشكل غير مناسب، الامر الذي يؤدي الى فرارهم من الدين مع الاسف الشديد.

ويبقى القرآن الكريم هو الملهم لخطابنا التبليغي على الدوام، انطلاقا من قوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظاغليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم...) «آل عمران/159».

دراسات

الثورة الحسينية دراسة في الاهداف والدوافع (2)

آية الله السيد محمود الهاشمي الشاهرودي

في القسم الاول، من هذه الدراسة، التي تبحث في دوافع الثورة الحسينية واهدافها، تمت الاشارة الى بعض المقدمات الضرورية، وهي:
1- الدور الرسالي لائمة اهل البيت(ع)،
2- اسباب الاختلاف في المواقف السياسية للائمة، (ع)
3- ابعاد صيانة الرسالة في حياة كل امام،
4- فقدان البحوث التحليلية لتاريخ الائمة(ع)،
5- ابعاد الثورة الحسينية المتعددة.
ثم تم البحث في دوافع الثورة، فصنفت في صنفين: اولهما صنف التفسيرات الباطلة، ويتضمن تفسيرين: احدهما قبلي عشائري، والاخر شخصي مزاجي، وثانيهما: صنف التفسيرات التي يمكن ان تكون صحيحة، ويتضمن ثلاث نظريات: اولاها النظرية الغيبية، وقد تم تعريفها وتقديم ادلتها ومناقشتها، وفي ما ياتي نكمل البحث في هذا الموضوع بدءا من النظرية الثانية.

ب- النظرية الثانية - التفسير السياسي

وهي النظرية التي تفترض ان القضية كانت قضية بشرية، وان دوافعها دوافع واضحة بشرية اجتماعية، وهي الاستيلاء على السلطة واقامة الحكم الالهي والاسلامي في الارض، فالامام الحسين(ع) كان يستهدف، من حركته المباركة، اقامة حكم الله، وارجاع الحق الذي اغتصب منه ومن الائمة من قبل المنحرفين والظالمين.

كان هذا هو الدافع، ويضيف اصحاب هذه النظرية: ان الامام الحسين(ع) خطط من اجل الوصول الى هذه النتيجة، وبحسب منطق الاحداث والمنطق البشري الاجتماعي الذي يعرفه اهل الراي والعقل، وكان مخططه ان يستولي على السلطة، والمقدمات التي اعدها وامر بها كانت توصله الى هذه النتيجة، فكانت حركة الامام ثورة على الظلم والطغيان والباطل بقصد الاستيلاء على الحكم، وكان هذا دافعه عندما تحرك من المدينة الى مكة ثم الى العراق بعدها، وبالعلم العادي كان يرى ان هذا الامر سوف يتحقق فاندفع، كما راى النبي(ص) انه سوف يغلب الكفار في غزوة احد، فاندفع الى الحرب معهم، الا انه بحادثة ما انكسر المسلمون واندحروا في معركة احد، وكذلك الامام الحسين(ع) عندما خرج الى العراق كان خروجه كخروج النبي(ص) الى احد، وكخروج الامام علي بن ابي طالب(ع) الى صفين لمحاربة الامويين ومعاوية وزمرته.

فالدوافع نفسها التي دفعت بالامام علي(ع) الى ان يخرج الى صفين وان يقاتل معاوية، كانت موجودة في ضمير الامام الحسين(ع)، فدفعته الى ان يتوجه الى العراق، لان في العراق شيعة له منذ زمن الامام الحسن وبعده، وقبل موت معاوية وبعده، طلبوا منه القدوم وكانوا موالين له، ومتاثرين بمدرسة الامام علي(ع)، ودعوه الى الثورة ورفض النظام القائم والاطاحة به، وكانوا مستعدين ايضا لان يكونوا جنوده، فاندفع اندفاعا عقلائيا واضحا كاندفاع النبي(ص) عندما خرج الى احد بعد عدة غزوات، الا انه شاءت المشيئة الالهية والمصادفات والمتغيرات ان لا يصل الى النتيجة المستهدفة، كما لم تصل معركة صفين الى النتيجة المستهدفة من قبل الامام علي(ع)، بالعكس كانت النتائج على الامام(ع)، بحيث ادت الى حصول مشكلة الخوارج والنهروان، وبالتالي قتل الامام نفسه، فهذا من قبيل ذاك.

هذه نظرية اخرى، ايضا، يطرحها بعض الكتاب الشيعة، وهي نظرية غير صحيحة ايضا بهذا الشكل الذي هي عليه، بل تحتاج الى تمحيص.

طبعا، لا بد من ان يعلم ان اصحاب هذا التفسير لا يريدون من هذه النظرية ان الامام الحسين(ع) كان دافعه التسلط والتامر على الناس، فان هذا خلاف منطق الامام الحسين(ع) ولا يتناسب مع مقامه، وهذا امر واضح، انما كان تخطيطه ان يقيم حكم الله في الارض، يستلم السلطة لان استلامها هو الطريق الشرعي بالنسبة للمعصوم لاقامة حكم الله في الارض، حيث ان الرسالة واحكامهاوانظمتها، في زمن المعصوم، لا يمكن ان تقوم الا من خلال خلافته وحكومته على الناس، فالهدف السياسي وهو استلام السلطة الذي كان يخطط له الامام الحسين(ع) كان بدافع من التكليف الشرعي، وبدافع من اداء المسؤولية القيادية الملقاة على عاتق المعصومين(ع)، تماما كموقف النبي(ص) حينما كان يتصدى لاستلام السلطة في المدينة وفي مكة لاقامة الحكم الاسلامي في الارض، فعندما فتح مكة مثلا كان يريد ان يتسلط بما هو نبي لا بما هو سلطان، وبما ان هذه السلطة هي الطريق المنحصر بحسب الحقيقة، سيما في ذلك الزمن، لاقامة حكم الله في الارض، اذن فلا ينبغي ان يتصور ان هذا التفسير السياسي يقصد منه ان الامام الحسين(ع) كان ينوي التسلط على الناس، بل كان ينوي اقامة حكم الله فيهم، وهو امر متوقف على ان يكون هو ولي امرهم كما كان تشريعا وقانونا ولى امرهم، فلا بد لهذا الولي التشريعي من ان يكون وليا بالفعل، وماسكا زمام الامور، ومبسوط اليد لكي يمكن ان يقوم باعمال الولاية واعباء القيادة والخلافة والمسؤولية الملقاة على عاتقه.

اذن فاستلام السلطة كان بدافع التكليف الشرعي وتحمل المسؤولية الرسالية، ويضيف اصحاب هذا التفسير: ان تحرك الامام الحسين(ع) كان، منذ البداية، واضحا في استهداف الوصول الى ذلك، وبما هو انسان وبشر، كان يخطط للوصول الى هذا الهدف الرسالي، وهو استلام السلطة وارجاع قيادة التجربة الاسلامية الى اصحابها واوليائها الشرعيين، واقامة احكام الله بالشكل الصحيح الكامل، الا انه بعد ان سعى الى تحقيق هذا الهدف، ووصل الى العراق، ونتيجة بعض المصادفات والاتفاقات، انعكس الامر، ولم يصل هذا التخطيط الى نهايته، بل انقلب اهل الكوفة عليه، فانتهى الى ذلك المصير الماساوي المفجع.

ففرق بين تحديد تخطيط الامام الحسين(ع)، وبين وصوله او عدم وصوله الى هذه النتيجة، فربما كان تخطيطه وتحركه يهدفان الى الوصول الى نتيجة معينة، لكن، وفي اثناء السعي الى تحقيق الهدف ينكشف ان تلك النتيجة لا يمكن الوصول اليها، او تعترض بعض العقبات التي تمنع الامام من الوصول اليها، يقول الامام علي(ع): «عرفت الله سبحانه بفسخ العزائم وحل العقود»((1))، فكون الامام الحسين(ع) خطط للوصول الى هذه النتيجة، لا يلازم تحققها حتما، بدليل ان الامام علي بن ابي طالب(ع) خطط لازالة معاوية من الحكم ومحاربته واسقاطه في حرب صفين، فجيش الجيوش، واخرج الناس الى الحرب، ووقعت المعركة وكثر القتلى والضحايا، الا ان النتيجة كانت لصالح معاوية، وذلك بعدما اعترضت الطريق لعبة معاوية وعمرو بن العاص، ومسالة التحكيم ورفع المصاحف...

فالتصدي والتخطيط لاستلام الحكم، من قبل امام ما، لا يعنيان ان تلك النتيجة لا بد من ان تتحقق، فربما لا تتحقق، لان الائمة في عملهم الاجتماعي - كما اشرنا آنفا - لا يخرجون عن الجانب البشري، الا في بعض الحالات الخاصة، بان يكون هناك توجه الهي خاص الى عالم الشهادة، فتاتي مبادرة غيبية وتحدد الموقف.

وعليه، فلا يعني عدم النجاح، لظروف طارئة او لخصوصيات او خلل في الناس او بعض الجوانب الخارجة عن اختيار النبي اوالامام المعصوم، ان الامام لم يكن يخطط، فالحسين(ع) كان مخططا نتيجة ما كان يعلم به من اكتمال الشرائط اللازمة في الامة للتحرك ضد السلطة والثورة على الطاغين الحاكمين، وكان يعمل وفاقا للقنوات التي ارتبط من خلالها بالناس في الكوفة والموالين والشيعة، الا ان الخيبة وقعت في النهاية بعدما كان الامام مصمما على المجيء ومتوجها الى العراق، ولهذا وصل اليه هذاالخبر، وهو قريب من العراق.. هكذا يقول اصحاب هذا التفسير.

وقد حاول اصحاب هذه النظرية الاستدلال على هذا التفسير ببعض النصوص الصادرة من الامام الحسين(ع) نفسه.

لكن، وقبل ان ندخل في استعراض هذه النصوص، توجد نقطة في هذه النظرية تعد ايجابية الى حد ما.

ب- امتياز التفسير السياسي عن التفسير الغيبي

أ- ان هذا التفسير يجعل قضية الامام الحسين(ع) قضية معقولة اجتماعيا، وعلى مستوى الراي العام، لا كالتفسير الاول الذي يجعلها قضية غيبية مبهمة خاصة بالمعصومين.

ب- يتميز هذا التفسير عن التفسير الغيبي بانه يجعل لقضية الامام الحسين(ع) مدلولا روحيا ورساليا، يثبت ان للمسؤولية الرسالية وللتكليف الماساوي هدفا مشخصا واضحا وسياسيا، وهو استلام الحكم، ولهذا يثبت للناس ان مسالة استلام الاسلام للسلطة، من اساسيات الرسالة واصولها، فليست الرسالة الاسلامية مجموعة تكاليف واحكام مرتبطة بالجانب الفردي للانسان من صلاة وصوم وحج.. بل هناك مسؤوليات وتكاليف اخرى، وهذا التكليف له اولوية على التكاليف الاءخرى كافة، اي التكليف والمسؤولية السياسية للانسان، فكل انسان مسلم - كما هو مكلف بان يصلي ويصوم ويحج - مكلف باقامة حكم الله في الارض، وهو في سعي متواصل لكي يكون النظام نظاما اسلاميا، والشخص الحاكم موجدا للحاكمية الاسلامية ومطبقا لمبادىء الاسلام، والامام الحسين(ع) انما تحرك لهذه المسؤولية، اذن فهذه المسؤولية من اعظم التكاليف الشرعية، التكليف الذي يحرك الامام الحسين(ع)، ويجعله يعط ي ويبذل دمه واهله وعشيرته..

ان التكاليف الشرعية التي كان يمكن للامام الحسين(ع) ممارستها، لو بقي حيا، وترك الجانب السياسي والاجتماعي من وضع الامة الاسلامية، وانشغل كما انشغل الاخرون، هي الصلوات والعبادات في المساجد، والاقتصار على الاعمال الفردية والشخصية.

اذن، لهذا التفسير ميزة ايجابية، اذ يعلمنا ان العمل الاجتماعي السياسي من اركان الواجبات الشرعية، وعلى افراد المسلمين كافة عدم تركه او الاعراض عنه.

وهذا المفهوم يقف بالضبط قبال المفهوم الذي اوجدته السلطات في اذهان المسلمين، اي مفهوم الفصل بين الدين والسياسة، وهوليس بالمفهوم الجديد، وان كان قد طرحه الاستعمار في العصر الحديث، فقد طرحه بنو امية ايضا، ففي التاريخ، انه كانت تاتي الام والاب ياخذان بيد ابنهما، ويقولان: ما لك وشغل السلاطين؟ كان هذا المفهوم مطروحا من قبل السلطة الجائرة لجعل الساحة السياسية ملكا طلقا لها، لا يفكر فيها ولا يزاحم اصحابها فيها احد من المسلمين بدافع التكليف الشرعي.

هذا التفسير لقضية الامام الحسين(ع) فيه هذا الامتياز المتمثل بجعله القضية السياسية قضية رسالية محورية تتقدم على جميع المسؤوليات الشرعية الاخرى، وعلى جميع الواجبات الفردية الاخرى، ولعل صاحب هذا التفسير او بعض من قالوا به آانما اصروا عليه من اجل هذه الميزة.

ادلة التفسير السياسي

اما الادلة والشواهد التي يستشهد بها اصحاب هذه النظرية على نظريتهم فكثيرة، من جملتها:

1- ارسال مسلم الى الكوفة، فالامام الحسين(ع) لو كان يريد ان يستشهد، وكان يعلم ان هذا الطريق طريق ينتهي به الى الشهادة، فلماذا يبعث مسلم الى الكوفة؟!
لقد بعث رسولا الى الكوفة ليفاوض الناس اربعين يوما، ولفحص المسالة ودرس وضع الامة والموالين، ثم ليكتب للامام الحسين(ع): «وانما تقدم على جند لك مجندة»((2)) وصدق الامام الحسين(ع) الكتب التي كانت قد وصلته، فارسال مسلم معناه ان الامام كان يحتمل احتمالا قويا جدا ان المسالة مسالة واقعية جادة، وان الارضية وجدت، وان الوضع على استعداد للقيام بتحرك اسلامي جماهيري قوي يسقط النظام الحاكم على المسلمين.

2- التصريحات الصادرة من الامام الحسين(ع) نفسه، اذ يوجد هناك الكثير من التصريحات التي تدل على ان الامام الحسين(ع)كان يستهدف من تحركه هدفا سياسيا، بالمعنى الذي اشرنا اليه، فمن جملة النصوص الصادرة عنه(ع) ما ينقله الطبري: «اما بعد، فان الله اصطفى محمدا على خلقه، واختار اهل رسالته، ثم قبضه الله اليه، وكنا اهله واوصياءه، واحق الناس بمقامه في الناس، فاستاثر علينا قومنا بذلك، فرضينا وكرهنا الفرقة، واحببنا العافية، ونحن نعلم انا احق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه... وقد بعثت رسولي (هذا كتابه الى اهل الكوفة بعثه مع مسلم) اليكم مع هذا الكتاب، وانا ادعوكم الى كتاب الله وسنة نبيه، فان السنة قد اميتت، وان البدعة قد اءحييت، وان تسمعوا امري وتطيعوا قولي، اهدكم سبيل الرشاد»((3)).

يقول صاحب هذه النظرية: ان هذه الرسالة واضحة في الدلالة على ان الامام الحسين(ع) كان يستهدف الاطاحة بالحكم، وكان الهدف من حركته ازاحة الحكم الجائر المنحرف، واستلام المقام والحق الشرعي الذي هو حقه، والذي من دونه لا يمكن اقامة حكم الله، ولا يمكن تطبيق شريعة الله بالشكل الكامل، التام.

3- رسالة اخرى بعثها مع شخص آخر عندما تحرك من مكة الى العراق، ينقلها الطبري ايضا، وجاء فيها: «اما بعد، فان كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رايكم واجتماع ملئكم على نصرنا والطلب بحقنا، فسالت الله ان يحسن الصنع، ويثيبكم على ذلك من اجر»((4)).

وواضح ان هذه الرسالة مليئة بالدلالة على ان الامام الحسين(ع) كان يستهدف الاطاحة بالحكم، وكان يدعو الله لاولئك الذين اجتمع شملهم وملاهم على نصرته وارجاع حقه اليه، وكله تفاؤل وامل: «وقد شخصت اليكم من مكة، يوم الثلاثاء، لثمان مضين من ذي الحجة، يوم التروية، فاذا وصلكم رسولي، فانكمشوا في امركم وجدوا، فاني قادم عليكم في ايامي هذه».

4- رسالة اخرى ثالثة، بعثها الامام مع مسلم الى الكوفة، ولعلها تكملة الرسالة السابقة، حيث يقول فيها: «قد بعثت رسولي اليكم، وانا ادعوكم الى كتاب الله وسنة نبيه، فان السنة قد اميتت...»، الى ان يقول: «فانه كتب الي قد اجتمع راي ملئكم وذوي الحجا منكم على ما قدمت به رسلكم، اقدم اليكم ان شاء الله، فلعمري ما الامام الا العامل بالكتاب والقائم بالقسط والدائن بدين الحق والصلاح».

والنص واضح في الدلالة على ان الامام الحسين(ع) بعث مسلما من اجل استطلاع الوضع، وليرى ان كان الملا وذوو الحجامستعدين واقعا للحرب، والنهوض بهذا العبء الثقيل؟ حتى يتحرك هو بنفسه، وقد علق المسالة على اخبار مسلم: «اذا ارسل لي قد اجتمعت الكلمة سوف اقدم عليكم وشيك»((5)) يؤكد الكلمة ويعط ي المفهوم، ويقول: «فلعمري ما الامام الا العامل بالكتاب»، هذاالشخص المتصدي (يزيد)، ليس صالحا وعاملا بالقسط، فهو(ع) لم يرد ان يكون اميرا عليهم ومتسلطا وحاكما، بل من اجل اقامة الكتاب والقسط.

5- خطبة الامام(ع) يوم عاشوراء في كربلاء، عندما يدعو على اهل الكوفة الذين كتبوا له الرسائل، وبعثوا له الرسل، ثم غدروا به،وقد جاء فيها قوله: «... تبا لكم ايتها الجماعة وترحا، احين استصرختمونا والهين فاصرخناكم موجفين، سللتم علينا سيفا لنا في ايمانكم، وحششتم علينا نارا اقتدحناها على عدونا وعدوكم، فاصبحتم البا لاعدائكم على اوليائكم، بغير عدل افشوه فيكم، ولا امل اصبح لكم فيهم، فهلا لكم الويلات، تركتمونا والسيف مشيم، والجاش طامن، والراي لما يستحسن»((6)).

وهذا الكلام يدل على ان مجيء الامام، من المدينة، كان من اجل اقامة حكم الله في الارض، نتيجة الطلب الذي طلب منه.

هذه الاقوال وامثالها من الشواهد، يوردها اصحاب هذا التفسير (التفسير السياسي)، ليؤكدوا ان الدافع الحقيقي لتحرك الامام الحسين(ع)، والهدف الذي خطط له في حركته، انما هو اقامة حكم الاسلام والاطاحة بالحكم الطاغوتي القائم.

لقد كنت اتصور ان هذه النظرية من النظريات المستحدثة، لكني في مراجعة لكتاب بحار الانوار، في الجزء الخامس والاربعين منه،رايت ان صاحب البحار، ينقل مقطعا عن كتاب تنزيه الانبياء للسيد المرتضى، يذكر فيه هذا التفسير نفسه.

كلام السيد المرتضى في تنزيه الانبياء

قال السيد(ع)، في كتاب تنزيه الانبياء: «فان قيل: ما العذر في خروجه، صلوات الله عليه، من مكة باهله وعياله الى الكوفة،والمستولي عليها اعداؤه، والمتامر فيها من قبل يزيد اللعين منبسط الامر والنهي، وقد راى صنع اهل الكوفة بابيه واخيه، صلوات الله عليهما، وانهم غادرون خوانون، وكيف خالف ظنه ظن جميع نصحائه في الخروج، وابن عباس(رحمه الله) يشير اليه بالعدول عن الخروج ويقطع على العطب فيه، وابن عمر لما ودعه(ع) يقول له: استودعك الله من قتيل، الى غير ذلك ممن تكلم في هذا الباب.

ثم لما علم بقتل مسلم بن عقيل، وقد انفذه رائدا له، كيف لم يرجع ويعلم الغرور من القوم، ويفطن بالحيلة والمكيدة، ثم كيف استجاز ان يحارب بنفر قليل لجموع عظيمة خلفها مواد لها كثيرة، ثم لما عرض عليه ابن زياد الامان، وان يبايع يزيد، كيف لم يستجب حقنا لدمه ودماء من معه من اهله وشيعته ومواليه، ولم القى بيده الى التهلكة وبدون هذا الخوف سلم اخوه الحسن الامرالى معاوية، فكيف يجمع بين فعليهما في الصحة؟

الجواب قلنا: قد علمنا ان الامام متى غلب على ظنه انه يصل الى حقه والقيام بما فوض اليه بضرب من الفعل وجب عليه ذلك، وان كان فيه ضرب من المشقة يتحمل مثلها تحملها، وسيدنا ابو عبد الله لم يسر طالبا للكوفة الا بعد التوثق من القوم وعهود وعقود،وبعد ان كاتبوه طائعين غير مكرهين ومبتدئين غير مجيبين، وقد كانت المكاتبة من وجوه اهل الكوفة واشرافها وقرائها تقدمت اليه في ايام معاوية، وبعد الصلح الواقع بينه وبين الحسن، فدفعهم، وقال في الجواب ما وجب، ثم كاتبوه بعد وفاة الحسن ومعاوية باق فوعدهم ومناهم، وكانت ايام معاوية صعبة لا يطمع في مثلها، فلما مضى معاوية واعادوا المكاتبة وبذلوا الطاعة وكرروا الطلب والرغبة، وراى من قولهم على ما كان يليهم في الحال من قبل يزيد وتسلطهم عليه وضعفه عنهم ما قوى في ظنه ان المسير هو الواجب، تعين ما فعله من الاجتهاد والتسبب، ولم يكن في حسبانه ان القوم يغدر بعضهم، ويضعف اهل الحق عن نصرته، ويتفق ما اتفق من الامور الغريبة، فان مسلم بن عقيل لما دخل الكوفة اخذ البيعة على اكثر اهلها، ولما وردها عبيد الله بن زياد لعنه الله وقد سمع بخبر مسلم ودخوله الكوفة وحصوله في دار هاني بن عروة المرادي على ما شرح في السيرة، وحصل شريك بن الاعور بها جاءه ابن زياد عائدا، وقد كان شريك وافق مسلم بن عقيل على قتل ابن زياد عند حضوره لعيادة شريك،وامكنه ذلك، وتيسر له فما فعل، واعتذر بعد فوت الامر الى شريك بان ذلك فتك، وان النبي(ص) قال: ان الايمان قيد الفتك، ولو كان فعل مسلم من قتل ابن زياد ما تمكن منه، ووافقه شريك عليه لبطل الامر ودخل الحسين(ع) الكوفة غير مدافع عنها، وحسر كل احدقناعه في نصرته واجتمع له من كان في قلبه نصرته وظاهره مع اعدائه، وقد كان مسلم بن عقيل لما حبس ابن زياد هانيا ساراليه في جماعة من اهل الكوفة حتى حصره في قصره، واخذ بكظمه واغلق ابن زياد الابواب دونه خوفا وجبنا حتى بث الناس في كل وجه، يرعبون الناس ويرهبونهم ويخذلونهم عن نصرة ابن عقيل، فتقاعدوا عنه وتفرق اكثرهم حتى امسى في شرذمة وانصرف،وكان امره ما كان، وانما اردنا بذكر هذه الجملة ان اسباب الظفر بالاعداء كانت لائحة متوجهة، وان الاتفاق السيء عكس الامر الى مايرون، ومن صبره واستسلامه وقلة ناصره على الرجوع الى الحق دينا او حمية فقد فعل ذلك نفر منهم حتى قتلوا بين يديه شهداء،ومثل هذا يطمع فيه ويتوقع في احوال الشدة.

فاما الجمع بين فعله وفعل اخيه الحسن(ع) فواضح صحيح، لان اخاه سلم كفا للفتنة وخوفا على نفسه واهله وشيعته،واحساسا بالغدر من اصحابه، وهذا لما قوي في ظنه النصرة ممن كاتبه، ووثق له، وراى من اسباب قوة نصار الحق، وضعف نصار الباطل ما وجب معه عليه الطلب والخروج، فلما انعكس ذلك وظهرت امارات الغدر فيه وسوء الاتفاق رام الرجوع والمكافة والتسليم، كما فعل اخوه(ع) فمنع من ذلك، وحيل بينه، فالحالان متفقان الا ان التسليم والمكافة عند ظهور اسباب الخوف لم يقبلامنه، ولم يجب الا الى الموادعة وطلبت نفسه(ع)، فمنع منها بجهده، حتى مضى كريما الى جنة الل ه ورضوانه، وهذا واضح لمتامله»((7)).

على كل حال هذا التفسير هو التفسير الثاني، بحسب تسلسل العناوين التي بيناها.

التحفظات تجاه التفسير السياسي

هذا التفسير، على الرغم مما فيه من امتياز اشرنا اليه، وعلى الرغم من الشواهد التي يمكن ان تذكر، وذكرت لتثبيته، على الرغم من ذلك لا يمكن الاخذ به وتبنيه لخصوصيات وملاحظات هي:

الملاحظة الاولى: ان قسما من هذه الشواهد التي يذكرها هؤلاء قابل للتفسير على ضوء نظرية ثالثة، وهي النظرية التي سميناهابالنظرية التاريخية الرسالية، فهذه النصوص فيها دلالة على ان الامام الحسين(ع) كان يطرح امام الناس مفهوما مفاده ان الحق لابد من ان يرجع الى اهله، وان الحاكمية الخلافة لا تكون الا لاهلها، وان هؤلاء الحكام ظلمة، لا يقيمون كتاب الله، ولا القسط في الارض، ولا بد من ان يسقطوا عن هذا المنصب الذي اخذوه ظلما وعدوانا.

الا ان هذا لا يعني ان الدافع الحقيقي للامام الحسين(ع) كان منحصرا بهذا، ولا يعني ان الامام الحسين(ع) منذ تحركه يتصور، او يظن ظنا قويا، او يعلم علم اليقين، انه لن يستشهد، هذه النصوص والكلمات جميعها قابلة للتفسير بشكل آخر، لان الامام الحسين(ع) حتى اذا كان مصمما على ان يقوم بعملية واقعها الاستشهاد لغرض جعل الامة تاريخيا في مسارها الصحيح، كماسنشرحه في النظرية الثالثة، لا بد له من ان يعط ي لحركته معنى معقولا، ويبين لثورته مغزى رساليا اسلاميا، فان حقيقة المحنة والمشكلة كانت تتمركز في الجانبين: السياسي والاجتماعي من حياة الناس، اذ انه في تلك الاونة كانت الامة كافراد تطبق الاحكام الشرعية، فكانوا يصومون ويصلون ويحجون..، كما قال لهم معاوية عندما دخل مسجد الكوفة وصعد المنبر: «ايها الناس، ما حاربتكم لتصوموا وتصلوا وتحجوا...»((8)) كانوا في زمن معاوية يصومون ويصلون، فالتكاليف والاحكام الفردية في تلك الاونة كانت مقامة.

نعم هذا الخط القيادي المنحرف كان يؤدي الى مسخ الرسالة حتى في جانبها الفردي على الخط الطويل، الا ان المشكلة الانية في تلك الاونة بالذات لم تكن بادية في الجانب الفردي، ومقابل الاحكام الفردية، بل كانت في الجانب السياسي، وهذه حقيقة كانت موجودة آنذاك، وهي مشكلة الامة الاسلامية، او مبدا المشكلة، ومبدا انحراف الامة، والامام(ع) كان يعرف ان هذه المشكلة آالانحراف لا تنتهي الا الى مسخ كل الشريعة بجميع جوانبها، فهو عندما يطرح المشكلة الحقيقية، يطرح الاسلام الحقيقي، والمبداالحقيقي، للاغراض في التجربة الاسلامية، لكن علمه بانه لن يرجع الامور الى هذا النصاب، لا يعني انه لا يجب ان يطرح المسائل، بل على العكس، لا بد من ان يبين للناس ان هذه العملية التي سوف يقوم بها هي من اجل هذا المبدا الاساسي الذي يمثل في الواقع روح الاسلام، ومن دون ذلك لا يمكن للرسالة ان تحكم.

اذن فطرحه مفهوم الحاكمية، وان الحق لا بد من ان يرجع الى اهله، وان الامام عامل في كتاب الله ومقيم بالقسط، هذه المفاهيم والشعارات التي كان يطرحها لثورته عنوانا، لا بد من ان تطرح على كل حال، حتى ولو كان يعلم بانه سوف يستشهد، وذلك من اجل تنبيه الامة الى منشا الخطر ومبدئه واساسه، وان ضياع الحق الذي قام به هؤلاء واسهمت الامة ايضا فيه سوف يؤول الى تلك النتائج الخطيرة، فكان لزاما على الامام ان يفهم الامة ذلك بطرحه الحق او الشهادة، فمن جانب يوعي الامة على هذا المفهوم، ويبين لها من اين ياتي الخطر، وفي الوقت نفسه يبين امرا واقعيا وصحيحا ولعله بعلمه العادي لا بعلمه الغيبي فبعلمه العادي كان يظن ويرجح انه يستشهد، وهناك احتمال ضعيف ان لا يستشهد، ولعل امرا يحدث تستطيع الامة ان تنهض من خلاله وترجع للامام زمام التجربة الاسلامية، هذا الاحتمال لو كان موجودا يساعد على طرح هذا المفهوم، سيما وانهم هم الذين ربونا وعلمونا ان الله، سبحانه وتعالى، قد يفدي في بعض الامور، فدى الله اسماعيل.. (يمحو الله ما يشاء، ويثبت وعنده ام الكتاب)، فلعله ولو على احتمال ضعيف يتوفق في الامساك بزمام الحكم واقامة حكم الله.

هذه الشعارات والمفاهيم لا تدل على ان التخطيط كان تخطيطا لاستلام الحكم فقط، ولم يكن هناك اي هدف آخر للامام، وانه لم يكن يحتمل شهادته احتمالا قويا، بل قد يحتمل، او يتيقن بحسب العلم العادي.

والمشورات التي اجراها الامام(ع) مع بعض الصحابة والاصحاب، تشير الى انه كان يظن انه سيستشهد، ومع ذلك طرح هذه الشعارات لتكون مربية للامة وموعية لها على المسؤولية الاسلامية، وعلى تحديد مصدر الخطر والانحراف الذي يترك آثاراونتائج وخيمة جدا على اصل الرسالة.

ان الشواهد جميعها، مهما كثرت، لا تعين ان الامام لم يكن ليستشهد او كان احتمال استشهاده ضعيفا، نعم، كان القوي في نظري آانه سوف يتوفق في الاطاحة بنظام الطاغية يزيد، ويحكم الامة الاسلامية.

الملاحظة الثانية: هناك شواهد عكسية، ذكر قسما منها اصحاب هذه النظرية انفسهم، لكنهم حاولوا مناقشتها، وهي التصريحات الواردة عن الامام الحسين(ع): «شاء الله ان يراني قتيلا» «من رحل معي استشهد».

وقد ناقش اصحاب النظرية الثانية هذه الروايات سنديا وتاريخيا، ووصلوا الى هذه النتيجة، وهي ان هذه الروايات ليست ذات اصول صحيحة.

لكننا، في الحقيقة، لانحتاج الى تصحيح هذه الروايات التي تنقل عن الامام الحسين(ع)، والتي تدل دلالة صريحة على انه سوف يستشهد في هذا الطريق، فهناك شواهد اخرى، من جملتها، طبيعة الاحداث التي تقع، والتي اذا درسناها نستطيع استخلاص معطيات تؤكد ان الامام الحسين(ع)كان على الاقل يظن (ان لم يكن يتيقن) ان النتيجة كانت هي الاستشهاد، وكسب المظلومية،وايجاد ما يدل امام جمهور المسلمين على المستوى الكبير من الاجرام والجناية والبعد عن الانسانية فضلا عن البعد عن الاسلام والمبادى الاسلامية التي وصل اليها هؤلاء الحكام والسلاطين، فلو لاحظنا نسق الوقائع نجد ان الامام الحسين(ع) قد اخرج معه اهله واطفاله وجميع افراد عائلته الى الكوفة، فاذا كان له غرض سياسي فقط كما يقول صاحب هذه النظرية ويظن ويتاكد من نجاح عمله السياسي، فما هو دور النساء والاطفال في هذه الخطة السياسية، نعم لهؤلاء دور محتمل في تحقيق الهدف الذي تعينه النظرية الثالثة او التفسير الثالث، وهو ايجاد النتيجة الماساوية على مستوى جميع المبادى والتصورات لتهز مشاعر جميع الناس، وتسقط اعتبار الحاكمين والمتسلطين امام كل منطق وكل تصور.

فاذا كان هذا هو الهدف فهو يتوقف على اخذه(ع) لاطفاله وعياله، وشحن كل ما يضاعف ويفاقم من حجم الامور، ويزيد في الماساة ماساة، او يعط ي المظلومية الحقيقية للامام الحسين(ع)، ويبرز الاعداء على مستوى ابشع المجرمين، هذا الوضع الذي كان موجودا في قافلة الامام الحسين(ع)يشهد على ان الذي كان يستهدفه هو على الاقل الشهادة المحتملة ان لم تكن المؤكدة عنده.

وبالحد الادنى، كان ذلك هدفا منشودا له، فاذا لم يقدم الله، سبحانه وتعالى، النجاح له يتنزل الى الهدف الثاني، وهو ايجاد تلك الهزة العنيفة، عبر جميع هذه الامور التي تزيد ماساوية القضية وبشاعة المجرمين.

ومن الشواهد الاخرى على ما نقوله، عدم التراجع بعد العلم بمقتل مسلم بن عقيل، فلو كان للامام هدف سياسي فقط لا غير،بالمعنى الذي شرحناه، فهو قد علم في الطريق ان مسلما قد قتل، وكان بامكانه التراجع، لان الهدف انتهى، اذا كان الاستيلاء على السلطة فحسب، بحيث لو كان يعلم منذ البداية انه لن يصل الى النتيجة لم يكن ليتحرك اساسا، اذن فبعد ان علم، في هذه الاثناء،وانتهى اليه غدر اهل الكوفة بمسلم وقتله، كان لا بد له من الرجوع، اذ في غير الكوفة لم يكن له من مطيع، نعم في البصرة كان له بعض الموالين لكنهم لن يفعلوا شيئا امام عبيدالله بن زياد، فعندما يحكم قبضته على الكوفة مع ما فيها من انصار، فمعنى ذلك انه اقدر على الاستيلاء على البصرة ومن ياتي منها، وعليه فاذا كان هدفه منحصرا في هذا التفسير فلا بد له من ان يرجع ويترك الامر.

وهكذا بعد تاكيد الفرزدق له بتلك الكلمة المعروفة: «ان قلوب الناس معك وسيوفهم عليك»((9))، وعدم تكذيبه قوله، كان عليه التراجع، وعدم تراجعه معناه ان عنده هدفا اكبر من هذا، فلم يكن ينظر الى مسالة الحكم في اطار تلك المرحلة الزمنية المحدودة من التاريخ الاسلامي فحسب، بل كان له نظر ابعد، نظر الى جميع ازمنة الامة الاسلامية وتاريخها، وذاك متوقف على عملية اخرى تشرحها النظرية الثالثة.

ومن جملة الشواهد، على هذا الموضوع، ان الامام الحسين(ع)، عندما نراجع التاريخ، بادر الى القيام بهذا العمل بعدما واجه الضغوط من حكام بني امية في المدينة، ولم يبادر بنفسه ارتجالا، بل وجهت الضغوط اليه، اولا، بطلب مبايعة يزيد حتى كلف يزيدوالي المدينة بضرب عنقه ان لم يبايع، وعقب ذلك قام بثورته.

وايضا هناك كلمات صادرة من الامام الحسين(ع) تبين ان هؤلاء لن يتركوه الا بعد ان يخرجوا هذه العلقة من جوفه((10))، اي يقتلونه، وهذه التعبيرات الواردة عنه(ع) تعني ان تحركه في الواقع قد انطلق من انهم سوف يقتلونه، ولو كان متعلقا باستارالكعبة، فلو كان له هدف اقامة الحكم الاسلامي فقط بالنحو الذي يقوله اصحاب هذه النظرية، لان الشروط كانت مؤاتية والشيعة والموالون للامام الحسين(ع) كانوا مؤهلين، كما كاتبوه وراسلوه، فهذا يقتضي التحرك سواء اراد الامويون قتله ام لم يريدوا،وهذا معناه انه(ع) لا يملك الا خيارين لا ثالث لهما، اما ان يترك الامة ويذهب الى الهند او غيرها، ويصبح انسانا مجهولا، وهذا مايخالف المسؤولية الشرعية الملقاة على عاتق كل انسان، اذ فيه ترجيح لاصالة السلامة الذاتية على سلامة الامة، او ان ياخذبالخيار الثاني، وهو الشهادة بهذا الشكل، ومن ثم يقوم بالهدف التاريخي.

وهناك شواهد اخرى من هذا القبيل، بالامكان استخلاصها من مسيرة الامام وكلماته، تدل على انه منذ ان تحرك من المدينة ومكة كان قد نصب امام عينيه فكرة النهاية الاستشهادية لهذه الحركة، او ترجيح ذلك، وكانت اما تمام غرضه وهدفه او على الاقل احدالهدفين، لو فرض انه عدم التقدير الالهي بالنجاح في استلام الامور، وكان لهذا الاستشهاد الدور التاريخي الذي نشرحه في النظرية الثالثة.

النظرية الثالثة: التفسير الرسالي

كان ما تقدم حديثا عن التفسير السياسي لحركة الامام(ع)، طبعا بالمعنى الرسالي للسياسة، اي السياسة من اجل اقامة حكم الله،وقلنا: ان هذا التفسير، رغم ما فيه من مزايا ونقاط ايجابية، ليس هو التفسير الذي يعكس تمام الواقع والحقيقة في قضية الامام الحسين(ع).

هذا التفسير تفسير جزئي ومرحلي، يجعل من هدف الامام، ومن دافع ثورته، هدفا ودافعا محدودين، وذلك على الرغم من انهماشرعيان صحيحان يستحق ان يبذل في سبيلهما الدم، الا ان الدافع الذي نتصوره لهذه الثورة المباركة اعمق واوسع مما يذكره هذاالتفسير، وسوف نشرح تصوراتنا عن ابعاد الثورة الحسينية ودوافعها وادوارها بعد عرض سلسلة مقدمات تهدف الى توضيح رؤيتنا هنا.

ضرورة تحويل المفاهيم الذهنية الى ايمان قلبي

1- ان الافكار والمفاهيم والقيم الكمالية والرسالية والانسانية، اذا ما بقيت على مستوى المفهوم والنظرية، وفي اطار عالم الذهن والعقل والادراك، لا تستطيع تحريك الانسان، ولهذا لا بد لاي فكرة صحيحة، يراد لها تحريك الانسان نحو عمل، او موقف او سلوك،من النزول من عالم الادراك الذهني المجرد الى عالم القلب والعاطفة والوجدان... لان الذي يحرك الانسان انما هو القلب، لا العقل المجرد، والقلب، وما يسميه علم النفس «حب الذات»، هو الباعث والمحرك الاساسي لكل شيء، وهو الشوق والحب والعاطفة، لاالفكرة المجردة، مهما كانت صحيحة وسليمة وقوية من الناحية النظرية المجردة، فلا تكفي سلامتها وصحتها النظرية اذا اريد من ورائها ان تكون فاعلة ومؤثرة ومغيرة لحياة المجتمع ونمط عيشه، بل لا بد من ان تكون قابلة للهبوط الى عالم الوجدان الفردي.

لهذا نجد ان الانبياء استطاعوا تغيير التاريخ والبشرية، اما الفلاسفة فلم يتمكنوا من ذلك، مع ما عندهم من الافكار والاستدلالات المجردة والمصطلحات البارعة التي لعلها لا تقل عما في كلمات الانبياء واحاديثهم او بعضهم على الاقل؟ فلماذا لم يستطيعوا تغيير الانسانية تغييرا جوهريا اساسيا مشهودا بمقدار ما غير الانبياء؟

احد عوامل هذه الظاهرة هو في الواقع خطاب الفلاسفة، حيث يتكلمون مع العقل المجرد، ولا يتمكنون من النزول من عالم العقل هذاالى عالم القلب، ليناجوا ويناغوا قلوب الناس ومشاعرهم واحاسيسهم ووجدانهم وفطرتهم.

ضرورة القدوة المجسدة المحسوسة في تربية الانسان

2- يتاثر الانسان - لكونه حسيا - بالمحسوس اكثر منه بالمعقول، يتاثر بالقدوة المجسدة امامه اكثر مما يتاثر بالمفهوم الخاص، فاذا اردت ان تبين لشخص تريد تربيته ونصحه ورشده، مفهوما من المفاهيم، كمفهوم الامانة، او المواساة، او التضحية في سبيل المبدا، فتارة تشرح له هذه الفكرة بوصفها مفهوما، فتبين له ذلة الخيانة، وان الامانة من الصفات القيمة الحميدة، او توضح له معنى المواساة، لكن الاثر لا يبلغ تلك المرتبة التي تنقل له فيها قصة انسان اتخذ موقفا يتسم بالمواساة، ذلك ان درجة التاثر ومستوى التربية سوف يتضاعفان ويتزايدان، لانه سوف يواجه امامه انسانا قدوة، مجسدا في الخارج، بينما في الحالة الاولى لا يوجد غيرمفهوم ونظرية، وكم هو الفرق كبير بين اثر النظرية والمفهوم واثر القدوة والتعبير الخارجي!

وهذه الحالة تنشا من النزعة الحسية في الانسان، فالقدوة هي شيء محسوس ملموس امامه، تاثير الاحساس وانجذاب الانسان له اكثر بكثير من القضية المفهومية المفرغة من التجسيد الخارجي، وهذا امر ثابت، ولهذا نجد الائمة(ع) يؤكدون ضرورة ان نكون لهم دعاة بغير السنتنا، اي بالاعمال والافعال والسلوك((11)).

 

الصفحةالتالية