يمكننا القول: ان النبي(ص) والائمة(ع) نجحوا وبنسبة
الثمانين في
- المئة
- في اداء ادوارهم نتيجة عنصر التجسيد
هذالانموذج الانسان الصالح في المجتمع الذي كانوا يمثلونه،
اما لو اكتفوا في مجال التغيير بمجرد التعبيرات والتنظيرات
والمفاهيم والكليات والقضايا العامة فما كانوا لينجحوا اكثر من
عشرين في المئة، ولعل بعض ادوارهم لم يكن ليكتب لها
النجاح اساسا. مرض الفتور في ارادة الامة الرسالية وروحياتها
3-
هناك مرض وبيل تبتلى به اكثر الرسالات واكثر الحضارات
البشرية، واذا استعرض الانسان الحضارات لعله يجد انه لم
تشذعنه اية حضارة بشرية ولا رسالة سماوية، والتي قلنا سابقا:
انها سارت وفاقا للطرق البشرية والوسائل الانسانية الاعتيادية
في حركتها، عندما هدفت الى التغيير الاجتماعي البشري، لا
الطرق الغيبية، قال تعالى: (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا
وللبسنا عليهم ما يلبسون).
هذا المرض يحدث في اية امة تبدا نهضتها ونموها بعد
مرحلة، فينتشر في عروقها عادة وغالبا ان لم يكن دائما، فاي
رسالة في بداية امرها لها جذوة ودفعة معينة في نفوس
الموالين لها، وذلك قبل بروزها وشخوصها في الخارج
واستيلائها على مقاليد
الامور، هناك حالة من الامل والطاقة
الروحية تدفع الناس الى التضحية في سبيل تحقيق الرسالة
التي اعتقدوا بها وآمنوا بصحتها،وعندما تتحقق الرسالة وتحكم،
يسري اليها المرض البشري من خلال نقاط الضعف الموجودة
في التركيب الانساني، ويدب هذاالمرض في عروق الامة
الرسالية، لان البشر كافراد عندهم نقاط ضعف كثيرة، واهواء
تعود الى تركيبة الانسان من معجون الترابية والسماوية التي
تضع فيه مزيجا من النزوات والشهوات المنبثقة عن النفس
الامارة بالسوء.
هذه المداخل للضعف البشري تبدا في هذه الامة تفاعلا وبروزا
وشخوصا للاستيلاء عليها والنفوذ في جسدها، فتاخذ هذه
الاهواء
بالتفاعل والطفو على السطح، وتظهر حالة الفتور في
الامة الرسالية، بعد ان لم تكن فيها مشكلات كهذه، وبهذه
الدرجة، وبعد مرورمرحلة التاسيس، تبدا نقاط الضعف البشرية
والشيطانية وتبرز الاهواء وتتفاعل وتحاول ان تسيطر على
الوضع.
هذا المرض ليس مرتبطا بالجانب المفهومي بقدر ما يرتبط
بالجانب النفسي والارادي من وجود الانسان، وليس ناتجا عن
غموض المفهوم، بل ان الرسالة اسست وترسخت مفاهيمها
ومعالمها، لكن نقاط الضعف الانساني تبدا بالحركة الى ان
تؤدي الى ان تصبح الامة الرسالية فاقدة لتلك الحالة من
الاستعداد النفسي التي كانت عليها في بداية امرها، حينما
كانت متوجهة نحو تاسيس اصل الرسالة والحضارة التي آمنت
واعتقدت بها، وهذه الحالة تنتاب المجتمعات البشرية، لان
افرادها بشر، حتى لو كانت الرسالة ربانية، فبشرية الافراد في
ظل هذه الرسالة تجعلهم محكومين لهذا الواقع، رغم التربية
الرسالية والربانية، فان هذه التربية ربما لاتستطيع في بداية
امرها والى مدة طويلة من الزمن، ان تقتلع جذور هذه
المشكلات وهذه الامراض جميعها. قراءة الشهيد محمد باقر الصدر لدوافع الثورة الحسينية
من مجموع هذه الامور، نستطيع ان نخرج بتفسير ثالث لقضية
الامام الحسين(ع)، كان يذكره سيدنا ومولانا الشهيد الامام
محمدباقر الصدر، الذي كانت قضيته اشبه القضايا في عصرنا
الحاضر، بقضية الامام الحسين(ع)، كان يردد هذا التفسير
بشكل اوب آخر، بين الفينة والاخرى، وكان يقول: ان الامام
الحسين(ع) كان يواجه خطرا من هذا القبيل (الفتور) في
المجتمع الاسلامي في حياته.
الامة الاسلامية، وبعد ان رباها النبي(ص) واسس رسالتها
وحولها الى امة اسلامية رسالية، تفاعلت فيها نقاط
الضعف وتمخضت عن مسالة السقيفة، فالسقيفة عندما يدرسها
الانسان يجدها في الحقيقة بروزا لعوامل الشر والهوى وحب
السلطة والامرة في نفوس المسلمين الذين كانوا يتحركون بين
يدي النبي(ص) في القتال والجهاد، الا ان تلك الطاقة الحرارية
والروحية التي كانت لديهم خفتت بعد وفاة النبي(ص)، وحيث
اصبحت الامة امام اغراء الامرة والسلطة، وهي محنة وابتلاء
عظيمين، هذه النفوس التي كانت ضعيفة ولا تزال غير متربية
تربية كاملة، اخذت تتفاعل فيها النزعات والاهواء، فبرزت
مسالة السقيفة، وحرفت قيادة الامة الرسالية بالشكل الذي
نعرفه جميعا.
هذا التحريف ادى الى تشوش مفهوم القيادة الاسلامية نتيجة
استحواذ الشيطان على بعض المسلمين واغرائهم بالسلطة،
مادفعهم الى اغتصاب الحق من اهله، والمسالة في بداية امرها،
وتصور بعض من الناس ونتيجة اشتراك بعض كبار الصحابة
ان ما وقع كان اسلاميا، لان هؤلاء صحابة رسول الله(ص)، وهم
الذين ناخذ عن طريقهم الروايات والاحاديث عن رسول
الله(ص)،ففعلهم كاقوالهم، فكما ان اقوالهم معتبرة في نقل
الحديث النبوي، اذن ففعلهم الخارجي معتبر ايضا.
لقد وقع التشوش فعلا، في اصل مبادى ء الامامة والولاية، وفي نوع الحكم الاسلامي
وصيغته، ومضى التشويش اكثر من هذا،بحيث حازت اعمال عثمان في خلافته التي كانت واضحة
في مخالفتها اوليات الاسلام، على حمل على نصحه في البداية لانه خليفة،يجتهد، فتارة
يخطى فيكون معذورا عند الله،
واخرى يصيب.
هذه المشكلة تركزت مدة ما، قبل الامامين الحسن
والحسين(ع)، اي زمن الامام علي بن ابي طالب(ع)، واستطاع
الامام علي(ع)ابان المدة القصيرة من حكمه، ان يصون الرسالة
منها، ويدفع خطر هذا المرض المفهومي الذي كان يدب في
نفوس الامة الاسلامية،والذي ادى الى تشويه هذا الجانب من
الرسالة، من خلال حكمه الناصع لسنوات اربع، استطاع تقديم
المثل الاعلى لشكل الحكم الاسلامي العادل، والعدالة السياسية
والاجتماعية في الاسلام، ولذلك نجد منذ البداية حدية قوية
لدى الامام(ع) الى درجة تصوره متطرفا، فالعناوين الثانوية لم
تكن باي وجه من الوجوه مما يمارسه الامام(ع)، ولا نلاحظ في
حياته السياسية والاجتماعية اي دور لهذه العناوين، لقد قيل
له: لا تعزل معاوية الان، لو تسكت على الاقل، عن تعيينات
عثمان للولاة الى ان يعترف هؤلاء بخلافتك ويبايعونك، وبعد
ذلك تستطيع عزلهم، بعد ان اخذت منهم البيعة، اذ لا يمكن
لهم مخالفتك، لانهم سيناقضون انفسهم بذلك، كما لن تقبل
الامة، ولا اهل الشام عذرهم حينئذ.
وقد طرح عليه بعضهم عناوين من هذا القبيل، لكن الامام لم
يقبل منذ اللحظة الاولى ولم يراهن، ولم يجامل، ولم يجر على
يديه سلوك من هذا النوع، بل منذ البداية حاول ان يعطي
العنوان الاولي والصيغة الاسلامية الصحيحة للحكم الاسلامي
العادل والقيادة الاسلامية العادلة، لانه كان يريد بعمله الذي
يجسده في الخارج بحكمه، ان يدفع تلك التشويشات التي
كانت قد اصيبت الرسالة الاسلامية بها نتيجة السقيفة، ونتيجة
الاعمال التي قام بها من قبله، ما شوش تلك الذهنية الاسلامية
وصورة الحكم الاسلامي، ولوعمل الامام(ع) بالعناوين الثانوية
لما كان قادرا على تصحيح الواقع، فقد عرف الناس بطلان تلك
الصورة من القيادة والحكم، من خلال التطبيق الكامل الحدي
الاولي للسياسة والقيادة الاسلامية التي جسدها الامام ابان
حكمه، وقد كان(ع) موفقا في علاجه بهذا
المقدار. لكن بماذا ابتلي الامام الحسن(ع)؟
المشكلة التي امتحن، وابتلي بها، هي زيف معاوية الذي كان
يمتلك من السمعة التاريخية المزيفة وتاريخ الصحبة مع
النبي(ص)وحيثيات اخرى من هذا القبيل ما دفعه ليظهر
بمظهر احد الصحابة، فالامام علي(ع) احد الصحابة وهذا ايضا
واحد منهم، نعم الامام(ع) افضل منه وارفع منه واكثر منه علما
الخ...، الا ان هذا صحابي وذاك صحابي، ما يجعل الامر ملتبسا
امام الناس، وقد كان معاوية قادرا بدهائه على تشويش ذهنية
الامة الاسلامية على هذا الصعيد، ليجعل من القضية قضية
صراع بين صحابي وآخر اوصراع بين قبيلتين من القبائل
المنتسبة معا الى المسلمين، والى قريش والى رسول الله(ص)
على الحكم فلا فرق بينهما، الا في ان هذا من الفخذ الهاشمي
وذاك من الفخذ الاخر، وقد انطلت هذه الشبهة على الناس،
وراج سوق هذه المغالطات بين المسلمين، وكان معاوية نفسه
ممن يروج هذه المغالطة بين الجماهير، بحيث بلغ الامر حدا لا
يدري فيه الانسان الذي يخرج الى حرب معاوية مع الحسن(ع)
سوى انه يقاتل ليطيح بمعاوية وياتي بدلا عنه شخص من بني
هاشم، ولم تكن الابعاد الحقيقية للصراع بادية جلية امام عموم
الناس، كما لم تكن الخطوط التي تقود الصراع واضحة
ومفهومة، ولم يدرك الكثيرون ان الصلح الذي قام به
الحسن(ع)كان دافعه كشف اوراق معاوية بن ابي سفيان
وخطه، ليعرف ان الحرب لم تكن بين فلان وفلان من
الصحابة، او من قريش.
ومن هنا اصبحت صورة القيادة، بعد صلح الحسن، واضحة امام
الناس على صعيد مشكل الحكم او شخص الحاكم، ذلك
كله نتيجة لما قدمه الامام علي(ع) من المواقف في السنين
الاربع من الحكم، وما فعله الامام الحسن في مسالة الصلح مع
معاوية الذي جاء بعده الى الكوفة مصرحا بكلمته المشهورة: «ما
حاربتكم لتصوموا او تصلوا انما حاربتكم لاتامر عليكم، وكل
شرط شرطته للحسن تحت قدمي هذين»((12))، مبينا بهذه
الصورة الصارخة تمام غرضه، وان هدفه هو السلطة وحب
السيطرة على الناس، وقدبدت الامور اكثر وضوحا من خلال
ممارساته بعد ذلك مع شيعة علي، من قتله للناس وسفكه
للدماء الطاهرة، والصراعات والفتن التي كان يفتعلها بين
القبائل...
وعقب ذلك، فان ذاك الشخص الذي كان يخرج مع الامام
الحسن لمحاربة الشام وهو متردد في حربه، صار واضحا لديه
الان، لماذامحاربة خط معاوية؟ وهو امر لم يمكن اعطاؤه في
اليوم الاول لاصحاب الامام الحسن بالمفهوم الكامل، بل عندما
صالح الامام الحسن(ع) وانحسر سياسيا واخلى الساحة لهذا
الطاغية الذي كان مبرقعا ببرقع الاسلام وصحبة النبي وكتابة
الوحي...، اضحت هذه الحقيقة واضحة خلال المدة التي حكم
فيها معاوية. اذن ففي عهد الامام الحسين(ع) كانت صورة القيادة الاسلامية وشرائط القائد الاسلامي واضحة امام الذهن الجمعي للناس، فماذاكانت المشكلة اذن؟
لقد كانت هناك مشكلة اخرى بدات من حيث انتهى معاوية
نفسه، استطاع انحراف السقيفة ان ينتهي اليها، هذا المرض هو
ان معاوية وخلال المدة التي حكم فيها اسهم بعد وضوح امره
على مستوى الوعي العام في خلق انحراف آخر في الامة، وهو
افسادالضمائر والارادات بالمغريات والترغيب من جانب
والترهيب والقتل من جانب آخر، فزياد كان من اصحاب الامام
علي بن ابي طالب(ع)، وكان والي فارس من قبله، لكنه انقلب
الى عدو لدود له بعد استشهاده، لا لان قلبا في المفاهيم
والتصورات الاسلامية،حصل عنده، بل قلبته، في الواقع
المغريات التي قدمها له معاوية، والتي كان منها الحاقه بابي
سفيان، وهذه المغريات اثرت على شخصيته، فانقلب من موال
للامام، بل ممن نصبهم(ع) وهو لا ينصب انسانا فاجرا فاسقا
منحرفا بل كان حينها انسانا عادلا آالى معاد، اذ غلب جانب
العواطف والشهوات فيه جانب الفكر والمنطق والعقل، لان في
الانسان جانبين، قد يمرض احدهما ويكون الاخر صحيحا
سليما، فقد يعرف الحق لكن يتركه مع علمه بخطا ما يفعل.
لو راجعنا التاريخ لراينا ان معاوية قام في هذه المرحلة (عشرون
سنة) باشياء عجيبة وغريبة في هذا المجال، فقد استطاع
واقعاان يفسد بها اكثر افراد الامة الاسلامية الا من عصمهم الله،
او بقي على صلة بالائمة وبكتاب الله، او كان مشردا او مقتولا،
كما هي الحال في عصرنا الراهن في عدة نقاط في العالم بما في
ذلك عالمنا الاسلامي.
فالامام الحسين(ع) تولى الامامة، وهو يجد امامه امة خائرة في
اراداتها، عالمة بان الحق معه، لكنها مائعة في ضميرها، ذليلة
تلهث وراء المصالح الشخصية والمقامات والعطاءات التي كان
يعطيها الوالي او الخليفة، اننا نجد في محاورات الامام
الحسين(ع) مع عمر بن سعد يوم عاشوراء ما يدل على ذلك من
كلام عمر بن سعد: ان لي ضياعا كذا وكذا، جملة من
استدلالات واهية، وهو يعرف ان الامام الحسين(ع) ابن بنت
رسول الله لا يشك في ذلك، ويعرف انه احق بالخلافة من
يزيد، سيما وان الاخير شخصية معروفة مكشوفة، وهو ليس من
قبيل معاوية، فليس عنده صحبة معاوية مع رسول الله(ص)،
ولا له تاريخ معاوية ايضا... هذا كله كان واضحا للمسلمين
جميعا، بمن فيهم قتلة الحسين(ع) وقواد قتلته امثال عمر بن
سعد، الا ان الذي كان يمنعه ضياعه، يريد ملك الري، وهذا
يعني ان الضمير قد افسد فسادا كاملا من قبل الجهاز الحاكم،
واستطاع هذا الجهاز ان يحول هؤلاء من اناس يملكون ارادتهم
ويترفعون عن المغريات والشهوات الى ذليلين استعبدتهم
الملذات حق الاستعباد.
ومع الحالة المرضية لا يكفي، في اصلاح الامة وتخليصها،
مجرد الكلام بالمفاهيم والنظريات، فالمفاهيم جميعها مفهومة
لا التباس فيها، ولهذا يقول له الفرزدق: «قلوبهم معك»، اي
يعرفون انك احق ولا نقاش في ذلك.
هذا المرض من اخطر الامراض التي تبتلى بها الامم الرسالية
جميعا، وهو مصدر شقائها وبلائها بالتسافل والانحطاط، ومثل
هذاالخطر لا تمكن معالجته الا من خلال تجسيد عملية من
العمليات التي يقبل بها اي ضمير انساني مهما تسافل ومهما
انتكس، لانه«افجع» واقوى من كل شي ء، عملية تستطيع انقاذ
الموقف، ولو بعد مدة من الزمن، والا فهذا المرض سوف
يستشري ويتفاقم اكثرفاكثر، وينتهي بالامة راسا، ولا تبقى بعد
انتهاء الامة رسالة، كما حصل مع الرسالات السماوية السابقة،
مثل هذه الحالة لا يمكن علاجها الا من خلال ضرب مثل رائع
من امثلة الترفع عن الاهواء والشهوات، وتقديم مصالح الاخرين
والقيم على جميع ما يملك، في عملية فيها منتهى التضحية،
ليس فقط بالنفس، وبمقام اجتماعي كبير وبكل تاريخ الوجاهة
والزعامة في الامة، بل يضحي باهله واولاده وامواله، وبجميع
الامتيازات والاعتبارات المادية والاجتماعية الكبيرة، ذلك كله
من اجل هذا المستضعف وذاك، علما ان الامام الحسين(ع)
كانت تصله من قبل الخليفة او واليه عطاءات، اذ يذكر التاريخ
ان والي معاوية ويزيد كان يعامل الائمة معاملة جيدة من
الناحية المادية، ويحاول اعطاءهم عطاءات ربما اكثر من
الاخرين باعتبار انهم قريشيون اولا ومن بني هاشم ثانيا،
وذوواعتبارات ووجاهة اجتماعية ودينية كبيرة ثالثا، فلم يكن
الامام نفسه من ناحية وضعه الشخصي والمادي في ضيق،
حتى من قبل الحاكمين.
يقول والي المدينة بعد ما بلغه مقتل الحسين(ع)، وصعد
المنبر: كنا نصله ويقاطعنا، ونصله ويقاطعنا اكثر، ونحن نعطيه
اكثر،عطاؤنا كان مستمرا له.
فالامام والائمة(ع)، ومن خلال عطاءاتهم، يظهر ان وضعهم
المادي كان جيدا وربما احسن من بقية الناس، ومع ذلك
يتنازل الحسين(ع) عن هذا الوضع المادي والاجتماعي الجيد
وعن دمه ودم اخوانه وعشيرته، من اجل ذاك الانسان الذي
يظلم في العطاء،والذي يذوق وبال الحكم المنحرف لبني امية،
هذا الشخص الاخر عندما يجد ان الانسان العظيم قد تنازل عن
هذا كله في سبيله، فاذاكان له ادنى مراتب الانسانية الموجودة
في ضمير كل كائن انساني ومخلوق حي فسنجده وكان جذبة
كهربائية هزت كل جسده،ويعجب له ايما عجب، ويستغرب من
نفسه الانغماس في الاغراءات بعدما شاهده من انسان انموذجي
واستثنائي، وينبذ الرجوع الى ذاك الاموي الظالم، وهذا ما
سيجعل من شخص الامام قدوة عملية ورائعة.
ثم الجانب الماساوي الموجود في التضحية، كان الامام
الحسين(ع) دقيقا في التخطيط له، بحيث اخرج حتى الطفل
الرضيع معه الى المعركة، وفي داخل المعركة، عندما كان يخرج
كان يلبس عمة رسول الله ويشبه نفسه به وبهيئته، وهذه
الخصوصيات التي يجدها الانسان في تاريخ القضية الحسينية
ومشاهد هذه الملحمة الكبرى وفصولها، يدرك من خلالها ان
الامام الحسين(ع) ارادهذا الجانب الماساوي، وخطط له ايضا.
اذن لم تكن المسالة مسالة استيلاء على الحكم وهزيمة يزيد، ثم
انعكس الامر باحداث ومصادفات سيئة غير متوقعة، بل كان
هناك تخطيط دقيق للجانب الماساوي، ولابشع صوره
الممكنة، حتى تكون هذه الصورة فوق احساس كل ضمير
انساني، مهما كان هذاالضمير منتكسا في الرذيلة، الامر الذي
جعلها تغلب حالة الخور والجمود والخدر التي ابتليت بها
ضمائر الامة الاسلامية.
فهؤلاء الذين شاركوا في صنع هذه الماساة، بشكل او ب آخر، او
اسهموا فيها، مع الجيش او جلوسا في البيوت، او هروبا
الى البساتين وخارج الكوفة، عندما انتشرت فصولها ومشاهدها
واخبارها بدات ضمائرهم التي كانت خائرة ميتة خوفا من
سطوة ابن زياد، او امواله او ترهيبه وترغيبه، تتحرك وتصحو،
وقد حركها وايقظها هذا الجانب الذي كان مجسدا في وضع
الامام الحسين(ع)لا المفاهيم والمقولات.
وهذا التحريك لضمير الامة لم يكن ليقتصر على تلك المرحلة،
ذلك ان الامام، وان نظر نظرة عادية من دون العلم الغيبي،
لكنه بمايتحمل من رسالة خالدة يجده مضطرا لايقاظ ضمائر
الناس عندما تبتلى بهذا المرض، ودائما تبتلى به.
ومن هنا تبقى قضية الامام الحسين(ع) هي الرائدة والدواء
الحقيقي لهذا المرض، وحتى الساعة لا تزال كذلك، في اكثر
من بلداسلامي، تحرك ثورته قضية الحسين(ع)، وتشكل
العنصر الاساسي لانتفاضته وجهاده، رغم كل الضعف الموجود
في الامة، وهذامعناه ان هذه الثورة القدوة التي جسدها الامام
الحسين(ع) الى الابد هي فوق جميع الضمائر المنتكسة
والخائرة والمخدرة،وهي القادرة على هزها وايقاظها بما تحوزه
من خصوصيات، كل بحسبه ومقداره، وكلما استغلت هذه
القضية بشكل افضل كمااستغلها الائمة بعد الامام
الحسين(ع) كان لها تاثير اكبر، كما حصل في الثورة
الاسلامية في ايران، وفي سنوات الدفاع المقدس،
فقضية الامام
الحسين(ع) هي التي تحرك اليوم مع الفاصل الزمني عنها،
لانها فوق جميع الحالات المرضية التي يمكن ان يبتلى بها
ضمير الانسان، سيما وان هذه القضية فيها من المظلومية
والماساوية ما يمتزج مع قلب اقسى الناس، وقد قلنا: ان
القيم والمفاهيم عندما لا تنزل من عالمها الى عالم القلب، ولا
تمتزج مع الاحاسيس والشعور، ولا تحرك العاطفة فلا تحرك
الانسان،والمحرك الحقيقي انما هو هذا الاحساس، وذاك
الشوق وتلك العواطف والارادة النابعة من القلب والوجدان. النتيجة
وبهذا تبدي المقدمات الثلاث التي اشرنا اليها دورها في
شرح ما يمكن شرحه من هذه النظرية، اي الثالثة، وعليه
فالامام الحسين(ع) كان دافعه ومنظوره في هذه الحركة
والثورة المباركة اقتلاع هذا المرض، ومنح العلاج الناصع
الصريح له، وهومرض دائما ما تبتلى به الامم، حتى الامم
الربانية، لكن بعد زمن، نتيجة ضعف البشرية نفسها، في
تركيبتها وخلقتها، فقضية الامام الحسين(ع) سوف تبقى ذات
دوافع تاريخية وزمنية، لكن غير محدودة بالمرحلة التي عاشها
الامام الحسين(ع) نفسه. الحوار الاسلامي المسيحي في القرنين: الاول والثاني الهجريين دراسة في نصوص شيعية ا. محمد رضا وصفي تمهيد
تسلط هذه الدراسة الضوء على تاريخ الحوار الاسلامي
المسيحي، بدءا من ظهور الاسلام حتى نهاية القرن الهجري
الثاني، وهي المرحلة الزمنية التي لم يوفها المستشرقون
والباحثون حقها من البحث والتحليل، نظرا لقلة المصادر
والمراجع عنها، ولهذا راى هؤلاء ان الحوار، او الجدل، بين
الاسلام والمسيحية بدا في القرنين الثالث والرابع الهجريين
(العاشر الميلادي)، مستندين الى الرسالة المنسوبة الى من
يسمى «عبدالله بن اسماعيل الهاشمي» الى صديقه المسيحي
النسطوري (عبدالله المسيح بن اسحاق الكندي)، يدعوه فيها
الى الاسلام ورد الكندي عليه((13)). وتمثل هذه الرسالة، في
راي هؤلاء، اول جدل يقوم بين الاسلام والمسيحية، اما الجدل
الاسلامي المسيحي الثاني، فقد قام به رجل مسيحي
نسطوري، اعتنق الاسلام، وهو علي بن زين الطبري((14)).
الجدل الثالث، في هذا السياق، كان ردا سجله على النصارى ابو
عيسى الوراق (297ه)، عاش في القرن العاشر، وكان احد
روادمدرسة بغداد الاعتزالية((15)).
ويورد الدكتور عبد المجيد الشرفي، في الباب الثاني من كتابه:
«الفكر الاسلامي في الرد على النصارى»، خمسة عشر نصا
صغيرا
وكبيرا في الجدل الاسلامي((16)).
غير اننا وجدنا ان باكورة هذا الحوار بدات مع ظهور الاسلام،
وهذا ما دلت عليه الكثير من النصوص في التراث الاسلامي، ولا
سيماالشيعية منها، التي اعتمدت في هذه الدراسة، ولهذا الامر
اهمية كبرى في اظهار حقائق مهمة عن الحوار والجدل، بين
الديانتين،
ويبين هذا الحوار كم كان المسلمون والمسيحيون
يسعون الى معرفة وجهات نظر بعضهم بعضا. ومن خلال هذه
النصوص،يمكننا استشراف محاور الاختلاف واللقاء في الخطاب
والمنهج، وقد اعتمدنا، هنا، على ذلك الحوار الوارد في
النصوص والمصادرالاسلامية الشيعية القديمة، ويجب ان نشير
الى ان بعض هذه النصوص، وبسبب قوة رواة تفاصيلها او
ضعفهم، تحتاج الى دراسة علمية كاملة لتاكيد مصداقية هؤلاء
الرواة، وهو جهد لا يتسع له هذا البحث، والباحثون المسلمون
يعتمدون، في هذا السياق،على العلم المسمى بعلم الرجال. الموقف من المسيحية في شبه الجزيرة العربية
تحتاج دراسة الحوار الاسلامي المسيحي الى قراءة الموقف
العام ازاء المسيحية في شبه الجزيرة العربية، ومن دون الاطلاع
على الثقافة السائدة آنذاك، لن نستطيع تحديد طبيعة نظرة
المسلمين الى المسيحية. وبعبارة اخرى: لا يمكن قراءة الرؤية
الاسلامية تجاه الكثير من القضايا الا من خلال الفهم التاريخي
للبيئة التي نشات فيها.
لم تكن المسيحية، في شبه الجزيرة العربية، آنذاك، موحدة
داخليا، بل كانت هناك كنائس وتقاليد متعددة، والمفاهيم
الدينية عندهم لم تكن ذات جذور فلسفية وعلمية، وبتعبير
آخر: كان الانسان على تماس، في حياته، مع الطبيعة القاسية،
بعيدا عن الانشغال بالفكر الديني وبالفلسفة وقضايا الكون
ومعرفة الله.
ولم يكن هناك فكر مؤسسي منظم، لدى المسيحيين واليهود،
وحتى عند المسلمين بعد ظهور الاسلام، بل كانت ثقافة الناس
في ذلك الزمان شفوية، تعتمد، في الغالب، على الخرافات
والاساطير. وكانت هناك الكنيسة الارثوذكسية، وهي كنيسة الدولة البيزنطية السائدة آنذاك((17))، كذلك كانت الكنائس السريانية الشرقية والغربية (النساطرة واليعاقبة) ((18))، وقد مثلت كل من الكنيستين: النسطورية واليعقوبية دورا مهما في الحياة العربية، وكان أكثر العرب اعتناقا وتعلقا باليعقوبية، قبيلة غسان المنتشرة في بلاد الشام، بالاضافة الي قبائل عربية أخرى، وكان عدد من القساوسة والبرهان يقومون بنشر الدعوة وينشرون تعاليمها((19)).
وتتفق الطوائف المسيحية، النسطورية واليعقوبية، مع
الملكانية في ان المسيح ليس بعبد ولا نبي ولا رسول بل هو اله
في الحقيقة، وهو ابن الله نزل من السماء وتجسد في انسان تام
كامل من مريم((20))، وباتحاده، تعالى، بالمسيح «حصلت
للمسيح طبيعتان: طبيعة ناسوتية واخرى لاهوتية»((21)).
وفي كيفية النبوة، تقول الملكانية بالنبوة الحقيقية،
والنسطورية بان النزول والنبوة من نوع اشراق النور على جسم
شفاف كالبلور، واليعقوبية ان الامر يتاتى من الانقلاب، اي ان
الاله سبحانه انقلب لحما ودما((22)).
بالاضافة الى النسطورية واليعقوبية، كانت هناك فرق اخرى
صغيرة منتشرة في انحاء البلاد كالابيونية، وتعني
بالعبرانية،الرجال الفقراء، وهم يهود متنصرون، اشتهروا بالزهد
والتقشف والابتعاد عن اكل اللحوم، واتبعوا انجيل متى، ووصفوا
المسيح بانه ابن الانسان، وانتشرت هذه الطائفة في مكة،
وانتسب اليها كبار اهلها، ومن بينهم، القس ورقة بن نوفل، ابن
عم خديجة زوجة النبي محمد(ص)، والذي كان له الفضل في
ترجمة الانجيل من العبرية الى العربية، ومن بينهم ايضا
عبداللهبن جحش، ابن عمة النبي محمد، وعثمان بن الحويرث
وغيرهم((23)).
وقد عرفت النصرانية، في ما يلاحظ، انتشارا بين سكان الجزيرة
العربية اكثر من الطائفة اليهودية، وقد يعود السبب في ذلك
الى ما قدمه ملك الروم لعرب اليمن من النصرة والعون.
وجاء الاسلام بعقيدته الابراهيمية التوحيدية التي تمتد جذورها
الى الديانتين اليهودية والمسيحية باعتبارهما
ديانتين سماويتين((24))، الا انه عارض بعض التقاليد
والطقوس الدينية في تلك الديانتين، ولا سيما النظام
الاكليروسي في المسيحية((25))، وفي الوقت نفسه تعاون مع
العلمانية المسيحية (ان صح التعبير)، لا سيما على المستوى
الاجتماعي.
وقد الغى الاسلام اي امكانية لتجسيد الطبيعة الالهية، نافيا
بشكل تام فكرة الثالوث المسيحية، وبهذا المسار العقدي حطم
الاسلام النظام البنيوي اللاهوتي، الذي كان مهيمنا على التصورات المسيحية، لا سيما
في العصور الوسطى حول
التكوين الالهي للتاريخ،التقديس، وتجسيد الاله لذاته، ولهذا
كان ظهور الاسلام بالنسبة للديانتين اليهودية والمسيحية نوعا
من الهرطقة والتحدي الديني التاريخي، وكذلك كان تحديا
لمفهوم العلاقة بين الدين والدولة((26)) الذي كان سائدا في
الدولتين: البيزنطية والساسانية. المسيحيون ومقدساتهم من منظور الاسلام
من القضايا الرئيسية، لدى دراسة موضوع الحوار، اي حوار، بين
فريقين، معرفة ما يحمله كل فريق من افكار عن الفريق الاخر،
وهوما يسهل الوصول الى نتائج ايجابية في الحوار نفسه.
سنحاول، في هذه الدراسة، الخوض في احد جانبي الحوار
المسيحي الاسلامي، وهو الافكار التي يحملها الجانب الاسلامي
عن المسيحية ونمط تعاطيه ازاءها، وذلك لان الجانب
المسيحي عد، ومنذ البداية، ظهور الاسلام تحديا للمسيحية
ومقدساتها((27)).
وسنقتصر، في بحثنا هذا، على النصوص الشيعية ورؤية ائمة
الشيعة لامرين:
1-
رؤية الاسلام للمقدسات المسيحية
ان الرفض القرآني لفكرة «تجسد الاله»، لدى المسيحية، يحمل
طابعا تحذيريا، بالدرجة الاولى، من مغبة الانزلاق الى درجة
انزال الرب منزلة البشر، او بالعكس الى المغالاة في رفع مرتبة الانسان الى منزلة
الله((28)).
ولابد لنا، هنا، من الاشارة الى ان موقف القرآن متعاطف الى
اقصى الحدود مع المسيح الذي يعترف به ك«رسول الله»
وك«كلمته» القاها الى مريم وروح منه، فهو يصفه بانه
معجزة و«آية في العالمين»، وبهذا فانه اي المسيح يحتل
مكانة متميزة في العقيدة الاسلامية، الامر الذي جعل الاساقفة
يرون في ذلك امكانية لفتح آفاق مهمة للحوار والتقارب في
هذا المجال، تماماكما هي الحال بالنسبة للدراسات المريمية
بشكل عام، اذ ان تكريم مريم العذراء ليس غريبا على
المسلمين، بل انه يتصل مباشرة بالتوجه القرآني((29)).
وحيث ان منهجنا، هنا، يعتمد النصوص الاسلامية الشيعية،
فاننا سنركز على نماذج من النصوص المنقولة عن نبي
الاسلام وائمة الشيعة في هذا المجال. وهنا لا بد من العودة الى اقوال الامام علي بن ابي طالب(ع)، الامام الاول عند الشيعة، والواردة في كتاب «نهج البلاغة» عن السيد المسيح واحواله: «وان شئت قلت في عيسى بن مريم ((30))، فلقد كان يتوسد الحجر ويلبس الخشن وياكل الجشب ((31))، وكان ادامه الجوع، وسراجه ((32)) بالليل القمر ((33))، وظلاله في الشتاء مشارق الارض ومغاربها، وفاكهته وريحانه ما تنبت الارض للبهائم ((34))، ولم تكن له زوجة تفتنه((35)) ولاولد يحزنه، ولا مال يلفته((36))، ولا طمع يذله، ودابته رجلاه، وخادمه الله يداه»((37)).
ويمكن للباحث ان
يجد نصوصا عديدة وردت على لسان نبي الاسلام وائمة
الشيعة في سياق المواعظ الاخلاقية التي قدموها،والتي
كانوا يستندون فيها الى اقوال السيد المسيح، وهي نصوص
عديدة موجودة في المصادر التاريخية والحديثية. 2- حقوق المسيحيين عند المسلمينيقتصر موضوعنا، هنا، على حقوق المسيحيين عند المسلمين، الامر الذي يجب على الطرف المسيحي ادراكه في الحوار مع الجانب الاسلامي منذ القرنين الاول والثاني الهجريين، خصوصا ان تلك المرحلة كانت تشهد التطبيق العملي لقانون اهل الذمة في المجتمع الاسلامي، من هنا تبدو اهمية تحديد ما اذ كان الجانب الاسلامي يحاور الجانب المسيحي من موقع استعلائي، ام من منطلق ان الانسان حر وذو عقيدة محترمة (هنا من المهم الاشارة الى اسلوب الحوار الذي اعتمده هشام بن الحكم). ونورد، في هذا المقام، خمسة نماذج هي: أ- الانفاق على مسني النصارى من بيت مال المسلمين ورد، في الاحاديث الشيعية، ان رجلا نصرانيا كان يعمل عند احد المسلمين، وعندما كبر وخارت قواه، تخلى عنه المسلم، فوصل الامر الى الامام علي(ع) الذي اصدر حكما عنيفا ضد ذلك المسلم، وامر بان يدفعوا لذلك النصراني مثلما يستحق غيره من المسلمين من بيت المال.
نص الحديث: «مر شيخ مكفوف كبير يسال، فقال امير المؤمنين(ع): ما هذا؟ فقالوا: يا
امير المؤمنين نصراني، فقال اميرالمؤمنين(ع): استعملتموه حتى اذا كبر وعجز منعتموه،
انفقوا عليه من بيت المال»((38)). ب- منزلة المعاهدة عند الامام علي(ع) وعندما بلغ الامام علي(ع) خبر ما فعله احد الجنود المسلمين بالكتابيين عندما دخلوا مدينة الانبار، قال لهم: «ولقد بلغني ان الرجل منهم كان يدخل على المراة المسلمة والاخرى المعاهدة، فينتزع حجلها وقلبها وقلائدها ورعثها، ما تمتنع منه الا بالاسترجاء والاسترحام، ثم انصرفوا وافرين، ما نال رجلا منهم كلم ولا اريق لهم دم، فلو ان امرا مسلما مات من بعد هذا اسفا ما كان به ملوما، بل كان به عندي جدير»((39)). ج- حقوق اهل الذمة اما رسالة الحقوق للامام علي بن الحسين زين العابدين(ع)، وهو الامام الرابع عند الشيعة، فقد ورد في شرح حقوق اهل الذمة فيها ما ياتي: «واما حق اهل الذمة: ان تقبل منهم ما قبل الله عز وجل منهم، ولا تظلمهم ما وفوا الله عز وجل بعده، وكفى بما جعل اللهلهم من ذمته وعهده، وتكلهم اليه في ما طلبوا من انفسهم، وتحكم فيهم ما حكم الله به على نفسك، في ما جرى بينك وبينهم من معاملة، وليكن بينك وبين ظلمهم من رعاية ذمة الله والوفاء بعهده وعهد رسوله حائل، فانه بلغنا انه قال: من ظلم معاهدا كنت خصمه، فاتق الله، ولا حول ولا قوة الا بالله»((40)).
من هنا يتبين ان الاسلام لا يكن لغير المسلمين اية عداوة او
بغضاء، بل يدعو الى التعايش السلمي والى التعاون معهم. د- حسن المصاحبة كذلك ورد في سيرة الامام علي بن ابي طالب(ع) عن تعامله الاخلاقي مع رجل ذمي، ما ياتي: «ان عليا صاحب رجلا ذميا، فقال له الذمي: اين تريد يا عبدالله، قال: اريد الكوفة، فلما عدل الطريق بالذمي عدل معه علي، فقال له الذمي: اليس زعمت تريد الكوفة، فقال:بلى، فقال الذمي: فقد تركت الطريق، فقال: ه- سماحة في العدالة ودقة في المساواة وفي موضوع العدالة والمساواة بين المسلم وغيره، من وجهة نظر الاسلام، نلاحظ النص الاتي: «فقد شكا يهودي علي بن ابي طالب للخليفة عمر، فقال عمر لعلي: قم يا ابا الحسن فاجلس بجوار خصمك، ففعل علي، وعلى وجهه علامة التاثر، فلما فصل عمر في القضية قال لعلي: اكرهت يا علي ان تساوي خصمك؟ قال: لا، لكن تالمت لانك ناديتني بكنيتي، فلم تسو بيننا، ومعلوم ان الكنية للتعظيم، فخشيت ان يظن اليهودي ان العدل ضاع بين المسلمين»((42)).
و روي عن رسول الله(ص) انه قال: «من ظلم معاهدا او كلفه فوق طاقته فانا حجيجه يوم
القيامة»((43)). صيغ الحوارات الاسلامية - المسيحية
بينت الدراسات الاولية للحوارات التي جرت بين المسلمين
والمسيحيين، على مر العصور، انها اعتمدت على صيغ ثلاث: 1- الصيغة الاولى صيغة الحوار الجدلي الذي يجرى عادة بالاستناد الى الايات القرآنية وعبارات الانجيل، وهذا النوع من الحوار لا يجدي نفعا، لانه يعتمد على المفاهيم والمعتقدات المستقاة من الذات، اي انه يعتمد على منطق الذاتية الدينية. 2- الصيغة الثانية صيغة الحوار الجدلي القائم على براهين تاريخية، ونذكر، على سبيل المثال لا الحصر، مسالة تحريف الكتب المقدسة عندالمسيحيين، فتارة يتهمون بتحريف النص وطورا بتحريف التاويل((44)).
وقد استخرج المسلمون من الحديث عن التحريف وكتمان
الشهادة، نصوصا واشارات محذوفة من العهدين تبشر بالنبي
محمد،كالبارقليط في انجيل يوحنا (الاصحاح 14)، وكذلك
اشارات اخرى كثيرة توسع بعضهم في ذكرها وتاويلها بشكل
يناقض فهم المسلمين((45)).
من ناحية اخرى، تتمسك المسيحية بعدم الايمان برسالة نبي
الاسلام، وتؤكد ختم الاديان السماوية عند الدين المسيحي...
وهذا النوع من الحوار، يستوجب افتراضات مسبقة من قبل
الطرفين، وهو ما يصعب عملية الحوار وتقبل الاخر.
ولم تخل النصوص الشيعية من هذا النوع من الحوار الجدلي،
كالحوار الذي جرى في القرن الثالث الهجري بين الامام علي
بن موسى الرضا(ع)، الامام الثامن عند المسلمين الشيعة، مع
جاثليق النصارى الذي خص جزء منه بمسالة ضياع نسخة
الانجيل الاصلية((46)). 3- الصيغة الثالثة صيغة الحوار القائم على اساس المنطق والبرهان، والمقصود بالبرهان، هنا، البرهان المستقى من غير ذات الدين، والمراد منه الكشف عن الحقيقة الدينية، هذه الصيغة من الحوار تعد الاهم بين جميع انواع الصيغ الاخرى، وذلك لامكانية التوصل معها الى نتائج علمية وعملية.
هذه الصيغة تمثل ميزة اساسية للحوار الذي دار بين الجهات الاسلامية والمسيحية خلال
القرنين: الاول والثاني، والذي سنتحدث عنه قريبا، ولكن السؤال المهم هنا، يتعلق
بماهية المنطق والبرهان المعترف بهما من قبل الديانتين المسيحية والاسلامية
واسسهما. فحسب ما هو معروف، بالامكان القول: ان المنطق الايماني في الديانتين هو
منطق يوناني ارسطي((47))، كما ان الركيزة لهذا المنطق تعتمد مبدا
امتناع اجتماع النقيضين، على هذا الاساس فان الحوار المشار
اليه، هنا، يستند على فكرة الرفض والقبول لوجود التناقض او
التباين بين مفهومي الاب والابن.. بالاتكال على الخلفيات
الكلامية والفلسفية لمفاهيم «الاله والبشر آالخالق والمخلوق
المطلق والمقيد الكلي والجزئي الوحدانية المطلقة
والوحدانية المتجسدة واجب الوجود وممكن الوجودوغير
ذلك».
فمثلا، يعتقد الاسلام بان الله لا يكشف للانسان سر جوهره
الكياني، وهذا ما تذهب اليه المسيحية، لكن المسيحية تلتزم
التزاماكيانيا بالتجسد واتخاذ الطبيعة البشرية موضعا نسبيا
لاظهار مدى تفاعل الله مع البشر، الامر الذي يفضي الى
اختلاف جوهري في تصور ربوبية الله ووحدانيته بين المسيحية
والاسلام.
كما ان الاسلام يعتقد بان مسالة الثالوث المقدس تؤول الى
نقض التوحيد، لانها ترى ان 1+ 1+ 1=
3، بينما المسيحية تراه
من صلب التوحيد لان 1× 1× 1=
1.
فاذا كان مبدا التوحيد الاسلامي هو التنزيه الالهي المطلق
والربوبية المهيمنة، فان مبدا التوحيد المسيحي هو وحدة
الحب الالهي والربوبية المتشاركة، لان المسيحيين يرون ان
تدبير الحب الخلاصي واحد في الثالوث الالهي، اي في عمل
الاب والابن والروح، وان تاليه الانسان هو الهدف الاقصى لهذا
التدبير، وهذا الثالوث هو الذي يصون وحدانية الالوهية، اذ يضم
الانسانية طوال العصور
الى كيان الحب الالهي((48)). الحوار الاسلامي المسيحي في القرنين: الاول والثاني الهجريين 1- مفهوم ابن الله.. في حوار نبي الاسلام مع بعض الرهباناقدم حوار نقل عن الامام الصادق(ع)، في الكتب التاريخية الشيعية، هو الحوار الذي جرى بين نبي المسلمين(ص) وعلماءاليهود والنصارى، وجاء في كتاب الاحتجاج((49)) للطبرسي((50))، اذ يظهر، من سياق الحوار، انه حصل قبل دعوة النبي المسيحيين لقبول نبوته والايمان بكتابه.
واذا ما تجاوزنا مسالة حصول هذا الحوار او عدم حصوله، كما
جاء في هذا الكتاب، وقبل ان نعرض لما ورد فيه، لا بد لنا من
تعدادبعض النواحي الايجابية فيه:
اما محور الحوار فيتمثل في بحث كلامي في مفهوم الابن
والاب وكيفية فهم المحدث والقديم من هذين المفهومين،
والجدير بالذكر ان هذا الحوار لا يتطرق الى موضوع نبوة النبي
محمد(ص). هنا نذكر ما ورد في هذا الحوار التفصيلي حسب ما نقل في كتاب «الاحتجاج» للطبرسي نقلا عن الامام الصادق(ع) ((51)).
فقال اليهود: نحن نقول عزير ابن الله((52)) وقد جئناك يا
محمد لننظر ما تقول، فان اتبعتنا فنحن اسبق الى الصواب
منك وافضل،
وان خالفتنا خصمناك.
قالوا: لسنا نعني هذا، فان هذا كفر كما دللت، لكنا نعني انه ابنه
على معنى الكرامة، وان لم يكن هناك ولادة، كما قد يقول
بعض علمائنا لمن يريد اكرامه وابانته بالمنزلة من غيره «يا بني»
و«انه ابني» لا على اثبات ولادته منه، لانه قد يقول ذلك لمن
هو
اجنبي لا نسب له بينه وبينه، وكذلك لما فعل الله تعالى
بعزير ما فعل كان قد اتخذه ابنا على الكرامة لا على الولادة. فقال رسول الله(ص): فهذا ما قلته لكم، انه ان وجب على هذا الوجه ان يكون عزير ابنه، فان هذه المنزلة بموسى اولى، وان الله يفضح كل مبطل باقراره، ويقلب عليه حجته، ان ما احتججتم به يؤديكم الى ما هو اكثر مما ذكرته لكم، لانكم قلتم ان عظيما من عظمائكم قد يقول لاجنبي لا نسب بينه وبينه: «يا بني»، و«هذا ابني» لا على طريق الولادة، فقد تجدون ايضا هذا العظيم يقول لاجنبي: «هذا اخي» ولاخر «هذا شيخي» و«ابي»، ولاخر «هذا اخي» ولاخر «هذا سيدي» و«يا سيدي» على سبيل الاكرام، وان من زاده في الكرامة زاده مثل هذا القول، فاذا يجوز عندكم ان يكون موسى اخا الله او شيخا له او ابا او سيدا لانه قد زاده في الاكرام مما لعزير، كما ان من زاد رجلا في الاكرام، فقال له: يا سيدي ويا شيخي ويا عمي ويا رئيسي على طريق الاكرام، وان من زاده في الكرامة زاده في مثل هذا القول، افيجوز عندكم ان يكون موسى اخا الله او شيخا او عما او رئيسا او سيدا او اميرا لانه قد زاده في الاكرام على من قال له: يا شيخي او يا سيدي او يا عمي او يا رئيسي او يا اميري؟
قال: فبهت القوم وتحيروا، وقالوا: يا محمد اجلنا نتفكر في ما قد
قلته لنا.
فقال: انظروا بقلوب معتقدة للانصاف يهدكم الله، ثم اقبل على
النصارى، فقال لهم: وانتم قلتم ان القديم عز وجل اتحد
بالمسيح ابنه، فما الذي اردتموه بهذا القول؟ اردتم ان القديم
صار محدثا كوجود هذا المحدث الذي هو عيسى، او المحدث
الذي هو عيسى صارقديما كوجود القديم الذي هو الله، او معنى
قولكم انه اتحد به ان اختصه بكرامة لم يكرم بها احدا سواه؟،
فان اردتم ان القديم صارمحدثا فقد ابطلتم، لان القديم محال
ان ينقلب فيصير محدثا، وان اردتم ان المحدث صار قديما فقد
احلتم، ان المحدث ايضا محال ان يصير قديما، وان اردتم انه
اتحد به بانه اختصه واصطفاه على سائر عباده، فقد اقررتم
بحدوث عيسى وبحدوث المعنى الذي اتحدبه من اجله، لانه اذا
كان عيسى وذلك المعنى محدثين، وهذا خلاف ما بداتم
تقولونه.
فقالت النصارى: يا محمد، ان الله لما اظهر على يد عيسى من
الاشياء العجيبة ما اظهر فقد اتخذه ولدا على جهة الكرامة. فقال لهم رسول الله: فقد سمعتم ما قلته لليهود في هذا المعنى الذي ذكرتموه، ثم اعاد ذلك كله فسكتوا الا رجلا واحدا منهم، فقال له:يا محمد، اولستم تقولون: ان ابراهيم خليل الله؟
قال: قد قلنا ذلك. قال: فاذا قلتم ذلك فلم منعتمونا من ان نقول: ان عيسى ابن الله؟
قال رسول الله(ص): انهما لن يشتبها، لان قولنا ابراهيم خليل
الله فانما هو مشتق من الخلة، والخلة انما معناه الفقر والفاقة،
فقدكان خليلا الى ربه فقيرا اليه، واليه منقطعا وعن غيره
متعففا معرضا مستغنيا... واذا جعل معنى ذلك من الخلة، وانه
قد تخلل معانيه ووقف على اسرار لم يقف عليها غيره، كان
الخليل معناه العالم به وباموره، ولا يوجب ذلك تشبيه الله
بخلقه، الا ترون انه اذا لم ينقطع اليه لم يكن خليله، واذا لم
يعلم باسراره لم يكن خليله، وان من يلده الرجل وان اهانه
واقصاه لم يخرج عن ان يكون ولده، لان معنى الولادة قائم به.
ثم ان وجب لانه قال لابراهيم خليلي ان تقيسوا انتم،
فتقولوا: ان عيسى ابنه وجب ايضا كذلك ان تقولوا لموسى انه
ابنه، فان الذي معه من المعجزات لم يكن من دون ما كان مع
عيسى، فقولوا: ان موسى ايضا ابنه، وان يجوز ان تقولوا على هذا
المعنى انه شيخه وسيده وعمه ورئيسه واميره، كما ذكرته
لليهود.. الى آخر الحوار.
تاثير مفهوم ابن الله في اللاهوت المسيحي على الفرق الكلامية
الاسلامية
فقد ادعت المعتزلة ان الاشاعرة باخذهم بعدم خلق القرآن
ايدوا، في حقيقة الامر، المفهوم المسيحي لكلمة ب تبتپ ،
ووقعوافي المشكلة الكلامية نفسها، واستدل المعتزلة على
ذلك بقولهم: ان اصرار الاشاعرة على عدم خلق القرآن يعني
القول بقدمه مع ذات الباري وجعله شريكا مع الذات
الازلية((54)).
والملفت للنظر ان الاشاعرة كانوا، بدورهم، ينسبون تهمة
كهذه للمعتزلة ويكفرونهم، مستدلين بان كل من يصر على
كون القرآن مخلوقا، فهو يقارب معتقد الذين كانوا يقولون بان
القرآن من صنع فكر النبي((55))، ويستشهد الاشاعرة باحدى آيات القرآن
التي قال الله فيها عن راي المشركين في القرآن (ان هذا الا قول البشر) «المدثر/25».
اما المتكلمون الشيعة فلم يقولوا ان القرآن مخلوق، بل
استخدموا اتباعا لاهل البيت(ع) تعبير المحدث بدل
المخلوق (وماياتيهم من ذكر من الرحمن محدث الا كانوا عنه
معرضين) «الشعراء/5، والانبياء/2»، ولذلك قال الشيخ المفيد،
وهو من كبار علماء
الشيعة: «واقول: ان القرآن كلام الله وهبة،
وانه محدث كما وصفه الله تعالى، وامنع من اطلاق القول عليه بانه مخلوق، وبهذا
جاءت
الاثار عن الصادقين عليهم السلام»((56)). |