ان المفكرين الاسلاميين، على الرغم من انتسابهم الى فلسفة
الهية لا تلغي الحركة وتقربها بوصفها مفهوما اساسيا
للطبيعة،وكذلك للفكر بالمعنى التكاملي الذي طرحه باقر
الصدر، نراهم يعالجون الظواهر الاجتماعية والمفردات العقدية
بخاصة، غافلين عن تكامل هذه المفاهيم، فنراهم يسلكون
منهجا ثبوتيا ستاتيكيا في تحليل المسائل العقدية من دون اي
نظر الى تكامل هذا المفهوم وتطوره، او المراحل التي قطعها
لبلوغ هذه المرتبة، كما انهم لا يلتفتون الى الاستعدادات التي
يختزنها هذا المفهوم والتي يتحرك من خلالها الى آفاق
مستقبلية، فلا يحاولون استشرافها.. باستقراء تاريخ التكامل
والاحاطة بمنحى التطور..
ان التفكير العقدي القديم حاول ان يدرس التراث العقدي
والمسائل الكلامية بمناى عن قانون الحركة والتكامل، لذلك
فاتته دلالات مركزية مهمة ومضامين عميقة لاصول الدين عبر
تاريخ علم الكلام، غير ان باقر الصدر (قده) يحدث نقلة نوعية
تثور على هذاالاطار الثبوتي السكوني، ويعتمد منهجا ديناميكيا
تكامليا، وهذا من شانه ان ينتقل بالبحث الكلامي الى مدارات
جديدة لم يعهدها لوقيض لهذه النقلة ان تقنن وتقعد.
ولعل العديد من النتائج الجديدة التي توصل اليها الصدر، في
جملة من المسائل، تعود الى هذه النقلة المنهجية المهمة:
فقد درس الصدر جملة من القضايا العقدية، عبر هذا المنظور
التكاملي، واخذ بعين الاعتبار عامل الزمن والتغير الذي يطرا
على المفهوم نفسه، فتجاوز الاحكام الاطلاقية والتصورات الثبوتية، ويمكن ان نعطي لذلك انموذجين من نتاج الشهيد
في هذا المضمارهما:
الانموذج الاول: التوحيد وتكامل الوعي التوحيدي
ويستقرى الصدر هذا التكامل للوعي التوحيدي عبر مقارنة بين
اهم ديانتين سابقتين وبين الاسلام، فيسجل ان التوحيد
في التوراة يعطي فكرة الله، لكن لا يستطيع ان ينزع عنه الطابع
القومي المحدود، وفي الانجيل صعدت فكرة الله مرتبة، وذلك
لانه تخلص من الطابع القومي، واصبح الاله الها عالميا، ولكنه
لم يجرد كلية من حس الانسان بل بقي اسير ذهنية الانسان
الحسية،وبهذا يعبر في الانجيل عن المسيح ب«ابن الله»، فالاله هو الاب لكل البشرية،
لكن القرآن يعطي لفكرة التوحيد مداها
الاعظم من التنزيه والتجريد، فيجرد الله عن اي علاقة مادية
مع اي انسان كان((98)).
الانموذج الثاني: تكامل النبوات
لقد اجاب باقر الصدر عن السؤال السابق في بحثه: «التغير
والتجديد في النبوة» فاستعرض عوامل هذا التجديد، وهي
اربعة عوامل اساسية:
أولا: ان تكون النبوة قد استنفدت اغراضها، واستكملت
اهدافها بان تجيء وصفة لمرض طارى في المجتمع الانساني من
الناحية الفكرية او الروحية او خلل في النظم الاجتماعية،
فحينئذ لا يمكن ان تصلح النبوة وصفة مؤقتة لكل زمان
ومكان، ومثال ذلك مايقال عن المسيحية من انها تحث على
التركيز على النواحي الروحية نتيجة لافراط بني اسرائيل في
الانغماس في الدنيا.
ثانيا: ان لا يبقى تراث يمكن ان يقوم على اساسه العمل والبناء،
ويمكن تصور ذلك في فرض موت النبي، وتولد ظروف
تعصف بالرسالة، وتذهب بالتراث الروحي والمفاهيم، حينذاك
تبقى النبوة مجرد مسالة تاريخية، ولا يوجد في حياة الناس ما
يجسدمفهومها ومنظارها الى الحياة.
ثالثا: محدودية النبي نفسه، فالانبياء كغيرهم من البشر غير
متساوين في درجات تلقيهم للمعارف الالهية عن طريق
الوحي، فبعضهم غير مؤهل لان يحمل هموم البشرية على
الاطلاق في كل زمان ومكان، بل هو مؤهل لان يحمل هموم
عصره فقط، او هموم مدينته او هموم قبيلته فقط، «فاذا كانت
النبوة محدودة بطبيعة قابليات هذا النبي، كان لا بد في خارج
هذه الحدود الزمانية والمكانية من نبوة اخرى تمارس عملها في سبيل الله سبحانه»((100)).
رابعا: تطور البشرية، فان هذا التطور يجعل الرسالة السابقة غير
مهياة لهداية الانسان الجديد، وهنا يؤكد باقر الصدر على
مفهوم تكامل الرسالات، مصرحا بان كل رسالة تهيء الانسان
لرسالة جديدة ف«الانسان المدعو يتصاعد بالتدرج لا بالطفرة،
وينمو على مر الزمن في احضان هذه الرسالات الالهية،
فيكتسب من كل رسالة الهية درجة من النمو تهيئه وتعده لكي
يكون على مستوى الرسالة الجديدة واعبائها الكبيرة ومسؤولياتها الاوسع نطاقا»((101)).
ويحلل باقر الصدر ابعاد التطور البشري ومستوياته فيرجعها الى
ثلاثة:
اما البعد الثالث فهو خط متطور دائما، لا يمكن ان يتوقف، لان
التقدم التقني والتكنولوجي الصناعي يمتاز بالتراكم الكمي،
فكلماسيطر على مجال ما في الطبيعة رمى بصره نحو ميدان
آخر، وهكذا... وتغير النبوات قانون او سنة ترتبط بالبعد الاول
والثاني، ولكنها لا تتاثر بالعنصر الثالث، ولا تنفعل به، والا لو
كانت متوقفة عليه لما كانت النبوة متغيرة ومتجددة بين
الحين والاخر،وبخاصة في عصورنا الاخيرة، حيث يشهد العالم
نقلات سريعة في مجال التقدم العلمي والصناعي، ولكن لما
كانت النبوة مرتبطة فقط بخط الوعي التوحيدي وخط
المسؤولية الاخلاقية، ولما بلغ هذان الخطان نهايتهما ختمت
النبوة مع رسالة الاسلام التي تمثل«رسالة شاملة كاملة عامة
للحياة، جاءت على ابواب وصول الانسان الى رشده الكامل من
ناحية استعداده لتقبل وعي توحيدي صحيح كامل شامل ومن ناحية تحمله لمسؤولية اعباء
الدعوة»((102)).
ولقد تصدى احد ابرز طلاب باقر الصدر((103)) لتعميق هذا
المفهوم (تكامل النبوات) وحقب تاريخ الانبياء، وقسمه الى
مراحل عديدة مهدت لبلوغ الانسانية اوج استعدادها لتلقي
الاطروحة الكاملة والنهائية التي ستطبق في المجتمع العالمي
المنشود على يدصاحب العصر والزمان(عج).
وطرح اربع مراحل بوصفها نسقا تكامليا يحكم تطور النبوات:
في التحليل السابق، لاحظنا كيف تعامل باقر الصدر مع النبوة
في تكاملها الزمني بلحاظ جذورها في التاريخ، ويشهد له بحثه
عن الولاية، تعاملا مع ظاهرة النبوة نفسها، ولكن هذه المرة في
تكاملها وامتدادها في المستقبل، حيث اثبت بمنهجية فريدة
مبتكرة قائمة على طريقة الاحتمالات ضرورة الولاية بوصفها
استمرارا لخط النبوة في التاريخ.
النقلة المنهجية الرابعة -
بحكم المهمات التي آمن بها المتكلمون وحددوها، اصطبغ
هذا العلم بصبغة تجريدية تستند على الجدل والتبكيت
ومحاولة تسويغ التناغم والانسجام بين معطيات العقيدة
وضرورات العقل بعيدة نسبيا عن الواقع وعالم الانسان، لقد
انقلبت وتحولت العلاقة الثنائية بين الانسان والعقيدة.
هذا الاتجاه عمق، من جانب آخر، الصبغة الفردية لعلم الكلام،
حيث تعالج العقيدة بوصفها عقيدة فرد وتتعاط ى مع قضية
المسلم في ما يجب معرفته واعتقاده، وتوسعت هذه النزعة
التجريدية بمناى عن واقع الناس وهموم الجماهير، بل
استغرقت اكثر فاكثرفي عالم خاص من المصطلحات والرموز
والصياغات البرهانية تضخم مع مرور الايام.. ليعلن الانفصال
عن التحديات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تواجه
المسلمين، وبخاصة في عصرنا الحالي.
من هنا كان علم الكلام بحاجة الى نقلة ثورية تعيده الى مهمته
الاساسية في تكوين شخصية الانسان وهدايته، انطلاقا من
قاعدة فكرية مركزية، لان العقيدة في قاموس الصدر هي
القاعدة المركزية في التفكير الاسلامي التي تحدد نظرة
المسلم الرئيسية الى الكون بصورة عامة، وهذا لم يغب عن وعي
العديد من زعماء الاصلاح في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع
القرن العشرين، اذ اتفق هؤلاء على اعطاء العقيدة بعامة
والتوحيد بخاصة مدلولهما الاجتماعي والسياسي في حياة
المسلمين، حتى ينفضوا عن انفسهم غبار التخلف، ويهبوا
مندفعين نحو قيام مجتمع متحضر ومتقدم يحتل مكانة على
الارض بجدارة ولا يرضى بالهوان والضعف، ويلتقى((105)) مع
هؤلاء بعض المفكرين المحدثين ايضا: «لقد ادرك بعض
المفكرين المسلمين المحدثين اشكالية علم الكلام هذه، فراحوا
يبحثون عن علم كلام جديد ان امكن القول. علم كلام يكون
فيه للتوحيد وظائف جديدة، ويكون علما محررا للانسان
وعلماخالصا صافيا من الشوائب والاكدار، وان علما تكون له
هذه الخصائص لقادر حقا على ان يدفع باصحابه الى
الامام» ((106))، وبقراءة هذه المحاولات المهمة في بناء هذه
القواعد الجديدة يبدو مشروع باقر الصدر متميزا، لانه قام على
معالجة اصول الدين معالجة اجتماعية نهضوية تسعى اساسا
لتقديم الدين بوصفه حلا للمشكلة الاجتماعية والتوحيد،
بوصفه برنامجا ثوريا ضدالظلم والجهل والانحراف، والنبوة
بوصفها صلة موضوعية بين الله والانسان، تقود زمام هذه الثورة
الالهية، وتنتصر لطموحات البشر في الكمال والسعادة، لقد قرا
الصدر هذه الاصول العقدية قراءة مستحدثة مستنيرة لم تفصل
الله عن الانسان، والسماء عن الارض، والاعتقاد عن الحياة،
والتصور عن العمل والحركة، ان هذه الازدواجية بين الغيب
والشهادة بين الارض والسماء، تتهاوى عندما تتحرك عقيدة
الامة في اتجاه الباس الارض اطر السماء((107)) وتعميم روح
المسجد على كل فضاء.
يتحول الدين مع هذه النقلة المهمة من شان فردي وقضية
شخصية الى مشروع مجتمعي، ويغدو حينذاك الملاذ الواقعي
الصحيح لحل المشكلة الاجتماعية، ولا غرابة في ان يعمد باقر
الصدر لاحداث هذه النقلة اذا التفتنا الى ان حل المشكلة
الاجتماعية كان دائماهاجسه الكبير، لذلك حاول طوال
مسيرته العلمية ان يؤسس النظريات الاسلامية التي تقدم
حلولا لهذه المشكلة في ابعادها
المختلفة: السياسية
والاقتصادية والدستورية..
لقد كان همه الاكبر الوصول الى صياغة علمية دقيقة متكاملة
للنظام الاجتماعي الاصلح، انه البحث الدؤوب عن الاجابة عن
سؤال محوري مهم: ما هو النظام الذي يصلح للانسانية وشعوبها
في حياتها الاجتماعية؟ هذه المشكلة متجذرة في اعماق تاريخ
الانسان لانها طغت على السطح منذ ان تشعبت النواة الاولى
للمجتمع الانساني وظهر افراد عديدون تتجاذبهم ميول
مختلفة وطموحات متفاوتة، وتجمعهم من جهة اخرى هموم
مشتركة ومصالح موحدة.
ولكن الاحساس المعاصر بهذه القضية اقوى واشد، لان الانسان
المعاصر يعي جيدا انه هو الذي صنع المشكلة، وانها لا
تعرض عليه من فوق، اضافة الى ان التراكم التاريخي للتجارب
العديدة والنظم المختلفة، والتي باء اغلبها بالاخفاق، ما عمق
في الوعي الانساني الحاجة الى التمحيص والتدقيق في
المسالة. لقد ابدع باقر الصدر حقا في مناقشة المدارس الكبرى التي طرحت حلا لهذه المشكلة، وبخاصة المدرستان: الماركسية والراسمالية في كتابيه: فلسفتنا واقتصادنا، وابرز اخفاق هذين المذهبين في تشخيص حقيقة المشكلة، وبالتالي في وصف النظام الذي يقود الى السعادة والكمال والرفاه. ان الخطوة الاولى للوصول الى النظام الاجتماعي الاصلح هي دراسة جوهر المشكلة النابعة من طبيعة الانسان، والتي جبلت على حب الذات والاثرة التي تمثل اقوى الغرائز الانسانية المؤثرة على المسار الاجتماعي، ومن جهة ثانية، ان التواصل الانساني والعلاقات الاجتماعية يقتضيان التنازل عن جملة من المصالح الفردية، ولا تستقيم حياة المجموعة الا من خلال نظم حاكمة تحد من مصالح كل فرد لاجل الصالح العام، وهنا يصطدم النظام الاجتماعي بهذه العقبة، كيف نوفق بين الدوافع الذاتية ومقتضيات الحياة الاجتماعية؟
لقد سلكت الراسمالية طريقا ضحت معه بالمصالح الجماعية
من اجل الفرد، وسلكت الاشتراكية طريقا موازيا، قدمت فيه
مصالح الجماعة على الفرد، وعمقت هذه الاتجاهات وغيرها
الازمة الاجتماعية، ولم تحلها بسبب تفسيرها المادي للحياة
ورؤيتها المحدودة للكون والانسان ورسالته في الوجود، ما جعل
الانسان اسير الحاجات المادية، يعيش ازمة عميقة في نفسه
نتيجة هذا التمزق الشديد بين الفرد والجماعة، والانشطار بين
المادة التي اوغل في متطلباتها والافاق الروحية التي اءقصي
عنها، اما الصدر فيبدابداية مغايرة، انه ينادي «ان يطور المفهوم المادي للانسان عن
الحياة، وبتطويره تتطور طبيعيا اهدافها ومقاييسها»((108))،
«فالاسلام وضع يده على نقطة الداء
الحقيقية في النظام الاجتماعي للديمقراطية وما اليه من
انظمة... فان نقطة الارتكاز الاساسية لما ضجت به الحياة
البشرية من انواع الشقاء والوان الم آسي، هي النظرة المادية الى
الحياة التي يختصرها بعبارة مقتضبة في افتراض حياة الانسان في هذه الدنيا هي كل ما
في الحساب من شيء واقامة المصلحة
الشخصية مقياسا لكل فعالية ونشاط»((109))، فالبشرية بحاجة
الى معين آخر غير التصورات المادية عن الكون التي تسجن
الانسان في سجن الطبيعة وضيق التاريخ، وليستقي منه نظامه
الاجتماعي لا بد من «وعي سياسي صحيح ينبثق عن مفاهيم
حقيقية للحياة، ويتبنى القضية الانسانية الكبرى... ويسعى الى تحقيقها على قاعدة تلك
المفاهيم»((110)).
فالعقيدة هي القاعدة الفكرية المركزية التي ينبثق عنها هذا
النظام العادل الكفيل بتحقيق السعادة المنشودة، فالاسلام
يمنح الانسان نظرة روحية للحياة ومقياسا خلقيا جديدا
يشخص من خلاله ما يجب وما لا يجب، فيخترق بذلك حجب
الانانية والانغلاق على الذات، لينفتح على الاخرين وهمومهم
ومشاكلهم، بل ليقدم مصالحهم على مصالحه، وهو بذلك يوفق
بين الدوافع الذاتية المركوزة فطريا في الانسان وبين مقتضيات
الحياة الاجتماعية القائمة على المصالح المشتركة... ان هذا
المقياس الخلقي الجديدتغذيه عقيدة المعاد والايمان باليوم
الاخر، وان الحياة الدنيا شوط عابر نحو الحياة الاخرة الخالدة،
حين توفى كل نفس ما عملت ولا تظلم مقدار ذرة.
ويشرح باقر الصدر
-
مفصلا
-
محاولة التوفيق التي يعتمدها
الدين: «ان التوفيق الوحيد يحصل بعملية يضمنها الدين
للبشرية التائهة وتتخذ العملية اسلوبين:
الاسلوب الاول: هو تركيز التفسير الواقعي للحياة واشاعة فهمها
في لونها الصحيح مقدمة تمهيدية الى حياة اخروية،
يكسب الانسان فيها من السعادة على مقدار ما يسعى في حياته
المحدودة هذه في سبيل تحصيل رضا الله، فالمقياس
الخلقي، او رضا اللهتعالى، يضمن المصلحة الشخصية في الوقت
نفسه الذي يحقق فيه اهدافه الاجتماعية الكبرى...
اما الاسلوب الثاني الذي يتخذه الدين للتوفيق بين الدافع
الذاتي والقيم، او المصالح الاجتماعية، فهو التعهد بتربية
اخلاقية خاصة تعنى بتغذية الانسان روحيا وتنمية العواطف الانسانية والمشاعر الخلقية
فيه...»((111)).
وفي ضوء الرسالة الحضارية المهمة للدين، يقدم الصدر اكثر
التعريفات اختصارا للاسلام ليكشف فيه عن مركزية
العقيدة ومحوريتها: «وهذا هو الاسلام في اخصر عبارة واروعها، فهو عقيدة معنوية
وخلقية ينبثق عنها نظام كامل للانسانية يرسم لهاشوطها الواضح المحدد، ويضع لها
اهدافا اعلى في ذلك الشوط ويعرفها على مكاسبها منه»((112)).
هذه الاطروحة للدين، في قاعدته العقيدية والمفهومية وكيف
تمثل حلا للمشكلة الاجتماعية، يرتقي بها باقر الصدر ويطورها
اكثرفي «المدرسة القرآنية»، حيث يؤصل اكثر فاكثر هذه
النظرية في بحث مقارن بين النظرية الاجتماعية الاسلامية
والنظريات الوضعية الاخرى، اذ تستند الثانية الى صيغة
اجتماعية ثلاثية مقابل الصيغة الاجتماعية الرباعية التي تؤمن
بها النظرية الاسلامية، ان كل المجتمعات تؤمن بوجود
عنصرين اساسيين: الانسان والطبيعة، ففي كل مجتمع لا بد
من انسان، ولا بد من ارض وموارد طبيعية ليمارس في ظلها
الانسان دوره الاجتماعي، لكن العنصر المرن والمختلف من
نظام اجتماعي الى نظام آخر، هوالعلاقة الاجتماعية، فلكل
مجتمع خصوصيات في نسج هذه العلاقة المعنوية بين الانسان
واخيه الانسان وبين الانسان والطبيعة،هذا العنصر المرن له
صيغتان: صيغة ثلاثية، لانها تحدد الاطراف في ثلاثة (الانسان
الطبيعة الانسان)، وصيغة رباعية لانهاتؤمن باربعة اطراف
(الله الانسان الطبيعة الانسان)، ولا يتوهم ان الصيغة
الرباعية تمتاز باضافة عددية لعنصر جديدفحسب بل «ان هذه الاضافة تحدث تغييرا نوعيا
في بنية العلاقة الاجتماعية وفي تركيبة الاطراف الثلاثة الاخرى نفسها، من هناليس
هذا مجرد عملية جمع ثلاثة زائد واحد، بل هذا الواحد الذي يضاف الى الثلاثة سوف يعطي للثلاثة روحا اخرى ومفهوما آخرسوف
يحدث تغييرا اساسيا في بنية هذه العلاقة... اذ يعود الانسان مع
اخيه الانسان مجرد شريك في حمل هذه الامانة والاستخلاف، وتعود الطبيعة بكل ما فيها
من ثروات وبكل من عليها وما عليها مجرد امانة لا بد من رعاية واجبها واداء
حقها»((113)).
ان الطرف الرابع مغير نوعي لتركيب العلاقة، فتنقلب العلاقة
مع الطبيعة من هيمنة واستئثار الى استخلاف واستئمان،
وعلاقة الانسان باخيه الانسان من تجاذب استغلالي صراعي الى
تكامل وشراكة في المسؤولية والخلافة، هذه الصيغة الرباعية
هي المدلول الاجتماعي العام للتوحيد، والقرآن يقدمها بوصفها
سنة تاريخية وقانونا عاما، والعرض القرآني لهذه السنة يتخذ
شكلين اثنين، فتارة يعرضها من زاوية دور الله في الكون بما هي
عملية ربانية: (اني جاعل في الارض خليفة)، فتتخذ مفهوم
الخلافة، وتارة اخرى يعرضها من جهة تقبل الانسان لها (انا
عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال فابين ان
يحملنها واشفقن منها وحملهاالانسان)
[الاحزاب/72].
«ان هذه العلاقة الاجتماعية ذات الاطراف الاربعة لم تكن
لتصبح قانونا تاريخيا الا لانها داخلة في تكوين الانسان، في
تركيب مسار الانسان الطبيعي والتاريخي»((114))، فالله قد
صاغ هذا الانسان باستعدادات وقابليات وميول منسجمة تماما
مع العلاقة الاجتماعية الرباعية.
وبالتفاتة ذكية رائعة يطابق بين مدلول الايتين اللتين تحدثتا
عن الصيغة الرباعية (الاية: 30/ البقرة) و(الاية: 72/
الاحزاب)،
وبين الاية: (... فاقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر
الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم)
[الروم/30]،
فالتعبير
بالدين القيم تاكيد على ان ما هو الفطرة وما هو داخل
في تكوين الانسان وتركيبه ومسار تاريخه هو الدين القيم، يعني
ان يكون هذاالدين قيما على الحياة، وان يكون مهيمنا عليها،
هذه القيمومة في الدين هي التعبير المجمل في تلك الاية عن
العلاقة الاجتماعية الرباعية التي طرحت في الايتين: (اني
جاعل في الارض خليفة) و (انا عرضنا الامانة على السماوات
والارض)، اذن فالدين سنة الحياة والتاريخ، والدين هو الدين القيم، والدين القيم هو
العلاقة الاجتماعية الرباعية الاطراف التي يدخل فيها الله بعدا
رابعا»((115)).
ولكننا بحاجة ماسة، في اطار النظرية الاسلامية للصيغة
الرباعية، الى ان نوضح اكثر فعالية الله في المجتمع والتاريخ
حتى ندفع توهما قد يثيره الخصوم، وهو ان هذه الصيغة
بادخالها العنصر الرابع (الله)، جل جلاله، تلغي دور الانسان
وتفسر جميع الظواهر الاجتماعية تفسيرا غيبيا لاهوتيا يعزل
هذه الظواهر عن اسبابها وعن القوانين التي تحكمها ليربطها
مباشرة بالارادة الالهية، وتقصي نهائيا ارادة الانسان في التاريخ،
وتسقط في حبائل الجبر الصرف، ان هذا التوهم مدفوع بحزم
وقوة، لان فعالية
«الله»، في المجتمع والطبيعة والتاريخ، لا
تعني البتة تحنيط الانسان وتجميد ارادته.
وعلى مستوى «الدولة» لا تخلو العقيدة من مدلولات مهمة...،
ففي رسالة منابع القدرة في الدولة الاسلامية، تحدث باقر
الصدر عن عطاءات العقيدة في هذا المضمار، وعد الدولة
الاسلامية انموذجا فريدا لما تمتاز به من خصائص تجعل
حركتها الحضارية حركة مستمرة لاستنادها الى عقيدة
توحيدية صلبة.
«فالتركيب العقدي للدولة الاسلامية الذي يقوم على اساس
الايمان بالله وصفاته ويجعل من الله هدفا للمسيرة وغاية
للتحرك الحضاري الصالح على الارض، هو التركيب العقائدي الوحيد الذي يمد الحركة
الحضارية للانسان بوقود لا ينفد»((116)).
ان العقيدة الاسلامية تحول عمل المسلم وحركته في ظل
المجتمع المسلم والدولة المسلمة الى عبادة تتهاوى معها
الحواجز بين السماء والارض، والحياة والغيب، ويندمج الانسان
في مسيرة متوازنة بالله نحو الله سبحانه وتعالى.
النقلة المنهجية الخامسة
-
قدم علم الكلام، في تاريخه الطويل، خدمات جليلة للعقيدة
الاسلامية في نصرة الدين ودحض الشبهات وتبكيت الخصوم،
الا انه بقي قاصرا، حتى مراحل تاريخية متقدمة، عن تجاوز
طابعه الجدلي الذي انعكس بقوة على مطالب العلم
وموضوعاته ومناهجه وآلياته، ان السمة الجدلية لهذا العلم،
وبخاصة في المرحلة الثالثة من تاريخه، افرزت عدة معوقات
اسهمت في تعطل نمو هذا العلم بالشكل المطلوب، وحبسته
في دائرة ضيقة من السلبيات، فافتقد الحس الموضوعي في
عرض آراء الخصوم ومناقشة المذاهب الاخرى، وكتب الملل
والنحل شاهدة على ذلك بما تعج به من افتراءات واختلاق فرق
لا وجود لها الا في مخيلة بعض المصنفين،بغية ان تاتي
تصنيفاتهم مطابقة لحديث رسول الله(ص): «تنقسم امتي الى
ثلاث وسبعين فرقة..».
لقد بلغ التعصب المذهبي الذي غذاه المنحى الجدلي حد ان
تتوسل بعض الفرق بالسلطان للتنكيل بالفرق الاخرى،
والشواهدالتاريخية على ذلك عديدة.
النقلة المهمة المتمثلة بالخروج عن دائرة الجدل الى الصيغة
البرهانية كانت اساسا على يد الخواجة نصير الدين
الطوسي،فاتحدت مطالب هذا العلم بالفلسفة والتفكير
الفلسفي: «ويكفي الاشارة، هنا، الى ان بدء محاولة شرح
موضوعات علم الكلام بالموضوعات الفلسفية كانت على يد ابي
جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ولكن الرائد الحقيقي لهذا
التطبيق هو نصير الدين الطوسي... في كتبه الفلسفية
والكلامية خاصة في كتابه (التجريد)، وليس من الانصاف
العلمي ان نجعل هذه المحاولة بدات مع عضد الدين الايجي، ونغفل عن الاشارة الى
الرائد الاول لها كما فعل الدكتور ابراهيم مدكور في الفلسفة الاسلامية»((117)).
ان الحقبات المظلمة لتاريخ هذا العلم، من التحجر والجمود،
هي مظهر من مظاهر تاريخ المذهبية المغلقة والتعصب
المقيت في تراثنا الفكري، حيث لا يرى الباحث الحق الا من
خلال معتقده ومذهبه، ولا يشاهد في الاخر سوى معالم الكفر
والزندقة والانحراف،فينبري طاعنا في المذاهب الاخرى رافعا
سيف التشهير والتبري، حتى اشتهر عن الغزالي قوله: «اعلم ان
للفرق في هذا مبالغات وتعصبات انتهى بعض الطوائف الى
تكفير كل فرقة سوى الفرقة التي يعزى اليها»، فكلامه ليس
بعيدا عن الواقع التاريخي الذي غابت عنه الموضوعية في عرض
المذاهب ودراسة الاديان والمدارس الاخرى. وبتامل متفحص،
في كتب الملل والنحل، نلمح بجلاءهذا الجنوح الى تزكية
«مذهب الانا» وحذف الاخر ورميه في قاع جهنم، موصوفا
بجميع النعوت المنفرة، فهذا عبد القاهر البغدادي(ت 429ه)
لا يكاد يعرض مذهبا من مذاهب الخصوم على وجهه الصحيح،
والشهرستاني نفسه (ت 548ه)، صاحب الملل والنحل،على
الرغم مما شرطه على نفسه في مقدمة كتابه: «وشرطت على
نفسي ان اورد مذهب كل فرقة على ما وجدته في كتبهم، من
غيرتعصب لهم، ولا كسر عليهم، دون ان ابين صحيحه من
فاسده، واعين حقه من باطله، وان كان لا يخفى على الافهام
الذكية في مدارج الدلائل العقلية لمحات الحق ونفحات الباطل وبالله التوفيق»((118))، ولكنه لم يلتزم بما شرطه على نفسه
وجاوز حدالموضوعية في كثير من المسائل، يقول عن ذلك
احمد امين.. «ورايت مؤلفي العرب كالشهرستاني والقفطي
وامثالهما قد خلطوا حقا
وباطلا، فكثيرا ما نسبوا القول الى غير
قائله..»، لقد بحث كل من ممثلي العلم المللي النحلي
الاسلامي ضمن اطار انتمائه الفكري والعقدي عن الفرقة التي
كان بامكانه ان يقول هنا الحقيقة، وان كانت هذه الصياغة
ظاهرة مميزة للكتابات الاولى على الاقل في مفاهيمها
المباشرة، فانها تعمقت في وقت لاحق الى الدرجة التي لم يعد
الحاسم فيها مفهوم الانتماء المباشر للاسلام فقط بل ومضمون
العقائد الاسلامية نفسها، فالنوبختي الذي لم يشر الى الحديث
(حديث الفرقة الناجية)، لم يفته ان يحقق واقع الانقسام القائم
في صراع الفرق ودعوى التمثل الانتمائي للفرق الناجية (او
اهل السنة والجماعة)، بعبارة: «كل منهم يدعي نفسه جماعة
رغم ان واقعهم او ما ينطبق عليهم ليس معنى الاجتماع بل معنى الافتراق»((119)).
ولم يفلت كذلك ابن حزم (ت 456ه) والرازي (ت 606ه) والملطي (ت 377ه) من هذه الضوابط الصارمة الموغلة في
التمذهب، والاصرار على تمثيل الجماعة ونصرة اعتقاد اهل
السنة والجماعة. لقد كسرت النقلة من الجدل الى التفلسف، على يد الخواجة، الى حد كبير هذا الطوق، ولكن النقلة المهمة التي حدثت في تاريخناالمعاصر هي الانتقال من البرهان الى اليقين، هذه النقلة ابدعها باقر الصدر وبحثها من خلال المذهب الذاتي في المعرفة، حيث جعل التوالد الذاتي هو الاساس القائم على اساس تراكم الاحتمالات (راجع النقلة الاولى)، كما جعل اليقين الذاتي هو الاساس في التوالد المعرفي، وقنن هذا التوالد واليقين الذاتي كما شرحنا سابقا، انه اليقين الذي يحصل بتراكم القيم الاحتمالية، والذي يوجب الاقتناع وفناء القيم الاحتمالية الضعيفة، هو الطريق الاوسع لاكثر معارفنا، ولذلك ينفتح الباب واسعا، لاي كان، للوصول الى معرفة الله، وبقية الاصول العقدية ولن ينغلق الباب تحت اي عنوان فئوي او مذهبي او طبقي، انها طريقة معهودة لدى الناس جميعا، فالمنهج الاستقرائي قريب الى اذهان الناس وطرقهم لانهم عهدوه في تجاربهم الحسية اليومية، وعهدته الحضارة الغربية وشادت عليه بنيانها وصرحها العلمي والحضاري، ولذلك فانه قريب لروح هذه الحضارة، التي بلغت ما بلغته من اوج التقدم التقني والقوة المادية والصناعية عبر المنهج العلمي الاستقرائي، ان هذه الحضارة كما سلمت ب«المنهج الاستقرائي»، في مجال العلم والتكنولوجيا، عليها ان تسلم به في مجال الاعتقاد والايمان بالله، ان المنهج الذي يقود الى كل هذا الزخم العلمي والتقني يقودبالخطوات نفسها الى الايمان بالله عز وجل، انه التحدي الكبير الذي يجابه به باقر الصدر ارباب الحضارة الغربية والاختبارالصعب للضمير الانساني الغربي ومصداقيته.. لانه ان كان حقا صادقا لا تمزقه ازدواجية مريضة، لماذا لا يسلم بالنتائج على الصعيد الثاني ويلتقي بالغاية المقصودة؟
ان باقر الصدر بنى بنظريته هذه القاعدة المنهجية المعرفية
الصلبة للحوار مع الغرب، وهذه القاعدة تمثل حاجة ماسة
خاصة في ظل الدعوات الملحة والمتكررة لحوار الحضارات،
ليكون حوارا مرتكزا على اسس علمية، ولا يتحرك في فراغ.. ان
المذهب الذاتي للمعرفة يمكن ان يشكل الاطار المعرفي لهذا
الحوار، وبالتالي يقرب الهوة بين الشرق والغرب ليلتقيا على
كلمة سواء (معرفة الله).
وفي الوقت الذي يعلن الغرب فيه موت الانسان، يعمق هذا
المفكر ويؤصل مفكرنا العظيم «نظرية الانسان»، ويقدم بحوث
العقيدة على انها نظرية للانسان والحياة، وطريق الخلاص، في
الوقت الذي ينظر فيه الغرب لموت الانسان وضياع المعنى..
وتلاشي القيم،
يعلن باقر الصدر قيام الانسان وانتصار القيم
وحتمية الخلاص.. الخلاص للارض وللبشرية جمعاء، لان
الاسلام في حله للمشكلة الاجتماعية، وفي اطروحاته العقدية
والفكرية لا يفرق بين انسان وانسان.. انه يحمل حلم البشرية
وهمومها.. من دون انغلاق على فئة او عرق او مذهب، وهذا
ديدن الصدر في مسيرته العلمية وجهوده الجبارة في صياغة
النظرية الاسلامية.
انه يحمل هموم الانسان، ويقترح حلا اجتماعيا للانسان، ويقدم
منهجا معرفيا لكل انسان، يمكن ان يوصله الى الرؤية
الكونية التوحيدية، وهو عندما يناقش المدارس والمذاهب
الاءخرى ولقد بارز اهم التيارات الفكرية المعاصرة يناقشها
بكل موضوعية وتجرد، متنزها عن كل تعصب او افتراء، حتى ان
اصحاب هذه الاتجاهات يقرون له بان تحليله لاطروحاتهم بلغ
من النزاهة ما يفوق التصور.
لقد تجاوز باقر الصدر اطر التاريخ الغارقة في الجديد.. ليدخل
في حوار انساني مفتوح يستهدف بناء المنهج الصحيح
والاقتناع بالحل الامثل، ومن الغريب حقا ان يرمي فهمي
جدعان رموز الفكر الاسلامي المعاصر بانهم لم يرصدوا
التحولات العلمية والفلسفية الحديثة في معرض اثبات
التوحيد، ويقول: «لكن مشكلة رواد هذا التطور انهم لم يتابعوا
بالجدية الكافية سير العلم الحديث، اوالفلسفة الحديثة،
وتطوراتهما من اجل تاسيس المبدا نفسه، مبدا التوحيد، فهم
قد ظلوا في الغالب الاعم يدورون حول حلقة الادلة القديمة
التي لم تعد تعني في الواقع شيئا ذا بال، في عالم بات يلزم اهله
باعادة النظر في انماط المعرفة والعقل الموروث كله»((120)).
ان تغييب باقر الصدر وامثاله كمطهري والسيد الطباطبائي هو
الذي اوقع الجدعان في الوهم، والا فان اطلالة على انتاج هؤلاء
الفلسفي، وعلى نتاج الصدر بخاصة: (فلسفتنا واقتصادنا
والاسس المنطقية) كافية للكشف عن باع هؤلاء بعامة آوالصدر
بخاصة في مقارعة الفلسفة الحديثة والنظريات العلمية
الجدية واستفادتهم من هذه الثقافة المعاصرة في
تاصيل النظرية الاسلامية وتشييد اركانها.
هذه هي النزعة الموضوعية الانسانية التي تستهدف اليقين
والاقناع، وتتعالى عن الجدل والتمذهب يكرسها باقر الصدر
ايضا في حواره مع الاتجاهات الاءخرى داخل الفكر الاسلامي،
فعلى الرغم من تعاطيه مع اكثر المسائل حساسية في تاريخنا
الاسلامي(خلافة رسول الله(ص) ومسالة ولاية الامام علي(ع)
وقضية فدك ودور الائمة(ع) في التاريخ، ومسالة الامام
المهدي(ع)..)
وعلى الرغم من النفس المذهبي الطاغي في
التعامل مع مثل هذه القضايا، الا ان باقر الصدر استطاع ان
يبحث هذه المسائل باسلوب علمي رصين استفاد فيه من
الاليات والتحولات المنهجية التي ابتكرها، وادرك نتائج مهمة
لا تزال مثار بحث العديد من الدراسات وتحليلها.
لقد انطبع خطابه السياسي، ايضا، بهذه السمة، حيث حرص
على ان يكون رمزا لجميع المسلمين في العراق((121))، بل
لجميع العراقيين حتى وصفته الصحافة البريطانية، في
السنوات الاخيرة، بانه كان مؤهلا ليجسد مانديلا((122))
العراق. د. يحيى محمد مدخل
لابد من التمييز بين عدد من المفاهيم التي لها علاقة بقراءة
النص «الديني» وفهمه، فلدينا ما يطلق عليه: النص، والظاهر،
والباطن،
والتاويل، والتفسير، وما الى ذلك. وقد اعتاد علماء
التفسير والشريعة ان يتعاملوا مع نوعين من قراءة النص:
احدهما يعبر عن حمل النص على معناه البين او
الظاهر((123))، والاخر يطلقون عليه التاويل، وهو حمل النص
على غير ظاهره، كما هو اصطلاح المتاخرين. وبالتالي لا توجد
هناك آلية اءخرى للقراءة غير هاتين الاليتين، وكذلك لا يوجد
غير مستوى واحد من القراءة، وان هذه القراءة بوسعها ان تكون
مستقلة ومفصولة مبدئيا عن التحديدات المعرفية القبلية.
والحال ان العلاقة بين المفاهيم السابقة تختلف، عندنا، اذ ان
هناك اكثر من آليتين، بل واكثر من مستوى للقراءة، وان هذه
القراءة لايمكن فصلها عن التحديدات القبلية، وان للنص
ظهورا آخر غير الظهور اللفظي المتعارف عليه، وانه اعتمادا
على الموقف من هذين الظهورين يتحدد نوع الالية التي
تستخدم في القراءة.
ولاجل الكشف عن هذه الاءمور نبدا بتقسيم مستوى القراءة الى
مرحلتين، او نوعين من الاليات كالاتي: آليات المرحلة الاولى (الاشارة)
عندما يكون للنص ظاهر يفهم معناه، فهذا يعني
-
من وجهة
نظرنا
-
ان هناك ثلاثة عناصر ضمنية، بعضها يتقوم ويتاثر
ببعضهاالاخر، وتكون لها علاقة بصياغة هذا الظاهر وتحديده،
ونطلق عليها التسميات الاتية: الظهور اللفظي، والسياق،
والمجال. كذلك هناك عنصر رابع خارجي يخص المحددات
القبلية، او ما نطلق عليه «القبلية المعرفية»، ويكون له دوره
الفاعل في تحديد معنى ذلك الظاهر، وهو ما سنتعرف اليه في
ما بعد. ونقصد بالقبلية المعرفية ما هو اعم من مفهوم «المعرفة
القبلية»، ذلك ان المفهوم الاخير يراد به عادة: كل معرفة عقلية
سابقة للحس والتجربة، اما ما نقصده من المصطلح الاخر فهو
كل معرفة تسبق قراءة النص،سواء كانت معرفة حسية ام عقلية
ام غيرهما.
ولدى البيانيين والاءصوليين ان الظهور اللفظي عبارة عن
حمل اللفظ على الحقيقة، وعلامتها التبادر. والمقصود بالتبادر
هوانسياب المعنى الى الذهن مباشرة عند قراءة اللفظ او
سماعه. ولا شك في ان التبادر، في حمل اللفظ على الحقيقة،
له اسباب قد تكون مختلفة بين شخص وآخر، وبعضها قد يكون
اسبابا شخصية ذاتية وبعضها الاخر قد يكون اسبابا عامة، كما ان
هذه الاخيرة قدتختلف رقعتها ودائرتها بين جماعة واءخرى،
وذلك تبعا لما تكون عليه القبلية المعرفية، اضافة الى ان من
الاسباب ما له علاقة بالوضع الشرعي، لكن غالب الامر هو ان
التبادر ياتي بسبب كثرة استعمال اللفظ على المعنى
المخصوص، والذي يتخذ اطاراعرفيا، كما يرى ذلك البيانيون
والاءصوليون، وهم بذلك يقسمون الحقيقة اللفظية الى: لغوية،
وعرفية، وشرعية.
وهنا لا بد من ملاحظة جملة اءمور، في هذا الصدد، كالاتي:
أولا: ان ما يقال من ان الظهور اللفظي لا يكون الا عند حمل
اللفظ على الحقيقة، وعلامتها التبادر، هو امر غير صحيح. فهو
لا يصدق الاعلى اللفظ المفرد او المنعزل عن النص، اي ذلك
الذي ليست له علاقة بسائر الالفاظ والعلاقات القائمة بينها. فلو
اءخذ اللفظ ضمن دائرة الالفاظ وسياقها، فان كلا من الظهور وتبادر المعنى سوف لا
يتوقف على ما للفظ من حقيقة، وبعبارة اءخرى: انه لا يوجد
تلازم بين الحقيقة اللفظية وبين الظهور، وكذلك لا يوجد تلازم بينها وبين التبادر،
حيث لا مانع من ان يعبر الظهور اللفظي عن المعنى المجازي بالتبادر. ذلك انه قد
تتدخل بعض القرائن القبلية المنفصلة بالعمل على صياغة المعنى اللفظي وتحديده، تبعالمنبهات القرائن اللفظية
والسياقية. فبفعل التنبيه الذي يثيره مجرى سياق النص مع ما
للالفاظ الاءخرى من دلالات، قد ينساق الذهن مباشرة الى
حمل اللفظ على المجاز، فيصبح الظهور معبرا عن المعنى
المجازي لا الحقيقي، وبالتالي فالحقيقة لا تساوق الظهور، او ان
احدهما لا يدل على الاخر، فقد لا تعبر الحقيقة عن الظهور،
وقد لا يعبر الظهور عن الحقيقة، مع اخذ اعتبار ما
للقرائن المنفصلة سواء كانت نقلية ام خارجية ام عقلية من دور في تحديد الظهور
اللفظي. فمثلا، في الايتين القرآنيتين: (واسال القرية التي كنا فيها والعير التي اقبلنا فيها) [يوسف/82]، (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة) [الانبياء/11]، نجد للفظة «القرية» ظهورا للمجاز كما ينبه عليه مجرى السياق، اذ لو حملناها على الحقيقة لكان من الصعب فهم ما تعنيه الايتان، اذ كيف يمكن ان نسال القرية، وهي ليست من الكائنات الحية والعاقلة؟
لكن بفعل المخزون الذهني، من القبلية المعرفية المتمثلة
بالضرورة الحسية، فان ما يتبادر من المعنى مباشرة هو اهل
القرية وليس القرية نفسها.
وعلى هذه الشاكلة يمكن ان نلاحظ الامر نفسه في قوله تعالى:
(فوجدا فيها جدارا يريد ان ينقض فاقامه)
[الكهف/77]، اذ ان
ظهورالاية لم يات بحسب حمل جميع الالفاظ على الحقيقة
والتي منها لفظ «يريد»، ذلك ان السياق، او علاقات الالفاظ،
تظهر ان للجدارارادة، وهو امر لا يعقل، كما تدل على ذلك
الضرورة الحسية، لذلك فان اول ما يتبادر للذهن هو حمل
معنى الارادة في هذا السياق على المجاز. او قل: ان تبادر
الظهور في الاية، كما ينبه عليه السياق، هو حمل اللفظ على
المعنى المجازي تبعا للمخزون الذهني من الضرورة الحسية.
هكذا، فسواء في هذه الاية ام في ما قبلها، هناك تبادر للظهور
في المعنى المجازي وليس الحقيقي.
ثانيا: اذا كان للسياق دور منبه في تبادر المعنى
والظهور اللفظي، سواء بالنسبة للحقيقة ام للمجاز، فان له دورا مماثلا
في تحديد
المعنى الذي يخص الحقيقة بتجلياتها المختلفة.
فالحقيقة اللفظية، التي يمكن الاشارة اليها بنحو حسي، مثلا،
يمكن الاشارة اليهابروح المعنى العام، الذي يشمل ما هو حسي
وغير حسي. فقد يحمل اللفظ ضمن سياق ما على اعتبارات
الجانب الحسي لحقيقة اللفظ، كما قد يحمل ضمن سياق آخر
على جانب معنوي لتلك الحقيقة نفسها.
فمثلا قد يتبادر لنا، في الكلام العادي، معنى الميزان بانه هذا
الميزان المحسوس، لكنا عندما نقرا قوله تعالى: (ونضع
الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا)
[الانبياء/47]، او قوله: (وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم
الناس بالقسط)
[الحديد/25]،
فانه لا يتبادر لنا هذا الميزان ذو الكفتين، وانما يتبادر شيء آخر، وذلك استنادا الى السياق
والالفاظ الاءخرى،
واعتمادا على ما هي عليه القبلية المعرفية.
وبالتالي ليس للفظ حقيقة مشخصة واحدة، فحيث ان له
علاقات وارتباطات بسائر
الالفاظ، فان ذلك يؤثر على جعله
يكتسب المعنى المناسب، تبعا لما تفضي اليه القبلية المعرفية،
ما يعني انه بفعل السياق والقبلية المعرفية يمكن تخصيص
الظهور من المعنى المشترك العام للفظ. ففي مثالنا السابق
يبدو ان الميزان المحسوس لايختلف عن ذلك الميزان الذي
تحدثت عنه الايتان تمام الاختلاف، بل توجد بينهما وحدة
معنوية مشتركة تجمع ما بين الطرفين،كالذي تحدثت عنه
«نظرية المشاكلة» التي تعود الى بعض العرفاء والاشراقيين من
الفلاسفة((124)). وهذا ما يجعلنا نتعامل مع
الظهور اللفظي
للحقيقة على مستويين، او قل: ان ذلك يفرض علينا ان نتعامل
مع الحقيقة اللفظية تبعا لمعنيين: احدهما عام لمايحمله من
روح المعنى بلا خصوص، والاخر خاص لما يحمله من المعنى
المشخص لذلك العموم.
ومن حيث الترتيب المنطقي لا بد من ان يستبق المعنى الاول
الثاني، ومن ان يتضمن الثاني الاول، اي ان الحقيقة بالمعنى
الخاص لاتكون كما هي عليه بهذا الوصف ما لم تكن في الوقت
نفسه، بل وقبل ذلك، عبارة عن حقيقة عامة مشتركة، ففي
البدء يفترض آبحسب التجوز المنطقي انها كانت حقيقة
مشتركة ثم تشخصت بمعنى محدد، وهي عند تشخصها تكون
قد هيات المجال باتجاه تفسير النص، وذلك على خلاف ما هي
عليه قبل التشخيص.
فمثلا، عندما نريد ان نعرف معنى اليد ضمن احد النصوص
المقروءة، ونشخصها بهذه اليد الجارحة، فان ذلك يعني اننا،
من حيث الترتيب المنطقي، نفهم ان اليد عبارة عن عضو حي
يستخدم في المسك والصنع والتكوين، ولا يستخدم في السمع
والابصار مثلا،وفي حدود هذا المعنى الاخير، فان فهمنا لليد
انما هو بمعناها العام المشترك، اي ذلك الذي لا يفيد في حد
ذاته المعنى الخاص كهذه اليد الجارحة، لكن عندما نخطو
خطوة اءخرى فنشخص معناها بهذه الجارحة او بغيرها، وفاقا
لذلك المعنى المشترك، فاننا نكون،في واقع الامر، قد هيانا
الامر باتجاه تفسير النص الذي يكون احد مضامينه اللفظية
هذه اللفظة المبينة، علما انه قد يتحد المعنيان من الناحية
العملية، بحيث ان المتبادر لدينا يظهر بصورة المعنى الخاص
من غير مرور بالمعنى العام، وذلك عندما يعبر التبادرعن
الدرجة القوية من الوضوح تبعا للسياق والقبلية المعرفية، مثلما
يظهر ذلك نتيجة كثرة الاستعمال على المعنى. لكن في
احيان اءخرى قد يتضح المعنى العام من دون الخاص، ويحتاج
الوصول الى هذا الاخير الكثير من الجهد في الاجتهاد
والتحديد تبعالاعتبارات مضافة من القبلية المعرفية، ومن
ذلك القبلية التي تتصف بالرؤى المنظومية، مثلما هي الحال
مع التحديدات الوجودية في النظام الوجودي، كالذي تعرضه
«نظرية المشاكلة».
ثالثا: يمكن المقارنة بين الالفاظ والسياق، من حيث العلاقة
بينهما على الصعيدين المعرفي والثبوتي، فمن الناحية الثبوتية
نرى ان السياق ليس له اي ثبوت من غير الالفاظ، والعكس ليس
صحيحا، حيث قد تكون الالفاظ موجودة مستقلة ومنعزلة بلا
اي سياق او علاقات، لكنها لا تشكل نصا، حيث ان ميزة النص
بسياقه، وان السياق هو تلك العلاقة القائمة بين الالفاظ،
وبالتالي فان تحديدوضع السياق يعتمد على ما هي عليه
الالفاظ، فاي تغير في هذه الالفاظيبعث على تغير السياق او
العلاقات. اما من الناحية المعرفية فان المتكلم يضع الفاظه في
سياق خاص ليدل بها على ما يريد من مقصد، وبالتالي فانه
بالسياق يمكننا فهم ما يراد من الالفاظ ان كانت تحمل على
الحقيقة او المجاز او الرمز، وكذلك فان به يمكن حمل اللفظ
بحسب ما هو مالوف من المعاني الحسية والوجدانية او بحسب
ابعاد اءخرى معنوية مجردة، ولو انه تغير السياق لافضى ذلك
الى تغيير المعنى، كان يبدل اللفظ من محل الى آخر، فحتى
في الحالات التي يكون التغير في السياق، فيها، تغيرا طفيفا
فانه قد يغير شيئا ما من المعنى، كالذي لاحظه علماءالبلاغة،
ومن ذلك الفارق بين القولين: «زيد كالاسد» و«كان زيد الاسد»،
فرغم ان كلا القولين دال على التشبيه، لكن في القول الثاني
زيادة في المعنى على القول الاول، وهي انه دال على فرط
الشجاعة والقوة، وكانه اسد في صورة انسان. رابعا: قلنا: ان للسياق دورا في تحديد المعنى الذي ينبغي اختياره للفظ ان كان بحسب المجاز او الحقيقة. ويمكن تمثيل هذا الدور بمثابة العلة المادية او الشرطية التي تهيى للعلة الفاعلية ان تقوم بدورها في التحديد والتعيين. وهنا نرى ان ما يتمثل بهذه العلة الاخيرة هو القبلية المعرفية المتمثلة بالقرائن المنفصلة، حيث يتم بها انتقاء المعنى الذي يناسب السياق ويتسق معه، سواء كان هذا المعنى ماخوذا بحسب الحقيقة ام ماخوذا بحسب المجاز، بل ان مجرى السياق والالفاظ الاءخرى قد تبدي من الايحاءات ما هواكثر من ذلك في بعض الاحيان، وهو انها قد تفتح باب الاشارة للمعنى الرمزي للفظ، وذلك بحمل المجال على المجاز واغفال المجال بمعناه الحقيقي، كالذي يمارس في القصص الرمزية، مثل تلك التي يتداولها العرفاء. لكن ما معنى المجال؟ وما علاقته باللفظ والنص؟ |