نص النص ونص نص النص
أولا: في قراءة النص، لدينا ثلاثة عناصر متلازمة،
هي النص والاشارة والتفسير. ومن حيث التمييز بين هذه العناصر، نلاحظ ان النص له
بعده الموضوعي المستقل عن المعرفة، فهو عندما يدخل في حيز المعرفة يتحول الى ما
نطلق عليه اسم «الاشارة»، ومن بعد ذلك «التفسير». ومعلوم ان «الاشارة» هي كشف
عن معنى النص، وان التفسير يزيد عليها بانه يشرح هذا المعنى، فيكون عبارة عن
معنى المعنى. وهذا يعني ان آليات الاشارة والتفسير، وان كانت آليات قائمة على
النص، الا انها من هذه الناحية لا تكشف عن النص بما هو هو في ذاته.
فآليات الاشارة والتفسير الست، على الرغم من انها تقوم على
النص، مباشرة وغير مباشرة، فانها ليست النص عينه، ولا
تتطابق معه بالضرورة، فالنص شطي وفهمه المتمثل بالاليات شطي آخر.
فالنص، بما هو في ذاته، خارج عن حدود المنال الذهني، او
لنقل: ان الذهن لا يتعامل مع الاشياء في ذاتها ما لم تكن من
العلوم الحضورية التي يحضر فيها الشطي بنفسه، بل يتعامل مع
القضايا الخارجية وفاقا للعلم الحصولي الذي ترتسم فيه الصورة
لذلك الشطي، وارتسامها في الذهن هو العلم الحضوري بالصورة،
او العلم الظاهر لذاتنا. ولا شك في ان حضوره لذاتنا يمنعه من
ان يكون ذلك الشطي عينه في ذاته، للاختلاف بين الشيئين في
ذاتهما وذاتنا، حيث ان الاول هو الموضوع الذي عالمه متعين
بالخارج فحسب، وان الثاني هو المعنى الذي عالمه يتحدد في
المجال التصوري للمعرفة، فان احدهما لا يمكنه ان ينقلب الى
الاخر لاختلاف العالمين. والامر لا يختلف من هذه الجهة بين
الموضوع الطبيعي الذي ينتمي الى العالم الكوني، وبين
الموضوع النصي الذي ينتمي الى العالم اللغوي. فالشطي الطبيعي والنص سواء، اذ انهما
معا يحتفظان بكيان الشطي في ذاته. فالنص، بوصفه شيئا في ذاته، يستحيل ان ينقلب الى
ما هو معرفي لذاتنا، لكن ما يحصل هو ان هناك صورة تتجلى في ذاتنا للتعبير عن ذلك
الشطي، سواء تطابقت معه ام لم تتطابق.
والنص، كما هو في ذاته، اشبه بما يقوله العرفاء عن الماهية
والعين الثابتة قبل الايجاد، حيث لا تظهر ما لم تتنور بنور
الوجود من الخارج، وكذلك فان النص لا يظهر بما هو لذاتنا ما
لم يتنور بنور المعرفة، وان الماهية اذا اءخذت من حيث هي
هي، فانها تظل معدومة ما شمت رائحة الوجود، وكذلك النص
اذا اءخذ بما هو هو، او بما هو في ذاته، فانه يظل مجهولا، وشبه
المعدوم لا يشم رائحة الادراك والمعرفة، ومن هذه الخصوصية
نطلق عليه «النص المجهول». فمثلما ان الماهية، من حيث
ذاتها، لا تظهر بمظهر الوجود، فالنص من حيث ذاته، لا يظهر
بمظهر المعرفة والفهم من الاليات الاشارية والتفسيرية. فلولا
المعرفة والادراك ما كان هناك ما يمكن ان نطلق عليه ظاهر
النص او الاشارة، ومن ثم التفسير. وقلنا: ظاهر النص باعتباره
اول ما يتبادر من النص عندالمعرفة، والا فكل آلية عند المعرفة
تتصف بالظهور نسبة الى الذات الكاشفة، حيث تتجلى بالحضور
كصورة ظاهرة او مشهودة، وهي بهذا المعنى تختلف عما
قصدناه من ظاهر النص الذي هو اول تبادر المعنى.
ثانيا: على ان آليات الاشارة يمكن عدها نصا آخر يقوم على ذلك
النص المجهول، وان التفسير هو نص ثالث يقوم على
نص الاشارة. وكلاهما يعبر عن النص المعلوم، اي ان لدينا نصا
مجهولا ونصين معلومين، ومن ثم فان لدينا ثلاثة نصوص
كالاتي:
1- نص كما هو في ذاته، وهو الاساس الذي لا يقبل التحديد
والتعريف من حيث هو هو، اذ لا علاقة له بالادراك والذات
العارفة، وذلك شبيه بما هي عليه الماهية من حيث هي هي، اذ
لا علاقة لها بالوجود.
2- ونص ثان يقوم على ذلك النص باعتبارات الادراك والذات
العارفة، وهو المعبر عنه بالاشارة على اقسامها الثلاثة:
الاستظهار،والتاويل، والاستبطان. فنص الاشارة بهذا الاعتبار
ينشا عن امرين هما: النص المجهول، وذات القارى. والاشارة
بهذا الاعتبار نوع من القراءة نطلق عليها القراءة الاءولى او
الاشارية.
3- ونص ثالث يتحدد بقراءته لنص الاشارة، وهو ما نطلق عليه
نص التفسير، وهو بالتالي يعتمد على كل من ذات القارى،
والنص المجهول.
وهكذا، فان ذات القارى تتسع لقراءتين: احداهما تتعلق بقراءة
النص المجهول فنسميها نص الاشارة، واءخرى تتعلق بقراءة
هذاالنص الاخير فنسميها نص التفسير. او قل: ان لدينا قراءتين،
احداهما هي قراءة للاءخرى، فهناك النص المجهول، وعليه
يقوم نص الاشارة مما نعبر عنه «نص النص»، ومن ثم يقوم على
هذا الاخير نص التفسير الذي هو «نص نص النص».
اذن لدينا نص، ونص النص، ونص نص النص. او قل: لدينا نص،
وقراءة النص، وقراءة القراءة، او لدينا نص، ومعنى النص،ومعنى
المعنى.
وواضح اننا، باستثناء النص المجهول، نتعامل مع قراءتينر
اجتهادين احدهما قائم على الاخر، ما يجعلهما طبقتين
تتفاوتان في البساطة والعمق، حيث القراءة التفسيرية هي
تعميق للقراءة الاشارية، وحيث انه لا وجود للقراءة التفسيرية
من غير الاشارية، وان كان العكس غير صحيح. لكن في كلا
القراءتين نواجه قابلية التعددية. فالتعددية قد تكون اشارية، كما
قد تكون تفسيرية. وفي الاحوال جميعها، لدينا انماط من
التعددية على مستوى القراءتين: الاشارية والتفسيرية، تعود الى
ما لدى الانظمة المعرفية من القبليات المختلفة، وقلما يحصل
الاتفاق بينها. لذلك قد تكون القراءة الاشارية وكذا التفسيرية
عبارة عن قراءة وجودية او معيارية او واقعية.. الخ، وانه لا يوجد
تلازم بين القراءتين التعدديتين، فرغم ان القراءة التفسيرية
قائمة على الاشارية الا ان الاتفاق على هذه الاخيرة لا يلزم منه
الاتفاق على الاءولى. والامثلة على ذلك كثيرة، كتلك التي
يتفق فيها بعض اقطاب النظام الوجودي مع غيرهم في القراءة
على مستوى الاشارة، لكنهم يختلفون معهم في القراءة
التفسيرية غاية الاختلاف، ومن ذلك اتفاقهم، على
مستوى الاشارة الاستظهارية، رغم انهم يختلفون على مستوى
التفسير، فتكون لدينا انماط من التفسير الاستظهاري، ومنه
الوجودي الذي يختلف عن غيره من الانماط الاستظهارية
للتفسير. وسنعرض في ما بعد نماذج كثيرة تكشف عن هذا
الاختلاف. ثالثا: قد يقال: انه اذا كان النص المجهول لا يخضع للمعرفة، وانه عبارة عن ذلك الشطي في ذاته، وان الذي يعرف به هو كلا النصين الخاصين بالقراءتين: الاشارية والتفسيرية، وان هذين النصين او القراءتين يتقومان بالقبلية المعرفية، ويكون السؤال هو: كيف يمكننا الاطمئنان الى ان النصين، او القراءتين، يمكنهما ان يتطابقا مع الاول، او على الاقل يقتربان من المعنى الذي تضمنه؟ لا شك، نحن نعترف بان هذه المسالة معقدة، بل فيها مستويان من التعقيد، فالعلاقة التي تربط نص القراءة التفسيرية بالنص المجهول، هي اشد تعقيدا من تلك التي تربط نص القراءة الاشارية به. والامر واضح من حيث ان القراءة التفسيرية تتضمن الاشارية وتزيد عليها. لكن مع ذلك يمكن القول: انا نواجه قضية هي القضية نفسها التي نواجهها في الكشف عن طبيعة الاشياءالخارجية، حيث ان هذه الاشياء هي ايضا عبارة عن اشياء في ذاتها يستحيل نقلها كما هي في ذهن الرائي، وبالتالي كيف يمكن ان نطمئن بان الصورة الذهنية تعبر عن الحقيقة الخارجية وتحاكيها؟ او على النحو الادنى كيف نسوغ اقتراب الحقيقة بين الحالة التصورية للشطي في الذهن وحالته الموضوعية في الخارج؟
نعم، اننا هنا امام قضيتين متماثلتين، فالموقف من النص كما
هو في ذاته وعلاقته بالصورة الذهنية لدى القارى، هو كالموقف
من الشطي الطبيعي وعلاقته بالصورة الذهنية لدى الرائي، وانه
لا جواب لنا على هذه المشكلة الا بالاحالة الى اعتماد منطق
القرائن الاستقرائية ودورها الايجابي في تنمية القوة الاحتمالية
للتقريب بين الحالتين التصورية والموضوعية، او بين القراءة
والنص المجهول كما هو في ذاته. فنحن هنا نقوم بعملية من
الاستدلال، وكل عملية استدلالية هي عبارة عن اتصال غير
مباشر، فليس لديناما يمكن فعله من الاتصال المباشر في
الكشف عن طبيعة الاشياء الخارجية، او الكشف عما يتضمنه
النص المجهول كما هو في ذاته. اذن يمكننا ان نستدل
بمختلف القرائن الدالة على الحقيقة الموضوعية، سواء كانت
طبيعية ام نصية، وعملية الاستدلال هذه تتخذ السبل
المنطقية التي يمكن فيها التمييز في الكثير من الاحيان
بين الامر الاقرب للحقيقة عن ذلك البعيد عنها.
وللتبسيط، نفترض، مثلا، ان احساسنا قد نقل لنا صورة ذهنية
عن كرة تبدو امامنا، لكنا نشك في وجودها او في كونها شيئا
آخركالقلم والطاولة وغير ذلك. ففي هذه الحالة علينا ان
نتوسط ونتوسل بعدد من القرائن المختلفة لنثبت ما اذا كانت
هذه الكرة حقيقية او وهمية، وكذلك ما اذا كانت بالفعل عبارة عن كرة او انها شطي آخر. ومع اننا بسبب تضخم الخبرات التي
نمارسها في التعامل مع الاشياء الخارجية سوف لا نحتاج عادة
الى الاختبار او المزيد منه، لكنا نفترض كما لو كنا نمارس عملا
استدلاليا اوليا، مثلما هو الجاري في الممارسات الاستدلالية
للعلوم الطبيعية. لهذا فحيث انه من المحتمل ان يكون ما نراه
عبارة عن وهم من الاوهام، كان لا بد من صنع قرينة اءخرى،
كان نتحرك من زاوية أخرى وننظر من خلالها ان كنا سنرى
شيئا ما كالسابق، وكذلك نذهب لنتلمس الشطي الذي نراه، اذ لو
كان وهما بصريا لكان من المستبعد ان نتحسس بلمسه، لذا
فهذا الاحساس يزيد الظن بان هناك شيئا خارجيا يحمل صفات
تبدو انها دالة على الكرة، ولاجل التاكد اكثر يمكننا ان نقوم
بضرب ما لمسناه ودحرجته، كما يمكننا ان ناتي بآخرين ليخبرونا عما يرونه ويلمسونه من
شطي، وكذلك يمكننا ان ناخذ
له صورة «فوتوغرافية» تبين حقيقة وجوده ومعالمه.. الخ. والشيء
نفسه يمكن تقديمه بخصوص العلاقة بين احساسنا
التصوري في القراءة وبين النص المجهول كما هو في ذاته.
حيث يمكننا في النص البسيط، مثلا، ان نجمع العديد من
القرائن الاحتمالية التي يمكنها ان تدعم تقارب الحقيقة
بين القراءة والنص المجهول، بحيث كلما زادت هذه القرائن
قوي احتمال التقارب بينها. وواقع الامر ان اول فعل في القراءة
ينشا هو فعل الظهور المجالي، وانه يمكن الاستدلال على ان
هذا الظهور قابل لان يسوغ القطع الوجداني بالتطابق مع النص
المجهول، وذلك بالقدر الذي ينفي عنه مجال «الخبز والشعير»!
فقوة القطع الوجداني بالتطابق بين المجال والنص المجهول،
هي بالقدر نفسه لقوة القطع الذي نعتقد فيه بابتعاد النص عن
مجال «الخبز والشعير»! فالقطع بهذا المعنى ممكن ومسوغ تبعا
لكثرة القرائن الاحتمالية، وهي نفسها التي تسوغ القطع بنفي
ان يكون للنص اشارة تخص ذلك المجال المستبعد.
او قل على الدوام: ان كل معنى اجمالي لا بد من ان يحظ ى
بالعدد الاكبر من القرائن الاحتمالية مقارنة مع المعنى المحدد
او المفصل،وانه لا مانع من ان نحظ ى بالقطع الوجداني في
التعامل مع النص المجهول بحدود المعنى المجمل، وذلك
عند تضافر القرائن الاحتمالية الدالة عليه. ولا شك في ان من
ابرز مصاديق المعنى الاجمالي هو الظهور المجالي. رابعا: لكن ماذا لو قيل: ان تركيبنا الذهني يرى الاشياء هكذا متسقة، ولو تغير هذا التركيب، كان تتغير طبيعة ما هو عليه الجهازالعصبي مثلا، لكنا نرى النص رؤية أخرى مختلفة؟
في الجواب نقول: ان تغير التركيب الذهني لا يبعث على رؤية
أخرى متسقة، صحيح انه قد تتشوش الرؤية وتضطرب او
تنعدم عند ذلك، لكن من المستبعد تماما ان يؤدي الامر الى
تكوين صورة نسقية. فاحتمالات الحصول على معان متناسقة
وعمومية،بحيث يتفق فيها جميع من شملته هذه الحالة، هي
احتمالات ضعيفة للغاية. وهذا ما يعزز ان رؤيتنا للنص تظل
محصورة ضمن المجال المفترض، وان فيه يمكن ان نقترب من
المعنى الذي يتضمنه النص بحسب القرائن الاحتمالية.
فمعرفتنا كاشفة كالمرآة، مع ما لطبيعة المرآة من دور في
اظهار الصورة المنعكسة، بحيث تتحدد الصورة بفعل الامرين: المرآة والشطي الخارجي،
ولا وجود لهاعند حضور احد هذين الامرين من دون الاخر. فالصورة في المرآة قد لا تعبر
كليا عن الشطي الخارجي، لكنها ايضا تقترب من حقيقته. وهذا يقال
بخصوص النص، من حيث ان ما يحدد الاشارة فيه كالظاهر
مثلا ليس النص في ذاته فقط، بل كذلك القبليات المعرفية
التي تعمل على هذا التحديد، فبفعل الامرين معا يتجلى الظاهر
ضمن المجال.
مع ما يلاحظ من الفارق في القيمة الاحتمالية بين الظاهر
والمجال، حيث لما كان الاخير يعبر عن اقصى حدود الاجمال،
فانه من الممكن ان يكون لذلك مسوغ للتطابق مع ما هو عليه
النص في ذاته، طالما انه يحظ ى بكثرة القرائن الاحتمالية
الدالة عليه. اما من حيث الظاهر او الاشارة فلا شك في ان هذه
القرائن لا تكون بتلك القوة والقيمة اللتين يحظ ى بهما
المجال، الامر الذي لا يسوغ حالة القطع الذهني على التطابق
ما لم يكن ذلك محمولا على المجملات العامة، وذلك للاعتبار
نفسه من التنمية الاحتمالية. فالامر يعودفي النهاية الى ما هي
عليه هذه التنمية من قوة وقيمة، لكنها تتعاظم عند القضايا
المجملة مقارنة مع القضايا المفصلة، ومنه يتبين الفارق بين
القيمتين الاحتماليتين لكل من المجال والظاهر، او ما هو على
شاكلته من انماط الاشارة.
على انه يمكن تشبيه علاقة التطابق في المجال مع النص في
ذاته بالعلاقة بين الوجود والماهية، او النور والزجاجات الملونة،
ذلك ان هذه الزجاجات تظل مظلمة غير متميزة واشبه
بالمعدومة ما لم تظهر من خلال نفاذ النور فيها، وان هذا النفاذ
يظهرها ملونة بالشكل الذي هي عليه. والملاحظ ان النور ليس
بامكانه قلب الزجاجات الى الخبز والشعير، ما يؤكد انه ليس له
الامكانية في تحويل القابليات التي هي عليها الزجاجات، فلولا
هذه القابليات الكامنة ما ظهرت بالشكل الذي تظهر فيه. لكن
في الوقت نفسه فان ظهور الزجاجات بهذا الشكل من الالوان لا
يعبر عن حقيقة ما هي عليه الزجاجات بالكامل، فبفعل النور
والقابليات معا تظهر الالوان والاشكال على النحو الذي تظهر فيه، ولولا النور ما ظهر
من ذلك شطي، وكذلك فلو ان للنور
لونا آخر غير ما كان عليه، لظهرت الوان الزجاجات بشكل
مختلف عما كانت عليه. اذن يظل المجال ثابتا هو هو لا ينقلب
الى مجال الخبز والشعير، وان بدا تاثر الظاهر وماعلى شاكلته
بالقبليات والاذهان.
خامسا: هكذا، فاننا بفكرة المجال نقف موقفا متوسطا بين
اولئك الذين راوا ان من الممكن ان تتطابق قراءتنا مع النص
كما هو في ذاته، وبين اولئك الذين راوا في النص انفتاحا لا
تحده حدود، اي انه قابل للتشكل والانتاج الى ما لا نهاية له من
القراءات والفهم والتفسير بعدد القراء والمفسرين. وهذه النظرية
التي تعود الى عدد من المفكرين الغربيين من امثال غادامير
ودريدا قد تفهم بانها لا تضع حدودا للقراءة والتفسير، وكذلك
لا تضع ميزانا للترجيح بين القراءات المتعددة، لكن على هذا
التصور تصبح النظرية لا تخدم قائليها ان لم تسيج ضمن سياج
منيع، مثل ذلك الذي اطلقنا عليه المجال، فهي نفسها معبر
عنها بالنص، ولو طبقناعلى هذا النص ما يقولونه، لكان من غير
الممتنع ان نقراه قراءة هي على النقيض تماما مما يريدون
ايصاله الينا، وهنا سوف يستحيل ان يكون هناك اي مجال
للتواصل المعرفي. فالتواصل لا يتم الا عبر النص، وحيث ان هذا
الاخير مفتوح، فانه لا مجال لمعرفة ما يراد منه، ولو على سبيل التقريب، ومن ثم يصبح
من العبث ان نكتب شيئا او نقول شيئا، فكل شطي يمكن حمله على الخبز والشعير بلا حدود. ولا شك
في ان فكرة المجال والفهم المجمل والقيم الاحتمالية تبعدنا
عن هذا العبث من التفكير ان اءريد به الانفتاح التام بلا قيود
مقننة مرسومة. القبليات المعرفية وقراءة النص
أولا: علينا ان نوضح اخيرا ان القبليات المعرفية التي
لها علاقة بفهم النص وقراءته هي على اربعة اصناف مختلفة، كالاتي:
1-
القبليات الذاتية: وهي قبليات غير منضبطة، تتاثر بما هي عليه
الذات بمختلف التاثيرات والمتغيرات النفسية
والايديولوجية والعوامل البيئية والزمنية، فمن حيث هذه
التاثيرات تتبنى المعرفة الانتاجية، وكذلك فهم النص. لكن
باعتبار ان هذه القبليات غيرمنضبطة فهي خارجة عن نطاق
بحثنا، وان كنا نعترف باهمية بحث هذا النوع من القبليات.
2-
القبليات الاطلاقية: وهي معارف لا يخلو منها انسان قط،
وبعضها يتوقف عليه النظام المعرفي الانساني برمته. ومن
الامثلة عليهاالمعرفة الخاصة بقانون السببية، ومبدا عدم
التناقض، ومنطق الترجيحات الاحتمالية والضرورات الحسية
وغيرها. ولا شك في ان لهذا النوع من القبليات دوره المميز في
فهم النص، سواء على مستوى الاشارة ام على مستوى التفسير،
فمثلا، كثيرا ما يتحول المجاز الى نوع من الظهور لا التاويل،
بسبب القبلية المعرفية القائمة على الضرورة الحسية، كالذي
مر بنا في السابق.
3-
القبليات العامة: وهي قبليات تغلب على معرفة الناس، لكن من
دون ان يصل فيها الامر الى حد الاطلاق التام، فمثلا، ان اغلب
الناس يتمسكون بظاهر النص استنادا الى ما لديهم من المعرفة
القبلية الخاصة بالدلالة الاستعمالية للفظ على المعنى، فحيث
يكثراستخدام اللفظ وفاقا لمعنى محدد، فان ذلك يشكل ركيزة
ذهنية قبلية يلجا اليها القارى لحمل معنى النص على الظاهر
الذي يتبادرله.
4-
القبليات المنظومية: هذه القبليات هي ما يسلم به القارى
والباحث من انظمة ومناهج فكرية، الامر الذي يؤثر على فهم
النص وقراءته، سواء من حيث الاشارة ام من حيث التفسير،
وعلى هذا النوع من القبليات تتاسس آليات التاويل
والاستبطان.
ثانيا: علينا ان نذكر ونؤكد ان جميع آليات فهم النص وقراءته لا
تتحدد الا بحسب ما هي عليه القبليات المعرفية. ذلك انه من
المحال على الذهن البشري ان يعمل من دون هذه القبليات،
سواء في معرفته للقضايا الطبيعية والخارجية ام في فهمه
للنصوص، ومنهاالنص الديني، وليس ذلك الا لان المعرفة
الخاصة بهذه القضايا هي معرفة حصولية لا حضورية، اي انها
تحتاج الى الوسيط المعرفي الذي يتوسط بين القضية الطبيعية
او النصية وبين الذهن البشري. وما هذا الوسيط سوى القبليات.
فحتى الاشارة الظاهرية لا يمكنها ان تستقل في الظهور من غير
ان تتحدد سلفا ببعض من تلك القبليات، وبالتالي كان من
الممكن ان يتفاوت الظهور ويتعدد الظاهر تبعا لاختلاف هذه
القبليات. فالظاهر لا يكون ظاهرا الا من حيث ظهوره للاذهان.
وهذا الظهور لا يتشكل الابفعل الرؤية القبلية التي تراه مشخصا
بالظهور، وذلك مثل رؤية العين التي ترى امامها شيئا فتصفه
بانه قلم اسود وليس احمر اواخضر، وانه ليس كتابا او طاولة.
لكن حيث ان الاذهان قد تختلف في قبلياتها باعتبارات كثيرة،
فلهذا قد يرى بعضها شيئا بانه ظاهر غير ما يراه بعضها الاخر.
ومن ذلك انه يمكن للنظام المعرفي ان يلعب دوره المتميز
في تحديد الظاهر.
فمثلا، ان صدر المتالهين راى، في قوله تعالى: (انك ميت
وانهم ميتون)، الظاهر والحقيقة عينهما بلا حاجة لتوجيه،
كالذي يذهب اليه بقية العلماء والمفسرين، وان ما جعله يرى
في ذلك النص نصا دالا على الظهور والحقيقة، هو قبلياته
الوجودية، وعليه قام بتفسير النص تبعا لهذه القبلية التي
تعترف بالحقيقة اللفظية الظاهرة، مؤكدا انه في كل وقت من
اوقات الحياة الطبيعية هناك موت وبعث ونشر وحشر الى الله
تعالى، فهناك رقي من نشاة الى نشاة اخرى، ومن مقام الى
مقام آخر، فالموت هو التحول والكمال في النشآت((138))،
في حين ان غيره من العلماء الذين ينتمون الى نظام معرفي
آخر مغاير، لا يرون النص دالا على هذه الحقيقة، وان الذي
جعلهم يذهبون الى ذلك هو ايضا يعود الى القبلية المعرفية،
وبالتحديد القبلية الحسية التي ترى ان النبي(ص) والاخرين
عند الخطاب بهذا النص كانوا احيباء وليسوا موتى.
وعلى هذه الشاكلة اخذ العرفاء بالظهور الحقيقي لقوله تعالى: (كل شطي هالك الا وجهه)
[القصص/88]، وقوله: (كل من عليها
فان
-
ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام)
[الرحمن/26 و27]،
اذ بفعل القبلية الوجودية يؤخذ النصان على الظهور
الحقيقي للفظة الهلاك والفناء من غير توجيه، وذلك تبعا
لنظرية وحدة الوجود، حيث لا وجود لغير الله ازلا وابدا، مثلما
قيل: «الباقي باق في الازل، والفاني فان لم يزل»((139)).
وبالتالي فان المعنى هو ان كل شطي هالك وفان حقيقة، وفي
كل حال، الا ان الهلاك والفناءعند الم آل كما هو الظاهر بحسب
القبلية الحسية.
كما انه من الامثلة على تعدد الظاهر تبعا لاختلاف القبليات
المعرفية، ما جاء في الكشف عن قوله تعالى: (وما ظلمناهم
ولكن كانواانفسهم يظلمون)[النحل/118]، فظاهر النص قد
يعني ان النفس هي التي سبق لها الظلم، وذلك اشارة الى
العين الثابتة مثل الذي يذهب اليه العرفاء ضمن النظام
الوجودي، وكان المعنى يقول: ان نفوسهم المتمثلة بحقائق
طبائعهم واعيانهم هي التي تظلم،فاليها تعود الحاكمية
والجبرية
((140))، كما قد يكون المعنى هو ان نفوسهم هي
التي تظلم وليس اعيانهم الاصلية. ولا شك في ان الظاهر كما
قد يتشكل بالمعنى الثاني، فانه قابل لان يتشكل بالمعنى
الاول، مثلما تحدده القبلية الوجودية. كذلك قد يرى
بعض المفسرين ان لظاهر قوله تعالى: (قل كل يعمل على
شاكلته) «الاسراء/84»، صفة ارشادية لتوجيه الافراد للعمل
بحسب ما يؤدونه من طريقة. لكن، لدى التصور الوجودي فان
ظاهر هذا النص لا يشير الى تلك الصفة الارشادية، وانما يشير
الى حقيقة ما هم عليه الافراد، حيث كل فرد يعمل بحسب ما
هو عليه من الاستعداد والحقيقة الاصلية، وذلك اشارة الى
الاعيان الثابتة، فالمعنى من حيث التفسير هو ان كل فرد لا بد
من ان يسير تبعا لما يقتضيه الاصل والشاكلة التي هي عليه
ماهيته او عينه الثابتة، وكل ميسر لماخلق له مثلما جاء في
الحديث النبوي((141)).
ومن ذلك، ايضا، ان تحديد الظهور في الحديث النبوي القائل:
«خلق الله آدم على صورته» يخضع تبعا لما هو عليه مثل
تلك القبلية، فالهاء يمكن ان تؤخذ ضميرا يعود الى الله، كما
يمكن ان تؤخذ ضميرا يعود الى آدم، وكلا الامرين يقبل
التعيين، ولا شك في ان تعيين احدهما من دون الاخر يمكن ان
يتاثر بما هي عليه المنظومة المعرفية. لذلك فان اصحاب
النظام الوجودي لا يعولون على ارجاع الضمير الى آدم، بل
يذهبون الى ارجاعه لاسم الجلالة، وهم بذلك يستندون الى ما
هي عليه قبلياتهم الوجودية.
هكذا فتحديد دلالة النص، ان كانت تتشكل بحسب الحقيقة
والظهور، او بغيرها، لا يمكن ان يستقل عما هي عليه القبليات
المعرفية المختلفة. ومن ثم فان ظاهر النص قد يتحدد بحسب
ما هو عليه النظام المعرفي، او ان هذا النظام هو الذي يعمل
على تشكيل الظاهرالى الدرجة التي يكون فيها متعدد الصور
والاشكال، مثلما هي الحال في توقف الصورة الظلية على
طبيعة المرآة التي تظهرها.
ويمكن القول: من الاولى ان ينطبق ذلك على سائر انماط
الاشارة الاءخرى التي من الواضح انها تتاثر في غالبيتها بطبيعة
ما هوعليه النظام المعرفي. وايضا انه اذا كان الامر يصدق على
نص القراءة الاشارية فانه من الاولى ان يصدق الامر على نص
القراءة التفسيرية، باعتبارها قائمة على الأولى ومترتبة عليها.
فمثلا قد نجد حالات يتفق عليها المفسرون من حيث الاشارة
والظاهر، لكنهم يختلفون فيها من حيث التفسير، وذلك تبعا
لاختلاف منظوماتهم القبلية.
فمثلا يتفق المفسرون على ظاهر قوله تعالى: (كما بداكم
تعودون)[الاعراف/29]، من حيث ان الخلق كما بدا سيعود،
لكنهم يختلفون في تفسيرها، فهي بحسب نظر بعض اقطاب
النظام الوجودي دالة على ان الخلق مثلما بدا من العقل
فالنفس ثم الجسد، فان العودة ستكون على العكس من الجسد
فالنفس فالعقل، كالذي اختاره صدر المتالهين((142)). ولا
شك في ان هذا تفسير لا يوافق عليه اءولئك الذين لا ينتمون
الى النظام الوجودي. كذلك اننا قد نتفق من حيث الاشارة
الظاهرية على معنى الاية القرآنية التي تقول: (وما رميت اذ
رميت ولكن الله رمى)، فالمعنى المفهومي قد يكون متفقا عليه
بين العديد من المذاهب والاتجاهات، الا انه من حيث العلاقة
المصداقية، او المعنى التفسيري، يجد المجال الاعظم في
الاختلاف بين المفسرين بحسب ما تؤول اليه
قبلياتهم المعرفية. لذلك نجد في التفاسير الوجودية للعرفاء
الكثير مما يتفقون به مع غيرهم من حيث الظاهر او الاشارة، الا
انهم يختلفون في التفسير اختلافا عظيما تبعا لاختلاف انظمتهم المعرفية. فمثلا، نجد
لابن عربي محاولات عديدة للحفاظ على الظهور اللفظي للنص، لكنه، من حيث التفسير،
يذهب الى ما لا يذهب اليه الاخرون من ذوي الاتجاهات
الأخرى رغم اتفاقهم على الاخذ بذلك الظاهر. ومن ذلك ما
جاء في استظهار قوله تعالى: (ان الذين يبايعونك انما يبايعون
الله)
[الفتح/10]، وقوله: (من يطع الرسول فقد اطاع الله)
[النساء/80]، حيث الظاهر معلوم، وهو ان مبايعة النبي(ص) هي
مبايعة لله عز وجل، وان طاعة الاول هي طاعة للاخر،
فهذا
المعنى هو موضع الاتفاق بين العلماء، لكن من حيث التفسير
فان القبلية الوجودية لدى ابن عربي تجعله لا يرى
الثنائية الظاهرة بين النبي(ص) والله عز وجل، انما الموجود
واحد، وهو الله المتعين بحسب الصورة المحمدية، وبالتالي فان
مبايعة النبي(ص)، وكذا طاعته هي نفسها مبايعة الله عز وجل
وطاعته، حيث لا وجود لغيره. وعلى هذا كان من الميسور ان
يستظهر هذاالعارف المعنى الحرفي للحديث النبوي القائل:
«من رآني فقد راى الحق»، ذلك ان ظاهر الحديث بين في
كشفه عن التلازم بين الرؤيتين، لكن تفسير ذلك عنده نابع من
ان رؤية النبي هي نفسها رؤية الله عينها، فمن حيث ان هذا
الاخير متعين بالصورة المحمدية مثلما انه متعين بغيرها من
الصور فهو النبي عينه، لذلك فمن راى النبي فقد راى الله،
مع ان هذا الحديث قد وجدتفسيرا آخر بحسب نظرية
المشاكلة، بعيدا عن وحدة الوجود الخاصة بابن عربي، وذلك
تبعا لمشاكلات الوجود، كالذي يبديه صدر المتالهين ومن قبله
الغزالي، والمعنى بحسب هذا التفسير هو ان النبي(ص) عبارة
عن مظهر من مظاهر الذات الالهية، حيث انه مثالها الاعظم،
ولذلك فمن رآه فقد راى الحق، استنادا لهذا النوع من
المشاكلة، فمثله كمثل الذي يرى الصورة في المرآة
ويظنهاحقيقة الشخص لا صورته((143)).
وعلى هذه الشاكلة اتفق ابن عربي مع غيره من المفسرين على
المفهوم الظاهر من قوله تعالى: (يا ايها الناس انتم الفقراء الى
الله)«فاطر/15»، لكنه اختلف معهم في تفسير العلاقة
المصداقية للفقر بين الله والناس، ذلك انه راى ان الفقراء هم
الذين يفتقرون الى صور الاسباب التي هي عين الله، او انه المتجلي فيها. فهم اذن
يفتقرون الى الله في كل شطي، وليس الى غيره حيث لا وجود للغير،طالما ان الله ظاهر
في كل شطي((144)).
هكذا اذن تتحدد القراءات وتتغاير، سواء على مستوى الاشارة ام
على مستوى التفسير، وذلك حسب المرايا التي هي
عليهاالقبليات المعرفية، وعلى راسها القبليات المنظومية. د. علي التميمي الرؤية المعارضة لنظرية الامامة
تمثلت الرؤية المعارضة لنظرية الامامة، في القرن الخامس الهجري، في اتجاه معرفي
ومشكل ثقافي، عبر عنهما الشاعر ابو العلاء
المعري حين قال:
زعم الناس ان يقوم امام
وهذه ليست المعارضة
الوحيدة التي صدرت عن ابي العلاء المعري، وانما له غيرها
من المعاكسات، لعل اشهرها تلك التي تتخذ من اذان المؤذن
في المنارة والمسجد الاسلامي ودقات الناقوس في الكنيسة
النصرانية موضعا لشكه في الصحيح منهما، والذي يعرف حالة
الشك التي كان عليها ابو العلاء المعري، ويعرف اتجاهه
الفلسفي، لا يستغرب ولا يدهش وهو يطالع رايه هذا في
الامامة، انما الحديث ياخذ درجة من الجد عندما نجد كاتبا
ومفكرا معاصرا مثل الدكتور زكي نجيب محمود وهو يتخذ من
امثولة ابي العلاء المعري الشعرية مدخلا للحديث عن الامامة
والعصمة ونظريتهما، متسائلا، وهو في باب الحديث عن تحديث
الثقافة العربية: هل ان نظرية الامامة لا تفرز الكتيبة الخرساء؟
وهل ان المتحدث الوحيد فيها هو الامام المعصوم؟ يقول د.
زكي نجيب محمود عن ذلك ما ياتي:
«لكن هنالك مذاهب اسلامية تبني على اساس نظرية خاصة
في الامامة، لا سيما عندما يكون الحديث منصبا على ما تزعمه
تلك المذاهب من امام منتظر يظهر بعد اختفاء، فيظهر الحق
على يديه، وايا ما كان الامر بالنسبة الى ذلك الامام المنتظر،
فقد اكتسبت فكرة الامامة قوتها منذ صدر الاسلام، وذلك حين
نشا السؤال عمن يكون له الحق في تفسير ما استعصى على
الناس تفسيره من آيات الكتاب الكريم، ولم يكن ثمة موضوع
لسؤال كهذا ايام الرسول عليه الصلاة والسلام، لانه كان المرجع
الفاصل في ذلك، ولكن ماذا بعد موت الرسول(ص)؟ قال
قائلون: انه كما نزل القرآن الكريم وحيا على النبي عليه الصلاة
والسلام، فلا مفر من ان ينزل تفسيره وحيا كذلك، لان التفسير
اذا ترك للاجتهاد، فقد تتعدد اتجاهاته، وبهذا التعدد تكثر صور
الاسلام بين المسلمين، لكن من ذاالذي يتلقى الوحي بالتفسير
كلما استعصى امر بين المسلمين؟ هنا كان الجواب عند هؤلاء:
ان من ينزل عليه مثل هذا الوحي لا بد من ان يكون اماما
معصوما، ولمثل هذا الامام الملهم بوحي من الله سبحانه
وتعالى، تكون احقية الخلافة واحقية الحكم».
ثم يستطرد الدكتور زكي نجيب محمود قائلا:
ومن هنا اشار ابو العلاء المعري في بيته بقوله: «الكتيبة
الخرساء»، فهنالك قائد واحد هو الناطق، واما ما عداه من عباد
اللهفجمهور اخرس؟».
ولم يكتف الدكتور نجيب محمود بهذا الاستعراض المنكر لامر
الامامة، ولكنه حشر معها نقطة اخرى، اذ قال:
والذي يقرا تلك الفقرات السابقة يظن ان الدكتور زكي نجيب
محمود يضع رايه الى جانب راي ابي العلاء المعري، واهتمامه
بوضع المقابلة بين العقل والامام فاصلا بينهما في التقديم
والشرح، ما يوهم بان الدكتور محمود قد استقر عنده هذا الراي،
والامر ليس كذلك؟... اذ لو استمر القارى في قراءة البحث
نفسه، للاحظ ان د. محمود يتجه، في آخره، بالضبط الى
مناقشة مسالة الجمهوروقضية التعليم والمواهب، ضاربا امثلة
بالقصور الذاتي، مستفيدا من نظرية نيوتن في حركة الاجسام
المادية، منتهيا الى ان اهمية المعرفة والتعليم تكمن في فرز
الموهبة، وان صاحب الموهبة هو الذي يستحق العناية الخاصة،
وهو الذي يؤدي الى احداث التغييرفي المجتمع، او في الكتلة
البشرية، مبينا انه لا اعتراض على تمتع بعض الناس بالمواهب
الخاصة الممنوحة من قبل الله تعالى وبالتالي فهو يرد على ما
ذهب اليه ابو العلاء المعري في شان تسمية الكتيبة الخرساء،
مدعيا انها مجموعة من الناس الخرس الذي جمدوا العقل وراحوا ينتظرون ايماءة الامام
فقط في كل شطي، وهم في حالة
الكسل والاسترخاء. بهذه الصورة شوه ابو العلاء كتلة الجمهور
المنتظمة التي عرفت حدود العقل، وفهمت دور الدين، ومن
يستطيع ان يوزع ذلك الدور السماوي الذي نظمه الدين
والذي اريد له تفجير طاقة الجمهور من الناس، وحسنا فعل
الدكتور زكي محمود، وان لم يكن استطراده الفكري واضحا
للوهلة الاولى،فالذي يقرا تلك المقاطع التي نقلناها يظن انه
يضم صوته الى صوت ابي العلاء، وهو ليس كذلك كما قلت قبل
قليل، اذ انه يقول:
«اذن فالكتيبة الخرساء» التي اشار اليها ابو العلاء، وان تكن
خرساء في مجموعها، الا ان منها هي قد يخرج فرد «ناطق»، وان
ماينطق به ليزداد ارتفاعا في الصوت وانتشارا في الارجاء حتى
يبلغ من الناس مبلغه، فياخذ الجمهور عندئذ في التحول عن
قديم نحو جديد، على ان الينبوع الدفاق الذي استقى منه ذلك
الابن الناطق من ابناء الكتيبة الخرساء انما هو تلك الكتيبة
الخرساءنفسها، والفرق بينها: هي في خرسها وبين ابنها
الموهوب الذي ارتفع صوته، هو الفرق بين من يكتم الالم ومن
يبوح، او بين من يخفي آماله ومن يفصح عنها ويعلنها؟ وكانه هو
نفسه الفرق بين كتاب في جماعة امية لا تقرا المسطور على
صفحاته؟ فيظل ذلك المسطور رموزا مكتومة الصوت، حتى يقيض الله لتلك الاصول نفسها
ابنا من ابنائها؟ فيقرا لهم كتابا بصوت مسموع»((147)).
وبمقدار ما اظهر الدكتور زكي محمود من استنتاج جيد
وذكي، فان الحديث وما ترتب عليه من تشعبات ترك في ذهن
القارى صورة سلبية عن دور الامام وعن المقابلة بينه وبين
العقل، لا سيما ونحن في وسط اسلامي ارتبكت رؤاه الى هذا
الموضوع الحساس والمهم في حياتنا الثقافية، فلعوامل
ومداخلات كثيرة هجرت هذه الرؤيا العميقة الى نظرية الامامة،
واريد لها ان تتنحى عن حياتنا،وعبادتنا وثقافتنا الخاصة، ويبدو
لي ان التعامل غير المكترث باهمية هذه النظرية وخطورتها هو
الذي اضعف مولدات القوة والتماسك والتطور في حياتنا
الثقافية ومركزيتها بين الثقافات الاخرى، لانه مهما سادت من
اجواء الفوضى واضطراب النظريات،وتصاعدت اصوات الداعين
الى خصوصياتهم، فليس امام المجتمع البشري في النهاية الا
الوصول الى شواط ى هذه النظرية والارتواء من ينبوعها الدافق،
نقول هذا لا من باب المبالغة والتحزب لراي، وانما من باب
الحرص الشديد على مستقبل المنظومة البشرية وقراءة افق
المستقبل وحيثية المسير وطبيعة الفطرة البشرية.
واذا كانت معارضة ابي العلاء المعري لنظرية الامامة قد جاءت
في القرن الخامس الهجري، فانها لم تكن الاولى على كل
حال،
فالمعارضة التي ظهرت قبل ذلك واضحة ومعروفة في
اسبابها وعواملها والظروف التي احاطت بها والنتائج التي
وصلت اليهاواوصلت الامة معها؟ ولم تكن الاخيرة كذلك، فقد
نسبت الى نظرية الامامة في العصر الحديث اقوال اقل ما يقال
عنها: انها لم تكن موضوعية ولم تات بجديد، فقد اراد بعضهم
ان يقول: انها تؤدي الى اقرار وراثة الحكم وان نظرية وراثة
الحكم هي نظرية فارسية؟!كان الفرس هم الوحيدون الذين
مارسوا وراثة الرئاسة في نظام الدولة القديم، وهذه مدونات
التاريخ القديم والوسيط والحديث جميعها تروي لنا انتشار هذه
الظاهرة في اغلب انظمة العالم. ثم لماذا نذهب بعيدا، الم تكن
الدولة الاموية التي اغتالت نظرية الامامة والدولة العباسية من
اقرب الامثلة على الدول التي قامت على قاعدة الوراثة في
الحكم، بحيث اصبح حال اولئك الذين رفضوا نظرية الامام
المعصوم مصداق القول المعروف: «رمتني بدائها وانسلت!؟». الامامة والعقل: اشكال معرفي
ونعود الى موضوع الامامة والعقل فنرى انه يرسم اشكالا معرفيا،
لا سيما اذا اخذنا بعين الاعتبار قدم نظريات المتكلمين
من جمهور المسلمين، والتي نشات عنها المذاهب المعروفة
كالاشعرية والمعتزلة والعدلية، فالمقابلة المفرطة في العرض
بين الامامة والعقل، كما اشار اليها الدكتور زكي نجيب محمود
في معرض الحديث عن الابيات الشعرية لابي العلاء المعري،
كانت تحتاج بحدذاتها الى بيان مفصل عن موقع العقل ودوره
في نظرية الامامة، وكيف تنظر وينظر المعصوم الى العقل،
وهي نظرية الاسلام نفسها، في العقل، ولان الدكتور محمود لم
يكن في صدد امر كهذا كما يبدو من خلال استطراده في
الدراسة، لذا نرى من الواجب والانصاف للقارى ولاعطاء الثقافة
المعاصرة طورا من التحديث، مع المحافظة على الركائز
الاساسية في الفكر العقدي وحتى نضع القارى والمتتبع
والباحث في مجرى التفكير الاسلامي ومفرداته تجاه العقل
واهميته في نظرية الامامة، نحاول تسليط الاضواء اولاعلى
تعريف العقل في الفكر الاسلامي. تعريف العقل في الفكر الاسلامي
جاء، في كتاب التعريفات للشريف علي بن محمد الجرجاني، ما ياتي:
العقل: ما يعقل به حقائق الاشياء، قيل: محله الراس، وقيل:
محله القلب. العقل: ماخوذ من عقال البعير، يمنع ذوي العقول
من العدول عن سواء السبيل، والصحيح انه جوهر مجرد يدرك
الغائبات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة((148)). اما الفلسفة الاسلامية، ولا سيما المنهج الفلسفي الذي ينطلق من الايمان بمباني نظرية الامامة في الحكم والعصمة في الولاية، فقداهتمت بالجانب العقلي اهتماما واضحا، وافردت لهذا الباب مبحثا خاصا سمته «في العقل والعاقل والمعقول». والعقل، وان كان يطلق على الادراك الكلي، الا انه اخذ في مبحثه العلم وانقسامه الاولي والعقل ومراتبه التي قسمت الى اربع مراتب هي:
1-
العقل الهيولاني: وهو كون النفس خالية من جميع المعقولات،
وذلك لخلوها من جميع الفعاليات.
ولهذا كان المنحى التربوي الاسلامي يلمح الى ان يكون
المجتمع الاسلامي يمتلك الدرجة الثالثة من درجات العقل
بالمعنى الفلسفي كحد ادنى، وان يتمتع اغلب افراده بالمرتبة
الرابعة كحد اقصى، وهو طموح مشروع لمجتمع يراد له ان
يحمل رسالة التغيير وفاقا للهداية الربانية، فالمجتمع الاسلامي،
ومن خلال المفردات التربوية لنظرية الامامة، انما هو مجتمع
العقل بالفعل،
والعقل المستفاد والعقل الواعي العارف
لمسؤوليته الكونية، والباحث عن النظريات، فهو عقل عملي،
وليس عقلا سكونيا جامدامتكئا على وصاية العصمة، كما ادعى
ابو العلاء المعري، وكما قد يصور لبعضهم ممن لم يتعرفوا على
المقام المعرفي للعقل في الثقافة الاسلامية ودوره في تطوير
المجتمع والحياة. الاهتمام الاسلامي المبكر بالعقل
وحتى نلقي مزيدا من الاضواء على مفردات التفكير الاسلامي
ودور العقل في بناء المشروع المعرفي، نحاول، وباختصار،
تسجيل بعض المقاطع التي تكشف عن الاهتمام المبكر
بالجانب العقلي من الحياة الانسانية الذي اشاد الاساس الذي
قامت عليه مباني الفلسفة الاسلامية في ما بعد..
فمن مواعظ الرسول الاكرم محمد(ص) وحكمه نغترف ما ياتي:
وقال(ع): «تعلموا العلم، فان تعلمه حسنة، ومدارسته تسبيح،
والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لاهله
قربة،لانه معالم الحلال والحرام، وسالك بطالبه سبل الجنة،
ومونس في الوحدة، وصاحب في القربة، ودليل على السراء،
وسلاح على الاعداء، وزين الاخلاء، يرفع الله به اقواما يجعلهم في
الخير ائمة يقتدى بهم، ترمق اعمالهم، وتقتبس آثارهم، وترغب
الملائكة في خلتهم، لان العلم مياه القلوب ونور الابصار من
العمى وقوة الابدان من الضعف، وينزل الله حامله منزلة الاحياء
ويمنحه مجالسة الابرار في الدنيا والاخرة.
بالعلم يطاع الله ويعبد، وبالعلم يعرف الله ويوحد، وبه توصل
الارحام ويعرف الحلال والحرام، والعلم امام العقل.
والعقل يلهمه الله السعداء، ويحرمه الاشقياء، وصفة العاقل ان
يحلم عمن جهل عليه، ويتجاوز عمن ظلمه، ويتواضع لمن هو
دونه،ويسابق من فوقه في طلب البر، واذا اراد ان يتكلم تدبر،
فان كان خيرا تكلم فغنم، وان كان شرا سكت فسلم، واذا
عرضت له فتنة استعصم بالله وامسك يده ولسانه، واذا راى
فضيلة انتهز بها، لا يفارقه الحياء، ولا يبدو منه الحرص، فتلك
عشرة خصال يعرف بها العاقل»((151)).. بهذا البيان المعرفي يفتتح رسول الله(ص) الكلام على العقل، وهو الذي لا ينطق عن الهوى، ان هو الا وحي يوحى، كما اخبرنابذلك العلي العظيم في كتابه الكريم. وان القارى المتتبع لما قيل عن اهمية العقل والعلم من قبل جميع من اشتغلوا في الحكمة قديماومن ايام ارسطو وافلاطون وفرفريوس الى آخر معاصريهم، من اهل الملل والنحل المختلفة، لما وجد احدا منهم قد بلغ هذاالمستوى من البيان الرائع وهذا المشروع العلمي الثقافي العذب الذي جاء على لسان نبي الرحمة للعالمين، وهو يعظ الجميع، ويبين دور العلم ومقام العقل، فلو ان خبراء التربية وعلماء علم الاجتماع واساتذة الطب النفسي ارادوا ان يضعوا صياغة علمية حضارية لدور العلم ومقام العقل، في تنظيم المجتمع الانساني، وتجردوا على كل ما يحيط بهم من ظروف سياسية واعلامية وعقدية، لما وجدوا اتم واصلح واصوب من هذا المنهج العلوي الذي قدمه رسول الله(ص)، والذي تتضح من خلال كيفية التناسق بين البناء الدنيوي واعمار الحياة الاقتصادية واصلاح شان الناس في هذه الدنيا مع سلامة النتيجة في الاخرة، وحصول مرضاة الرب التي ليس دونها واغلى منها من هدف يرنو اليه الانسان العاقل بكل ما لهذه الكلمة من معنى، وهل هناك من تكريم ابلغ واروع من ان يجعل الاسلام على لسان نبيه الكريم ان العلم امام العقل؟ امامة العلم للعقل
امامة العقل ثم ماذا يمكن ان نستنتج من هذا الجعل، ومن هذا التشخيص الذي وضعه الرسول الكريم محمد(ص)، وماذا تعني هذه الولاية التي اعطاها الرسول الكريم(ص)؟ ونصبها في الخط المعرفي الاسلامي؟ وبماذا تمتاز من غيرها؟ |