اول ما يمكن استنتاجه من هذا المشروع المبارك هو ان العقل،
الذي قسمته الفلسفة الاسلامية الى اربعة اقسام، يمكن ان
يظل الفرد
احيانا، او المجتمع احيانا اخرى، اسير مرتبة متواضعة
من مراتبه، كان يكون في مرتبة العقل بالقوة او العقل في
مراتب اخرى متدنية، فهو على كل حال عقل، ولكنه لا يمكن ان ينهض بالمسؤولية المنوطة
بالانسان على وجه هذا الكوكب، ولا يمكن ان يعطي الكتلة الاجتماعية، او سمها كتلة الجمهور،
القدرة على الحركة والتغيير. ان اولى سمات التطور التي
مارسها الانسان انما كانت بفعل القدرة العقلية التي ائتمت
بالنظرة العلمية وبالحس العلمي، ورب سؤال يقفز هنا الى
ذهن بعض من يقرا هذه المقالة عن امامة العلم للعقل مفاده:
هل العقل قبل العلم او العلم قبل العقل؟ ويبدو ان الامر اذا اخذ
منحى فلسفيا فسوف نبتعد عن الغاية المرجوة من هذه المقالة،
وهي استحداث جسور فكرية من خلال الحس الثقافي المعاصر
للوصول الى قراءة مفردات نظرية الامامة على انها من انجازات
العقل الراشد، وبها، من ثم، وببركتها وضع النصاب الكامل
للمنهج العقلي في رحاب الثقافة الاسلامية، وربمايمكن
الاستعانة بمثال من مراسيم الصلاة لدى جمهور المسلمين،
فالامام الذي يتقدم المصلين ليؤمهم في الصلاة انما هو
واحدمنهم، اي انه جزء من الجمهور الذي يسعى الى اداء
الصلاة، وان كانت هناك شروط ومواصفات تخص الشخص
المؤهل لامامة الناس بالصلاة، ولعله من المفيد والمناسب ان
نذكر هنا ان من مواصفات امام الصلاة ان يكون متمتعا
بالاعلمية، اي لديه من العلم بالموضوع ما يؤهله لان يتقدم على
الاخرين، فالامامة هنا، مع المحافظة على الشروط الاخرى، انما
هي امامة العلم لجمهورالمصلين، اذا نظرنا الى هذا الجمهور
من زاوية الدرجة العلمية لا من زوايا ونظرات اخرى، اي اننا
عندما ننظر الى كتلة الجمهورالذي يسهم في اداء فريضة
الصلاة، وهي فريضة عبادية ولكنها قائمة على العلم، العلم
الذي يتدرج من الالمام بمفردات الصلاة ومقدماتها وضوءا
وطهارة واجزاء واركانا ومكانا وجهة ونية واتصالا بالله سبحانه
وتعالى ومعرفة باحوال الناس، الم يقل الرسول محمد(ص):
«بالعلم يعبد الله، وبالعلم يطاع الله ويوحد»، ومما تنبغي الاشارة
اليه هنا، ونحن نكرر اسم العلم، انما هوما يخص اطلاق العلم
على الفعل والانفعال والاضافة، كالتعليم والتعلم والعالمية،
فهذا الاطلاق من زاوية الاصطلاح الفلسفي للعلم انما هو من
باب التجوز، او على سبيل الاشتراك((152)).
فالعلم ينظر اليه، عند اهل الحكمة، على انه وجود غير مادي،
فقد ذهب الحكماء الى ان العلم عبارة عن هوية شخصية
بسيطة غيرمتدرجة تحت معنى كلي ذاتي، كما ذكر ذلك
مجدد الفلسفة الاسلامية صدر المتالهين، فالعلم عنده يعد
تقسيم المعلوم عينه،لاتحاده مع المعلوم اتحاد الوجود مع
الماهية، فعلى هذا قسم العلم الى: 1- ما هو واجب الوجود بذاته، وهو علم الله تعالى بذاته الذي هو عين ذاته بلا ماهية.
2-
ما هو ممكن الوجود بذاته، وهو علم جميع الامور، ما عدا الله
سبحانه وتعالى، وهذا ينقسم الى ما هو: وبقيام هذه الاعراض (اي العلوم)، في النفس، واتحادها بها، تتعين وتتشخص امامة العلم للعقل، لان اتحادها بالنفس يجعل منهاجوهرا، لان النفس من الجواهر الاولية، فعندما ناخذ بنظر الاعتبار ان العلم الذي اراده الرسول محمد(ص) ان يكون علما رائداواماما للعقل انما هو ذلك العلم الذي لا يقتصر على العلم الحصولي المكتسب فحسب، ولا على ذلك العلم الذي تشمله دائرة الاضافة والانفعال فقط، وانما هو ذلك العلم الصادر عن بركة العلم الفعلي الذي علم الله تعالى بذاته، فباجتماع شلال مفردات العلم اللدني مع تيار المعلومات المكتسبة التي تتحرك في افق النفس يتولد عن ذلك وجود علم ياخذ دور الريادة والتوجيه، من خلال ملكات العقل الادراكية، فالعقل، بوصفه قوة متحركة انما يتحرك طبقا لما لديه من مفردات علمية، فان كانت على درجة من الكمال والرقي جاءت التصرفات في الخارج والاحكام ومختلف انواع السلوك بما يجعل المجتمع يندفع في سلم الرقي والتطور، مع وضوح معالم الاتزان والتماسك وشيوع ظاهرة الفضيلة. بهذا يمكن ان نفهم امامة العلم للعقل، كما تكون جودة البنزين الذي بوساطته تتحرك العجلة وتواظب الماكينة على العمل، وطبقا لتلك المواصفات تكون طبيعة الحركة كذلك، فان كان البنزين من نوع ممتاز، خاليا من الشوائب، كانت حركة المحرك بشكلها المثالي، والعكس صحيح، ولولا البنزين لما اشتغل المحرك، ولا دارت آلاته مهما كانت درجة صنعه متقنة؟! فكانما مقام الوقود هنا هو مقام الريادة والقيادة، وان كانت الصورة المتخيلة عند الناس ان المحرك هو الذي يديرحركة السيارة مثلا، ومن المفيد ان ننبه الى مسالة اخرى تتمثل بالسؤال الاتي: هل اراد الرسول(ص) بالعقل هذا الجوهر المذكورفي مباحث الفلسفة اصطلاحا، او اراد الدماغ بشكل عام بما فيه من تلافيف وانسجة خاصة وفصوص معروفة في التشريح الطبي؟ يبدو ان الثاني هو الارجح، وان كان الاول هو الظاهر، فالتفسير الذي قدمناه يتناسب وطبيعة المعنى العميق، وان كانت تبدو في الظاهر بعض المفارقات بين العرض والجوهر على سبيل المثال، وبما ان الجوهر اكمل من العرض فبهذا الفهم الفلسفي لا يصلح العلم ان يكون اماما للعقل، هذا اذا راى بعضهم ان العلم المقصود هنا هو العلم الذي يقع في دائرة الممكن، وفي قسم العرض من الممكنات، فعند ذاك يصح هذا الاشكال ونحتاج معه الى اجابة قد لا تكون ولادتها متيسرة؟
ومرة اخرى، نحب ان نذكر بعدم الخلط بين التداول اليومي
المعاصر لمصطلحي العقل والعلم، وانما ينبغي الرجوع
الى خصوصية الاصلاح والوقوف على ابعاده ومواصفاته، وما يراد
منه بالمعنى الاخص للموضوع الذي يخصه، اذ يلاحظ في
ايامناهذه ان هناك خلطا كبيرا يفسد الافهام احيانا من جراء
عدم التاني في استعمال المصطلحات واستخدام كل مصطلح
لما وجد له لغويا وعلميا، فالذين يستخدمون، اليوم، مصطلحي
العقل والعلم سوف يستغربون من مصطلح «امامة العلم للعقل»
لانهم يرون ان العقل هو امام العلم، لان العقل هو المصدر،
وبوساطته يكتسب الانسان المعارف والعلوم وبه يتطور العلم
لدى المجتمع الانساني، وربما يحلو لبعضهم ان يقول: اذا كان
الانسان مختلا من الناحية العقلية فكيف يكون العلم بعد ذلك
اماما له، وهنا يتم الخلط مرة ثانية ولكن على نحو آخر، اذا كان
الحديث عن امامة العلم للعقل في ظروف وشروط نشاط العقل
الطبيعي وظروف العلم الطبيعية، وعندما نلتفت الى نقطة
اخرى تفيدنا كذلك في حل الاشكال، فاطلاق الاصطلاح لا
يعني اننا ناخذ الناس فردا فرداحتى يجوز لنا اطلاق هذه الصفة
للعلم، ولكن علينا ان ناخذ المجتمع ككل والعلم بكلياته.
ومعلوم انه في حالة تخلف بعض الافراد عن مستوى العقل
السليم، وهذا البعض لم يخل منه تاريخ البشرية المقروء
والمسموع،فان ذلك لم يخل في حقيقة كون العلم هو المولد
الاساسي للبرامج والمشاريع، والعقل هو المحرك للتغيير
والعمل والتطور، فاذااخذنا العلم بصوره المجردة عن المادة،
وهو دائما كذلك، والمجتمع او الفرد بنوعيته المجردة كذلك
من خلال الكيفيات الناتجة عن بعض انحاء الوجود الانساني،
فذلك لاننا لا نؤمن بمادية الوجود الانساني، وان كان ذا لحم
ودم، ولكن له جواهر اخرى، فالصورة المادية مع ذلك هي
جوهر، وللنفس جوهر، وللعقل جوهر، والفضيلة كيفية والارادة
كيفية نفسانية، وهي بالتالي مجردة، فاذارصدنا الفضيلة مثلا
على مر السياق التاريخي وما فعلته في المجتمع وما قدمته
للانسانية، لوجدنا العلم المجرد يؤدي دورااساسيا في هذه
المعادلة من طرف آخر، فالفضيلة وراءها عقل وهو من اللوازم
الواضحة في هذا الامر، ووراء العقل في تجرده علم آخر مجرد
كذلك، بهذا الدور الثنائي، وبهذه الرؤية العميقة يمكن ادراك
العلاقة بين العلم والعقل ودور كل منهما. وسوف يتضح معنا، في ما ياتي، ان نظرية الامامة وحقيقة العصمة انما تستقيان ينابيع العلم اللدني والعلمية المضافة لها، في سياق الانفعال وظواهره الكثيرة في الحياة الانسانية والكونية، لتقربا المعنى المشار اليه من قبل الرسول الكريم محمد(ص) عن امامة العلم للعقل...، فاذا اثبتنا ان نظرية الامامة تعني نظرية العلم في تجرده وحركته وقياديته مصوغة صياغة ربانية للمجتمع الانساني، لعرفنا بعد ذلك ان العقل محتاج لتلك الامامة، وهو يعتز بهذا الاصدار المبارك من المولى تعالى، وعند ذاك تذهب ادراج الرياح تلك المناظرات والمزاعم التي ادعت القيادة المطلقة للعقل وليس للامام جهلا منهم بحقيقة الامامة في معناهاالعلمي ودورها المرسوم لها، وجهلا منهم بحدود العقل ودوره كذلك، وبذلك ايضا نقترب من ايضاح المشكل المعرفي لدى بعض الباحثين، والذي ظل جاثما في اصقاع بعيدة عن شمس المعرفة لاجيال ومحطات تاريخية كثيرة، وهو يحاصر نظرية الامامة بالاتهامات، وينظر اليها بريبة لا تخفى على المطلعين على تاريخ خلاص الامامة بوصفها نظرية باهرة وتطلعا لانقاذ المشروع الثقافي الانساني من الوهن والتخبط؟ وتبقى، هنا، اشارة صغيرة نحب ان تبقى عالقة في ذهن القارى الكريم، وهي ان العلم الذي يصلح لان يكون اماما للعقل انما هو ذلك العلم الذي تتشبع به النفس، فتنفتح اساريرها على الحياة وعلى دنيا الناس، فتصنع علاقات اجتماعية ناجحة، وتكون جسرا لكل ما هو خير وفضيلة، وبذلك يتميز الانسان القدوة من غيره، لا ذلك العلم الذي يتكون او يتولد من معلومات من العلم الطبيعي، او من العلوم التي تخص سلوك الانسان ووجدانياته، فيكون حامله لا يملك اكثر من ذلك. واما في المجالات الاخرى فتجده في وضع مرتبك لا يحسد عليه، فهناك ظاهرة تتجسد في بعض الناس، من حملة الشهادات العلمية، سواء كانت جامعية ام غيرها، مما هومعروف اليوم في بعض البلدان، فهؤلاء لا يحملون من العلم الا اسمه، لانهم يعيشون مفارقة سلوكية كبيرة ومخلة في تقويم الفردتقويما حضاريا، لانك تجد الواحد منهم قد يحمل اعلى الشهادات العلمية المعروفة في ايامنا هذه، ولكنه لا يستطيع ان يقيم علاقة اجتماعية ناجحة، فالذين يحملون مسميات العلوم المعاصرة وعناوينها بمختلف اقسامها وموضوعاتها، ثم تجد لديهم ظاهرة التكبر او التملق او النفاق او الحسد والانانية، فهؤلاء ليسوا من حملة العلم بالمعنى الخاص والاصطلاحي للعلم، لا سيماالعلم الذي به يعبد الله ويوحد، وبه تعمر هذه الدنيا وبه تشاد اركان المدنية.
وهذا العلم الذي قلنا انه مجرد
كما العقل، يعبر عنه بالجوهر المجرد، فان المساحة المتحركة
التي تكشف اضاءة العلم وارتباطها بالعقل انما هي عملية
التفكير التي تقوم على اهم معلم معرفي اعطى للمشروع
الثقافي الانساني مظهرا غاية في التعقيد الذي دارت من حوله
اغلب نظريات الفلاسفة، ولا تزال تدورالى اليوم لم تتفق على
راي واحد في صدد اعجاز هذا المعلم المعرفي، هذا المعلم
المعرفي هو المفاهيم.
ومثلما رات الفلسفة الاسلامية ان العلم والعمليات العقلية، بما
فيها من افكار ومفاهيم، هي مجردات تنتمي الى عالم الجواهر،
فان الفكر الحديث ومدارس التربية اخذت بها الراي، في بعض
مباحثها، فقد افاد جيروم كاغان، وهو في معرض دراسته
للاطفال سلوكاوتربية ودوافع، بان «البنى الفكرية هي
المجردات التي تتيح للانسان فهم الحوادث النفسية والتعامل
معها، وهذه البنى ليست متواضعة في مكان بعينه في الذهن وليس لها محتوى او بعد مادي»((153)).
ومن هنا تبرز امامنا، وللوهلة الاولى، ونحن في سياق دراسة
امامة العلم للعقل، ظاهرة المفاهيم وخطورتها في تنظيم
الحياة العقلية للافراد، واثرها على البعد الاخلاقي والنفسي
للمجتمع بشكل عام، ومثلما يقوم المفهوم بدور الريادة في
عالم صياغة الافكار والاحاسيس والامزجة، فانه بذلك يصبح
وكانه يمتلك امامة عمليات التفكير، وبالقدر الذي تظهر به
تلك العمليات من قدرتها على اعطاء اتجاه علمي، فانها تصبح
المتربع على عرش الريادة والتوجيه في ترشيد عمليات
التفكير، والى هذا يرجع السبب الذي من اجله انيطت امامة
العقل بالعلم، فالمفهوم له معالمه المتعددة والمختلفة من
حيث التعقيد والسهولة والتمايزوالتجريد، فبعض المفاهيم تاتي
وهي تحمل معها شيئا من التعقيد الذي لا يقدر عليه اغلب
الناس، كالمفاهيم الفلسفية مثلاوالعرفانية، والمفاهيم العلمية
ذات الصفة التخصصية، وهناك مفاهيم غاية في السهولة
والوضوح كمفهوم الزوجية مثلا، وهناك مفاهيم ذات مدلول
حسي، كمفهوم التلاميذ ومفهوم العسكر والجنود، وهناك،
ايضا، مفاهيم مجردة لا تمكن الاشارة اليها، مثل مفهوم الفضيلة
ومفهوم العفة ومفهوم الجودة وغيرها من المفاهيم التي تاتي
على هذا المستوى من التجريد. وقد ذكرت بعض المدارس
الفكرية ان العامل المهم في تاثير المفاهيم انما هو في قدرتها
على التمايز، فكلما يكون المفهوم اكثر تمايزا وقربا من حاجات
الناس، كان اكثر قابلية للالتزام والعمل، لكن تلك المدارس لم
تاخذ بعين الاعتبار مصداقية المفهوم وقابليته لاحقاق
الحق ومصدر نشوئه، وبعض تلك المدارس الفكرية، ان لم يكن
معظمها، قد غلب عليها الطابع المادي في التفكير، ومن هنا
فاننا نجد ان تعليل التمايز عندها يكمن باقتراب المفهوم من
الواقع المادي، بينما نرى نحن ومن موقع رؤية قرآنية ان
المفهوم، بما يحمله من علمية وقدرة على توجيه السلوك
والافكار والعواطف، يكتسب اهميته من المنطلق الذي انطلق
منه، ومن الغاية التي جاء من اجلها،ومن الينبوع الذي يستقي
منه رواده، ومن الشمولية التي يتمتع بها، وبهذا يمكن اختصار
تلك الابعاد بالنقاط الاتية:
1- الوضع الخاص بالمفهوم، وهل هو وضع الهي او وضع بشري؟
ونحن نرى ان مفهوم الامامة، بما انه رباني الصدور وغايته
حاكمية الصالحين وولايتهم، من خلال تحويل الحاكمية
السياسية الى مظهر من مظاهر العلمية في السلوك والتصدي
واشاعة مظاهر العدل والمساواة، وتدبير شؤون الناس في
الادارة والرئاسة فهي من هذا الوجه اول حاكمية سياسية وولاية
اجتماعية تشترط المنهج العلمي والعقل الراشد لولاية الناس،
وستظل هي النبع الذي تطمح اليه انظار النظريات والافكار
والهواجس الثقافية في العالم، كلما ادلهمت الافاق وازدحمت
الخطوب وتعثرت الافكار، ولئن كانت حالة الزهو تارة وحالة
الخدر الثقافي والغرور السلطوي قد اسهمت جميعها في تنحية
الثقافة البشرية عن السبق الفكري والعلمي الذي شخصته
نظرية الامامة كما سنرى في ما ياتي من حديث.
وسنرى، في ما ياتي، من خلال مقولات ونظريات في العقل
والعلم والمعرفة، مختارة من صفوة صالحة من الرجال الذين
شكلواحلقة الامامة في معيارها الفكري والعلمي، وفي سدادها
العقلي الذي جعل العقل البشري يشعر بانصاف بانه مهما اوتي
من نباهة وفطنة فانه لا يستغني عن عقل العصمة وفطنة
الامامة، وهي تضع الامور في نصابها الذي اعد لها ذلك كله،
كما سنرى انه قد صيغ في اطار محاور ولقاءات ومجالس
يعمرها طلاب العلم تارة، واصحاب الاستزادة المعرفية تارة
اخرى، والراغبين باكتشاف السمووالاعجاز الذي تتمتع به
عقول الائمة حتى لا يبقى ادنى شك لاولئك الذين قد يقراون
بكائية ابي العلاء المعري على الكتيبة الخرساء، فما هي بالخرساء،
ولكن ادبها واكتشافها لحقيقتها ودورها ومعرفتها بدور الامامة
وخطورتها، وهي تتحدث، والعصمة وهي تقود المسيرة، يجعلها
تيارا من الطلاب الذين بهرتهم قوة البرهان وبلاغة الحجة،
فران على المناخ الثقافي والسياسي والاجتماعي جو من الرهبة
التي لا يخالجها انطواء واضمحلال بمقدار ما يعتملها من
استزادة معرفية ورغبة في الاستكمال والكمال.. الائمة والعقل
واول نافذة نطل منها على حصن الامامة العلمي، لنقرا
مشروعها الثقافي، هي نافذة الامام علي بن ابي طالب(ع)،
فنسمعه يصدح بجموع المسلمن من مكة الى المدينة، ومن
المدينة الى الكوفة، مرورا بالبصرة مذكرا اياهم: «انه لا دين الا
بمعرفة ولا معرفة الابتصديق».
«بصنع الله يستدل عليه، وبالعقول تعتقد معرفته، وبالفكرة تتثبت حجته»((154)).
ويلخص الامام علي(ع) المشروع الثقافي في اطروحة الامامة
التي لا تنفصل عن الامة، ولا تقفز على التاريخ، ولا تغادر
الواقع، ولاتنسى علاقتها بالسماء لطرفة عين، عندما يخاطب
المفكرين والعلماء والمجتمع الانساني، طوال التاريخ، من
خلال مخاطبته لابنه الحسن قائلا:
«اي بني، واني وان لم اكن عمرت عمر من كان قبلي، فقد
نظرت في اعمالهم وفكرت في اخبارهم، وسرت في آثارهم
حتى عدت كاحدهم، بل كاني بما انتهى الي من امورهم قد عمرت مع اولهم الى آخرهم،
فعرفت صفو ذلك من كدره، ونفعه من ضره، فاستخلصت لك من كل امر نخيله، وتوخيت لك
جميله، وصرفت عنك مجهوله»((155)).
فالامامة لا تريد مجتمعا يسترخي للكسل، ولا تريد افرادا
يوكلون الادوار لغيرهم، ولا تريد لهم ان يديروا ظهورهم
للتاريخ ويصموا آذانهم عن صراع الحضارات وهوس السلطات
وانين المحرومين، وآهات الثكالى، وانما يريد لهم ان يفتحوا
قلوبهم وعيونهم على كل ما هو داخل في صميم المعاناة
الانسانية ومحسوب عليها، سواء كان ذلك سلبا ام ايجابا،
فمواجهة الواقع بموضوعيته وب آلامه هو من مسؤوليات خط
الامامة قبل غيرها، لانها المعنية بالبلاغ الالهي، ولانها الملتفتة
الى الدار الاخرة في محاضر مشروعها الثقافي، مثلما هي
تمارس دورها في الحياة الاجتماعية بطموح وارادة لتحقق ما
هو افضل وما هو اكثر ثواباواقرب الى مرضاة الرب.. فالتوحد مع الاخرين، من خلال التاريخ، وفي اطار المصير الواحد، هو من اكثر الدعوات الواعية لمهمة الافراد والجماعات،والحريصة على ان لا تذهب المعطيات البشرية سدى وايا كان مصدرها فهي مجال للعبرة والاعتبار، وهي نظرية تمتد لتشمل السير التاريخية ودراسة الواح الماضين من الامم الغابرة، ومراجعة الاثار، والاهتمام بما تحمله لنا من اخبار الامم وانجازات المجتمعات القديمة، ونظرية من هذا النوع ودعوة بهذه الاصالة لا يمكن عدهما مسؤوليتين عن ادعاءات الكتيبة الخرساء!؟
ولا يمكن وصف المتصدي فيها بانه انسان يصادر العقل او
يعطله، وانما اذا اردنا لانفسنا، ولمن يقرا ذلك النص الذي
نقلناه قبل اسطر قليلة عن المتحدث الاول باسم الامامة، لا
يمكن الا ان نقول: اننا عبر جميع المدونات الثقافية في التاريخ
الانساني، ولا سيما تاريخ الحضارات والعقائد، لم نجد ابلغ
واوضح من هذا التصريح المعرفي، وذلك المشروع الثقافي
الذي يفتح امام الناس سبيل التوحد والتلاقي الامثل من خلال
الموقف المتامل والرؤية المستجمعة لمظاهر التحرك الواعي
والتغيير الراشد جميعها. وروي عن الامام الحسن بن علي بن ابي طالب(ع) انه قال: «ما تشاور قوم الا هدوا الى رشدهم»، ومعلوم ما في ثنايا هذه المقولة من تقدير للعقل وتشخيص للفكر وتبادل الراي المبني على العلم والدراية والخبرة، لا على الهوى، ورجل يوصي بهذه الاطروحة لايمكن ان يكون حاجزا بين العقل وبين الجمهور من الناس، بل هو دليلهم الى حيث تكون حقول العقول خضراء يانعة يقطف ثمارها الناس، ويسعد بها صاحب السؤال، ويرتوي منها طالب المعرفة، وروي ان اخا كان له صالحا، فقال عنه: «كان خارجا من سلطان الجهالة، واذا جاء مع العلماء كان احرص على ان يستمع منه على ان يقول»((156))!؟
وروي عن الامام الحسين بن علي(ع) انه قال: «من دلائل علامات القبول: الجلوس الى اهل العقول، ومن
علامات اسباب الجهل المماراة لغير اهل الكفر، ومن دلائل
العالم انتقاده لحديثه وعلمه بحقائق فنون النظر»((157)). وللامام علي بن الحسين(ع) رسالة معروفة برسالة الحقوق، وهي تعبير عن المنهج الفكري الذي تقدمه نظرية الامامة في مجال سياسة الامة في مختلف الحقول، ومما جاء في طيات تلك الرسالة الشريفة مما يخص العلم والعلماء: «واما حق سائسك بالعلم فالتعظيم له، والتوقير لمجلسه وحسن الاستماع اليه، والاقبال عليه والمعونة له على نفسك في ما لاغنى بك عنه من العلم، بان تفرغ له عقلك وتحضره فهمك، وتذكي له قلبك، وتجلي له بصرك بترك اللذات ونقص الشهوات، وان تعلم انك في ما القي اليك رسوله الى من لقيك من اهل الجهل فلزمك حسن التادية عنه اليهم»((158))، فهل يعقل ان يكون هذا الانموذج الرائع من الرجال الذين سبقوا زمان البحث الاجتماعي ونظريات علم النفس وميلاد مدارس التربية الحديثة، من اعداءالعقل كما يحلو لبعضهم ان يصفهم، او يدعي انهم يتوجهون الى جمهور ابله وكتيبة خرساء كما ادعى المعري ذلك؟
وهذا الامام محمد الباقر(ع) يخاطب قومه قائلا: «خذوا الكلمة
الطيبة ممن قالها، وان لم يعمل بها، فان الله يقول: (الذين
يستمعون القول فيتبعون احسنه اولئك الذين هداهم الله)
«الزمر/18»، ويلح عليهم بالقول ناصحا:
بل انه ذهب الى اكثر من ذلك، عندما ربط العمل ونجاحه
وقبوله بالعلم والمعرفة، ما لا يجعل ادنى شك لمن يراجع هذا
المنهج الصادح بالمعرفة، والرافع للعقل الى مصاف التشريف
الذي لا يقبل الجدل، الى ان يسلم به من يطلع عليه بقلب
سليم، وهو لا يرى الا خطا تربويا واحدا يقوم فيه العقل ناشطا
ويرعاه رجال افذاذ استحقوا مقام الامامة من القلب من دون
اللسان.. فهذا الامام محمد
الباقر، مرة ثانية، يقول:
«لا يقبل عمل الا بمعرفة، ولا معرفة الا بعمل، ومن عرف دلته معرفته على العمل، ومن
لم يعرف فلا عمل له»((160)).
ولا اعرف دستورا للمعرفة او دعوة للمزاوجة بين العمل والعلم
والتدبر والتخطيط والنظرية والتطبيق، عند اي نظام من
الانظمة المعاصرة، او هيئة من الهيئات العلمية كاليونسكو
وغيرها، يوازي هذا الدستور المعرفي، او المشروع الثقافي الذي
يضع قواعده الامام محمد الباقر(ع).
اما مدرسة الامام الصادق، وهو جعفر بن محمد بن علي بن
الحسين بن علي بن ابي طالب(ع)، فقد افتتحت المشروع
الثقافي، في عصرها، بمقولة اسهمت في حل الاشكال المعرفي
الذي يواجه الناس، واجابت عنه بصراحة واضحة وعمق يبدو ان
الناس لم يتعرفوا على ابعاده الى يومنا هنا، وربما سيكون
المستقبل كفيلا بايجاد الجواب الملائم الذي يشكل المفتاح
لمستقبل الانسانية في مرحلة موعودة امرها موكول الى الله
الذي يعرف غيب السماوات والارض.
فقد روي عن الامام جعفر بن محمد الصادق(ع) قوله: «ثلاثة اشياء لا ترى كاملة في واحد
قط: الايمان، والعقل،
والاجتهاد»((161)).
فالايمان خط تصاعدي لا يجسده بعد الرسول(ص) الا
الامام(ع)، وللعقل آفاق ومراتب لا تتكامل الا عند الامام،
وللاجتهاد حدود لانجدها الا عند الامام المعصوم. ومن
المناسب ان نذكر، في هذا السياق، ان الذين جسدوا نظرية
الامامة من ائمة اهل البيت(ع)،
البالغ عددهم اثنا عشر اماما،
اولهم علي بن ابي طالب(ع) وآخرهم محمد بن الحسن
المعروف بالمهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه)، يمتلكون
جميعا من المواقف الايمانية والمناظرات العقلية والاختبارات
الاجتهادية ما يجعل منهم مصداق السيرة التكاملية في تلك
الاشياء الثلاثة، فمبيت علي(ع) في فراش النبي(ص) والناس
ياتمرون بالنبي القتل، ما جعل ذلك الفراش بحق يسمى فراش
الموت.. والذي نام فيه باطمئنان انما هو بحق يمتلك ذروة
الايمان بل الايمان كله، وهو الذي كان يقول: «لو كشف لي
الغطاءما ازددت يقينا»، والذي طلق الدنيا ثلاثا، كما هو معروف
عنه، والذي نقل عنه انه قال: «والله لقد رقعت مدرعتي حتى
استحييت من راقعها...»، والذي عرضت عليه مسالة مفادها ان
رجلا نذر نذرا انه ان تحقق له ما يريد، فيتصدق بمال يزن
بعيرا؟ وعندما تحقق الامر، اخذت الرجل الحيرة في كيفية
الوفاء بنذره، فعرضت المسالة على الامام علي(ع)، فاجابهم بان
يحضروا سفينة او ما يشبه ذلك، ويضعوها في الماء ويحددوا
المستوى الذي يصل اليه الماء، ثم يضعوا البعير في السفينة
ويحددوا مرة ثانية المستوى الجديد الذي وصل اليه الماء على
جانبي السفينة، ثم ينزلوا البعير من السفينة ويضعوا في
السفينة مالا الى ان يصل الى المستوى الذي وصل اليه الماء
عندما كانت السفينة تحمل البعير، وهذه القاعدة هي اليوم
المعروفة بقاعدة ارخميدس في حجم الماء المزاح ووزن الجسم
الغاطس، الا تحمل لنا هذه الواقعة عقل الرجل وعلمه ومبلغ
اجتهاده؟ والا تكشف لنا مرة ثانية انه ليس بمقدورالناس في
عصره ان يبلغوا هذا المبلغ من العلم والاجتهاد مهما اوتوا من
نظر وتجربة، لانهم يظلون في حدود المعلومات المكتسبة.اما
الامام علي(ع) فقد شملت اجوبة المسائل المعروضة عليه، في
ذلك الزمان، حقول القضاء المختلفة، وكان الرائد في الاجابة
عنها،كما شملت الطب النفسي، وذلك في حادثة النزاع الذي
دار بين رجل وخادمه عندما ادعى كل منهما انه السيد والاخر
هو الخادم،
والقضية معروفة ترويها الكتب التي اهتمت بمسائل
الائمة من اهل البيت، وفي المسالة المعروفة في كشف الواقع
في قضية المراة التي انكرت ابنها، وفي المراة التي اتهمت رجلا
بالاعتداء عليها، اذ ان ما اجراه الامام(ع) في ذلك الوقت للفصل
في هذه القضية يعدبحق من التجارب العالمية المبكرة في
تاريخ الطب، ولا سيما التحليل المخبري الذي يستعمل اليوم
لتعضيد مهمة الطب الشرعي في كافة بلاد العالم.
ومن المشاريع المهمة التي اعلنت عنها مدرسة الامام
الصادق(ع)، والتي تعد مبادرة جديدة في تعميم المشروع
الثقافي لنظرية الامامة، بحيث ربطت والى الابد بين نظرية
الولاية والامامة، وبين سياسية تدبير شؤون الناس في قضايا
الحكم والمعاملات المختلفة من تجارية وصناعية وعقود
مختلفة، وبهذا اعلنت مدرسة الامام الصادق(ع) عن الخلفية
السياسية والفكرية لنظرية الامامة وعن دور المعرفة والعمل في
مجال التنظيم الاجتماعي، وتعد هذه الوثيقة التنظيمية
لشؤون المجتمع طبقا لدستورالاسلام العملي في تخطيط
الحياة الاجتماعية وتعبير الناس لله الواحد القهار محور
الدراسات الفقهية في مرحلة السطح العالي ودراسات البحث
الخارج في الفقه في الحوزات العلمية، ولا سيما في ما يعرف
بشكل خاص بالمكاسب المحرمة، وهي التسمية التي غلبت على
شطر واسع من الابحاث الفقهية منذ عهد الشيخ مرتضى
الانصاري الذي الف كتاب المكاسب في المكاسب
المحرمة والبيع والخيارات، ولا يزال الكتاب بما فيه من ذخائر
تحقيقية يمتلك القدرة على ان يزود الحياة الثقافية في
المجتمع الاسلامي بغير رافد من روافد الفكر المتخصص
المبدع الذي يكشف عن هوية المجتمع الذي تطمح نظرية
الامام الى ان يكون مجتمعامتخصصا باعمال العقل، ولوعا
بالعمل، دؤوبا بالمعرفة والجد، لا يعرف التواني ولا الكسل.
ونعود مرة اخرى الى ذلك الدستور المعيشي والمشروع
الثقافي الذي وضعه الامام الصادق(ع)، فقد جاء فيه: «جميع
المعايش كلها، من وجوه المعاملات في ما بينهم، مما يكون لهم
فيه المكاسب، اربع جهات من المعاملات. فاول هذه الجهات
الاربعة الولاية وتولية بعضهم بعضا، فاول ولاية الولاة وولاة
الولاة الى ادناهم بابا من ابواب الولاية على من هو وال عليه، ثم
التجارة في جميع البيع والشراء بعضهم من بعض، ثم الصناعات
في جميع صنوفها، ثم الاجارات في كل ما يحتاج اليه من
الاجارات، وكل هذه الصنوف تكون حلالا من جهة وحراما من
جهة اخرى، والفرض من الله على العباد في هذه المعاملات الدخول في جهات الحلال
منها،والعمل بذلك الحلال واجتناب جهات الحرام منها»((162)).
ومن معالم مدرسة الصادق(ع) الفكرية الربط المحكم بين
العقل والعلم واعطاء التفسير الضمني لامامة العلم للعقل،
حيث قال(ع):
«لا يصلح من لا يعقل. ولا يعقل من لا يعلم، وسوف ينجب من
يفهم، ويظفر من يحلم، والعلم جنة، والصدق عز، والجهل ذل،
والفهم مجد، والعالم بزمانه لا تهجم عليه الكوابيس»((163)).
اما عصر الامام الكاظم، وهو موسى بن جعفر(ع)، فقد عرف
بعصر الطلاب الافذاذ والاصحاب العلماء الذين ترعرعوا في
مدرسة الامام الصادق(ع)، وآزروا الامام الكاظم(ع)، وهو يقود
خط الامامة، فمن وصاياه لهشام بن الحكم البغدادي الكندي
نذكر:
«يا هشام بن الحكم، ان الله عز وجل اكمل للناس الحجج
بالعقول، وافضى اليهم بالبيان، ودلهم على ربوبيته بالادلاء
فقال: (والهكم اله واحد، لا اله الا هو الرحمن الرحيم)
«الزمر/19».
يا هشام، ان الله وعظ اهل العقل ورغبهم في الاخرة، فقال: (وما
الحياة الدنيا الا لعب ولهو وللدار الاخرة خير للذين يتقون
افلاتعقلون) «الانعام/32»».
ثم بين ان العقل مع العلم، فقال: «(وتلك الامثال نضربها للناس
وما يعقلها الا العالمون) «العنكبوت/43». يا هشام: ان لله
على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فاما الظاهرة فالرسل والانبياء والائمة
واما الباطنة فالعقول»((164)). ولا يمكن لاحد ان يزعم ان هناك شريعة او نظاما او نظرية او مدرسة فكرية كرمت العقل كما فعلت نظرية الامامة، اذ انها قرنت العقل بالحجة، وجعلت له المقام الذي يلي مقام النبي والامام. فهل بعد هذا البيان الواضح في صدد العقل ودوره في خط الامامة ان تبقى حجة لمحتج؟ وعذر لمعتذر؟ وشك لمن ياتيه اليقين بهذه الصياغة البليغة التي لا يعتريها ادنى لبس؟
والسيرة العقلائية التي نجدها في ابحاث المحققين في مجال
الفقه والاصول لها الدور المشهور والاحترام المذكور انما هي
الاخرى تعد من الشان الذي توليه نظرية الامامة لمقام العقل، لانها تريد امة عاقلة،
ولانها تطمح الى مجتمع يسود التعقل افراده، وتسيطرالحياة العقلية على كل شيء فيه، في عملية
تنظيم فكري وسلوكي لا نجدها لدى النظريات الاخرى مادية
كانت ام غير مادية.
وحتى نظرية ولاية الفقيه التي تعد احدى الثمار العلمية
لشجرة الامامة الباسقة، فانها تعبر في حقيقتها عن سيادة
الحياة العلمية وغلبة المنحى العقلي على غيره في تسيير امور
الدولة وسياسة شؤون الناس، وليست افرازا لديكتاتورية
سياسية او تجميعالفئوية جديدة مقابل الفئات الاخرى، ولا هي
مصادرة للسلطة كما تفعل الانظمة السلطوية عندما تغتال
النظام عبر ما يسمى بالانقلابات، على ان هذه الصفات التي
نصفها بها انما تعبر عن ولادة الاطروحة، وهي لا تزال في
بكورتها وطزاجتها، وهي يجب ان تبقى هكذا، والامر الذي
تختلف فيه عن تشكيلات الامامة ومقامها، في كونها غير
معصومة، وهذا ما يجعل المراقب في حالة من الوجل والتاني في
تقويم مستقبلها عندما تنزل الى ميدان التجربة والعمل
الواقعي، فالثغرات التي قد تبدو في هذا المجال، وهو مجال
ولاية الفقيه، لا يمكن تعميمها على نظرية الامامة وخطها
الخاص، فالفارق كبير بين الحالتين، فالاولى تجربتها اضحت
واضحة المعالم في التسديد والارشاد لمن يطالع مفرداتها
بموضوعية، والثانية لا تزال في دور التجربة ووقوعها في بعض
الاخطاء لا يلغي احقيتها ومصداقيتها، ولكنه يعبر من جهة
اخرى عن بشريتها وعدم عصمتها، وهنا نحتاج الى قنوات
واذرع فاعلة قادرة على اضاءة الدائرة المعرفية وبيان المشروع
الثقافي بالمزيد من الطاقات والفعاليات والتوجهات التي تعرف
كيف تكلم المجتمع المعاصر بلغة قريبة من واقعه، وب آمال
اضحى باشد الحاجة اليها، وبان يتحول الشعار لدينا الى مصداق
للعمل والانتاج حتى ندخل العالم المعاصر، ونتمكن من احداث
التغيير المطلوب عبر ما نمتلكه من حيوية في الفكرة واصالة
في الرؤية وثبات في الموقف، فالمجتمع لا يتغير لمجرد اننا
نريد التغيير، ولكنه يتغير بمقدار ما نقدم له من بدائل يتفاعل
معها، فيتحرك شوقا الى تلك البدائل وحبا في الانجاز الافضل،
وتحديثنا للثقافة لا يمكن ان يكتب له النجاح ما لم نكن قادرين
على انجاز مركب ثقافي جديدمحافظ على الاصالة ومتلائم مع
الذوق المعاصر، فالكتابة لدينا، على سبيل المثال، يجب ان
تتحول الى مولدات جديدة على مستوى الفكرة وعلى مستوى
الاسلوب. لغة المجاز والرمزية في النص الديني ا. محسن آريان تمهيد
ثمة نمطان للاستعمال اللغوي: مباشر وغير مباشر. «وبغية
استخدام الكلمة في دلالات متعددة ظهرت اساليب مختلفة
لنقل هذه الدلالات، من قبيل الايقاع او الهيئة والصيغة
اللفظية، والاستعارة والكناية والتشبيه والمجاز ونحو
ذلك»((165)). وقد ادى التنوع في اسلوب الدلالة الى تعدد في
استخدامات اللغة، كما ضاعف من قابليتها الى درجة غير
محدودة، غير ان ذلك ادى ايضا الى ظهورمشاكل تتمثل في
غموض المعاني وعدم تحديد الدلالة التي ارادها المتكلم.
ولا تقتصر هذه المشاكل على التفاهم اللغوي بين بني الانسان،
بل انها تواجهنا، بشكل اكثر تعقيدا، في قراءة لغة الدين
والنص الديني وتحليلهما، اي في ما يتصل بالوسائط اللغوية بين
الله والانسان.
واكتسبت القضية هذه دقة وابهاما مزدوجين في نصوص
الديانات الابراهيمية، حيث نجد من جهة ان اللغة البشرية لا
ترتفع الى مستوى رسالة الوحي، وكما يقول بعض العلماء: «كان
لغة الانسان الفاني، بما هي عليه من نقص، قد انقسمت الى
آلاف الاجزاء
تحت ضغط كلام السماء الهائل وهيمنته، او كان الله
لم يجد امامه من خيار في بيانه لالاف الحقائق سوى حفنة من
الكلمات، فلجاالى توظيف جملة من الاشارات والايحاءات التي
زخرت بالمعاني وتغيير اللحن والخطاب، الى جانب الايجاز
وصيغ الكناية
«والمجاز»
((166)). ونلاحظ، من جهة اخرى، ان
هناك عددا من الهواجس الفكرية المهمة قد تملكت الانسان
في اطار بحثه عن الحقيقة وسعيه نحو الكمال طوال تاريخ هذه
الديانات، وهو ما يتمثل في «الايمان بصدق الدعاوى الدينية
التي تحملها النصوص المقدسة، والحذر من انسنة
الاله»((167)) ومحاولة استيعاب حقائق الوحي وتعاليمه بشكل
صحيح. وفي ضوء ذلك، نرى محاولات واسعة قام بها العلماء
لتحليل النصوص المقدسة واستيعاب لغتها بشكل دائم منذ
ظهور الديانات الابراهيمية، وذلك على الرغم من ان
المحاولات هذه خضعت لدوافع متعددة واعتمدت مناهج
متباينة((168)). مجازية لا تقبل التفسير
جرى طرح هذه النظرية، بشكل محدد، من قبل بعض فلاسفة الدين والمتكلمين النصارى في
الغرب خلال القرن الاخير، بيد انها لاتقتصر على الكتاب المقدس ولغته، بل يمكن
تطبيقها على النص القرآني على اساس ما طرحوه من معيار. يرى هؤلاء ان الكلام الذي يتناول الاله هو لغة رمزية اساسا تقوم على الاستعارة بنحو لا يمكن تجاوزه او التلاعب به((169))، وبالتالي لا يمكن ترجمته الى احكام حقيقية. وهذه الرؤية تبدو بشكل واضح في اعمال الالماني بول تيليش((170))، وهو لاهوتي بروتستانتي. ويقول ويليم آلستون((170))، وهو من نقاد تيليش: ان المجاز غير القابل للتحويل هو نص لايمكن أن نبين دلالاته، أو قسما منها، من خلال مفردات حقيقية غير رمزية((171)). يعتقد تيليش ان اختلاف الله عن المخلوقات وعدم صلاحية اللغة البشرية للحديث عنه، هما بدرجة يصبح معها الوصف الحقيقي، اي وصف الله، مستحيلا، وكحد اقصى لا يسعنا سوى استخدام بضع كلمات بطريقة رمزية((172)). ويرى تيليش انه لا يمكن ترجمة الى دلالات حقيقية((173)) ولا توجد الا قضية حقيقية واحدة يمكن التفوه بها في ما يتصل بالحقيقة الغائية، وهي أن الله سرمدي وجود محض. أما ما عداها فهو عبارات رمزية كالقول: ان الله سرمدي وأنه حي وخير محض ومتعين، أو أنه خالق يحب سائر مخلوقاته((173)). وهكذا فان حقيقية، ولا توجد الا والقضايا التي تتناولها الالهيات هي رمزية بالكامل ومجازية الى درجة لا تتيح تحويلها الى معطيات حقيقية.
يصف ويليم آلستون اصحاب هذه النظرية بانهم جميعا
«رمزيون» ((174)) (Pan-symbollistists) وفيما
يعترض على هذه النظرية يطرح نظرية شبيهة بما يقوله الاكويني: «فهو يؤمن بان لغتنا قاصرة عن الحديث عن الاله، بيد انه يحاول
، من جهة اخرى، التدليل على ان الالفاظ البشرية ليست عاجزة
عن نقل معانيها الخاصة، اي انه يمكن ان تكون ثمة حقائق اساسية
في وسع مفردات اللغة ان تتناولها... من الممكن ان نتولى
معالجة مفاهيم، نظير العشق والعلم والقدرة، بمعنى ان نقوم
بتجريدها عن جميع الخصائص البشرية التي تتناسب مع
الزمنية والجسمية وغيرها، كي نحافظ على نواة المعنى واصله
الذي يمكن اطلاقه على الاله. وفي وسعنا ان نصف الله بشكل
حقيقي من خلال مفردات مشذبة كهذه، فننشى عبر توظيفها
قضايا صادقة عن الله. وهكذا فاننا نستطيع الحديث عن الله بنحو حقيقي، ونستطيع ان
نطلق على الوجود الالهي مفاهيم منقحة»((177)).
وعلى الرغم من ان آلستون قد اخضع نظرية تيليش والقول
بالاستعارات المطلقة والمجاز غير القابل للتحويل، الى
تساؤلات حقيقية، غير انه راح يعاني من اشكاليات((178))
يتطلب عرضها فرصة اخرى.
يبدو ان المشكلة الاساسية التي تواجهها رؤية امثال تيليش
واعتبارهم قضايا الالهيات مجازية بنحو لا يقبل التغيير، تتمثل
في انها تؤدي الى القول بتعطيل المعرفة وسد بابها في ما يتصل
بالله والصفات الالهية، ولذلك فان النظرية هذه تواجه
سائرالاعتراضات التي واجهها القول بالتعطيل وسد باب العلم.
اضافة الى ان هنالك نظريات ورؤى بديلة((179)) تؤكد ان
معطيات النصوص الدينية هي دلالات حقيقية قابلة للتحويل
(بالمعنى المشار اليه بنحو وآخر). وفيما تحقق هذه النظريات
تقدما ايجابيا في مجال لغة النص الديني، فهي تتخط ى تقريبا
ما واجهته النظرية السابقة من تحديات. الحقيقة والمجاز في القضايا القرآنية ان موضوع الحقيقة والمجاز، في النص القرآني، يمثل قضية من القضايا شديدة الاهمية وذات الاثر البالغ في مجال لغة القرآن، ونلتقي هنا سؤالا اساسيا هو: هل جرى طرح سائر القضايا القرآنية بنحو حقيقي او ان المجاز قد وجد طريقه الى القرآن ايضا؟ وان كان المجاز مستخدما في القرآن فما هو حجم ذلك الاستخدام، وما هي حدوده، وما هي طبيعة الاثر الذي يتركه على لغة القرآن؟
حظي هذا الموضوع، خلال القرون
الماضية، باهتمام معظم الباحثين في علوم القرآن تقريبا، ويقول جلال الدين السيوطي،
الخبيرالمعروف في علوم القرآن عن ذلك: «لا خلاف في
«ورود» الحقيقة في القرآن بمعنى اللفظ المستعمل في
الموضوع له، بل ان معظم«الفاظ» القرآن و«قضاياه» قد جاء على
سبيل الحقيقة. اما المجاز فقد قال جمهور العلماء بوقوعه في
القرآن، وانكره جماعة كالظاهرية وبعض الشافعية والمالكية»((180)).
ويضيف، بعد نقضه لدليل المنكرين الذي يقوم على مساواة
المجاز بالكذب: «لو جردنا القرآن من المجاز لسلبناه شطرا من
حسنه وروعته. فاهل البلاغة متفقون على ان المجاز ابلغ من
الحقيقة في افادة المقصود. علاوة على ان خلو القرآن من
المجاز يستلزم ان يخلو ايضا من الحذف والتاكيد ونحوهما مما لا يقبله المنكرون»((181)). وبعد ان يستعرض السيوطي اقسام
المجاز يورد آيات كثيرة بوصفها شواهد للدلالة على ذلك،
ولكي يكمل فصل مجازات القرآن، يخصص النوع الثالث
والخمسين لذكر الاستعارة واقسامها، كما افرد النوع الرابع
والخمسين للكنايات في القرآن.
كما نجد المرحوم البحراني ينقل، في مقدمة تفسيره، ثلاث
روايات عن الامام الصادق في ما يتصل بالكناية في القرآن.
وتفيد الروايات هذه ان «القرآن نزل على سبيل اياك اعني واسمعي يا جارة»((182))، حيث تدل في ضوء فهم معين على
مجازية البيان القرآني. راي العلامة الطباطبائي
يمتلك المرحوم الطباطبائي، من بين العلماء المسلمين، تصورا
ملفتا للنظر في ما يتصل بموضوع الحقيقة والمجاز، ولا سيما
في ما يتعلق بالصفات التي يجري حملها واسنادها الى الله
تعالى، وهو ما نذكره هنا لما يتصف به من اهمية ودقة((183)).
يعتقد العلامة ان الكلام يعبر عن حاجة فطرية، كما ان اللغة
شان اجتماعي تقوم على الوضع والاصطلاح، او
التعاقد((184)). فقدتنبه الانسان اول الامر الى المعاني، ثم
وضع لها الفاظا راح بعد ذلك يستعملها فيها. وفي البداية، كان
ذلك مقصورا على الاجسام والاشياء المادية، لكنه بعد ان انتقل
الى ادراك الامور المعنوية اخذ يستعمل الالفاظ السابقة نفسها
للدلالة على المعاني المعقولة بنحو مجازي. ثم شاع استعمال
الالفاظ في المعاني الجديدة تدريجيا حتى بلغ مرحلة التبادر،
فاصبحت الالفاظ تدل على المعقولات بنحو الحقيقة((185)).
وضعت الالفاظ على اساس ما تتضمنه المسميات والاشياء من
فوائد بالنسبة لنا، وطالما بقيت تلك الفائدة والغرض والغاية
فان اطلاق اللفظ على المسميات الجديدة سيظل بالمستوى
الدلالي نفسه حتى لو تغير شكل المسمى وظاهره. وهذا هو
السر في بقاء الاسماء حتى مع طروء تغيير كلي في ذات
المسميات واوصافها، اذ ان السبب في ذلك ليس سوى ان
واضع اللفظ قد لاحظ، منذاللحظة الاولى للوضع، ما تضمنه
المسمى من فائدة وغرض خاصين، من دون شكل المسمى
واوصافه((186)). ولذلك نلاحظ ان ثمة تطورا يطول الادوات
والالات المستخدمة في حياة الانسان تبعا للتقدم الذي تشهده
المدنية والحياة الاجتماعية، غير ان الاسماءتبقى على حالها،
فتطلق على المنتجات الجديدة من دون اي لون من العناية
والمجاز((187)).
ويذكر الطباطبائي، في هذا السياق، نماذج من الالفاظ من
قبيل «الميزان» و«السلاح». فقد وضعت هذه الالفاظ للدلالة
على ادوات تمتلك شكلا خاصا، ومع مرور الزمن تطورت
الادوات هذه، وتغير شكلها بالكامل، غير ان فوائدها السابقة لم
تتغير، ولذلك فلاريب في صحة اطلاق هذه الالفاظ والاسماء
على المصاديق الجديدة بشكل حقيقي((188)). اي ان اللفظ
قد وضع لحقيقة المعنى وجوهره من دون مصاديقه الاولى،
ولهذا ففي وسعه استيعاب مصاديق مختلفة.
عمد الطباطبائي الى توظيف هذا المبدا اللغوي بالشكل
المناسب في فهم النص القرآني وتحليله، وبخاصة في ما يتصل
بالحقيقة والمجاز، فتخط ى ما وقع فيه غيره من اهل الكلام
والتفسير، كالقول المتطرف بالمجازية او التمسك الساذج
بظواهر النصوص، في تحليل كثير من المفاهيم والمقولات
القرآنية، ولا سيما في مجال الصفات والاسماء الالهية.
وانموذجا على ذلك نجده يعد استعمال الفاظ، من قبيل
«المتكلم» على الله، اطلاقا حقيقيا، وهكذا في نسبة «الكلام» و «القول»اليه سبحانه، اذ ان ذلك ليس وصفا مجازيا او على
سبيل الاستعارة. وهو يعتقد بان ذلك يصدق على جميع
الالفاظ المشتركة التي تطلق على الله والانسان معا نظير الحياة
والعلم والارادة والعطاء((189))، وهو يؤكد ذلك دائما في
كتاب «الميزان»، وربماخصص احيانا مبحثا مستقلا لتناول
ذلك((190)). كما انه يرى ان الالفاظ قد استعملت بنحو
الحقيقة في مفاهيم، من قبيل «تسبيح الارض والسماء
والجمادات»((191))
و«سجودها»((192)).
يعتقد العلامة بان للكلمات والايات القرآنية معاني مختلفة
تترتب طوليا، فيجري اطلاق اللفظ المستعمل فيها ليدل عليها
جميعابنحو حقيقي طبقا لمستويات فهم الانسان، من دون ان
يكون ذلك استعمالا للفظ في غير معنى، او ان يكون من قبيل
عموم المجاز
ونحوه((193)).
وفي ضوء هذه الرؤية، يكون القول بالمجاز او الاستعارة
والتمثيل خاليا من المسوغ في كثير من النصوص القرآنية،
وسينحصر
الاستعمال المجازي في موارد لا يتيسر فيها الوصف
والحمل الحقيقيين بنحو لا يتوافر امامنا خيار ثان سوى القول
بمجازية الاستعمال.
يرفض العلامة نظرية التمثيل والمجاز المتطرفة التي لا
تمتلك ضوابط لذلك، فتؤدي الى القول برمزية معظم
النصوص المقدسة او جميعها، ومنها القرآن، ويتولى تحديد
نطاق المجازات، فيقول: «ان كلامه، تعالى، يدل على ان ما
خص الله، تعالى، به انبياءه ورسله من النعم التي تخفى على
ادراك غيرهم من الناس، مثل الوحي والتكليم ونزول الروح
والملائكة ومشاهدة الايات الالهية الكبرى، او اخبرهم به
كالملك والشيطان واللوح والقلم وسائر الايات الخفية على
حواس الناس، ذلك كله امور حقيقية واقعية من غير مجاز في
دعاويهم مثل ان يسموا القوى العقلية الداعية الى الخير
ملائكة، وما تلقيه هذه القوى الى ادراك الانسان
بالوحي،والمرتبة العالية من هذه القوى، وهي التي تترشح منها
الافكار الطاهرة المصلحة للاجتماع الانساني، بروح القدس
والروح الامين،والقوى الشهوية والغضبية النفسانية الداعية الى
الشر والفساد بالشياطين والجن، والافكار الرديئة المفسدة
للاجتماع الصالح او الموقعة لسيء العمل بالوسوسة والنزعة،
وهكذا.
فان الايات القرآنية، وكذا ما نقل من بيانات انبياء الماضين،
ظاهرة في كونهم لم يريدوا بها المجاز والتمثيل، ولو جاز حمل
هذه البيانات الى امثال هذه التجوزات جاز تاويل جميع ما
اخبروا به من الحقائق الالهية من غير استثناء الى المادية
المحضة النافية لكل ما وراء المادة»((194)).
وفي ضوء ما قدمه العلامة من تفسير لعلاقة اللفظ بالمعنى وما
ادى اليه من قضية الحقيقة والمجاز في القرآن، فانه لن يبقى
مجال لاي لون من القول بالرمزية التي تتجرد عن المسوغات،
كما سيؤدي ذلك الى تضييق دائرة المجاز والاستعارة الى
حد
كبير. المجاز والكذب (استطراد) تقدم ان السيوطي ذكر، في كتاب الاتقان، ان من انكر وقوع المجاز في القرآن استدل عليه بان المجاز من جنس الكذب (وهو نظيره واخوه)، كما ان انتساب الكذب الى الله قبيح ومستحيل((195)). وعلى اية حال، فهل يمكننا القول بمجازية عدد من النصوص القرآنية على تقدير ان يكون المجاز والاستعارة من جنس الكذب؟ لاحظ بعض الباحثين ان العلامة الطباطبائي يعد سائر الوان المجاز والاستعارة من صنف الكذب من وجهة نظر فلسفية، واعتقد،في ضوء ذلك، بانه لا بد للعلامة من ان يقول بعدم ورود المجاز في القرآن، او ان يقدم تفسيرا جديدا للكذب والقبح والباطل مع تمسكه بوجهة نظره الفلسفية، كي لا يواجه تناقضا في آرائه، وكي لا يؤدي ذلك الى القول بورود الهزل والباطل في القرآن((196)). |