لابد، في ايضاح الموضوع، من ان نتولى تقييم قولهم: ان
الكذب والمجاز من فصيلة واحدة، ويبدو انه لا اساس لهذه
الدعوى، اذ ان «الاستعارة (المجاز) تقوم على التاويل فهي
تتباين مع الزعم بالباطل والكذب، لان من يدعي باطلا في
قوله لا يخضع كلامه للتاويل. كما ان الاستعارة (المجاز) تختلف
عن الكذب وتتباين معه، لان المرء حين يستخدم الاستعارة
والمجاز يحول دون انصراف الكلام الى ظاهر المعنى من خلال القرينة التي يعزز بها
كلامه، بينما لا توجد قرينة في الكذب»((197)).
اما في ما يتصل بما نسب الى العلامة، فنجد انه يفرق بين
«المجاز والاستعارة» و«الخطا والكذب الحقيقي»، فعلى الرغم
من ان الاول لا يتطابق مع المصاديق الحقيقية من وجهة نظر
واقعية، بيد ان له آثارا حقيقية، لانه يؤدي الى تحفيز المشاعر
وما يترتب عليها من آثار خارجية. اما الثاني (الكذب والخطا)
فهو لا يمتلك اثرا، بل يمثل قولا لغوا، علاوة على انه لا يطابق
الواقع، وهكذا فان المجاز والاستعارة يتباينان مع الكذب في
نتائجه وآثاره((198)).
الى جانب ان «صدق القضية المجازية لا يمكن ان يتحقق في
ظل صياغة حقيقية، بل لا يمكن استيعاب دلالتها الا عبر
البيان المجازي. فحين يقول المرء: «علي اسد» و«عمرو بن
العاص اسد»، فان كلتا القضيتين تكونان كاذبتين اذا فرضنا
انهما حقيقيتان،
اما لو كانتا على سبيل المجاز، فان الاولى
تكون صادقة والاخرى كاذبة، لا ان نقول: ان الاولى كذب
مستحسن ممدوح بينما الثانية كذب مستقبح مذموم. وهكذا فلا ينبغي الخلط بين الحقيقة
والمجاز في الصدق والكذب»((199))، بل ان معايير ذلك ونطاقاته تتباين بين
المجاز والحقيقة.
وحصيلة ذلك ان المرء يجانب الموضوعية حين يدعي بان راي
العلامة الطباطبائي يستلزم ان ورود المجاز في القرآن يعني
جوازتخلل الكذب فيه، وفي ضوء التمايز بين المجاز والكذب لا
نحتاج الى تعديل مفهوم الكذب او الباطل والقبح كما لا نحتاج
الى تقديم تفسير جديد لهذه المفاهيم، وليس هنالك اي
تناقض في صدق الايات القرآنية وورود المجاز فيها. «وعلى اية
حال، فان المجاز
والاستعارة يمثلان جسرا وقناة للانتقال الى
الحقيقة (المجاز قنطرة الحقيقة)، غاية ما في الامر ان ثمة فرقا
بين نطاق الصدق ونمط الدلالة في المجاز والحقيقة، الى جانب
ان اسلوب المجاز والاستعارة والكناية كثيرا ما كان ابلغ في
بيان الحقيقة»((200)). تلخيص و تقييم
«ان الرمز يقترب من الاستعارة لانه يوحي الى المعنى المجازي
وهو معنى غير الدلالة الظاهرة، وحيث ان قصد المعنى
الحقيقي ممكن فيه (علاوة على المعنى المجازي)، فانه يشبه
الكناية ايضا. بيد ان الرمز يختلف عن الاسلوبين، رغم هذا
التشابه وغيره من انحاء القرابة، وهو اكثر تعقيدا وابهاما من
الاستعارة والكناية، لانه يخلو من القرينة الصارفة التي توجه
القارى نحو مفهوم واضح محدد بنطاقات خاصة. اذن فخاصية
الرمز الاولى في ما يتصل بصور الخيال هي انه لا ينحصر في
معنى مجازي محدد بل ينطوي على امكانية ان ينبثق منه العديد من المعاني المجازية»((201)). «يؤدي وجود القرينة، في
الاستعارة، الى ان ينتفي احتمال قصدالمعنى الحقيقي للكلمة،
وهو ما يجعل المعنى المجازي واضحا بوصفه المدلول الوحيد
الذي رمى اليه المتكلم، وبالتالي فان القارى دوما لا يفهم من
الكلمة سوى معنى مجازي واحد ومعين. لكن غياب القرينة عن
اسلوب الرمز يفضي الى العكس، اذ يجعل من المحتمل ان يكون
المعنى الحقيقي مرادا من الكلمة، الامر الذي يسلب معناها
المجازي الوضوح بنحو يخفي مراد المتكلم، وهكذا فان ثمة
معاني مجازية متعددة تتبادر الى ذهن القارى ء، سواء في زمن واحد ام في ازمان
متعددة»((202)).
ومن جهة اخرى، «فان الرمز يتعاط ى اساسا مع شؤون ومجالات
وتجارب وحقائق من نمط آخر يتباين مع نمط التجارب
الحقيقية المادية والمالوفة التي يشترك فيها الافراد»((203)).
اما المجاز فهو يتعلق (في المجال البلاغي) بالدرجة الاولى
بالتجارب الطبيعية والمفاهيم والمعطيات الارضية ونمط
الادراك المالوف، وفي ضوء ذلك، فان المساواة بين الصياغات
المجازية ولغة الرمز امرمجانب للصواب، فهما مقولتان
متباينتان تقريبا((204)).
يبدو، في ضوء ما تقدم، ان تقبل وجهة نظر العلامة الطباطبائي
سيؤدي الى تضييق دائرة المجاز في القرآن بنحو يتيح لنا
القول:ان قسما محدودا من آيات القرآن، وحسب، قد صيغت
بهذا الاسلوب. وهذا ما يجعل القول بمجازية النص القرآني كله،
او معظمه،مجردا من المسوغ العلمي، ذلك ان الاصل في
الخطابات العقلائية هو دلالة الكلمات والعبارات على معانيها
الحقيقية وقصد دلالتها
الظاهرة، الا حين يشير المتكلم من
خلال لفظ او قرينة اخرى الى انه لا يريد ظاهر الكلمة. وهذه
القاعدة تجري في النص القرآني الذي يعبر عن مرادات الله
ومقاصده، وانما يرد المجاز والاستعارة حين تتوافر قرينة
تصرف المعنى عن ظاهر اللفظ، كما ان الدائرة الضيقة للمجاز
في القرآن لا يمكنها ان تشكل مسوغا للقول برمزية النص في
هذا الكتاب المقدس.
وبمعزل عن ذلك، فان غياب نظرية لغوية معرفية تتسم
بالوضوح، يجعل من غير الموضوعي القول بان دائرة المجاز
الضيقة في نص مقدس كالقرآن تستلزم رمزية لغته او تعبر عن
طابع رمزي فيها، لا سيما اذا كان المراد بالرمزية المفهوم الذي
طرحه بعض فلاسفة الدين وعلماء اللاهوت المسيحي في
الغرب، حيث ستكتسب القضية غموضا شديدا في ما يتصل بلغة
القرآن.
وعلى هذا، فليس هنالك اساس منطقي ونظري مبلور للقول
بمجازية معظم النصوص القرآنية او جميعها، او استعارتها، او
القول تبعا لذلك برمزية اللغة القرآنية. اذن لا بد لانصار الاتجاه
القائل برمزية لغة الدين من ان يبحثوا عن معالجة ما يواجهه
تحليل النص الديني وقراءته من اشكالية، في مجال آخر، ولا
سيما حين يتعلق الامر بالنص القرآني.
الشيخ بهاء الدين العاملي د. دلال عباس الدولة الصفوية والهجرة العاملية
منذ خمسة قرون، وبالتحديد في العام 1501 الميلادي، ولدت
في ايران دولة، رات فيها الدولة العثمانية ضرة لها ومنافسة
على زعامة العالم الاسلامي، هذه الدولة الوليدة كانت تحمل
في تكوينها بوادر العداء للدولة العثمانية، منذ اللحظة التي
اعلن فيهامؤسسها اسماعيل بن حيدر الصفوي الشاب
الصوفي الذي لم يتعد الخامسة عشرة من عمره، والمحاط
برفاق من الصوفيين القزلباش الذين كانوا يعدونه كابيه
واجداده من قبله «المرشد الكامل»، ويطيعونه طاعة عمياء في
جامع تبريز عاصمة آذربيجان، بعد ان دخلها منتصرا، وبعد
جلوسه على العرش، ان مذهب ايران الرسمي والاجباري هو
المذهب الشيعي، على الرغم من تحذير العلماء له من مغبة
فرض المذهب بالقوة..
وحين تولى السلطان سليم العثماني الملك، في العام 1512م
بعد ان اجبر اباه السلطان بايزيد الثاني على التنازل عن
العرش،
وقتل مخالفيه واخوته واولادهم، وكان على النقيض
من والده: اقل تدينا واكثر تعصبا وباسا وحبا للجاه والسيطرة
تفاقمت حدة الصراع السياسي والعسكري بين الدولتين، وحلت
النكبة بالشيعة في المناطق الخاضعة للحكم العثماني، ومنهم
شيعة جبل عامل، كما كانت قد حلت باهل السنة في ايران،
فاتهم علماء جبل عامل بالابتداع، ولم ينجهم الانزواء والتخفي
والاعتدال من القتل،فاضطر عدد كبيرمنهم الى الهجرة الى
النجف، او الى ايران التي كان قد سبقهم اليها آخرون من
النجف والحجاز وكرك نوح وجبل عامل بتشجيع الملوك
الصفويين، الذين كانوا بحاجة الى علماء ينشرون المذهب
ويعلمونه، وقد كان لهؤلاء العلماء دور مهم في تعديل خط
الصفوية الدرويشي، وفي الوقت نفسه وفرت لهم الدولة
الصفوية الظروف المناسبة للابداع والتاليف..
كان من بين هؤلاء المهاجرين شيخ يدعى الحسين بن عبد
الصمد (918ه
-
984ه)، هاجر من جبل عامل الى العراق، ومنها
الى ايران في العام 960ه، في زمن الشاه طهماسب الاول (921ه
-
984ه)، وتولى مشيخة الاسلام فيها، ثم غادر ايران الى الحج،
ومن هناك الى البحرين، حيث توفي في العام 984ه..
كان مع الشيخ، حين هاجر، ابنه محمد بهاء الدين، الذي لقب،
في ما بعد، بالبهائي، وهو تخلص للشاعر على اصطلاح
شعراءالفارسية. تعريف بالشيخ البهائي
ولد محمد بهاء الدين العاملي في العام 953ه، في قرية ايعاث
الواقعة على بعد خمسة كيلو مترات من مدينة بعلبك، حيث
كان يدرس والده مع استاذه الشهيد الثاني (الشيخ زين الدين
بن نور الدين العاملي الذي قتل في العام 965ه 1557م)، وكان
في السابعة من عمره حين هاجر مع ابيه الى ايران، حيث عاش
عامة عمره، لم يغادرها الا مدة قصيرة في العام (991ه 1583)
الى الحج، ومن الحجازقصد مصر للاخذ عن شيوخها، ومنها
توجه الى القدس الشريف، ثم الى دمشق فحلب، وعاد الى ايران
في رمضان من العام 992ه 1585م.
تولى الشيخ البهائي مشيخة الاسلام في زمن الشاه عباس
الكبير (حكم من سنة 995ه 1587م حتى العام 1038ه 1629)،
وقد
ارتبط هذان الاسمان، الى ان توفي الشيخ في العام 1030ه
1621م، في اصفهان، ومنها نقل الى المشهد الرضوي المقدس
بحسب وصيته، حيث دفن قرب الحضرة المقدسة، وقبره
مشهور يزوره العامة والخاصة..
كان الشيخ البهائي متعدد جوانب المعرفة، فيلسوفا حكيما
وفقيها مفسرا وعالما رياضيا ومهندسا واديبا شاعرا.
يمثل الشيخ البهائي الجيل الذي نشا في ايران اي الجيل
الثاني والذي ابدع باللغتين العربية والفارسية فاغنى اللغتين،
وخدم العربية خدمة عظيمة بوضعه منذ اربعة قرون ونيف اول
كتاب في النحو الميسر هو «الصمدية في النحو»، والمفارقة ان
اول كتاب في نحو اللغة العربية، وهو «الكتاب»، وضعه عالم من
اصل ايراني (سيبويه) عاش في بيئة عربية اللسان، واول كتاب
في النحو الميسر وضعه عالم من اصل عربي في بيئة فارسية
اللسان هو البهائي.
والبهائي اول من نظم الشعر الفارسي على بحر الخبب، كما انه
نظم كثيرا من شعره العربي على طريقة «الدوبيت»
او«الرباعيات»، وهكذا اسدى خدمة الى الثقافتين: العربية
والفارسية بتطوير النظم في كل منهما، باعتماده، في كل
منهما، وزنا من اوزان الاخرى..
وهو، بوصفه عالم رياضيات ومهندسا، ينسب اليه المؤرخون
والناس هندسة غالبية المباني التي تم بناؤها في زمن الشاه
عباس الكبير وتصميمها.. واشتهرت عنه حكايات، منها ممكن
الحصول، ومنها ما هو مستبعد وملحق بالخرافات، ومؤلفاته
وصلت الى الستين مؤلفا، وبعضهم اوصلها الى المئة، ما بين
كتاب ورسالة..
الا ان شهرة بهاء الدين العاملي اغرت بغاة الارتزاق، فنشروا كتبا
لمؤلفين مجهولين ونسبوها اليه، ك«اسرار البلاغة»و«المخلاة» و«فالنامة»((205)).
ولاسباب تقتضيها ضرورات البحث، سنقصر حديثنا، هنا، على
فقه الشيخ البهائي وشعره العرفاني دون سواهما من
عناصرشخصيته وانتاجه. بهاء الدين العاملي فقيها
أراني لا اجد تعريفا يختصر صفات الشيخ البهائي، فقيها، اكثر من تعريف الخوانساري له
حين يقول عنه: «سلطان العلماء وتاج رقمتهم، برهان الفقهاء وتتمة ائمتهم، وخاتم
المجتهدين وزبدتهم، وقدوة المحدثين وعمدتهم»((206)). اذا تجاوزنا
موضوع السجع، نستنتج، من كلام الخوانساري، ان البهائي كان
متفوقا على معاصريه من حيث تعدد الموضوعات التي اشتغل
فيها، وكذلك من حيث وصوله الى الدرجات العليا من الاتقان
والاجتهاد في كل واحد منها. ونحن في محاولتنا اجراء مقارنة
بينه وبين معاصريه،في اثناء دراسته، وجدنا انه مختلف عنهم
كل الاختلاف، ليس فقط بانه الوحيد في عصره الذي كان
يجمع الى الفقه الحكمة والفلسفة والادب والرياضيات
والهندسة، وانما ايضا لانه طرق ابواب الفقه جميعها، وكتب
والف فيها جميعا، في حين ان ما من احد من معاصريه كتب والف في اكثر من موضوع او
موضوعين، كما ان البهائي كان في كل ما كتب من كتب ورسائل في الاصول والحديث، يميل
الى الاختصار، والى حذف فضول الكلام، وهذه احدى اهم مميزات اسلوبه، فهو، بوصفه
عالما رياضيا، يعطي المنطق
الاهمية القصوى، لذلك جاء اسلوبه في رد بعض القضايا
الاصولية وفي عرض بعض الامور العقدية، هادئا رصينا، بعيدا
من التوتروالانفعال والتعصب الذي ينضح من كتابات معاصريه
من فقهاء السنة والشيعة على السواء في حماة الصراع السياسي
الذي كان دائرا آنذاك بين الدولتين: العثمانية والصفوية والذي
اصطبغ بالصبغة المذهبية((207)).
وتتمحور شخصية بهاء الدين العاملي الفقهية في ثلاثة مدارات
هي:
1-
المدار الاول: اتباعه لخط ى ابيه في العلوم الشرعية، وتاكيده
على هذا الامر مرارا وتكرارا: «والدي واستاذي ومن اليه في
العلوم الشرعية استنادي»((208))، وهذا يعني انه اتبع المنهج
الاصولي والكلامي للشيخ حسين بن عبد الصمد، وتاليا للشهيد
الثاني.
وقد تابع ما فعله والده الذي قيل: «انه اول من جدد قراءة الحديث في بلاد العجم»((209))، في دعوته الى تقصي اخبار
الاحاديث، وضرورة الاعتماد على الصحيح منها في كثير من
الامور التشريعية، على اعتبار ان معرفة الاحاديث الصحيحة
هي الضابط لسلوك الفقيه، كما انه اتبع خطى ابيه وخط ى
الشهيد الثاني في تسامحه الديني وبعده عن التعصب
المذهبي، بمفهومه المغلق، الاحادي الجانب. وهذا ما حدا
بالعلماء من مختلف المذاهب والفرق الى احترامه وتقديره، واننا
نستشف، من خلال المحاورات والقصائد الاخوانية التي جرت
بينه وبين كبار العلماء من اهل السنة في مصر ودمشق وحلب
والقدس((210))، معالم شخصيته التي ارتفعت عن مستوى
السائد المقترن بالتعصب، فرسخت في نفوس معاصريه مخترقة
الحدود التي اغلقتها سياسات الشاهات الصفويين والسلاطين
العثمانيين، وهذا الخفاجي معاصره، وهو من اهل السنة يقول
عنه: «كان رئيس العلماء عند عباس شاه،سلطان العجم، لا
يصدر الا عن رايه اذا عقد الوية الهمم، الا انه لم يكن على
مذهبه في زندقته والحاده، لانتشار صيته في سداد
دينه ورشاده، الا انه علوي بلامين»((211)).
لم يكن البهائي متعصبا في تشيعه تعصبا حادا مغلقا، وانما كان
يعتمد في محاوراته على الاقناع العقلي للاخر من دون تشنج
اوتوتر، وهو في حواره مع كبار علماء السنة خارج ايران ما كان
يخفي تشيعه، ولكنه كان محترما لانه كان يعرف كيف يحاور
الاخر،ويجعله يحترم رايه ان لم يقتنع به.
2-
المدار الثاني: الشيخ البهائي من الاصوليين او الاجتهاديين،
الذين يقولون بادلة الاحكام الاربعة: الكتاب والسنة
الصحيحة والاجماع ودليل العقل، وهو من هذه الناحية مناهض
للاخباريين الذين حصروا مصادرهم في كتب الاخبار الاربعة
المعروفة عندالشيعة: الكافي للكليني، ومن لا يحضره الفقيه
للصدوق، والاستبصار وتهذيب الاحكام لابي جعفر محمد بن
الحسن الطوسي،والتي يعدون احاديثها قطعية السند، موثوقة
المصدر، معرضين عن دراية الحديث، مغفلين اقسامه،
مسقطين من ادلة الاصوليين دليلي الاجماع والعقل((212)).
من اهم ميزات البهائي، فقيها، ابداؤه رايه واصداره فتواه في
الامور الخلافية التي وجدها في اصول الفقه الموروث، وقد
جمع، في«زبدة الاصول»، آراء اهل السنة والشيعة، وحكى
ادلتهم مهذبة مرتبة، وادلى برايه فيها، باذلا وسعه في تحصيل
الظن بالحكم الشرعي. وهو لهذا كان يشترط في التلميذ،
ليجيزه، ان يكون «مترقيا عن حضيض التقليد الى اوج اليقين»،
او «متخليا عن ربقة التقليد، متحليا بحلية الاستدلال، وان لا يروي كتب الحديث
والفقه الا لمن له اهلية الرواية»((213)).
3-
المدار الثالث: جعل الفقه علما ميسورا لعامة الناس.
فقد كان الفقه، بالنسبة اليه، هو المجال الحيوي للتعاطي
اليومي مع الناس، والقناة التي يتم من خلالها التواصل بين
التراث وبين الحاضر. فهو اول من الف في الفقه الميسر «جامع
عباسي»، وجعل المعارف الفقهية الاساسية في متناول طبقات
الشعب المختلفة،في حين كانت اغلب الكتب الفقهية في وقته
عبارة عن شرح على آثار الكتاب السابقين، او شرح على شرح
آخر، او حاشية على شرح الشرح، هذه الشروح، والشروح فوق
الشروح على موضوعات الكتاب الاصلية، جعلت الاستفادة من
الكتاب الاصلي صعبة ومرهقة، وجعلت العلم الحقيقي مغلقا
على الافهام((214)). ونحن لا نعرف احدا قبل البهائي، من فقهاء المذاهب الخمسة عند المسلمين، كتب كتابا في الفقه الميسر، فكان الشيخ البهائي اول من فكر بوظيفة العمل الفكري الاجتماعية، فقد كانت كتب الفقه حتى عصره وبعده، حتى النصف الاول من القرن الرابع عشر الهجري،موجهة لغة ومضمونا الى خاصة الخاصة من الفقهاء ودارسي الفقه، ومحصورة في ايران بالذين يعرفون العربية.
لذلك يعد كتاب الشيخ البهائي «جامع عباسي»((215))، او
«الجامع العباسي»، اول كتاب في الفقه الميسر، وهذا الكتاب
احد اهم كتب الشيخ، وواضح ان المقصود بالجامع: «الكتاب
الجامع»، لانه يجمع اعماله الفقهية جميعها، والمقصود بصفة
العباسي نسبته واهداؤه الى الشاه عباس الصفوي، وهذا الكتاب
خلاصة اعمال البهائي الفقهية جميعها، وقد عاجلته الوفاة قبل
اتمامه، فاكمله تلميذه نظام الدين حسين الشاوجي.
ويكفي للتدليل على اهمية هذا الكتاب ان نقول: انه اكثر كتبه
الفقهية شهرة وتداولا في ايران وفي الهند، ولكن مما يؤسف له
انه غيرمعروف بالعربية، لان صاحبه كتبه بالفارسية، ولم
يترجم بعد الى العربية((216)).
ان «جامع عباسي» هو «اول رسالة عملية فقهية غير استدلالية، ودورة كاملة في الفقه»((217)).
لغته الفارسية بسيطة ومباشرة تقربه من افهام الخاصة والعامة،
من طالبي المعرفة، وتكاد لا تستعصي على اي قارى ء له
معرفة متوسطة باللغة الفارسية، كما ان اهميته تكمن في ان
المقصود من وراء كتابته ايضا ان يقراه متوسطو الثقافة والعامة
الذين لايعرفون العربية((218))، وذلك لان العربية كانت في
ايران لغة الخاصة من العلماء، وقد اورد الشيخ، في كتابه هذا،
الاحكام القاطعة النهائية، ودعا من يرغب في معرفة تفاصيل
بعض الامور، الى الرجوع الى كتبه الاخرى، واضاف مادة واسعة
تتعلق ببعض الاعمال المندوبة، فضلا عن مناسك الحج التي
تفرد عادة في كتب مستقلة((219)).
كما ان الشيخ البهائي، بحكم وظيفته: شيخ الاسلام، صدرت
عنه بعض الفتاوى في بعض الامور اليومية المستجدة، وقد
سجلت كتب التراث الكثير من الفتاوى، في هذه المسائل
الموجهة اليه من الشاه، او من رجال البلاط، او من الفقهاء من
معاصريه((220)).
نضيف، هنا، اثره الباقي في تلامذته الكثيرين الذين رباهم،
ونهجوا النهج نفسه الذي خطه لنفسه ولهم، وقد سبق الشيخ
البهائي الذين جاؤوا قبله من الفقهاء والذين جاؤوا بعده في
امرين مهمين:
الامر الاول: عمله على تنسيق النصوص التي يرجع اليها
المجتهد في استنباط الحكم الشرعي من قرآن وحديث تنسيقا
موضوعيا،كما هو مبين في «الحبل المتين» و«مشرق
الشمسين» و«زبدة الاصول» بخاصة، حيث يبدا من الفرع
الفقهي بشكل فتوى لينتهي منه وقد اصبح محصلة عمل
اجتهادي متكامل، اي انموذجيا، مرورا بالالية الاتية:
أ- ينطلق من الفرع الفقهي،
وهذا يعني ان الشيخ البهائي فكر، منذ اربعة قرون، بما هو
حاجة لا تزال ملحة حتى الان في منهجة الدراسات الفقهية.
وهنا بالتحديد يتضح اثر عقلية الشيخ البهائي العلمية في عمله
الفقهي..
الامر الثاني: والذي لا يقل اهمية عن الامر الاول، وهو انه لم
يلجا الى التجريح او الطعن براي العلماء السابقين كما هي
حال معاصريه، وكما تؤكد المقارنة بين بعض رسائله ورسائل
لمعاصريه مطبوعة معا((221)). موقف الشيخ البهائي من علم الحديث
ان الشيخ البهائي، في اهتمامه بالحديث، يسير على خط ى ابيه،
ومن ثم على خط ى الشهيد الثاني، اول فقيه امامي الف في
الدراية،مقتبسا الاصطلاحات من كتب اهل السنة((222)).
كما روى عن جماعة كثيرين من الخاصة والعامة في الشام
ومصر وبغداد والقسطنطينية وغيرها((223))، وتلميذه الشيخ
حسين بن عبد الصمد، والد البهائي، اول من نشر علم الحديث
في ايران، وثاني امامي مؤلف في علم الدراية، واول من استدل
على «حجية الاستصحاب بالروايات»((224))، وجاء بعده ابنه الشيخ البهائي فنسق
وبوب، وفي كتابه «الوجيز في الدراية»((225)) الذي هواساسا مقدمة لكتاب
«الحبل المتين»،
بسط الكلام في علم الحديث واستقصى مسائله، وانواع
الحديث، ومباحث الجرح والتعديل.اهم ما في كتاب «الوجيز في
الدراية» انه عرف بالمصطلحات التي استخدمت في الحبل
المتين: «علم الدراية» و«الحديث»و«الخبر» و«السنة» و«السند»
و«الحديث المتواتر»، و«الاحاد»، «المستفيض» و«الغريب»
و«المسند» و«المطلق» و«المرسل» و«المنقطع» و«المعضل»
و«المعنعن» و«المضمر» و«العالي»، و«المسلسل»، و«الشاذ»،
و«الصحيح»و«الحسن» و«القوي»، و«الموثق»، و«الضعيف»
و«المقبول» الخ.. كما تحدث عن صفات الراوي، ثم شرح
المصطلحات التي تستخدم للجرح، وتحدث عن آداب كتابة
الحديث.
ويعود، بعد رسالته في الدراية التي عدها مدخلا الى رحاب
كتابه: «الحبل المتين»، في هذا الكتاب، فيتحدث عن اهمية
علم الحديث ومكانته بالنسبة الى التشريع، ثم يتحدث عن
المنهج الذي اتبعه، وعن ترتيب الكتاب وابوابه (والمنهج هو
الجديد)، فيجعل اقسام الكتاب في اربعة مناهج، ويقسم المنهج
الى كتب، والكتاب الى ابواب، والباب الى مقاصد، والمقصد الى
جملة، والجملة الى فصول..وقد شرح من الاحاديث ما يحتاج
الى البيان والتفسير، ورفع التنافي بينها على وجه حسن، في ما
يظن فيه التنافي بحسب الظاهر،وقد اقتضى منه ذلك لغة
تفصيلية نقدية تصل في نقدها احيانا كثيرة الى تفتيت النص
وفحص مفرداته وروابطه ومستوياته التعبيرية، وصوره الفنية
ودلالاته، مستخدما ذوقه الادبي في تفسير الروايات وشرح
الفاظها واستعمالاتها المجازية المغفول عنها.
ناخذ انموذجا من كتاب «الحبل المتين»، وهو «بحث القبلة»((226)) للدلالة على منهجه المتكامل في البحث:
1- اورد، اولا، «المسالة الفقهية»، وهي: «وجوب استقبال القبلة
في الصلاة والاجتهاد فيها بقدر الامكان».
فالمخالفون لا يجيزون التعويل، في تحديد سمت القبلة، على
قواعد علم الهيئة، لان هؤلاء يقولون بكروية الارض، وهم من
الذين ينكرونها اعتمادا على آيات معينة،... ويقولون ان التعويل
على كلامهم غير جائز لان مضمونه لم يثبت شرعا..
بعد ان يورد راي هؤلاء الذين لا يعولون على كلام علماء الهيئة،
ويورد حججهم، يرد عليهم مناقشا آراءهم فقهيا وعلميا،
فيقول:
- «اما ما ذكرت
[المخالف]
من ابتناء قواعدهم على كروية الارض
فحق، واما قولك ما ذكروه في اثبات كرويتها لا يثمر ظنا
فخلاف الواقع، اذ افاده الدليل، الايات المفصلة في محالها تثبت
الظن بكروية الارض مما لا مجال للريب فيه.. واما ما ذكرت من
ان اهل الشرع ينكرون كرويتها فليس كما زعمت وكلامهم
ينادي بخلافه، فقد قال العلامة((227)) في كتاب الصوم من
«التذكرة»: «ان الارض كرة،فجائز ان يرى الهلال في بلد ولا
يظهر في آخر، لان كروية الارض مانعة لرؤيته، وقد رصد ذلك
اهل المعرفة، وشوهد بالعيان...»،وقال ابنه فخر المحققين: «ان
الارض كرية، لان الكواكب تطلع، في المساكن الشرقية، قبل
طلوعها في المساكن الغربية، وكذا في الغروب، فكل بلد غربي
يبعد عن الشرقي بالف ميل يتاخر غروبه الشرقي بساعة
واحدة..».
-
واما ما ذكرت من افادة الايات الكريمة عدم الكروية فليس
كذلك، اذ كون الارض بجملتها كرة لا ينافي امتنانه، سبحانه،
بجعلهافراشا للناس ومهادا لهم ومبسوطة لمنافعهم، فان عظم
حجمها لا يابى ذلك، وقد نقل الشيخ الجليل ابو علي الطبرسي
في مجمع البيان مثل هذا عن السيد المرتضى، وقال في
«الكشاف»، عند تفسير هذه الاية اعني قوله: (الذي جعل لكم
الارض فراشا): فان قلت:ان فيه دليلا على ان الارض مسطحة
وليست بكروية، قلت: ليس فيها الا ان الناس يفترشونها كما
يفعلون بالمفارش وسواء كانت على شكل المسطح او شكل
الكرة، فالافتراش غير مستنكر، ولا مدفوع لعظم حجمها واتساع
جرمها، وتباعد اطرافها...
-
واما قولك: ينبغي القطع بعدم جواز التعويل على كلام علماء
الهيئة، في باب القبلة وغيره، فمما لا يلتفت اليه بعد تصريح
محققي علمائنا بخلافه..
-
واما ما زعمت من ان شيئا من كلامهم لا يفيد علما ولا ظنا، فبعيد عن جادة الانتصاف
جدا، وكيف لا يفيد شيء من كلامهم
علما ولاظنا، وقد ثبت اكثره بالدلائل الهندسية والبراهين
المجسطية التي لا تتطرق اليها شبهة ولا تحوم حولها وصمة
ريب.
واما قولك: انه لا وثوق لك باسلامهم، فضلا عن عدالتهم فكيف
يجوز التعويل على كلامهم، قبل تيقن مضمونه، فكلام عار عن
حلية السداد، اذ اليقين غير شرط، ورجوع الفقهاء في ما
يحتاجون اليه في كل فن الى علماء ذلك الفن، وتعويلهم على
قواعدهم، اذا لم تكن مخالفة لقانون الشرع، شائع، ذائع، معروف
في ما بينهم خلفا عن سلف كرجوعهم في مسائل النحو، وفي
مسائل اللغة، الى النحاة وفي مسائل الطب الى الاطباء، وفي
مسائل المساحة والجبر والمقابلة والخطاين، وما شاكلها الى
اهل الحساب، من غير بحث عن عدالتهم وفسقهم، بل ياخذون
عنهم تلك المسائل مسلمة ويعملون بها من دون نظر في
دلائلهم، التي ادتهم اليها، لحصول الظن الغالب، بان الجم الغفير من الحذاق في صناعة
من الصناعات، اذا اتفقت كلمتهم على شيء مما يتعلق بتلك الصناعة، فهو ابعد من الخطا، وهذا
من قبيل الظن الحاصل بخبر الشياع»..
اما في كتابه: «الاربعين حديثا»، الذي يحتوي على اربعين
حديثا من الصحاح، في السنن والاداب الدينية والاحكام
الفقهية، فاتبع منهجا في دراسة الاحاديث الاربعين هو الاتي:
وتظهر قدرة البهائي الفائقة على التبويب والترتيب اكثر ما تظهر في كتابه: «مشرق
الشمسين واكسير السعادتين»((228))
الذي يوفق فيه بين احكام الكتاب والسنة، شارحا المنهج الذي
اتبعه وتقسيم الكتاب الى ابواب (مناهج) والابواب الى فصول
(دروس)،مثبتا ان دوره، بوصفه معلما، اثر في قدرته التي لا
تضاهى هذه على التبويت. منهجه في التفسير
من المهم ان نشير الى اسلوب الشيخ البهائي ومنهجه في
التفسير، هذا المنهج الذي تطور من تعليق على تفسير
الاخرين الى منهج واسلوب واضحين خاصين به..
فقد بدا الشيخ البهائي دراسة القرآن والتعليق على ما جاء، في
كتب المفسرين قبله، منذ ان اتم العشرين من العمر، وله
تعليقات على تفسير البيضاوي، وعلى مباحث الكشاف
للزمخشري، ومجمع البيان للطبرسي، كما اشار هو نفسه، في
مقدمة كتابه: «العروة الوثقى». اما بالنسبة الى رايه في تفسير
القرآن، فهو يرد على الذين يقولون: انه لا يجوز ان يتجاوز
الانسان في تفسيره القرآن ماهو مسموع فقط، استنادا الى
الحديث المنسوب الى النبي(ص): «من فسر القرآن برايه
فليتبوا مقعده في النار»، فيرد الشيخ على نسبة هذا الحديث
بقوله: ان الجواب عن هذه المسالة هو في وجوه كثيرة: الاول: انه معارض بقوله(ص): «ان للقرآن ظهرا وبطنا، وحدا ومطلعا»، وبقول امير المؤمنين(ع): «الا ان يؤتي الله عبدا فهمافي القرآن»، ولو لم يكن ذلك الفهم سوى الترجمة المنقولة فما فائدته؟
الثاني: لو لم يكن عبر المنقول، لاشترط ان يكون مسموعا من
الرسول(ص)، وذلك ما لا يتاتى الا في بعض القرآن، فاما ما
يقوله ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من انفسهم، فينبغي ان
لا يقبل، ويقال: هو تفسير بالراي.
الثالث: ان الصحابة والمفسرين اختلفوا في تفسير بعض الايات،
وقالوا فيها اقاويل مختلفة لا يمكن الجمع بينها، وسماع
ذلك(التناقض) من رسول الله(ص) محال، فكيف يكون الكل
مسموعا.
الرابع: انه(ص) دعا لابن عباس فقال: اللهم فقهه في الدين
وعلمه التاويل، فان كان التاويل مسموعا كالتنزيل، ومحفوظا
مثله، فلامعنى لتخصيص ابن عباس بذلك.
الخامس: قوله تعالى: (لعلمه الذي يستنبطونه منهم)
[النساء/83].
فاثبت للعلماء استنباطا، ومعلوم انه وراء المسموع، فاذا الواجب
ان يحمل النهي عن التفسير بالراي على احد معنيين:
نستنتج، من ذلك كله، ان بهاء الدين العاملي مع التفسير
بالراي، ولكن بشروط واضحة، لا تختلف عن الشروط التي
وضعها علماءالتفسير المعروفون في ما بعد.
ولا يمكن لاي انسان، في راي بهاء الدين العاملي((229))، ان
يتصدى لتفسير كلام الله من دون ان تتوافر لديه ادوات
التفسيرالاساسية، وهي: علم المعاني، وعلم البيان، اذ من دون
التبحر فيهما، لا يمكن الغوص على جواهر اسرار القرآن.
وفي تفسيره «العروة الوثقى» تظهر لنا جلية ثقافته الواسعة،
ومقدرته على الترجيح، وحسن الاستنباط، والمقارنة بين
راي اصحاب المعاني وراي اللغويين، وفي تحقيق الروايات،
حتى وان كانت صادرة عن علماء اعلام، وهذا من اهم مميزات
اسلوبه في التحقيق. وهو، في اثناء التفسير، لا يتوانى عن رد حديث يؤيد به بعض اصحاب
الاراء رايهم ان راى في هذا الحديث خللا معنويا اولفظيا، ففي نقده لرواية نقلت عن
ابن عباس يقول: «... على ان في متنها خللا يبعد صدور مثله عن مثله»((230)).
اما في المسائل الاعتقادية فان اهم ما يميز الشيخ البهائي، في
مناقشتها، هو عرضه لمجمل الاراء، واظهار موقفه من المسالة
من دون تشنيع او تجريح براي احد من السابقين او اللاحقين،
في زمن وجد فيه من بين معاصريه، من يردون على اخصامهم
بصيغ فيهاالكثير من التحدي والتجريح والتسفيه.
وذلك بين في «الرسالة الحريرية»((231)) و«رسالة ذبيحة اهل الكتاب»((232)) التي يمكن عدها من باب الفقه الاسلامي
المقارن لايراده فيها اقوال المذاهب الخمسة وحججهم، ومع
انه دافع عن راي الامامية الا انه لم يسفه آراء المذاهب الاخرى،
وانما اورد الاراءباسلوب رصين وقارن بينها. البهائي وعلم الاصول
وكان طبيعيا ان يكون للبهائي، العالم موسوعي الثقافة، قسط
في «علم الاصول»، وهو العلم الرصين الذي تستنبط به الاحكام
في الفقه الاسلامي، فكان لنا كتابه: «زبدة الاصول»، الذي هو
الانموذج الابرز لمباحثه الفقهية والعقلية، حيث يظهر فيه
بوضوح اثرتفكيره الرياضي، ومعرفته بدقائق اللغة، باسلوب
واضح، منسق، بين، يتجلى فيه احترام المخاطب، والرفق به
في مسائل الفقه المعقدة، فقد حاول تسهيلها قدر المستطاع
من طريق تبويب الكتاب، وتقسيم مطالبه الى اقسام وفصول،
ينتقل بها من فصل الى آخر باسلوب مترابط متناسق، متدرجا
من العام الى الخاص، ومن المسائل الكلية الى المسائل
الفرعية((233)).
من كتابات الشيخ بهاء الدين العاملي المهمة: «الرسالة الاعتقادية»((234))، وهي على قصرها، خلاصة للمنهج الذي
سار عليه في حياته، هذا المنهج الذي ابعده عن التعصب
المذهبي الذي كان سمة عصره((235))، وهي عمل فريد في
بابه بالنسبة الى ذلك العصر،لانها تختلف كليا عن الكتب
المذهبية والعقدية الاخرى عند السنة والشيعة، فهي تخبر
قارئها بمجمل معتقدات الشيعة الامامية، مايلتقون به مع
غيرهم من اصحاب المذاهب الاخرى من المسلمين وما
يختلفون به عنهم، بطريقة موضوعية مجردة، خالية من اللهجة
العدائية المتوترة التي وسمت كتابات معاصريه من الفريقين. بين التصوف والفقه في حياته وآرائه
ومما لا بد منه، ونحن نتحدث عن البهائي فقيها، هو الكلام
على المنحيين الفلسفي والصوفي عنده، لانهما شديدا الصلة
بالاتجاه الفقهي الاجتهادي، وقد تطرق البهائي الى بحث قضية
الخالق ووحدانيته وصفاته والبعث والنشور، والكون والانسان
والقدروالجوهر الفرد، هذه القضايا التي عالجها الفلاسفة
المسلمون قبله، فتناولها بالحجج المنطقية والادلة العقلية
والوجدانية. وبما ان الكلام على بهاء الدين العاملي فيلسوفا
ومتصوفا عرفانيا يحتاج الى بحث مفصل ارجاناه الى وقت آخر،
نرى مهما هنا ان نشير الى العلاقة بين التصوف والفقه في حياة
الشيخ البهائي العملية وفي آرائه النظرية، فهو على الرغم من
عشرات الكتب التي الفها، ومن ممارسته التعليم طوال حياته،
ومن نشاطه البارز والفعال، كان اميل الى الزهد في الدنيا
والتزام الصمت، والبعد عن التماس العطاء
من غير الله عز وجل،
هذا الزهد في الحياة الدنيا يظهر واضحا جليا، في تشجيعه
النفوس على التخلص من ربقة المادة، كما يتضح من نفسه
العرفاني الذي ظهر في سوانحه، وفي شعره العرفاني بالفارسية،
وفي اكثاره من الحديث عن المتصوفة واخبارهم في كتابه:
«الكشكول»، كما انه يكثر، في هذا الكتاب، وفي مثنوياته
الشعرية، وفي قصته النثرية: «موش وگربه»، من التحذير
من الدنيا والاقبال عليها، كما يكثر من الترغيب في الاخرة
والميل اليها، وينصح الانسان بان لا يطلب الدنيا للتمتع
بلذاتها، بل ان يطلبهالصالح يرجو اعانته او طالح يخاف
اهانته((236)).
لم يبتعد بهاء الدين العاملي، في تصوفه، عن الاساس النظري
للتصوف، بوصفه حركة نفسية او روحية، فهو يبدا من
فكرة الوصول الى المعرفة، من طريق «الكشف» او «الاشراق» او
«الحدس»، والوسيلة العملية لذلك هي «مجاهدة النفس»
وكبح شهواتها. والعارف، في نظر البهائي، هو الذي يصل الى
منبع الحقيقة بالمجاهدة، من طريق تصفية الباطن للوصول
الى الحقيقة المطلقة (السر الازلي)، و«الشيخ هو الانسان الكامل
في علوم الشريعة والطريقة والحقيقة، البالغ الى حد التكتم
فيها لعلمه ب آفات النفوس وامراضها وادوائها، ومعرفته بدوائها
وقدرته على شفائها... والعامة هم الذين اقتصر علمهم على
الشريعة، ويسمى علماؤهم علماء الرسوم»((237)) ويقول: ان «علماء الرسوم والعوام لا
يفهمون اسرار الحقيقة على ما ينبغي فتضرهم او
تهلكهم»((238)).
وقد دعا البهائي الى التوفيق ما بين «الطريقة» والشريعة، في
وقت اخذ التطرف والغلو من الفقهاء القشريين والمتصوفة
خطاتصاعديا ناميا، وحكم كل فريق على الاخر بالخروج على
الجادة. ويجمل موقف البهائي من الفقهاء والمتصوفة العنوان
الذي جعله في بداية مثنوي: «نان وپنير» (الخبز والجبن)، وهو:
«فصل في ذم المنتقدين للحكمة وينكرون لطائفها وسرائرها
من الغفلة والظلمة، وفي تفسير من تفقه ولم يتصوف فقد تفيقه، ومن تصوف ولم يتفقه فقد
تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقق»((239)). التصوف والعرفان في شعر الشيخ البهائي
كان طبيعيا ان لا يبقى الشيخ البهائي في حدود الظاهر في
تعاطيه مع الدين، وقد غرف اولا من نهج الامام علي(ع)، ومن
الصحيفة السجادية للامام زين العابدين(ع)، وكانت «مناجاة
المحبين» للامام السجاد(ع) من اوائل النصوص التي كان
يعلمها لتلامذته،وهذا النص يعد من اوائل النصوص العرفانية
في التراث الاسلامي، وقد نهل ايضا من ذلك التراث العرفاني
الفارسي الذي امتدقرونا.. لذلك نرى ان عرفان الشيخ البهائي
يتجلى في شعره الفارسي اكثر من تجليه في شعره العربي، وان
كنا نعثر في شعره العربي، والديني منه بخاصة، على لمحات
عرفانية، ولقد ارتبط شعره الديني (العربي) برؤية النبي(ص)،
او اهل بيته(ع)، في المنام، حيث ينال عطفهم ويسقى من
محبتهم خمرة صافية طهورا:
وليلة كان بها طالعي
يقول في «المناجاة والشوق الى صحبة اصحاب الحال وارباب
الكمال»:
عشاق جمالك احترقوا
الصورة واضحة ومدلولها العرفاني واضح ايضا، فالعشاق هم
اصحاب الحال وارباب الكمال، احترقوا بمحبة الذات العلية
وغرقوافي بحر صفات الله عز وجل، يقفون في بابه يستجدون
نواله، حيارى لا يعرفون انفسهم في طريق طلب النوال، لا تزال
ذكرى الوصال تؤرقهم، والوصال معرفة بالحبيب وبجماله
الروحي.
والحق يقال: ان اجمل اشعاره هي قصائده الخمرية التي قالها
في العشق الالهي على طريقة المتصوفة، وهي ملمعات بعضها
عربي وبعضها فارسي، اعتمد فيها الرمز واحيانا القصة على عادة
الشعراء الايرانيين الذين تقدموه باعتماد الرمز في اشعارهم،
وهو
مثلهم يقصد بالكاس والنديم والمدام والدف والمطرب
والصنج والساقي اسرارا يعبر عنها بالايماء.
الخمرة لديه طاهرة تزيل الادناس، وتفعل في العظام فعل
الخمرة النؤاسية، انها شعلة الايمان المقدسة، وهي تعبر عن
الفناء في الذات العليا، وما المصطلحات التي استخدمها سوى
رموز من سلسلة من المعاني العرفانية.
قال في سوانح سفر الحجاز، من مثنوي «نان وحلوا» (الخبز والحلوى)، تحت عنوان: «في
التشوق الى الاقلاع عن ادناس دارالغرور، والتشوق الى الارتماس في بحر الشراب
الطهور»((241)):
يا نديمي ضاع عمري وانقضى
وقال تحت عنوان: «في نغمات الجنان من حدبات الرحمن»((242)):
اشف قلبي ايها الساقي الرحيم
هذه الخمرة المقدسة تستمد نورها من نار موسى التي يممها
يقتبس منها في جبل الطور، فكان له هناك الوحي الالهي،
وكلمه اللهتكليما: (نار موسى، الطور، الوادي المقدس)، من
عرائس شعره في غالبية قصائده الدينية، تظهر لنا ان خمرة
البهائي، في جميع جوانب شعره، انما هي خمرة الايمان
المطلق بالحقيقة المطلقة، وان استخدم التعابير والمعاني
المالوفة في شعر الخمرة عند امثال ابي نواس:
قم ولا تمهل فما في العمر مهل
انه يعمد الى الرمز والاشارة ليعبر عن فيضه الباطني، ويبدع
لنفسه مصطلحات خاصة، لا يدركها الا الصوفي، فيصبح
الفقيه المحافظ عارفا صوفيا متحررا، رفيع التحليق، يوازي
شعره شعر كبار المتصوفين، ويسمو في فضاء الروحانيات،
وينسى ما في عالم المعقولات، من صخب وثقل، ثم هو يمزج
الخمرة بالغناء، وذكر المغني وآلات العزف، وذكر الحبيب:
يا مغني ان عندي كل غم
انها غفلة الانسان عن الحق عندما يهتم بامور الحياة الدنيا،
ويدخل في ما يدخل فيه الناس من جدال عقيم، وكل ما في
هذه الحياة الدنيا قيود واغلال تشد الانسان نحو الحضيض، ولا
تترك له فرصة التحليق في الفضاء الرحب، بل ان فيها اصناما
يتعلق بها قلبه الضعيف:
كل آن فهو في قيد جديد
وهو يحث النديم على عدم تضييع العمر في قيل وقال ونزاع
وجدال، وعلى الاسراع في سقيه المدام العذب التي تهدي الى
خيرالسبيل، حتى انه ليشوق لو سقي منها بالدنان لا بالكؤوس،
انها تزيل ما علق في الذهن من العلوم الدنيوية التي هي
«علم الرسوم»، بينما ما يبقى ليس سوى ما يثمر السعادات
الباقية الاخروية:
قد صرفنا العمر في قيل وقال
ثم يصرح، في الابيات الفارسية التي تلي، ان العلم الرسمي قيل
وقال لا قيمة له، ولا يجب ان يكون الفكر الا في الحبيب..
ويقول على لسان المغني العربي الذي سمعه في طريقه الى
الحجاز يترنم:
ايها القوم الالى في المدرسه
ويقول في قصيدة الكردي الذي قتل امه:
أيها الساقي ادر كاس المدام
و يقول، في قصيدة يجمع فيها رموزه العرفانية: الخمرة المقدسة (رمز المعرفة) جيران
الحمى (رمز لجيران دار الخلود)، الساقي(المرشد والدليل الى الحق)، الدير: مكان
تعاطي الخمرة، المدارس (المواعظ) والعلم الرسمي، الذي
سماه العلم المجازي وليس هوالطريق الموصل الى الحق.
جاء البريد مبشرا |