يقول في قصة الكردي الذي قتل امه لاشتهارها بالفساد، وفيها
ترمز الام الى النفس الامارة بالسوء، والكردي الشجاع هو
الانسان الذي يستطيع الخلاص من قوى النفس الكفور، يقول
في آخر القصة بما لا يدع مجالا للتاويل:
ايها الماسور في قيد الذنوب
والبهائي الانسان يبغي الخلاص من دواعي النفس بخمرة
قدسية تخلص الارواح من قيد الهموم:
أيها الساقي ادر كاس المدام
ويعيش الشاعر العارف بصدق روح الحديث القدسي الذي
يقول: «ان الله سبحانه كان كنزا مخفيا، فاحب ان يعرف، فخلق
الخلق ودعاهم لعبادته، فاستمتعوا بنعمة الاجابة والمعرفة، ثم
كانت المعصية والهبوط من دار الخلود الى دار الفناء، فكان
الحنين الى الحياة الاولى، وكانت الضراعة الى الله، وكان
الاشتياق والمجاهدة للعودة الى موطن الحب والمعرفة،
واتخذت محاولة العودة صيغا مختلفة من الجهاد والاجتهاد».
فروح الانسان لطيفة ربانية اودعها خالقها في جسد ترابي،
كانت في عالم القدس، وكانت شخصانية ترى وتسمع في عالم
الصورة المتمثلة التي ظهر بها الخالق لخلقه، وناداهم معلنا
الوهيته، وانه ربهم الاكرم الذي يريهم ويعلمهم.. وذلك النداء
هو النداء الاول الذي سمعته الارواح من بارئها في ظهوره الاول
لها في عالم الصورة.. هذه الروح التي انعم الله عليها بمعرفته
في عالم القدس، لاتنفك قلقة جزعة بعد الهبوط الى عالم
الكون والفساد، لانها في شوق دائم الى ما راته وسمعته من
بارئها، متذكرة ما كان من نعمة اللقاء الاول، لذلك فهي لا تزال
تحن الى ذلك اللقاء وتلك المنازل، فالمنازل التي يبكيها
الشاعر رمز لدار الخلود قبل فراقها، ولذلك لايكف عن الحنين
اليها، والى عهده القديم فيها:
ايها اللاهي عن العهد القديم
فالعهد القديم هو ذلك العهد الذي قطعته الارواح على نفسها
في العالم الاول قبل الهبوط، نسيت العهد الذي قطعته
للحبيب (الله عزوجل)، ولكن سماع غناء العندليب، بما هو
مظهر من مظاهر تجلي الحبيب وقدرته، يعيد الروح الى ذكرى
ايامها الاولى: اذا هذاالطائر، هو راوية قصة الحي القديم (عالم
القدس):
يا بريد الحي اخبرني بما
ويتابع ملمعا بالفارسية ما معناه انه رسول الحظ المبارك، لانه سيخلص الروح من
قيودها:
مرحبا يا رسول فالنا المبارك
ان سماع الغناء يحرك لدى الصوفي الاضطراب والقلق والغم،
يذكره بسماع النغمة الاولى: (الست بربكم)، وفي ترجيع
الطيرواغانيه ما يفعل في النفس، فقد تنتشي وتتذكر بارئها
وموطنها الاول:
غناؤك ايها العندليب نار مؤصدة
الطائر المغني هو رسول الارواح، لذلك يسميه هدهد مدينة
سبا، هو حامل الاخبار وهادي الحائرين، حامل الرسالة والامانة،
المخبربصدق عن رؤاه ورؤيته:
مرحبا ايها الببغاء الجميل الكلام
ماذا سيعيد هذا الببغاء على المسامع؟ احاديث نجد واحباب
نجد، وزمزم والخيف ومنى، ماذا تعني هذه الاماكن بالنسبة
الى المتصوف؟ اليست هي الاماكن المقدسة التي خاطب فيها
الله عز وجل رسله وانبياءه؟ من هو الحبيب الذي نقض العهد
والميثاق؟ اليس ذلك كناية عن انقطاع العهد بين الخالق
والارواح؟ وما هو الا تبرئة الذات من المعصية الاولى، التي
كانت سبب هبوط الارواح الى الارض وسكنها في الاجساد:
قل كلمة عن لسان ذلك المعشوق الجميل
ويظل العاشق (الروح المشتاقة الى بارئها) في شوق دائم،
وخشية من ان لا تصدق الرؤيا وتتحقق، وتخوف من فقدان
الامل في الرؤية، دائم التذكر، كمن يستيقظ من حلم سعيد،
وكيف يعود الى الحلم بغير النوم، حيث تفلت الروح من شهوات
اليقظة، وفي الحلم يرى الحبيب((254)):
مسدلا على كتفيه قصبات المسك
فقصبات المسك التي يشبه بها الضفائر السوداء، لان المسك
اسود اللون، انما يرمز بها الى الليل، حين يرود خيال الحبيب
في المنام، وحين يكثر الشوق والحنين والوجد، ونظرة الحبيب
المروضة للخلق والعالم انما هي لطف الله بالعباد، لان العالم
صنع من نظرته، ومن وجوده الاول انبثق العالم. ولكن هل يصل العالم الى الرؤية الفعلية؟
-
قلت له: متى اراك يا جميل التبختر؟
-
منصب الدنيا يا حسن الاصل
-
ما هو الزهد؟ انه تجريد القلب من حب الغير
-
اغسل معاصيك بالتوبة
-
ان فاقت خطاياك العد
-
كل من جاءه توفيق الحق دليلا
-
اذا كان يمكن ان يقدس الله الواحد الصمد من طريق التقليد،
نقول على هذا النحو ان جمعا من العوام قد دخلوا الاسلام
-
ان الحجر الذي نسجد عليه في صلاتنا رياء
-
ان نتيجة اللقمة المعجونة بالعبادة ظاهرة للعيان
-
اذا كنت تطلب حياة سعيدة
-
الى متى ستظل يا هدهد مدينة سبا
-
الى متى ستظل يا عندليب عالم القدس
-
الى متى ستظل قانعا بتربية بدنك، وبالتراب بديلا من جنة
عدن، تطلع الى الملك الذي ينتظرك، واخرج من البئر يا
يوسف المصري، لتصبح والي مصر الوجود، وسلطان سرير
الشهود
-
أيها الماسور في قيد الذنوب
ان كنز العلم ما ظهر منه وما بطن
بالمجاهدة: مجاهدات المحبة، حيث تتفلت الروح من
متطلبات الجسد، وبهذا يصبح الصوفي على باب الطريق الى
العودة، متذكراسعادات المعرفة الاولى، حين يتوصل الى السر
الازلي، ويقترب من العلم الحقيقي (معرفة الحق) او العشق
الالهي، وهو الغاية التي يجاهد من اجلها المحبون المغرمون
بكمال الجمال، ويقطعون في مجاهداتهم مراحل الطريق
مرحلة مرحلة حتى يبلغوا النهاية.
-
العلم الرسمي كله قيل وقال، لا يحصل منه جذبة او حال
وبعد ان تشعر الروح بالظما، وهي مقيدة في ظلمة الجسد،
تتوجه بكليتها الى النور العلوي، فتضع قدما في عالم آخر
مختلف،افضل واجمل واعلى، هو مدينة الروح، والعالم الجديد،
مختلف من عالم الجسد، فتصبح خالصة مصفاة من تراب
طهور، لا تخاف نارا ولا بردا، كل جهة في ذلك العالم الجديد
تبدو متعة للناظرين، تفيض عليها الانوار القدسية، فلا ترى الا
حسنا في حسن وجمالافي جمال((265)).
وهو يرمز الى المعرفة بالخمرة المقدسة التي تهدي الى خير
السبيل، فليشربها بكثرة لضيق الوقت، لان ما بقي من العمر لا
يكفي للتكفير عما مضى منه، وليشربها من دون عصر (اي دون
تمحيص)، لان ما بقي من العمر لم يعد كافيا للقيل والقال،
هذه الخمرة المقدسة هي التي تزيل التوتر والقلق والهموم،
وتريح النفس والفكر من العلوم المجازية:
قد صرفت العمر في قيل وقال ثم يتساءل: ان قيل لك انه لم يبق من عمرك سوى سبعة ايام، وهذا امر يقين، انت في هذه الايام السبعة ماذا تختار؟ الفلسفة اوالنحو او الطب او النجوم او الهندسة او الرمل او الاعداد المشؤومة؟
العلم الحقيقي ليس سوى علم العشق، وما بقي من العلوم
المجازية ليس سوى تلبيس ابليس الشقي، وكذلك علم الفقه
وعلم التفسير والحديث.
هذه العلوم لا تؤدي الى كشف السر حتى وان كان تلاميذك
مئة من امثال «الفخر الرازي»، فانك ان لم تتعلم «العشق
الالهي» فلن ينكشف لك السر ويزول الحجاب..((267)).
الخمرة والغناء والحبيب هي رموز العرفان الثلاثة التي سطعت
في اشعاره، ولقد خلع البهائي على المحبوب الانسان
جميع الصفات التي تجعل منه المعشوق كامل الاوصاف.. وهو
يدعو الى الحب، فمن لا حبيب له لا روح له، والحب وحده
يهذب النفوس،
ويعيد اليها فطرة الجمال الاولى:
من لم يوله بحب الوجه القمر الجميل مصطلحات التصوف والعرفان في شعر البهائي
الشعراء العرفاء جميعهم يلتقون في التعبير المتقارب عن
الحنين الى الاصل الالهي، والشوق الى الصفاء الذي يعيد، الى
الجنة المفقودة والنعمة المرجوة، نعمة اللقاء، والغرق في بحر
السر، والتخلص من ربقة الجسد الكثيف، وذوق التصوف
والعرفان فطري، وموهبة ربانية لا تاتي كغيرها من العلوم
بالاكتساب والبحث والدرس والجدل.. وللشعراء العرفاء
مصطلحات وتعبيرات مجازية سطعت في اشعارهم، لا يفهمها
او يتذوقها الا من تمرس بقراءة هذا الشعر، وادرك ما تعنيه هذه
الرموز.. هذه التعبيرات المجازية لا تختص بالشعراء الايرانيين
وحدهم، وانما هي في شعر العرفانيين الهنود ايضا، والشعراء
العرب من امثال ابن الفارض ومحي الدين بن عربي.. وقد ورد في شعر البهائي مصطلحات من قبيل:
الخمرة والحبيب: وهما رمزان لواجب الوجود المطلق
ولمعرفته، لقد خسرنا الدين والدنيا بنظرة واحدة، ونحن مع
ذلك فرحون
هل يدل ما ذكرناه على تناقض بين وجهي البهائي: عالم
الرسوم (الفقيه المجدد)، والعارف الكاره لعلم الرسوم او ان
هنالك سعيا
وكدحا للتوفيق بين الظاهر والباطن، ومجاهدة
للارتقاء من حضيض النزاع والجدال الارضيين الى حضن
الملكوت الاعلى؟ وهل يمكن للانسان ان يوفق بين هذين
الوجهين؟ انه يسعى...، وقد تكون افضل اجابة عن هذا السؤال ما
نختم به هذا المقال، وهو قول الشيخ البهائي في مقدمة مثنوي
نان وپنير:
«من تفقه ولم يتصوف فقد تفيقه، ومن تصوف ولم يتفقه فقد
تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقق».
المنهج التوحيدي عند الامام الكاظم(ع) د. زهير غزاوي اكتمال علم الكلام
اكتمل علم الكلام الاسلامي، في زمن الامام موسى الكاظم(ع)،
باكتمال نشوء المذاهب الاربعة، وقد تاخر ظهور المذهب
الاشعري حتى القرن الثالث الهجري، وكانت الحاجة الى علم
الكلام، لدى الامام وغيره، ضرورية لمحاورة اعداء الاسلام من
الوافدين الى العاصمة، او الى الحجاز في موسم الحج، وكان
على راسهم الزنادقة والمانوية وسواهم...((270)).
وجاء، في النصوص التاريخية، ان خلفاء بني العباس حاربوا هؤلاء
الزنادقة وفتكوا بهم، وقد يكون ذلك صحيحا اذا فسرناه، اوقبلنا
تفسيره، بانه ملاحقة للمعارضة تحت ستار الزندقة، ولكن بروز
نصوص الحوارات العديدة، في المراجع التاريخية، يشيرالى
وجود مجال من الحرية في حركتهم بطريقة منظمة وبعلم
السلطة، وربما يفسر ذلك على اساس التقاليد الازلية
للحكومات في ضربها للخصوم بعضهم ببعض (تماما كضرب
كبار المؤيدين ليبقى الحاكم الفرد مرجعا وحيدا) اكثر مما
يفسر بانه من اجل نشرالافكار، او اتاحة المجال، للحرية الفكرية
المطلقة في العصر العباسي الاول (المنصور، المهدي، الرشيد،
المامون)، والذي استمر مايقارب ثلاثة ارباع القرن من الزمان،
لم تلبث بعده الدولة ان انحدرت الى التفكك والانحطاط
الحضاري.
برزت جذور علم الكلام في كلمات الامام علي(ع)، ونضجت
في زمن الامامين: الصادق والكاظم(ع)، ولم تكن مصادفة ان
يصنف الكافي بالاءصول والفروع. فالاءصول تعريفا هي الجانب
التعقلي، الذي هو خطوط علم الكلام العريضة، في التوحيد،
والجبر
والاختيار، والامامة، والمعاد الى آخر تلك العناوين. تميز مدرسة اهل البيت(ع)
نقل القليل عن الامام الكاظم(ع)، في هذا المجال، قياسا
بالائمة علي بن ابي طالب والباقر والصادق(ع)، ومن الطريف
المنقول عنه مناقشته لهشام بن الحكم، تلميذه، في نفي
الجسمية((271))، بما لا يستقيم مع منهج افكار هذا المفكر
المظلوم هشام جملة وتفصيلا، ويؤدي بنا الى رفض ما نقل
عنه. فالذي ينقل ملامح منهج الامام العقلي الذي عرضنا في
الحديث المنقول عن الكافي، لايمكن ان يقول: ان الله جسم له
مقاييس واشبار، وبالتالي تبدو اتهامات كتاب الفرق مجرد حالة
من الكوميديا السوداء تدور حول هشام بن الحكم بالذات.
لم يفارق الامام الكاظم(ع) مقولات ابيه في التوحيد، وفي
محاججته للزنادقة كان يتعرض لاسئلة عن الذات الالهية على
الشكل الاتي: هل الله متحرك؟ وهو سؤال وجيه اذا اخذ بظاهر
النصوص القرآنية والنبوية، ومنها على سبيل المثال: حديث
رسول اللهالذي يشير فيه الى نزول الله الى السماء الدنيا ليكون
اقرب للناس.
هل الله جسم؟ ماذا يعني الله سبحانه؟ ما هو علم الله؟ ما هي
ارادته؟ ما هي مشيئته؟ الى آخر هذا الفيض المؤرق من
الاسئلة.
الحقيقة الجلية ان مصدر تلك الاسئلة لم يكن الزنادقة
وحدهم، فهي اسئلة العقل الانساني في جميع العصور، وهي
اشكالية الفكرالاسلامي برمته، بما في ذلك انقسام الاسلام الى
فرق ومذاهب، وبروز النزعات التكفيرية من هذا الطرف لذاك.
ومما ميز مدرسة اهل البيت، برموزها من ائمة وتلاميذهم، هو
جراتهم في الاجابة والتوضيح والخوض في مواضيع كهذه من
دون خشية، فكانوا مرجعا للسؤال من قبل الجميع من دون
خوف منهم، فقد كانوا ارحب صدرا، وضد القمع الفكري
(وليسوا سلطة على اية حال)، بينما اتخذت جهات اءخرى
موقف الرفض والتوقف والتكفير، بحيث اصبح تعريف مذهب
الجمهور، او الجماعة، او السنة:
هم اولئك الذين يلجاون الى
التكفير، او اطلاق النعوت المذهبية الفرقية على الاخر، والغاء
هذا الاخر كليا((272)). وقيل: ان تعريف اهل السنة هو:
«هم
اهل الجماعة القائمون بالحق، والله تعالى يحيط الحق واهله فلا يقعون في تنابذ
وتناقض»((273)). وهوتعريف يخالف الواقع
التاريخي للحالة الخلافية في الاسلام، وفيه الكثير من السذاجة
والتبسيط.
وفي الواقع، فان مدرسة اهل البيت لم تسلم من الوقوع في هذا
الموقف نفسه في نصوص منقولة كثيرة، ولكن ما ميز فتح
باب الاجتهاد فيها هو ان الاجيال اللاحقة من المرجعيات،
وخصوصا المحدثين منهم، رفضوا بعض مقولات الغاء الاخر
التي وردت في نصوص قديمة في الكافي وغيره واعتمدوا
اسلوب الحوار والعقل للوصول الى جوامع مشتركة، منهجا لا
بديل عنه((274)).
واذا نظرنا الى التاريخ الاسلامي وكتب الفرق العديدة
(الشهرستاني، البغدادي، الغزالي، الاشعري الخ...) وهي شهيرة
ومتداولة،
نلحظ انه لم يسلم من الاتهام احد، وظلم الكثيرون،
عندما نصب حاكم او مفكر ما نفسه قاضيا وجلادا معا، يطلق
الاتهامات بالتكفيروالخروج عن الاسلام.
لقد اورد المؤرخون، في سيرة هارون الرشيد((275))، انه كاد
يقتل احد وجوه قريش لانه سال عن معنى كلمة في حديث
رسول الله(ص)، وانه قتل مفكرا لانه قال بخلق القرآن. لهذا
وجب التعامل بحذر شديد مع معطيات احكام القيمة الواردة
في المراجع التاريخية جميعها عن الافكار الكلامية في الاسلام،
ذلك ان تدوين التاريخ والعقائد ظل دوما تحت رقابة السلطة
الحاكمة، وفي بعض البلاد الاسلامية استمر حتى يومنا هذا، وهو
ما ادى الى تشعب ايديولوجي كبير، خارج نطاق الرقابة
الصارمة. التجسيم
في مناقشة ما نقلوه عن تلميذ الامام الصادق(ع)، هشام بن
الحكم، كما ورد في الكافي تحديدا، يجيب الامام عن مسالة
التجسيم كماياتي: «اما علم ان الجسم محدود، والكلام غير
المتكلم، معاذ الله، وابرا الى الله من هذا القول، لا جسم ولا
صورة ولا تحديد، وكل شيء سواه مخلوق، انما تكون الاشياء بارادته ومشيئته، من غير
كلام ولا تردد نفس ولا نطق بلسان»((276)).
الله، سبحانه، المطلق الذي لا يمكن التعامل في وصفه مع اي
من مفاهيم اللغة المتداولة، ولا يتم وصفه الا بالسلب غالبا: فلا
جسم ولا صورة ولا تحديد ولا كلام ولا تردد نفس ولا نطق
بلسان. وان استخدمنا الوصف الايجابي: كالعلم والقدرة والبصر
وغيرها،فهي مجرد صفات لا تنفصل عن الذات، فهي الذات
عينها.
ان ما نورده هو مجرد اختزال لمنهج مدرسة اهل البيت في
التوحيد، والتوحيد مقولة من اصعب مقولات علم الكلام
الاسلامي، وظلت من ابرز اشكالياته رغم اتفاق الجميع على
التوحيد المطلق. ماذا يعني الله سبحانه؟ يجيب الامام الكاظم(ع): «انه ما استولى على ما دق وجل»، فهو الكل الذي يحتوي الكل مما خلق، دقيقهاوجليلها، اليس في عبارة كهذه اختزال لوحدة الوجود في ذات الله؟
ومع ذلك، فلا يمكن التعامل مع النصوص التي تتحدث عن
مباينة الله لخلقه الا على اساس الماهية. فالله الصمد: «واحد
واحدي الذات، بائن من خلقه، وبذاك وصف نفسه، وهو بكل شيء محيط، بالاشراف والاحاطة
والقدرة»((277))، هو بائن
من خلقه اذا،ومحيط بهم في آن واحد معا بثلاثة مفاهيم:
الاشراف، الاحاطة، القدرة. والمفاهيم هذه، اخذت على اساس
انها احوال او صفات لا فرق بينها، فهي جميعها الله سبحانه، ولا
يمكن حل ما يبدو انه تناقض ظاهر الا على اساس «الماهية»
وحدها، والا فاين نكون نحن في المطلق الذي ليس له حد ان
لم نكن فيه فعلا؟ واين نلتقي معه؟ واين نتباين عنه ان لم يكن
في الماهية وحدها؟ وهو الذي استولى على ما دق وجل. اما
الكيفية في الاحتواء، مع المباينة في الماهية، فتلك اسئلة من
الصعب ان نجيب عنها بمفاهيم لغتنا المتداولة، فلايمكن ان
نحمل الامام ومدرسة اهل البيت، في تفسيرنا للنصوص، ما لم
يقولوه في تفسيرهم هم، مع اصرارهم على التمسك بمنطوق
القرآن الكريم، وانه سبحانه كما وصف نفسه، والا دخلنا في
اعطاء مشروعية لفلسفات اءخرى عالجت الموضوع
نفسه،وبخاصة الفلسفة الهندية و«نظرية النرفانا»، او المطلق
بحسب جدل تلك الفلسفة، وهو ما رفض الائمة الخوض فيه
حتى في منهجهم العرفاني. الحركة والانتقال
عن الحركة والانتقال نقل عن الامام(ع) وقد ذكر عنده قوم
يزعمون ان الله تبارك وتعالى ينزل الى السماء الدنيا فقال: «ان
الله لاينزل، ولا يحتاج الى ان ينزل، انما منظره في القرب والبعد سواء. لم يبعد منه
قريب، ولم يقرب منه بعيد، ولم يحتج الى شيء بل يحتاج اليه، وهو ذو الطول، لا اله الا هو العزيز
الحكيم. اما قول الواصفين: انه ينزل تبارك وتعالى، فانما يقول
ذلك من ينسبه الى نقص او زيادة، وكل متحرك محتاج الى من
يحركه او يتحرك به، فمن ظن بالله الظنون هلك، فاحذروا في
صفاته من ان تقفوا له على حد تحدونه بنقص او زيادة او
تحريك او تحرك او زوال او استنزال او نهوض او قعود، فان الله
جل وعز عن صفة الواصفين ونعت الناعتين وتوهم المتوهمين،
وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في
الساجدين»
((278)).
في منهج التحليل العقلي لمقولة الحركة الالهية، انقسم
المسلمون الى شعبتين رئيسيتين، وفي داخل كل منهما
شعب. فاذا عرف ان المحافظين من المحدثين القدماء كاحمد
بن حنبل ومدرسته، وتشعبات الاشعرية في ما بعد، بما في
ذلك الغزالي، وكل الظاهرية من المسلمين المتمسكين
بحرفية النصوص وصلوا الى نتيجة مؤداها ان الاعتقاد بظاهر
النص القرآني ملزم للمسلم باضافة طفيفة تتعلق بنفي التشبه
بما يخطر في البال الانساني من تشابهات يفرزها الاحساس.
لهذا تمت، من قبل هؤلاء، ادانة اعمال العقل في الالهيات،
وبخاصة مسالة الحركة والحدوث، مما لا يمكن حصره في هذا
الحيز الضيق من البحث، ويرجع اليه في مظانه العديدة. الاشكالية، لدى هؤلاء، هي ان الاعتراف بان الله سبحانه في كل مكان يؤدي الى الاعتقاد بالحلول الالهي في الاشياء، وبالتالي وحدة الوجود، فوصلوا الى ان الله عال في سماواته فوق عرشه الذي لا نعلم الماهية فيه ولا الكيفية. ومن جهة اخرى، فان كلام الامام(ع)،ومعه نهج مدرسة اهل البيت يعتمد جذريا على مقولة السلب ورفض وضع الفرضيات عن الذات الالهية، او كما يقول: «فمن ظن بالله الظنون هلك»((279)). هذا السلب عمليا نوع من انواع التوقف الذي يرفضه العقل نفسه، وهو الباحث ابدا عن اجوبة لاسئلته العويصة. فهل قدم الامام(ع)، او مدرسة اهل البيت، اجوبة شافية مهما حاولنا التكيف او التكييف؟
ليس من شك في ان اهل الظاهر والمحدثين، باقترابهم من التجسيم انسياقا مع معطيات
الحس والتجربة، قدموا بزعمهم آفرضيات حتى وان كانت خاطئة وبعيدة عن امكانية قبول
العقل بها.
وهي فرضيات مريحة للعامة، وهم يتقاربون مع الذات الالهية
على انها حالة من حالات الانسان المتفوق جدا، وبالتاكيد ان
الله،سبحانه، ليس كذلك.
لقد جاء منهج الائمة(ع)، اكثر صعوبة في التعامل معه بما لا
يقاس، فهو طريق الصفوة، طريق العقل المحض الذي لا يقدر
على اعماله في الجدل الالهي الا القليل من الذين يمتلكون
صفاء عقليا متميزا، لهذا مدح الامام(ع) القلة مفسرا الاية
الكريمة وذم الكثرة في التفسير نفسه لاية اخرى، وكان هؤلاء
الذين مدحهم على الحق، واتهموا من اجل ذلك حتى وهم
يقومون بمجرد تقديم النفي مع يقينهم بوجود الايجاب الذي
يقدمه العرفان الالهي الذي يحايثهم ويشكل اساس الجانب
الفكري من مدرستهم. التوحيد
ليس من مهمة هذا البحث تقديم ما توقف الامام الكاظم(ع) عن تقديمه في التوحيد، لكن
اشاراته الى ذلك جد واضحة لكل من قرراتباع المنهج العقلي والغوص بعيدا في افكار
مدرسته.
ولم يكن غريبا ان مدرسة الامام(ع) جمعت الطرفين: المعتزلة
العقلانيون حتى الجفاف، والمتصوفة العرفانيون المؤمنون
بالحلول الالهي في الذات الانسانية كالحلاج والجنيد
والرفاعي، وما سمي بالتصوف السيء بدءا من الحسن البصري،
علما ان لمفهوم الحلول نفسه تسويغه العقلي بالغ الوجاهة.
وفي جميع الاحوال، فان المقبول الاكثر وجاهة لحل هذه
الاشكالية، في تخوم الحلول الالهي والتباين مع الخلق، هو
اختلاف الماهية التي تمنع المادة المخلوقة من التماهي مع
الخالق المفارق بالطبيعة واللطف، والذي ترك في تلك المادة
جزءا منه وهو الروح. فهو
سبحانه وتعالى فيهم وتباين عنهم،
يقتربون منه (هم) ويبتعدون عنه (هم) بمقدار ارادتهم
الخاصة في القرب والبعد، والاقتراب والابتعاد، تبعا لما يبذلونه
من مشقة في سلوك الدروب المقربة منه سبحانه، في اذلال
مادتهم الترابية المفارقة له في اللطف،
وسمو ارواحهم اللطيفة
المكونة من مادته اللطيفة، التي رفض هو ان يبين ماهيتها.
(ويساءلونك عن الروح قل الروح من
أمر ربي وما اءوتيتم من
العلم الا قليلا)
[الاسراء/85].
لهذا كان العرفانيون جميعا متفقين على ان الزهد، في الدنيا،
عبر ضروب الرياضة الروحية، واذلال الجسد الانساني، ينمي
تسامي ارواحهم للاتصال به سبحانه، وفي ذلك لذة لا يدركها
الا العارفون.
فلا لذة لمؤمن ولا راحة له الا بلقاء ربه كما قال رسول الله(ص).
لقد ادى الامام(ع)، في اجابته عن سؤال يتعلق بالحركة الالهية
-
الامانة مع منهج العقل في الاجابة، وتوقف عما لا يمكن
للعقل يومها وربما حتى يومنا ان يفسره لكي يروي عطش
السائل. ما هو علم الله؟ وما هي طبيعة هذا العلم؟ سئل الامام: ... اكان الله يعلم الاشياء قبل ان خلق الاشياء وكونها ام لم يعلم ذلك حتى خلقها واراد خلقها وتكوينها، فعلم ما خلق عندما خلق، وما كون عندما كون؟
فوقع بخطه: «لم يزل الله عالما بالاشياء قبل ان يخلق الاشياء
كعلمه بالاشياء بعدما خلق الاشياء»
((280)). وفي جواب آخر:
«...ما زال الله عالما تبارك وتعالى»
((281)).
تمثل نظرية الامام هنا اكمالا لما ورد في سابق حديثه عن
الحركة والكلية والاطلاقية... ان علمه سبحانه لا يحدد بالقبلية
او البعدية لان اي تحديد يربطه بالزمن، وهو غير المتزمن،
فالكلمات قبل وبعد والان جميعها مفاهيم زمنية. لهذا لا يمكن
التعامل عقليا مع مقولات علم الله بمفردات الانسان اللغوية
التي لا يمكن ان تتصل بالتجريد والاطلاق، وتبعا لذلك، ليس
من تفسير الا الاقرار بانه لم يزل عالما... سبحانه، ولا اكثر من
ذلك.
في الارادة والمشيئة يقول الامام الكاظم(ع):
«الارادة من الخلق الضمير وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل،
واما من الله تعالى فارادته احداثه لا غير ذلك لانه لا يروي ولا
يهم ولايفكر، وهذه الصفات منفية عنه وهي صفات الخلق،
فارادة الله الفعل لا غير ذلك، يقول له: كن فيكون، بلا لفظ ولا نطق بلسان ولاهمة
ولا تفكر، ولا كيف لذلك، كما انه لا كيف له»((282)).
«لا يكون شيء الا ما شاء الله واراد وقدر وقضى، قلت: ما معنى شاء؟ قال: ابتداء
الفعل، قلت: ما معنى قدر؟ قال: تقدير الشيء
من طوله وعرضه، قلت: ما معنى قضى؟ قال: اذا قضى امضاه فذلك الذي لا مرد له»((283)).
يمكن ان نقضي، في هذا النص المتصل بالتوحيد، باستمرارية السلب في اطلاق احكام
القيمة: لا يروي، لا يهم، لا يفكر... بلا لفظ، بلانطق، بلا لسان، بلا همة، بلا
تفكر، بلا كيف الخ... وربما كان الايجاب كما نقرا في تيار الفعل: كن، تقدير الشيء، الامضاء
في القضاء،وهي مفاهيم رغم بشريتها من حيث الشكل فانها
تؤدي الغرض في الوصف للذات الالهية في مرحلة الفعل الى
حد ما، ولو انه لا يفي الذات حقها في الوصف.
وفي سياق توصيف الامام للمشيئة الالهية (وهي لا توصف الا
ايجابا) ياتي حديثه عن الارادة التشريعية التكوينية حين
يقول:«ان لله ارادتين ومشيئتين: ارادة حتم وارادة عزم، ينهي
وهو يشاء، ويامر وهو لا يشاء؟». ثم يفسر ذلك بمثال قائلا: «او ما
رايت انه ينهي آدم وزوجته ان ياكلا من الشجرة، وشاء ذلك، ولو
لم يشا ان ياكلا لما غلبت مشيئتهما مشيئة الله تعالى. وامر
ابراهيم ان يذبح اسحاق، ولم يشا ان يذبحه، ولو شاء لما غلبت
مشيئة ابراهيم مشيئة الله تعالى»((284)).
جدلية الارادة والمشيئة في القضاء والقدر كانت من المشكلات
الاساسية في علم الكلام المتصل بالتوحيد، وقد عالج الامام
ووالده واجداده حتى الامام علي بن ابي طالب(ع) هذه المسالة من منطق رفض التعطيل في
وصف الذات الالهية، فهو سبحانه فاعل دائماولا يكون شيء الا بمشيئته. لهذا حدد
الامام الكاظم(ع) مشيئتين وارادتين لحل اشكالية ما يريد وما
يحدث فعلا: فما اراده ان يحدث وقع تحت نظام الحتم، وما
اراده الا يحدث او تركه للانسان وضعه تحت قائمة العزم: فما
هو في نظام هذه القائمة يتعلق دائمابارادة الانسان بما فسره
القرآن الكريم بالاية: (وقضى ربك الا تع بدوا ألا
أياه وبالوالدين
أحسانا) «الاسراء/23»، ومع ذلك فهناك من لا يعبدون الله ولا
يحسنون الى الوالدين فخالفوا القضاء الالهي، فهي اذن ارادة
تشريع وسن للقوانين البشرية الاخلاقية.
وبذلك تمكن الامام من مقاربة حل هذه الاشكالية التي لم يكن
ممكنا مقاربتها الا عبر مقولات مدرسة اهل البيت في مسيرة
الفكر الاسلامي، فهي الرائدة في فتح باب البحث في أمور
كهذه.
كتاب أ. نبيل علي صالح ضرورة دراسة التراث وصعوباتها
لا شك في ان دراسة التراث الاسلامي، والبحث العميق في
طبيعة مفاهيمه، وتصوراته، ومختلف معالجاته المعرفية
المتغيرة، ومن ثم الاستفادة منه، في ضوء معطيات الحاضر
(التي تزخر بالكثير من الاسئلة والاشكاليات)، بما يعود
بالمنفعة والرفعة لعموم ابناء الامة، ليست من الامور السهلة
التي يمكن ان يقوم بها (او تكون في متناول يد) معظم
المفكرين والباحثين العاملين في هذاالاتجاه، اذ لا بد من ان
تتوافر لدى الباحث والمحقق في التراث اذا جاز التعبير
خصائص فكرية ومنهجية وفنية، تتصل ضمنا باصل تلك
المعالجات والاشكاليات النظرية والعملية التي يشتغل عليها،
في هذا المجال، او ذاك.
ويبدو لنا ان مهمة الباحث ومسؤوليته، والتزامه العملي...، امور
تتزايد وتائرها لدى محاولته استنباط آليات (ووسائل)
عمل جديدة من خلال دراسته وقراءته لفكر عاش تجربة معينة
خلال مرحلة تاريخية فائتة..، وهذا لا يعني ان الافكار التي تاتي
في زمن فائت لا تصلح للتداول والعيش في زمن آخر لاحق..،
بل اننا نجد ان هناك افكارا كثيرة انتجتها البشرية خلال الزمن
الماضي لا تزال تفعل فعلها (وتؤثر بقوة) في حاضرنا الراهن،
وربما ستبقى حية ومؤثرة لامد طويل..، وهناك ايضا معارف
وافكار وشخصيات عظيمة لا يمكن للزمن ان يحتويها
بمحدودياته، لانها تختزن في داخلها الحقائق المتعددة التي
تتمتع بجميع مقومات (وعوامل) الثبات والاستمرار والتوالد.
والامام علي(ع) شخصية كبرى من هذه الشخصيات الاسلامية
الفاعلة والمؤثرة التي قدمت افكارا وقيما انسانية نيرة،
واسهمت اسهاما عمليا جادا وفاعلا للغاية في كتابة مشاهد
وفصول كثيرة من تاريخنا الاسلامي الانساني. وهذه الشخصية
الكبيرة لم تدرس الا في حالات قليلة الدراسة العلمية
والموضوعية المرغوبة في طبيعة قيمها وافكارها التي لو
تعمقنا فيها قليلالوجدناها زاخرة بالكثير من النظم والقوانين
الصالحة لكل زمان ومكان، والتي يمكن ان تنتج فضاءات
معرفية ذات امكانات ومسارات كثيرة ومتعددة على المستوى
العملي. كتاب الادارة...، والتواصل الفعال مع الجذور
من خلال ذلك يحاول مؤلف كتاب «الادارة والنظام الاداري عند الامام علي(ع)»((285)) تحقيق بعض شروط هذا التواصل
الفعال المطلوب مع جذورنا وتراثنا المعرفي الاسلامي
وضروراته، محاولا بذلك الاجابة عن اسئلة بعض معضلات
الواقع الاسلامي الراهن ومشكلاته المقدمة لنا ضمن صيغ
تساؤلية مختلفة..، والنظام الاداري عند الامام علي(ع)يزخر
بخصائص فنية وقواعد تشريعية يمكن التاسيس الجدي عليها
في حياتنا المعاصرة.
وبالاعتماد على ذلك، يسعى المؤلف (د. محسن باقر
الموسوي) الى استجلاء هذه الخصائص والقواعد العملية للنظام
الاداري..، ولتحقيق هذا الهدف يعود المؤلف الى مصدرين
اساسيين: نظري وعملي، وهما كتاب نهج البلاغة، وسيرة
الامام علي(ع) بوصفها التجسيد العملي للمبادى النظرية..، وهو
بذلك يحاول استنباط فكر انساني اداري راسخ ومتجذر لا
يرقى اليه اي تقدم معرفي. بحوث الكتاب
وبالعودة الى بحوث الكتاب، نرى ان المؤلف قد قسم كتابه الى اربعة فصول، تضمن كل فصل
منها مباحث ومطالب عديدة..، ففي الفصل الاول من هذا الكتاب الذي حمل عنوان:
«الادارة..
معناها وخصائصها»، وتضمن مبحثين اثنين: الاول هو «مفهوم
الادارة عند امير المؤمنين»، والثاني هو «خصائص الادارة عند
الامام علي» يحاول الكاتب اعطاء تعريف دقيق لمعنى الادارة
والنظام الاداري، معطيا لمحة تاريخية عن نشاة هذا المفهوم
عند المسلمين..، بعد ذلك ينطلق الكاتب في المبحث الاول
باتجاه تحديد معنى مفهوم الادارة عند الامام علي(ع)..، وقد
صاغه المؤلف ضمن ستة مطالب هي: التدبير، الامرة، القدرة،
السيادة والسيد، السياسة، الراعي..
ويلاحظ، في هذا المبحث، تذكير الكاتب باهمية المجتمع
الصالح عند الامام علي (ع) ووصفه بانه مجتمع الاخيار الذي
يتصف افراده بالصفات الاتية: الاحسان وعدم الاساءة، حسن
الطاعة، لين الكلام وافشاء السلام، الصدق والامانة، الايثار
والروح الجماعية.كما يحدد الامام(ع) شروطا وخطوات للحاق
بهذا المجتمع، وهي: الاقتداء بالمجتمع الصالح: «الزم اهل
الحق، واعمل عملهم» آمشاركة المجتمع الصالح: «شاركوا اهل
الدنيا في دنياهم» ضدية مع الشر: «ضادوا الشر بالخير»
الاخذ بالصدق والامانة:«الزم الصدق والامانة فانهما سجية
الاخيار» الصبر وتحمل الصعاب: «ان صبرت ادركت بصبرك
منازل الابرار».
وفي المبحث الثاني، يتناول المؤلف الفكر الاداري عند الامام
علي(ع) من حيث كونه رؤية شمولية عامة، وكيان حي
نابض بالحياة، ومتصف بمجموعة من الصفات: الانسانية،
والتنظيمية، والجماعية، والهدفية المنسجمة مع اهداف
الانسان في الحياة،بحيث يؤدي تفاعل تلك الاهداف، في ما
بينها، للحصول على الادارة الجيدة والناجحة، والانتاج الفاعل
المؤثر في حركة الامة.
أما بالنسبة للفصل الثاني من هذا الكتاب الذي حمل عنوان:
«المدير، صفاته، وظائفه فقد قام الكاتب بتقسيمه الى ثلاثة
مباحث، عالج في المبحث الاول منها صفات المدير الاداري
عند جمع من الفلاسفة القدماء (افلاطون ارسطو الفارابي)
وصولا الى اميرالمؤمنين الامام علي(ع)، وقد تمثلها عمليا
جميع عماله على الاقطار والامصار، من خلال المواصفات الاتية: الوقار سعة الصدر آضبط النفس مداراة الافراد العفو
عن المسيئين التاني والبذل انجاز العمل في وقته التقدم
الدائم كسب رضا العاملين..
ثم انتقل الكاتب في المبحث الثاني للحديث عن وظائف
المدير التي صاغها في المطالب الاتية:
الفكر والتفكير (اهمية التفكير - فوائده - منهجية التفكير)،
(تقوية التفكير ومعوقاته).
المشورة (اهميتها، فوائدها، مستلزماتها، شروط المشاور،
عواقب تركها.. وهنا يقدم لنا الكاتب نماذج عملية من مشاورات
اميرالمؤمنين(ع)، ويفرق بين الديموقراطية والشورى).
التخطيط، ويتضمن العناصر الاتية: التحسس باهمية الزمن،
التقديم والتاخير، الاهم فالمهم، الاعداد للمستقبل، تقسيم
الوقت.
الاشراف، وهو الطمانينة على حسن سير العمل وفق الاهداف
المحددة والمطلوبة.
ينتقل الكاتب، بعد ذلك، الى المبحث الثالث ليناقش فيه مسالة الطاعة من حيث اهميتها،
وبواعثها، مؤكدا اهمية الطاعة وضرورتهافي الادارة الحديثة، لان العمل الاداري
الناجح الذي يعطي ثماره سريعا هو العمل الذي يقوم على مبدا
الطاعة. هذا ما يستخلصه الكاتب من قول الامام علي(ع): «من
اطاع ربه ملك»، ومن قوله(ع): «لا عز الا بالطاعة».
ولان عنوان البحث تاريخي، وهو يدرس فكرة الادارة عند
الامام علي(ع)، محاولا الاستفادة من هذا الكم الهائل من
النصوص الاسلامية، والتجربة العملية الاسلامية الرائدة التي
جسدها رسول الله(ص) والامام علي(ع)، فان الدراسة لا تكتمل
الا بانجازاستعراض تاريخي لطبيعة «النظم الادارية التي كانت
قائمة في عهد امير المؤمنين علي(ع)». وكان هذا هو عنوان
الفصل الثالث من الكتاب، وقد عالج المؤلف افكار هذا الفصل
في المباحث الاتية:
المبحث الاول: الادارة المركزية، (الامام: وهو اعلى سلطة
ادارية في الدولة تنتهي اليه جميع السلطات، ومنه تستمد
المواقع والعناصر الادارية الاخرى سلطاتها، ويتم تعيينه
(بالنسبة للمعصوم طبعا) بالنص الوزراء: الوزير هو الساعد
الايمن للحاكم،ينتدبه للاعمال التي لا يستطيع القيام بها
بمفرده الكتاب: وهم الموظفون الكبار في الدولة الذين
يقومون بمهمة المساعدة في تسيير مختلف شؤون الدولة
وادارتها، وبهم تناط امور المخاطبات وتنفيذ الاوامر).
المبحث الثاني: الادارة المحلية، وفيها يناقش الكاتب المطالب
الاتية:
المطلب الخامس: ولاية المظالم، وهي تعادل في عصرنا
الراهن محكمة الاستئناف العليا. وقد كان امير المؤمنين
علي(ع) اول من انشاها في الاسلام، حيث كان له مكان في
مسجد الكوفة يجلس فيه للقضاء، كما كان له بيت سمي ببيت
المظالم.
المطلب السادس: امراء الجيش. يتحدث الكاتب، في هذا
المطلب، عن حسن اختيار الامام علي(ع) لامراء جيشه، حيث
كان دقيقا في ادارته للحرب، وتنظيم جنده. المطلب السابع: التقسيم الاداري للمدن الكبيرة، والمطلب الثامن: الشرطة، والمطلب التاسع: البريد،
والمطلب العاشر:
الموظفون.
وفي الفصل الرابع، من هذا الكتاب، يبحث المؤلف تقييما
ومقايسة في كل من «الفكر الاداري عند امير المؤمنين(ع)»
و«الفكر الاداري الكلاسيكي والمعاصر»، وذلك ضمن ثلاثة
مباحث هي: |