الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

المبحث الاول: النظريات الكلاسيكية في التنظيم. وفيه مطالب عديدة يتحدث الكاتب في اولها عن الادارة العلمية ونظرية تيلر،فيوجه اليها انتقادات مختلفة تتلخص في اعتمادها (اي نظرية تيلر) مبدا التخصص في العمل، والغائها للاجهاد غير الضروري،وافتقارها للجانب الانساني.. الخ، وفي المطلب الثاني من هذا المبحث يتحدث الكاتب عن البيروقراطية، ويقدم لنا آراء بعض المفكرين فيها، وفي النهاية يسجل عليها جملة من الانتقادات على ضوء نهج البلاغة، يبرز فيها في سياق نقد الامام للبيروقراطية، او لاجوائها ومناخاتها تاكيد امير المؤمنين على العنصر الانساني. يقول(ع): «فالبس لهم جلبابا من اللين تشوبه بطرف من الشدة، وداول لهم بين القسوة والرافة». كما يركز(ع) على اهمية عامل الخبرة والعلم، والعلاقة الصحيحة بين الرئيس والمرؤوس باعتبارها لا تقوم فقط على معايير التسلسل الوظيفي، بل ترسمها المصلحة المشتركة بينهما. يقول(ع): «ولا يكن لك الى الناس سفير الا لسانك، ولا حاجب الا وجهك».

المبحث الثاني: التجارب الادارية المعاصرة. يتناول المؤلف في المطلب الاول من هذا المبحث التجربة اليابانية في الادارة،والتنظيم الاداري، ثم يقوم بدراسة هذا الانموذج استنادا الى نهج البلاغة، وسيرة الامام علي(ع)، ليصل في النهاية الى نتيجة مفادها ان الامام علي(ع) قد ارسى القواعد النظرية والعملية نفسها التي اقام عليها اليابانيون ادارتهم الناجحة، والتي تتجسد في:(المشاركة في صنع القرار حسن اختيار المدير العمل المقرون بالعلم التقدم في العمل الادارة الابوية الانسانية وليس الوصائية)..

وفي المطلب الثاني، يتحدث المؤلف عن المركزية واللامركزية مؤكدا على مزايا اللامركزية التي اسس عليها الامام علي(ع) مجمل رؤيته الى الادارة والتنظيم الاداري (سياسيا واجتماعيا واداريا) التي تقوم على مبادى (الشورى والمشورة - التفويض - المسؤولية).. ولا ينسى الكاتب - وهو يتحدث عن مواصفات فكرة اللامركزية ومزاياها - ان يعرج على ذكر مساوى فكرة المركزية مقارنا بينها وبين فكرة اللامركزية (التي ينحاز اليها الكاتب) على مستوى توزيع الوظائف (تخطيطا وتنظيما وتمويلا وتنفيذاورقابة). وفي النهاية، يبين لنا الكاتب حدود اللامركزية الادارية في عهد الامام علي(ع) الى مالك الاشتر (عامله على مصر) من خلال المسائل الاتية: (تعيين الوزراء - تشكيل مجالس الشورى - انشاء الجيش، وتجهيزه - ترسيم السياسة الخارجية في مجالي السلم والحرب - الحفاظ على الامن الداخلي - تشكيل الجهاز القضائي - النفقات المالية - تعيين الاجهزة الادارية). ويظهر الكاتب - في السياق نفسه - عناصر اللامركزية الادارية ومكوناتها، وهي: (الوالي - مجلس الولاية - الوزراء - العيون - بيت المال - اجهزة الخدمات - الجهاز الاداري).

المبحث الثالث: الاصلاح الاداري، يصل الكاتب، في نهاية كتابه، الى مرحلة تطبيق نتائج بحثه التي حصل عليها على الواقع المعيش. ولتحقيق ذلك يعرض مجموعة خطوات مستقاة من كلام الامام علي(ع) وتجربته في الحكم والادارة من اجل انجازعملية الاصلاح الاداري بوصفها مقدمة ضرورية لنهوض الامة، وهذه النقاط هي:

تطبيق مبدا اللامركزية الادارية.

الاختيار الجيد للقيادات المعاونة ممن تتوافر لديهم الجدارة، وتحمل المسؤولية، والقدرة على النزاهة والحلم، والحرص على المصلحة العامة.. يقول(ع): «وتوخ فيهم اهل الخبرة..».

تطبيق مبدا المشاركة في اتخاذ القرارات على اساس المشاركة في ابداء الراي من العاملين.. يقول(ع): «واكثر مدارسة العلماء،ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه امر بلادك، واقامة ما استقام به الناس قبلك».

توفير الامن الوظيفي من طريق حفظ مكانه، واهمية العامل في الوظيفة، ثم تامين الاكتفاء الذاتي له.

تنظيم ساعات العمل، ووضع قواعد منظمة لانجاز الاعمال من دون تاخير.

تنشيط الرقابة الذاتية، فكل انسان هو رقيب على نفسه. يقول الامام(ع): «لعن الله الامرين بالمعروف التاركين له».

التدريب والتعليم اثناء العمل.

مكافحة المحسوبيات.

ايجاد صندوق للمظالم.

رفع الروح المعنوية لدى الموظفين، وذلك من خلال ما ياتي:

تهيئة فرص التعبير عن النفس لكل عامل.

شعور كل عامل بان جهوده موضع تقدير واستحسان لدى رؤسائه.

شعوره باهمية الاهداف العامة للمؤسسة التي يعمل فيها. يقول الامام(ع): «من وثق باحسانك اشفق على سلطانك».

ان لا يطلب من العامل ما ينتقص من كرامته واحترامه. وفي هذا يقول(ع)، مشيرا الى ان العمل هو مقياس الشخصية: «المؤمن بعمله»، و«شر العمل ما افسدت به معادك».

تحرر العامل من القلق.

وجود فرصة للترفيه لدى العامل.

شعوره بالمحبة نحو رئيسه المباشر. يقول(ع): «من احسن الى الناس استدام منهم المحبة»، وان يجد العامل في محيط عمله جوا اجتماعيا ممتعا. يقول الامام(ع): «ان هذه القلوب تمل كما تمل الابدان، فابتغوا لها طرائف الحلم».

نظام اداري يلبي حاجات المجتمع

وفي خلاصة لما تقدم يصل المؤلف، في هذا الكتاب، الى نتيجة مهمة، وهي ان النظم الادارية، عند الامام علي(ع) جاءت متطابقة تماما مع جميع المنطلقات التي اعلن عنها في خطبه ورسائله وحكمه. وقد قام نظامه الاداري المذكور على اسس اللامركزية الادارية، والتقيد بالنظام، واعطاء كل ذي حق حقه.. ونجد في داخل هذا النظام الصفة الانسانية في كل خطوة، والنظام الدقيق حتى في اشد الظروف صعوبة، والروح الجماعية، والهدفية، فكان بذلك ملبيا لحاجة المجتمع والفرد، وانعكاسا لروح الاسلام.

وفي نهاية قراءتنا لهذا الكتاب، نشير الى الجهد الكبير الذي بذله المؤلف للوصول بالبحث الى نهاياته المهمة المتمثلة اساسا في محاولته انتاج معرفة منبثقة من تفكيرنا وثقافتنا وواقعنا، قادرة على حل مشكلاته، ومواجهة تحدياته الحضارية الكبرى. كما انناننوه بما اتصف به البحث من موضوعية في التحليل، وعمق في البحث والاداء، وسهولة في تناول المادة التاريخية، ما يؤهل هذاالكتاب بحق ليكون مرجعا متميزا في المكتبة العربية والاسلامية التي تفتقر كثيرا للدراسات المعرفية الخاصة بالتطبيقات التراثية المعاصرة.

منتدي المنهاج

الدين والاخلاق (2)

المشاركون:
* د. محمد لغنهاوزن
* الشيخ عابدي الشاهرودي
* أ. جواد علي كسار

جدلية العلاقة بين الدين والاخلاق
وجهة نظر حوارية بين لغنهاوزن وعابدي شاهرودي

 ترجمة: أ. خالد توفيق

(1)

* ما الذي تقصده بمصطلحي «الدين» و«الاخلاق»؟ ثم انطلاقا من هذا المعنى الذي تقصده ل«الدين» و«الاخلاق»، كيف ترى التاثيرات الايجابية، او السلبية، التي يتركها هذا المعنى على الدين، في صلته بالاخلاق، وعلى الاخلاق في صلتها بالدين؟

تعريفات للدين والاخلاق((286))

لغنهاوزن:
من المعروف ان هناك صعوبة تكتنف وضع تعريف محدد ذرخخ خدحث لمفردة الدين:
Religion، وثمة اختلافات، بين العلماء والباحثين، في شأن الجذر اللغوي لهذه المفردة في اللغة اللاتينية متمثلا ب «Religion». فمنذ القدم، والاختلافات بادية في الرؤى التي قدمها العلماء والباحثون الى اشتقاق هذه المفردة، ولا تزال الساحة تخلو من وجود وجهة نظر موحدة تنتظم الرؤية وتضبطها على هذا الصعيد. بيد ان هذه التقلبات لم تمنع، على ما يبدو، من ان يكتسب المصطلح معنى اساسيا في اللغة اللاتينية مفاده تعاطي الامورالعبادية والتوفر على ميل في انجاز المراسم العبادية، وذلك في مقابل الغفلة((287)).

في السياق نفسه يلحظ ان عددا كبيرا من الدارسين اللاتينيين والكتاب المتاخرين، حملوا معنى هذه المفردة على «ربط الذات» ووصل النفس بالله، او الالهة، من خلال الدين. وعلى الرغم من ان هذا النمط في تحديد الجذر وتوصيف معناه، على هذا النحو، قد اضحى موضعا لشك العلماء حاضرا، الا انه ترك في لحظة طرحه تأثيرات كبيرة  في اضافة مفهوم: Religion وفهمه في الغرب.

عندما نسلط الضوء على مفردة «الدين»، في اللغة العربية، نرى شيئا من الاختلاف في شان تحديد مرتكزها ومعرفة الجذر الذي تعود اليه. فقد كانت تستعمل في صدر الاسلام بمعنى التسليم ازاء الشريعة والقائد (النبي)، وذلك في مقابل الجهل الذي يعني البداوة والتوحش والانفلات وغياب النظم. كما كانت هذه المفردة تستعمل احيانا في مقابل الدنيا، للدلالة على معاني الاستغراق بالحياة والامن والراحة. من هذا المنظور ارتبط الدين بالجهاد المثابر الشجاع، في ظل المناخات الصعبة التي كانت تواجهها الاهداف السامية للنبي(ص) ((288)).

اما المفردة العربية «الاخلاق» فهي جمع «خلق»، بمعنى خصائص الانسان الفرد. على ان هناك صلة لهذه المفردة ب«الخلق»، ترجع الى ان الخصائص الشخصية للانسان ناشئة من طبيعة خلقه وكيفية تكوينه. وفي النطاق المعاصر، يلحظ ان مفردة «الاخلاق» تعادل حاضرا المصطلح الانكليزي: Ethics. بيد أن مفرده: Ethics محفوفة بالغموض، بحكم استعمالها في مجالين متجاورين، اذ تستخدم في جزء من الفلسفة يبحث في نطاق دراسة القيم وتامل الفضائل والمعايير ذات الصلة بهذا النطاق، كماتستخدم ايضا للدلالة على القيم والفضائل نفسها والمعايير ذات الصلة بها. ما يبعث على الرضا، ان هذا الالتباس لا مجال له باللغة الفارسية عبر التمييز الذي اقامته هذه اللغة بين الاخلاق وفلسفة الاخلاق، وما ترتب عليه من اتضاح الفارق في معنى المفردة بين هذين المجالين الاستعماليين. وما يعنينا التركيز عليه في الاسئلة التي يثيرها الحوار هو الاخلاق، وان كنا مضطرين للبحث في فلسفة الاخلاق ايضا.

من وجهة نظر علماء المسلمين، في القرون الوسطى، يطلق «علم الاخلاق»، في الغالب، على الاختصاص المستمد من «المباحث ذات الصلة بالفضيلة والرذيلة والتصنيفات التابعة لهما، الماخوذة بدورها من آراء ارسطو في كتاب: الاخلاق الى نيقوماخوس». لكن بحثنا هنا ينطلق الى آفاق ارحب، لان رقعته تمتد لتشمل، اضافة الى الفضيلة والرذيلة، المعايير والاوامر، والقيم والغايات الاخلاقية ايضا. وما يلحظ، في هذا الشان، ان المجال الاستعمالي للاخلاق في اللغة الفارسية المعاصرة يضم في مداه هذه المباحث ايضا، وان كانت بعض النصوص تركز على مفهوم اضيق.

بتفحص الجذرين المعرفيين لمصطلحي الاخلاق والدين، يتضح عدد من النقاط على صعيد الصلة بينهما، منها: التسليم في مقابل الشريعة والنبي، وان الشجاعة في المشاركة في الجهاد والجراة في ممارسته بعد التسليم، تستلزمان التوفر على الفضيلة الاخلاقية. ان الدين بحاجة الى الاخلاق، والقيم الاخلاقية التي كانت سائدة في الجاهلية كانت على نحو بحيث كان الناس يدركون بالاخلاق التي يتخلقون بها في ذلك العصر، بان الايمان بالدين ينطوي بذاته على فضيلة اخلاقية، وان كانت المقتضيات الاخلاقية للاسلام تفوق الاخلاق او الرؤى الاخلاقية لعصر الجاهلية.

العلاقة المتفاعلة

يعد الالتفات الى هذه النقاط مقدمة جيدة للولوج الى بحث الصلة الشائكة المعقدة القائمة بين الدين والاخلاق. فمن جهة، يبدو ان الاديان كافة لها تعاليم اخلاقية، اذ هي تبادر الى تعريف المنتمين لها بما هو صحيح وما هو خاطى، وتنهض ببيان المثل الاخلاقية وتحديد القدوة الصالحة لهم، وترشدهم الى ما ينبغي ان يمثل قيمهم والى ما يعارض هذه القيم ويخرج عن دائرتها. من جهة اخرى،لا تملا التعاليم الاخلاقية للدين الفراغات الاخلاقية للمجتمع، وانما هي تخاطب الوجدان الاخلاقي لمخاطبيها. على هذا الضوء، يمكن القول: ان الدين يمارس مهمة مزدوجة، فهو من جهة يعترف بالاخلاق ويمنحها الاعتبار الى حد ما، كما يقوم من جهة اخرى باصلاحها الى حد ما ايضا.

يمكن العثور، في ثنايا الايات القرآنية الكريمة، على امثلة كثيرة لهاتين الخصيصتين، فالقرآن الكريم يحث الناس على الامربالمعروف، وذلك انطلاقا من تلك الامور التي ينظر اليها العرف بعنوان انها خير. كما ان الدين يامرنا بوجوب الاحتراز من بعض الممارسات، كما في نهيه عن تناول المشروبات المسكرة، يفعل الدين ذلك في الوقت الذي لا يتوافر فيه الوجدان الاخلاقي على حكم واضح وعام يلتزم به في هذه المواضع.

يعبر هذا النحو من الارتباط عن اعتراف جزئي، وعن اصلاح لخصوصية علاقة الدين بعدد كبير من الحقول المختلفة. ثم عن ارتباط جدلي مشابه بين الدين والسياسة، كما بين الدين والاقتصاد، وبين الدين والتاريخ، والدين وعلم الاجناس وغير ذلك من المجالات. على ان المسالة لا تقتصر على علاقة الدين بالاخلاق، بل تمتد الى العقل ايضا، الذي له الصلة الجدلية نفسها بالدين،بمعنى ان الدين يقر بالعقل ويعترف به الى حد، كما ينهض في الوقت نفسه بمهمة اصلاحه. ان الدين يقر بوجداننا الاخلاقي وعقلنا ويعترف بهما، ويسعى في الوقت نفسه الى اصلاحهما.

على اثر هذا الارتباط المزدوج، ذي الطرفين، بين الدين والاخلاق، ينبثق في الانسان المؤمن مسار متدفق. فالدين يدعو الانسان المؤمن الى ممارسة الفكر النقدي حيال رؤاه الاخلاقية وتصوراته على هذا الصعيد. من المعروف ان رؤانا الاخلاقية تخضع بشكل واسع الى مؤثرات الهوية وطبيعة صلاتنا مع الاخرين في المجتمع، ومن ثم يكتسب تاثير الدين على الاخلاق ابعادا متعددة. مردذلك ان الدين، بالاضافة الى دوره في اصلاح فكرنا الاخلاقي، ينهض بدور آخر، ايضا، يتمثل في الاقرار بهويتنا ومجتمعنا والمبادرة الى اصلاحهما كذلك.

المصادرة، او المسلمة الثابتة، التي ينطلق منها الدين، هي اننا نعرف انفسنا بقدر ما، واننا عارفون باحتياجاتنا وما ننشده من آمال بالقدر نفسه. ويسعى الدين، من جهته، الى تعميق هذا الفهم واصلاحه عبر المقولة التي تفيد بان للانسان عهدا الهيا: (وأذ اخذ ربك من بني آدم، من ظهورهم، ذريتهم، واشهدهم على أن فسهم: الست بربكم، قالوا: بلى شهدنا) [الاعراف/172].

اضافة الى ما سلف، يهب الدين الانسان الاسوة والانموذج والقدوة بوساطة الانسان الكامل، الذي يبرز مصداقه بالنبي(ص)وبالائمة المعصومين(ع). وبذلك نحظى من خلال الانتفاع من الثقلين، متمثلين بالقرآن الكريم والعترة الطاهرة(ع)، نحظى بمعرفة بالانسان بوصفه احد مصادر الرؤية الاخلاقية في الاسلام.

المصادرة، او المسلمة الثابتة، الاخرى التي يصدر عنها الدين، هي ان بمقدورنا ان ننهض بتنظيم امورنا في المجتمع بقدر ما. وهنا، ايضا، يؤيد القرآن الكريم واهل بيت النبي (صلوات الله عليه وعليهم)، فهمنا الاجتماعي الى حد معين، كما يقومان باصلاحه بقدرمعين ايضا. الحقيقة هي انه ينبغي لمجتمعنا الا يتاسس بدافع الحاجة الى المنافع المادية للحياة الاجتماعية، ويجب الا يكتسب قوامه عن هذا السبيل، انما ينبغي لنا ان نبادر الى ايجاد امة يرتبط افرادها مع اخوتهم في الايمان بباعث تحقيق مرضاة الله.

بغية فهم العلاقة المتبادلة بين الاخلاق والدين، من المهم ان نعرف انه مع وجود الدين وحركيته يتكون مسار معقد على مستوى علم الانسان الديني وعلم الاجتماع الديني، يتالف من التفاعل بين الفهمين: الديني والاخلاقي. وفي شان المجتمع، فان مفاهيمناالاخلاقية تخضع الى تاثيرات المجتمع، وان هذه التاثيرات لا تكتسب صيغة محددة ومتحيزة بالكامل. مرد ذلك هو ان الدين يصدراوامره باصلاح المجتمع واعادة بنائه لكي يتطابق مع الشريعة الالهية.

الدور التغييري

ينبغي للنظام الاجتماعي الديني ان ينهض بمهمة تغيير المفاهيم الاخلاقية، لمن ينشا في المجتمعات التي تم اصلاحها بوساطة الدين. كما يحتم علينا ان نوظف هذه المفاهيم الاخلاقية التي تم اصلاحها ونستعملها مجددا في اللحظة التي نسعى فيها الى تقريب المجتمع من المقتضيات الدينية، وعندئذ يتغير المجتمع ويشهد التحول، ويصير ذلك باعثا الى نقاء المفاهيم الاخلاقية وسموها اكثر.

ما يحصل للمجتمع ينبغي ان يقع في شان معرفة الانسان ايضا. فعندما نضع انفسنا في مقابل العهد الالهي، يتعين ان يطرا على مفاهيمنا الاخلاقية تغيير مماثل، ومن خلال تكامل مفاهيمنا الاخلاقية، ندرك مقتضيات هذا العهد الالهي افضل، وهكذا يقودنا هذاالمسار صوب المزيد من النمو والسمو والازدهار، وهو يتحرك على خط تكاملي لا نهائي.

تقرا اغلبية الافراد القرآن الكريم كل يوم، ومن يقرا القرآن يكتشف على الدوام نقاطا ومعاني جديدة تبعث فيه الدهشة والعجب.وهذه الظاهرة يعيشها الانسان حتى لو ادمن قراءة القرآن وداوم عليها سنوات. ربما يكمن سر هذه الظاهرة في طبيعة التحولات التي يوجدها القرآن فينا. ان هذا التحول ينشا منذ لحظة التعرف على الوحي الالهي، ومن ثم عندما نقرا القرآن مجددا تنكشف لناامور لم نكن قد حصلنا عليها في ما سبق، بمعنى ان القراءة الاولى لا تهبنا معطيات القراءة المتكررة، وانما تبدا الامور بالانكشاف على اثر التكرار وتجدد التلاوة. هذه القاعدة تجد مصداقها ايضا، في مختلف ضروب العبادة وانواع الدراسات الدينية. فلو اديناالعبادة على نحو صحيح ينبغي ان نتغير، وينبغي ان يكون لهذا التحول اثره في طبيعة ادراكنا للعبادة، كما ينبغي لرؤيتنا عن العبادة ان تتاثر بهذا الفهم الجديد، وهذه التحولات جميعها ناشئة عن مقدرة العبادة على ايجاد تحول آخر فينا، بما في ذلك ايجاد التحول الاخلاقي.

ان التحول في المفاهيم الاخلاقية انما يتم من خلال الاعمال الدينية، لان الدين يسوقنا نحو الله. على اثر هذا التوجه يدرك الانسان المؤمن ان المكارم الاخلاقية جميعها هي لله، وانما تنسب الى امور ومتعلقات اخرى على نحو المجاز وحسب. ثم ان الاسماء الالهية الحسنى ناظرة الى مكارم الاخلاق، ومن ثم يمكن عد كسب الفضيلة انه التخلق باخلاق الله((289)).

استنادا لما ذكرناه عن التاثير المتبادل بين الفهم الاخلاقي والفهم الديني، يمكن معالجة الاشكال القديم الذي يثار بنسبة الانبياء الى البراهمة((290)).

يذهب اشكال هؤلاء الى القول: اذا كانت التعاليم الاخلاقية للانبياء متطابقة مع العقل، فلا حاجة للعقل بتلك التعاليم، اما اذا كانت تعاليم الانبياء متعارضة مع العقل، فينبغي رفض تلك التعاليم. اننا ندرك جواب هذه المسالة في اللحظة التي ننتبه فيها الى كيفية حاجة العقل الى التعاليم التي يتوافق معها. ففي جميع التعاليم العقلية ذات الصلة بالعلوم العقلية، من الضروري دخول عنصرالتعليم والتربية لاكمال العقل وادراك ما هو متوافق معه. فالمنهج الديني، في تعليم الاخلاق والتربية عليها، يكتسب صيغة مراحل متتابعة في الاعتراف والتاييد الجزئي، ومن ثم فهو يعمد، عن هذا السبيل، الى اصلاح ما سبق واشرنا اليه.

في ظل التاثير المعقد لبعدي الفكر الديني والفكر الاخلاقي، تاثير احدهما في الاخر، يمكن ازالة الغموض عن التباس آخر في نطاق استعمال مفردة الاخلاق. اذ ينبغي ان نميز بين نطاقين استعماليين: احدهما يدور في فلك الانسان الكامل والاخر يتحرك في الافراد والثقافات العادية. ففي المجال الاول، ينبغي استخدام هذه المفردة للدلالة على القيم والمعايير والفضائل الناشئة في نهاية الامر من ارتباط ثنائي مع الدين، وحينئذ يقصد بالمفردة الاخلاق المثالية التي تختص بالانسان الكامل. اما، في المجال الثاني، فنستخدم الاخلاق للدلالة على القيم والمعايير والفضائل التي تقع لانسان معين او ثقافة ما على نحو المصادفة.

يكتسب هذا التمييز في المعنى اهميته، في الاجابة عن بعض الاسئلة الاخرى التي يتضمنها هذا الحوار.

عابدي شاهرودي:
اقول في الجواب: اذا لم تكن ماهية الشيء وطبيعته مندرجتين في الجهاز المعرفي للانسان، ينبغي للسؤال ان ينصرف الى معنى هذا الشيء ومحتواه والمقصود منه، بدلا من تعريفه.

على ان ما نجهله من امور، او نلم به الماما معرفيا ضئيلا وحسب، ليس قليلا. فهناك في الدائرة الاستقرائية او التجربية امور كثيرة اما اننا نجهل مضمونها ومعناها بالكامل، او اننا لا نعرف عنها الا شيئا ضئيلا، كما هي الحال في الضوء، والذرة الحقيقية، والموج الذري والسرعة ما بعد الضوئية وهكذا.

هذه الموارد ليست قليلة، في مضمار الفلسفة ايضا، فمن وجهة نظر ابن سينا، نحن نجهل معنى ماهية الفصول الحقيقية للاشياء،او لا نملك الا اطلاعا ضئيلا عليها، بل نحن نجهل اي ماهية تدخل افق المعرفة عن طريق الاكتساب والاستدلال، ولا نعرف عن معناها شيئا قبل الاكتساب، او ان ما نعرفه عنها هو شيء قليل. فمعنى الوجود والوجوب، مثلا، وان كان ليس معلوما بمعناه الحقيقي العميق، مندرج في الجهاز المعرفي على نحو المسبقات والاوليات، ومن ثم فقد صار بديهيا وعاما في معناه، كما في التصديق بتحققه، بحسب لغة الفلسفة الاولى.

ولو اخذنا واجب الوجود، بوصفه مبدا الوجود واساس وجود العالم والاخلاق، لراينا انه ضرورة من ضرورات المنظومة المعرفية بوصفه واجبا بالذات، كما انه ضرورة من ضرورات المنظومة على مستوى التحقق. ومع ان كنه واجب الوجود يتخط ى دائرة الامكان ويستعصي عليها، الا ان تعريفه والايمان بوجوده والتصديق به يعد ضرورة عامة.

هذا عن الحالة الاولى التي لا يكون فيها الشيء، او المورد، مندرجا في الجهاز المعرفي.

اما اذا كان الشيء مندرجا في الجهاز المعرفي، فمن الحري بنا، عندئذ، ان نسال عن تعريفه، لا فرق بين ان يكون من مسبقات المعرفة واولياتها او من المكتسبات والتاليات.

والسؤال المثار، في مدخل هذا الحوار، يدخل في عداد معطيات المعرفة، وهو من الشق الثاني المندرج في الجهاز المعرفي، ومن ثم يصح لنا السؤال عن عناصره ومكوناته وعلاقاته، كما تجوز لنا دراسة ذلك كله وتحليله والبحث فيه. وعندئذ من الجدير بنا ان نسال: ما هو تعريفه؟

فالاشياء التي لا تسجل لنفسها حضورا في افق المعرفة قبل مرحلة السؤال، لا يمكن ان يكون هناك سؤال عن تعريفها، الا اذا تبلورشيء عنها، ونفذ الى دائرة الفكر من خلال عملية البحث والدراسة نفسها. اما الاشياء التي لها حضورها في افق المعرفة ولهااستقرارها في هذا الحيز، فيمكن السؤال عن تعريفها.

مسالتان اساسيتان في تعريف الاخلاق والدين

يفتح التوضيح السالف الباب امام عرض مسالتين حيال الدين والاخلاق، هما:

المسالة الاولى: كيف تعرف نظام المعرفة البشرية على هاتين المقولتين؟ وما هو مدى معرفته بهما؟ ثم ما هي النقاط التي تدلل على حضورهما في دائرة المعرفة؟

المسالة الثانية: التعريف الذي ينطوي عليه الجهاز المعرفي لمقولتي الدين والاخلاق، هل هو موجود في نظام المعرفة العام على نحو مسبق، وفي ما قبل التجربة وحتى ما قبل الاستدلال؟ او انه اخذ موقعه لاحقا، وعلى نحو الاكتساب، سواء بعد التجربة فقط ام بعد الاستدلال ايضا؟

تدخل هاتان المسالتان في عداد مسائل نقد العقل على مستوييه: النظري والعملي، وعلى مستوى ميتافيزقيا الاخلاق. وسنعمد، في ما ياتي، الى اضاءة هاتين المسالتين والجواب عنهما، انطلاقا من توظيف المعطيات التي توافرت لدينا من خلال نقد العقل وحصيلة معرفة ماهية الدين والاخلاق، مما قمنا بدراسة بعضه على نحو منهجي منظم، وتناولنا بعضه الاخر في مواضع مختلفة ومناسبات متفرقة.

بديهي اننا لا نحتاج للقول: ان ما سنوافي به القارى يتناسب وامكانات الكاتب ومؤهلاته المتواضعة، وهذا يعني ان هذه الاجوبة لن تكون خالية من النواقص والاشكالات شئنا ذلك ام ابينا. اضافة الى حاجة هذه المسائل اساسا الى بحوث واسعة وتحليلات عميقة تسبر اغوارها، نظرا لما يحفها من غموض وتعقيد، وبخاصة من زاوية استنباطها من المصدرين التشريعيين الاساسيين: كتاب الله وسنة نبيه(ص) واوصيائه المعصومين(ع)، وكذلك من زاوية استناد هذه المسائل الى هذين المصدرين الاساسيين والمرجعين الفصلين في الدين. (من الحري الانتباه الى ان الاستنباط والاستناد هما مقولتان اثنتان، ومع ذلك فان بينهما صلة وارتباطا).

بديهي، في ممارسة الفقه واصول الفقه على مستوى الاجتهاد الشرعي، ان يتم التعاطي مع الادلة الاربعة التي تذكر على النحو الاتي: كتاب الله، وسنة المعصومين(ع)، والعقل والاجماع. اما في ما نحن فيه، فان المرجعين الاساسيين للاستنباط ومصدري التشريع هما كتاب الله وسنة المعصومين(ع) فقط.

فالعقل والاجماع ياخذان موقعيهما بعد ذينك المصدرين، وهما بحسب الادبيات الاصولية والكلامية دليلان، وليسا مصدرين،وياتيان في طول المصدرين المذكورين وامتدادهما، لا في عرضهما وفي حال قطيعة معهما، ومن ثم فهما ليسا من مصادر التشريع، وانما يمكن لهما ان يكونا كاشفين عن المصدرين الاصليين على نحو محدود ومشروط.

انطلاقا من هذه الزاوية اشترط في الاجماع، لزوم ان يكون كاشفا عن راي المعصوم(ع) او متضمنا له، ليسمى اجماعا كشفيا من حيث الكشف، واجماعا تضمينيا من حيث التضمن.

اما العقل فهو يخضع للقسمة الى عقل نظري وعملي واخلاقي، والى عام وخاص. والعقل حتى لو قرر قضية ما على نحو يقيني وعام، فهو ايضا كاشف عن المصدر ومنبع التشريع، لكن مع فارق، فحيث يكون تقريره عاما فان كاشفيته غير مشروطة.وتوضيح ذلك انه، في حال عموميته، سيكون اساسا لمبنى الملازمة العامة بين العقل والشرع، ويكون دليلا اصوليا يستند الى العقل الضروري العام، بحيث تكون له من حيثية حجية متعدية، ومن حيثية اخرى حجية شاملة. اما اذا كان العقل على نحوالخصوصية والشخصية، ولم يكن عاما، فلن يتحول الى اساس لمبنى الملازمة العامة بين العقل والشرع، ومن ثم ستكون كاشفيته محدودة ومشروطة، وهي عرضة لعروض الخطا وعدم المطابقة مع الواقع، وبهذه المثابة، سوف تكون منجزيته اوحجيته من النوع اللازم المشروط غير المتعدي، بحيث لا يشمل الاخرين.

المسالة الاولى:

استقرار تعريف الدين والاخلاق في الجهاز المعرفي
بين ايدينا لمعالجة هذه المسالة والجواب عنها، طريقان:

الاول: طريق التحليل الذي يتالف بدوره من مرحلتين، هما:
المرحلة الاولى: تفكيك البنية او المنظومة الموجودة، وتوزيعها الى اجزاء وعناصر واواصر، او الى جهات وحيثيات، والى صيغ ارتباط كل حيثية وجهة مع الاخرى ومع الكل.
المرحلة الثانية: فصل كل قسم، او جزء، او عنصر، او جهة وآصرة، وعزله عن العناصر الاخرى في البنية (من الحري استخدام مصطلح البنية في المواضع التي يكون فيها التركيب انضماميا)، او المنظومة (من الحري استخدام مصطلح المنظومة في المواضع التي يكون فيها التركيب تحليليا وحسب)، ثم ملاحظة احكامها وخواصها، وكذلك ما تنطوي عليه من معطيات وعلاقات.

الثاني: طريق التركيب والاكتشاف، الذي يمر بدوره بعدة مراحل تبدا من معرفة كل جزء من الاجزاء والجهات والاواصر ودراسة خواصه واحكامه، وتنتهي الى تنميطها وتنظيمها وتركيبها على نحو عرضي او طولي، او في اطار مركب من العرضي والطولي.
سنعرض، في ما ياتي، الى حل المسالة ودراستها باختصار عن طريق التحليل والفرز (التفكيك والفصل).

تحليل تعريفي الدين والاخلاق

عندما نفتح الجهاز المعرفي الموجود (المنظومة المعرفية)، ونطل على مكوناته بالتحليل، ستواجهنا فيه ثلاثة انواع من القضايا،بحيث يتضح من خلال التعامل مع كل نوع من هذه الانواع الثلاثة، وجه من وجوه العقل. وبعبارة اخرى: سيتجلى ضرب من ضروب العقل، من كل نوع خاص من القضايا.

النوع الاول هو مجموعة القضايا النظرية، والعقل الذي يتالف منها هو العقل النظري. وهكذا تفضي عملية تفكيك انواع القضاياوتحليلها، الى امكان معرفة ماهية العقل الذي يناظرها، على الاقل بالنسبة الى القضايا التي خضعت للبحث والدراسة. فمن خلال معرفة القضايا النظرية يغدو من الممكن معرفة العقل النظري نفسه، عن طريق الماهية المشتركة للقضايا النظرية. والعقل العملي والعقل الاخلاقي يخضعان في معرفتهما الى هذا المنهج ايضا.

نستعرض، في ما ياتي، عددا من المقولات العامة والضرورية للعقل النظري، ثم نبادر الى وضع تعريف للعقل النظري على ضوء الخصال المشتركة للمقولات النظرية، يكون بمقدوره ان يكشف عن المكونات الماهوية لهذا العقل الى جوار العقل العملي والعقل الاخلاقي.

بعض القضايا العامة في العقل النظري

أ- العقل النظري المنطقي
1
- استحالة التناقض. يعد هذا الاصل احد اصلين اساسيين من الاصول المنطقية ومبادى ما بعد الطبيعة.

2- ان كل شيء هو ذلك الشيء نفسه، وليس من الممكن ان يسلب الشيء من نفسه (سلب الشيء عن نفسه محال). من المفضل ان يسمى هذا الاصل اصل «انية» الشيء ومبدا هوهو، وهو من «الانيات» او الهويات التي تقع في ضروب الحمل العرضي ايضا.ان اصل «الانية» او الهوية هو الاصل الاخر من الاصلين الاساسيين للمنطق وما بعد الطبيعة، اذ هو يرسي مع مبدا عدم التناقض المار، ويؤسسان معا، المنطق كله ومنظومة المعرفة والعلم باجمعها.

3- النسبة، في كل مقولة، هي اما الضرورة او الامكان او الامتناع. هذه القضية المنفصلة هي من القوانين العامة للمنطق ومن المبادى العامة للعلم كله.

4- يحتاج الممكن، في حدوثه وبقائه، الى الواجب بالذات.

5- ان الحادث يحتاج الى علة.

6- ان الواجب بالذات هو واجب بالذات من جميع الجهات.

7- ان ممكن الوجود هو ممكن من جميع الجهات، ومن ثم فهو بحاجة الى الواجب من جميع الجهات ايضا.

8- ان الدور باطل، بملاك امتناع توقف الشيء على نفسه، وكذلك بملاك امتناع التسلسل.

9- ان التسلسل باطل، ومع ان بطلان التسلسل يثبت عن طريق البرهان، الا انه يدخل في عداد القضايا النظرية العامة.
وتوضيح ذلك انه ينبغي للتسلسل ان ينتهي في كل فرضية الى ضرب من التدليل والتعليل، لان افتراض التسلسل اما ان يكفي للتعليل او لايكفي. في الحالة الاولى ينتفي التسلسل لكفايته، وفي الحالة الثانية يعد وجوده وعدمه سواء.
هكذا يجب ان تنتهي سلسلة التسلسل الى الواجب بالذات، في كلا الحالتين، لكي يتحقق التعليل والتدليل.
بكلام آخر: ان العقل العام يرفض التسلسل، بقطع النظر عن الاستدلال المشار اليه آنفا، لان العقل لا يراه كافيا للتعليل. وبهذا التوضيح، يمكن القول: ان بطلان التسلسل، هو من قبيل القضايا التي توجد قياساتها معها.

10- لا يعد القياس المنطقي منهجا للاستدلال، وانما هو الصورة المنطقية والاكتشافية المسبقة لماهية الاستدلال. والاستقراءوالتمثيل يحتاجان بدورهما الى الشكل القياسي، لكي يتحولا الى الاستدلال.

من هذه الزاوية، فان ما يكون في مقابل المنهجين الاستقرائي والتمثيلي، هو المنهج العقلي وليس المنهج القياسي.

مع ذلك، فان وضع المنهج القياسي بازاء المنهج الاستقرائي والتمثيلي، هو امر شائع. تاسيسا على هذا، لا نجانب الصواب اذا قلنا:قد يكون ما يقصده الباحثون المحققون، من المنهج القياسي عندما يكون في مقابل المنهج الاستقرائي والتمثيلي، هو المنهج التعقلي.

تعريف العقل النظري

في تعريف العقل النظري لا يبدو ان هناك اختلافا بينه وبين العقل العملي، الا في حدود كل واحد منهما ووظيفته.

يسجل ابن سينا، في النمط الثالث من طبيعيات الاشارات، في تعريف العقل النظري، ما نصه: «ومن قواها [النفس] ما لها بحسب حاجتها الى تكميل جوهرها، عقل بالفعل»((291)).

يظهر، من هذا الكلام، ان العقل النظري يتعلق بادراك المعقولات بالفعل، ومن ثم فهو في شان الاطلاع على المعلومات، والانتقال من حالات العقل بالقوة الى حالاته بالفعل فقط.

اما الحكيم السبزواري فهو ينقل عن المعلم الثاني (الفارابي)، في فصل العقل النظري والعقل العملي من شرح منظومته، التعريف الاتي للعقل النظري: «ان النظرية هي التي بها يحوز الانسان علم ما ليس من شانه ان يعمله انسان»((292)).

اما بالنسبة الى صدر الشيرازي، فقد ذهب في مقدمة الاسفار الى ان قوة العقل النظري تعادل حاق جوهر الانسان((293)).

على ضوء التعريف المار، وعلى اساس نقد العقل وتشريحه، سننتقل، في ما ياتي، الى تعريف آخر للعقل النظري يهدف، بالاضافة الى تكميل التعريف المذكور وتتميمه، الى بيان الوجه المنطقي والصوري.

التعريف المتمم للعقل النظري

تعد مرتبة الادراك الانكشافي الحصولي على نحو كلي ومنضبط، من خلال تعلقها بالمعقولات من حيث انها معقولات، تعد هذه المرتبة بنفسها العقل النظري في وجهه الحصولي. اما الوجه الحضوري للعقل ووجهه الجمعي ايضا، فان لكل واحد منهما تعريفه ومكوناته الخاصة به. والتعريف الذي ذكرناه اخذ بنظر الاعتبار تعريف العقل الحصولي النظري فقط.

اما الخصائص الاربع المذكورة في التعريف، والمتمثلة ب: الانكشافي، والحصولي، والكلي، والمنضبط، فهي بمنزلة فصول الادراك، وهي هنا بمنزلة الجنس.

ثمة متممات اخرى لتعريف حدي العقل النظري هي بمنزلة الفصول ايضا، لكن لما كان لها جهة سلبية، ولما كانت معرفتها تتوقف على بيان ماهية العقل العملي، فسنكل بيانها الى ما بعد تعريف العقل العملي.

والان، بعد الاكتفاء بما مر ذكره من مكونات العقل النظري، نسجل ان هذا التعريف يضم بين دفتيه بعدي العقل او جهتيه المنطقية والمضمونية.

تتمثل الجهة المنطقية بصور التعريف والمقولة والاستدلال وضوابطها. والحقيقة ان هذه الصور والضوابط لا تعكس الوجه الصوري والضابطي للتعريف والقضية والاستدلال وحسب، وانما تتعدى ذلك الى كشف حيثية ما بعد الطبيعة.

اما الجهة المضمونية، للتعريف المذكور، فهي عبارة عن المكونات المندرجة في التعريف والمقولة والاستدلال، بحيث يمكن بيان بنية العقل النظري من خلال هذه المكونات الثلاثة. على سبيل المثال، ان للقضية التي تقول: ان الممكنات بحاجة الى الواجب بالذات،صورة منطقية هي عبارة عن صورة الوجود الرابط والعرض المنطقي المنظم لموضوع القضية ومحمولها، على النحو الذي يكون فيه الموضوع والمحمول، ومضمون الوجود الرابط، هي عناصر الصورة المنطقية للقضية المذكورة، في حين ان كل الصورة والعناصر المندرجة فيها وما تفيده هذه العناصر، تؤلف مضمون القضية.

بالاضافة الى ذلك، فان للقضايا على نحو الانفصال الحقيقي، اما طابع الضرورة او الامكان او الامتناع.

على هذا، تتالف صورة العقل النظري من صور المعقولات وضوابطها، في حين يتكون محتواها من المضامين المندرجة في التعريفات والقضايا والادلة.

ومن ثم فان الادراك الانكشافي الحصولي الذي ينطوي على الكلية والانضباط، ويكون معرفا للعقل النظري الحصولي، يدل على صورة العقل النظري، كما على محتواه ايضا. فالكلية والانضباط المنطقي والانكشافي مبينة لصورة هذا العقل، في حين ان معقولات من جهة انها معقولات، مبينة لمحتواه.

هذه الامور التي مرت كانت بعض موارد تحليل العقل النظري الى صور وعناصر وقضايا عامة مع تعريفه، تم تناولها بالاسلوب التحليلي المشار اليه آنفا. وللمزيد من التوضيح، نضيف الى ما مر ان التعريف المذكور تم بلحاظ المنطقة الضرورية للعقل وحيزه العام، وبغض النظر عن منطقته الاكتسابية القابلة للاكتساب والخاضعة للخطا. واذا ما شئنا استكمال التعريف، من الضروري الاخذ بنظر الاعتبار التعريفات والقضايا الاكتسابية وغير الضرورية. وهذه قصة اخرى تخرج عن نطاق هذا الحوار.

الان، وعلى خلفية تعريف العقل النظري، اصبح الطريق مفتوحا لتعريف العقل العملي. وتعريف العقل العملي يمر بالمنهجية نفسها التي تناولت العقل النظري، اذ ستبدا هذه المنهجية، ايضا، من تسجيل بعض نماذج القضايا العامة في العقل العملي، ليصار بعد ذلك الى معرفة العقل العملي من طريق تحليل وجوه تلك القضايا وعناصرها وفرزها.

على ان ما تنبغي ملاحظته هو ان هذه المعرفة لا تكتمل، اذا لم تصل الى مرحلة تركيب الامور والعناصر التي طالها التحليل والفرزوالتفكيك. وبذلك نحن لا نتوقع استكمال التعريف، من خلال المنهج التحليلي الصرف.

مقدمة لقضايا العقل العملي

أ- تعد هذه القضايا شرطا ضروريا للقوانين الاخلاقية، لانها تمثل الوجه المنطقي وكذلك الوجه الشمولي لهذه القوانين. بيد ان ذلك لا يعني ان هوية تلك القوانين الاخلاقية قد تحققت بكاملها من خلال قضايا العقل العملي.

لقد تحقق الجزء الاساسي لهذه الهوية من المكونات الاخلاقية. ومع ذلك، ليست قضايا العقل العملي صورية باجمعها، بل حيثيتهاالصورية والمنطقية هي حيثيتها الاخلاقية ايضا، لكن لا على نحو الشرط الكافي، وانما على نحو الشرط اللازم.

هذه الخصوصية المتمثلة في بيان عدم الشرطية الكافية للقضايا العملية بالنسبة الى الاخلاقي، تعد احدى فروقات هذه الرؤية مع رؤية عمانوئيل كانت في مجال هذه القضايا.

ب- اضافة الى ما مر، تحظ ى قضايا العقل العملي بسند منظومي مؤسسي، تماما كما هي حال قضايا العقل الاخلاقي، على النحو الذي سياتي بيانه لاحقا. مرد ذلك هو ان المؤسسة التي تجرب هذه القضايا من زاوية الحيثية الاخلاقية، انما تحسها على نحو عيني تجسيدي انطلاقا من ثلاث جهات اساسية. وهذه الجهات الثلاث تمثل بدورها الحد الادنى لاخلاقية قضايا العقل العملي، بحيث يختل شرط الاخلاقية في القضية، باهمال اي شرط من هذه الشروط.

هذه الجهات الثلاث هي:
الاولى: جهة صحة هذه القضايا وصدقها. والمؤسسة التي تستقطب الاخلاق في المنطقة العامة كلها، ومن دون اي شرط او اكتساب او اختبار قط، انما يتم تحسسها من قبل هذه الجهة على نحو تجسيدي عيني مباشر.
الثانية: جهة ما تحظ ى به هذه القضايا الاخلاقية من مكانة وشان واحترام. وعمانوئيل كانت يعيد هذه الجهة الى الاحساس بذهنية الاحترام.
الثالث: جهة الاذعان والتسليم في مقابل قوانين العقل العملي وقوانين العقل الاخلاقي، التي تتجلى للوجدان البشري على نحوعام.

ترجع هذه الجهات، بحسب الفلسفة والكلام الاسلامي بالمفهوم الاعم، الى فضائل النفس وكمالاتها. اما بحسب الفلسفة والكلام الاسلامي، بمفهومه الاخص الذي يمكن استنباطه من خلال النصوص الدينية ايضا، فقد فسرت في احد وجوهها بقوى العقل الجمعي وحيثياته. وهذه الحيثيات التي يبلغ عددها اثنتين وسبعين حيثية، تعد قواعد الجهاز المعرفي والاخلاقي في بنية العقل الانساني(على سبيل المثال يمكن العودة الى حديث جنود العقل في كتاب: الاصول من الكافي).

في عدد آخر من وجوه الفلسفة والكلام الاسلامي الخاص الذي يمكن التاسيس له على ضوء النصوص الدينية، تم ارجاع الجهات الثلاث الى ماهية الشيئيات الاخلاقية، وذلك لاشتراك ماهية العقل والاخلاق. وقد جاء التفسير المذكور في النظريات التي يمكن ان تستند فيها الجهات الثلاث الى المصادر الدينية.

ج- من بين الفروقات التي تميز هذا الضرب من القضايا من قضايا العقل النظري، ان قضايا العقل العملي تبرز بوصفها اوامر العقل النظري، من دون ان تفقد خصوصيتها الخبرية.

د- يحظى كل امر من اوامر العقل العملي، في نفسه، بسند محكم يعضده، وبفكرة اساسية وبجهة اخلاقية.

على ضوء هذه المقدمة، تكون الارضية مهياة لعرض قضايا العقل العملي، على النحو الذي سياتي في الفقرة الاتية.

نماذج لقضايا عامة من قضايا العقل النظري

تقسم هذه القضايا الى مجموعتين: عامة واكتسابية، تماما كما هي الحال في قضايا العقل النظري. والمجموعة الاكتسابية في العقلين تنشا عن طريق البحث والاستدلال، ومع ان هذه الحصيلة يمكن ان تكون سابقة على التجربة، الا انها لا يمكن ان تكون سابقة على الاستدلال. ومن ثم فهي عرضة من هذه الجهة استدلاليتها الى الخطا والنقصان، وبالتالي تحتاج الى التمحيص العقلي في دائرة ما قبل التجربيات، والى التمحيص التجريبي في دائرة التجربيات.

ما سنتوفر على ذكره، في ما ياتي، هو نماذج ترتبط بالمجموعة العامة، التي لا صلة لها بالاكتساب:

القضية الاولى: ينبغي للفكر، او للرصيد الفكري الذي يتجه لتشخيص الحسن والقبح العمليين ويتضمن كيفية توجيه الفعل، ان لايكون متناقضا مع النظام الجمعي للعقل المتالف بدوره من الحصيلة المتاتية عن الاقسام: النظري والعملي والاخلاقي. وبذلك لايجوز اللجوء الى المحالات العقلية والاخلاقية في تشخيص الحسن وفي كيفية الفعل.

القضية الثانية: ينبغي لكل فكرة، او ما ترتكز عليه في مضمار الحسن والقبيح واتخاذ طبيعة الفعل، ان تكون قابلة للتعميم من دون تناقض مع نفسها من جهة، ومع كلية العقل من جهة اخرى. والقابلية للتعميم من دون استثناء، هي شرط ضروري للاخلاقية ومعيار لازم لها، بيد انها لا تعد شرطا كافيا، وانما يتحقق الشرط الكافي انطلاقا من المحتوى الاخلاقي.

القضية الثالثة: تصرف بطريقة بحيث ينطوي سلوكك والمرتكزات التي يستند اليها هذا السلوك، على مكونين ذاتيين، الاول: انه قابل للتعميم، والثاني: ان لا يستلزم ثبات هذا السلوك على نحو ذاتي، نفي السلوك التعميمي للاخر، وابطال الرصيد التعميمي الذي يصدر منه سلوك الاخر.
تعد المكونة الثانية مكملة لكلية قانون العقل العملي، وعلى ضوئها يغيب التعارض بين اوامر العقل العملي ولا يقع التنافي الذاتي في ما بينها. وفي الوقت نفسه تبرز امكانية عروض التزاحم الموضعي في تطبيق تلك الاوامر، بسبب محدودية الامكانات والاجواءذات الصلة بتنفيذها.

القضية الرابعة: لا تتصرف بطريقة، بحيث يتناقض سلوكك والمرتكزات التي يستند اليها في حال التعميم، مع المحتوى الاخلاقي.
مع ان هذه القضية هي من شعبة العقل العملي، وهي تبين الوجه الصوري والمنطقي للاخلاق، الا انها تشير الى مضمون اخلاقي،ومن ثم فان سنديها هما العقل العملي والعقل الاخلاقي معا. وهذا ما يفسر مجيئها في عداد قضايا العقل الاخلاقي ايضا.

المسالة التي نرى انه من الضروري توضيحها، في هذا المجال، هي: القضايا العمومية المذكورة ليست مشروطة، ومع ان القضية الرابعة تبدو كانها مشروطة بعدم التناقض مع المحتوى الاخلاقي، بيد ان الامر ليس كذلك في حقيقته. لان المقصود من القضية الرابعة هو ان لا تكون صورة القانون العملي او محتواه المتمثل بالعنصر الاخلاقي، متناقضة، لاننا اذا افترضنا تناقض القانون العملي مع المحتوى، فيكون متناقضا مع نفسه ايضا. على سبيل المثال، يمكن ان ناخذ الصدق بوصفه مكونا من المكونات الاخلاقية، فليس هناك اي قانون من قوانين العقل العملي يستلزم تقريره حذف قانون الصدق الذي يؤسس لمحتوى الصدق، حذفا كليا تاما.

اذا اخذنا هذه القضية، بوصفها اصلا ثابتا، لراينا انها تنفي نفسها بحكم تناقضها مع نفسها. توضيح ذلك، ان نفي قانون الصدق كليا، يسري الى القضية النافية نفسها، ويستلزم تناقضها مع نفسها، فاذا كانت صادقة تكون على خلاف امرها الماثل بنفي الصدق،واذا كانت كاذبة لا تستطيع ان تقرر شيئا.

اضافة الى ما مر، اذا وقعت اية قضية عملية مفترضة في تناقض مع المحتوى الاخلاقي، سيجر ذلك الى التناقض مع العقل العملي كله ايضا.

القضية الخامسة: هذه القضية المنبثقة من عمق الاخلاق ببعديها: العملي والمضموني، تبين استقلال العقل العملي عن المنطقة الاكتسابية المعرضة للخطا، التابعة للعقل النظري.

يمكن شرح هذه القضية، على النحو الاتي: لا يمكن للقضايا المكتسبة، في العقلين: النظري والعملي، المعرضة للخطا والتي تفتقدالطابع العام، ان تكون اساسا لاثبات مقولات العقل العملي الاصلية او نفيها. فمع ان المقولات المذكورة غير مشروطة في ماهيتهاالعملية، فهي من جهة ترتبط بالعقل النظري الضروري العام من دون ان تكون مقررة من قبله، ولها من جهة ثانية استناد ماهوي ووجودي الى العقل الاخلاقي.

لتوضيح ذلك ينبغي ان نضيف: ان قضايا المنطقة الاكتسابية للعقل، وغير الضرورية، اذا كانت متوافقة مع العقل العملي، يمكن استخدامها في التبيين النظري لمعطيات العقل العملي، من دون ان يفقد هذا العقل استقلاله عن المنطقة المعرضة للخطا النظري.

اما اذا كانت غير متسقة مع العقل العملي، فانها لا تستطيع ان تنفي المنطقة الضرورية لهذا العقل او تلحق بها الشك، لانها ليست عرضة للخطا، كما لا وجود لها في المنطقة الضرورية والعامة للعقل.

على ضوء هذا البيان، سيكون للقضية الخامسة ثلاثة اهداف تحققها، هي:

الاول: حفظ استقلال العقل العملي وصيانته ازاء نظريات المنطقة الاكتسابية في العقل النظري، هذه النظريات التي يمكن ان تكون قابلة للخطا.
الثاني: حراسة المنطقة الاصلية والعامة، للعقل النظري، من اضرار الاراء الشخصية وتدخلاتها، هذه الاراء التي تنفذ الى المنطقة الاصلية وتقتحمها من خلال المنطقة الاكتسابية وغير الكلية لهذا العقل نفسه.
الثالثة: تثبيت مبدا المسؤولية الاخلاقية وحراسته في مقابل الفرضيات التي تنفي هذا المبدا، او تبادر الى تعطيل مفعوله عبرشراك التنظير.

القضية السادسة: ينبغي للامر الذي يسند الارادة وموضوعه، ان يكون على نحو بحيث لا يتناقض مع متعلق ارادة مصدر الاخلاق ومبدا العالم (الله). ولهذه القضية بعدان اسوة ببقية قضايا العقل العملي، احدهما البعد الخبري والاخر البعد الامري، وهي في منطقيتها عينها تتضمن الرجوع الى المحتوى الاخلاقي، تماما كما هي حال القضية الرابعة التي تتضمن الرجوع نفسه.

المحتوى الاخلاقي، في القضية السادسة، عبارة عن تعريف او قانون، من حيث انه متعلق الارادة التشريعية لله.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية