الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

ان كثيرا من المؤمنين، بالنسبية المعرفية هم ذهنيون وتصوريون ايضا، في حين يمكن رفض الذهنية او التصورية، والايمان بالنسبية المعرفية في الوقت نفسه. على سبيل المثال، يمكن لانسان ان يقول: ان الحسن والقبيح هما بمنزلة جهتي اليمين واليسار، ومن ثم فان ما سيكون على جهة اليمين يرتبط بموقعنا والاتجاه الذي نختاره في الوقوف، ولكن بملاحظة موقعناوالوضع الذي نختاره بحيث يكون الشيء واقعا في جهتنا اليمنى، انما يعبر بنفسه عن واقعية عينية خارجية. بتعبير آخر: ان يكون الشيء في جهة اليمين او اليسار، لا صلة له باعتقادنا في ان ذلك الشيء يقع في جهة اليمين او اليسار (يريد القول: اننا بازاء قضيتين واحدة ذهنية تصورية، والاخرى عينية خارجية. المترجم).

كما يمكن لمؤمن ديني ان يطرح المسالة الاتية: ان الصحيح والخطا في الاختلافات الموجودة، في الاحكام الاخلاقية للانبياء ازاء مجتمعاتهم، انما يعود الى الشخص نفسه، وامر اي نبي من اولئك الانبياء يتبع، وهذه المسالة الاخيرة ترتبط بدورها بالحالات المعرفية للانسان نفسه، اذ هو يتبع النبي الذي ينتخبه على ضوء معرفته. بيد ان هذه القضية لا تعني بان نحكم بالصواب على كل شخص يعتقد مثلا بان الشريعة التي يجب اتباعها هي شريعة ابراهيم(ع)، ونصحح له معتقده ورايه في ما اختاره وذهب اليه. فعندما تاتي شريعة جديدة بوساطة نبي جديد، وتاخذ مكانها بدلا من شريعة النبي السابق، فمن الواجب علينا الايمان بشريعة النبي الجديد واتباعها. على هذا الضوء يبرز، في هذا المضمار، ضرب من النسبية المعرفية الاخلاقية، تبدو اكثر توافقا مع المعتقدالديني واوثق انسجاما معه. ثمة برهان منطقي جذاب يتوفر على بيان بعد آخر، يبرز فيه المعتقد الديني متوافقا مع ضرب من النسبية المعرفية، يرتبط باهمية النية. فنية الفاعل هي حالة معرفية، فصحة فعل ما وعدمها بنظر الفاعل، لها صلة من جهة المبادى الدينية بنية الفاعل. فاذا يتضح على ضوء مبادى الدين واصوله، ان صحة عمل ما وعدمها ترتبط من وجهة نظر الفاعل باحواله المعرفية، وهذا بنفسه هو تعريف النسبية المعرفية، كما مر في بداية الكلام عليها.

ما يشد الانتباه الى هذا النمط من النسبية الاخلاقية، هو توافقها ايضا مع ضرب من الاطلاقية الاخلاقية. اذ يمكن الافتراض بان تغيير النية في موضع خاص انما يكون كافيا وحده لتغيير الحكم والتقويم الصادر حيال الفعل، عندما يكون تغيير النية فيه ناشئاعن خطا في المعتقد او لوجود نقص اخلاقي ذي صلة بالفعل. وعندئذ يمكن التعامل مع الفعل والحكم عليه في ما اذا كان صحيحا بالمطلق ام لا، مع افتراض ان الفاعل لا ينطوي على اي معتقد خاط ى او نقص اخلاقي ازاء ذلك الفعل.

وعي الفروقات

توجد انواع كثيرة اخرى من النسبية المعرفية الاخلاقية تحوي مسائل تلفت الانتباه، يمكن عرضها في سياق ما تنطوي عليه من توافق مع التعاليم الدينية وانسجام معها، لا يتسع لها هذا الحوار. ما يحظ ى بالاهمية، في هذه النسبيات، وما تضمه من مسائل، هوادراك الفروقات الموجودة بينها. فثمة عدد كبير من الكتاب يخلط بعض الموضوعات، وذلك لما يذهب اليه من عد رؤية بروتوغاروس معيارا لكل انواع النسبية (بروتوغاروس سفسطائي من قدماء اليونان، ذاع صيته لجملته التي يقول فيها: الانسان  معيار كل شيء). ومع ان كثيرا من الفلاسفة يدافعون عن ضرب من النسبية المعرفية الاخلاقية، الا انني لا اعرف فيلسوفا معاصرايذهب الى ان قضية (س) حسنة، متساوية مع قضية الاعتقاد بان (س) حسنة. ان اكثر المغالطات شيوعا مما يبرز في بحوث  النسبية، هي تلك المتمثلة بالخلط بين انواع النسبية المختلفة. الطريف ان هذه المغالطة تستخدم في آن من قبل من يدافع عن النسبية، كما من اولئك الذي يرفضونها. فما يحدث على هذا الصعيد، انه يصار خطا الى تعميم جوهر البحوث التي ترتبط بنوع معين من النسبية، الى بقية انواعها.

بالاضافة الى الفروقات الموجودة بين انواع النسبية، يمكن تقسيم النسبية ايضا على اساس السؤال الاتي: من هم الذين ينطبق عليهم وصف النظرية النسبية الاخلاقية؟ قد يقال: ان الصدق الاخلاقي يتبع معتقدات الفرد او الجماعة ورؤاهما، او ان له صلة بمعتقدات الجماعة او رؤاها في ظل ما تحظ ى به من اوضاع مختلفة، او انه يتبع طبقات خاصة من الناس. على سبيل المثال، يقال احيانا: ان الصدق الاخلاقي تابع لملاكات اخلاقية تتحقق عبر اللغة الاخلاقية للاشخاص الذين يستفيدون من تلك اللغة  ويستعملونها. على ضوء هذه الرؤية، لا تكفي الحالات المعرفية للافراد لتعيين الصدق الاخلاقي، الا اذا كونوا لانفسهم جماعة  لغوية.

على خط آخر، ليس من غير المالوف ان نعثر على اناس متدينين يؤمنون بضرب من النسبية الاخلاقية، التي تؤطر في نطاق فردخاص او مجموعة خاصة من الافراد. على سبيل المثال، يذهب بعضهم للقول: ان الصحيح هو ما يرضاه المولى (الشيخ). بديهي انه ليس من الضروري ان نعد هذا القول تعبيرا عن النسبية، لان ما يلوح من هذه المقولة هو ان ما هو حق، ينبغي ان يصار لتقويمه والحكم عليه بوساطة ما يرضاه المولى (الشيخ). ولكن اذا ما قيل: ان الحق والصحيح تابعان لرضا المولى وموافقته، فان هذايفضي الى بروز ضرب من النسبية.

تشهد دائرة الفلسفة وقوع اخطاء كبيرة، تعود للخلط بين مسالة: كيف نعرف ان هذا الشيء او الامر هكذا؟ ومسالة: ما هو الدليل على ان هذا الشيء او الامر هو هكذا؟

وهذا المثال يبين اهمية الارتباط بين الحالات المعرفية ذات الشان بالموضوع، والتقييم الاخلاقي الذي يدور حوله البحث. ربما يتم عرض نوع آخر من النسبية لا يعرف فيها على نحو كامل ودقيق، ما هو الصحيح من الحالات المعرفية وما هو غير الصحيح، مع ان لهذه الحالات تاثيرا فائق الاهمية في هذا الموضوع.

النسبية والصدق الاخلاقي

المتغير الاخر الذي يمكن التمييز على اساسه بين انواع النسبية، يرتبط بضروب الصدق الاخلاقي التي ذكر انها ترتبط بدورها بالحالات المعرفية. على سبيل المثال، اكتسب الاشاعرة سمعة سيئة ناشئة عن ايمانهم بالتصور الذهني الالهي للاخلاق، هذا التصور الذي يذهب الى ربط الحكم الاخلاقي بالارادة الالهية كاملا. ومثل هذه الرؤى يطلق عليها اسم النظريات الأخلاقية المستندة الى حكم الله: Divine command theolies of ethics. لقد عرض ريبورت آدمز نوعا من الأنواع المحدودة لهذه النظريات. فقد ذهب آدمز الى ان المقولات الاخلاقية التي تفيد: ماذا ما ينبغي العمل؟ ترتبط بالارادة الالهية. اما المقولات الاخلاقية التي تفيد: ما هو الشيء الحسن وما هو الشيء العادل؟ فلا علاقة لها بالارادة الالهية. على هذا الاساس، ذهب آدمز الى ان منشا الالزام الاخلاقي، مبين لحاكمية اله حسن وعادل((303)).

تتضح اهمية هذه الرؤية بوصفها تعبيرا عن صيغة من صيغ النسبية، عندما ننتبه الى ان الاله الحسن والعادل لا يستطيع ان يامر بكل شيء، فلا بد من وجود نوع من التحرر من القيد، ازاء ما يستطيع ان يامر به. ربما لا تكفي الواقعيات الاخلاقية لتعيين ما هو ضروري لشريعة ما، من هنا يبادر الله الى ملء هذا الفراغ باحكامه، بغية ايجاد نظام اخلاقي فاعل ومؤثر. فما دام الله عادلا فهو لايستطيع ان يامر بالكذب، لكنه ربما يستطيع ان يامرنا بالتسوك، وربما استطاع ايضا ان يحرم الزواج من ابن العمة او ابن العم.

ما تهدف اليه هذه الامثلة والنقاط هو ان توضح مدى ما هو موجود من تفاوت في الاراء، داخل نطاق النسبية الاخلاقية المعرفية. لاوجود لنظرية مؤهلة ايجابا وسلبا للارتباط بنظرية اشمل حيال النسبية المعرفية، في مضمار الاختصاصات الاخرى غير الاخلاق.

ربما يدعي احدهم بان بعض الحقائق الاخلاقية مطلقة، وبعضها الاخر نسبي ازاء الحالات المعرفية للمخلوقات او ازاء ارادة الله. في الحقيقة ان طبيعة ارتباط الحقائق الاخلاقية بالحالات المعرفية، يمكن ان ينتظمه خط متدرج يبدا من التعين الكامل، لينتهي عندنقطة التاثير الاضعف. ربما تكون بعض الحقائق الاخلاقية لها صلة من انحاء مختلفة، بالحالات المعرفية المتفاوتة للافراد اوالجماعات. وفي الواقع، ربما كانت الحقيقة الاخلاقية امرا معقدا بالكامل.

قبل ان نختم البحث في النسبية، من الجدير التوفر على ذكر دليل له شيوع كبير على هذا الصعيد. فغالبا ما يقال: انه لا وجود قط لرؤية محايدة يمكن الركون اليها في تقويم آراء الفرقاء الاخلاقيين، وربما تعمم هذه المزعمة على الحقائق كلها، الاخلاقية وغير الاخلاقية.

فمن الادعاء بان جميع مناهج التقويم تميل الى التصورية الذهنية (ولا اساس لها من الواقع)، تنشا المغالطة التي تذهب الى انه لاوجود قط لاي حقيقة عينية واقعية حيال الاخلاق، وان جميع القضايا الاخلاقية تتبع في صدقها الحالات المعرفية للاشخاص الذين يمارسون عملية تقويمها وفصل الحكم فيها. بيد ان هذا الضرب من الاستدلال لا قيمة له. ومرد ذلك يعود الى ان المقدمة التي تفيدبانه لا يمكن النظر الى الواقعية الا بصرف النظرة الخاصة، لا يمكن ان تفضي الى النتيجة التي تفيد بان الواقعية نفسها لا عينية لها، وليس لها وجود حقيقي. فالحقيقة التي تفيد بان الانسان لا يستطيع ان يغض الطرف عن رؤيته الشخصية، لا تنتهي الى النتيجة التي تفيد بان كل الرؤى معتبرة على حد سواء ولها قيمة واحدة. وكذلك لا يمكن تقويم صحة اي ادعاء او سقمه حول الطول والعرض، من دون وجود المقياس، بيد ان ذلك لا ينبغي ان يوهم بان الطول والعرض مرتبطان بالمقياس، فما بالك بان ننظر الى جميع وسائل القياس بانها سواء، ونعدها متساوية((304)).

التعددية الاخلاقية

أما بالنسبة الى التعددية الاخلاقية، التي اجتذبت، في السنوات الاخيرة، اهتمام الكثيرين، فيلحظ ان لها انواعا كثيرة، تماما كما هي حال النسبية التي تحدثنا عنها قبل قليل. ينبغي، في البدء، ان لا نخلط بين التعددية الاخلاقية وما بين تعددية ما بعد الطبيعة التي كان وليان جيمز يدافع عنها، كما لا ينبغي خلطها ايضا مع التعددية الدينية التي عرض لها جان هيغ. ما يذهب اليه انصار التعددية عادة في مضمار فلسفة الاخلاق، انه يمكن وعلى نحو صحيح اتباع عدد من المثل والنظم القيمية، كما يعرض هؤلاء بان هذه المثل والنظم الاخلاقية لا يمكن التوفيق بينها، ومن ثم ستكون النتيجة عمليا هي اتباع واحد من هذه النظم القيمية وترك الاخرى.

يحصل، في بعض الاحيان، ان يتم التعاطي مع هذه التعددية القيمية بوصفها عنوانا للتعارض بين القيم الاخلاقية وغير الاخلاقية، في حين يحصل، في احيان اخرى، ان يدافع عن تعددية القيم الاخلاقية غير القابلة للجمع، في مقابل من يذهب للايمان بتعدديات قابلة للجمع.

واحيانا، تعد التعددية الاخلاقية بوصفها رؤية تنطوي على مجالات ودوائر مختلفة، بحيث يكون لكل دائرة او مجال اصوله الاخلاقية المفارقة او ملاحظاته الخاصة به.

الاسلام يؤمن بوضوح بضرب من التعددية الاخلاقية الضيقة، القائمة على اساس الفروقات الجنسية. فالشجاعة والعفة تدخلان كلاهما في عداد الفضائل، التي يلزم الجميع السعي للحصول عليهما سواء اكانوا نساء ام رجالا، بيد ان ذلك لا يمنع من ان تكون العفة مقدمة على الشجاعة بالنسبة الى النساء، وان تكون الشجاعة مقدمة على العفة بالنسبة الى الرجال.

اما الان، فان اغلب المدافعين عن التعددية الاخلاقية يعرضون لنوع من التعددية، تتخط ى ذلك النطاق الذي عرضه الاسلام. فهذه المجموعة تذهب الى ان المثل الاخلاقية مختلفة كثيرا، وان ليس فيها ما هو افضل من الاخر. اسوا هذه الرؤى هو الذي عرضت له السيدة سوزان ولف في مقال لها بعنوان «قديسي الاخلاق» (Moral Saints) فقد زعمت، في هذه المقالة، بأن المثل المهنية غيرالاخلاقية في امور الشراب مثلا، هي بذاتها تفسير للغفلة عن الفعل الاخلاقي. بعبارة اخرى: ذهبت السيدة ولف الى ان التوجه تلقاءالاهداف غير الاخلاقية هو سلوك قابل للتفسير والتوجيه، وذلك في الحالات التي نعجز فيها عن اداء الممارسات الاخلاقية.

على هذا، فان المساعي التي تبذل لاثبات ان النسبية الاخلاقية او التعددية الاخلاقية، هما امران صادقان او كاذبان بالمطلق، انماتنشا من خلط عدد من الامور المختلفة بعضها ببعضها الاخر، او ان تكون بباعث عدم دقتنا فيها. لذلك كله، من الافضل لنا بدلا من ان نلجا الى الخوض في امثال هذه المواضيع على نحو عام وغامض، ان نبادر الى قراءة متبنياتها وما تدعيه على لسان من يمثلها،وفي نطاق المصادر الخاصة بها.

يبدو ان هناك ضروبا من النسبية الاخلاقية يميل اليها الاسلام، كما ثمة انواع اخرى منها يرفضها هذا الدين بشدة.

(6)

وسائل التحول الاخلاقي

*ا هل يقتصر دور الدين على تصوير الحياة الاخلاقية المنشودة وحسب او انه يضطلع بالاضافة الى ذلك ببيان الوسائل العملية لبلوغ ذلك الوضع المنشود؟

لغنهاوزن: احدى الاشكالات التي واجهتها، في المجتمعات الدينية داخل ايران، ناشئة من هذا الامر بالذات، مما يظنونه خطا من ان الممارسة العملية الضرورية للحياة الاخلاقية، تنحصر بالعرفاء والعلماء الكبار الذين يبادرون الى تاليف كتب ضخمة، بينماينبغي لتهذيب النفس ان يكون وظيفة الجميع وقضية المؤمنين كافة. ان التوفر على حالة نرى من خلالها ان كل شيء يعد آية للهوعلامة دالة عليه، لا يحتاج الى شيء غير الايمان والتوجه، اما تخطي هذه التخوم على النحو الذي تتجلى في مسار الانسان آثار السير والسلوك في كسب الفضيلة، فهي مهمة تستلزم الانخراط بعملية الجهاد الاكبر. ان لكل انسان الحق في الاشتراك بهذا الشوط الجهادي، حتى الانسان الامي، لكن شريطة ان يتوفر على الايمان والتقوى، وان يتوسل باذيال اولياء الله، كما نلمس ذلك في الصلوات الماثورة: اللهم صل على محمد وآل محمد.

ان الحياة الاخلاقية التي ينشدها الدين، تظهر متجسدة في حياة الانبياء والائمة(ع). اما بقية الاخلاق الدينية، والاحكام الدينية،وعناصر السير والسلوك، فما هي الا اساليب عملية تبين تفصيليا كيفية الارتقاء الى مستوى الحياة الاخلاقية المنشودة. بديهي ان لا نترقب لانفسنا بلوغ ذروة التعالي الاخلاقي، والسبب لا يعود الى نقص التعاليم الدينية وانما يتمثل بنقصنا، على ان رعاية تعاليم الهداية الالهية، توجب قطعا حصول التحول الاخلاقي، وان التوفر على القدرة المطلوبة والعزم الكافي للانقياد ومواصلة الشوط كاملا، برغم الوساوس الشيطانية التي تعبر عن نفسها بصيغ مختلفة وتنبثق على الدوام من النفس الامارة، انما هو رهن العون الالهي على هذا الصعيد.

وفي هذا السياق، لا تعد مطالعة التعاليم الدينية من الكتب والمصادر الدينية بغية ايجاد التحول الاخلاقي الواقعي، بما في ذلك القرآن والاحاديث امرا مرضيا. لان ما نحتاج اليه في نهاية المطاف هو ان نضفي على هذه التعاليم صبغة عملية، ونحن لا نستطيع ان ننال التوفيق في هذا المجال وحدنا، وانما يتعين علينا ان نتعلم من اهل البيت(ع)، حيث تبرز احدى ابرز الوسائل العملية لكسب الفضيلة بمجالسة الصالحين ومرافقة الاخيار واهل الصلاح، وفي ذلك جاء عن الامام علي بن الحسين السجاد(ع)، قوله:«مجالس الصالحين داعية الى الصلاح»((305)).

الولاية والسلوك الاخلاقي

في المنظومة الشيعية ترتبط الوسائل العملية لتحقيق النمو الاخلاقي، على مستوى الفرد والمجتمع معا، برباط وثيق الى مفهوم الولاية. خذ على سبيل المثال اخلاق ابي لهب ومعاوية ويزيد واتباعهم، تجد انها ترافقت مع انكار الولاية. ثم يمم وجهك صوب الاخلاق الحسنة وآثار الفضيلة التي تعد من ثمار الولاية ومن نتائج التسليم، فتبرز آثارها امامك شاخصة في صحراء كربلاء الدامية.

العمل الاخر الذي تم الحث عليه لترسيخ الاخلاق ونموها، ذكر الموت، واي موت فاق ذاك الذي وقع في كربلاء وسما عليه؟ عندمانتامل الموت الكربلائي، وناخذ بنظر الاعتبار اننا صائرون الى الموت ايضا، اي عندما نقارن الموت الذي يحث خطاه نحونا سريعاونقارنه بشهادة الامام الحسين(ع) في كربلاء، نلمس تفاهة الامور الدنيوية التي تشغلنا، وندرك ان القمين بالتقدير في نهاية المطاف هو ان نكل جميع الامور الى الله حتى انفسنا. وعندما تمتد الينا يد الموت، ثم نتصور كيف احتضنت ايادي المنية الامام الحسين(ع) ولامسته بمحبة، سيتضاءل عندها شوقنا وبالتدريج، الى المال الذي يخدعنا والى السلطة والجاه واللذائذ الدنيوية،ليحل محله نور ذكر الله سبحانه.

في حياة الامام الحسين(ع) وشهادته، راينا كيف تطهرت النفوس بذكر الحق تعالى والتفكر فيه، لكي يتجلى الحب الالهي ويتالق،هذا الحب الذي يعد بحق الدافع للسمو الاخلاقي.

(7)

الاخلاق غير الدينية

* هل الاخلاق غير الدينية (Secular) كانت ممكنة، ما هو وجه او وجوه رجحان الاخلاق الدينية على الاخلاق غير الدينية؟ اخيرا: هل تفقد الاخلاق غير الدينية اي وجه من وجوه الترجيح، على الاخلاق الدينية؟

لغنهاوزن: سبق ان ذكرت في جواب السؤال الاول ان ما نقصده عندما نتحدث عن الاخلاق هو: اما الاحكام القيمية المثالية والفضائل الحقيقية الناشئة عن تعاطينا الجدلي مع الدين، او الاحكام القيمية المثالية والفضائل الحقيقية المتداولة على صعيد المجتمع اوفي نطاق الافراد. وعندما يطرح السؤال الاتي: هل الاخلاق العلمانية امر ممكن او لا؟ نجيب بوضوح: اذا كان المقصود من ذلك هوالاخلاق بالمعنى العام، فاقل ما يلحظ هنا هو اننا لا نعثر من الوجهة الاجتماعية ولو على مجتمع واحد طوال تاريخ البشرية، لم تكن تتوافر فيه معايير للتمييز بين الفضيلة والرذيلة، والحسن والقبيح، والجيد والسيىء، وما ينبغي فعله وما لا ينبغي.

الغرب والاشكالية الاخلاقية

والان، عندما نتحدث عن الاخلاق العلمانية، فان ما نقصده هو مجموع المثل والقيم والمبادى الاخلاقية ومفهوم الفضائل المتداولة في نطاق المجتمعات العلمانية في اوروبا الغربية، وامريكا الشمالية، واستراليا، ونيوزلندة، والاتحاد السوفياتي سابقا والبلدان الشيوعية حاضرا. وما لا ريب فيه هو ان الاخلاق موجودة في كل هذه المجتمعات. اجل، شهدت الاخلاق ضعفا في المجتمعات الليبرالية العلمانية الغربية، وسبب الضعف الاخلاقي، في مثل هذه المجتمعات، يعود الى تقسيمها الى قطاع خاص وقطاع مؤسسي، حيث تسود في القسم الاول القيم المزاجية والذوقية، في حين تكتسب القيم موقعها وطبيعتها ومجالها في القسم الثاني،على اساس الماهية المؤسسية للمجتمع. والملاحظة الجديرة بالانتباه على هذا الصعيد هي ان البحث العقلاني حيال القيم امرمتعذر ولا وجود له في هذين القطاعين الاجتماعيين معا.

من الوجهة السياسية، يتقاسم التكوين الاجتماعي فريقان: احدهما يرفع شعار الحرية الشخصية، والاخر ينادي باصالة الحياة الاجتماعية، ومن ثم فان المجتمع موزع بين انصار القسم الفردي وانصار القسم الاجتماعي. وعندما يتم التعاطي مع القيم، بوصفهاشانا ذوقيا ومزاجيا، من المحال ان تنطلق البحوث العقلية لتدرس اي هذه القيم صحيح وايها خطا. كذلك لا يمكن دراسة القيم والبحث فيها عندما تكون هي بنفسها ثمرة للبنية المؤسسية وحصيلة لمؤسسات، لا تتخط ى اهدافها تحقيق الربح والمنفعة وكسب المزيد من الفاعلية العملية، اذ لا تلبث الدراسات العقلية والبحوث الاخلاقية ان تموت وهي في المهد. وهذه الحالة هي التي تفسر اخفاق تيار تجديد الاخلاق الدينية واصلاحها، اذ لم يتحرك هذا التيار التجديدي الاصلاحي في المجتمعات العلمانية، وحتى لو انطلق هناك فسيكون ضئيل الفاعلية ومحدودا جدا.

من نتائج تبعية القيم للاذواق الشخصية او للامزجة المؤسسية، ضعف الدافع للسير والسلوك الاخلاقيين، فهذان لا موضع لهمافي المؤسسة، ومن ثم يتم التعاطي مع هذه المسالة بوصفها شانا شخصيا. كما يفتقد المجتمع العلماني تماما للارضية الفكرية والمناخات المناسبة للفكرة التي تفيد، ان الفضيلة والبصيرة الاخلاقية لا يمكن كسبهما، الا في اطار المهمة الصعبة المتمثلة بتهذيب النفس.

ومع انه ليس مستبعدا من الوجهة المنطقية ان يبلغ الانسان او المجتمع المثل الاخلاقية ويحظى بها، من خلال الوجدان الاخلاقي عبر قدراتهما العقلية وحسن امكاناتهما الفكرية، الا ان ذلك لا يبدو امرا محتملا بفعل العوامل التي ذكرناها آنفا. عندما ننتقل الى الحضارات القديمة، مثل الحضارة اليونانية القديمة او الحضارة الصينية القديمة، نجدها قد اقتربت في ما يبدو من فهم الاخلاق المثالية برغم عدم معرفتها بتعاليم الانبياء، او انها اقرت على الاقل بان العمل الصحيح يتموضع عبر موقع خاص من الغاية الطبيعية للانسان، وان القوانين التي تنهض بالتنسيق الاجتماعي او بالتوافق مع الطبيعة انما تتم بوساطة العقل ومن خلاله، وهو ما لم يحصل في الفكر العلماني الحديث.

بديهي انه ليس من المستبعد ان نفترض ان هذه الثقافات القديمة كانت تحظ ى في تكوينها بضرب من الهداية الالهية، حتى لو لم يعترف بذلك اصحاب تلك الحضارات.

(8)

بين المادية الفلسفية والعبثية الاخلاقية

*هل تقود المادية الفلسفية الى العبثية والاباحية الاخلاقية بالضرورة؟ وكيف يكون ذلك؟ وهل تقود العبثية والاباحية الاخلاقية الى المادية الفلسفية بالضرورة؟ وكيف يكون ذلك؟ واذا لم يكن بينهما تلازم ضروري، فايهما اكثر ضررا على البشرية برايك؟ ولماذا؟

لغنهاوزن: اذا اردنا ان نتعاطى مع السؤال، على مستوى البحث النظري المحض، فليس ثمة اي تلازم بين اي طرف وآخر من الاطراف المذكورة في السؤال. فهناك ماديون يعيشون وفاقا للملاكات الاخلاقية المتشددة، وفي المقابل ثمة عبثيون لا اباليون يرفضون المادية. خذ مثلا الشاعر والفيلسوف الروماني لوكرتيوس الذي عاش قبل الميلاد (99 54 ق.م)، فقد عرض، في كتابه المعنون ب «De Rerin Natura»، فلسفة مادية بالكامل، ذهب فيها الى انه ليس من شيء في عالم الوجود غير الذرة والفراغ. لكن عندما تنعطف الى حياته، تجده اختار نمطا تنتصب فيه المثل الاخلاقية على نحو مشهود. المثال الاخر هو الفوضوي الروسي بيتر كروباتكين (1842 1921م) الذي كانت حياته مملوءة بالتضحية والفداء وايثار الاخرين، بل بادر الى تاليف كتاب مهم في الاخلاق ترجم الى عدد من اللغات، وذلك على الرغم من الرؤى المادية التي كان يؤمن بها.

يمكن القول، على نحو عام: ان للمثل الاخلاقية مكانتها حتى في عقول اناس يعدون من منكري الاخلاق، مثل نيتشه وماركس. وعلى هذا، ليس من الصعب العثور على اناس استثنائيين يجمعون بين الايمان بالرؤية الفلسفية المادية، وبين اتباع المبادى الاخلاقية.

بديهي اننا، في المجتمع الديني الذي ترتبط فيه المبادى الاخلاقية بالتعاليم الدينية وتكون تابعة لها، نتعامل مع المادية بوصفهاانكارا للاخلاقيات، لان المادية تكذب التعاليم الدينية. من هنا تكتسب الفكرة التي تقول: «اذا لم يكن الله، فان كل شيء مباح» اهمية استثنائية بالنسبة للكاتب الروسي ديستيوفسكي (1821-1881م). كما يمكن، على ضوء ذلك، ايضا، ايضاح الصعوبة التي يعاني منها من يعيش في المجتمعات الدينية التقليدية، الماثلة بعدم ادراكه للمفارقة التي تبرز شاخصة في الحياة الامريكية. فبرغم ان عددا ضخما من الامريكيين يعيشون الايمان الديني، تراهم يرفضون في الوقت نفسه الاخلاق التقليدية، اذ ستكون هذه المفارقة واضحة على ضوء ما مر.

الفلسفة المادية ام الليبرالية؟

لا يكمن منشا انحطاط الاخلاق الدينية في المادية الفلسفية، بل هو يرجع الى بنية المجتمع الليبرالي العلماني الحديث وتكوينه.فقد استطاعت المجتمعات العلمانية الحديثة ان توجد من خلال النظرية السياسية الليبرالية، نظاما حقوقيا معقدا يهدف الى حفظ الحرية الفردية وحمايتها، ما ادى في الحصيلة الى اتساع رقعة التغييب بالنسبة لحياة المواطن، على ان المسالة لم تتوقف عندهذه الحدود، بل اسهم العنصر المديني الحضري، وشيوع عدم الاستقرار في بروز هذه النتيجة. ان الاخلاق والقيم الاجتماعية الدينية انما تكون مؤثرة، عندما تكون اعمال الانسان قابلة للاشراف والرقابة من قبل من يشترك معه بالقيم الدينية نفسها، بحيث يعيش من يتخلف عن الاحكام الدينية او الاخلاقية حالة من الشعور بالخجل ازاء فعله. لكن ما يلحظ في المجتمعات المدنية الحديثة، ان الفاعل الذي يمارس عملا ما امام الاخرين لا يلبث ان يتحول الى فاعل مغيب ومجهول بعيد عن الرقابة الاجتماعية، بفعل تعاضد مجموعة من العوامل منها ان الجماعة لا تعرف الفاعل وما يصدر عنه، او انها تفتقد الحكم المسبق او المعيار الذي تبادر على اساسه الى ممارسة المدح او الذم الاخلاقيين، كما انها تتحرك على ضوء مصادرة او حكم مسبق يفيد بانها لا تملك الحق قط لاصدار حكم اخلاقي على الاخرين، لان الاخلاقيات هي شان خاص تدخل في عداد الامور الشخصية.

لك ان تتذكر، على هذا الصعيد، قصة خاتم غايجس التي نقلها سقراط في الكتاب الثاني من جمهورية افلاطون، حين راح سقراطيتساءل: اذا كان الانسان يملك خاتما سحريا بحيث يستطيع بوساطته اخفاء نفسه وقتما يشاء، فمن سيمتنع عن مضاجعة امراة الجيران؟

يعلمنا الدين باننا حتى لو استطعنا ان نتخفى عن اعين الاخرين ونستر انفسنا عنهم، فاننا لا نخفى على الله، وانه حتى لو لم نعش احساس الخجل من الاخرين، فاننا نشعر بالذنب بين يدي الله. ولكن عندما تزدهر ظاهرة التغييب الاجتماعي وتتضاءل رقابة الجماعة، ستزداد الوسوسة، وتتغلب احيانا حتى على الاشخاص الذين يعدون انفسهم متدينين.

وعندما تشيع الذنوب المغيبة (التي تخرج عن سلطة الرقابة الاجتماعية) تزدهر سوق الاعذار والذرائع، ويتفسخ الوجدان الاخلاقي بالتدريج. ثم يبرز على اثر ذلك مسار، يقع في الطرف المعاكس تماما لما سبق ان ذكرناه في جواب السؤال الاول. ففي اللحظة التي تسطو فيها ظاهرة النفاق على المحتوى الاخلاقي وتغيبه، فان آخر شيء سوف يزول في مجتمع كهذا هو الشكليات والقشور والمظاهر الدينية والاحساس الكاذب بالمعنوية، ومثل هذه الحالة هي اسوا من المادية الفلسفية ومن العبثية والاباحية الاخلاقية واكثر ضررا منها.

المسلمون والتحدي الاخلاقي

لكي ندرك الاخطار الاخلاقية التي تواجهها المجتمعات الاسلامية الحديثة، من الضروري ان نتعرف الى علم النفس الاخلاقي لظاهرة النفاق. فالنفاق هو الظاهرة التي ادت، على الدوام، الى الحاق اضرار جسيمة بالامة الاسلامية. فكل الائمة المعصومين(ع)،انما استشهدوا على يد مسلمين منافقين. وحين ننتقل الى العصر الحاضر، نجد ان المنافقين همم الذين اغتالوا عددا كبيرا من قادة الثورة الاسلامية في ايران ومسؤوليها الكبار.

ان الصورة الجديدة التي تكتسبها عملية الخيانة التي تستهدف الامة الاسلامية حاضرا، تتمثل بضرب اسس الاخلاق الاسلامية واشاعة التفسخ الاخلاقي من داخل المجتمع الاسلامي. في المجتمع العلماني الغربي حصل التفسخ الاخلاقي من خلال اشاعة ظاهرة التجهيل والتضييع والتغييب وتوسيع رقعتها، كما من خلال تغليب الوساوس الشيطانية، واشاعة الرؤية التي تقول: ان الاخلاق امر خاص وشان شخصي، في حين ان التغييب الاجتماعي لا يعد خطرا يعبا به في المجتمع الاسلامي المعاصر، كما هي الحال في الغرب. والحمد لله، فان فكرة ان الدين شان شخصي، لا تجد لها انصارا كثيرين في العالم الاسلامي. انما ينفذ النفاق الى العالم الاسلامي من خلال الفكرة الخاطئة التي تفيد بان الانسان يحرز التقدم اذا اهمل الاخلاق الاسلامية، وبخاصة بالنسبة الى الحجاب وعلاقة المراة بالرجل، ومسالة مراكمة الثروة الحرام وكنزها. لقد كان معاوية يتصور ان الدولة الاسلامية تنال قطوف الحضارة اذا اتخذت امبراطورتي الروم وفارس انموذجا ومثالا يحتذى لها.

على اي حال، يسعى المنافقون لاستغلال الاسلام لتحقيق اهدافهم الشيطانية وما ترنو اليه نفسهم الامارة، وهم بصدد حيازة الامور الدنيوية، في حين ان ما يسعى اليه المؤمنون الواقعيون، هو تقديم كل شيء بما فيه انفسهم في سبيل خدمة الاسلام.

ان المادية الفلسفية لم تعد خطرا يهدد البشرية جديا، وبخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وغلبة الصدود عن المادية الديالكتيكية في العالم المعاصر. بديهي، ان هناك، في الغرب، ضروبا اخرى من المادية والنظريات الفلسفية ذات الصلة بها، بيد اني استبعد قدرتها على استقطاب اهتمام الناس وجذب رضاهم. ما هو اكثر خطورة بالنسبة الى الناس، هو ميلهم صوب ملاكات اخلاقية يشاهدونها في السينما ويتعاملون معها بوصفها اساليب لتحقيق التقدم الحياتي، وما هي في الحقيقة الا انموذج لاخفاقات اكبر تستهدف مواجهة الاتجاهات الاخلاقية التي يعرضها الدين، تسعى لاستبدال هذه القيم بالاغواءات الدنيوية.

دعاء الختام!

أرى لحسن الختام، ان نتامل قليلا في الدعاء الاتي للامام الخميني(ع)، وهو يقول: «الهي، انت الذي ملات قلوب الاولياء بنور المحبة، واخرست السنة عشاق الجمال من التحدث عن انفسهم والاخرين، وابعدت ايادي الانانيين المنحطين عن اذيال كبريائك، الهي، ايقظنا من سكر غرور الدنيا، ومن النوم العميق الذي غمرنا من جراء الانغماس في عالم المادة والطبيعة، ومزق باشارة منك حجب الغرور الغليظة وستائر الاعجاب والاثرة والذاتية السميكة التي تحف بنا، وخذ بايدينا الى فناء الطاهرين لدى ساحتك، والى محفل قدس الربانيين المخلصين، وابعد عنا شراسة الطبع وسوء الخلق، وغلظ اللسان، والنفاق والمراء والانحراف، واقرن حركاتنا وسكناتنا وافعالنا واعمالنا، واولنا وآخرنا، وظاهرنا وباطننا بالاخلاص والاقبال.

الهي، نعمك ابتدرتنا ابتداء، وعطاياك غير متناهية، وباب رحمتك ولطفك مفتوح، ومائدة نعمك وعطاياك اللامتناهية مبسوطة،فهب لنا قلبا ملتهبا، وحالا تواقة مضطرمة، وعينا بكارة تفيض بدمعها، وراسا لا يعرف القرار، وصدرا ملتهبا، واختم حياتنا بالاخلاص اليك، والحب الى خواص ساحتك، الذين هم فاتحة كتاب الوجود وخاتمة نظام الغيب والشهود، محمد واهل بيته الطاهرين، صلوات الله عليه وعليهم اجمعين»((306)).

العقل الاخلاقي المسلم
تعدد المكونات ووحدة مرجعية اخلاق الطاعة

ا. جواد علي كسار

اضاءة اولى

انهمك الفكر العربي، خلال العقود الثلاثة الاخيرة، بحركة متسارعة لبناء منظومات وتقديم انساق. على هذه الخلفية، سجل المشهدالثقافي كثافة في المشروعات التي حامت حول مشاغل متعددة، منها((307)) اشكالية التراث والمعاصرة((308)) المنبثقة من احشاءعصر النهضة، مع ما يحف بها من مكونات كالعلاقة مع الغرب او الموقف من الاخر بعامة((309))، والتخلف والتقدم، والتحررالسياسي، والتحرر الاجتماعي، وبخاصة قضيه ((310)) المراة.

ثم بدا الفكر العربي كانه دخل في مرحلة تجاوز ثقافي لمقولة عصر النهضة بمكوناتها واشكالياتها، وهو ينتقل مع بداية الثمانينيات الى عصر ثقافي آخر، قوامه العقل ونقده، او تقويم السلاح الذي تنتج الافكار به، على حد ما ذهب اليه احد ابرز روادمشروعات نقد العقل((311)). ما يلفت الانتباه، في هذا النسق، تظافر جهود مختلف الانتماءات الفكرية على ممارسة مع «الخطاب» بوصفه نظاما مؤسسا للفكر او التفكير((312)) مباشر، او من خلال تحليل بمعنى كونه «عبارة» و«مقولة» كما يستعمل ذلك كثيرون عن خطا!

بعدما بدا كانه استنفاد لشواغل نقد العقل والخطاب، سجل الفكر العربي، في مساحة واسعة من اهتماماته، نقلة صوب عصر ثقافي جديد قوامه «النص» وشواغله، ساعيا الى تقديم العديد من الاجتهادات في قراءة النص، في محاولة تسعى الى اقتحام فضاءاته و«تحريره» من سلطة رجال الدين و«استبداد» الفهوم الموروثة معا، وذلك بهدف التاسيس على ذلك الركام لمشروعية التعددية، ليس في المجال الفكري والثقافي وحده بل داخل النسق السياسي والاجتماعي، ايضا، واتباعا له((314)).

على انه من الضروري الاشارة الى ان هذا التحقيب لشواغل الثقافة العربية واهتماماتها هو تحقيب ثقافي لا زمني، ومن ثم فان التعاصر بين ازمنة الثقافة العربية والتداخل في ما بينها امر وارد بل قائم، بحكم ان التحقيب الثقافي يحكي الانشغالات الفكرية، ويستكشف مكونات المشهد، اكثر مما يعنى بوضع فواصل زمنية حادة او حاسمة.

وما يعنينا من ذلك كله هو النسق الذي يدور حيال مقولة نقد العقل. فعلى كثرة المشاريع التي انطلقت من هذه المقولة، وتعددالمشارب التي لامستها، بقي مشروع الجابري مقروءا اكثر من غيره، لما توفر عليه من نقاط جذب وتميز، يعود بعضها الى الترتيب الذي انتظم حلقات المشروع وترابطه المنطقي وتنقله المحكم والسلس من حلقة الى اخرى، كما الى الادوات المنهجية التي ابدى المؤلف مهارة في توظيفها واستعمالها، كذلك كثافة المعطيات التي غطاها المشروع، هذه المعطيات التي امتدت عدة قرون، وهي تشمل علوم البيان والفلسفة والعرفان، وبعدها الفكر السياسي، ثم نظم القيم والاخلاق، واخيرا، ينبغي ان لا نقلل من قيمة الاداء التعبيري السهل الذي اتصف به اسلوب الجابري، اذ سجل لنفسه نجاحا ملحوظا في نقطة اخفق فيها كثيرون، وهم يشهدون افكارهم تتيه بين تعقيدات منهجية لا مسوغ لها، ولغة غامضة تلفها الاسرار والتراكيب الناتئة والصيغ الشاذة التي تبعث على ملل القارى وتنفره((315)).

بديهي، ان لا تعني هذه النقاط المذكورة عن خصائص المشروع التسليم به جملة وتفصيلا، ولا تحكي في الوقت نفسه غفلة كاتب هذه السطور وغيابه عن ممارسات نقدية بارزة صدرت من ناقدين كبار، منهم علي حرب وطيب تيزيني وعزيز العظمة وبرهان غليون وسالم يفوت ومحمود امين العالم وعبد الاله بلقزيز وجورج طرابيشي وهشام شرابي وطه عبد الرحمن ويحيى محمد وغيرهم كثير. ففي كنف هذه الاعمال النقدية، خضع كل شيء الى النقد: اطر المشروع وسياقاته ومكوناته ونتائجه والمنهجيات التي استخدمها، بل تخط ى النقد ذلك كله للسؤال عن جدوى المشروع، ثم الامض من ذلك هو النتائج التي خرج بها غير باحث عن مدى الامانة العلمية للجابري في التعاطي مع مادة بحثه، بخاصة ما فعله جورج طرابيشي في «مذبحة التراث» بادى ذي بدء، ثم في مشروعه النقضي الذي حمل اسما ذا دلالة خطيرة، هو: «نقد نقد العقل»!

هاجس العقلانية!

يفترض ان يكون الشاغل الرئيسي الذي يحرك اصحاب المشروعات الفكرية هو الواقع المعيش للعرب والمسلمين، وتلمس السبيل الى تغييره. ففي حقبة عصر النهضة كان السؤال المركزي: لماذا تاخر العرب والمسلمون وتقدم غيرهم؟ والحقيقة ان محتوى السؤال بقي على حاله في الازمنة الثقافية اللاحقة، وان تغيرت صيغ طرحه وتناول مكوناته ومنهجيات البحث فيه. فمايطلق عليه تيار العقلانية النقدية الذي ينتمي اليه الجابري، مهموم بقضايا الواقع العربي والاسلامي، وترسم سبل تجاوز التخلف والارتقاء الى المكانة المنشودة، بغض النظر عن المنهجيات التي استند اليها رموز هذا التيار والاطروحات التي عرضوالها((316)).

فالجابري بالتحديد، رايناه يتحدث بنبرة واضحة عن الحصار المضروب من حولنا، نحن العرب، من خلال سلطة التراث وسلطة الاخر المتمثلة بثقافة الغرب، و«هنا يبرز دور العقل، دور النقد»((317)) على ما يقول، اذ ان الطريق الى التحرر من خناق السلطتين معا يتم بالاستناد الى العقلانية والروح النقدية كما يقول نصا((318))، او بالعقلانية النقدية اذا شئنا المزاوجة والاختصار.

اطل هامش العقلانية النقدية براسه في قراءة الجابري لتراث المسلمين الفلسفي، واثارت تصوراته البديلة عما هو سائد عن ابن سينا مراجعات نقدية واسعة لاعماله. ففي قراءة الجابري، صار الشيخ الرئيس «اكبر مكرس للفكر الظلامي الخرافي في الاسلام»،وغدت فلسفته قاتلة للعقل والمنطق: «فلسفته قتلت العقل والمنطق في الوعي العربي لقرون طويلة»، وفي نعرة قومية في البحث الفلسفي لا اعرف مدى دقتها ومشروعيتها، ومن ثم موضوعيتها، تحولت فلسفة ابن سينا الى تجل من تجليات «الوعي القومي الفارسي المهزوم». وفي الاتجاه نفسه، صار ابو حامد الغزالي (ت: 505ه) امتدادا للنسق السينوي الذي يكرس اللامعقول ورمزاضخما من رموز استقالة العقل، وذلك على الرغم من ان الاول كان فيلسوفا والثاني متصوفا، وايضا على الرغم من الموقف المتشددلابي حامد من الفلاسفة ((319)).

واذا كان الغزالي امتدادا للنسق السينوي في المشرق، فان امتداده المخفف في المغرب تمثل بابن باجة (ت: 533ه)، ولو عبراستحضار الفارابي. في ظل هذا «الركام» من اللاعقلانية والظلامية والغنوصية، لم يشهد العقل الفلسفي العربي الاسلامي بعدالكندي والمعتزلة، الا لحظة استنارة واحدة، تمثلت بابن رشد، انطلقت على انقاض ابن سينا الذي «كرس بفلسفته المشرقية اتجاها روحانيا غنوصيا كان له ابعد الاثر في ردة الفكر العربي الاسلامي وارتداده من عقلانيته المتفتحة التي حمل لواءها المعتزلة والكندي وبلغت اوجها مع الفارابي، الى لا عقلانية ظلامية قاتلة لم يعمل الغزالي والسهروردي الحلبي وامثالهما الا على نشرها وتعميمها»((320)).

اكثر من ذلك، لم يمثل تراث ابي الوليد، ابن رشد، الفلسفي في التاسيس لعقلانية برهانية مستهدية بالعقلانية الارسطية، لحظة استنارة في الفكر الفلسفي العربي والاسلامي وحسب، بل لحظة قطيعة ايضا، قطيعة مع التراث الفلسفي المشرقي اللاعقلاني،وقطيعة مع امتدادات هذا التراث في المغرب الاسلامي نفسه. ومن ثم ما من مهمة امام الفكر العربي المعاصر غير ان يتشرب الخطاب الفلسفي الرشدي الذي يتوفر على بنية عقلانية نقدية وان يستوعب جوانبه العقلانية((321))، لكي ندخل عبر «الروح الرشدية» الى صميم التاريخ بعد ان اخرجتنا منه السينوية، ونتطلع عبر هذا الدخول بروحه العقلانية النقدية الى بناء المستقبل((322)).

لقد شجعت القراءة التي قدمها الجابري، في كتابه «نحن والتراث»، بحثا عن العقلانية النقدية الغائبة، شجعته لكي يمضي في الشوط حتى نهايته. فلم لا يعمم النظرة المعيارية نفسها التي تتمسك باهداب العقلانية الارسطية في قراءة من قراءاتها ويسقطهاعلى كل ما انتجته عقول العرب والمسلمين، بعد ان اقتصرت الدراسة هنا على التراث الفلسفي وحده؟ هذا ما كان. ولذلك لانستغرب اذا راينا الجابري يعلن عن مشروعه لنقد العقل العربي من على منبر «نحن والتراث» نفسه((323))، ليضعنا بذلك امام اولى حلقات هذا النقد متمثلا بكتابه «تكوين العقل العربي».

تعميم النزعة المعيارية!

لم يات «تكوين العقل العربي» بجديد على مستوى المنطلقات والنتائج، يزيد على اصول الفكرة كما تبلورت عند المؤلف في«نحن والتراث» ما خلا التعميم، واصداره حكما على ضروب المعرفة جميعها، بعد ان كانت نتائج الدراسة مقتصرة على الجانب الفلسفي وحده. فمن حيث المنطلق اعاد الكاتب التاكيد، في مقدمة الكتاب، ان موضوعه هو العقل، وان «العقلانية» لا تزال هي الهاجس الذي يحركه، وبتعبيره: «قضيتنا التي ننحاز لها هي العقلانية»((324)). ومن حيث النتائج، انتهت جولته في مكونات العقل العربي الى الحصيلة نفسها التي خرج بها في «نحن والتراث»، من هيمنة اللامعقول على مساحة عريضة من المنتجات المعرفية للمسلمين ما خلا ومضات «عقلانية» عابرة، ومن جمود الزمن الثقافي العربي في السابق والحاضر وافتقاده لاي استمرارية تاريخية منتجة، ومن ثم بقائه مراوحا في العصر الجاهلي، حتى ونحن نعيش اواخر القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين، او بدايات الالفية الميلادية الثالثة كما يقال. ف«نحن اذن لم نخرج عن العصر الجاهلي»((325)) على حد قوله،كما لا ينبغي ان يغرينا اختلاف الوان الطيف الفكري والثقافي وحتى المعرفي التي مرت بنا خلال قرون، لان جميع هذه التلوينات،خلال العصور الثقافية، لم تنجح في تخطي العصر الجاهلي، بوصفه زمنا ثقافيا، وبالنتيجة لم تفلح في ايجاد استمرارية مولدة، ماجعل «منها زمنا ثقافيا واحدا يعيشه المثقف العربي في اي مكان من الوطن العربي، كزمن راكد يشكل جزءا اساسيا وجوهريا من هويته الثقافية وشخصيته الحضارية»((326)).

المعالم العامة التي رسمها مشروع العقل العربي، في تكوينه، صارت اكثر نضجا وتفصيلا من حيث المحتوى وادق من حيث التكوين المنهجي في الحلقة الثانية، التي هي في حقيقتها امتداد وتكملة للحلقة الاولى. فقد توفرت على تحليل البيان والعرفان والبرهان بوصفها النظم الثلاثة للمعرفة، التي ظلت تمارس نشاطها في الثقافة العربية الاسلامية على نحو التمايز والاستقلال، اومن خلال التركيب والتلفيق في ما بينها، من دون ان يؤثر ذلك في النتائج الاخيرة، لان النتائج مهما كانت محكومة لبنيتها المعرفية،والبنية ثابتة، وهي تمارس سلطتها على العقل العربي المسلم وتسري قوانينها فيه مهما كان لون الممارسة التي يلجا اليها. وهذه البنية لا تزال حاضرة في عقولنا حتى الان بمكوناتها واصولها وبالثقل الكامل لسلطتها((327)).

لا نظلم الحلقة الثانية من المشروع اذا كررنا القول: انها لا تحمل من الجديد الا وفاءها لمنطلقات المشروع في البحث عن العقلانية الغائبة، التي ترتكز بدورها الى اختيار معياري مسبق للعقلانية يستهدي انموذجه صراحة بالعقلانية اليونانية الغابرة سابقا وبالعقلانية الاوروبية حاضرا((328))، ليسقط كل ما سوى ذلك ويتهاوى تحت مسميات «العقل المستقيل» او «اللاعقلانية» او«الظلامية» او «الهرمسية» وما شابه من مصطلحات الكاتب ومسمياته، والحل (او الترياق السحري!) ياتي دائما وابدا من المغرب بالتحديد من ابن رشد، وعلى نحو اقل من ابن خلدون! ما دام الحديث يدور عن التراث، ومن اوروبا اذا دار الحديث عن الثقافة المعاصرة.

قد لا نغالي اذا قلنا: ان «العقلانية»، بمقاسها الخاص عند الجابري، قد تحولت الى ايديولوجية مغلقة متعصبة لاغية لما سواها،متعالية تناى عن الاعتراف باي شيء سوى نفسها لانها معيار نفسها، والانكى ان صاحبها نصبها «اصلا موضوعيا» لا يشوبه الشك او النقاش، بل لا يحتاج الى اقامة الدليل عليه اساسا! يقول في احد الحوارات معه، بلغة فجة غير علمية مصحوبة بنبرة تكبروتعال حادة، تنم عن احتقار الاخرين: «نعم، ادافع عن كتابي: نقد العقل العربي، وفي جميع كتبي عن «العقلانية». وهذا اختيارفكري لا يجوز وضعه موضع السؤال... يمكنك ان تنتقد العقلانية، وهذا من حقك، ولكن لا معنى للاعتراض على من اختار مذهبا اواتجاها فلسفيا، فهذا اعتراض غير فلسفي كما نعلم»((329))!

فكر الطاعة

عبر الجابري من ثلاثية البيان والعرفان والبرهان التي تؤلف النسق التحتي للعقل العربي، الى ثلاثية العقيدة والقبيلة والغنيمة التي تؤلف مكونات العقل السياسي العربي، في عملية كانت تنبى بانتهاء مشروع نقد العقل نفسه، وتنم عن اكتماله في اطار ثلاثة كتب ايضا. هكذا بدت الصورة في عام 1990م، عندما صدر كتابه عن محددات العقل السياسي العربي وتجلياته((330))، بيد ان هذاالانطباع ما لبث ان تبدد بعد عقد من الزمان او اكثر قليلا، وتهاوى لصالح جزء رابع واخير، تناول هذه المرة نظم القيم، وعالج مسالة الاخلاق من زاوية ارتباطها بالايديولوجية السياسية للسلطة، وطبيعة النسيج الاجتماعي والثقافي الذي تتوخى ايجاده عبر المنظومة الاخلاقية((331)).

ليس لدي ما يمنعني من اظهار اعجابي بدراسة الجابري للعقل الاخلاقي، فقد شدني الكتاب اكثر من كتبه الاخرى برغم انه يدرس الماضي، وذلك بحكم صلته الكبيرة بالواقع والمعاناة المريرة التي نقاسيها من فكر الطاعة واخلاقها، وبخاصة انعكاسات ذلك في المجال السياسي وعلى مستوى السلطة بالتحديد. صحيح ان الجابري يذكر ان هاجسه، في كل ما يكتب، هو الحاضر بهمومه ومشكلاته، ويقول: «كل كتاباتي عن الماضي هي من اجل الحاضر»((332))، لكن الصحيح ايضا ان هذا الكتاب هو اكثر ارتباطا من غيره بهذا الواقع، وهو يمس مواضع الجرح فيه، او هكذا بدا لي، ومن هذا المنطلق اتعامل معه، مقللا ما استطيع ملاحظاتي على المنهج والمحتوى معا.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية