تنطلق المحاولة من الحاضر، وهي تسال عن الاسباب التي
دفعت بالشعوب العربية (والاسلامية ايضا) للانقياد للحكام في
عملية اشبه ما تكون بالتسليم الديني ان لم تكن هي التسليم
الديني نفسه، وكذلك الاذعان لانظمة وسلطات ودول عريقة
بالاستبداد؟ يرجع الجواب، من منظور العقل الاخلاقي، الى
الموروث القيمي الذي نشات عليه هذه الشعوب وتوارثته جيلا
بعد جيل. فهذا الموروث الذي نما مبكرا وولد بولادة الدولة
الاموية، ركب للامة عقلا اخلاقيا قوامه قيم الطاعة، وسوغها
دينيا، في حين انه موروث مستورد ودخيل من انظمة اخلاقية
تابعة لثقافات اخرى غير ثقافة العرب وثقافة الاسلام، بالتحديد
الثقافة الفارسية قبل الاسلام التي يتمحور نظامها القيمي حول
الطاعة، طاعة الحاكم والخضوع له بوصفه ظل الله في الارض.
هذا هو الخط العام للمحاولة برمتها، وبكل تاسيساتها وتفصيلاتها
واستنتاجاتها، هذه الاستنتاجات التي تتكرر في ثنايا الكتاب
بكثرة وبصيغ تعبيرية متقاربة واحيانا متماثلة، لكن من دون ان
تبعث على السام والملل.
هذا النسق في التعليل هو الذي املى على الباحث ان يخوض،
عبر الزمان، عباب رحلة معاكسة يعود فيها القهقرى من
الواقع الحاضر الذي نعيشه في القرن الواحد والعشرين، الى
اللحظة التي شهدت اخفاق الحكم في دولة المسلمين بعد
انتهاء الخلافة الراشدة، وتحوله الى «الملك العضوض»، بحثا عن
المنابت الاولى لفكر الطاعة واخلاقية التسليم((333)).
تسعى الدراسة الى بيان مجموعة من التحديدات التي تشيد
عليها بنيانها، في طليعتها ان المقصود من العقل الاخلاقي
العربي ليس العقل الفردي بل العقل الجماعي، ومن ثم يصح ان
يكون هذا العقل تعبيرا عن نظام القيم الذي يوجه سلوك
الجماعة، سلوكها الفكري والروحي وسلوكها العملي((334)).
بهذا المعنى، لا يكون نظام القيم محض تعبير عن الخصال
الحميدة والخلق الذي يتصف به هذاالانسان او ذاك، بل هو
بالدرجة الاولى «معايير للسلوك الاجتماعي والتدبير السياسي،
ومحددات لرؤية العالم واستشراف المطلق»، ما ((335))
يكشف عن عمق صلة هذا النظام، ومن ورائه العقل
الذي يؤطره، بالسياسة والمجتمع كما بالثقافة والعقيدة،
انطلاقا من القاعدة التي تفيد بان نظام القيم لمجتمع ما يعكس
بنيته. من التحديدات التي اسست لها الدراسة، ان العرب والمسلمين لم يعرفوا، في حياتهم قبل الاسلام، ومن خلال الاسلام نفسه في صدره الاول، اخلاق الطاعة بوصفها فلسفة تقوم عليها حياتهم وتدمج سلوكهم بطاعة السلطة والخضوع للسلطان. فبحسب المؤلف يستند النظام الاخلاقي للعرب في الجاهلية الى «مبدا المروءة»((336))، في حين انه يستند في الاسلام الى «مبدا العمل الصالح»((337)) وما يمليه من مصالح. والسؤال، اذا، هو: كيف نفذ موروث الطاعة الى المجتمع العربي المسلم لاول وهلة؟ أزمة السلطة
لا بد من وجود واقع موضوعي مثل البوابة لنفوذ مرجعية
اخلاق الطاعة وارثها القيمي. الفرضية الاولى التي يقدمها
البحث، في هذاالباب، هي «الغزو الثقافي» الذي يصاحب الغزو
العسكري والسياسي او يتبعه، والذي قد يتطور الى ظاهرة «تقليد المغلوب للغالب»((338)). بيد ان هذه الفرضية ساقطة
عن الاعتبار، لان المسلمين العرب مارسوا فتح فارس والروم
وكانوا في موقع الانتصار، وهذا ما يؤكده الكاتب ايضا، لكن من
دون ان ينسى التنبيه لحقيقة مهمة مفادها ان فتح
الامبراطوريتين لم ينه الحرب بينهما وبين الاسلام، وانما نقلها
الى مستويات اخرى. فبعد ان خسرت فارس والروم الحرب
العسكرية بالفتح، حولتا المعركة الى ساحات اخرى، راحت تبرز
في مجالات العلوم والثقافة والادب واطر تاسيس الدولة
وممارسة السلطة، فكان من مظاهر ضغط الموروث الفارسي
على مجتمع المسلمين بزوغ دور هذا الموروث في بناء هياكل
الدولة الجديدة او تدعيمها، بدءا من عصر عمر آبن الخطاب، ثم
وعلى نحو اكثر تركيزا وعمقا في عصر الدولة الاموية ومن
بعدها العباسية. كما يمكن رصد منافسة الموروث الفارسي
للثقافة الاسلامية في جوانب اخرى، في طليعتها «الادب
والاخلاق» على مستوى القيم.
فاذا سقوط فرضية الغزو وانتفاؤها موضوعيا، لا يعني ابدا خلو
المجتمع الاسلامي من مظاهر التنافس، وحتى الصراع،
التي نشات بين الثقافة الاسلامية والثقافتين الفارسية
والرومية، وبخاصة بعد ان وجدت الثقافتان المنافستان، ولا
سيما الموروث الفارسي، قبل الاسلام، فرصة انموذجية للتسلل
والتعبير عن النفس واثبات الذات، ابان المرحلة الاموية، ثم
استمرت تركز اقدامهافي العصر العباسي((339)).
برزت هذه الفرصة في ظل الحاجة الماسة التي عاشتها الدولة
الاموية الى اسكات المسلمين واخضاعهم لسلطتها، في
ظل ايديولوجية تكون فيها الطاعة هي القيمة المركزية. الاسلام وفكر الطاعة
فمن اين تستمد السلطة الاموية ايديولوجية فكر الطاعة، من
الاسلام ام من غيره؟ لا يمكن ان يقدم الاسلام غطاء الشرعية
الذي احتاج اليه الامويون لفرض سلطتهم، وبخاصة بعد واقعة
كربلاء سنة 61ه واستشهاد الامام الحسين(ع). اجل، استطاع
الامويون بناء بعض اعمدة خيمة الشرعية التي يحتاجون اليها،
عبر تاسيس بعض الاتجاهات التي تلتقي فكريا تحت عنوان
ايديولوجية الجبر والارجاء او رعايتها، وحماسة البيت الاموي
لاشاعة هذا الفكر الاستسلامي المتلبس بالدين((340))،
وكذلك من خلال تنمية بعض اتجاهات الفقه السلطاني الذي
يختزل الشريعة والتدين بها، بانها طاعة رجل! بيد ان ذلك لم
يكن كافيا، لا سيما على اثرالمازق الذي راح يواجهه الامويون
بعد الاستشهاد الحسيني، وتفجر شارع الرفض ليس في العراق
وحده، بل في الحجاز وفارس وحتى الشام نفسها((341))، وما
رافق ذلك من تبديد لايديولوجيتهم الدينية الزائفة التي تقوم
على الجبر والارجاء. اعمال المعارضة قبل الامام الحسين(ع)، ثم دم الحسين(ع)والثورات المتلاحقة بعده، ذلك كله زاد الفاصلة بين المجتمع المسلم وبين السلطة الاموية التي من المفروض ان تكون هي السلطة الدينية التي تعبر عن عقيدة المسلم وايمانه بالدين الجديد. تحول التضاد بين المجتمع والدولة الى مشكلة عميقة راحت تهدد وجود الدولة نفسه والضمير المسلم ايضا، ما دفع بالامويين للبحث عن حل يكرس «قيما جديدة تخدم وحدة المجتمع والدولة وتؤكد على ضرورة الطاعة»، وتريح الضمير المسلم من معاناته وشقاقه بتلبسها صيغة دينية. هنا جاء دور قيم الموروث الفارسي قبل الاسلام، هذه القيم التي كانت «ملائمة لطبيعة الازمة وحاجة الدولة، لانها تربط بين وحدة الدين والملك، وتجعل طاعة صاحب الدولة من طاعة الله»((342))، ومن ثم تمثل منقذ اللازمتين معا، ازمة الدولة وازمة الضمير المسلم، لانه باطاعته للسلطان انما يطيع الله!
قد يثار تساؤل يفيد بان الدين نفسه يدعو الى الطاعة ويحث
عليها، ومن ثم يمكن للاسلام ان يؤلف المرجعية التي تحتاج
اليهاالدولة الاموية لتاسيس شرعيتها، وتوحيد المجتمع
والدولة انطلاقا من قيمة الطاعة، من دون حاجة لاستيراد هذه
القيمة من الموروث الفارسي او غيره. اظن ان الجابري يسجل
لنفسه نقطة لامعة، عندما يركز ان الطاعة في القرآن مقرونة
بطاعة اللهسبحانه والنبي، وموضوعها خارج عن الامويين
وغيرهم، وما ثمة آية تضيف الطاعة الى سوى الله والنبي، الا
تلك التي تضيفهاالى اولي الامر في آية واحدة، هي قوله
سبحانه: (يا ايها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي
الامر منكم)
[النساء/59]. على ضوء هذه الحقيقة، ينتهي
الجابري الى نتيجة حاسمة مفادها ان القرآن «يطرح الطاعة
طرحا مخالفا تماما» لطرح الامويين،ومن ثم «لا نجد في القرآن ما يمكن ان يكون مصدر
الهام لهم»((343)).
هذه النتيجة، كان لا بد من ان تمد سياقها الى الحديث النبوي
ايضا. وهذا ما كان، اذ وجد الجابري نفسه مدفوعا لانكار كثافة
احاديث الطاعة، طاعة السلطان مهما كان والخضوع له في كل
حال، لينتهي الى القول: «فان المرء لا يملك الا ان يندهش امام
كثرة الاحاديث التي تروى في موضوع الطاعة، وهي تتدرج من البخاري ومسلم الى ابن
حنبل»((344)). النظم القيمية الخمسة
لكي يتوازن العرض من الضروري التنبيه الى ما ذهب اليه
الجابري، من ان العقل الاخلاقي المسلم توزعته خمسة نظم
قيمية، نبع كل واحد منها من مرجعية ثقافية خاصة. وفاقا لهذه
النظرة، فان العقل الاخلاقي هو حصيلة المكونات الاتية:
1-
الموروث العربي الخالص الذي ينتمي الى ما قبل الاسلام،
وقيمته الاساسية هي اخلاق المروءة.
لم تكن العلاقة بين هذه الموروثات في العقل المسلم، علاقة
انساق فرعية خاضعة لنسق اعلى واقوى هو الاخلاق الاسلامية،
بل كانت علاقة تداخل ومنافسة واحتواء وتصارع، سعت فيها
فارس والروم لكسب المعركة ثقافيا واجتماعيا وسياسيا، بعد
ان خسرتها عسكريا ابان الفتح الاسلامي.
ومع ان الحديث يدور عن خمسة موروثات، الا ان تاثيراتها لم
تكن متوازية ولا متساوية، بل اجتاحت القيم الكسروية
الساحة،وكانت لها الكلمة الاولى من اوائل القرن الثاني الهجري
الى القرن التاسع، ولا تزال تاثيرات تلك القيم مستمرة حتى
الان. بهذا
المعنى، يرى الباحث ان النظام القيمي الكسروي
تحول الى ثابت فوق بقية النظم، وبتعبيره: «ان القيمة
المركزية، في نظام القيم الكسروي، قد فرضت نفسها بوصفها ثابتا بنيويا يخترق مفعوله
جميع نظم القيم الاخرى»((346)).
هذه الرؤية هي التي سوغت للجابري، القول: «العقل الاخلاقي
العربي هو عقل متعدد في تكوينه، ولكنه واحد ((347)) في
بنيته». تطبيقات وآراء
كان لا بد من ان تفرض الرؤية تلك استحقاقاتها على الباحث،
الذي انطلق يتابع النتاج الاخلاقي بمشاربه المختلفة
وحقوله المتعددة، على مدى مئات الصفحات. كانت اولى
محطات هذه الرحلة ارتباط التنظير للاخلاق، او صياغة علم
الاخلاق، بالتراث المترجم عن اللغة الفارسية. وفي هذا السياق،
برز «كاتب السلطان» مروجا رئيسيا للموروث الكسروي الذي لا
يتعب من التكرار:«سعادة الرعية في طاعة الملوك، وسعادة الملوك في طاعة المالك»((348)). من الكتاب السلطانيين
البارزين الذين بشرواباخلاق الطاعة الكسروية، وروجوا لها في
العصر الاموي، سالم بن عبد الرحمن وعبد الحميد بن يحيى
بن سعيد الملقب بالكاتب (ت: 132ه). بعد عبد الحميد
الكاتب، كان دور ابن المقفع، وهو صديق لعبد الحميد، واكب
نهاية الدولة الاموية وبداية شوط العباسية. انطلق ابن المقفع
من مشروع واع ورؤية مسبقة في بث القيم الكسروية التي تبرز
احدى تجلياتها بتغييب الفرد وتعميم كسرى في كل شيء
واشاعة اخلاق الطاعة، وقد انتهى الجابري من دراسته هذا
المشروع، الى نتيجة تفيد ان ابن المقفع كان«المشرع للدولة الكسروية في بلاد
الاسلام، وهي الدولة التي ما زالت قائمة فيها الى اليوم»((349)).
في امتداد مشروع ترسيخ القيم الكسروية، انبثق دور ابن قتيبة
الدينوري النيسابوري (213 276ه)، الذي لم يال جهدا في
التبشيربهذه القيم((350)). وقد وضع الجابري ابن عبد ربه
الاندلسي (ت: 328ه) في صف واحد مع ابن قتيبة((351))، ثم
الحق به الابشيهي(ت: 850ه)، صاحب «المستطرف في كل فن
مستظرف»، مع اضافة تتمثل بسعيه الى اضفاء الاسلمة على
القيم الكسروية((352)).
وفي آخر حلقة من حلقة التطبيقات،
وقف الجابري مع القلقشندي (ت: 821ه)، صاحب «صبح
الاعشى في صناعة الانشاء» بوصفه آخر رمز من رموز اشاعة
القيم الكسروية في عصور الازدهار، قبل ان تنكفى الثقافة
الاسلامية ويبدا عصر الانحطاط((353)).
على المنوال نفسه، تواصل الدراسة خطاها في تحليل النظام
القيمي اليوناني، ثم الصوفي، ثم العربي، واخيرا الاسلامي. ملاحظات نقدية
في اثناء اعداد هذا المقال، لم ارجع الى المصادر التي اعتمد
عليها الجابري، لافحصها واتاكد من دقة معطياتها، وبخاصة
بعد ان كشف غير واحد من النقاد عدم دقتها في كتبه السابقة.
والحقيقة ان الباعث لعدم انجاز هذه المراجعة، يعود الى انني لا
اريد ان اكتشف فيها غير الدلالات التي خرج بها الجابري فعلا،
لان اعلاء شان الحاكم السلطان في تاريخ العرب والمسلمين
وحاضرهم،وتضخيم الدولة، واسباغ طابع القداسة الدينية في
وجوب طاعة الرعية للسلطان، والشعوب للحكام، عاد ولا يزال
بفجائع كارثية مدمرة على العرب والمسلمين.
مع ذلك، رايت من المناسب ان اسجل ملاحظات نقدية سريعة
على بعض ما اثاره الجابري وطواه كتابه، عبر النقاط الاتية:
1- ابداء بالاسم، فالاحرى به ان يكون «العقل الاخلاقي الاسلامي
او المسلم» بدلا من «العقل الاخلاقي العربي»، لان المبحوث
فيه فعلا هو العقل المسلم، ومعطيات الدراسة تدور باجمعها
حيال انتاجات اناس اسهموا فيها بوصفهم مسلمين لا عربا.
2- تتكرر، في كتاب الجابري هذا، كما في كتبه الاخرى، مقولة
انه معني بالثقافة العالمة المكتوبة التي ترتبط بدورها
بعصرالتدوين. وعصر التدوين، كما كرر الجابري مرارا، يبدا
عنده رسميا مع عام 143ه بزيادة بضع سنين او
نقصها((354))، وبالنتيجة فان الموروث الفارسي لعلم الاخلاق
ارتبط التنظير له بانطلاق عصر التدوين، وعندئذ سيكون
السؤال: كيف يفسر المشروع شيوع قيم الطاعة والاخلاق
الكسروية القائمة على تضخيم الحاكم الملك، كما رايناها
رائجة بقوة قبل هذا التاريخ، سواء على مستوى السلطة الاموية
ام على مستوى بدايات السلطة العباسية؟ شخصيا لا اشك في
نفوذ القيم الكسروية قبل هذا التاريخ بكثير، لكن اشكك
بالتحديد الزمني الذي اختاره الجابري لعصر التدوين، كما في
منهجه الذي استبعد ضروب الثقافة الشفوية والشعبية وتركيزه
على المكتوب وحده.
3-
عند حديثه عن الغلاة واستحضارهم للقيم الكسروية، سجل
خلطا متعمدا بين اتجاهات الغلو وقضية الامامة الشيعية، ثم
قفزمن ركام هذا الخلط وعبره الى تعميم وضع فيه «الامامية»
رديفا للكسروية، بل زعم انها تكرس اخلاقها بمفعول اقوى
واعمق، مع اننا نعرف وهو ايضا بان فرق الغلاة شيء والامامية الاثني عشرية شيء آخر((355)). على ان الغلو نفسه هو ظاهرة
تطفح بهاجميع الاتجاهات ولا تقتصر على اتجاه دون آخر.
4-
تبدو النتيجة التي يخرج بها، على صعيد دراسة الموروث
الاخلاقي الفارسي، اعم من مقدماتها. اجل، تؤلف الطاعة
وتعميم كسرى في كل شيء مكونا محوريا في نظام القيم
الكسروي، لكن تحميل الموروث الفارسي الخارجي وحده
مسؤولية قيم الطاعة والاستبداد، واهمال المكونات الداخلية
وبقية العوامل امر غير موضوعي.
5-
في دراسة الموروث الصوفي، فاجانا الباحث بالحكم عليه
قبل استعراض الحيثيات وممارسة تحليل المعطيات، ما يكشف
عن حكم مسبق يحمله الكاتب حيال هذا النظام
الاخلاقي((356)).
6-
ما يذكره من مؤلفات حيال النسق العربي لا يصلح دليلا
على استقلال «اخلاق المروءة» بنظام قيمي عربي خالص
للعرب قبل الاسلام، بل هي خليط مع قيم الاسلام
نفسه((357)). وبعض ما استشهد به من نصوص للدلالة على
الموروث العربي الخالص،
مغمس بالموروث الفارسي قبل
الاسلام، ما يدل على كذب هذه النصوص وانتحالها((358)). 7- لا اعرف سر هذا التبجيل المبالغ به لما ذكره العز بن عبد السلام (ت: 660ه) في كتابه «قواعد الاحكام في مصالح الانام» من مفردات تدخل في حقوق الخالق والمخلوق والناس((360))، وقد سبقته بقرون رسالة الحقوق للامام المكرم علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب(ع)، وعهد الامام علي(ع) لمالك الاشتر(ره) وعشرات الاحاديث والمواثيق المماثلة عن النبي واهل البيت عليهم جميعا صلوات الله وتحياته؟! ثم لا اعرف ما هي المعجزة التي اكتشفها الجابري في ما ذهب اليه العز بن عبد السلام من ان اساس الاخلاق في الاسلام، هو التخلق باخلاق الله((361))؟ اولا: لان التخلق باخلاق الله له منشا عريق في الاسلام قبل ابن عبد السلام وغيره، وفي الحديث الشريف:«تخلقوا باخلاق الله». وثانيا: هذا هو تماما مسلك العرفاء الذين اهملهم الجابري او اختزلهم بالمتصوفة، او خلط عمدا بينهم وبين المتصوفة! وفي الحالتين، فلهذا النسق قاعدة عريضة تسبق ابن عبد السلام، ولا تحتاج لكل هذا التضخيم الا ان يكون ذلك لجهة ان العز ذواصل مغربي! الفصل الغائب! هذه الملاحظة النقدية كان يمكن ان تاخذ موقعها في امتداد النقاط السابقة، بيد اننا تعمدنا فصلها عنها وتمييزها بغرض ابرازها،نظرا لما تنطوي عليه من اهمية. في ظل هذا الاصرار على حضور نظم الماضي وموروثات الاخرين القيمية في الحاضر، وفي نطاق منهج الكتاب الذي يذهب الى وجود نظم اخلاقية مندسة ومنافسة ومزاحمة للنظام الاخلاقي المركزي ومتصارعة معه، في ظل هذا وذاك لماذا لم يخصص الباحث فصلا مستقلا لنظام القيم الغربية، وبخاصة مع كثافة حضوره خلال القرنين الماضيين؟ يتحدث الكاتب عن 1380 سنة ممتدة من الزمان (منذ انتهاء الخلافة الراشدة وبداية مرحلة الملك العضوض) ((362)) عاشها العقل الاخلاقي العربي تحت وطاة موروثات الاخرين، وهو ونحن نعرف تاثير المنظومة الغربية الى جوار ما تحدث عنه من منظومات او نظم على الانسان العربي والمسلم، فلماذا اهمل ذلك، وبخاصة ان العرب والفرس والهنود والاتراك، وجميع المسلمين، يتحدثون الان عن تاثيرات النمط القيمي والاخلاقي للنسق الغربي وثقافته على المسلمين؟
الجابري، صاحب النسق والادوات المنهجية، هل غفل عن
دراسة التاثير الغربي من خلال نقطة ارتكاز رئيسية، كما فعل
مع الفارسي واليوناني والصوفي وغيره، او عجز، او انه لا يريد
ذلك؟ المهم ان هذه المسالة تمثل نقصا كبيرا وفصلا ناقصا في
الكتاب،
عسى ان ينتبه اليه المؤلف ويتداركه في الطبعات
اللاحقة. عقدة التفرد والتاسيس من فراغ!
يعيش الجابري هذه العقدة على نحو مضخم، اذ هو يكرر في
مطلع كتبه وخواتمها وفي ثناياها، انه بدا من الصفر، وانه
دشن محاولة مبتكرة لم يسبقه اليها احد، وقد نسي او تناسى ان
العلم ينمو بالتراكم، مهما قيل عن القطيعة، وانه لا يشرع من
الصفر الاالصفر كما سجل احد ناقديه بحق((363)).
لا أريد ان اسهب في تحليل هذه الادعاءات ونقضها، فقد فعل
ذلك عدد كبير من الناقدين لاعمال الجابري، ممن سلفت
الاشارة الى اغلبهم. واظن ان، في ثنايا كتابه نفسه، ما يدحض
هذه الادعاءات، كما في النص الذي نقله عن الجاحظ
وغيره((364))، ما يمكن ان يؤلف خمائر كان من المستحيل
على الجابري ان ينجز ما انجزه من دونها. ومن الطريف ان الجابري نفسه ينقل عن هاملتون جب نصا يتحدث عن الموضوع مباشرة، وهو يسجل: «ان انتحال الدولة الاسلامية للتقاليد الملكية الفارسية، والمنحى السياسي الفارسي، استتبع صراعا بين المثل العليا الاخلاقية والاجتماعية»((365))!
واذا تركنا الجابري قليلا، وذهبنا صوب باحث عربي لم يحظ
بعد بالمكانة التي تليق بانتاجه الفكري ربما بسبب عدم
انخراطه في لوبيات المفكرين! سنجد ان هذا الكاتب تناول
الموروث الكسروي في السياسة مع اشارات دالة عليه في
الاخلاق قبل اكثر من ربع قرن. وحيث يتعذر استعراض كل ما
ذكره، سنكتفي بمقتبسات ذات دلالة. يكتب: «بدا التاليف
السياسي عند المسلمين على شكل مترجمات قام بها الكتاب المنحدرون من اصل فارسي.
وتناولت الترجمة ادبيات ساسانية حول الدهاء»((366)).
ثم يتحدث عن دور بعض العرب المعاصرين للحكم الساساني
في اشاعة دهائيات ملوك الفرس عن طريق الحكايات
والثقافة الشفوية، ما يسد الثغرة التي تركها الجابري شاغرة، وهو
يؤرخ لبدايات نفوذ القيم الكسروية مع عصر التدوين، مسقطا
اي اثريذكر للثقافة الشفوية والحكايات بعد ان ادرجها في نطاق
الثقافة غير العالمة.
الى جوار هؤلاء الحكام، شاعت الثقافة السياسية الكسروية
بموروثها الاخلاقي، وانتشرت في خط مواز عن «طريق
المثقفين الفرس الذين عاشوا مع العرب منذ الفتح الاسلامي للعراق وايران، وتكاثروا
بشكل خاص في العهد العباسي»((367)). لم يفصل هذا الكاتب بين الموروث السياسي
الفارسي وبين منظومته القيمية، بل اشار صراحة الى انتقال
هذا الموروث بحمولته الاخلاقية وانسلاله في ثقافة المسلمين
شفويا وعن طريق الكتابة معا: «بصرف النظر عن صحة اسناد
هذه المرويات
[ما يحكى شفويا عن دهائيات الفرس]
فهي تؤلف مع الترجمات المشار لها
تراث السياسة والاخلاق للفرس الساسانيين»((368)). ثم يذكر ان موقع الفرس، في السياسة
واخلاقها المتصلة بها، يضاهي مركز الاغريق في الفلسفة. بعد هادي العلوي بعقدين، طالعنا مواطنه الباحث الشجاع علي كريم سعيد بكتاب جريء، تناول اخلاقية الطاعة وفكرها في نطاق دراسة مهمة جدا لاصول الضعف في الواقع العربي الاسلامي. وبالرغم من ان هذا الكتاب وضع اصبعه على الجرح نفسه الذي مسه الجابري، الا ان احدا لم يحتف به، ولم يوله الاهمية التي يستحق، ربما ايضا لعدم اندراج كاتبه في نطاق «لوبيات المفكرين!» التي تؤسس لها وتشيعها مراكز ومؤسسات ورموز معروفة في العالم العربي!
دراسة علي كريم سعيد انطلقت من الهاجس نفسه الذي
انطلق منه الجابري، متمثلا بهيمنة خط الطاعة واخلاقية
التسليم، غير انهاتقدمت عليها بنقطة، تمثلت بالنظر الى هذا
الخط بوصفه اخلاقية ذات استمرارية تصل الماضي بالحاضر،
وتدمج الحاضر
بالماضي، في نطاق ما اطلق عليه الباحث اصول
الضعف التي باتت تؤلف ميلا عربيا مشتركا يفرض مكوناته على
الجميع.
أجل، الجابري تحدث عن ان اخلاقية الطاعة التي تم التاسيس
لها منذ العصر الاموي، لا تزال تفعل في الحاضر، لكن كريم
سعيد زادعليه بتحليل انماط حضور هذه الاخلاقية عبر
منظومة معقدة من آليات العمل الهائلة، يندرج فيها عدد كبير
من المؤسسات الثقافية والرموز الفكرية، والطريف ان كريم
سعيد ادرج الجابري في نطاق المفكرين المبشرين بفكر
الطاعة واخلاقها في الفصل الذي خصه به.
تحدث سعيد بالنص عن «الاسس الاولى لنظرية تبريرية ترجح الطاعة المفروضة على المسلم،
على اي اعتبار آخر»((369)).
كماقدم، في طول الكتاب وعرضه، نماذج دالة من فكر الطاعة
الموروث، الذي تحول الى ثقافة معاصرة «تخدم خط الطاعة
السياسي المسيطر حاليا على المؤسسات الثقافية العربية الكبرى» ((370)). كتاب سعيد سبق كتاب الجابري بنحو عقد من الزمن، وانطلق من الهاجس نفسه، ولو مع اختلاف في الموضوع ومنهج البحث، ومع ان هذا الكتاب احيط بالاهمال المتعمد ربما خدمة لاخلاق الطاعة وبتخطيط من مؤسساتها المعاصرة، لكن ذلك لا يغير من الدلالة التي تقول: ان الجابري لم ينطلق من فراغ كما يزعم! ما اردت ان اختم به، انه لا يمكن لاي عمل فكري جاد ان ينطلق من دون هذه البدايات والخمائر وعشرات، بل مئات، امثالها، كما لا يمكن لاي باحث او مفكر ان يحقق ابداعا من دونها، وهذا الدرس على يسره وبساطته هو مما ينبغي للاستاذ الجابري ان يتعلمه! الامام السيد عبد الحسين شرف الدين في وادي الحجير نهج الالتزام والمواجهة ندوة في بيروت
بمناسبة ذكرى انعقاد مؤتمر وادي الحجير،
اقامت المستشارية الثقافية للجمهورية الاسلامية الايرانية، في
لبنان،وبالتعاون مع جمعية الامام الصادق(ع) للبحوث في تراث
علماء جبل عامل، بعد ظهر الثلاثاء الواقع فيه 29 نيسان 2003م،
ندوة فكرية تحت عنوان: «الامام عبد الحسين شرف الدين
(قدس سره) في وادي الحجير نهج الالتزام والمواجهة»،
وذلك في قاعة الاجتماعات في المستشارية ببيروت، بمشاركة
عدد من الشخصيات السياسية والثقافية.
بداية، بعد النشيدين الوطنيين: اللبناني والايراني، القرآن
الكريم، فكلمة للمستشار الثقافي للجمهورية الاسلامية
الايرانية، السيدمحمد حسين هاشمي، الذي راى ان مسيرتنا
يرسمها علماؤنا المجاهدون، وشرف الدين واحد من قادة
الجهاد واعلام الهداية...، فكل ثورة قامت في عالم الاسلام انما
قادها العلماء الذين عناهم رسول الله(ص) بالحديث الشريف:
«العلماء ورثة الانبياء».
واليوم، ونحن نشهد احتلالا امريكيا للعراق، وفي ظل احتلال
صهيوني لاراض اسلامية وعربية، نحس اننا بامس الحاجة
لعلماء
اجلاء ومراجع وقيادات عظام يحركون الجماهير،
ويقودونها نحو مسيرة مواجهة حقيقية للاحتلال، وصولا
للتحرير.
واننا لنقول، وعلى مسمع من يعنيهم الامر: ان الجمهورية
الاسلامية الايرانية ما زالت تؤمن بدور هؤلاء الرجالات
والمراجع العظام، كيف لا وقد قاد ثورتها واوصلها الى شاطىء
الامان امام تقي نقي من سلالة آل البيت، هو الامام الخميني
(قدس سره)،
وعلى خطى الامام الخميني يتابع المرشد الامام
السيد علي الخامنئي بالموقف والكلمة المدوية صرخة الحق
في وجه الظالمين.
ومع اشتداد الازمة على الشعب العراقي
البطل والمعطاء، فان الامل بالتحرير آت لا محالة، وما شهدناه
من تظاهرات مليونية ومسيرات تاييد لنهج ابي عبد الله
الحسين، في ذكرى اربعينه، ما هو الا خير دليل على حيوية
الامة وجهوزيتها لمقارعة الاحتلال،سواء جاء الدعم ام لم يات
من دول صديقة... هي ارادة العراقيين ونهج علمائهم
ومراجعهم ستجعل الاحتلال الامريكي البريطاني الى زوال.
وما الشعارات التي سمعناها ورددها المسلمون: شيعة وسنة،
في وجه الاحتلال، على ارض العراق، الا شرارة اولى لوحدة
يقودها نهج في الالتزام والمواجهة.
وفي الختام، نكرر القول: ان العلماء هم القادة الفعليون
لمسيرتنا، والامام السيد عبد الحسين شرف الدين قائد لمسيرة
الجهاد في جبل عامل، وباحيائنا ذكراه العطرة انما نحيي من
جديد بعثا لروح التغيير في الامة، وترسيخا للالتزام والتصميم
على المواجهة في زمن الهجمة الصهيونية الامريكية
والتهديدات التي تطال جميع القوى الحية والرائدة والطليعية.
ثم تحدث السيد محمد كوراني، بوصفه مديرا للندوة، عن
فضائل الامام عبد الحسين شرف الدين الشخصية الفذة ودورها
في مؤتمر وادي الحجير.
وتحدث الباحث السيد حسين شرف الدين عن الاشكاليات التي
واجهتها الحركة العاملية باتجاه وحدة الارض السورية بعد
الحرب العالمية الاولى، ومنها ما هو داخلي ويتمثل في تناقض
مواقف السياسيين، بين من يعمل خفية لمسايرة الفرنسيين او
للتقرب من الانكليز، وبين الموقف الوطني القومي الذي يتمثل
بالعلماء وبحركة المقاومة المسلحة التي اطلق عليها اسم
العصابات، وراى ان حركة المقاومة العقدية والمسلحة هي التي
فرضت الموقف القومي على السياسيين، فاتت مقررات المؤتمر
محددة واضحة تدعوالى استقلال سوريا الناجز بحدودها
الطبيعية، بما فيها فلسطين ولبنان، ورفض كل شكل من
اشكال السلطة الاجنبية من انتداب اووصاية، واي حق لدول
الحلفاء، والى ان يكون النظام ملكيا يضمن العدالة والمساواة
بين المواطنين بقيادة فيصل بن الحسين.
وراى السيد نواف الموسوي، مسؤول العلاقات الدولية في
حزب الله، ان الحضور المبكر لعالم الدين المسلم الشيعي، في
بواكيرالتاريخ السياسي الحديث للبنان، يؤكد على مركزية
الدور الذي يقوم به العالم اذا استوفى شروط القيام. وتوقف
السيد الموسوي عند النهج الذي التزمه العلامة شرف الدين،
فبين ملامحه، ومنها: التزام الخيار المقاوم ضد الاحتلال،
ورعاية هذا الخيار من خلال متابعة العلاقات الوثيقة الميدانية
العسكرية للمقاومة، والحرص على الوحدة الاسلامية والحؤول
دون تصديعها، بفعل تدخل المستعمر، والحرص على تطهير
اصول المذهب والمنافحة عنها، والعيش المشترك بين
اللبنانيين بكافة طوائفهم، ورفض الوعي الاقلوي للذات،
وتقديم وعي الانتماء الى امة جامعة.
وختم السيد الموسوي بالاشارة الى تقصير المؤرخين
اللبنانيين والعرب المتمثل في اغفال دور جبل عامل وعلمائه
في صنع تاريخ هذه المنطقة. هنري كوربان: حواريات الروح والدين ندوة في بيروت
اقام «معهد الدراسات الاسلامي للمعارف
الحكمية»، بمشاركة «معهد الدراسات الاسلامية المسيحية
(جامعة القديس يوسف)»، و«معهد
EPHE» للعلوم الدينية في
باريس، و«مؤسسة حكمة وفلسفة» في طهران، ندوة فكرية
تحت عنوان: «هنري كوربان: حواريات الروح والدين»، تضمنت
ثلاثة محاور، اولها الامام والمسيح، تحدث عنه د. بولس
الخوري،وثانيها الكيمياء الروحانية عند هنري كوربان تحدث
عنه د. بيار لوري، وثالثها فلسفة التشيع، تحدث عنه د. احمد
اعواني، وفي ماياتي نقدم ابرز ما جاء في كلمات المتحدثين. الامام والمسيح عند هنري كوربان للدكتور بولس خوري
في تصور اوغست كونت، صاحب النظرية الوضعية لتاريخ الفكر
البشري، ان الناس الاوائل عندما شاهدوا الظواهر
الطبيعية تبادر الى اذهانهم انها من فعل الالهة. وبناء على هذا
الاعتقاد، ابتدعوا شعائر عبادية هي من نوع السحر، كما كانت
معتقداتهم من نوع الاسطورة. ولما انتقل الناس من عبادة
الالهة الى عبادة الاله الواحد، بات السؤال هو هو عن الوسيط
الذي هو في الاديان التوحيدية كلام الله المنزل على الانبياء
والمدون في كتاب. وهذا ما جعل هنري كوربان يقول بظاهرة
الكتاب وكيفيات التنزيل والتاويل.
موقع الامام: ان الشريعة التي اتى بها النبي لها من المعاني
الظاهر والباطن، وان الامام هو المؤتمن على المعنى الباطن،
ومن هناكان تلازم وظيفة النبي ووظيفة الامام عند الشيعة.
وفي ما يخص النبوة فثمة نبوة تعريف، ونبوة تشريع «وهي نبوة
اولي العزم الذين جاؤوا بشريعة»، ونبوة المرسلين الذين «لم ياتوا
بشريعة». اما العلاقة بين الولاية والنبوة والرسالة، فالولاية
باطن النبوة، والنبوة باطن الرسالة، والنبوة المطلقة هي نبوة
الحقيقة المحمدية الازلية والابدية وباطنها الولاية المطلقة
التي للامام.وحقيقة خاتم الانبياء وخاتم الاولياء واحدة ذات
وجهين: احدهما ظاهر، وهو النبوة والاخر باطن، وهو الولاية.
ولو كان للكتاب المنزل معنى واحد حقيقي، وهو المعنى
الظاهر، لما كانت حاجة للامام، لكن الكتاب يبقى حيا بعد
النبي.
وظيفة الامام: وظيفة الامام هي تاويل الكتاب وكشف معناه
الباطني. فالكتاب منه عبارة ومنه اشارة ومنه لطائف ومنه
حقائق،وهي على الترتيب للعوام والخواص والاولياء والانبياء.
والامام هو شخص ملهم، ويتعلق تعليمه بالحقائق اي بالباطن.
والعلاقة بين الشريعة والحقيقة، والظاهر والباطن، والتنزيل
والتاويل هي علاقة «الرمز بالمرموز»، او «المثل بالممثول»،
ويفترض الشرح الرمزي حكمة الهية ترى ان العوالم يتماثل
بعضها مع بعض. ويفترض التاويل تفعيل وجدان التخيل الذي
اكد الفلاسفة الاشراقيون وظيفته المعرفية. فالامامة نبوة
باطنية، تلازم النبوة التشريعية وتكملها: «انا وعلي من نور
واحد»، والنبي يقوم بمهمته من خلال الوحي ورؤية الملاك،
بينما يقوم الامام بمهمته من خلال الالهام، والكشف المعنوي،
والكشف الصوري الذي يفترض وجود التخيل وبه يدرك عالم
المثال. وبذلك يرث الامام علم الباطن، وابلاغ هذا العلم هو
التاويل اي الفهم والتفهيم، وترجع عملية الفهم بالتحليل الى
مستويات ثلاثة: فعل الفهم، وظاهرة المعنى، والكشف عن
حقيقة هذا المعنى. ويشير الاخير الى مفهوم«المعنى
المفعولي» الذي يتمثل في حكمة المسلمين باولوية فعل الامر «كن»، وليس باولوية الكائن او الكينونة. وهكذا
ربطت الفينومينولوجيا كيفية الفهم بكيفية الكيان، فالمتلقي
يتلقى الاشياء وفاقا لما هو عليه. والعالم والمعلوم بالفعل هما
واحد.
فالهرمينوطيقا لها درجات تحددها كيفية الكيان. ويميز
كوربان بين الكينونة والكائن، او بين الوجود والموجود،
وينطلق من هذاالفرق ليعرض قول ابن عربي، في الفرق بين
التوحيد الالهي الظاهري (توحيد الله) والتوحيد الوجودي
الباطني (توحيد الوجود)،
الوجود الواحد الاوحد هو الالوهة
الممتنع ادراكها في ذاتها لكنها تدرك في تجلياتها، ما يعني ان
الالوهة واحدة، في حين ان الالهة، اي الاسماء الالهية واشكال
التجليات الالهية، كثيرة..، فما هو كيان الامام الانطولوجي.
تكوين الامام الانطولوجي: بوساطة الامام، يصير الاله
المحجوب الاله المتجلي او الموحى به، وكل من النبي والامام
شكل من اشكال تجلي النور الواحد، وهذا اساس فكرة «النور
المحمدي» المخلوق منذ البدء. وقد توسعت الفكرة فصارت
فكرة «الحقيقة النبوية الازلية». هذا النور الالهي يلازم البعد
البشري في كل نبي من دون تمازج بينهما. وليس الامام اماما
بانتسابه جسديا الى النبي، بل بالانتساب الى الملا منذ البدء.
فالحقيقة المحمدية حقيقة واحدة ذات بعدين: بعد ظاهر
«تجليه الارضي هو النبي محمد»، وبعدباطن «تجليه الارضي
الامام الاول علي بن ابي طالب». فالائمة هم اسماء الله وتجلياته.
الامام والمسيح: ليس في الاسلام كهنوت يمتلك «وسائل
النعمة» وسلطة التعليم، كما هي الحال في المسيحية التي
تمحور فكرهافي الوعي التاريخي، اي المعنى الحرفي. وقد
كانت نواة معتقد المسيحية اليهودية التي كان على راسها
الرسول يعقوب البحث في النبوة والنبي الحقيقي. وهذا ما ورثه
الاسلام من المسيحية اليهودية وطوره في شكل فلسفة نبوية.
اضافة الى اشكال التلاقي الاخرى التي تتوافق فيها المسيحية
اليهودية مع الامامية كما في قضية الخلاص الذي لا ياتي من
خلال موت المسيح بل من خلال الانتظار والانتصار المعادي.
وكما في مفهوم الحقيقة النبوية الازلية، ووظيفة انارة القلب
بالمعرفة التامة، ومفهوم العصمة (الذي لايخطى).. تقول
الشيعة في تصورها للنبي الحقيقي بالانبياء الستة (او السبعة)
الكبار، وهم آدم النبي الاول، ثم نوح وابراهيم وموسى (وداود)
وعيسى ومحمد خاتم الانبياء، في مقابل هذا التصور ثمة تصور
«سبعية الغيب» عند الابيونيين، اي السبعة الذين ظهر فيهم
«المسيح الازلي» وهم اخنوخ ونوح وابراهيم واسحق ويعقوب
وموسى ويسوع. ويشير كوربان الى الكائنات النورانية الاربعة
عشر المعصومين (النبي وابنته والائمة الاثنا عشر) هم تجليات
الهية، وليسوا تجسيدا للالوهة. وهذا فرق اساسي بين التصور
الشيعي للامام والتصور المسيحي للمسيح. فالاسماء والصفات
لا تقال في الذات الالهية، بل في ملا النورالاصلي المتمثل
بالاشخاص الذين تجلت فيهم الكلمة الالهية الواحدة. فاذا
كانت وظيفة الامام تشبه وظيفة المسيح، فذلك يصح
في سياق مسيحانية ملائكية كما قالت بها المسيحية الاصلية.
وفي معرض حديثه عن الامام الثاني عشر، يقول كوربان: ان
معنى عودته في آخر الزمان يقرب قول المسيحية المعادية في
جسد المسيح الروحي. وفي نظرة شاملة يقول كوربان: في حال
دمرت المسيحية بفعل مخاطر التاريخ، قد يقود العرفان
الشيعي الى اكتشاف مسيحية مختلفة عن الاشكال التاريخية
للمسيحية، لكونها
تندرج في دائرة الدين النبوي. اذن ما يقارب
بين الامام والمسيح قد يكون هو مفهوم التجلي في حين ان ما
يباعد بينهما هو مفهوم التجسد.
تاويلية كوربان: يبرز كوربان انتقاله من تاويل هايدغر الى
التاويل الاشراقي باعتقاده ان ثمة درجات من التاويل، يعود
تباينهاالى تباين كيان المتاول. فكيفية الفهم تحكمها كيفية
الكيان، وكيفية الكيان واقع يسوغ نفسه بنفسه. ومن جملة
المكونات لمنهج كوربان تركيزه على التخيل الذي يدرك عالم
المثال، والتخيل اذا حصل بالمعرفة القلبية او الكشف والالهام
هو صادق، اذ ان هذه المعرفة امر يسوغ نفسه بنفسه. اذن، لا بد
من الوقوف على مستوى كيان كوربان:
صحيح ان بعض الافراد يختلف عن بعضهم الاخر، وان الفرادة
امر واقع، لكن التباين لا يستتبع التفاضل في الانسانية، بل هو
افرازاجتماعي يحصل بفعل السعي الى التفوق والتميز.
يتبنى كوربان فكرة اصطفاء الله لبعض البشر من دون غيرهم،
ويرى هذا الاصطفاء من فعل الله، وقد يتبادر الى الذهن
ان المجتمعات البشرية فيها الشعب والقائد، والمسكين والثري..
وذلك من دون الاخذ بالاعتقاد الشعبي القائل: ان الله سلط
الملوك،
وانعم على الاثرياء. ويقول: ان الله نزل على الانبياء كتبا، فيها الظاهر والباطن، فالله كائن متكلم مع انه ليس كمثله شيء، فكيف للبشر ان يعلموا ان وجوده يماثل وجود البشر؟ ثمة من العرفاء من احجم عن قول اي شيء في الله، لانه لا يدرك، ولكنهم اعتقدوا ان الله تكلم، والسؤال: كيف يكون كلام الله، وكيف يصير هذا الكلام الى الناس في شكل كلام الناس؟ ولماذا وساطة ملاك ونبي وامام بين الله والناس؟ ثم كيف يكون الباطن الروحي باطن الظاهر المادي؟ فما الصلة بينهما؟ لماذا يحتاج الناس الى ان يكون وسيط بينهم وبين الههم؟
قد يجيب كوربان: ذلك يعود الى شعور الناس بما يباعد بين
كيانهم المتناهي والكائن اللامتناهي. عندئذ يكون السؤال:
كيف يكون بشري وسيطا بين المتناهي واللامتناهي؟ ذلك ان
على الوسيط ان يشارك على نحو ما الطرفين في خصوصيات
كل منهما، اي ان يكون له شيء من اللاهوت وشيء من
الناسوت.
في التصور المسيحي الرسمي (الكاثوليكي) ان المسيح هو
الوسيط لكونه في آن الها وانسانا، والسؤال الاساسي هو
كيفية حضور الله في المسيح؟ هل هو اتحاد او تجسد.. مهما
يكن، فان تشبيه الاتحاد او التجسد بالظهور او التجلي قد
يقارب بين الامام والمسيح، ولكن يبقى ان نسال: كيف يمكن
ان يكون ثمة وسيط بين اللامتناهي والمتناهي؟ وكيف يمكن
ان يكون الى جانب وجوداللامتناهي وجود كائنات متناهية؟
هذا السؤال يفتقر الى الادراك العقلي، ولم يثبت من قبل وجود
معرفة تفوق المعرفة العقلية
(كالمعرفة القلبية) ولا وجود
درجات في الكيان. هنري كوربان والسيمياء الروحانية للدكتور بيار لوري
نقف، اليوم، امام مفكر موسوعي له اكثر من 300 مقال وبحث
علمي، بالاضافة الى عشرين كتابا متكاملا، تناول فيها جزءا
مهما من الدراسات المتعلقة بالعلوم الاسلامية، فضلا عن بعض
الدراسات التي تتحدث عن المسيحية او المقارنة في فلسفة
الدين.
اريد ان اقدم، في هذا البحث، ميدانا عاما من ميادين الفكر التي
تعطى بها كوربان، اعني السيمياء الوسيطية، هذا القطاع
المعرفي البعيد عنا، والذي يشكل فرعا ليس هامشيا في
فلسفته، ولعل هذا هو الحافز لمعالجته، هذه السيمياء التي
بنيت بوصفها تخطيا
للمسارات الروحية والباطنية، وهي
تتضمن تحولا داخليا محكوما بالاليات الذاتية مع مراعاة
النصوص الموحى بها، والافكارالتقليدية، منها ان حجم هذه
بابعادها الكونية والشمولية هو ما اثار انتباه هنري كوربان، وقبل
البدء بعرض موقفه ساتناول مراحل تطور هذا العلم:
1-
ولدت السيمياء في مصر نحو عام 200ق.م في المحيط
الحرفي والفلسفي الناطق باللغة اليونانية...
2- استقبل العالم العربي الاسلامي السيمياء في وقت مبكر،
ومضغوط، وفي بعض المحيطات الخاصة، وقد ظهرت
وانتشرت باللغة العربية بشكل كثيف منذ بداية القرن الاول
الهجري (8 9 للميلاد)...
3- عرفت اوروبا اللاتينية السيمياء ابتداء من القرن 12، مع
ترجمة النصوص العربية...
سؤال، في نهاية هذا الفقرة: ماذا تعني السيمياء الى الكتاب
المسلمين؟ ظاهريا نتكلم عن عدة عمليات مخبرية تؤدي الى
استخراج الذهب من المعادن الخسيسة كالزئبق، ولكن
الموضوع اكثر اتساعا، فهذه الورشة السيميائية كانت تتضاعف
بوساطة عدد من المعارف الباطنية. بحسب مدرسة جابر بن
حيان، هذا التوجه الى المعرفة المجردة، يتحقق بوساطة
الدراسة المعمقة للكون.
فعليا العالم الكبير هو واسع جدا
ومعقد، وهو اوسع واكثر تعقيدا من ان تعرفه الابحاث الانسانية
او الانسان الصغير، لذلك لانستطيع ان نتامل عينه الصافية من
دون ان نحمل مرآة. المختبر السيميائي يشكل عاملا متوسطيا
هو في، الوقت نفسه، مشابه للعالم الكبير والعالم الصغير، يكتب
هنري كوربان: «لدينا هنا علم للمعادن ودراسة الكريستال
وعلم النبات، وهذه الاشياءوضعت للدراسة كمرايا... والاشخاص
التابعون للعناصر الثلاث (النبات والحيوان والجماد) هم مرايا،
حيث يتمظهر بشكل مرئي العالم الداخلي
[...]
من دون فائدة ان
نكسر المرآة لنرى ما في داخلها». واحدة من كبار الاعمال «الكربونية»، هي تلك التي تهتم بالجانب الباطني، ودور
المخيلة في عملياتها. وظيفة السيمياء خاصة جدا، فالكلمة
التي وضعنا تحتها خطا في الاعلى، بالتحديد
لانها لا تخضع
لاي نص: «السيمياء عملية وسيطة على كل المواد، مثل
التاويل العملي المتمثل رمزيا بتاويل النص»، نحن هنا
اذن امام
بعض انواع التاويل للظاهرة الطبيعية، امام تفسير لكتاب الكون»
(A.A.H
ص 12). لكن علينا ان نكون متفهمين
ان كتاب الكون لا يعطينا حيز القراءة بالطريقة نفسها،
فدلاليته، وتحوله من طبيعة مختلفة. لدينا مهمة مرتبطة
بحركية الخيال، لكنه يشرق هنا بطريق «شاملة» و«اكثر اكتمالا»:
«تحت هذا العنوان، السيمياء هي عمل تطبيقي، وبامكاننا القول:
انهاتفسير وبامتياز، من هذا التاويل الروحي، تاويل النفس التي
تعتمد الاساس والهدف نفسيهما في الالهيات الاسماعيلية (A.A.H
ص 152)، وكوربان لشرح هذا الواقع اعتمد ثلاثة
مستويات هي: فلسفة التشيع للدكتور احمد اعواني
بحث كوربان عن الحقيقة اينما وجدت، فهو لم يكن مستشرقا
عاديا، بل باحث ملم بالفلسفة في مختلف قطاعاتها، درس
ادموند
هوسرل، واميل برهيية وارنست كاسبرر، وهيدغر، وهذا
الامر جعله يقرا الاسلام بمنهجية مختلفة عن غيره، وطبق ما
تعلمه من الفكر الاسلامي.
فكوربان الذي وجد نفسه اسيرا في استنبول، راى نفسه شبيها
للشيخ المقتول، فاراد الخروج من الغربة الغريبة، فسعى
الى التخلص من المادية المظلمة التي وصلت اليها البشرية،
فوجد ضالته في الفكر الشيعي، ووجد الحل في معرفة الهية
ناتجة عن الولاية المطلقة التي تتجسد في الائمة
المعصومين(ع).
في نظرية الوجود عند كوربان، الوجود يبدا من الله سبحانه
وتعالى، ويتنزل امر الوجود حتى ينتهي الى الانسان الذي هو
آخرقوس النزول، واول قوس الصعود، والذي يرتقي في المراتب
والدرجات حتى يصل الى قمة الكمال، ويصير انسانا كاملا،
يربط الاسم الاول بالاسم الاخر ويتم دائرة الوجود.
الامام حامل الامانة الالهية المتمثلة بالولاية، والتي تحتوي
«الاسرار الالهية، والعلوم الباطنية للنبوة، التي لا يحملها الا من
امتحن الله قلبه للايمان، وكثيرا ما يحكى عن الامام زين
العابدين(ع):
جوهر علم لو ابوح به
هذا العلم الذي سمي ب«العلم الازلي» و«العلم القلبي»، لم يصل
اليه الائمة بالدراسة، انما اخذوه عن الرسول(ص) بسبب قربهم
المعنوي والصوري منه، ولهذا كانوا اولياء الله وخلفاء رسول الله،
فهم ابواب المدينة، وعندهم معاقل العلم وآثار النبوة وعلم
الكتاب... ومواريث الانبياء واركان الايمان ودعائم الاسلام، وهم
الجانب الباطني للرسالة الظاهرة، فقد نقل عن الرسول(ص):
«انا وعلي من نور واحد». والعلاقة بين النبوة والولاية، دعت كوربان للحديث عن مفهوم النبوة، التي تنقسم الى ثلاث مراتب، فالنبي التام هو الذي يحتوي على «الرسالة والنبوة والولاية»، يليه النبي الذي تتحقق في نفسه مرتبتا النبوة والولاية وبعده الولي، من هذه النقطة ينطلق كوربان، ويقوم بتحليل مفهوم الولاية ويقارنها بالمماثل لها في المعنى في الفلسفة الفرنسية، ليصل في نهاية الامر الى القول:الولي والنبي والرسول هم حجج الله سبحانه وتعالى على ارضه والنبوة الشرعية والرسالة، وان كانت النبوة قد ختمت، فحجة الله لم تختم انما بقيت فاعلة من خلال الولاية، التي تقسم الى «ولاية مطلقة» و«ولاية مقيدة»، والاولى مختصة برسولنا الاعظم محمد بن عبد الله(ص)، ويعبر عنها بالحقيقة المحمدية، كانت في ازل الازال، وهي جامعة واصل لكل النبوات، اما الثانية فهي جزئية تستفيد من مشكاة نبوة محمد(ص).
يبقى، اخيرا، ان مبحث الامامة من اهم المباحث التي عالجها
كوربان، وهو في النهاية وصل الى القول: «من المستحيل ان
تبقى الارض خالية من الحجة بعد رسول الله(ص)، الذي هو
ضمان الله في ارضه ومجيب عنه اتجاه الناس حتى يتقربوا اليه.
والحجة يمكن ان يكون محجوبا منهم مستورا، الحجة الذي
يهدي الناس الى المعاني الخفية والاسرار الالهية من الكتب،
ويبين لهم ما هومستور عن البصائر والابصار». الهوية الانسانية معوق للمجتمع المتعدد ام دافع لتقويته؟ موضوع للنقاش في باريس
«الهوية الانسانية معوق للمجتمع
المتعدد ام دافع لتقويته»، هذا الموضوع دعت الى
مناقشته
«جمعية الحوار بين الثقافات والاديان»، في باريس، في
مقر منظمة الاونسكو. |