شارك، في المؤتمر، عدد من الباحثين، فعالج سفير جامعة الدول العربية في باريس الدكتور ناصيف حتي الموضوع متطرقا الى العالم العربي: «الوحدة في التعددية»، اما الباحثة ماغلي روو، مديرة الابحاث العلمية في المركز الوطني الفرنسي للبحوث، فتحدثت عن التحدي لتحقيق الهوية في المجتمع الفرنسي المعاصر، اما البروفسور دومينيك شوفالييه، المدير السابق لمركزدراسات تاريخ الاسلام المعاصر، في جامعة السوربون باريس الرابعة، فقد حلل الموضوع من خلال المسالة اللبنانية، وخصوصا الوضع الانساني والهوية في لبنان، وهو الذي عاش اربعة عشر عاما في لبنان، حيث اعد اطروحة الدكتوراه عن: «مجتمع جبل لبنان خلال حقبة الثورة الصناعية في اوروب»، اما موضوع «الرهانات لترويج الهوية» وتاثير ذلك على المجتمع الشرقي والغربي، فقد عالجه البروفسور وعالم الاسلاميات محمد اركون، المدير السابق لمركز الدراسات الشرقية المعاصرة في جامعة السوربون الحديثة، في باريس الثالثة.

كلمة الافتتاح كانت لسمر ساسين، رئيسة الجمعية، فقدمت ايجازا لهدف المؤتمر. ومما قالته: «ان الهوية الانسانية للفرد تكمن في الاختيار، اي حرية اختيار ثقافته او ثقافاته المتعددة. ان هوية الاخر ليست خطا انما هي مختلفة». واستشهدت بالمفكر الفرنسي باسكال الذي قال: «ان عكس الحقيقة ليس خطا، بل هو حقيقة متناقضة». وختمت بالقول: اليس الكوكب بحاجة الى جميع الثقافات؟اليس المجتمع المتعدد هو اللقاء بين التعايش والتغيير؟ وعند ذلك الا تكون الهوية دافعا لتقوية المجتمع المتعدد؟».

حتي: منطقة الامة ومنطق الدولة

السفير حتي قال: «علينا ان نتذكر ان الانتماء الى الهوية عاد بقوة الى السياسية الدولية». واضاف: «مقارنة بالانظمة الاقليمية في العالم، ميزة النظام الاقليمي العربي بنفحتيه: الخلاقة والهدامة في آن هي ميزة الانتماء المزدوج، المنطق والعقل المزدوجان. يقبع النظام الاول في منطق الوطنية، اي الانتماء الى الدولة. اما الثاني فيقبع في منطق الانتماء الى الهوية العربية، اي الامة العربية التي تتخط ى الدولة وتعيش في الحلم العربي، مستشهدة لذلك بالارث التاريخي والثقافي. هذه الامة تفسر على انها اقليمية، ولكنهاتتوسع لتشمل العالم الاسلامي، او بالاحرى تظل في المحيط العربي، ولكن ضمن رموز اسلامية».

وراى «ان منطق الامة ضعف مع الوقت كايديولوجية، وعلينا ان نفرق بين ما هو ايديولوجي وما هو هوية انسانية. على سبيل المثال، بعد حرب حزيران 1967، قال كثيرون: انها نهاية العروبة». لكن الذي تزعزع هو الايديولوجية وليس الهوية العربية التي اخذت طابعا اقل دنيوية واكثر دينية.

والمثال الاكبر على ذلك التضامن العربي في ما يخص القضية الفلسطينية، او المسالة العراقية، فالصورة السلبية للولايات المتحدة ليست لها جذور ايديولوجية او ثقافية عند الاغلبية في العالم العربي، بل هي نتيجة السياسة المتبعة بخصوص الصراع العربي - الاسرائيلي».

وانتهى الى القول: «هناك طريق اخرى للنهوض من منطق التقوقع والصراعات الدنيوية والدينية، الا وهي بناء هوية انسانية منفتحة على الاخر. تلك التي تبنى على اسس مختلفة وغنية. ففي داخل كل منا ثمة عوامل كثيرة للهوية، الانتماء الى العائلة، الى مكان السكن، الى الدولة والوطن، الى القومية، الى الدين، والى العالم اجمع. اليست هذه العوامل متناسقة تشكل ثروة للفرد وللمجتمع في آن؟».

روو: الفكر الاسطوري

وتحدثت ماغلي روو، فقالت: «تتحقق الهوية الانسانية من خلال ثلاثة عوامل: الفرد، النوع، والمجتمع. العامل الاول بيولوجي،فالفرد هو الجزئية من الحياة، الحقيقة الحية، الرابط بين العوامل الثلاثة، ومن دونه لا هوية انسانية.

الهوية الفردية للانسان، بعدما تتحقق، تتخط ى بسرعة هويته البيولوجية حتى تستاثر بما هو خاص بالفرد البشري، اي العقل والضمير.

يتبلور العقل من خلال علاقة الحركة النخاعية والثقافة. ام العقل المنطقي فيتابع مراقبة المعلومات والاتصالات وتصحيحها، وخصوصا العلاقة مع الاخر. اما الفكر فهو نشاط من انشطة العقل المحرك لعوامل كثيرة للذكاء. ان كان الذكاء يحل المسائل، فان الفكر يطرح جميع انواع المسائل حتى المستعصية على الحل، اي الميتافيزيقية. وعلينا ان لا ننسى الفكر الاسطوري المبني على التشابه والذي يتداخل به الخيال بالواقع. اما الضمير فهو هذه الطاقة التي تساعد على معرفة الحقيقة بواقعية.

ورأت ان الاسطورة تؤدي دورا اساسيا في تحقيق الهوية الانسانية. لهذا: «الاساطير الدينية التي تنشد السلام تساعد على مواجهة قساوة القدر. فالدين يساعد الفرد على تخطي ياسه بوساطة الطقوس والعبادات. وهذه الطقوس تحرر الفرد من الشك،وتدخله في اطار منظم الا وهو الطائفة...».

أما الهوية الاجتماعية، فانها اساسا مبنية على الثقافة. والثقافة تتالف من مجموعة عادات، وتقاليد، ونمط حياة، ومعرفة، ومعتقدات. واذا كانت الثقافة تساعد على المعرفة، فانها قد تكون معوقا امام المعرفة، ان لم يستمر الصراع بين العقل المستقل والثقافة.

شوفالييه: الهوية اللبنانية وصمودها...

بدا البرفسور شوفالييه محاضرته بالتساؤل: «هل سيصمد لبنان الذي عاش حروبا داخلية خلال خمسة عشر عاما، امام حرب العراق وعواقبها على كل الشرق الاوسط؟ منذ اكثر من عام تحاول الادارة الاميركية وضع خطة لاعادة تنظيم الدول وتغيير الحدود على الخط الاستراتيجي النفطي الذي يمتد من المتوسط الى المحيط الهندي».

وقال: «ان الهوية اللبنانية اليوم تصطدم مع محيطها، حتى تخلق الحالة الانسانية بوجودها المتعدد الطائفة. هل سيصمد الوضع الانساني؟ هل ستصمد التعددية الطائفية؟ وهل سيصمد التسامح امام الصراع الذي يوقظ كل المخاوف، ويهز كل الجوانب المتطرفة ويزعزع كل الحكومات العربية المستقرة؟

على اللبنانيين، ايا كان انتماؤهم الطائفي، ان يعبروا عن ارادة مشتركة للعيش سوية، وهكذا يعطون مثالا لبناء السلام بين الشعوب من خلال تنوع الثقافات والتلاقح البناء بين ميزات كل ثقافة. علينا الا ننسى ان اللبنانيين يعبرون عن هوية عربية مشتركة فغالبيتهم لم يشعروا بانتمائهم الى صلب الدولة، الا من خلال انتمائهم الى عائلة ما او الى طائفة دينية ما، الخط الرابط بين الفرد والعوامل الاساسية لبناء الدولة. ان الخيارات السياسية والثقافية التي عليهم ان يتخذوها، منذ الان، هي مصيرية لهم،ليس بوصفهم لبنانيين فقط، بل على صعيد المنطقة التي يعيشون فيها في البحر المتوسط، وهذا يشملن نحن بوصفنا فرنسيين اوروبيين».

أركون: الفكر الاسطوري والعصرنة

ورأى البرفسور محمد اركون: «ان مسالة الانتماء الى الهوية تشمل العالم اجمع، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟» واضاف:«لقد شاركت في مؤتمرات كثيرة من الاتحاد الاوروبي للبحث في مسالة الهوية. الهدف من ذلك ليس توضيح الهوية الاوروبية، انمامحاولة فهم الهويات الجديدة داخل الجو الاوروبي كالبوذية والهندوسية والصينية والاندونيسية وغير ذلك من ثقافات العالم. في كل من باريس وبرلين منزل لثقافات العالم التي تتعايش جميعه فيه ضمن الاطار الاوروبي الديموقرطي».

وركز أركون اسباب الصراعات في العالم في اربعة مصادر قوى تتناقض مع مصادر قوى اخرى، وتغلف جميع المجتمعات بمختلف اشكالها ومستوياتها. وهذه القوى الاربع هي: شكل الدولة، الكتابة، الثقافة العلمية، والخضوع للعقيدة الواحدة. اما القوى الاخرى فهي: المجتمع المتجزى، الادب الشفوي، والثقافة الشعبية.

الثقافة الشعبية تتناقض مع الثقافة العلمية. حاليا على صعيد علم الاجتماع، وفي معظم الدول العربية، حيث تعد مسالة الانتماءالى الهوية الاكثر اشتعالا بسبب العوامل آنفة الذكر، نجد ان الثقافة الشعبية تركت اثرا لثقافة اكثر تقهقرا، وهي الثقافة المروية اوهنا يكمن تحليل مسالة الهوية. اما في ما يخص الخضوع للعقيدة الواحدة، فهي ليست مرتبطة بالدين فقط بل ايضا بالسياسة،حتى في المجتمعات التي تعد متطورة. هناك الفكر الارثوذكسي على الصعيد العالمي: «ان الارثوذكسية قوة مستمرة، وكما قال شارل پاغي: الكل يبدا بالصوفية وينتهي في السياسة».

وخلص الى القول: «على عكس الفكر الارثوذكسي، نجد تعدد الاراء. ان تعدد الاراء هو من محميات المجتمع الديموقرطي الفعلي.لكن هذا ليس كافيا لكي يخرجنا من الصراع حول الهوية الذي هو مسير لاسباب ظاهرها ديني وباطنها سياسي».

اللغة العربية امام تحديات العولمة

مؤتمر في بيروت

عقد، في «معهد الدعوة الجامعي للدراسات الاسلامية»، مؤتمر «اللغة العربية امام تحديات العولمة»، في دورته الثانية، (دورته الاولى عقدت في العام الماضي)، وتحدث فيه غير باحث، وفي ما ياتي تقرير موجز عن وقائعه.

جلسة الافتتاح

تحدث، في جلسة الافتتاح، رئيس المعهد الشيخ عبد الناصر جبري، فقال: ان المؤتمر خرج، في دورته الاولى، بتوصيات وقرارات عديدة، اهمها تحويله الى مؤسسة دائمة ينبثق منه مجلس عالمي لرعاية اللغة العربية وتنميتها، مقره الدائم بيروت.

وسيتناول المؤتمر، في جلسته الختامية، ورقة النظام التاسيسي لهذه المؤسسة المسماة «المجلس العالمي لرعاية اللغة العربية وتنميته»، وسيكون الانتساب اليها مفتوحاً.

والقى كلمة رئيس الجامعة اللبنانية عميد كلية الاداب والعلوم الانسانية الدكتور رياض قاسم، فراى ان العلاقة بين اللغة والمجتمع تستتبع تبادلية الالتزام بين الهوية الوطنية بمفهومها العروبي الشامل واللغة العربية. وقال: «الدولة القوية، في عالم العرب، تقوم على العولمة الاقليمية. والاقتصاد البيني العربي يعزز انتقال البنى الاجتماعية والتعليمية والصحية. ولن يكون التواصل ميسورا وموصولا الا باعترافين اثنين: الاعتراف بقدرة العربية لغة تواصل في هذه الدولة القوية العربية، والاعتراف بضرورة اللغة الثانية الاجنبية، الاكثر تداولا في السوق».

ودعا رئيس جامعة سيدة اللويزة الاب بطرس طربيه الى التعاون بين الرسميين والاكاديميين والتربويين في معالجة اوضاع اللغة العربية وتحديثها، وقال: ان جامعة اللويزة عقدت ندوة الشهر الماضي عنوانها: «اللغة العربية، الى اين؟». وقال: «من موقعي كرئيس جامعة، وكراهب ماروني، وكمسؤول تربوي، ادعو معكم الى صيانة هذه اللغة، فهي بالنسبة الينال لغة دراسة ولغة صلاة ولغة اصالة. لكن التنظير في هذ الموضوع لا يكفي، ونحن نحيا في مدارسنا والجامعات معاناة تستمر منذ اكثر من 15سنة، لا يصل فيها الطالب الى اتقان اللغة العربية».

واختصر مسائل التحدي التي تواجه اللغة العربية بثلاث هي: لغة تكنولوجيا العصر وتدني نسبة حركة الترجمة الى اللغة العربية (لا تتجاوز 6 في المئة من معدل الترجمات التي تنقل التراث الفكري والادبي من لغة حية معاصرة الى لغة اخرى من اللغات الحضارية في العالم، وذلك وفاقا لدراسات اجرتها الامم المتحدة)، وبعد برامج التعليم العالي المخصصة للغة العربية وآدابها عن كل الوسائل الحديثة، والمغريات التقنية المعاصرة التي تستغلها اللغات الاخرى الى ابعد حد، وتوظفه في سبيل خدمة لغاته.

واقترح طربيه اقامة ورشة لغوية عربية انطلاقا من برامج الكومبيوتر، والاهتمام بحركة الترجمة، واعادة النظر في برامج التعليم العالي لدوائر اللغة العربية وآدابها في مختلف الجامعات العربية.

وتحدث باسم الوفود المشاركة الدكتور علي عون (من ليبيا)، فراى في ما يبث على «الفضائيات من حوادث على ارض فلسطين والعراق لا يستهدف المال والرجال فحسب، وانم يسحق الطاقات الفكرية، ويعطل قدرات الانجاز العلمي، ويمحو خصوصيات الامة، ويزيل معالم الثقافة».

وقال: «لقد التقينا، في ما مضى، واجمعنا على ضرورة مقارعة التحديات التي تواجه لغتنا، ولم نسرع الخط ى على طريق المواجهة، وخطوات العولمة تتسارع وحلقاتها تضيق وطوقها يكتمل».

والقى مدير مدارس العرفان الشيخ سامي ابي المنى قصيدة، وتلاه وزير الثقافة الاردني حيدر محمود الذي قال: «لا خلاف على ان لغتنا العربية هي لغة عالمية تتوافر فيها كل الشروط المطلوبة، لكي تكون كذلك، سواء من حيث كونها لغة الدين الحنيف، ام من حيث كونها قادرة على المواكبة والتغيير والتحديث، فهي ليست جامدة، لا نحوا ولا حرفا، لا مبنى ولا معنى».

واضاف: «ومع الاحترام لكل فقهاء اللغة وعلمائها وحكمائه الذين اراد قسم كبير منهم ان يحشرها في المعاجم والقواميس والمراجع، بحجة انه يصعب الوصول اليها، وبخاصة هذه الايام، اقول: ان هذه اللغة العظيمة اكثر ما تكون قدرة على البقاء، وهي جاهزة للتطوير والتحديث والاستيعاب اكثر من اية لغة سواه».

وتحدث ممثل وزير التعليم السوري، الدكتور عبد المنير نجم، عن الظروف الراهنة التي يعقد فيها المؤتمر، فراى ان «الوضع العربي الراهن في حالة كارثية، وما حدث للعراق وشعبه الشقيق ليس شيئا عاديا للجيل العربي الحالي ولا للجيل الذي سبقه، وهوفي نتائجه ومدلولاته من الاحداث التي يقل مثيله في التاريخ العربي الحديث والقديم. فالعراق من جنوبه الى شماله يدمر وينهب ويسلب. وهذا الذي يحدث في العراق يجد مثيلا له في فلسطين، بل ان الحدثين يتكاملان، الاداة واحدة والهدف واحد ونظرة واحدة الى ما يجري تكفي للتيقن من ذلك».

وعن اللغة العربية راى انها تتعرض لتحد خطير في ظل العولمة وثورة المعلومات، وتمنى وجود ارادة الاصلاح الواعية لهذه اللغة.

والقى القاضي الشيخ محمد دالي بلطة، ممثل مفتي الجمهورية، كلمة راى فيها ان الحديث عن اللغة «خوض في اقدس المقدسات عندالانسان (...)، فلا عجب ان تبدا الاحرف الاولى في الكتاب المقدس «في البدء كان الكلمة»، وان تبد اولى آيات القرآن الكريم نزولا على قلب المصطفى(ص) «اقر باسم ربك الذي خلق».

وبعدما عرض للاخطار والمؤامرات، راى «ان جميع اوضاعن يخطط لها خارج دائرة امتنا، ونحن عاجزون عن وضع تصور لمايجري في ارض العراق الشقيق المحتل».

والقى وزير التربية عبد الرحيم مراد كلمة تحدث فيها عن الحرب على العراق التي «استدعت من الذاكرة التاريخية الابعاد الثقافية لكثير من المدن العراقية التي نرى ونسمع ونقرا عن قصفها وتدمير معالمها. فالبصرة مثلا، كانت احدى محطات التاريخ، وقدتحملت مسؤولية حفظ اللغة العربية بما بذله علماؤها من جهد في جمعها، ووضع القواعد لها، وحشد الامثلة والشواهدعليها...».

جلسات المؤتمر ومحاوره

بعد الافتتاح، بدات جلسات المؤتمر التي بحثت في ثلاثة محاور هي: «اللغة العربية، الواقع واستشراف المستقبل»، و«اللغة العربية بين الاصالة والتجدد» و«اللغة العربية وحوار الثقافات، التاثر والتاثير».

شارك، في هذه الجلسات خمسة وعشرون باحثا من جامعات ومراكز بحوث عربية، من الاردن وسوريا ولبنان والامارات ومصروالبحرين وليبيا والجزائر والسعودية.

في الجلسة الاولى تحدث الدكتور يونس فقيه (المركز التربوي للبحوث والانماء في لبنان) عن تاسيس العولمة لايديولوجية من دون ان تحدد مضامين مفهومها عند الناس، وتناول علاقتها باللغة والقومية.

وتحدث الدكتور فخر الدين قباوة (جامعة حلب) في مداخلته، عن «اهمية تعريب البحث العلمي»، وراى ان العلم والدين واحد، ودعاالمسلمين الى الارتباط بالفكر الاوروبي والغربي في ما يخص البحث العلمي، وميز بين البحثين العلميين الاسلامي وغيرالاسلامي، وراى ان الاول يتميز بالطاعة لله والغايات النبيلة والامانة العلمية فيما الثاني يتبع مصالح وشهوات ومكاسب.

وتحدث الدكتور سمير محمد عبيد نقد (جامعة البحرين) عن «الذوبان الحضاري للامة العربية في سواها من الامم في الامد البعيدبسبب الاستعمار والعولمة»، ودعا الى التعريب الشامل لجميع نواحي الحياة حتى لا يكون العلم حكرا على فئة معينة.

وراى الدكتور علي عبد السلام سلامة (كلية الدعوة الاسلامية في ليبيا) انه من الضروري انشاء مجامع لغوية ومؤسسات علمية لمعالجة قضية تقارب العربية من لغات اخرى بالمصطلحات والالفاظ، وعد تعريب المناهج التعليمية ضرورة، لان تعريبهاالحالي يتم بالعامية وليس بالفصحى، ولفت الى تميز تجربة سوريا في التعليم الجامعي.

وتساءل منير جمعة احمد (جامعة المنوفية في مصر): هل ان خطر العولمة اللغوية يكمن في داخل اللغة نفسها؟ ودلل على تجارب شعوب كانت اللغة عندها بمثابة اثبات هوية. وراى ان قضية اللغة العربية «ليست قضية سلفية لرجل خارج من قبر التاريخ»مستهجنا قرار المجلس الاعلى للجامعات في مصر الزام الطلاب تعلم اللغة الانكليزية للتمكن من التسجيل في الماجستير والدكتوراه.

وراى الدكتور محمد احمد القضاة (الجامعة الاردنية) ان ثمة مشكلة واضحة بين الفكر والواقع وتفاعل المثقف والجماهير وتفاعله والسلطة. وانه «اذا لم نتخط محنة التخلف سيبقى مستوى الوعي الثقافي في مراحله ادنى من الامي».

وتحدث عمر السالك الشنقيطي (رئيس قسم البحوث في اوقاف دبي الامارات)، عن «ازمة الثقافة اللغوية في العالم العربي، واقعاومستقبل»، وراى ان الامة العربية لاتقرا تاريخه ولا لغتها ولا تقرا ما يجري حولها، وان اللغة العربية تعيش اكبر ازمة في تاريخه.

في الجلسة الثانية، هوجمت المناهج التعليمية الجديدة في لبنان من الدكتور احمد عوض ابو الشباب (كلية الامام الاوزاعي آلبنان)، اذ عبر عن استيائه من كتاب الادب العربي الذي يدرس في الصفوف الثانوية، لانه يبدا بقول الشاعر ابي العلاء المعري:

«غير مجد في ملتي واعتقادي
نوح باك ولا ترنم شادي»

والشاعر ايليا ابو ماضي، وراى ان قصيدتي الشاعرين تبعثان على التشاؤم وفقدان الامل، وانهما تسيئان الى الاسلام بمضامينهما، ولفت الى التشكيك في الدين المعروف لدى المعري. وفي السياق نفسه، اعترض على بعض النصوص الادبية التي تشجع على الخيانة الزوجية وعلى ممارسة الجنس!

وقدم الدكتور فؤاد الصياح (جامعة اللويزة - لبنان) بحثا عن تعليم العلوم باللغة العربية وعرض لتحديدين لجبران خليل جبران للغة، وهما: «الغبار المتصاعد من تحت عجلات الحضارة»، اي انها لا شيء و«قوة الابتكار في الامة»، اي انها كل شيء. وعلى هذاالاساس تحدث الصياح عن لغتين: لغة القواعد والتراتيب، ولغة الابتكار والاشتراك في الحياة.

ومن الشعر، انطلق الى مختلف نشاطات الحياة، ومنها العلمية، وراى ان ما نسمعه عن ان اللغة العربية ليست علمية غير صحيح،انما العلماء غير موجودين.

وتحدث الدكتور مصطفى الخشمان (مستشار رئاسة جامعة الحسين بن طلال في الاردن) عن تعريب اللغات في الاقطار الاسلامية لحماية شعوبها من الغزو الثقافي، وشدد على اهمية نشر اللغة العربية في «اقطار العالم الاسلامي لحاجة شعوبها الى معرفة هذه اللغة، كونها لغة القرآن الكريم واللغة التي دونت به الاحاديث النبوية، وهي الوعاء اللغوي الواسع للدين الاسلامي».

وتحدث الدكتور طاهر بن عيسى (جامعة الشارقة - الامارات) عن الضعف والتقصير في تعليم اللغة العربية في الجامعات والاسباب الاجتماعية والثقافية والاقتصادية المسهمة في ظاهرة الفتور حيال اللغة العربية.

وراى الدكتور رضوان دبسي (جمعية حماية اللغة العربية في الشارقة) ان على العرب ادراك ما يجري حولهم من انتقال سريع للمعلومات وتبادل واسع للثقافات، وخلص الى القول: «ان اللغة العربية لديها بما وهبها لله من غنى وسعة ما يؤهله لمواكبة هذاالانفجار المعرفي والمعلوماتي».

وراى الدكتور الظاهر ميالة (جامعة الجزائر) ان ثمة صراعا لغوي في العالم اليوم بين البلدان المتقدمة في ما بينها وفي ما بين هذه الدول والدول النامية، خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية.

وراى الدكتور محمد علي القضاة (جامعة مؤتة - الاردن) ان من يمتلك القوة هو من يغلب ثقافته على الشعوب، وهذا من الممكن تحقيقه، انما من الصعب ازالة ثقافة شعب بكاملها. وراى في العولمة خطرا داهما خصوصا ان العالم العربي يعيش حال من التشرذم، «حيث يحول الانسان في العالم الثالث الى متلق للثقافة الغربية».

وحذر الدكتور بكري الشيخ امين (جامعة حلب - سوريا) من ان اللغة العربية في خطر، وتكاد تشرف على الذوبان، وتحدث عن«النظام العالمي الجديد» الذي بدا طرحه في السبعينات، وهو يعني «العولمة، اي السيطرة على العالم».

وعقدت جلسة ثالثة مساء ناقشت المحور الثاني من المؤتمر وهو «اللغة العربية بين الاصالة والتجدد»، وادارها وزير الثقافة الاردني حيدر محمود، وشارك فيها الدكاترة: حسين بن عثمان الحكمي من السعودية عن «المصطلح العربي بين الواقع والمامول،ومحمد محمد يونس علي من الامارات عن «تفريق القوافي بين الدلالة باللفظ ودلالة اللفظ»، وعلي ابو القاسم عون في ليبيا عن«العربية وامن اللبس»، ومحمود حسني مغالسة من الاردن عن «محاولات تيسير النحو العربي حديث»، وعبد المنعم بشناتي من لبنان عن «اللغة العربية كلغة للحضارة»، ورياض عثمان عن موقف النحاة المعاصرين من مصطلحات البصريين والكوفيين»...

بنية العقل السياسي الامريكي
بين البعد الغيبي ومعطيات

الواقع ندوة في بيروت

عقد، في مركز الامام الخميني (قدس سره)، في بيروت، يوم الثلاثاء الواقع فيه 8/4/2003م، ندوة فكرية عنوانها:«بنية العقل السياسي الامريكي، بين البعد الغيبي ومعطيات الواقع». تضمنت محورين: اولهما «صهيو مسيحية ام صهيوامريكية» تحدث فيه الدكتور القس رياض جرجور، الامين العام لمجلس كنائس الشرق الاوسط، وثانيهم «سقوط الامبراطوريات على ضوء فلسفة التاريخ» تحدث فيه الدكتور علي فياض مدير المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، وقدم الندوة وادارها ا. محمد فقيه.

«صهيو مسيحية ام صهيو امريكية» للدكتور القس رياض جرجور

في التعريف والمصطلحات: تم تعريف الصهيونية المسيحية بانها «الدعم المسيحي للصهيونية». وب«انها حركة قومية تعمل من اجل عودة الشعب اليهودي الى فلسطين وسيادة اليهود على الارض».

والصهيونية المسيحية، في نهاية المطاف، تعبر - وكما جاء في بيان اللجنة التنفيذية لمجلس كنائس الشرق الاوسط في نيسان عام 1986 - عن اساءة في استعمال الكتاب المقدس، واستغلال المشاعر الدينية في محاولة تقديس انشاء دولة ما، وتسويغ سياسات حكومة مخصوصة.

اذن، لا يوجد مكان للصهيونية المسيحية في الشرق الاوسط، ويجب ان تنبذ من قبل الكنيسة العالمية، انها تشويه خطير وانحراف كبير عن الايمان المسيحي الحقيقي المتمركز في السيد المسيح، كما انها بدعة منحرفة... واقحام غريب غير مرغوب فيه في هذه الثقافة، لانها تدافع عن برنامج سياسي قومي يعد الجنس اليهودي متفوقاً.

الجذور التاريخية والدينية للصهيونية المسيحية: نشات الصهيونية المسيحية، وكما نعرفها اليوم، في انكلترا في القرن السابع عشر، حيث تم ربطها بالسياسة، ولا سيما بتصور دولة يهودية، تتميما، حسب زعمها، لنبوءة الكتاب المقدس، وانتقلت الصهيونية المسيحية، في مرحلة ثانية، الى الولايات المتحدة الامريكية، حيث اخذت ابعادا سياسية واضحة وثابتة، كما اخذت بعدا دولياً.

سنتحدث باقتضاب عن هاتين الحقبتين في تاريخ الصهيونية المسيحية، ولكن قبل ذلك لا بد لي من ان اشير الى الجذور الفكرية او النظرية لهذا التيار التي تعود الى ما قبل القرن السادس عشر.

«الالفية» بوصفها تمهيدا للصهيونية المسيحية: الصهيونية المسيحية هي ايديولوجيا دينية ر رؤيوية ر سياسية حديثة العهدنسبيا، لكن جذورها تتصل بتيار ديني يعود الى القرن الاول للمسيحية، ويسمى بتيار الالفية «Millenarianism»، والالفية هي معتقد ديني نشا في اوساط المسيحيين ذوي الاصل اليهودي، وهو يعود الى استمرارهم في الاعتقاد بالمشيحية الزمنية (المشيحية كلمة من اصل عبري) والى تاويلهم اللفظ ي لما ورد في سفر رؤيا يوحنا «20/3-6»، وهو ان المسيح سيعود الى هذاالعالم محاطا بالقديسين، ليملك في الارض الف سنة ولذلك سموا بالالفية.

الصهيونية المسيحية البريطانية: الا ان بوادر تفسير الكتب المقدسة تفسيرا حرفيا وربطها بالسياسة، ولا سيما بتصور دولة يهودية تتميما - حسب زعم الالفيين - لنبوءة الكتاب المقدس، قد بدات بشكل بارز في بريطانيا في القرن السابع عشر.

وتطورت في ما بعد... وتتبع الباحث هذا التطور الى ان قال:

واخيرا، لا بد من ذكر اسم «اللورد آرثر بلفور»، مهندس وعد بلفور الذي صدر في العام 1917. لقد كان «بلفور» من الالفيين ومن الصهيونيين المسيحيين، وقد ادت لقاءاته بكل من «تيودور هرتزل» و«حاييم وايتزمان» الى ما يقارب الانسجام...

نهاية العالم على الطريقة الامريكية: انتقلت الصهيونية المسيحية، في القرن العشرين، الى الولايات المتحدة الامريكية، ولا سيمابعد انشاء دولة اسرائيل، وترجمت بعض الايات الدينية بعد ان حرفت تفاسيرها الروحية ترجمة سياسية مباشرة صبت بقوة في دعم دولة اسرائيل. واستخدم الصهيونيون المسيحيون الامريكيون وسائل الاعلام الجماهيرية بشكل منقطع النظير لنشرافكارهم واوهامهم واحلامهم ومعتقداتهم.

فاذا اخذنا، على سبيل المثال، نهاية العالم كما تتصوره الصهيونية المسيحية، وجدنا فيه بعض الملامح التي ترافق الغزوالامريكي الحاصل حاليا على العراق، وقبل ذلك، بعض ملامح رد الادارة الاميركية الحالية على احداث 11 ايلول عام 2001...

هذا وان نهاية العالم، على الطريقة الامريكية الصهيونية، تستند شكلا على بعض اسفار العهد القديم، كسفر حزقيال وسفر دانيال،ومن العهد الجديد على سفر رؤيا يوحنا، وتستنتج ان العالم كما نعرفه قد اشرف على النهاية، وان الفا من السنين سيبدا بعد هذه النهاية، وهو يتميز بالسلام ووفرة الخيرات والاخوة بين الناس، وسيحل السلام بين الحيوانات ايض.

نقطة الارتكاز اللاهوتية: «القدرية»: معظم المسيحيين الاصوليين هؤلاء، ان لم يكن جميعهم، يسلمون بمذهب «القدرية»، او كمايسميها بعضهم «التدبيرية»، والقدرية هي محاولة لتفسير تاريخ علاقة لله بالبشر باحوال واحقاب مخصوصة. يقول «س. اي. سكوفيلد»، من اكابر الناطقين بهذ المذهب: «كل قدر دور من الزمان، يمتحن فيه البشر حسبم اوحاه لله من وحي مخصوص».

ويجمع منظرو القدرية، في معظمهم، على سبعة اقدار، او حقبات زمنية تدل على تطور علاقة لله بالبشر، حيث يمتحن لله الجنس البشري في اطاعة ارادته. القدر السادس من هذه الاقدار هو الحقبة الحالية، اي «دور الكنيسة والنعمة»، وينتهي بعودة المسيح لاقامة مملكته الالفية، وهذا هو الدور السابع.

السفارة المسيحية والبعد الدولي للصهيونية المسيحية: ان التاييد المسيحي الاصولي لاسرائيل يستند، عند الكثيرين، كم راينا،الى رؤية للعالم، او بالاحرى لنهايته، تفترض تبشير اليهود.

الصهيونية المسيحية في ميزان الكنائس الاميركية: تقول الكاتبة «هيلينه كوبان»: «قرانا جميعا التحليلات الاخبارية التي تشيرالى ان اقوى دعم سياسي حصل عليه ارييل شارون، في الولايات المتحدة الامريكية، لم يكن من الطائفة اليهودية الامريكية، ولكن من الجمعيات القوية لليمين المسيحي.

كيف نواجه الصهيونية المسيحية؟

اذا كانت الادارة الامريكية الحالية يطغى عليها الصهاينة واليهود، من اعلى مستويات السلطة الى العديدين من المستشارين، واذاكان الرئيس الامريكي الحالي هو اكثر الرؤساء افتتانا بالنظريات الرؤيوية للصهيونيين المسيحيين، واكثر بكثير مما كان عليه الرئيس جيمي كارتر والرئيس رونالد ريغن، فهل بات تصويب الامور امرا مستعصيا؟ وهل الصهيونية والصهيونية المسيحية قدر حتم علينا ان نتلقى ضرباته ونستسلم ل«حق القوة» الذي ينتصر به على «قوة الحق»؟

كلا! علينا ان نقاوم. علينا ان نقاوم، لاننا اصحاب حق، ولانن ابناء الحق والعدل والسلام. وكما ان المقاومة اللبنانية الباسلة قددحرت الالة العسكرية الاسرائيلية الجبارة علينا كل من موقعه ان يلتزم مقاومته. اجل، كل منا الدولة والاحزاب وهيئات المجتمع المدني والكنائس الخ...

ثم تحدث عما قام ويقوم به مجلس كنائس الشرق الاوسط للتصدي لمشكلة الصهيونية بعامة والصهيونية المسيحية بخاصة.

خاتمة

ختاما، اود التاكيد امام حضرتكم على المسائل الاتية:

أولا: ان ما يسمى ب«الصهيونية المسيحية» لا يمت بصلة الى المسيحية بجميع كنائسها وطوائفها..

ثانيا: انها مؤامرة حيكت ضدالمسيحيين بعامة في العالم، والمسيحيين العرب بخاصة...

ثالثا: ان هذا الامر يطرح علينا جميعا تحديا كبيرا، وهو بناء الوعي الذي يمنع تزييف الدين واستخدامه في تسويغ سياسات الظلم والعدوان، او اضفاء القدسية على احلام واوهام مدمرة.

رابعا: ولما كان منظمو هذه الندوة قد وضعوالمحاضرتي هذه عنوان: صهيو مسيحية ام صهيو اميركية؟ فلعلني بحديثي هذ قد اجبت عن هذاالتساؤل، واذا ما استعدت ما قلته ووضعته في جملة او جملتين، فاني اقول: الصهيونية والمسيحية نقيضان، كما العنصرية والاصطفاء، والاستعمار والاستكبار، والظلم على نقيض مع المحبة والتواضع والاخوة والعدل والحق والسلام..

سقوط الامبراطوريات على ضوء فلسفة التاريخ للدكتور الحاج علي فياض

تحدث د. فياض، بعد المقدمة عن مجموعة دراسات معاصرة تبحث في سقوط القوى العظمى، اولاها كتاب لمؤرخ فرنسي اسمه «ايمانويل تود»، وهذا المؤرخ كان له كتاب صدر في العام 1976 تحت عنوان: «ما قبل السقوط» تنبا فيه بسقوط الاتحاد السوفيتي. وقبل اشهر صدر كتاب جديد له بعنوان: «نعي القوة العالمية الامريكية». هذا المؤرخ يقول: ان اميركا الان، اي الولايات المتحدة الامريكية، تتمتع بجميع الاعراض الوصفية لسقوط القوى العظمى، ويحلل على مدى هذا الكتاب مستويات ثلاثة من الاعراض، هي: التحلل الداخلي، واعراض معظم الاميركيين عن انتخاب قيادتهم، وصعود قوى عسكرية اولغاركية، اي اقلوية متحكمة، الى السيطرة على القرار الاميركي.

وثانيتها دراسة «ايمانويل فاليرشتاين»، وقد صدرت في آب الماضي من العام 2002م في مجلة شهيرة جدا هي «Foreign policy» تحت عنوان: «هبوط النسر الاميركي»، وتعالج هذه الدراسة القيمة صعود اميركا وهبوطها، ويستخلص كاتبه ان العوامل نفسها التي دفعت بالولايات المتحدة الاميركية الى الصعود بدءا من العام 1873، وهي مرحلة بداية ازمة ركود عالمي اقتصادي وقتذاك استفادت منها اميركا كي تزيد حصته في الاقتصاد العالمي، هذه الاسباب هي نفسها تدفع اميركا الى الانحدار في هذا الزمن، وهو يرصد بداية الانحدار الاميركي منذ السبعينات.

وثالثتها كتاب ل«بول كندي» عن سقوط القوى العظمى وصعودها، ويعالج الكاتب فيه كيف ستسقط الولايات المتحدة الاميركية؟

ثم توقف د. فياض عند مؤرخين كبيرين، في الفكر السياسي الغربي، هما: «اوزوالد شبنغلر» الذي توفى في العام 1936 و«آرنولد توينبي»، المؤرخ الشهير الذي توفي في السبعينات، وكلاهما كتب عن انهيار الحضارة الغربية. كتاب شبنغلر الذي كتب باللغة الانكليزية عنوانه: «تدهور الغرب»، وترجم الى اللغة العربية تحت عنوان: «تدهور الحضارة الغربية».

اما «توينبي» فيسال: لماذا تقوم الحضارات؟ ولماذا تنهار؟ ويجيب: ان الاحوال الصعبة هي التي تولد الاعمال المجيدة. ويستندالى دراسة 26 حضارة بقي منها ست حضارات.

ثم يفصل في الكلام على بول كندي الذي تحدث، في كتاب له، عن خمس دول عظمى وبين كيف قامت وكيف سقطت. والفكرة الاساسية التي يطرحها يمكن اختزالها بمصطلح هو «فرط الامتداد الاستراتيجي»، او «الافراط في التوسع الامبريالي». ويلاحظ ان القوى العظمى جميعها، واميركا في الطليعة، كانت تحاول ان تتوفر على امرين: ان تحافظ على مستوى عال من الثروة، ومن ثم توظف هذه الثروة في اطار الانفاق العسكري، ثم تعمل على توظيف الانفاق العسكري في سبيل التوسع في الثروة. فهناك رابط وثيق بين التوسع الاقتصادي والتوسع الاستراتيجي العسكري، لكن في لحظة من اللحظات تجد هذه القوى العظمى نفسها عاجزة عن الاحاطة بمختلف مصالحها التي توسعت فيها على المستوى العالمي عبر الحروب وابتكار مصالح ما وراء البحار في بلدان اخرى، فتضطر، في ضوء ازمة اقتصادية نسبية، الى ان تزيد من مستوى انفاقها العسكري للحفاظ على مصالحها هذه، فهذا هو التناقض الذي يتولد بين مقومات النمو الاقتصادي وبين متطلبات الحفاظ على المصالح، في ما وراء البحار، وهذ ما يسميه بالضبط فرط التوسع الاستراتيجي، او التوسع الامبريالي الذي يعد المرض الاساسي الذي تحدث عنه مختلف المؤرخين في ما يتعلق بسقوط القوى العظمى.

وهذا بالضبط ينطبق على حالة الولايات المتحدة الاميركية، لانه يختم كتابه بفصل عن القوة رقم واحد: الولايات المتحدة الامريكية، ويرصد ما يفيد ان مختلف الاعراض التي مر بها الاتحاد السوفيتي تعاني منها الولايات المتحدة الامريكية، ولا يرى امكانية ما للتوفيق بين المتناقضين، في هذه الموجبات، على المستويين: الاقتصادي والاستراتيجي التوسعي.

ثم ينتقل د. فياض الى الكلام على قضية القرآن الكريم واهلاك الامم، فيرى ان القرآن الكريم يتضمن عشرات الايات التي تتحدث عن اهلاك قرون سابقة واهلاك امم سابقة، وقسم من هذه الايات يتحدث عن العوامل الغيبية في اهلاك الامم، كم هي الحال مع قوم عاد (واما عاد فاهلكوا بريح صرصر عاتية) [الحاقة/6]، لكن في صنف آخر من الايات لا يتحدث عز وجل عن العامل الغيبي في اهلاك هذه الامم، انما يتحدث عن عوامل ذات طبيعة اجتماعية وسياسية واقتصادية، واشهر هذه الايات (واذا اردنا ان نهلك قرية امرنامترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) [الاسراء/16].

ثم يخلص الى القول: عندما نريد ان نجمع جميع هذه النظريات التي تحدثنا عنها: نظرية القرآن الكريم التي تتحدث عن الترف،ونظرية شبنغلر التي تحدثت عن الخواء الروحي، او الازمة الروحية التي تدفع بالمجتمع الى مرحلة التخشب، هذ المجتمع الذي يزهو بالعقلانية على حساب الوجدان، او نظرية توينبي التي تتحدث عن وجود طبقة مسيطرة تنتقل من كونه طبقة مبدعة الى كونها طبقة مسيطرة لا يهمها الا ان تمارس السلطة والمصالح الخاصة، اضافة الى نظرية بول كندي التي تعالج الجانب الاستراتيجي في تطور الحضارات، نلاحظ ان جميع هذه المعايير تنطبق على الولايات المتحدة الامريكية في هذه المرحلة.

ثم يعود الى دراسة كتبها، قبل اشهر، باحث اميركي شهير جدا، وهو «غور فيدال» تبين الى اي مدى تقوم هذه الادارة على خدمة مجموعة من الشركات المتعددة الجنسية، وهي تخوض حروبا عالمية في سبيل مصالح هذه الشركات، وليس من اجل مصالح الولايات المتحدة الامريكية.

ثم ينتقل، من اطار فلسفة التاريخ، الى معالجة ما يجري على المستوى العراقي في هذه المرحلة، فيرى انه مقدمة لاعادة تشكيل النظام الاقليمي برمته، واعادة رسم الشرق الاوسط باكمله.

ويخلص، في ما يتعلق بالحرب العراقية الامريكية، الى ان هذه الحرب تحتم خيارين متناقضين غاية التناقض، اذ يمكن ان تشكل بداية انحدار مريع في الواقع العربي بما يفضي الى تطبيق المشروع الامريكي، والانتقال من العراق الى ملفات اخرى، حيث يرجح ان يكون الملف الثاني هو الملف الفلسطيني، ومن ثم يستخدم الملف الفلسطيني اي التسوية للهجوم على سوري على اساس انها ضد معسكر السلام وضد الحل في فلسطين، فيمكن لهذا الخيار ان يكون خيار انحدار في الواقع العربي. ومن ناحية اخرى يمكن لهذه الحرب على الضد تماما ان تشكل بداية انهيار في موقع الولايات المتحدة الامريكية على المستوى العالمي. والخيار الثاني طبعا هوالذي نامل ان يتحقق، وتحققه يرتبط بشرطين كبيرين هما: توفر ارادة محلية عراقية شعبية، وتوفر بيئة اقليمية استراتيجية مؤاتية تناوى السياسة الامريكية على المستوى الاستراتيجي.

ويربط نهاية الحديث ببدايته، فيرى ان كل قوة عظمى كانت تقع في كمين تاريخي يفضي الى هبوطها. ويمكن ان يكون العراق الكمين التاريخي للولايات المتحدة الامريكية...

مفهوم محاربة الارهاب ومسؤولية المفكر

ندوة ل«منتدى الحكمة» في الرباط

تضامنا مع الشعب العراقي، في محنته الاخيرة، وشجبا لسياسة الغزو والاستعمار التي تختفي خلف مفهوم «محاربة الارهاب»، وبمناسبة افتتاحه لمقره الجديد، في الرباط، نظم منتدى الحكمة للمفكرين والباحثين آوهو جمعية ثقافية تضم نخبة من اهل الفكر والمثقفين والعلماء، ويراسها البروفسور طه عبد الرحمن ندوة، صباح يوم السبت،الواقع فيه 16 صفر، الموافق ل 19 نيسانرابريل عام 2003، تحت عنوان: «مفهوم محاربة الارهاب ومسؤولية المفكر». وقدشارك في الندوة كل من عبد المجيد الصغير: النقد الاخلاقي ل«مفهوم محاربة الارهاب، خالد حاجي: «عسكرة الثقافة او ثقافة التحريب»، عبد الحميد يويو: «مفهوم محاربة الارهاب، بين الشرعية الدولية وارادة الهيمنة»، ادريس هاني: «الارهاب الاستباقي او الارهاب كصناعة!»، طه عبد الرحمن: «المانوية الجديدة او قتل الاخر».

وبعد ان تحدث المنتدون، تلا رئيس الجلسة، الاستاذ مصطفى المرابط، نص نداء موجه الى المفكرين والباحثين العرب والمسلمين، وفي ما ياتي نصه:

بسم لله الرحمن الرحيم

نداء الى المفكرين والباحثين
العرب والمسلمين

ايها المفكرون والباحثون العرب والمسلمون!

السلام عليكم ورحمة لله تعالى وبركاته، وبعد،

لقد سقطت كل الاقنعة عن السياسات التي طالما اختبات وراء الشرعية الدولية وخطابات حقوق الانسان وحق الشعوب في تقريرمصيرها والديموقراطية، ولقد شكلت المنطقة العربية والاسلامية، بشكل عام، ومنطقة «الشرق الاوسط»، بشكل خاص، طوال تاريخنا الحديث والمعاصر محكا حقيقيا لاختبار مصداقية هذه الخطابات والكشف عن نوايا سياسات الدول الكبرى، وهكذا، ظلت هذه المنطقة مسرحا لاحداث جسام ترمي الى اعادة ترسيم المنطقة وفق رؤية تسلطية استعمارية توسعية، ومع كل حدث، كان يسقط قناع من الاقنعة التي ظلت تخفي الوجوه الحقيقية لهذه السياسات، وجاء العدوان على العراق ليدشن سقوط آخر قناع عن آخر وجه، ومع هذا السقوط، تنكشف المرامي الحقيقية والمقاصد الاستراتيجية لقوى الاستكبار الجديد.

فمنذ انهيار المعسكر الشرقي، اواخر الثمانينات، والعالم يعيش مخاضا عسيرا، بحثا عن الملامح التي سيتشكل به النظام العالمي الجديد، ورافق هذا الانهيار تفكك وتحلل النظام الدولي، مما خلف فراغا مروعا واختلالا في ميزان القوة دفع بالمعسكرالغربي، وعلى راسه الولايات المتحدة الامريكية، الى الاستفراد بقيادة العالم، الا ان هذا الاستفراد اربك الولايات المتحدة الامريكية،لانها هندست قوتها وبنت هياكلها وفق انموذج القطبية الثنائية الذي يفترض وجود منافس عدو، اما، وقد انهار القطب المقابل وانسحب المنافس العدو، فان امريكا، بنظام قطبها الواحد، قد دخلت ازمة نفسية وجودية لا مثيل لها، اندفعت في التفكير في مخارج تحفظ كيانها وتضمن له الاستمرار في قيادة العالم، لكن، عوض ان ينصب تفكيرها على كيفية اعادة بناء كيانها بتغيير اهدافهاووسائلها على ضوء التحولات الجديدة من اجل وضع اسس نظام عالمي جديد يتسم بالعدل والسلام والامن والتعارف والتعاون، انصرفت الى التفكير في كيفية اعادة بناء صورة العالم بالشكل الذي يتناسب مع حجمها ويشبع طموحاتها ويحقق اهدافها، فاستنفرت لهذه المهمة كل الطاقات الفكرية والبحثية التي انطلقت تسابق الزمن لسبر اغوار هذه الاشكالية التسلطية.

ولقد شهد العقد الاخير وضع اطروحات في هذا الاتجاه، اذ لم يكن موضوع دراستها واقع العالم، وانما كان المخيال الغربي، لانهاتعرف ان الغرب لا ينظر الى العالم كما هو، بل كما يريده، فهو صورة متخيلة بالاساس، مترسبة في اعماق لا وعيه الحضاري.

اولاها، اطروحة تبشيرية تحتفي بانتصار قيم الغرب الليبرالي التي اصبحت قيما كونية تشكل بالنسبة للانسانية سقف ليس بالامكان تجاوزه او ابداع افضل منه، ويبدو مسار الانسانية، في هذه الاطروحة، وحيد الاتجاه كحلبة سباق يلزم كل المجتمعات ان تنخرط فيها، متنافسة في الوصول الى خط النهاية حيث الرخاء والرفاهية والاستقرار.

اما الاطروحة الثانية، فتتصدى لطبيعة الصراع الذي سوف يميز تاريخ البشرية من الان فصاعدا، اذ هو صراع تعود اسبابه اساساالى الفروقات الجوهرية بين الحضارات، وبما ان هذه الفروقات الجوهرية، حسب هذه الاطروحة، هي فروقات ثقافية، فان الصراع سيكون اذن صراعا يتحدد بخطوط التقسيم الثقافية التي تفصل بين الحضارات، يبدو العالم في هذه الاطروحة عبارة عن تكتلات حضارية متمايزة تحتمي بحدود ثقافية محكمة، وعلى تخومها ستحتدم صراعات المستقبل.

واما الاطروحة الثالثة، فهي عبارة عن صيغة تركيبية للاطروحتين السابقتين، اذ تزعم ان الغرب هو صانع قيم الحداثة والحضارة ومالكها، وهذا ما يمنحه حقوقا على بقية الشعوب وفي مقدمتها قيادة العالم، كما يضع عليه واجبات، وعلى راسها حمل الشعوب الاخرى على تبني قيمه واقتفاء اثره، ان ترغيبا او ترهيبا، وبهذا، اصبحت الانسانية حيال خيارين ل ثالث لهما: اما الدخول طواعية الى حلبة التنافس الموصلة الى خط النهاية للظفر بقيم الحداثة والحضارة، ويتم هذا الدخول باساليب الاغراء والاغواءوالترغيب، واما الدخول الى الحلبة نفسها عنوة في حال الرفض والممانعة، ويتم باساليب العنف والتهديد والترهيب.

وهكذا، استطاعت هذه الاطروحات ان تملا الفراغ الذي خلفه انهيار نظام القطبية الثنائية، وذلك بان ترسم خارطة جديدة لعالم «مانوي» جديد قطباه: «النور والظلام؟» «الخير والشر؟» «الحضارة والوحشية؟» تفصل بينهما حدود دموية، انه خارطة عالم مهيا لاستقبال ولادة الامبراطورية الجديدة التي تمثل النور والخير والحضارة وتحمل رسالة التبشير بقيم جديدة بالترغيب او الترهيب.

ايها المفكرون والباحثون!

لقد جاءت حرب الخليج الثانية وما صاحبها من اصرار على تسوية القضية الفلسطينية في مؤتمر مدريد لتجسد معالم هذه الرؤية، وتكشف عن الخطوط العامة لطموحات الامبراطورية الجديدة، ثم توالت الاحداث لتتكشف اكثر فاكثر نوايا هذه الامبراطورية (البوسنة والهرسك البلقان) ولتكتمل اخيرا الصورة باحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، والذي كان كالشرارة التي اماطت اللثام عن قسمات وجه الامبراطورية الجديدة، ابتداء من اجتياح افغانستان وانتهاء بغزو العراق وتدميره.

ولن يكون غزو العراق المحطة الاخيرة، بل هو مقدمة لمسلسل لا يتوخى اعادة صياغة المنطقة العربية والاسلامية فحسب، بل يهدف الى اعادة صياغة الخارطة السياسية والثقافية لعالم الغد وفق الصورة المتخيلة لادارته والتحكم فيه، ويقتضي هذاالمسلسل ان يتم، في مرحلة اولى، رصد وكشف كل معاقل صناعة القوة ومصادر انتاج القيم في هذه المنطقة، ثم، في مرحلة ثانية،ضرب هذه المعاقل والمصادر وتفكيكها قبل ان تنطلق عملية اعادة انتاج مجتمعات منزوعة الارادة ومجردة من مكتسباتها الرمزية التي تزودها بقوة الهوية ومحكومة بانظمة ضعيفة وتابعة ومفصلة على مقاسات المجتمع العالمي المراد بناؤه.

ثم ان هذه الامبراطورية تعتقد ان استفرادها بقيادة العالم وضمان السيطرة على المنطقة العربية والاسلامية رهين بمعالجة القضية الفلسطينية كما انها تعتقد ان معالجة هذه الماساة الدامية رهين بتغيير دول المنطقة، ويقتضي هذ التغيير تسوية ارض المنطقة بشكل مطلق، وذلك بدك كل العوائق التي تعترض مسار التطبيع والاعتراف بالكيان الصهيوني وبتجريد المجتمعات من دفاعاتها النفسية والثقافية التي تحاصر هذا الكيان، فالهدف من هذا التصور لا يتوخى تبيئة الكيان الصهيوني ليصبح جزءا اليفافي المنطقة فقط، بل يسعى الى ان يجعل منه محور المنطقة الذي تدور في فلكه بقية الدول.

ايها المفكرون والباحثون!

قد تبعث هذه الصورة على التشاؤم وهو امر مشروع بالنظر الى فظاعة الاحداث لكن يجب ان لا يتحول هذا التشاؤم الى ياس واحباط، فكفى الامة ما راكمته من انكسارات طوال تاريخها! وما اردنا برسم هذه الصورة سوى الاقتراب ما امكن من حقيقة الواقع، ذلك ان حسن مقاربة الاحداث وحسن تقدير طبيعة المعركة وحسن ترتيب التحديات، كل ذلك من شانه ان يحدد حجم المهام وطبيعتها ونوعية الوسائل ونجاعتها وكيفية استنهاض الارادات وتقوية العزائم، فمن قلب الازمة، يجب بعث الهمة، وهل في ابناءامتنا المخلصين اقدر على النهوض بهذه المهمة من صفوة المفكرين والباحثين!

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية