أول المنهاج الدور العلمائي واشكالات النهوض حيدر حب الله
على امتداد قرون من الزمن الاسلامي، ومنذ
عصرالنبي(ص)،
كان لعلماء الدين دور فاعل في رسم خارطة الحاضر
والمستقبل معا، ولم تؤثر تغييرات العصر الحديث، منذ
الطهطاوي وامثاله، في دور علماء الدين كثيرا، بل
ازداد حضورهم في ساحة الاحداث، وتنامى دورهم اكثر
فاكثر،
ليتوج بانتصار الثورة الاسلامية في ايران
على يد الامام الخميني (قدس سره).
ولكن تصاعد وتيرة حضور علماء الدين، مع الافغاني
وعبده، وكذلك في خضم احداث الحركة الدستورية مع
الخراساني والنائيني، والتي سبقتها فتوى الميرزا
الشيرازي في
حادثة التنباك الشهيرة...، ذلك كله ضاعف اكثر فاكثر
من
حجم المسؤوليات الملقاة على عاتق علماء الدين،
وادى الى
تحول جوهري في نوع الوظائف واشكال الاداء.
1 - اهم تحول حصل على هذا الصعيد كان توقعات
الناس عموما من عالم الدين، فقد ارتفع سقف التوقعات، وشعرالناس بان ما سيقدمه
لهم علماء الدين هو شيء كبير ومتميز،وليس
مجرد
اداء الصلاة جماعة في المساجد، او اجراء الطلاق
والزواج او
الصلاة على جنازة او...
وبالفعل، دخل العلماء معترك الحياة السياسية
والاجتماعية بصورة واسعة وعلى نطاق كبير، واختلف
وضعهم
اليوم عن السابق اختلافا بارزا، وقدموا نماذج
راقية في الاداء
والتضحية والعمل والانجازات.
لكن فوضى التوقعات التي حملها الناس اثقلت كاهل
مؤسسة علماء الدين، وهي فوضى يتحمل جزءا من
مسؤوليتها
العلماءانفسهم بتقديمهم صورا سوريالية احيانا. ان
وضع عالم
الدين في موقع حلال جميع المشكلات على الاطلاق،
وتحميله مسؤولية كل شيء، وكانه معني بدنيا الناس
وآخرتهم
اثقل كاهله، وجعله يشعر بانه غير قادر احيانا على
تحقيق
المطلوب، ولو ان تعديلا في المفاهيم والوظائف حصل
لخفف
ذلك من توقعات القاعدة الجماهيرية وهواجس عالم
الدين معا.
ان جعل عالم الدين معنيا بالاجابة عن كل شيء حتى في
ما
لاعلاقة له به، كالعلوم الطبيعية وبعض العلوم
الانسانية..
وجعله مسؤولا عن اية اشكالية في المجتمع سياسية او
ادارية
اواقتصادية.. كان ذا وقع بالغ الخطورة انسحب، في
النتيجة،
على التشكيك في مصداقيته عموما.
لقد كان - ولا يزال - من المفترض تقديم صورة واقعية
عن وظيفة
عالم الدين وصلاحياته ومسؤوليته بعيدا عن
التهويمات والضبابيات والحماسة.
2 - وكان لنظرة القداسة التي حملها الناس - خطا -
عن عالم الدين
دور في ردة الفعل العكسية تجاهه، وقد حذرالشهيد
مرتضى
مطهري من هذه الصورة التي تحاول ان توحي بان عالم
الدين
انسان معصوم لا يخطى، ما يعني ان علماء الدين
انفسهم
- وكذلك عموم الناس - مطالبون بتقديم صورة واقعية عن
شخصية عالم الدين، تجعل من رؤية خطا او هفوة منه
امرا لا
يترك مردودا سلبيا على دين الناس، ولا يشكل صدمة
قوية
لهم، بل يجب ان يبدو امرا مترقبا ومفهوما في الذهن
الجماعي.
ان عالم الدين مطالب بان يكون انموذجا، لكن الواقع
اقوى عادة
من المثل والاماني، وهذا معناه ان هناك من بين
علماءالدين
من لا يتمثل شخصية الرسالة والايمان، واذا ما
وضعنا في يد
المجتمع معايير سليمة للتمييز امكن للناس - بدرجة
او باخرى -
التمييز بين علماء الدين، صالحهم وفاسدهم، من دون
ان ترتد
رؤيتهم الى مظاهر الفساد الى مفعول عكسي على
تدينهم،
نكون نحن المسؤولين عنه امام الله تعالى
ببثنامفاهيم مغلوطة
ولو بدواع سليمة.
ان من الاخطاء الشائعة التي تنطلق من دواع طيبة
وسليمة محاولة التعتيم على الاخطاء والانحرافات،
من
المطلوب عدم اشاعة مساوى المؤمن، لكن الدفاع عن
المساوى
ومحاولة اخفائها وعدم ممارسة شفافية ووضوح انما هو
وهم
زائف في عصر الاتصال والمعرفة، لن ينتج سوى فقدان
الثقة.
3 - ولكن رفع لباس العصمة، او حالة القداسة عن
عالم الدين، لا
يعني على الاطلاق الجراة عليه وعدم احترامه،
ان معاملة عالم
الدين معاملة اسلامية تتطلب تقديم
الاحترام الكامل له، ونشر
هذه الثقافة دوما في المجتمع على ان لاتؤدي الى
الخلط بين
الاحترام والقداسة، او بين التقديروالعصمة او
التعالي عن
المساءلة.. ان هذه المفاهيم تحتاج الى وعي دقيق
وعال، يمكنه
ان يجمع بين الاطارين اللذين اشرنااليهما قبل
قليل، والا فقد
نتورط في تقديس تعسفي من جهة او جراة وقحة من جهة
اخرى.
4 - وفي السياق نفسه - اي سياق احترام العلماء -
تاتي ضرورة احترام
الفقهاء ومراجع التقليد، فقد ظهرت في
العقودالاخيرة موجة
من عدم احترام مراجع التقليد، وكيل التهم والاوصاف
لهم بما
يخجل الانسان عن ذكر الكثير مما قيل ويقال، وتحت
عدة
حجج جرت تعرية عدد من مراجع الدين وفقهاء المسلمين
بطريقة غير اخلاقية، وهو ما يؤدي في ما
بعد - بالتاكيد - الى هتك
حرمة العلماء والفقهاء جميعا، بلااستثناء، بما
يطال التيارات
التي عملت وتعمل على هتك حرمة بعض العلماء بمختلف
الحجج والذرائع.
ان السهم الذي يصوب الى العلماء والمراجع لن يطال
في النهاية
الا الجسم العلمائي برمته، لان لا اخلاقية النقد
لاتعرف حدودا
ولا ترعى حرمة، ما يستدعي ان يمارس الجميع درجة
عالية من
التقوى وحساب عواقب الامور قبل فوات الاوان.
وانه لمن الضروري وضع حد لما يسمى صراع
المرجعيات،لان
تقليد مرجع لا يعني هتك حرمة الاخر والغائه،
والايمان بمرجع
- ايا يكن لا فرق ابدا - لا يعني اقصاء الاخر
اواحتقاره او تقزيمه، لقد
صار لزاما القيام باجراء حاسم يوقف هذا اللون من
الاستنزاف،
ويعمل على الايقاظ من الهجعة التي يغط فيها
الكثيرون منا.
ان علماء الدين ومراجع المسلمين، مهما كان الموقف
العقدي او الفقهي او السياسي او الثقافي من هذا او
ذاك منهم،
هم،شئنا ام ابينا، رموز للدين في مجتمعاتنا، وهم،
اردنا ام لم
نرد،من يقف اليوم في الطليعة، مهما كانت اتجاهاتهم
وميولهم،
وان الحفاظ على وحدتهم واحترامهم لهو رصيد
لمجتمعاتنا
وامتنا،من دون ان يعني ذلك جعلهم فوق النقد العلمي
او
المساءلة المشروعة.
5 - لكن هذا لا يعني التساهل اكثر في اصلاح
الاوضاع العلمائية
في البلاد الاسلامية، والاتكال على طيبة
الناس واحترامهم
وتقديرهم لعلماء الدين، لان المراهنة على هذاالوضع
الاجتماعي، او ذاك، ربما تؤدي الى الاصطدام
بالواقع المرير في
ما بعد، ومن ثم، فالوقت يسير مسرعا ويلح
على العلماء ومؤسسة
علماء الدين في اصلاح الاوضاع وباقصى سرعة ممكنة
على
مختلف الصعد، العلمية والاخلاقية والادارية الخ...
ان مطالبة الناس عموما باحترام عالم الدين قد تفقد
هي الاخرى مصداقيتها وجدواها اذا افرط العلماء في
العدول
عن جادة الصواب وسبيل التقوى والايمان، وان صبر
الناس
ربماينفد في يوم نحن احوج ما نكون فيه الى القادة
الحقيقيين،
فلانجد مغيثا الا الدعاء، وربما لا يستجاب.
ان صرخة الضمير يجب ان تهز الكيان العلمائي باسره،
ليقظة من سبات، وما يبعث على الامل عينات من
العلماء
الصلحاء والفقهاء القادة بحق ممن تبقى من آمال في ان
تصلح
احوالنا وتستقيم اكثر فاكثر.
ودعوة الاصلاح ليست خطابا اخلاقيا، بل برنامج
مكتمل
ربماتكون بداياته البسيطة اصلاح برامج الحوزات
العلمية والمعاهد الدينية، لتتمكن من الاستجابة
لحاجات
العصر ومايريده الاسلام حقا من قيم ومبادى ومقاصد،
تقف
على راسهاالقيم الاخلاقية التي يطالب عالم الدين
بتمثلها في
سلوكه سيمافي ما يتعلق بالعلاقة مع السلطان او حب
المال او
النساء او...
في ما يخشى ان يلبس عنوانا شرعيا احيانا
تحت
مسميات الشانية او غيرها، فتذهب قيم الزهد
والتعاطف مع
الطبقات الفقيرة وتحمل مشاق العيش والكد على الاهل
والعيال و...
ان التوقف في مسيرة الاصلاح التي بداها الامام
الخميني والشهيد الصدر والشهيد المطهري والشيخ
مغنية
والسيد محسن الامين وسواهم، تحت حجج وذرائع
دفاعية،
تنطلق من مجرد القلق وازمة الهواجس، لن يحقق شيئا
مرجوا
ابدا،فاذا لم يتقدم العلماء انفسهم في مسيرة
الاصلاح
الاصيلة والاسلامية لا الاصلاح الامريكي و...، فان
لعنة التاريخ
سوف تلاحقنا جميعا، وستتلاشى شيئا فشيئا جهود
العلماء الاصلاحيين الذين قدموا ارواحهم وكل ما
عندهم
لتخليص الاسلام من تحجر العقول والانحباس في
القمقم
والانعزال عن الحياة و...، ان المفاخرة بامثال
المطهري والصدر
وعبده والخالصي ورضا و... ستغدو عديمة الجدوى حينما
نظن
ان الوقوف هو المطلوب، ان مسيرة هؤلاء ليس فيها من
توقف،ويجب ان يكون العلماء هم السباقون - من دون خوف
اووجل او قلق - الى اصلاح الاوضاع اصلاحا اسلاميا،
سيما الاوضاع العلمائية الداخلية واشكاليات الفكر
والثقافة الاسلاميين، ليفوتوا بذلك الفرصة على
الاخرين ممن
قد لاتكون هناك ثقة في بعض دعواتهم او بعض افكارهم
في
بعض الاوساط الدينية.
6 - ومن اهم ما يحتاج للاصلاح في الوضع العلمائي،
حالة التمزق
والتشرذم منقطعة النظير، والتي بات الناس يرونها
من دون
حجب او ستر هذه المرة، وقد ساعدت حالة التشرذم هذه
مع ما
تحمله من حملات وحملات مضادة.. وغيبة وبهتان ونميمة
ووقيعة الخ... في تقوية حجج الداعين لتنحية
العلماءعن
الساحة بالمرة، لتعود الحال الى ما قبل الامام
الخميني(قدس
سره) بل والحركة الدستورية...، ان عدم احترام
بعض العلماء
لبعضهم الاخر كان دافعا قويا لانكسار الحواجز،
وان نشر ثقافة
الجزر الفكرية والدينية، بما تعنيه الكلمة من
قطيعة كاملة،
ساعد على تبدد الجهود واجترارها، فاستنزفت
طاقات ما كان
احوجنا اليها في «زواريب» صغيرة بددتها
واستهلكتها، وبدل ان
يكون اختلافنا رحمة لنا ينوع افكارنا وينمي
نتاجناويلون حياتنا
بالوان متعددة براقة، صار احيانا نقمة
علينا ونكالا.
ان يعلو صوت الاخلاق على نشاط علماء الدين، وتتنحى
بقية الاصوات، لهو الجامع الذي يمكنه ان يربطنا،
واذا كانت
هذه الحال هي ما كان يحدث دائما، فان الزمن يطالبنا
بتقديم
نماذج افضل في عصر تفاهمت فيه الاضداد، وتحاورت
فيه المتناقضات، بل كادت تجتمع لولا الاستحالة.
الدين والدنيا الشيخ صادق لاريجاني مقدمة يمكن للمرء ان يتامل في ظاهرة العلمانية، ويقلبها من وجوه شتى وابعاد متعددة، لعل من اهمها البعد التاريخي، اذ تعدالعلمانية، التي تعني عموما فصل الدين عن السياسة، ظاهرة طرات على مسار التحول الفكري والاجتماعي والسياسي الغربي. ومن اهم عوامل هذا الفصل تاريخيا اداء الكنيسة وسيطرة رجالها على مقدرات الامور في الغرب. ويرى الكثيرمن الكتاب والمثقفين المسلمين ان لا وجه لطرح فكرة العلمانية في العالم الاسلامي، لانها ظاهرة غربية في اساسها، برزت في اجواء كنسية، وكان مصدرها المزاعم التي اطلقهارجال الدين، والمتمثلة في انهم الوسطاء بين الخلق والخالق. ولما كان الاسلام ليست فيه مثل هذه الافكار، فلا معنى لطرحها والرد عليها اساسا. غير انه من الحق ان نقول: ان العلمانية، وبغض النظر عن بعدها التاريخي، تعد نظرية فلسفية سياسية، ولا بد للباحث المسلم من ان يلتفت الى هذا الامر، ويدلي برايه فيه نفيا او ايجابا. ولكن ما هي هذه الاطروحة الفلسفية السياسية؟
نستطيع ان نضع منطلقين لهذه الاطروحة:
1 - لا علاقة للدين بالدولة، وليس هناك اي نوع من
انواع السياسة
في التعاليم الدينية.
2 - لا علاقة للدين بالشؤون الدنيوية للفرد،
والانسان مفوض في
ادارة شؤونه السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
واضح ان الاطروحة الثانية اكثر شمولية من الاولى،
وبطبيعة الحال، فان الاستدلال الذي يطرح في الدفاع
عن اي
منهما، اوالرد عليه، يختلف عن الاستدلال الذي يقدم
عن
الاخر.وسنبحث، في هذا المقال، العلمانية في معناها
الواسع،
حيث سنتطرق اولا الى بعض الاشكال من تدخل الدين في
الشؤون الدنيوية، ثم نناقش الانتقادات التي
يوجهها انصار
العلمانية الى هذه الحالات.
ومن الضروري ان نبين، اولا، دور المعرفة العملية في
ادارة المجتمع، ذلك ان هذه الادارة تحتاج الى مثل
هذه
المعرفة،لكونها من سنخ الفعل الادمي، فحينما يبادر
الفرد الى
تنظيم علاقات مجتمعه الاجتماعية والسياسية
والاقتصادية،
فانه يفكرفي ما سيفعله في اهدافه النهائية، وكيفية
الوصول
اليها.
يعتقد الكثير من الفلاسفة بان الانسان يتجه نحو
غاية معينة
في اي فعل اختياري يصدر عنه، حتى الافعال التي يجري
التصور انها عبث، فان لها غاية قد تكون خيالية
ووهمية غير
واقعية، بمعنى ان ارادة الفرد لن تتحرك وتخرج الى
حيز الفعل
من دون غاية او هدف محدد. ربما لا يوافق الجميع على
هذاالراي، ولكن مما لا يمكن انكاره هو ان الافعال
العقلانية للانسان يجب ان تسوغ بغايات واهداف،
فاذا سلمنا
بان الافعال العبثية لا تتجه نحو غاية معينة،
فاننا لا نستطيع
ان نتغافل عن وجود غايات وقيم ومعايير في الافعال
العقلانية
اوننكر ضرورتها، ومنها ادارة المجتمع، والمراد
منها الادارة
على الاسس العقلانية، فالفرد العاقل لا يداخله
الشك في ان
مثل هذه الظاهرة لا يمكن ان تقع الا في وجود قيم
واخلاق وضرورات عقلية واخلاقية.
اننا بحاجة الى نوعين من المعرفة والحكم في
المسوغ العقلاني
والاخلاقي للافعال:
1 - معرفة الغايات والاهداف والقيم
والضرورات والمحظورات، او
الحكم المعياري (normative): ثمة آراءمتعددة
ومتضاربة،
في فلسفة الاخلاق، عن هذه المعرفة المعيارية،
فهناك من
يقول: انها من نوع الحكم الانشائي، وقال آخرون:
انها من النوع
الاعتباري، وراى فريق ثالث انها من النوع
التكويني، وتتنازع
هذا الفريق اختلافات كثيرة في هذا
المجال.
2 - المعرفة المرتبطة بكيفية تحصيل هذه القيم
والاهداف،وهي
من دون شك معرفة غير معيارية انما ترتبط - كالمعارف
الاخرى -
بالتكوينيات.
فالعلاقة بين الوسائل والغايات هي علاقة تكوينية
وعلاقة
العلة بالمعلول، لذا فان الكشف عنها هو وظيفة
العلم والفلسفة
(اذاكان فيها مثل هذه القدرة)، وليس مهمة
العلوم المعيارية. لنلاحظ، الان، كيف يتدخل الدين في ادارة المجتمع، وما هوالدور الذي يؤديه، او يمكن ان يؤديه في المعارف المعيارية اوفي معرفة العلة والمعلول، وهل من شان الدين ان يتدخل في مثل هذه الامور، او ان العقل الانساني الذي يتمتع بالاستقلال والاصالة يجعل مثل هذا التدخل مستحيلا؟ اشكال تدخل الديني في الدنيوي
يمكن ان نتصور اربعة اشكال مختلفة لتدخل الدين في
ادارة شؤون المجتمع البشري، بعضها لا يمكن القبول
به بتاتا،
او انه بحاجة الى الاصلاح:
أ - للدين تاثير في ظهور القيم والغايات، وان حسن الشيء
اوقبحه مرتبط بالدين وبالتشريع الالهي، والحسن هو
ما
اراده الله، لا انه كان موجودا ثم اختاره الله.
ب - الدين يتدخل في كشف الهدف النهائي
والاهداف الوسيطة
للافعال الانسانية، وهو - وفاقا لهذا الراي - لا
يعمل على ايجاد ما هو
واجب وخلق ما هو حسن، وانما كل من الواجب والحسن
مستقل بذاته، ويقتصر دور الدين على الكشف وازالة
الغموض
والجهل البشري عنه.
ج - يتدخل الدين للوصول الى سبل كسب القيم
والكمالات واجتناب المفاسد والشرور. ويعتقد اصحاب
هذا
الراي بان الفرد وحده لا يستطيع ان يهتدي الى هذه
السبل،
وبان معرفة الهدف شيء ومعرفة الطرق اليه شيء
آخر، ويحتاج
الانسان في كليهما الى تدخل الدين وتعاليمه
النيرة.
د - لا علاقة لنا باسباب تدخل الدين في الشؤون
الدنيوية،واسس
مثل هذا التدخل، انما المهم ان الدين يتدخل فيها،
وماعلينا،
بوصفنا مؤمنين بالدين، الا ان نمتثل لاوامره
ونواهيه،فالمهم
عند الفرد المؤمن ان يتحقق ما اذا كان للدين راي
في قضية
معينة ام لا، بغض النظر عن اسباب هذا
التدخل وجذوره، فهذه
مسالة ثبوتية ترتبط بالخالق وبصاحب الشريعة،اما ما
يخصنا فهو
معرفة اوامر الدين ونواهيه والامتثال لها. ولماكان
للدين راي
في الاجتماع والسياسة فيفترض بنا ان نمتثل ونستجيب
له.
وبقليل من التامل، يتضح لنا ان الشكل الرابع لا
ياتي في
عرض الاشكال الثلاثة التي سبقته انما في طولها،
غير انه يبقى
شكلامن اشكال تدخل الدين في الشؤون الانسانية. مناقشة الشكل الاول لتدخل الدين
يتدخل الدين - وفاقا لهذا الشكل - ليجعل قيمة للقيم
ويضع هدفا للاهداف، ولا يتصف الشيء بالحسن ما لم يامر
الدين به، وواضح
ان مثل هذه الصورة لتدخل الدين تصطبغ
باللون الاشعري، ولا
تنتظم على اساس عقلي، كما اوضحت ذلك مباحث فلسفة
الاخلاق. فمثل هذا الراي يتقاطع مع بديهيات العقل
العملي، ثم
انه ينطوي على اشكالية في داخله. فاذا كان الواجب
يصبح
واجبا بالامر الالهي، فمن اذا دعا الى
الامتثال لهذاالامر
والانصياع له؟ ان ارجاع هذا الواجب الى امر آخرمن
قبل الله
سيجعل المسالة اكثر تعقيدا، ويجعلنا امام نوع
من التسلسل لا
نهاية له، وارجاعه الى مصدر آخر غير الامرالالهي
يغنينا منذ
البداية عن الاستناد الى الامر الالهي.
الصورة نفسها تتكرر في مسالة الحسن والقبح، فاننا
لا
نستطيع ان نسند هاتين الصفتين الى الامر الالهي،
فالتامل
العقلي وشهود العقل العملي يقودان الى القول
باستقلال
الحسن والقبح بالمعنى الذي صوره الامامية
والمعتزلة والكثير
من فلاسفة الاخلاق.
ومع ذلك، تستطيع الشريعة ان تؤثر في خلق القيم
وابداعهابشكل آخر، كان توفر امكانية التحقق
المصداقي
للواجب والحسن، بحيث لا يمكن ان يتحقق ذلك من دون
الدين،
وتوضيحا لذلك نقول: ان التعبد بالامر الالهي
والامتثال
للامرالرباني يعد امرا واجبا وحسنا، بل يقف على راس
الواجبات،
فاذا
امتثل الفرد للامر الالهي فانه يكون
قد اوجد
مصداقا
للحسن. ولكن من الواضح ان الامتثال للامر
الالهي
واطاعة المولى يستحيلان من دون وجود الامر او
الطلب
(الشوق والحب)، او ان الامتثال والتعبد على حد
تعبير علماء
الاصول مقولة تحتاج الى وجود الامر او اولياته،
بحيث يمكن
اضافة الفعل الى الله، فالدين، في مثل هذه
الحالات، لم
يجعل الحسن حسنا ولا الواجب واجبا، انما وفر
امكانية
تحققه الفردي، بحيث كان يستحيل ذلك من دون امر
الشريعة،
وعليه يمكن ان يكون الدين خالقا للقيم ومبدعها (في عالم الخارج)،وهذا ليس
بالشيء القليل.
ويدعي بعض المؤلفين ان الانسان قادر على الاستغناء
عن الدين اذا عرف بعض مصالحه ومفاسده، والامساك
بزمام
امورالمجتمع بيده، ليصبح الدين في هذه الحالة،
وتدخله
في الشؤون الدنيوية، لغوا (ان لم يكن ممتنعا).
وللرد على هذا الراي نقول:
أولا: لا يمكن الجزم بقدرة الانسان على تحديد
مصالحه ومفاسده كاملة شاملة لدى ادارته شؤون
المجتمع.
هذه المسالة سنتجاوزها حاليا لنتطرق اليها تفصيلا
في ما بعد.
ثانيا: مجرد معرفة الانسان بمصالحه ومفاسده لا يلغي
وجود الشريعة، ذلك ان الدين يستهدف ادارة المجتمع
في
اطارالتعبد، فضلا عما يطمح اليه من اشباع الحاجات
الفردية والجماعية في ادارة المجتمع الانساني، ويهيىء له
الاجواءالمناسبة التي توفر للفرد ممارسة العبودية
بافضل ما
يمكن. فماابعد البون بين الرؤية الضيقة لادارة
المجتمع التي
تحوم حول الانسان وبين تلك النظرة التي تعد
الاوامر والنواهي
الالهية نافذة حتى الى بعض الامور التي تخص
الانسان، والتي
جعلهالله تشريفا للعبد المكلف لا تكليفا، ووعاء
لابداء العبودية،
فقدشاء الله ان يكشف عن نفسه حتى يستطيع عباده
التحرك
وفاقا
لهذه الرغبة والوصول الى رضاه والتقرب اليه.
ولا يمكن ان يقال هنا: ان البحث يدور حول تدخل الدين
في ادارة المجتمع، ولا علاقة له بالتعبد وتوفير
الظرف
المناسب لعبودية الفرد لربه، لان الدين، وهو يشرف
على
ادارة المجتمع، يتطلع الى هدف اعلى واسمى، وهو
ايصال
العبدالى عالم النور.
وقد عد بعض علماء الاصول الاية الكريمة: (وما امروا
الاليعبدوا
الله مخلصين له الدين) بانها تعبر عن هذا
المعنى،
وقالوا (خلاف
الظاهر الاولي للاية): ان الامر الالهي هو
لايجادالظرف الذي
يتيح للعباد ممارسة العبادة بشكلها الخالص،
وان عبارة
«ليعبدوا الله» ليست في مقام المفعول به
ل «امروا»، وانه لم
يقصد من الاية الامر بالعبادة (وهو امر ارشادي)،
انما
«ليعبدوا الله» هو غاية الامر، اي انهم امروا لكي
يستطيعوا
العبادة.
وعلى هذا المنوال، يقال: ان جميع الاوامر التوصلية
تسقط
من دون قصد القربة، كالامر بتطهير الاشياء النجسة،
فالقيام
بذلك يحتاج الى قصد القربة ليصبح تعبديا، ذلك ان
للدين
هدفين في اي امر توصلي: الاول، الفرض الادنى الذي
يتحقق
بصرف الاتيان به حتى من دون قصد القربة، والثاني،
الفرض
الاعلى الذي لا يتحقق الا بقصد القربة، وهذا هو
الهدف
الاصلي للامر.
خلاصة القول: انه ليس من الصحيح ما يقوله الاشاعرة
من تدخل الدين في ايجاد القيم الكلية نفسها، بيد ان
الدين
يمكن ان يؤدي دورا في خلق مصاديق الحسن
والواجب الاخلاقيين. مناقشة الشكل الثاني لتدخل الدين
خلاصة هذه الصورة ان للدين تاثيرا في معرفة
الاهداف العملية،
فعلى الرغم من انه ليس مقوما للحسن والقبح والواجب
والمحظور الا انه يستطيع ان يصبح كاشفا
لهذه الامور.
كما انه يتيح للفرد الوصول الى جميع الاهداف
والكمالات المطلوبة، لان الانسان لا يستطيع ان
يبلغها وحده.
هذه الصورة، بشكل عام، صحيحة، ولكن لا بد من
تقييدها
الى حد ما. فيمكن ان نقول: ان بعض الاهداف والغايات
ممكنة الوصول للانسان، فالاقتراب من الكمال
المطلق - مثلا - هو
غاية، بل غاية الغايات، وليس من المستبعد على
العقل البشري
ان يدرك ضرورة التقرب الى الكمال المطلق (اذا
اقر)
بموضوعه، وهكذا بالنسبة لبعض الاهداف الاخرى،
ولكن هناك سلسلة من الاهداف الطولية التي تنتهي
الى
الكمال المطلوب من المتعذر للفرد ان يصل اليها
لعدم معرفته
بروابط العلة والمعلول، وهو ما سنتطرق اليه في
مناقشة الحالة
الثالثة من حالات تدخل الدين.
عليه، فانه من المعقول جدا القول: ان الدين مؤثر في
تحديدهذه الاهداف الطولية وتبيينها، وبخاصة اذا
قلنا
بالتعددية في الاهداف، اي اذا كان الهدف النهائي
ليس واحدا،
من قبيل ان القيم المستقلة والمطلقة متعددة،
فالصدق - مثلا -
يتوافرعلى قيمة مستقلة ومطلقة، كما ان قتل النفس
بلا دليل
ينطوي على قبح مستقل ومطلق، وهكذا بحيث انها لا
تصدر
عن قيمة مستقلة ومطلقة واحدة اي التقرب الى الكمال
المطلوب.
في هذه الحالة، يصبح من المعقول جدا ان يهرع الدين
لنجدة الانسان في تبيين الاهداف النهائية، وليس
ثمة دليل
يبرهن على ان الفرد يستطيع الوصول الى جميع
القيم المطلقة.
والخلاصة هي ان الانسان يحتاج الى الدين لمعرفة
جميع الاهداف المستقلة (هذه الحاجة ممكنة تماما،
وهذا
يكفي لتصحيح التمسك بالدين).
ثم ان هناك الكثير من الحاجات الطولية لا يستطيع
المرء،
باي وجه من الوجوه، ان يتعرف اليها بشكل دقيق، لانه
لا
يدري بالضبطي هدف من الاهداف ينتهي الى الهدف
النهائي.وهذه الملاحظة ترتبط بشكل وثيق مع الشكل
الثالث.
اذا الصورة الثانية صحيحة ايضا، شريطة تحديدها
ببعض القيود. مناقشة الشكل الثالث لتدخل الدين
الصورة الثالثة تستند الى افتراض ان سبل الوصول
الى الاهداف
غير واضحة المعالم للانسان في الكثير من
الاحيان،
بحيث
يعجز عن فهمها وادراكها.
فاذا سلمنا بان الاهداف النهائية (او الهدف
النهائي)
للانسان يمكن ادراكها بالقوة العقلية، غير انه لا
يمكن معرفة
الوسائل الموصلة الى هذه الغاية او الغايات، فانه
بوسع الفرد ان
يتوصل الى بعضها ويستيقن من صحته نسبيا، فيكتشف
- على
سبيل المثال - من خلال التجربة الاقتصادية نوعا من
العلاقة
بين العرض والطلب والسعر، ولكن تبقى هذه المعرفة
محدودة جدا، ولا تتجاوز في الكثير من الاحيان
الحدس
والظن.
ان الانسان الملتزم المؤمن بالكمال المطلق يهدف،
في
نهاية المطاف، الى القرب من هذا الكمال، ويبحث عن
السبيل الموصلة اليه، وياتي هنا دور الدين لانتشال
الفرد من
الجهل والظلمة: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من
الظلمات
الى النور).
وقد اشرنا، من قبل، الى ان للدين دوره في التدخل في
شؤون الفرد حتى مع افتراض ان الانسان على علم بجميع
اهدافه وسبل الوصول اليها، وهو ما سنتطرق اليه
بمزيد من
التفصيل لاحقا، الا ان الحديث يدور، في هذه الفقرة
من البحث،
حول واقع لا يمكن انكاره، وهو ان سبل الوصول الى
الاهداف والغايات متعذرة على الانسان سوى في حالات
خاصة
يتعاطى معها بنوع من الظن او الاطمئنان.
ثمة مقولة في غاية الغرابة لعادل ظاهر عن علاقة
المعرفة الدينية بالمعرفة العملية، اذ يفترض، في
مقام نقد من
يقول: ان المعرفة العملية مشتقة من المعرفة
الدينية، ان نوعي
المعرفة ممكنان، ومن دون هذا الفرض لا يبقى معنى
للبحث
في اشتقاق المعرفة العملية من المعرفة الدينية.
كلام يبعث على الاستغراب، ذلك ان من يعتقد بان
المعرفة العملية رهينة المعرفة الدينية ينطلق من
كون
المعرفة العملية لاوجود لها من دون الاستعانة
بالدين، وقد قلنا
من قبل: ان للمعرفة العملية ركنين: الاول معرفة
الاهداف،
وهي معرفة قيمية، والثاني معرفة السبل التي تنتهي
الى هذه
الغايات، وهي من نوع المعرفة العملية. لذلك فان
التشكيك في
قدرة المعرفة العملية يعود الى احد هذين الركنين:
عدم
الاستقلالية في معرفة الاهداف، او العجز عن العثور
على السبل
الموصلة اليها.
ان نستهل البحث بنفي هذه الشكوك ونستند الى
قدرة المعرفة
العملية انما هو، اذا، مصادرة لما هو
مطلوب واستسهال للمسالة.
حصيلة الكلام ان موقف علماء الدين ينطلق من ايمان
الانسان بالكمال المطلق، والقرب اليه هو الهدف
الاخير الذي
يطمح الى الوصول اليه، بيد ان معرفة سبل هذا الوصول
متعذرة
عليه،وما عليه الا الاستعانة بالدين لكي يطوي هذه
السبل
وصولاالى الهدف.
هذا الموقف يتصف بالعقلانية والرصانة، اما راي
عادل ظاهرفهو
راي غير صحيح، ذلك انه يعرض الموضوع بصيغة معروفة
الجواب سلفا.
ليس ثمة اشكالية في هذه الصورة الثالثة من تدخل
الدين
في شؤون الدنيا، ولعلها افضل الاشكال من بين
البدائل المختلفة. مناقشة الشكل الرابع لتدخل الدين
خلاصة هذا الشكل التخلي عن اية علاقة بين المعرفة
الدينية والمعرفة العملية، بحيث لا يوجد اي مبنى
لهذه العلاقة
في لزوم العمل على اساس الدين في الشؤون الدنيوية.
المهم
في هذه الصورة ان الاسلوب العملي يقوم على اساس
العلاقة
بين الخالق والمخلوق، فلا بد من الامتثال لامر
الله في
تعاليمه السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وما هو ضروري ولازم، في هذا الشكل من اشكال
التدخل،ان
يعرف الانسان ربه، ويسعى، عبر توجيه عقله، الى
الامتثال المطلق لاوامره تعالى ونواهيه. وحتى اذا
قلنا بان
المعرفة العملية ممكنة من دون المعرفة الدينية،
فلا يمكن
القول: ان الدين لا يتوافر على نظام سياسي خاص. فقد
امر الله
تعالى بنظام خاص، ويلزم الامتثال لهذا الامر.
فالمسالة لا
تتعلق بالارتباط المعرفي بين المعارف الدينية
والمعارف
العملية فقط، انما لها علاقة ايضا بالرابطة بين
الخلق والخالق((1)).
ان
الله تعالى هو مالك جميع المخلوقات، وهو الذي
وهبها
الحياة وجميع الصفات الكمالية الاخرى، ومن
تلك المخلوقات الانسان الذي يقوم وجوده على الفيض
الالهي،
ولهذا فهو ملزم بالطاعة المطلقة الله تعالى
من دون ان
يتمتع باي استقلال ذاتي.
هذه الصورة تستند الى مقدمتين:
ويطعن عادل ظاهر، في كتابه، في هاتين المقدمتين،
ويقول
في خصوص المقدمة الثانية: ان بعض الباحثين
الاسلاميين
يوافقها
بلحاظها الصغروي، وزعم ان لا وجود لنصوص
تحدد
نظاماخاصا للمجتمع الاسلامي. ومع ذلك، فانه لا يصر
على
هذه الاشكالية، ويدعي انها تاتي في سياق النزاع
الديني
لاالفلسفي، ولهذا فانه لا يخوض فيها.
ثم يقول: ان هذه المقدمة لا تنسجم مع الاسس
الفلسفية لمعرفة الله، لان اساسا من اهم هذه
الاسس هو ان الله
مكن الانسان من معرفة القيم كي يستطيع الوصول الى
الله
ومعرفته،
وهذا ما يتنافى مع المقدمة الثانية، لان
تشكيل النظام
الاسلامي وفاقا للاوامر والنواهي الالهية من دون
ان تحفه قيود
الزمان والمكان لا يترك مجالا للمعايير الانسانية
وتحديد
الاهداف والغايات من جانب الانسان، فحينما تنتظم
الامور على
اساس هذه الاوامر والنواهي المجردة من الزمان
والمكان، لا
يبقى اي مجال للانسان لمعرفة غاياته واهدافه
العملية وتقييمها.
المقدمة الثانية، اذا، تتقاطع مع استقلالية الفرد
في
معرفة المعايير ومسؤوليته في تحديد القيم، ومثل
هذه المعرفة
لازمة لمعرفة الله.
فاذا لم نستطع ان ندرك استقلالية القيم والمعايير،
فكيف ندرك ان الله هو الخير المطلق، وان ما يفعله
هو الحسن.
ان الكثير من اعتقاداتنا ازاء الله هي اعتقادات
قيمية، وان
الوصول الى معرفة مستقلة لهذه القيم يعتمد على
الاستعدادات التي اودعها الله تعالى في الانسان.
الاشكالية باختصار هي عدم وجود مجموعة القوانين
التي
تدير
النظام الحياتي بالمعنى العام لانها تتصادم مع
ما يريده الله
تعالى لعباده في التعرف عليه، هذه المعرفة التي
تتوقف على
قدرة الانسان واستعداده لاكتشاف القيم والغايات.
هذه الاشكالية التي اوردها عادل ظاهر غير مسوغة
لسببين:اولهما ما هو لازم في معرفة الله العلم
بكبرى الكمال
والحسن او الخير، لا العلم بجميع مصاديقه، كما ان
العلم
بجميع مصاديق الشر ليس ضروريا. فلكي نحكم بان الله
هو
الخيرالمحض، وهو العادل، لا نحتاج الا الى فهم اصل
الحسن والقبح والكمال والعدالة ونعرف مصداقها،
فعلى سبيل
المثال،
نعلم ان الكمال بما انه كمال هو خير، كما
نعلم ان الله
هو
الكامل المطلق، عندئذ نحكم بان الله هو الخير
المطلق.هذاالحكم لا يستلزم ان نتعرف الى جميع
مصاديق
الخير، كمالا يتطلب العلم بجميع مصاديق الشر.
وثانيهما ان معرفة الخير غير مشروطة بمعرفة سبل الوصول اليه، وان اعطاء الله
تعالى الانسان القدرة على معرفة الخيروالشر لا يعني انه اصبح قادرا ايضا على معرفة
السبل الموصلة اليهما، فمن الممكن جدا ان يسلك الفرد طرقا خاطئة للوصول الى الغايات
التي يعرفها حق المعرفة، ومثال ذلك المؤمن، حيث يعلم ان غاية الدين القرب الى الحق
تعالى واللقاء به، بيد ان الكثير يخطئون الطريق، وهم يحثون الخطى نحو تحقيق هذه الغاية، وقد يسلكون سبلا في
غاية
الخطورة لا تعود عليهم الا بالخسران المبين.
ان امكانية جهل الانسان بالسبل الموصلة الى
الاهداف والغايات
يفتح الطريق على مصراعيه لتدخل الدين والامروالنهي
الالهيين، ويبطل المزاعم القائلة بتضارب ذلك
مع استقلال
الفرد في فهم الغايات والمعتقدات القيمية.
وقد
لاحظنا ان
الاستقلال المطلوب في معرفة الله هو ان
يستطيع المرء
التوصل الى مفهوم الخير والكمال بصورة مستقلة
عن الشرع،
ويحكم بان الله هو الخير المحض، الامر الذي
لايتناقض مع
جهل الانسان بمقدمات الوصول الى
الاهداف والغايات، كما لا
يتقاطع مع جهله ببعض الغايات.
هذا في ما يتعلق بالمقدمة الثانية، اما الاشكاليات
المثارة
حيال المقدمة الاولى فسنناقش بعضها في الفقرة
اللاحقة. لزوم الامتثال المطلق
اسلفنا ان احدى مقدمات الشكل الرابع قضت باننا
ملزمون بشكل مطلق بالامتثال للاوامر والنواهي
الالهية. اما
تدخل الدين في الشؤون السياسية والاجتماعية
والاقتصادية
فهو امريمكن استنباطه من خلال مراجعة نصوص الكتاب
والسنة، ثم الامتثال للنتيجة.
يعلم اي فقيه، او باحث اسلامي، ان للشريعة كلمة في
السياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، رغم ان
بعضهم
ينكرشمولية هذه التعاليم والوصايا، ولكن لا يمكن
لاحد ان
ينفي تماما تدخل الدين عموما في هذه الميادين. وما
هو ملزم
بالنسبة لنا هو هذه الاوامر والنواهي من دون ان
يهمنا ما اذا
كانت المعرفة العملية مشتقة من المعرفة الدينية ام
لا، المهم
هو ان نبحث عن هذه الاوامر والنواهي ونمتثل لها((2)).
وقد ناقشنا للتو بعض الاشكاليات المتصلة بالاوامر
والنواهي المتعلقة بالحكومة والسياسة والاقتصاد
والمجتمع،
وسنبحث في ما ياتي مسالة لزوم الامتثال المطلق.
فقد طعن بعضهم في هذا الحكم العقلي، وفرض عليه
قيودابحيث انهى فاعليته عمليا.
ان المهم، في هذه المسالة، هو ان نعرف مناط لزوم
الامتثال للاوامر والنواهي الالهية، والسبب
الكامن في اعتبار
هذاالامتثال لازما ومطلقا، اذ يرفض عادل ظاهر
الاحتمال
القائل:ان مناط لزوم الامتثال هو مجرد القدرة
الالهية
المطلقة، لان قدرة الامر لا تثبت وحدها مثل هذا
الحق، بحيث
تطلب من الاخرين الامتثال لاوامرها ونواهيها. كذلك
فان
مجرد الارادة لا يمكن ان يصبح معيارا لامتثال
الاخرين لها،
حتى وان كان صاحب الارادة انسانا لا تزوغ ارادته عن
الخير،
فان هذه الارادة وحدها غير كافية لوجوب الامتثال
لها، اي انها
لا تثبت حقا للامر على الاخرين. اجل، قد يكتشف
الفرد ان في
الفعل الذي تتعلق به ارادته خيرا اخلاقيا، ولهذا
يجب عليه
الامتثال له((3)). والان لنسال: اذا كانت القدرة المطلقة او الارادة لا يمكن ان تكون معيارا للزوم الطاعة، فما هو اذن وجه لزوم طاعة الاوامروالنواهي الالهية؟
ثمة احتمالات ثلاثة يمكن طرحها للرد على هذا
السؤال،والعنصر المشترك بينها تطرقها بشكل عام الى
العلاقة
ما بين الانسان والله، او العلاقة بين الله
والكون:
الاحتمال الاول: ان سر لزوم الامتثال للاوامر
الالهية هو
نفسه السر الذي يلزم المحكوم باطاعة امر الحاكم،
ولما كان
اللهتعالى هو الحاكم على كل العالم فاننا ملزمون
بطاعة اوامره.
الاحتمال الثاني: ان الله تعالى هو خالقنا ونحن
مدينون له،وسر
لزوم طاعته هو هذا الارتباط الحياتي، كما هي الحال
في لزوم
طاعة الابوين، لاننا مدينون لهما بحياتنا.
الاحتمال الثالث: ان الله هو خالق العالم كله
وبالنتيجة
مالكه،ومن حق المالك ان يطلب منا كيف نتصرف في ملكه
لنواصل حياتنا في دائرة هذا الملك.
وسوف نلاحق هذه الاحتمالات بصورة متتابعة. علاقة الحاكم والمحكوم
ينبغي التفكيك بين معنيين للحكومة في ما يتعلق
بالارتباط
بين الحاكم والمحكوم: الاول الحكومة التكوينية،
والثاني
الحكومة القانونية والقيمية، ولا شك في ان الله
سلطة تكوينية
على العوالم جميعها، بمعنى ان نظام الكون يتحرك
بارادة الله.
فالقوانين الحاكمة، في هذا العالم، لا يمكن التخلف
عنها،ولكن
يلزم الالتفات الى ان هذا المعنى للحكومة لا يمكن
ان يصبح
معيارا لضرورة الامتثال والطاعة للاوامر الالهية،
لان لزوم
الامتثال والطاعة يطرح حينما تكون هناك القدرة
على العصيان والمخالفة. فعلى الرغم مما تحمله
القوانين
التكوينية من معنى سلطة الحكومة الالهية، غير ان
هذا المعنى
لا علاقة له بالحكومة التي يمكن ان يتوافر فيها
عنصرا
الطاعة والامتثال.
اما الحكومة القانونية والقيمية فيمكن التامل فيها
على
اساس النظرية القديمة القائلة: ان القوانين
الانسانية التي تدير
امور
المجتمعات تستلهم افكارها من العلم الالهي،
وتعود
جميعهاالى الله. فقد قسم توما الاكويني هذه
القوانين الى
اربعة اصناف: القانون الازلي والقانون الالهي
والقانون
الطبيعي والقانون الانساني.
والمراد بالقانون الازلي ذلك القانون الموجود في
الذات الالهية
باعتبارها مالكة الوجود والطبيعة والقانون.
اما القانون الطبيعي فهو مشتق من القانون الازلي
الذي
يستطيع العقل الانساني وحده ان يتوصل اليه.
والقانون الالهي هو الاخر جزء من القانون الازلي،
الذي لايمكن
الوصول اليه الا عبر الوحي، وهو قانون يركز
على الغايات
الأخروية.
واخيرا القانون الانساني، اذ يشتق من القوانين
الطبيعية،ويمكن اعتباره في احد اوجهه تطبيقا من
تطبيقات
القانون الطبيعي، او ما يسمى اصطلاحا «الجزئي
بالاضافة»،
وتراعى فيه الخصائص الزمانية والمكانية، ولذلك
فهو قابل
للتغيروالتحول((4)).
في هذا الخصوص، هناك من ذهب الى ابعد من هذا
الحد، وقال:
ان الحكم الله فقط وليس للانسان مثل هذا الحق،
ولهذالا
يمكنه وضع قوانين ملزمة للاخرين، وما عليه الا ان
يكشف عن
الاوامر والنواهي الالهية ويستوعبها. ان من يؤمن
بهذه النظرية
كابي الاعلى المودودي ينكر القوانين الانسانية،
ولهذا فهو
يفرط اكثر مما ذهب اليه توما الأكويني.
وقد اشكل عادل ظاهر على هذا الراي بان القانون
الالهي(الوحي) لا يمكنه ان يمثل قانونا ينظم الحياة
البشرية
من جميع جوانبها، فعلى سبيل المثال، لا يمكن
لاحكام
الحدودوالديات والمواريث ولباس المراة ان تكون
صالحة
لجميع الازمنة، ولا بد من تقييدها بقيود ليصار الى
استخدامها
في المجتمع العربي ايام صدور احكام الشريعة او
المجتمعات المماثلة. وعليه، لا يمكن للانسان ان
يغدو مجرد
منفذللاحكام والقوانين الدينية، بل يجب ان يبادر
الى
تدوين سلسلة من القوانين الاقتصادية والاجتماعية
والسياسية
لتنظم شؤون المجتمع بما يتناسب مع كل ظرف. اما ان
يدعي احدهم بانه على اتصال مباشر مع الله يساله في
كل ظرف
عن القانون الالهي، فهذا كلام باطل، ولا يلتقي مع
كون نبوة
النبي محمد(ص) هي النبوة الخاتمة((5)).
ويمكن الرد على هذه الاشكالية بالقول: ان القوانين
الالهية الحاكمة لا تعني وجود حكم الهي في كل صغيرة
وجزئية، انماالمراد وجود اطر محددة من قبل الوحي
الالهي
يمكن الاستناد اليها لكسب التكليف في القضايا
الجزئية. كما
ان القول بعدم صلاحية الاحكام الالهية بخصوص لباس
المراة والحدود والديات والمواريث، في كل زمان
ومكان، يدعو
الى الكثير من التامل، لانه ليس من الصعب الالتزام
بهذه
الاحكام اذا لم نكن قد وضعنا في الحسبان مسبقا
اطروحات
ذات اولوية. يفسر عادل ظاهر، اذا، حكم القوانين الالهية تفسيرا سيئا، ثم يطرح امثلة يحكم منذ البدء على عدم امكانية تطبيقها في الازمنة والامكنة جميعها.
ان مشروعية حكومة
معينة، او
قانون ما، بحث مصيري ينطوي على اهمية بالغة، كما ان
اضفاء
صفة الشرعية والالزام على قانون محدد بحث نظري
- فلسفي
له تاثير كبير على ابحاث الحكومة الدينية، وعليه
يبحث
المعتقدبانحصار الحكم بالله فقط عن جذور مشروعية
اي
حكومة اوقانون في طيات الاوامر والنواهي الالهية. واذا تجاوزنا كلام المودودي الى ما قاله توما الاكويني، من عدم حصر القوانين بالالهية منها، واعتقاده بالقانون الانساني المتغير،فان الاشكالية التي تم توجيهها الى هذا الاخير هي السبب الذي يدعونا الى مواكبة القانون الطبيعي اذا كان المراد به القانون المنبثق عن دوافع وميول ضرورية معينة حيال غايات خاصة في العالم، مع افتراض ان هذه القوانين قائمة على اساس ميول لم تصل الى الاضطرار، والا فقدت معنى موافقتها ومخالفتها اختياريا، وعليه بوسع الفرد ان يعمل بالقانون الطبيعي او لا يعمل، فما هو السبب الذي يوجب على الانسان اذا العمل به؟
يحاول عادل ظاهر ان يستنتج، هنا، ان القوانين
الطبيعية
غيرملزمة حتى لو اقررنا اخيرا بانها تعود الى الذات
الالهية، وبالنتيجة فان الحكومة الالهية، بمعنى
حكومة القانون
والقيم، غير ثابتة. واذا كان لا بد من ان تستند
القوانين التي
تنظم حياة الانسان على ما هو خارج عن ذاته، فما هي
سوى
القوانين الاخلاقية المستقلة عن ارادة الله،
وبالنتيجة فان
الحكومة النهائية انما هي للاخلاق لا للدين((6)).
وللرد على هذه الاشكالية يمكن القول: صحيح ان
الميل الطبيعي للغايات لا يمكن ضمانه اخلاقيا، لكن
من
الواضح ان مراد توما الاكويني من الميل الطبيعي هو
الميل
الفطري، لا اي ميل، حتى ولو كان منبثقا عن الشهوات
والبعد
الحيواني في الانسان، والا لما كان هناك اي معنى
لعودة
القانون الطبيعي الى القانون الازلي، وهنا يمكن
الاقرار بوجود
وجوب عقلي يلزم كل انسان بالانصياع لنداء فطرته
الحقيقية،
ليطيع القوانين الطبيعية بهذا المعنى، ولا يمكن
انكار هذا
الوجوب العقلي سواء في الامتثال للاوامر الفطرية
او الامتثال
للاوامر الالهية، وهو ما سنلقي المزيد من الضوء
عليه في تتمة
البحث. غير اننا نضيف هنا: ان بعض الكتاب توصلوا في
بحوث
فلسفة الاخلاق الى نتيجة مقاربة جدا لما توصل اليه
عادل ظاهر.
فقد انكر الدكتور عبد الكريم سروش لزوم طاعة
الواجبات الفطرية تاسيسا على ان الميل الطبيعي الى شيء لا
يضمن اخلاقيته، وهذا نزاع صغروي فضلا عن استبطانه
انكار اللفطرة، فهو يقول في نقد مقال العلامة
الطباطبائي
(قدس سره): «غاية جهد هذه المقالة ان تثبت ان كل واجب
معلول مقتضى القوى الطبيعية والتكوينية الفعالة
في الانسان،
وحينما يثبت ذلك يثبت تلقائيا وجوب العمل بذلك
الواجب،
بعبارة اخرى: ان الواجبات التي تستلهم من تكويننا
الطبيعي،
انما هي احكام طبيعية وفطرية تكتسب جوازها ووجوبها
من
دون الحاجة الى اي برهان. بمعنى انه لا يجري السؤال
عن
الحكم ان كان حسنا ام سيئا بمجرد ان يتضح بانه
فطري، لان
اي حكم فطري هو حكم حسن في جميع الاحوال». هنا - في تصورنا - يقع خلط مدمر، لان السؤال هو هو ما زال يفرض نفسه: لماذا يجب العمل بمقتضى التكوين الطبيعي،ولماذا تجب طاعة الاحكام الفطرية، حتى لو افترضنا انناتوصلنا الى مقتضى التكوين الطبيعي او الحكم الفطري؟ من هنا يتضح وجود نوعين من الوجوب، فاذا لم نؤمن بالوجوب الرئيسي او الاولي، لا يمكن ان نصوغ اي وجوب اخلاقي آخر، وهنا يتضح المعنى الذي ذهب اليه عدد من الحكماءالذين قالوا: ان الوجوب مفهوم بسيط لا يخضع للتجزئة، ولايمكن تفسيره على اساس اي واقع مادي((7))، ثم يشكل حول كيفية الوصول الى ما اذاكان الحكم فطريا ام لا؟
من المستغرب ان ينتهي هذا الكلام المنطقي في ظاهره
الى القول: ان الوجوب الاولي هو الامر الالهي، اي
انه
راي اشعري تماما لا يمكن لاي عاقل القبول به، لان
السؤال
الذي تواجهه مثل هذه النظرية للوهلة الاولى هو: من
اين
جاء وجوب الوجوب الاولي؟ ولماذا يجب ان نطيع الامر
الالهي؟ ماين جاء هذا الوجوب؟ هل هو من الله او من
غيره؟
الاحتمال الاول يقودنا الى نوع من التسلسل
اللانهائي، فيما
تواجه الاحتمال الثاني اشكالية منذ الوهلة الاولى
مفادها ان
حاجتنا الى وجوب غير الوجوب الالهي يفضي بنا الى
الجزم بان
هذاالوجوب هو الوجوب الاولي، وليس الوجوب الديني،
ويمكن حل المسالة باعلان عجزنا عن الاستغناء عن
الوجوب
العقلي، ولما كنا على معرفة بكمال الله وسيطرته
وملكه فان
اوامره ونواهيه ترتبط بهذا الوجوب العقلي، فالعقل
يلزم
الانسان بطاعة الاوامر الصادرة عنه تعالى، كما
يلزمه بالاذعان
للاوامرالفطرية للوجدان التي تتبلور بمقتضى
غاياته الكمالية.
وعود على بدء نسال: هل ان العلاقة بين الحاكم
والمحكوم،بمعناها غير التكويني، هي علاقة بين
الله والانسان
توجب الامتثال للاوامر والنواهي الالهية؟ الجواب:
نعم، ولا شك
في ذلك، واصل هذا الالزام يعود الى الوجوب العقلي
الذي يتوافر
عليه الانسان ازاء الله وطاعة اوامره.
والاشكالية الوحيدة التي يمكن ان تطرح، هنا، هي ما
اذا
كانت هذه العلاقة تعود الى احتمالات اخرى سناتي
عليها لاحقا
في اكتساب هذا الالزام وتلك المشروعية، وما اذا
كانت
هذه العلاقة بالشرح الذي قدمناه معيارا مستقلا
لامتثال
الاوامرالالهية، ام انها تقع في طول هذه
الاحتمالات وهو ما
سنتطرق اليه لاحقا.
|
|---|