|
كيف يسمح بفتح الخمارات في كل مكان، ونشر الاعلانات عبر الوسائل الاعلامية المختلفة التي تشجع على شرب انواع الخمور المختلفة وترغب الناس فيها، ثم بعد ذلك يتم التعرض للمخمورين والسكارى في الشوارع والطرقات، وايقافهم داخل سياراتهم لقياس درجات سكرهم وانزال العقوبات المالية في حق من وجد قد تناول قدرا كبيرا يحتمل معه ان يتسبب في ارتكاب حوادث سير، او يخل بالامن الاجتماعي؟
وكذلك الامر بالنسبة لدور البغاء والقمار، انها
المرتع
الخصب لجميع انواع الجرائم، لذلك فالاخفاق الذي
تعاني
منه السياسات العقابية الوضعية مرده الى طبيعة
النظرة او
الرؤية الفلسفية للحقوق الانسانية. هذا هو سبب
الاختلاف في
طبيعة التدابير الاحترازية بين الشريعة والقوانين
الوضعية، لان
النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية
والثقافية
والحقوقية والتربوية، وطبيعة القيم الروحية
المنتشرة في اي
مجتمع مسؤولة عن تهيئة المناخ النفسي الذاتي
والواقعي
والاجتماعي،
لنمو الجرائم وحالات الانحراف العامة
وانتشارها.
ان تحريم شرب الخمر وصناعته والمتاجرة فيه،
والعقاب الرادع
بعد ذلك لمن يتورط في شربه او المتاجرة به،
هوالعلاج
الحقيقي لكل الجرائم الناشئة عن الخمر،
وكذلك الامر بالنسبة
للزنا، فلو طبقت احكام الشريعة المتعلقة
بهذه الجريمة سواء
اجراءات التدابير الاحترازية والوقائية
قبل الجريمة، والعقاب
الشديد بعد وقوعها، هل ستكون نسب الجرائم الناجمة
عن الزنا
مثل: الاجهاض وقتل الاجنة، والقتل من اجل الشرف
والغيرة
والخيانات الزوجية، وازدياد اعداد
الاطفال غير
الشرعيين الذين
هم، - وكما اكدت بعض الدراسات العلمية - من بين
الفئات
الاجتماعية الاكثر قابلية للانخراط في عالم
الجريمة، بسبب
كراهيتهم لانفسهم وللمجتمع الذي يعدونه المسؤول
عن
وضعهم غير الشرعي والمرفوض اجتماعيا، والمشكل ان
هذه
النسب من الاطفال غير الشرعيين في تزايد مستمر كما
نسمع
ونشاهد في وسائل الاعلام كل يوم.
ان النظام الجزائي في الشريعة الاسلامية وكذلك في
القوانين الوضعية هو جزء من نظام حقوقي شامل ومنظم
للفعل الانساني في ابعاده المتعددة والمختلفة،
وهذا النظام
يرتكزعلى رؤية للكون وللانسان، فاي خلل او قصور في
هذا
الجزء،فانما مرده الى الخلل في هذه الرؤية
الفلسفية او
الايديولوجية او العقدية.
هذا ما يظهر بوضوح عند مقارنة نظام العقوبات في
الدول الاشتراكية بنظام العقوبات المعمول به في
الدول
الراسمالية مثلا، حيث نجد ان ظاهرة المشردين
- نتيجة الفقر او
الادمان والذين هم موضع اهتمام نظام التدابير
الاحترازية
لاحتمال احتضانهم خطورة اجرامية - هذه الظاهرة
اصبحت
اليوم اكثرانتشارا واستفحالا في الدول
الراسمالية، بسبب
العولمة الاقتصادية وانخفاض المخصصات الحكومية
للرعاية الاجتماعية، ما جعل الفئات الدنيا من
الطبقة
المتوسطة تزدادفقرا، اما المستفيد الحقيقي من هذه
العولمة
الاقتصادية فهو مابدا يطلق عليه في هذه الدول لقب
«مجتمع
ال 20%» حيث نجد «358 مليارديرا يمتلكون ثروة تضاهي ما
يملكه (2،5)
مليار من سكان المعمورة، اي انها تضاهي
مجموع
ما يملكه نصف سكان العالم((172)). ومع انتشار الفقر
ترتفع معدلات الجريمة، وهكذا دواليك، من هناك تبرز
اهمية
منهج الشريعة في التدابير الاحترازية والوقائية،
فالنظام الجزائي
لايمكن ان يحقق اهدافه الا بتطبيق النظام
الاقتصادي
العادل،
وباقي الانظمة الاخرى، التي تشكل بمجموعها
المنظومة القيمية والتشريعية الاسلامية الهادفة
الى سعادة
الانسان في الدارين.
رؤية السيد محسن الامين(رحمه الله) ا.د. عبد المجيد زراقط
تهدف هذه الدراسة الى تقديم معرفة برؤية السيد
محسن الامين(رحمه الهه) (1284ه - 1867م
/
1371ه
-
1952م)
الى مشكلات عصره، وهو سما سمي بعصر النهضة، وكما
تمثلت في شعره، وذلك من طريق اجراء قراءة في نماذج
مختارة من هذا الشعر.
الشاعر وموقعه ودوره... السؤال الذي يثار، بداية، هو: المعروف ان السيد محسن الامين(رحمه الله) فقيه مجتهد ومفت مجدد، ومؤرخ محقق،ومصلح قدوة، ولغوي بارع، وكاتب سيرة وقصة ونصوص ادبية:تمثيلية ورحلات، ومرب ومؤرخ ادب...، وقد كتب، وهو في السادسة والثمانين من عمره: «ولو قسم ما كتبناه، تسويدا وتبييضا ونسخا وغيره، على عمرنا، لما نقص كل يوم عن كراس مع عدم المساعد والمعين غير الله تعالى...»، فهل كان شاعرا؟ في الاجابة نقول: نعم، فللسيد الامين ديوان من قسمين مطبوع عنوانه: «الرحيق المختوم في المنثور والمنظوم»، وكثير من المقطوعات والمنظومات التي لم تجمع في ديوان((173))، ولكن يبقى السؤال قائما، وهو: هل كان السيد الامين يعتد بشعره، وهل كان يملك مفهوما للشعر، اوكان مثله مثل كثير من العلماء يقول الشعر سوانح خواطر،ويعده من نوافل القول وسقط المتاع؟ وهل كان يملك رؤية لما ينبغي ان يكون عليه الشاعر، وبخاصة في عصر مثل عصرالنهضة؟ وهل تمثلت هذه الرؤية على مستوى الواقع، فكان السيد في شخصيته وشعره الانموذج / القدوة الذي يجسدهذه الرؤية؟
في الاجابة عن هذه الاسئلة يمكن القول:
1 - بدأ السيد الامين نظم الشعر، كما يقول، وهو في
عيثا، اي في
المرحلة الاولى من تعليمه وكان لا يزال فتى
(الرابعة عشرة من
عمره)، واظهر في تلك الاونة تميزا في فهم الشعر
ونقده، وفي
سيرته نماذج تدل على ذلك((174)).
2 - يمتلك معرفة واسعة وعميقة بالشعر العربي تتمثل
في مظاهر
منها:
أولا - جمعه دواوين شعرية منها: ديوان امير المؤمنين
الامام علي
بن ابي طالب(ع) ودعبل الخزاعي وابي تمام وابي فراس
الحمداني.
وثانيا - التاثر بالشعر العربي القديم والتعامل معه
تشطيراوتخميسا وتذييلا ومعارضة، ومن الشعراء
الذين تعامل
مع شعرهم: الشريف الرضي وابو تمام وابن الرومي
والاربلي وابن
عفيف التلمساني والنضر بن الحارث واحمد شوقي،علاوة
على
انه كان يختار نماذج من الشعر الجيد، ومن ذلك،على
سبيل
المثال، اختياره قصيدة لمحمد بن عبدالله بن
نميرالثقفي في
وصف نسوة، وهذا الاختيار يدل، علاوة على
رؤيته للشعر الجيد،
على رؤيته الى المراة، ومن هذه القصيدة نذكر:
... تضوع مسكا بطن نعمان مذ مشت
وثالثا - مراسلة الشعراء
المعاصرين شعرا، ونجد في ديوانه تجربة
متميزة تتمثل في
نظم مشترك للشعر، فقد نظم هو والشيخ احمدعارف الزين
قصيدة مشتركة، وهو والشيخ احمد عارف الزين - والشيخ
اسد الله
صفا قصيدة اخرى((176)). ورابعا - كان يختار نماذج من الشعر الجيد، بالفارسية،ويترجمها ويصوغها شعرا، ومن نماذج ذلك قوله في معنى بيتين بالفارسية للمحقق نصير الدين الطوسي:
لذات دنياي لا اخشى تغييرها
وفي هذين الامرين: الاختيار والنظم جملة دلالات:
اولها
مايدل على رؤيته للشعر الجيد، وثانيها الاتصال
بالعلماء
الكبارواتخاذهم قدوة، وثالثها بيان رؤيته الى لذات
دنياه، ما
يكشف ملمحا اساسا من ملامح شخصيته، وهي شخصية
العالم
التي يقول السيد في وصفها. «كل علمائها (جبل عامل)
قانع
بالقليل من عهد الشهيد الثاني الذي كان يحرس كرمه
ليلا
بنفسه، وبنى داره بيده».
وفي مقطوعة متميزة تؤكد نهجه في هذه الحياة من نحو
اول،وتكشف عن خصائص شعره من نحو ثان، نقرا مقطوعة
له يقول فيها:
مكتبة في غرفة مربعه
فنلحظ، في هذه المقطوعة، السهولة والبساطة، ولغة
الحياة اليومية، وقد نرى انها موجهة للطلاب،
فكانها من
الادب الموجه للاطفال، وفي هذا قد نعد السيد رائدا
في
هذا المجال.
3 - في سبيل كسب المعرفة وتربية الذوق الادبي
والشعري كان
يعقد ليلة الاربعاء من كل اسبوع مجلس سمر تتم
فيه قراءة
الشعر ونقده، وقد قيل في هذا المجلس كثير من
الشعر نذكر
منه:
... الله ليل الاربعاء فكم به
4 - وان نكن قد لاحظنا الشعرية المتميزة والمتمثلة في
ثنائية الارض والسماء والعلاقة بينهما وبين نجوم
كل منهما
وتميزنجوم الارض، وهم رواد مجلس السيد تميزا يدفع
السماء
الى ان تحسد الارض، فاننا نجد في ديوان السيد ما
يفيد
تجويده للشعر وفخره به واعتداده بذلك الى درجة
قوله: ان اي
شاعرلا يطمح الى اللحاق به، وان قوافيه لم ينل
شاوها
الشريف الرضي، ولم يبلغ مداها ابو اسحق الصابي،
ومن نماذج
قوله في هذا المجال، نذكر على سبيل المثال:
-
خذها اليك كنظم الدر قافية
في هذا الانموذج نلحظ القصد الى التجويد، ما افضى
الى تشكيل صور تؤسس على القديم جديدا، فثنائية
ضحك الارض : بكاء السماء، وتمثل الخال حارسا ورقص
القطر الخ... عناصر مستقاة من الذاكرة الشعرية، لكن
اقامة
بناء متماسك من هذه العناصر ومن عناصر اخرى، مثل
تمثل الهموم في افعى تلسع ولا يجد لها راقيا، وغناء
الرياح
لرعد بطبلة دقاق، وثنائية البرق: الثغور المتفتحة
للتبسم او
القول...، ان اقامة هذا البناء الناطق بالدلالة
جديد، وهنا يتمثل
الاحياءوالتجديد المؤسس عليه في آن. مظاهر تجديد
ومن مظاهر التجديد في شعر السيد:
أولا- عزوفه عن التقليد كالبدء بالطللية، وهو تقليد
كان متبعا
في عصره، ومن نماذج ذلك قوله على سبيل المثال:
*
لا يوقفنك في ربع لهم طلل
*
... لئن كان قد ولى الشباب وعصره
وناف على الستينلي سنتان
في هذه القصيدة يصور السيد نهجا في الشعر: صدورا
وتوجها
وطبيعة، ونهجا في الحياة، وكلاهما
متلازمان، فهو لا
يقف على الاطلال، وما يعنيه هو الانسان، وغايته هي
جلب العز،
وينزع الى الغاية القصوى، ولا يعنى بمبغض وحاسد.
وثانيا
-
صدور الشعر عن هموم الحياة اليومية وعن
التجربة الذاتية والمعيشة وتوجهه الى الانسان
العادي، ما جعل
شعره يتصف بالوضوح والسهولة وسلامة اللغة
وبساطتها، فتبدو
في معظم الحالات كانها لغة الحديث اليومي..
ومن نماذج ذلك نذكر:
1 - يصور حنينه الى جبل عامل في غير قصيدة، ونلحظ
في هذا
الشعر العاطفة الصادقة المتمثلة في لغة شعرية
متميزة،على
مستوى المعجم اللغوي الماخوذ من لغة الحياة
اليومية،وعلى
مستوى الموسيقى الداخلية المتمثلة في حرف
اللين،
الالف،
المرتفع نداء حارا، وعلى مستوى الصور
المبتكرة،
فلنمس
الاماني مجسدة: المنزل الساكن في الفؤاد،
والعين اليقظة
الراعية، والجفنان الحضن، يقول السيد:
-
يا نازلين على روابي عامل
2 - يصور وقائع من حياته اليومية، ويتاملها، ويخرج
برؤية
الى الحياة، ففي رحلة القنيطرة، يسرد الرحلة،...
يصل
الى القنيطرة، يصف، يطير برقية الى شقراء، لكن
الايام
اتت بعكس مرامه، فيقول:
برقية في مركبا ضاعت كما
وفي هذا نقد للفساد القضائي يمر عنصرا من عناصر
الصورة الشعرية كانه اكثر وضوحا من تلك البرقية
التي ضاعت،
مايشير الى ان الفساد واحد ومظاهره كثيرة، وان كان
قد عم
عندالقضاة في تضييعهم للايتام، فلا عجب ان يعرفه
مكاري
لم يوصل البرقية.
ويوافيه العيد، وهو لا يزال في القنيطرة، فيرسل رسولا ليجيء بالخيل، لكن الرسول ياخذ الكراء، ويمضي الى
قريته
الخيام، ولا يعود، فيقول:
بين الخيام ومركباكم ذمة
واذ يتكرر خفر الذمة يعمم، فاذا هو الزمن هكذا...
ويرسل المثل
واضحا في صورة حسية تكشف الثنائية فيها: الكلاب
= الضرغام
طبيعة المفارقة في هذا الزمن.
3 - ويصور وقائع من حياته اليومية في كيفون تصويرا
واقعيا
لايخلو من طرافة:
أكرم بربة بيته من جارة
وهذه هي الربوع التي يعنى بها:
تلك الربوع الفيح لا سقط اللوى
في هذه القصيدة التي اخترنا منها ابياتا نلاحظ
تصويره
للواقع كما هو، ويمدح اناسا عاديين: ربة البيت
الجارة، ابو
امين...، ويميز، وهذا امر لافت، الغانيات منهن
سافرات منتهى
حد السفور، لكنهن ملئن عفافا، ثم تاتي صورة
المسجد والمصحف المهجورين، ومستوى التدين المعبر
عنه
بعددالمصلين خلفه...
4 - هذه العناية بالناس العاديين وشؤون الحياة
اليومية ملحوظة
في شعره، ومن نماذجها شعره في تصوير وقائع البلاء
(الكوليرا)
الذي اصاب قريته: شقراء وعنايته بشخصين فقيرين
كانا
يغسلان الميتين هما: عمشة وعلي الزين اللذان
كانا أنفق من
سكر وشاي في ابريق((187)) وقوله في الدلف:
الدلف قد اودى بنا وقعه
نلاحظ، هنا، تصوير الواقع الاجتماعي واستخدام لغة
الحياة اليومية والصورة المبتكرة: نفق الرجلين
الفقيرين كنفق
السكروالشاي في الابريق، ما يدل على اهميتهما في
صورة
مبتكرة ومنتزعة من واقعالحياة اليومية المعيشة،
وبخاصة في
مجالس علماء الدين التي يكثر فيها تناول الشاي
المعد بعناية
خاصة...، وفوران تنور نوح من السقف، ونلاحظ في ابيات
اخرى،علاوة على ذلك، الاهتمام ليس بالجمال الطبيعي
فحسب، وانما بالموقف يقول:
... سأهجر دحنونا وزكوكعا
ان الانسان هو المهم، هو الغاية. وهذا هو الفضاء
الذي يريدالسيد
ان يسود، جمال طبيعي: الروض النضير
والانسان الراعي
المراعي له.
والملاحظ، في هذه الدعوة الى التجديد، صدورها عن
رؤية متماسكة، فما يعنيه هو ما يكون العز جالبه،
ويتمثل في
درك غاية هي الغاية القصوى، وفي سبيلها يشغل عن
الورى
بندمائه: يراعه ودفتره، ومفزعه عندما تنوبه
الخطوب...
وهكذا نرى ان السيد كان ينظم الشعر ويعتد بنظمه
ويوظفه في بيان رؤيته وفي تحقيقها واقعا، وقد
توافرت له
قدرات الشاعر وامكاناته من موهبة وثقافة ودربة،
وكانت له
رؤيته لماينبغي ان يكون عليه الشاعر في قومه وبخاصة
في
زمنه، فهو الرائي الذي يصدر عن تجربته المعيشة
ويصور الواقع
تصويراصادقا كاشفا..
الشعر: مفهومه ووظيفته..
في سبيل درك غايته القصوى يمضي في مختلف
ضروب نشاطه، ومنها الشعر، وقد كان يملك مفهوما له
يتضمن
مختلف عناصره، فهو يقول:
«فان من الشعر والادب مما لا ينكر فضله ولا يحسن
باحدجهله،
وكفى في فضل الشعر انه احد مظهري
الفصاحة والبلاغة،
واقواهما واشرفهما واشدهما تاثيرا في النفوس.
فبه يشجع
الجبان، ويحن الشجاع، ويسخى البخيل،
ويبخل الجواد، ويروع
العاصي، ويذلل الصعب، وينقاد النافر، ويصلح بين
الخصوم. وانه
اقوى معين على فهم الكتاب العزيز ودقائق اسراره،
وحقائق
اعجازه، وفهم السنة المطهرة. وقد اشتهر عنه(ص): (ان من
الشعر لحكمة وان من البيان لسحرا)، وهوصيقل
الاذهان،
وزينة الانسان، وقد سمع رسول الله(ص)الشعر
واستنشده
وارتاح له، واجاز عليه، وعفى عن المجرمين بسببه.
ونظم امير
المؤمنين(ع) من الاشعار ما هو مشهور معلوم في كتب
السير
والاثار»((189)).
ويمكن القول، استنادا الى ما سبق: ان مفهومه للشعر
يتضمن العناصر الاتية:
1 - الشعر احد مظهري الادب المتصف بالفصاحة
والبلاغة،واقواهما واشرفهما واشدهما تاثيرا في
النفوس.
2 - الشعر فن، وقد نفهم الفن هنا بمعنى المهارة في
الخلق، استنادا الى انه عد التميز بالتصوير البياني
شرطا لازما،
او ضروريا له.
3 - الشعر يخاطب الوجدان ويؤثر فيه: «يشجع
الجبان ويسخي
البخيل..»، وقد نفهم من ذلك انه لغة الوجدان.
4 - للشعر وظيفة اجتماعية اخلاقية «يصلح الخصوم
ويذلل الصعاب..».
5 - وله وظيفة علمية، بوصفه اقوى معين على فهم كتاب
الله العزيز وحقائق اعجازه وفهم السنة الشريفة.
6 - وله وظيفة تربوية تتمثل في تكوين شخصية
الانسان:صيقل
الاذهان.
7 - الشعر نشاط انساني، تتنوع مظاهره، وتحدد
طبيعته وتاثيره الحكم في شانه: حرام او حلال، جيد او رديء، وقد سمعه
الرسول(ص) واثاب عليه وفعل الامر نفسه
الامام علي(ع). يفيد ما سبق، اولا، ان السيد الامين كان، علاوة على صفاته الكثيرة، يتذوق الشعر وينقده ويقوله، ويصدر في ذلك كله عن مفهوم واضح، وثانيا ان السيد الامين كان يرى ان للشعر دورا ينبغي ان ينهض به في مواجهة مشكلات عصر النهضة، وهي المواجهة التي اتخذت مسار حركة احياء واصلاح وتجديدكان السيد رائدا من روادها، وهي حركة تترابط عناصرها، فالاحياء يكشف عما هو حي في الماضي ويعيده ذا فعالية، وفي الواقع فيكشفه ويظهره ويعمل على جعله فاعلا، والاصلاح يكشف الخطا ليعالجه، ويصلحه ليكون ذا فعالية، وهاتان الفعاليتان ان انتظمتا في حركة الواقع المتجدد تؤتيان الجديد..، ولعله ما سماه السيد الامين «درك الغاية القصوى»، فما هي هذه الغاية كما يصورها شعره؟ في سبيل الاحياء والاصلاح: التجديد الغاية القصوى ودركها
في ما ياتي نحاول ان نتبين هذه الغاية من خلال قراءة
في نماذج مختارة من شعره. الرائد الانموذج
بداية، نتوقف لدى شهادات رات ان السيد
محسن الامين(ع)
يمثل الانموذج بين علماء الدين على
العلاقة الخلاقة بين العمل
الوطني والاسلام، ويعد من رواد النهضة الكبار مثل
محمد
عبده وعبد الحميد بن باديس((190)).
وقيل فيه شعرا، على سبيل المثال:
نور تالق من شقراء، مذ لمعا
الهوية ومكوناتها
في بداية ما سمي بعصر النهضة طرح السؤال عن
الهوية ومكوناتها، وكان هذا السؤال الاساس في
اشكالية النهضة
ولايزال. وكانت اجابة السيد الامين واضحة، وهي: ان
مكونات الهوية الاساسية هي: الاسلام واللغة
العربية الفصحى
والتحرروبناء مجتمع العدالة. والقضية الاساس، في
هذا
المجال، او في هذا كله هي بناء الذاتر الانا. يمكن
الافادة من
الاخر في هذاالبناء وتطويره لا احتذاؤه والتبعية
له. وفي هذا
السياق يمكن ان ندرج حركة السيد الامين الاحيائية
الاصلاحية
المفضية الى التجديد على مختلف المستويات.
ومن الضروري، اليوم، الافادة من هذه الرؤية في زمن
العولمة التي يمسك الغرب بزمامها. الاسلام واللغة العربية الفصحى
يعجب، في قصيدة، من قوم نابذوا الاسلام
والعربية والفصحى،
ويرى ان هذين العنصرين مكونان اساسيان من مكونات
الهوية،
فيقول: ان الحر هو من يحطم القيود، ثم يبين موقع كل
من
الاسلام واللغة العربية الفصحى ودوره في تكوين
الهوية:
قالوا بان الحر ليس مقيدا
عجب السيد، في هذه القصيدة، من اختيار الترك التخلي
عن هويتهم واتباعهم الغرب، وكان قد ناقش احدهم في
هذا
الامر،فقال التركي: نحن الاتراك ابتلينا بخازوقين:
خازوق
الامتيازات وخازوق الدين، فقال له السيد: «اما
خازوق
الامتيازات فنعم،واما خازوق الدين، فالذي ابتليتم
به هو
خازوق ترك الدين لاخازوق الدين، ولو مشيتم على ما
امركم
الله به من قوله: (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة) لما
وصلتم اليه»((193)).
المشكلة، اذا، على مستوى اول، ليست في اتباع الدين
وانمافي
تركه، وتركه يتمثل في امور كثيرة منها على
سبيل المثال:
- الرؤية الى الدين من منظور المصلحة الذاتية...،
فيلصق المرء به «كل شيء..»، ويحبه «حب الدرهمين...»، ما يقضي الى
ان يكون
في كل عصر يزيد والحسين، فيقول في هذا الصدد:
أبعد الله اناسا
-
التعصب، فكل طائفة تتعصب الى ما تعتقده الدين
الصحيح،ويقول في هذا المجال: «هذه حالة المسلمين في
تعصبهم الاعمى الذي ادى الى ضعفهم وصيرورتهم غرباء
في اوطانهم»((195)) ودعا الى الوحدة، والامثلة
على
ذلك كثيرة ومعروفة. فقال، على سبيل المثال، ليس
الشيعة
من الاقليات بل من المسلمين واستنكر قانون
الطوائف.
وعن تعيينه في منصب رئيس علماء الشيعة في لبنان
وسورية
قال: «ان هذا الامر لا اسير اليه بقدم ولا اخط فيه
بقلم ولا انطق
فيه بفم».
ايها السائل عنهم وعني
اعتقاد بعضهم بالخرافات، وقد قال في هذا الصدد:
قد خوفوا الناس من دهياء داهية
وقد شن حربا شعواء على الخرافات الشائعة، وعلى
العادات التي
عدت دينا عند بعضهم، فمنذ كان طالبا سخر من
تلك الخرافات، وقال: ان الطلاب كسروا اغصان الشجرة
القديمة، ولم يموتوا، و«بطل ما كانوا يظنون»((198)).
وحارب البدع فقال: «ان من اعظم المنكرات اتخاذ
البدعة سنة
والسنة بدعة والدعاية اليها وترويجها»((199)).
وفي سبيل ذلك رد، من نحو اول، على الوهابية((200))
وعلى
مهاجمي الشيعة مصوبا آراءهم، وعمل من نحو ثان
على اصلاح
اقامة مجالس التعزية في سعي معروف كثر الكلام
فيه وعليه.
ويمكن للباحث ان يلاحظ ترابط موقفه من
الاحياء - الاصلاح
الديني ومن الاحياء - الاصلاح اللغوي في انموذجين:
اولهما
عندما يقول:
-
«وهل قراءة الفاعل مخفوضا والمفعول مرفوعا تزيد في
فهم المعاني!؟».
وثانيهما عندما يقول: «هذا التهويل وتكثير الاسجاع
لا يفيدشيئا
ولو اضيف اليه اضعافه من قاطعات النحور
ومجففات البحور..
بل ان من فجائع الدهور وفظائع الامور
وقاصمات الظهور
وموغرات الصدور اتخاذ الطبول والزمور وشق الرؤوس
على
الوجه المشهور.... والمواكب الحسينية والاجتماعات
العزائية لا
تستحسن ولا تحل الا بتنزيهها عماحرمه الله تعالى
وعما يشين
ويعيب وينسب فاعله الى الجهل والهمجية...»((201)).
في هذين الانموذجين نلحظ الدعوة الى سلامة
اللغة وسهولتها
وتخليصها من الخطا والركاكة من نحو اول
والسجع والتكلف
البديعي من نحو ثان، انه يدعو الى لغة الحياة
اليومية السليمة
السهلة الواضحة، مقدما انموذجا، يفيد انه
يجيد السجع، لكنه لا
يفعل ذلك، وهو بهذا كانه يجيب عمليا ونظريا عن
السؤال الذي
كان مطروحا آنذاك: «ما هو مستقبل اللغة العربية»((202)).
هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية هو يريد ان ينزه
الدين
عماحرمه الله تعالى وعما يشين...، ومن نحو ثالث
يريد ان
يجددفيتساءل: «لماذا نحذو حذو الاقدمين هم رجال
ونحن رجال!؟»((203)). التحرر من الاستعمار
ويقتضي بناء الذات التحرر من الاستعمار، فان يكن
الاتراك قد
عانوا من الامتيازات الاجنبية، وقد اقر السيد
لمحاوره التركي
انها خازوق، فان المسلمين قد واجهوا بعد زوال
الدولة العثمانية
تحول هذه الامتيازات الى استعمار قنع باسماء
مثل الوصاية
والانتداب والسلام، وكان للسيد موقف من ذلك،وخطابه
للمفوض السامي عندما اراد ان يعينه رئيسا
للطائفة الشيعية
في لبنان وسوريا معروف، فقد قال له: «انني موظف عند
الله فلا
يمكن ان اكون موظفا عند المفوض السامي»((204))، وهو بهذا
انما يمثل الفقيه الحقيقي الذي وصفه رسول الله(ص)
عندما
قال: «الفقهاء امناء الرسل ما لم يدخلوافي الدنيا،
قيل: يا رسول
الله، وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتباع السلطان،
فاذا فعلوا ذلك
فاحذروهم على دينكم»((205)).
وانطلاقا من رؤيته هذه قال، في آونة مبكرة، ولعله
من
اوائل الذين افصحوا عن هذه الرؤية، فقال:
ان الحياة تنازع وخصام
يرى السيد ان سنة الحياة التنازع - الصراع وان القوة
هي
التي تحسم الامر، وان ليس من عدل في هذه الدنيا الا
اذا
كان الانسان قادرا على نفي الضيم عنه، وان لم يفعل
فهو
يضام،وهذه دعوة واضحة الى امتلاك القدرة ر القوة
والفعالية،
ثم يرى ان السلام الذي يعرضونه هو نوع من
الاستعباد،
وطالماكان الامر هكذا، فلننهض من النوم. وهكذا فقد
كشف
الزيف والتضليل، وبين ان ما يقدم شيء والحقيقة شيء آخر.
والنماذج التي تمثل هذا الموقف كثيرة منها، على
سبيل المثال، قوله في احدى خطبه:
-
«واني ارى اهم ما نتكلم به، في هذا الجمع المحتشد،
ما
فيه تشييد امر الجهاد والمحافظة على الوطن المحبوب
ونصرة الدولة باليد واللسان والنفس والمال».
ثم يستشهد بآيات من القرآن الكريم، وبالحديث
الشريف وباقوال للامام علي(ع) وبابيات من الشعر
العربي..
-
ويقول في غارات الشرك على بلاد المسلمين:
اني أرقت وهاجتني صبابات - ويدعو الى الوحدة:
يا اهل ايران لم طاشت حلومكم
ويوجه نداء لجمع تبرعات لفلسطين، فنشعر ونحن نقراه
بانه يوجه في هذه الايام، يقول:
«ايها العرب، ايها المسلمون، ان اخوانكم في فلسطين
قداقض
مضاجعهم ما هم فيه من محنة وبلاء، ففي كل ناحية
دم وقتل
وهدم وتدمير وخوف وذعر، فلا تضنوا عليهم ببذل
التافه الحقير، وقد بذلوا الجليل العظيم، فوالله
لا يستسيغ
الغمض من بات واخوه مفترش القتاد، ولا تطيب الحياة
لحر
يضام اهلوه وذووه». نظام العدالة
والتحرر يقتضي قيام نظام عادل، ويمكن ان نتبين
صفات الحاكم الذي يريده من خلال قراءة في بعض
قصائده المدحية، فهو يريد حاكما يامر بالمعروف
وينهى عن
المنكر،ويعم ظل عدله الارض بالخصب، ويعيد مجدا
وطدته السيوف وينصر الدين الحنيف، ويقتدي بالامام
علي بن
ابي طالب(ع)، ويسوس الامور بفكر ثاقب، وراي موفق،
ويبذل الندى، فيعم العدل والامن، ويصدق في القول
والفعل،
ومن شعره في هذا الصدد:
-
لست تبغي به سوى النهي عن نكـ
وعندما يضم جبل عامل الى لبنان الكبير، يلحظ طبيعة
هذا الضم، فيقول:
هنيئا لكم اهل «الجنوب» سعدتم
ليس من شك في ان رؤية السيد كانت نافذة الى جوهر
تلك العلاقة التي اريد لها ان تقوم بين جبل لبنان
والمناطق
التي الحقت به، فكل ما وعد به الجنوبيون كان ليس
مواعيد«عرقوب»، وذلك لان الاستقلال لم يكن
استقلالا
حقيقيا،وانما هو، في مفارقة ساطعة، استقلال عن
العدل،
اما«رجالاتنا» فيمثلون ثنائية مركبة: ثعالب عند
الفعال:
=
صناديد
عند المقال، واي مستقبل لوطن يكون رجالاته
هكذا..؟
انه سؤال مركزي في اشكالية نهوض الوطن طرحه السيد
الامين في آونة مبكرة..
ويدعو الى العدل فيقول:
لو انصف القاضي استراح الناس
ويبدو ان هذه القضية كانت تشغل السيد، فصورها في
شعرقصصي يجسدها حكاية ومثلا، ومن نماذج ذلك قوله:
-
قال ابن آوى للدجاجة: انني
ان هذا الحوار يمكن ان يوجه للناشئة فيدركوا حقيقة
ثنائية الظالم والمظلوم، وبهذا يتاكد لنا ان السيد
كان رائدا من
روادالادب الموجه للاطفال، وطبيعي ان يكون هكذا
فهو
المربي الفاعل والناجح. التعليم/ بناء الذات القدوة
القصيدة الاجمل
ان اجمل قصيدة انشاها السيد محسن الامين(رحمه الله)
هي تجسيده رؤيته عمليا، فكان سلوكه هو القصيدة
الفضلى،
وهوعلى هذا المستوى انما يعمل بقول رسول الله(ص): «العلم الذي لا يعمل به كالكنز الذي لا ينفق منه،
اتعب صاحبه
نفسه في جمعه، ولم يصل الى نفعه»((213)). اترى هناك - على
سبيل المثال فحسب - اجمل من عالم كبير مثله يفضل ان
يبني
بمال جمع له مدرسة على ان يبني منزلا له.
ان هدف السيد كان، وطالما ان الزمان هو هو لا يتغير،
بناءالانسان المثالر القدوة، وعمل على ان يبني
هذا الانسان. يقول السيد الامين:
كل عصر فرعون فيه وموسى
وفيه الاشعري وعمر...، وهابيل وقابيل ...،
الخليل... ونمرود...،
ابناء يعقوب ويوسف...
والزمان الزمان لم يتغير
الانسان هو الاساس:
عجبا، تراب الارض ينبت حنظلا
ومن هنا كان تركيزه على بناء هذا الانسان القادر
على
صنع التمدن الحقيقي، القائم على اسس اهمها الدين
ونور
العقل والبصيرة النافذة الى جواهر الامور
وحقائقها، ومما يقوله
في هذا الصدد:
... اذا كانت الفحشاء اضحت تمدنا رؤية نافذة الى جواهر الأمور
ان السيد كان يملك رؤية نافذة الى جواهر الامور
وحقائقها، ففرق كبير بين الفحشاء والتمدن، وبين
العلم وما
يظنه بعضهم علما وهو في الحقيقة جهل مركب، وبين
الغنى
الحقيقي ومايظنه بعضهم غنى، وهو في الحقيقة خنى...،
تصدر
هذه الرؤية عن وعي الدين، ومعرفة، واعمال للعقل
وبصيرة
نافذة، وبهذايملك ذلك النور الكاشف حقائق الامور،
ومنها على
سبيل المثال.
-
في الغنى:
وانا الغني بعفتي وقناعتي
-
في الحرية:
وما الحر الا من ابى ان تقوده
-
في العلم، والحياة : الموت:
ذو العلم، بعد الموت، حي والذي
-
المراة:
ان النساء رياحين جعلن لنا
-
الكتاب:
فليس «لمرآة العقول» بغيره
حارث حقول العقول
كان السيد كما يصف هو نفسه:
... بين الدفاتر والمحابر مجلسي
وكما يصفه عارفوه:
«حارثا حرث بصمت حقول العقول، ولم ياذن فيها
لطفيليات التقليد ان تخنق بذور التجديد»((218)).
اشكالية ادب الثورة المعاصر أ. محمد حسين عبد الرزاق مقدمة
كثيرا ما يشار الى صورة ساعة الحائط المعطوبة، التي
يذكر «كيركغارد»، في معرض سخريته من القرن التاسع
عشر،
ان بندولها ظل يقرع عاليا، ولكن عقربيها كانا
عاجزين عن
تحديد الوقت.
وهي صورة تبدو اليوم، بلا ريب، اشد انطباقا على
مفهوم الثورة
في الادب العربي المعاصر منها على الفكر
الاوروبي في القرن
الماضي.
ان الحديث عن الادب الثوري المعاصر، يذهب بنا،
بالتداعي،مباشرة الى استعمالاتنا للمجردات في
ثقافتنا
العربية المعاصرة.
فالمصطلحات، على غرار: «الثورة»،
و«الايديولوجيا»، و«الالتزام»،
اصبحت الفاظا تقرع عاليا كالساعة المعطوبة من دون
ان تشير
الى معنى مركز. بل ان المرء ليجد نفسه اقرب الى
التساؤل عما
اذا كانت هذه الالفاظ تشير الى اشياء تتمتع بوجود
واقعي، او ما
اذا كانت من المصطلحات المهجورة، فالحدود بين الوهم
وبين
الواقع قد تلاشت تحت وطاة ممارسة طقسية فردية او
جماعية،
وبالتالي فان الثورة قائمة من دون ان تقوم فعلا. بل
ان مجرد
وجود ذلك الشعور الجماعي، بان الواقع العربي ببناه
الفكرية،
والاجتماعية، والاقتصادية، قدتغير تغيرا جذريا،
يمكن ان يحل
محل الفعل الثوري نفسه.
وبالطبع فان «الانتلجنسيا»((219)) العربية التي
حاولت،
منذ أواخر القرن الماضي وحتى الان، الاستجابة
للتحديات الحضارية الاتية مع نزعة التحديث،
والاحباطات
السياسية المتمثلة في النجاح النسبي جدا للثورات
العربية
السياسية، والنكسات العسكرية المتعاقبة،
والمجابهة الدائمة مع
الكيان الغاصب. اضف الى ذلك خيبات الامل نتيجة
لاخفاق المشروع الاقتصادي العربي...، هذه الامور
جميعها لم
تنجح في تفسير المفارقة المتمثلة في غياب التغيير
الشامل
والثوري في المجتمعات العربية، في الوقت الذي يعلو
فيه الفكر
العربي بالكلام على الثورة بوصفها مشروعا ناجزا.
بل ان الميل الطفولي الى الاعتماد على العوامل
الموضوعية،واهمال العوامل الذاتية في المشروع
الثوري
العربي، قد جعل من الضروري تقري تاريخ الفكر
الثوري،
لتشخيص ظاهرة الثورة بدلا من استخدام النظريات
الثورية
القائمة في تحقيق ذلك.
وقد اختار المفكرون الاصلاحيون، منذ القرن الماضي،
التعبيرالادبي اسلوبا في التعليم والتلقين ونشر
الافكار. ومع
مطلع هذاالقرن، بدات الاجناس الادبية تبتعد
وتتمايز، فمنذ
الخمسينات ونحن نسمع دعوات نعي كثيرة للشعر،
فانصار
«الشعرالظرفي» قد اعتادوا على شعر المنابر
والمناسبات، فاذا ما
قل عدد المناسبات والمنابر تصايحوا:
- أين الشعر؟
أي انهم يقيسون الشعر بشروط المناسبة او الظرف،
وليس بشروط الشعر نفسه. ولو نظرنا الى خريطة الشعر
العربي،خلال نصف القرن المنصرم، لراينا الجثث
والمنابر
والزعيق، تملا المشهد الشعري.
شعراء المنابر كما اسلفت، استقالوا او احيلوا الى
التقاعد،
لان المناسبات ضاق نطاقها وتضاءلت وانتهى اجلها
وموسمها،
واذاما نصبت المنابر الان، بعد هذا الانحسار، تبدو
القضية
مفتعلة،لان الحدث السياسي والقومي اعمق جرحا من
الكلام الموزون المقفى، فالكلام الموزون والمقفى
لم تعد له
سوق بعد انتهاء الحرب الباردة. ان هناك محاولة قد
تكون
يائسة للوصول الى ينابيع الابداع من دون هذه
الضوضاء كلها. ولكن، كيف؟ واين؟ ومتى؟
لقد خلط النقاد والقراء، منذ البداية، بين «شعراء
الموقف»و«شعراء المناسبات»، ولهذا فان الشعر
العربي خلال
النصف الثاني من القرن العشرين لم تكن له معالم
تميزه،
وعندما انتهى «كرنفال» شعر المناسبات وشعر
اللاموقف، بدت
الحقيقة عارية، وهي ان الشعر نادر والشعراء عزاز.
وللتاكد من هذا الامر ما علينا الا مراجعة مئات
الدواوين
لشعراءمكرسين، لكننا لا نجد فيها الا انشاء اليما،
وكلمات
متقاطعة، تخرج عن طبيعة الشعر، فليس شعر المناسبات
هو
الشرالوحيد الذي ابتلي به الشعر العربي المعاصر،
بل هناك
شعر الانشاء واللاموقف ايضا، وهذا هو ما يسود اليوم.
فقد اخذ مفهوم الثورة في الادب ينحو منحى لا يقتصر
على اعتبار الثورة مضمونا من مضامين الادب، وانما
هو جزء
داخل البنى المكونة للادب نفسه، وهكذا اصبح
التساؤل عن
الثورة في الشعر مقرونا بتساؤل آخر عن ثورة الشعر
نفسه.
الا ان المشروع الثوري في تجلياته اللغوية، بما
تشتمل عليه من
فكر وادب، وباعتبارها ادوات تحليل وسبر للبنى
المكونة للطبيعة والانسان، ظل مجهضا وعاجزا عن
اثبات ان ما
حدث في المجتمع العربي من تقدم نسبي، انما هو حصيلة
لجهدثوري مسلح بالوعي اكثر منه حصيلة لتطور موضوعي
قائم على الغريزة واللاوعي. عوامل التغيير على صعيد الادب
اذا كانت الثورة محاولة جذرية لتغيير الواقع،
بمختلف مستوياته، كما يردد الفكر العربي المدرسي،
فان
عوامل التغيير على صعيد الادب بمعناه الشامل،
تتجلى في
انماط متعددة للتحول، يمكن ان نذكر منها:
هذه الاشكال الخاصة بالتحول هي اشكال للادب
نفسه،وبالتالي
فان لها قدراتها التي تمارسها من اجل تغيير الواقع.
«المتنبي» يتصرف وكان القول الشعري ملزم الزام
الفعل الثوري:
الخيل والليل والبيداء تعرفني
«شيلي» يدعي ان الشعراء هم مشرعو البشرية غير
المعترف بهم.
«البياتي» يقول:
«الجواهري» يعتقد ان الدماء تتكلم:
اتعلم ام انت لا تعلم
و«أدونيس» يؤكد انه لكي يكون الشاعر العربي
ثوريا، يجب عليه
ان يخلق باللغة، في ميدان الثقافة، معادلا لما
يخلقه
الثائر بالعمل في ميدان الحرب.
غير ان العامل الاكثر تاثيرا على مفهوم الثورة
المفترضة
في الادب العربي المعاصر او مفاهيمها بالمعنى
الشامل
لكلمة ادب، ليس القسرية، ولا تجاوزات المالوف،
وانما الايديولوجيا حسب المفهوم الذي حدده في
الخمسينات والستينات، السوسيولوجيون من امثال:
(ريمون
آرون، وادواردشيلز، ودانييل بل) عندما اطلقوا على
الايديولوجيا تعريفهم القائل بانها: «الدين
العلماني». |
|---|