الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

وينحدر ذلك من استعمال كلمة «الايديولوجيا» لاول مرة في القرن التاسع عشر - في اواخره - اذ كان الدافع وراء ذلك، ان المفكرين التقدميين كانوا يعتقدون، على اثر الثورة الفرنسية عام 1789م، بامكانية تطبيق المنهجيات العلمية على العلوم الاجتماعية والانسانية، غير ان انحراف الثورة الفرنسية عن اهدافها الحقيقية، دفعت «نابليون بونابرت» والعناصر الملتفة حوله الى القيام بحملة مضادة للايديولوجيا بوصفها منهجا فكريا وعلميا.

وفي القرن التاسع عشر، استعمل «هيغل» كلمة «الايديولوجيا» منتقصا من قيمتها، ومستخفا بمن تمسك بها،لان هيغل كان يؤكد على تاثير الحتميات، ويرى ان الافراديقومون بادوار رسمتها لهم قوى لا يدركون كنهها، وان معنى التاريخ يتجاوز مداركهم، وليس غير الفيلسوف وحده الذي يستطيع ان يفهم الاشياء كما هي في الواقع.

وتلفيقا من هذا، والعلمانية التي ظهرت ردة فعل على هيمنة الكنيسة الكاثوليكية في روما في القرن الثامن عشر، واستفحال المؤسسات الدينية على الامور العامة، استخرج السوسيولوجيون تعريف «الدين العلماني» لاطلاقه على الايديولوجيا المعاصرة.

ويمكن اضافة «اللفظي» على هذا التعريف، فتصبح الايديولوجيا العربية المعاصرة في لبوسها الثوري: «الدين العلماني اللفظي».

وبهذا الاعتبار، يمكن ايضا تقري النزعات التي تميز تجربة الثورة في الادب العربي الحديث، في المفاهيم التي يمكن بوساطتها صياغة صورة عقلية للعوامل الحاسمة التي اسهمت في تكوينها، ومن هذه المفاهيم:

1 - مفهوم البديل
طرحت المراحل المختلفة في الادب العربي الحديث نفسهاعلى انها تمثل نقطة البدء التي تدشن بداية جديدة، فجائية،تجب ما قبلها جبا. وبالتالي فان كل مرحلة ثورية هي بالضرورة طرح لبديل ثوري. وهذا الطرح يشكل في سياقه التعبيري فصما للوشيجة التي تصل بين مختلف حلقات التاريخ الثقافي العربي. وهكذا اصبح للبديل قيمة تعبيرية متميزة في حد
ذاتها.

فالشعر الحديث بديل ثوري للشعر القديم. وعلى ذلك، فان القصيدة الحديثة اصبحت تعامل كانها انموذج مكتمل للشعرالحديث، متميز على قصيدة تقليدية اخرى، ينظر اليها بدورهاعلى انها انموذج مكتمل للشعر التقليدي حتى في المجالات التي لا يتحقق فيها مثل هذا التمايز في الاداء الفني، فقد تكون القصيدة التقليدية في بعض الاحيان اكثر ابداعا من قصيدة حديثة، ويتجاهل ذلك على حساب الحداثة.

فقد عاصر مرحلة التجديد الشعري عملاق الشعر التقليدي،وشاعر العرب الاكبر «محمد مهدي الجواهري»، الذي كان بحق نابغة الشعر ومتنبي هذا العصر، واعتقد بان لا احد يقدم عليه. فقد كان اشعر معاصريه، لكن ابداعيته هذه كانت شبه متجاهلة من قبل ارباب الشعر الحديث.

2 - المغالطة التاريخية
تتجلى المغالطة التاريخية (
Anachronism) في الخلط الذي ساد الفكر الادبي والنقدي، بين القيمة التاريخية والقيمة الفنية للمحصول الادبي، وبالتالي معاملة القيمة التاريخية على انها قيمة فنية، كما حدث في مثال القصيدة التي تمثل القصيدة الاولى في الشعر العربي الحديث: هل هي «كوليرا» نازك الملائكة حقا او انها قصيدة لشاعر عربي مجهول سبقها، ينقب عنها تنقيبا ناقد مجتهد في اكداس صحف ومجلات قديمة؟

ان احدا لم يجشم نفسه عناء القول بتهافت قصيدة «الكوليرا»،وبالتالي التاكيد ان قيمتها الوحيدة تاريخية، بمعنى انها جاءت مبكرة في السياق، ولكنها لا يمكن ان تكون جيدة بالمقياس النقدي، لمجرد كونها بداية. كما لا يمكن ان تكون قصيدة اخرى رديئة المستوى، لمجرد انها لا تدشن بداية من نوع آخر.

3 - مفهوم الاستبدال والمثاقفة
علاقة المثاقفة (
Acculturation) أو التبادل الثقافي الوحيد الاتجاه بين الادب العربي الحديث والاداب الاوروبية والامريكية، دشنت سلسلة من الانظمة الفكرية المستوردة،والتي ينظر اليها على انها تشكل الاساس الضابط للثورة الثقافية المنشودة.

ولكنها لم تلبث ان استبدلت - بالمنطلق الجزافي نفسه - بانظمة فكرية اخر، كالطفل الذي يشرع في تحطيم لعبته القديمة عندما يلمح اللعبة الجديدة.

وعلى الرغم من ان هذه التجربة لا تومى الى تمثل حقيقي للفكر، فان احباطات الواقع العربي كانت تتحول بفعل المدالثوري الى الافكار التي لم تكن لها علاقة بهذه الاحباطات اصلا.

بل ان «الانتلجنسيا» العربية كانت تنظر الى تجارب الواقع بقدر من التعالي والغرور، سمح لها بان تتوهم ان هذه التجارب ان هي الا التطبيق العملي للفكر الذي تقوم بتداوله.

وبتاثير من نزعة الاستبدال هذه، كانت الثورات تستبدل بثورات اخر، والشعارات بشعارات اخر، والرموز القديمة تسقط لتحل محلها رموز جديدة. وكان هذا يومى بطبيعة الحال الى الاسس التي شيدت عليها هذه الثورات، من حيث انها اسماء لمسميات: تستبدل الاسماء وتبقى المسميات.

الادب الثوري وسيلة لا غاية

يرى بعضهم، في معرض تشخيصه لسيطرة النزعة اللفظية على الثقافة العربية، ان (اللفظة = القوة) حلت محل (الفكرة = القوة).

وفي حين ان (الفكرة = القوة) قادرة على تغيير الزاوية الاساسية لعلاقة المجتمع بذاته، وبالطبيعة من حوله، فان (اللفظة = القوة) تكرس عزلة المجتمع عن الاشياء.

هذه النزعة اللفظية الشعارية التي تحيل مشروع الثورة الى الفاظ، وتتميز بالتمرئي المتعدد الوجود، سرعان ما تقضي بوساطة الاسم الذي يتغير مع كل تجربة ثورية، على المسمى.ذلك ان المسمى نفسه يغدو متعدد الاسماء، والدلالات، بحيث يفقد معناه الاصيل.

فالرمز، في هذه اللعبة، هو المحور الاساسي، وليس المرموزاليه. والرموز على ذلك هي مجرد ايقاعات وليست ادوات للكشف والسبر والتوليد.

وتكرس النزعة اللفظية في الثورة، وسائل الثورة في ذاتهاولذاتها، وبعبارة اخرى فانها لا تميز بين وسائل الثورة وغاياتها،لتصبح الوسيلة هي الغاية نفسها. بل ان الوسيلة تغدو طقسامقصودا اداؤه لذاته بمعزل عن الهدف الذي يراد تحقيقه.

وقد كان لاجهزة الاتصال السمعية، والبصرية المتقدمة، دورها في تكريس الوسيلة شعارا وشعائر، على حساب الهدف انجازا وتحقيقا. ذلك ان المهم في المجتمعات العربية المتخلفة، ان يرصد الفكر في الحساب الاخير، خبرا، وحركة تدل على وجود الثورة من خلال وجود وسائلها الشعارية والشعائرية، لا ان يقيمها عن طريق دراسة وسائلها، وغاياتهافي الوقت نفسه.

وهكذا تتجلى النزعة الطقسية في الاحتفاء شعاريا، وشعائريابممارسة الوسائل، من دون ان تؤدي هذه الوسائل الى الغايات التي وجدت من اجلها.

فثمة مغالطة لتكريس الادب الثوري غاية، ليبقى حبرا على ورق، من دون الاخذ به، وتتبعه بوصفه وسيلة للوصول للهدف الحقيقي.

التلقين والتقليد

تدل سيطرة النزعة التلقينية، في الفكر العربي المعاصر، على ان قيم الثورة خارجية اكثر مما هي داخلية، وانها ملقنة اكثر مماهي نابعة وصادرة من الصميم ومستقلة.

وقد تجلت هذه النزعة في مثال الادب العربي التقليدي، في حقيقة مفادها: ان النص الابداعي كثيرا ما كان يتشكل بفعل عوامل بنيوية ثلاثة:

أ - النص الذي سبق النص الابداعي المكتوب، من حيث موقعه الزماني من السياق التاريخي للادب العربي.

ب - القيم النقدية السائدة والمعاصرة للكاتب العربي.

ج - القارى او المتلقي (المخاطب).

وبعبارة أخرى، فان النص التقليدي لم يكن يكتب، وانمايتناسل تناسلا متواليا، مؤسسا على التلقين الحرفي.

فكانه ايديولوجيا تنتج نفسها باستمرار. فالنص القديم يلقن الكاتب العربي نصه الابداعي الجديد زمانيا والقديم ابداعيا، والقيم النقدية المعاصرة والمسلحة بذوق المتلقي، تؤدلج العملية وتمنحها مشروعية تقسم الادب الى ادب حقيقي، وآخر زائف.

فالحقيقي: هو المطابق لانموذج سابق «تقليدي».

والزائف: هو ما لم يوافق اءسس وضوابط سابقة له. وهذا بمثابة اغلاق باب الابداع، والبقاء على التقليد وحسب.

ثم ان النزعة التلقينية التي كانت تصوغ لغتها بافكار او مفاهيم تملي على الكاتب العربي التقليدي منوالية ادائية ورئيوية، لم تلبث ان استحالت في انموذج الكاتب العربي الثوري اوالحداثوي الى نزعة، تلقن مثالها تلقينا شعاريا، يضطر بفعله الى تطويع افكاره وفق ابجديتها الشعارية. فيخضع فكر الاديب لكلماته بدلا من ان تطوع كلماته لفكره الثوري.

الادب الثوري والايديولوجيا السياسية

لم يميز الفكر العربي الحديث في نزوعه الثوري بين مفهوم الثورة ومفهوم السلطة. بل ان طروحات الالتزام السياسي كماظهر في ادبيات النقد العربي، كانت تقوم على اساس تحقيق حالة مستمرة من التلبس بين الثورة والسلطة.

واحدى نتائج حالة التلبس هذه، حدوث حالة مشابهة من المطابقة بين الناقد الادبي والرقيب السياسي، وهكذا اصبح النقد الادبي يغلب عليه الطابع السياسي، او سيطرة السلطة السياسية عليه.

وعلى الرغم من الحاح النقد الادبي، باسم الثورة احيانا، على قيم الانضواء تحت شعارات السلطة، او وقوفه موقف المدافع عن مختلف مواقع الايديولوجيا، الا ان هذه الحساسية المتنامية بدات تفرض نفسها بقوة.

اذن فهذه المفاهيم المتقدمة، هي التي تتحكم بتجربة العلاقة بين الادب والثورة. في مثال الادب العربي المعاصر، تحيل المسالة الى علاقة اخرى تكمن في قاعها البنيوي، هي علاقة الفن بالايديولوجيا السياسية بوجه خاص، والتبعية لم آربها في اكثر الاحيان.

طبعا هذا لا يعني ان لا يكون الادب الثوري المستقل ايديولوجيا، تخلصا من السياسة. ولا يصح الحكم على الادب بالتقدمية والرجعية. فـ«غوته» مثلا كان يكره الثورة، لكنه كتب «فاوست»((222)).

الادب الثوري ومناهضته للايديولوجيا السياسية

باعتبار ان الايديولوجيا العربية المعاصرة تحاول دائما، وباسم «الثورة - السلطة»، تسويغ السلوك السائد - من مصادرة حريات وغيرها.. في المجتمع، والسيطرة عليه، فان الاديب بطبيعته سيكون مناهضا لهذه الايديولوجيا، فهو يرى واجبه في ان يصور العالم كما يراه بعينه هو، لا كما يراه الاخرون.

فالكتابة عن السعادة اصبحت شيئا مستحيلا، بل ان فكرة العدالة الشاعرية او النهايات السعيدة في القصص والروايات،اصبحت تقيم الان على اساس انها مبالغ فيها، لتسكين العواطف، بينما اصبحت النهايات المفتوحة او «التراجيدية» اقرب من غيرها للواقع الملموس، وهذا يتعارض بالضرورة مع التفاؤل التقليدي الذي تتبناه الايديولوجيا السياسية المعاصرة في العالم العربي.

مخاوف الاديب المعاصر من المفردات الثورية

يظهر مما تقدم خطورة الدخول في السلك الثوري تفادياللمخاطر والعواقب التي يتضمنها، ويمكن القول: ان ابسط سلبيات ذلك التكريس الذي اصاب القلة الثورية المستقلة من تعتيم، وخنق اصوات. وتاريخنا المعاصر حافل بالشعراءوالاءدباء ممن لاقوا اشد انواع التعذيب، والتهجير، والسجن.

اما ظاهرة الغربة والهجرة الاجبارية، فصارت من الامورالمالوفة لدى الشعراء العرب. فماذا يعني اقامة جمع ليس بالقليل من الادباء في دول الغرب كلندن واسبانيا وحتى امريكا؟ وماذا يعني منع طبع ديوان شاعر كرس عمره وشعره لمحنة فلسطين، ولا يطبع الا في لندن؟ فهذا ان دل على شيء، فانه يدل على ان الادب ضد كل ما هو منغلق ومتغطرس.

والحقيقة ان هذه المحاربة والمضايقة للادب، نسيت انها تفقدهذه الامة تراثا، وثروة قومية، ووطنية، تحلم بها امم اخرعاشت الديمقراطية والثقافة الحرة معتزة بمفاخرها وثوراتها.

اما في العالم العربي، فان الكاتب الذي لا يحمل ايديولوجيا موجهة، يتحمل مسؤولية شخصية تهدد حياته ومستقبله الابداعي.

فالكلمة تهرب من وطني..

لتموت حنينا كالطير بلا اغصان.

قراءات

السجال في قضايا المراة:
غياب لتفكيك دوافع الجدل المادية
قراءة في كتاب: «تجديد التفكير الديني في مسالة المراة» لزكي الميلاد.

سرمد الطائى

قضية المراة في مجتمعاتنا الاسلامية

تسير ازمة الانسان وفاقا لخطوط بيانية متعرجة من مجال الى آخر، بنحو قد يسلبنا احيانا مسوغ القول: ان التراجع الحضاري يعني تراجعا في كل شيء، لكن ذلك لا يعني اننا لا نمتلك في الوقت نفسه تسويغا للزعم بان تراجع الحضارة يعني بالضرورة تراجعا في عموم الملامح الحضارية. ورغم مستوى التعقيد في مشكلة الانسان، لدى مجتمعاتنا الاسلامية، غير ان مشكلة المراة او قضيتها تنفرد بقسط اوفر من التعقيد، لا سيماحين نجد ان «جنس الانسان يدخل عنصرا في التساؤل ويدل على اننا نواجه ازمة تاريخية كبرى ومزمنة، اي ان المراة لديهامشاكل عامة تتقاسمها مع الرجل، كامراة عاملة او استاذة جامعية او مديرة، او كعضو في المجتمع، ولكن لديها في الوقت نفسه مشاكلها الخاصة الناشئة عن كونها امراة»((223)).

وانما تجرات على الاقتراب من المستوى الحضاري والتاريخي للموضوع لاننا نواجه ازمة تربوية بالدرجة الاولى، ولي ان ازعم بان الازمة النظرية ما هي سوى تجليات متباينة للمضمون (الاءناسي) المعقد. فالجانب الانثروبولوجي التربوي، في موضوعنا، هو نقطة لا بد من اخذها بالحسبان رغم ما يتعرض له من تجاهل شديد في الاعمال التي تناولت قضية المراة، ولعلنا هنا بحاجة الى جهودشبيهة بالافكار التي طرحها بعض علماء الاجتماع في تفسيره للمفارقة القائمة بين المظهر السطحي للتحديث والجوهر البدائي لتجارب الحداثة في العالم الثالث((224)). وقدوجدت هذه الحقيقة صداها لدى فقيه عبر عنها بطريقته الخاصة، وهو يتحدث عن ازمة المراة في الوسط الديني:«هنالك فجوة واسعة بين النظرية والتطبيق. يوجد اشخاص يحملون افكارا ممتازة، لكن سلوكهم يتسم بالتخلف الشديد،وحين توجد هذه الهوة الكبيرة، فاننا سنواجه مشاكل معقدة» ((225)). وحين يتسم حملة الافكار الممتازة بسلوك متخلف احيانا، فماذا في شان اولئك الذين يمرون بازمات فكرية؟ ان دراسة عوامل تشكيل المظاهر السلوكية تضع بين ايدينا العديد من العوامل التي تتدخل في تكوين الافكار، وهو ما نتطلع في شانه الى تعزيز جهود تحاول بلورته وتاسيسه منهجا في الفكر الاسلامي المعاصر((226)).

من مزايا كتاب «تجديد التفكير الديني...»

يتمسك الكاتب الاسلامي زكي الميلاد في كتابه «تجديد التفكير الديني في مسالة المراة»، الصادر مؤخرا عن المركز الثقافي العربي، بطريقته في تناول الموضوعات، اذ تتميز سائراعماله بالتبويب المتقن وجودة اساليب العرض، كما تشي بحجم الجهد الذي يبذله في رصد المشهد الثقافي ومتابعة الجديد فيه الى درجة لا تغيب عنه تفاصيل تبدو ثانوية لايلتفت المرء اليها في العادة. وهذا ما يكسب ابحاثه دائرة واسعة وافقا رحيبا يتيح له التنفس بطلاقة بقدر ما يزيد من تعقيد مهمته وتشعب خياراته.

الاعمال التي تناولت موضوع المراة ومنظورها السجالي

يسجل زكي الميلاد على الاعمال التي تناولت موضوع المراة انها خضعت تاريخيا لمنظور سجالي وطابع جدلي، فهي سجال مع الواقع او مع الافكار ترك تبعات سيئة على المعالجات، وتسبب في قطيعة معرفية بين اطراف السجال(ص 5). ان المؤلف يركز على هذه الملاحظة، ويصر على ذكرها مرات كثيرة، وفي مسافات متقاربة للغاية، كما انه يجعل الموضوع هذا بمثابة المدخل المنهجي او النظري لكتابه،حيث يطرقه في الفقرات الاولى من الكتاب مانحا اياه عنوان:«قضايا المراة... سجالات ومعارك»، الامر الذي يدفعنا الى التوقف عند هذه النقطة دخولا في البحث لا اكثر.

رغم اهمية ما ذكره المؤلف وخطورة تبعات الطابع السجالي التي يحذر منها، الى جانب بداهة الانحياز الى الموضوعية والدعوة اليها، فاننا نجد ان الموضوعية نفسها تدعونا الى التذكير بان الطابع السجالي يهيمن على رهاناتنا الفكرية جميعها، ولا يمثل علامة فارقة في موضوع المراة كما يبدو من طريقة حديث الميلاد عنها، رغم وجود علامات فارقة اساسافي هذا الموضوع بعينه. اكاد اتفق مع المؤلف عند هذه النقطة في ما يقوله بالكامل حتى انني قلت مرة في اطار الحديث عن محاولة سابقة لرصد ملامح من التحول الذي يشهده الفكرالاسلامي المعاصر: ان جزءا من صعوبة المهمة (عملية رصد التحولات) يعود الى ندرة النماذج التي يتجلى فيها التحول، وهذا ما تفرزه ظروف الانتاج الفكري لدينا والتي تحرض على انتاج الجدل (بمعناه المرادف لفن الطوبيقا في المنطق) وتسعى الى تغييب البرهان ((227)) محاولة اكتشافية، الامرالذي ادى الى تضخم في عدد المكتوب ونقص في ادائه، اذان الجدل يرافقه الاطناب فهو يتطلب الاقناع ولا يتوقف الاحين يحقق هدفه ويتفوق على الخصم، اما البرهان فلا يتوخى سوى عرض دليل معين او تقديم تفسير محدد واضح. وتزخراجواؤنا بمسوغات الجدل، حيث ان المشتغل في حقل الفكرلدينا هو بمثابة من يتحرك في ساحة معركة تتقاطع فيهاالارادات وتتوزع في ضوئها جغرافيا القوة والهيمنة، فهو في الغالب لا يفكر في حلقة نقاشية... انه لا يجلس على طاولة حوار مستديرة((228)).

لكنني اطرح هنا عدة تساؤلات، فهل تنحصر هذه «العاهة» في موضوع المراة؟ ماذا يسعنا القول في ما يتصل بقضايا حقوق الانسان والفكر السياسي واشكاليات الحداثة والمعاصرة والمنهج في التعامل مع الدين والموروث الديني ومفهوم المشروعية والتعددية وغير ذلك من القضايا والمقولات التي تنتمي الى مختلف حقول المعرفة (ولنا ان نتولى تعميم ذلك الى مختلف قضايا الرجل او قضايا الانسان بعامة؟).

هل تمتعت المطارحات، في المجالات تلك، بطابع برهاني كاف منحها درجات عالية او معقولة من الموضوعية، وابعدهاعن روح السجال المندفعة؟

ثم هل نستطيع فصل الجدل في موضوع المراة عن ظروفه التاريخية والزعم بان المرحلة تلك كانت توفر فرصة للطرح الموضوعي (البرهاني)((229)) وتفادي السجال والجدل (بمعناه المرادف لفن الطوبيقا في المنطق)؟ او في وسعنا ان نقف صامتين حيال ظروف السجال بلا ممارسة ادنى قدر من التحليل او المقاربة لفرز عناصرها وبالتالي تحديد معطياتها؟

كيف نفهم الفكر في ضوء المفاهيم الرئيسية التي طرحهاالفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو وغيره من البنيويين عن مفاهيم المعرفة والسلطة واللغة وما يجمع بينهما من علاقة لاتكاد تنفك، بوصفها راهنا علميا في تفسير المسار الفكري؟

هلا اشار الباحث الى دور الايديولوجيا في ذلك، وندرك جميعا كيف شاعت وتشيع لدينا الاتجاهات الايديولوجية، وفي مختلف تياراتنا، وادت عن قصد الى تشويه المعرفة وتقديمها قربانا على المذبح الايديولوجي؟

ألا تبرز هنا اشكالية المثقف بوصفه منتجا للمعرفة او منشئا للحقيقة، وطبيعة دوره والمنطلقات التي يتحرك منها في بنائه للمعرفة (على تقدير ان المثقف العربي او المسلم يمارس دورا كهذا)؟ اذ يحسن بنا، ونحن نتحدث عن الطابع السجالي في الثقافة العربية، ان نتساءل: هل يمثل المثقف مشروعا تغييريا نضاليا في المجتمع يجعله حاملا للواء الايديولوجيا متغنيا بالرومانسية النضالية، او ان على المثقف ان يتخلى عن نزعته الرسولية((230)) ويشتغل بانتاج المعرفة وحسب كي لا يدمج الايديولوجيا بالمعرفة ولا يشوهها بالانحياز الايديولوجي؟

واخيرا، الا نحتاج هنا الى التوقف عن استخدام مفهوم المعرفة التقليدي، ونبادر بشجاعة الى فهم الفكر في اطار جذوره المادية وتقبل كونه حالة تاريخية تحمل معها عناصر الواقع بسموها وانحطاطها معا؟

احسب اننا لا نمتلك الحق حاليا في الشجب المجرد للطابع السجالي الذي يقترن بالسكوت عن عوامل السجال والاحجام عن تفسيره وقراءته، بل لا بد من التعامل بواقعية مع الظرف التاريخي القسري ودراسة دوافع السجال ومحاولة تفهمها بموضوعية (لو امكن لنا نيل المنهج الموضوعي في ظرفنا الراهن). وذلك من خلال تفكيك تلك الدوافع وامتلاك الجراة للادلاء بنتائج قراءتنا لها، كي نكون بذلك قد وضعناالخطوة المتواضعة الاولى على طريق الحياد العلمي وتحقيق التواصل بمستوياته المعرفية والايديولوجية والسياسية ايضا،وربما امكن لنا، في ظل ذلك، ارساء تقاليد للحوار من شانهاان تخفف من وتيرة السجال وتسمح بالاعلان عن الدوافع واخضاعها للدرس والنقاش بدلا من اخفائها (او اختفائها هي في نطاق اللامفكر فيه) تحت لافتات فكرية او سجالية تكرس القطيعة (على حد تعبير المؤلف) وتدق اسفينا بين مجالات معرفية من المفترض ان نستثمر معطيات التفاعل بينها. وهذا مالم يقم به باحثنا (وان اقترب منه بمستوى محدود جدا وخطوات حذرة للغاية كما سياتي)، مع انه المساحة غير المكتشفة من الموضوع، اي انه اصر على كشف حقيقة مكشوفة يالفها عامة المعنيين بالهم الفكري، بينما تفادى الاقتراب من مهمة عاجلة نحن بامس الحاجة اليها. لكننا نلتمس له العذر في ذلك لما ينطوي عليه الامر من مخاطرة ليس في وسعنا دفعه نحوها، وربما كنا نحن ايضا غير مستعدين شخصيا للتورط فيها!

قاسم امين وكتاباته عن المراة

يخصص الكاتب، في بحثه، مساحة للحديث عن قاسم امين،بوصفه ابرز الرواد في تناول موضوع المراة من خلال كتابيه «تحرير المراة»، و«المراة الجديدة»، ويخلص بعد عرض المعطيات السائدة التي درجت على ذكرها سائر المحاولات المشابهة، في ما يتصل بامين، الى تسجيل عدة ملاحظات على كتابات الرجل والاعمال التي جاءت في سياقه، ونجد من الضروري التوقف عند بعضها((231)).

يسجل المؤلف ملاحظة على المنهج، فيقول: «انطلقت تلك الخطابات او اغلبها من مرجعية الثقافة الاوروبية، واتخذت من المراة الاوروبية انموذجا لها، ومن التقدم الذي شهدته اوروبا قانونا في التغيير الاجتماعي والتمدن الحضاري، فهذا هو المنهج الذي اتبعه قاسم امين في كتابه (تحرير المراة)، اذ ينطلق من المفهوم الدارويني للتطور كقانون علمي، ليس في نطاق الظواهر الطبيعية وحسب، بل يطبقه على الظواهر الانسانية». (ص 22 وما بعدها). كما يورد المؤلف تقييمات عدد من الباحثين التي تشجب منهج قاسم امين هذا او تتاسف له. ان نصوص الميلاد تشي بانه يعترض على اتخاذ التجربة الاوروبية والفكر الاوروبي مرجعية في التحليل التاريخي والقيمي، غير ان معرفتي بتوجهاته وبما طرحه في عدد من بحوثه تجعلني اتردد في مماشاة هذه الدلالة او ذلك الايحاء((232)). وربما كان يرفض هنا اتخاذ الغرب مرجعية مطلقة، ويطالب بموقف نقدي يمارس التقويم بقدر ما يتولى الاقتباس والتوظيف للمعطى الغربي، وهو امر جدير بالملاحظة حينئذ، اذ يمثل دعوة الى العقلانية في الموقف حيال الاخر بعيدا عن لغة العداء والهجاء من جهة وتجنبا لمنطق الاتباع الاعمى المهووس من جهة اخرى. لكن تسجيل ملاحظة كهذه على قاسم امين ينبغي الا تكون بهذا القدر من التبسيط لاشكالية من هذا الطراز تحمل طابعا ابستمولوجيا معرفيا بالدرجة الاولى. وعلى اي حال، فان ازمة التعامل مع المناهج الانسانية الحديثة اكثر تعقيدا بكثير مماتوحي به نصوص الكتاب هنا.

تتصل الملاحظة الاخرى التي يسجلها الكاتب على قاسم امين بالاسلوب، فقد «برهنت التجربيات والاختبارات على ان قضايا المراة بحاجة الى معالجات هادئة وتدريجية وانمائية. بخلاف ما كانت عليه تلك الكتابات التي اتصفت بالانفعالية والسجالية والاندفاع. ولقد مثل قاسم امين انموذجا واضحا على ذلك، فقد تسارعت انتقالاته الفكرية حول قضايا المراة حسب الوضعيات والمناخات التي اصطدم بها» (ص 26). يقصد المؤلف التباين الجذري بين اعمال قاسم امين من كتابه:«المصريون» ثم «تحرير المراة» الى المنعطف الشديد الذي تجلى في كتابه: «المراة الجديدة»، حيث دافع عن الانموذج الغربي للمراة((233)).

لا شك في اننا نطالب بتفكير هادى تستند تحولاته الى مراحل منطقية مسوغة علميا، ولكن الا يبدو اتهام قاسم امين بخرق ضوابط التحول تلك خطوة لا بد من ان تتاخر كي تتقدم عليها محاولة لتقييم طبيعة ما طرا على امين من تغير اقتناعاته؟ اعني بذلك ان تسجيل ملاحظة كهذه لا يشكل امرامهما بقدر ما تكمن الاهمية العلمية في قراءة «الزحزحة» التي حصلت في اشكالية المراة لدى قاسم امين، وتقديم تفسيرلذلك يلاحظ مختلف العوامل في الموضوع، بما يشبه عملية التفكيك للجذور المادية التي اشرت اليها في ملاحظة آنفة،الامر الذي لا يمكن ان يقتصر على الدوافع الشكلية للموضوع، كما نجد في عدد من التفسيرات التي ينقلها المؤلف او ينص عليها، بل يتطلب قراءة جادة لنصوصه نفسها تحاول الاقتراب من المسكوت عنه فيها، وبمستوى يناسب وضع كتاب مستقل في موضوع المراة.

ثم ان الدعوة الى مرحلية تدريجية هادئة انمائية انما يصح توجيهها الى الفعل التربوي، طبقا لضوابط علم اجتماع التربية مثلا. ولكن هل نسوغ منهجيا توجيه دعوة كهذه الى الممارسة الفكرية؟ هل يمكن ان تخضع عملية الانتاج العلمي الى ضوابط علم اجتماع التربية وغيره، او تناط بموازنات اجتماعية وسياسية كما هي الحال السائدة لدينا، او ان على المفكر ان ينطلق في افق لا يحده سوى ضوابط منهجه العلمي؟ ان ذلك يتطلب تحديدا دقيقا لمهمات الفكر، لا ادري ان كانت فلسفة العلم كافية في بلورته ام لا!

اتجاهات الكتابة عن المراة

يضع المؤلف يده محقا على اشكالية منهجية تنطوي عليهامواقف الباحثين من المراة، ويقول: «الملاحظ ان الادبيات الاسلامية ربطت كرامة المراة بالعفة والطهارة بعيدا عن الحقوق، بينما ربطت الادبيات المغايرة كرامة المراة بحقوقها بعيدا عن العفة والطهارة». كما انه يستعرض نماذج يجد انها تؤكد ان الفكر الاسلامي يعطي اولويته لعفة المراة وصيانتها وطهارتها، وكل ما يجنبها الفتنة والشبهات والانحرافات، وهي القاعدة الاساسية التي تتقدم على جميع الاولويات الاخرى،مهما كان نوعها ونفعها وقيمتها (ص 53)، حتى لو كان ذلك على حساب تعليمها مثلا (ص 61).

لا شك في دقة هذه الملاحظة وجوهريتها، لكن تنبغي ملاحظة ما يكتنف مفاهيم العفة والطهارة من تفاوت وتباين شديدين ثقافيا وانثروبولوجيا بالنسبة الى اختلاف المجتمعات والبيئات والطبقات التي ينتمي اليها المفكر او الفقيه، فثمة خط بياني لا يتوانى عن الانكسار والتارجح ابتداء من شمال افريقيا مرورا بالقاهرة وبيروت، وليس انتهاء بالعراق وايران او بلدان الخليج، فضلا عن مسلمي شبه القارة الهندية او جنوب شرق آسيا. وذلك امر يتصل بمرجعيات الفقه وطبيعة تاثره بالبيئة.على صعيد آخر، ثمة فرق كبير بين الفقيه الذي يؤمن بانه لايمتلك صلاحية اجبار اتباعه سوى على الحد الادنى من الالتزام الديني، كما هي قناعة اتجاه واسع في تيار التجديد الفقهي، ومن هؤلاء فرج فودة وعبد الكريم سروش والشيخ ابراهيم جناتي والشيخ محمد مهدي شمس الدين مثلا((234)). وبين الفقيه الذي يعتمد منهج الاحتياط والتحوط والحذر الشديد في منهجه الفقهي، على الطريقة السائدة في الفقه الاسلامي والتيار الذي ينهل منها فكريا. وهذه الفروق من اهم العوامل التي تفرز الخلاف الفقهي والفكري في موضوع المراة، اضافة الى عوامل اخرى بالطبع سنتطرق اليها لاحقا في حديثنا عن الشيخ محمد مهدي شمس الدين.

رغم الحالة العامة التي اشار اليها المؤلف، غير انه يلمح تغييرامهما حصل في ادبيات الفكر الاسلامي عن هذا الموضوع، وهو ظهور بعض الكتابات الاسلامية التي توجهت بالنقد الى الداخل الاسلامي، بعد ان كان النقد الاسلامي لا يكاد يقترب من هذا المنحى الا على تردد وحرج وبقدر محدود (ص 57). يقول المؤلف: ان الظروف اتاحت للفكر الاسلامي تجريب مالديه من طرائق ومفاهيم الى اواخر حقبة الثمانينات التي استجدت بعدها معطيات من نوع آخر، حرضت على ان يمارس هذا الفكر النقد الذاتي. وهو يذكر، ايضا، ان صوت المراة قد ارتفع في التسعينات بعد ان كان خافتا لزمن طويل،فاعلنت عن نقدها الذي كان يصعب عليها النطق به سابقا، وذلك ما ظهر في عدد من الكتابات النسوية التي انتقدت الواقع المحيط بالمراة وبعض الافكار والذهنيات الاسلامية(ص 58).

من الملاحظات المهمة الاخرى التي يذكرها المؤلف ان التزايد الكمي في كتابات الاسلاميين عن قضية المراة لايعكس على الاطلاق تراكما معرفيا كيفيا يمثل تطورا وتقدما في المفاهيم او ادبيات البحث وتقنياته. يقول: «لو رجعنا الى كتاب (حقوق النساء في الاسلام) للشيخ محمد رشيد رضا الذي صدر عام 1930، فان هذا الكتاب يعد اكثر تطورا وتقدمامن عشرات الكتابات التي صدرت بعده وما زالت تصدر الى هذا الوقت. ويرى المؤلف ان ما يحول دون ذلك هو النكسات المتتالية التي اصابت التطور العام في المجتمعات الاسلامية،والتي اثرت على الحياة العامة بكل مرافقها وابعادها واتجاهاتها».

لا بد من ان نضيف الى ما ذكره المؤلف ان جزءا مهما من التردي الفكري المشار اليه يتمثل في حالة الرهاب العام اوالفوبيا الفكرية التي يعيشها من يمارس التفكير في مجتمعاتنا، فكم من الافكار الاجتهادية التي من شانها استبدال سياقات عامة جوهرية في الفكر الاسلامي، غابت او تعرضت الى التغييب في مرحلتها الجنينية بسبب الضغوط غير المعقولة التي يتعرض لها المفكر الاسلامي. وحين يقارن المؤلف بما كان عليه الوضع مع اعمال رشيد رضا، وهو ابن القرن التاسع عشرومطلع القرن الماضي، نجد مسوغات لمقارنة اكثر ايلاما مع راهننا الثقافي تجعل المرء يغبط واصل بن عطاء ابن القرن الاول الهجري على السماحة التي لاقاها وهو يؤسس للاعتزال الكلامي، ويخالف شيخه البصري العتيد!

اتجاه التجديد: محاولات ابي شقة وشمس الدين

يشير المؤلف الى محاولتين يصفهما بانهما من الاعمال الفكرية المهمة التي صدرت في العقد الاخير في حقل المراة، احداهما في مجال الحديث والاخرى في الفقه. حيث جاءكتاب «تحرير المراة في عصر الرسالة» للكاتب عبد الحليم ابوشقة الذي صدر في ستة عشر جزءا خصصها لتنقيح الروايات وانتقائها من كتب الصحاح، وقدم من خلالها صورة مغايرة لواقع المراة السائد اليوم((235)). وينقل كلمة بالغة الدلالة لابي شقة يقول فيها: «فوجئت باحاديث عملية تطبيقية تتصل بالمراة وباسلوب التعامل بين الرجال والنساء في مجالات الحياة المختلفة... ان هذه الاحاديث تغاير تماما ما كنت افهمه واطبقه، بل ما تفهمه وتطبقه جماعات المتدينين الذين اتصلت بهم وهم من اتجاهات مختلفة» (ص 64 وما بعدها).

اما في ما يتصل باعمال الشيخ محمد مهدي شمس الدين، فقدانجز في العقد الماضي اربع دراسات علمية مستقلة ضمن مااسماه سلسلة «مسائل حرجة في فقه المراة» ناقش فيها مسائل الستر والنظر وتوابعها، اهلية المراة لتولي السلطة على مختلف المستويات، حقوق الزوجية، وحق المراة في العمل((236)). ان الباحث يحاول تلمس المنهج الذي قامت عليه تلك الاعمال، غير ان محاولته هذه تقتصر على بضع ملاحظات نص عليها الشيخ نفسه، ولا سيما في الجزء الاول من السلسلة (المدخل)، ويضيف اليها زكي الميلاد القول: ان آراء شمس الدين تتولى التركيز على المضمون الاجتماعي ونحو ذلك. ولكن لا شك في ان عمل المرحوم شمس الدين يقود القارى الى تغييرات اجراها في صميم المنهج الفقهي، ويتوغل به في تحولات معمقة في الرؤية واداة البحث وحجم الصلاحية الاجتهادية التي يمنحها شمس الدين لنفسه بجراة. وهي تحولات مهمة باعتبارها تطال سائرابواب البحث الفقهي ولا تقتصر على موضوع المراة بعينه،وهو ما لم يفلح الكاتب في ملاحقته. وانما نطالب بالذهاب بعيدا مع عمل شمس الدين هذا، اعتقادا بان الجانب المنهجي فيه اهم بكثير من المعطيات والنتائج المهمة للغاية التي قدمتها سلسلة «مسائل حرجة في فقه المراة»، اضافة الى ان النتائج التي انتهى اليه بحثه لموضوع المراة تمثل معطيات منهجية ذات طابع تاسيسي انجزها في اعماله السابقة قبل ان يخوض في موضوعنا هذا، وبنحو لا يتيح لنا اكتشاف الجانب المنهجي ومنطلقاته الحقيقية من دون الاطلاع على اعماله التي خصصهالنقد السائد الفقهي وبنية اصول الفقه تحديدا.

لقد وجدت، في دراسة سابقة عن اعمال شمس الدين، ان مداخل بحثه في قضية المراة وادواته، تعكس تطبيقا موفقالاسس منهجه النظرية، فيؤسس بذلك لتجاوز اخفاقات نمط التعامل التقليدي مع ادلة الاحكام، فضلا عما يمكن ان يمنحه ذلك النمط من ارباك لالية تعامل الفقه مع حركة التاريخ الخاضعة لنواميس خاصة ينبغي ان تلحظ في ممارسة الاجتهاد بعد الفراغ عن ملاحظة الشريعة لها في محدداتها ونظمها. ومن العناصر الاساسية المكونة لمنهج شمس الدين الذي نشير اليه ما يمتلكه من وجهة نظر الى مسالة تعليل الاحكام وطبيعتها وحدودها والمناهج المستخدمة في دائرتها، حيث يعتقد بان «التعبد في العبادات المحضة امر مسلم به، واما في حالات المجتمع وفي ما نسميه الفقه العام وبعض الفقه الخاص في باب الاسرة او المكاسب الفردية مثلا، فلا معنى للتعبدعلى الاطلاق في كثير من التفاصيل، ولا بد من ان تنزل الامورعلى حكمة التشريع المتصيدة من استنطاق النصوص وعلى ما نفهمه من المناطات المستفادة من النص او المستكشفة من مقارنة النصوص حسب ظروفها وملابساتها، ولا نقول المصالح والمفاسد الواقعية، فقد نناقش باننا لا نعرفها، ولكن ما يبدو لنامن حكمة التشريع»((237)). وحيال هذه الرؤية لحدودالتعليل، يدعو شمس الدين الى مراجعة الموقف من بعض ادوات الاستنباط كالقياس والراي والاستحسان، وتصحيح الفهم ازاءها عبر التعامل مع اشكاليتها بواقعية اكثر، اذ ان الموقف الفقهي الاصولي عند الامامية من هذه العناوين،صريح في ان الخلاف ليس في تحديد دوائر عملها بل في اصل صلاحيتها للدلالة على الحكم، وكذلك الحال في الموقف الفقهي عند الظاهرية من القياس، حيث يجد شمس الدين مثلا ان قسما كبيرا من باب التزاحم في الفقه الامامي يمكن تصنيفه في دائرة الاستحسان وسد الذرائع، ويخلص الى انه «لا يجوز التعميم بنفي صلاحية الاستدلال عن كل مايسمى قياسا او استحسانا او سد ذريعة، لانه تعميم غير وثيق ولا يعبر عن حقيقة الحال، على اساس ان بعض موارداستعمال هذه المناهج هي موارد صحيحة وسليمة»((238)).

وعلى صعيد آخر، يبدو من قراءة افكار شمس الدين، ان سعيه الى توفير رؤية كلية عن الشريعة والدين، ورفض ملاحظتها بنظرة آحادية اقتطاعية، قد تلاقحت مع تصوراته في شان المنهج التعليلي وادواته فنتج عنها ايلاؤه اهتماما واسعا لمايسميه مبادى التشريع العليا او مقاصد الشريعة. اذ ان رفضه تعميم المنحى التعبدي على سائر ابواب الفقه قاده الى طرح البديل عن ذلك متمثلا بتنزيل المسائل - في غير العبادات الصرفة - وفاقا للادلة العليا والقواعد العامة ومقاصد الشريعة، حيث تمثل لديه المعيار الذي ينضبط فيه ويتقيد به المنهج التعليلي في تصيد الاحكام الشرعية وكشف المناطات((239)). الى جانب ان ذلك سينعكس مباشرة ومنطقيا، على آلية الاستنباط في دائرة الفراغ التشريعي التي طرحت هي الاخرى في اطار حل اشكالية قصور النص((240)). كما نجد تطبيقات لرؤيته هذه في دراسته التخصصية في «الاجتهاد والتقليد»، في موارد متعددة، حيث اسفر تطبيق منهجه الخاص هناك عن الخروج بنتائج تبدو مثيرة ومهمة في الوقت نفسه((241)).

كما يولي شمس الدين، في تحليل البنية الفكرية، اهمية لملاحظة الانعكاسات السياسية على مسار البحث العلمي،فهو يتعامل مع تلك الظروف داخل التراث الاصولي بوصفها مشاكل انسانية((242)). وقلما وجدنا اهتماما بحقيقة ان الباحث مضطر الى ان يدخل مع الظروف تلك كاحداث تاريخية في تجربة مشتركة، حتى يستطيع فهمها وادراكهاويعي عمق دلالتها على الحدث الانساني فكريا كان او سياسيااو اقتصاديا((243)). وهذا ما يقع في صميم البحث عن الجذور المادية (اللامنطقية) للفكر((244)).

هذه لمحات سريعة جدا عن طبيعة التغييرات التي اجراها شمس الدين على آلية التنظير الفقهي، وانما اقول التنظير الفقهي لانه كثيرا ما تخطى محددات الفتوى ليمارس بناء نظرية فقهية تنطوي على معطيات اوسع بكثير من موردها، الامر الذي يلاحظ بوضوح في الاشارات اعلاه.

ان زكي الميلاد مصيب للغاية بقوله: «كشف هذا الكتاب(سلسلة كتب شمس الدين) بان التجديد ما زال ممكنا في ادبيات الفكر الاسلامي لقضايا المراة، وان هنالك دواعي حقيقية لهذا التجديد» (ص 71).

لكن طبيعة الظروف المحيطة بمستويات التجديد هذه،جميعها، تحتم علينا العودة اليها مرارا لانها معوق حقيقي يعترض مسارنا هذا، وهو ما يجعل زكي الميلاد يلقي ضوءاعلى جانب من شكوى الشيخ محمد الغزالي صاحب كتاب «قضايا المراة بين التقاليد الراكدة والوافدة» ((245))، حيث يقول في كتابه هذا: «هناك حراس للخطا يرتفع عويلهم الى عنان السماء عندما ينتقد هذا الخطا، وقد كنت اول امري قليل الاكتراث بهذا العويل بيد اني وجدته يتحول على مر الايام الى ضغينة على المصلحين واستباحة لاعراضهم لا يمكن السكوت عليها، لان الدين نفسه سوف يضار من هذاالسكوت وسوف تتحول حقائقه الى اباطيل» (ص 127). انهاشكوى يطلقها تيار الاصلاح على اختلاف توجهاته ومستوياته منذ جمال الدين الافغاني مرورا بمحمد رضا المظفر، وهو مالا ينتهي عند مطهري والصدر ومحمد الغزالي او شمس الدين، واذا كانت الحال على هذا النحو مع فقهاء كبار اكتسبوامكانتهم بجدارة في الوسط الديني، فما بالنا بالمفكر الديني الذي يتدخل في هذه الموضوعات من زاوية اختصاصه؟

نقد الادبيات الاسلامية الخاصة بالمراة

يعود زكي الميلاد غير مرة لنقد الخطاب الذي ساد الادبيات الاسلامية الخاصة بالمراة، ومن المؤاخذات التي يقررها في السياق هذا ان الغالب على هذه الكتابات الحالة الانفعالية والدفاعية في الرد على الشبهات والاشكاليات التي تثيرها اقلام خارج دائرة الاسلاميين، بينما الاهم من ذلك ان نتولى الانطلاق من القواعد الاسلامية في بلورة رؤية علمية الى الموضوع. كما ركزت تلك الكتابات كثيرا على الجانب الاخلاقي وقضية السفور والاختلاط، بيد اننا لم نشهد الى جانب ذلك اهتماما بمعالجة قضايا تتصل بتنمية المراة ورفع مستواها تربويا وتعليميا وتنشيط فعلها الاجتماعي.

لا بد من ان نضيف الى ما ذكر المؤلف ملاحظتين:

أولا- يتحتم على الفقه الاسلامي اليوم ان يدرك ان تنمية المراة شان يندرج في الاهداف العليا للشريعة، لان ما نجده من تشريعات في اطار صيانة المراة وتامين عفتها وطهارتها تمثل آليات للحفاظ على المراة بوصفها انسانا. لكن غياب التنمية بمفهومها المعاصر في الشان النسوي وحرمان الانثى من الانخراط في المسار التنموي يعني قضاء عليها وموتا حقيقيا يجعلها تشكل بحق «النصف المظلم من المجتمع». وبالتالي فان على الفقيه ان يوازن بين اهداف متوازية لا ان يحقق هدفاعلى حساب آخر، وقديما قالوا: «ما لا يدرك كله لا يترك كله». وفي هذا الاطار علينا ان نتحرر من سلطة القانون الذي يقضي بتساقط الغرضين المهمين حين يتزاحمان ويكونان متكافئين في الاهمية، سواء كانت نتيجة التساقط تخييرا بين الغرضين اواي شيء آخر قد تفرزه الفرضيات الصارمة التي اعتدنا عليها.نعم لا بد من ان ندرك الطابع النسبي في جدل التاريخ وان لانتجاهل وجود خيار ثالث كثيرا ما يعتمده العقلاء في موارد كهذه، وهو التوفيق بين الهدفين بالتنازل عن حدهما الاقصى والقبول بمستوى محدد لكل منهما في اطار ضوابط الشريعة السمحاء.

ثانيا- من اولوياتنا، في هذا المجال، ان نتامل التحولات التي طرات على موضوع الاحكام الشرعية، اعني المراة نفسها، حيث انخرطت شرائح نسوية واسعة في عملية التقدم التي تشهدها بلداننا رغم كل الهشاشة التي تكتنف تجاربنا في التحديث والتنمية. وبالتالي فان من غير المسوغ للفقيه خلال عملية الاستنباط والفتوى ان ياخذ بنظر الاعتبار تصوراته التقليدية للمراة المعباة بحشد من الموروثات والرواسب، بل يلزمه المنهج وما نعيش اليوم من حقائق ان ياخذ في حسبانه الانثى وهي تشارك في مختلف مرافق الحياة الحديثة، حين تمسك بمشرط الجراح وتتحمل مسؤولية اكثر العمليات الجراحية تعقيدا، وتتعامل مع احدث معطيات العلم والتكنولوجيا بكفاءة تقترن بالابداع والابتكار، وتتبوا مناصب عليا في المؤسسات المهمة الدولية والحكومية وغيرها في مختلف المجالات. لا شك في ان تغير هذا الموضوع لا بدمن ان يستتبع بالضرورة تغيرا في احكام الفقه((246)).

سيكون الرهان، في هذه الموضوعات، على ما يطرا في المنهج من تحول في نطاق المرجعيات بالذات، في فلسفة الفقه ومقاصد الشريعة والاجتهادات الكلامية، الى جانب المفاهيم التاسيسية التي يتكون منها البناء الفوقي للفكرالاسلامي، اي التحولات التي طرات وتطرا على النظام البياني مثلا (آليات التعامل مع المستويات الدلالية للنصوص، وعلاقتها الاثباتية مع مصادر التشريع الاخرى).

جدلية الخطاب والواقع
«غياب الجدلية، وحاكمية الواقع» ليحيى محمد!

عباس النابل

الاصلاح، الاحياء، التجديد

لم يكن يحيى محمد اول من غامر بالقيام برحلة نحو الواقع،بما تحتوي هذه الرحلة من مخاطر شتى، وادنى خطورتهااصطدام هذا الواقع مع النص الديني، الذي يملك من الامكانيات التاريخية واللغوية، والمضمون ما لا يملكه اي نص آخر.

فكثيرون هم الذين جازفوا في هذا «الطريق الوعر»، ابرزهم على صعيد الاسلام السني: محمد اركون ونصر حامد ابو زيدوحسن حنفي. وعلى صعيد الاسلام الشيعي: عبد الكريم سروش ومجتهد شبستري وصاحب هذا الكتاب.

ولا يخفي الكاتب - في مقدمة كتابه - مشروعه الاصلاحي.فلقد صنف نفسه احد الداعين الى «الاصلاح الديني». والاصلاح - كما يراه - لا يفترض خلو الجهاز المعرفي «التقليدي» من الخطا، وهو عكس ما يحمله عنوانا «الاحياء» و«التجديد»، حيث يبحث الاول عن المساحة المعرفية المغمورة في تراثنا الفكري ليعيد اظهارها من جديد، فيمايبحث الثاني عما هو جديد ليلبس به الفكر الاسلامي من دون تغيير في صيغة الجهاز المعرفي.

وحيث ان منهجية الفكر الاسلامي، كما يرى الكاتب،التقليدي لا تتسق مع «الواقع»، لذا لا بد من ان يكون ثمة خطاجذري في الجهاز المعرفي، وهو ما يحاول الكاتب الكشف عنه.

النص والواقع/ العلاقة الجدلية

يبدأ الكاتب - في الفصل الاول - بتعريف كل من: النص، الواقع، العقل. فيرى ان النص هو «ذلك التنزيل المتخذ اطاراً لغويا خاصا، والمعبر عنه بالخطاب» وهو خطاب الله، ومن بعده خطاب النبي محمد(ص) كما عند اهل السنة، وباضافة خطاب الائمة الاثني عشر(ع) كما عند الشيعة الامامية.

وحيث ان المصدرين الاخيرين ليسا سوى تبيان للنص القرآني، فان ما هو مقصود بالخطاب هو القرآن نفسه، وهو، وان كان منزلا من قبل الله سبحانه، الا انه نزل بمعان عرفية سائدة في ذلك الزمان، والفاظ لم تفارق طبيعة ذلك المكان، وهو - بالتالي - نص يلابس الواقع ملابسة تامة، ويتصل به عبر علاقة جدلية شديدة الارتباط.

ويتطرق يحيى محمد، من خلال تعريفه للنص، الى قضية اخذت حيزا كبيرا من الجدل في القرون الاولى التي تلت عصر صدر الاسلام، وهي قضية «خلق القرآن»، حيث جعل منها مدخلا لعرض فكرته السالفة، باعتبار ان الاعتقاد بحدوث القرآن او بخلقه يؤدي الى القول بتاثير الواقع على النص، وانه يستجيب بشكل مباشر وحي للاسئلة المطروحة في واقع شبه الجزيرة العربية بما يتضمنه من حوادث ومعتقدات وافكار وآليات اثمرتها البيئة آنذاك.

وبالانتقال الى «العقل» الذي عرفه الكاتب بـ«الاداة المدركة لذاتها ولغيرها»، فهو يرى ان هذه الاداة لها مراتب مختلفة، وذلك بحسب الشروط التي تحققها، فهي اشبه ماتكون بالمرايا التي تعكس صور الاشياء.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية