|
ويبدو ان الكاتب غير
مقتنع بفعالية هذه الاداة ر العقل،
بوصفهاآلية لفهم الخطاب، اذا كان المقصود من العقل
هو
العقل «القبلي»، وهي الافكار الاولية المزروعة
في فطرة الانسان
من دون ان تتدخل فيها تاثيرات البيئة والواقع.
ويقسم
الادراكات العقلية الى اربعة اقسام: الادراك
القبلي البحت
- الادراك القبلي الاخباري - الادراك البعدي
الاستنتاجي
- الادراك البعدي الاضافي - . وحيث ان هناك اختلافا
جذريا بين
العقل القبلي والعقل البعدي (التجريبي)، فان
الكاتب يلتزم
بمبداالمعرفة التي تبدا من الواقع وتنطلق منه من
دون ان
يغفل القبليات العقلية ذات الطابع الضروري
الرياضي. اي واقع نتحدث عنه؟!
والكاتب، في حديثه عن النص والعقل، يوضح بشكل
علمي متين تعريفهما وتقسيماتهما، ويبدي ملاحظات
كثيرة
على طرائق التعامل معهما وآلياته، لكنه في المقابل
لم يعرف
الواقع تعريفا علميا دقيقا، واكتفى ببعض
«الشعارات»
و«الخطابيات» العامة، ولم يتناوله باي نقد يذكر بل
حتى انه عد
الواقع كيانا لايمكن الخطا فيه وليس فيه لبس او
غموض. فما هو الواقع؟ وما هي حدوده؟ وما هي تقسيماته - رغم تعدده الهائل؟ وما مدى معرفتنا به؟ وعبر اي آلية يمكننا تحديده؟ وهل هو الواقع الخاص او العام؟ او كما يعبر عنه في اصول الفقه، العرف الخاص والعرف العام. وكيف نميز بين الواقع الصالح والواقع الفاسد؟ وهل تكفي العودة الى الوجدان - كما يدعي الكاتب - لدحض فكرة «الواقع الوهمي» الذي ادعاه الفيلسوف جورج باركلي؟ وما الفرق بين الواقع والواقعية بوصفهما مفهومين ملتبسين؟ هذه التساؤلات جميعها لم يعرها الكاتب اي اهتمام، فقد اكتفى بالحديث عن ضرورة فهم الواقع المعيش، وعدم الميل الى المثاليات والتجريدات، والتفكير المطلق، وراى ان الانسان لايمكن ان يعيش بلا واقع، وان القرآن حث على دراسته والنظر فيه مستشهدا بآيات قرآنية كثيرة، وما الى ذلك من خطابيات بعيدة عن التحليل والتفسير. لكن تجدر الاشارة الى انه، في الفصل الثاني، عرف الواقع بانه عبارة عن ذلك الشيءالمشخص والملتبس مع غيره من المصاديق والصفات والطبائع الجزئية، الا انه لم يرتق به الى مستوى التحليل والنقد! بين التفكير الماهوي والتفكير الوقائعي
في الفصل الثاني، من الكتاب، قدم الكاتب انموذجين
من
فهم الخطاب: احدهما عقلي اطلاقي اطلق عليه مصطلح
«التفكيرالماهوي» والاخر الواقعي المتغير اطلق
عليه مصطلح
«التفكيرالوقائعي». والمصطلح الاول مستمد من
الماهية - كما
في الفلسفة الاغريقية - وهي عبارة عن الطبيعة النوعية للشيء، بوصفه امرا ثابتا يتصف بالكلية والعموم.
ومن هنا
استمد اصحاب الفهم الثابت للخطاب شرعية رؤيتهم في
التفسيروالاستنباط. وفي المقابل فان اهم ما يحمله
المنهج
الوقائعي هوالتغير والمرونة، وذلك تبعا لمعطيات
الواقع
وتنوعاته الخارجية. وهنا يكمن السؤال الاساسي: هل ان الخطاب الديني، او«المشرع»، تعامل في ترتيب احكامه ومعالجاته للاموروالاحداث طبقا لاعتبارات ثابتة «ماهوية» او تبعا لالتباسات الواقع وتغيراته. وعلى هذا، فهل نفهم ان مقت الخطابر النص، للكفر، انما يعني مقتا للكافرين جميعهم؟ وهل انه حينما احب الايمان كانت المحبة لجميع المؤمنين مهما كان امرهم؟ وهل الدعوة الى محاربة الشرك تعني دعوة الى محاربة جميع المشركين بكافة اشكالهم وتياراتهم واختلافاتهم المكانية والزمانية؟
من هنا ينطلق السؤال، وتنطلق معه جملة من
الاشكاليات الجادة على النهج الثابت الماهوي. وقد
نجح الكاتب
في هذاالفصل، في وضع المشكلات الاساسية التي تكمن
في
هذا النوع من الفهم، ومن ابرزها تضارب مضامين
النصوص في
مابينها، ومع التضارب، تسقط حجية هذا الفهم
لاعتبارات
تخص المنطق الماهوي نفسه، اذ ان قواعد هذا المنطق
ترى
ان التضارب في النتيجة ينبى عن تضارب في المقدمات.
فالاية القرآنية (فمن شاء فليؤمن ومن شاء
فليكفر)[الكهف/29]تتضارب بحسب هذا المنطق مع الاية
(وما
تشاءون الا ان يشاءالله) [الانسان/30]. الا ان هاتين
الايتين لا
تتضاربان، حسب المنهج الوقائعي، فكل آية تتجه في
سياق
واقعي خاص ومختلف.
وللمنهج الوقائعي مسوغاته وشرعيته المستمدة من
الخطاب الديني نفسه، لان الخطاب - في الاصل - مرتكز
على المصدر المعرفي المعيش، ولدينا من النصوص
الغزيرة
مايؤكد صحة الاعتماد عليه بوصفه مصدرا معرفيا لا
غنى
عنه،
فالخطاب لا يكف عن الحث على التعقل والتفكر
والنظر
في الافاق والانفس، بل ثمة قضايا كثيرة لا يمكن
فهمها من
غيرعرضها على الواقع نفسه، ولا يمكن الادعاء بان
معاملة الخطاب للقضايا الخارجية الاجتماعية كانت
عن طريق
المنهج الماهوي المغلق.
بيد ان الكاتب، حين يثير امامه بعض الاشكاليات على
طرحه الوقائعي، يسعى الى محاولة التوفيق بين
المنهجين
آنفي الذكر، لكنه وفي عملية سريعة يغيب عن هذا
التوفيق
وينسى طرحه «الجدلي»، ويذهب مع الواقع الى حد
التماهي. البعد الحضاري وفهم النص في القسم الثاني من الكتاب (الفصل الثالث)، يطرح الكاتب قضية البعد الحضاري وفهم النص، فيرى ان المجتمع العربي كان منقسما الى قسمين: احدهما بدوي يمتاز بالجهل والعصبية، والاخر حضري يمتاز بالمعرفة والرشد، الا ان الخطاب ركز عنايته الاساسية على اصحاب العقلية الراشدة.ويعتقد الكاتب بان الخطاب، وان كان قد نزل للناس كافة، وبانه يمتلك حقائق علمية مذهلة ظلت خافية على الجميع حتى العصر الحديث، وانه يحمل رسالة عظمى فيها من الشمولية والمقاصد الكلية ما يجعله متناسبا مع كل زمان ومكان، الا انه - رغم هذا كله - لم يسلك طريق التحرر من ظروف الواقع آنذاك. وفي هذا الفصل، يستشهد الكاتب بمجموعة كبيرة من الامثلة القرآنية والروائية يسعى من خلالها الى اثبات دعواه، فمنها ما يختص بالعقيدة، ومنها ما يختص بالتشريع والتكوين، ويستخدم كلا المنهجين «المعياري» و«الوقائعي» لفهم الخطاب، ليثبت بعد ذلك صحة هذا المنهج الاخير. ومن الامثلة العقدية قوله تعالى: (ان الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الارحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس باي ارض تموت ان الله عليم خبير)[لقمان/34]. فبحسب النظام الماهوي المعياري، فان الاية تتعارض مع الواقع في ما يتعلق ب «ما في الارحام»، اذ ان العلم اصبح يمتلك من المعرفة الدقيقة جدا ما يتكون داخل رحم المراة. الا ان الكاتب يسوغ لاصحاب المنهج الماهوي صحة فهمهم في المرحلة السابقة، وذلك تبعا للمعطيات الحضارية المكونة في تلك المرحلة، فهو يرى ان الواقع آنذاك لم يكن يجري جريانا امتداديا متصاعدا، بل كانت خطواته اشبه بالسكنات الدائر بعضها على بعضها الاخر، بينماخطت البشرية في العصر الحديث نحو التقدم العلمي والتقني خطوات هائلة انتجت خلالها حضارة مختلفة اختلافا جوهريا عن سابقاتها. لذا فان الواقع قد اختلف ايضا، واصبح الفهم التقليدي «الماهوي» ليس لديه اي مسوغ! ولاول مرة يضع الكاتب الواقع امام اشكالية التباين، فالواقع في رايه ذو طبيعة تباينية متلونة، صارخة في الاطراف، ملتبسة في الوسط، الا انه لم يوضح لنا مقصوده من هذا الكلام الغامض جدا!
في الفصل الرابع، يبين اشكالية التعارض في المنهج
المعياري المغلق، ويعطي انموذجا على ذلك موقف
الخطاب
الديني من اهل الكتاب، ليصل الى نتيجة مفادها ان
الايات
القرآنية التي تتمحور حول علاقة المسلمين باهل
الكتاب في
قضايا:السلم، الحرب، الجزية، جميعها خاضعة لظروفها
الخاصة،
وان الفهم المعياري لها يتعارض مع نصوص
قرآنية
اخرى تدعو للعدل والقسط مع اهل الكتاب. ظاهرة النسخ وارتباطها بالعلاقة الجدلية
في القسم الثالث (الفصل الخامس)، يتعرض الكاتب
لمسالة النسخ في الاحكام وهي مسالة شائكة واساسية،
ولها
علاقة بمفهوم الجدلية بين النص والواقع. فيبدا
باستعراض
مجمل الاراء المتعلقة بمفهوم النسخ، وبالمقدار
المسموح به
من النسخ اذا كان من خارج النص، كالسنة والعقل
والقياس،
وماالى ذلك من ادلة خارجية.
الا ان النسخ، في مفهوم يحيى محمد، هو احد اركان
ظاهرة الجدل تلك، ولا يمكن فهمه الا على هذا
الاعتبار، وان
تبديل حكم ب آخر ما هو الا حركة في مراعاة ظروف
الواقع
بما
يفرزه من ضرورات ومتطلبات. ومع ذلك، فان التغيير
لا
يمس الدلالات الثابتة للمقاصد التي تتحكم بالحكم
وجودا
وعدما،
فالمقصد ثابت على الدوام، والحكم متغير
بتغير
الظروف والاحوال.
واعتمادا على عملية احصائية يقول الكاتب: اننا لو
اعتمدنا
على احصاء قضايا النسخ في القرآن، كما احصاها السيوطي
في حوالى عشرين آية، وهو ما يقارب عمر الرسالة
المحمدية،
اي
ان معدل النسخ يساوي «قضية» واحدة من كل سنة،
فان وجود اكثر من «1400» عام يجعل من حساب النسخ يبلغ اكثرمن «1400» قضية، هذا
اذا راينا ان التغير الحضاري بطيء
بالدرجة
السابقة نفسها، اما اذا ادرجنا على اللائحة
الظروف المهمة
والابعاد الهائلة للتطور الحضاري الحديث، فان
المسالة تصبح
مختلفة تماما، اي ان العدد المفترض لعملية
النسخ ينبغي ان
يتضاعف بشكل كبير.
غير ان الملاحظة التي يمكن طرحها، في هذا الكلام،
ترتكزالى
حديث الكاتب عن ثبات المقاصد. فاذا كان المنهج
الذي يتخذه
هو المنهج الوقائعي، فلماذا لا نرى ان المقاصد
ايضا - بحسب
دلالاتها - تابعة للواقع ايضا وتتعايش مع
ظروف البيئة المحيطة
آنذاك، وتتعامل مع الواقع على اساس جدلي؟
فما هو
مسوغه
لنظرية ثبات المقاصد؟ هنا ينحني الكاتب
امام المنهج الماهوي
الذي رفضه جملة وتفصيلا في عملية الاستنباط
الفقهية.
في الفصل السادس، يستعرض الكاتب جملة من الاحكام
التي قام بتبديلها النبي(ص) باحكام اخرى، وقد شهدت
السيرة النبوية اشكالا مختلفة من التعامل مع
المتهمين وذوي
الجرائم وغيرهم تبعا للظروف السياسية التي يفرضها
الواقع،
وذلك بناءعلى عدة اعتبارات، منها حاكمية النبي
وولايته على
شؤون الامة. كما ان عصر الخلافة (الراشدة) حفل
بالكثير
من التغيرات طبقا للمصلحة ومراعاة للظروف
والاحوال،
وقد
شهد هذا العصر من التغيرات ما لم يشهده العصر
النبوي نفسه.
في الفصل السابع، قسم الكاتب الممارسات التغييرية
للاحكام الى ثلاثة انماط، وهي كما ياتي: وفي هذا الفصل، تجاوز الكاتب ما يعرف بالترجيحات غيرالمنضبطة بالمعيار الشرعي، او ما هو متناقض مع نصوص اسلامية معتبرة، ولم يعرها اهتماما، وركز عنايته على دورالواقع في تغيير الاحكام من دون اعتبار لهذه «المخالفات»! وهنا تبرز اشكالية اخرى تتعلق بالفهم الديني، اذ ان كثيرا من الاحكام كانت تنطلق وفاقا لمعايير سياسية كما في تحريم العمليات الاستشهادية هذه الايام، او مزاجية او استحسانية، اوتماشيا مع الميول والاهواء على اسوا تقدير، فلم يضع حدافاصلا بين النشاط العلمي وغير العلمي، واكتفى بالقاء الضوء عليه والقفز فوقه!
في الفصل الاخير من الكتاب، يستعرض الكاتب
خمس شبهات
ترد على مبدا جواز تغيير الاحكام، ومن ثم يبدا
بالردعلى كل
واحدة على حدة، الا ان معظم ردوده تتشابه مع الردود
التقليدية للفقهاء على طريقة: «ان قلت قلت» التي
لاتكون في
الغالب مقنعة، فهي اشبه بردود تتحرر من
اللفظ لتسقط في فخ
المضمون. وقفة اخيرة
يبقى ان نشير الى ان الكاتب لم يكن في نظريته هذه
يتعامل،في فهم الخطاب والواقع، على اساس جدلي
متين، بل
على اساس حاكمية الواقع على الخطاب الديني، اذ ان
الصيغة الجدلية، كما تفترض تاثر النص بالواقع
تفترض ايضا تاثر
الواقع بالنص، وهذا ما لم نجد بيانه عند الكاتب.
ومن
مميزات الخطاب الابداعي ايضا لغته التجاوزية
للزمان والمكان،
كماتحفل بذلك معظم النصوص الادبية والفلسفية
والاعمال
الفنية للشعراء والفنانين امثال: ارسطو، شكسبير،
فاغنر،
تولستوي،وغيرهم. فالمبدع اذا ما انطلق من واقع ما
استطاع
بقدرته هذه على التجاوز والانطلاق الى عوالم اخرى.
فنرى في
الشعروالموسيقى والفلسفة نظريات واعمال لا تزال
الى اليوم
تتوهج اكثر فاكثر. فكيف اذا كان النص موحى من قبل
الله
تعالى، وهونص - لا شك - تجاوزي الى ابعد الحدود.
ومن الجدير ذكره، في ختام هذا العرض، ان الكاتب
يمتلك من
الشمولية وسعة الاطلاع ما لا يملكه كثير من
الكتاب المعاصرين، فقد اعتمد المنهج الاستقرائي
في جمع
النصوص ودراستها، ومن ثم الانطلاق من خلالها الى
قواعد
عامة، وهومنهج حديث اعتمده في جميع كتبه التي تحفل
بكثير من العمق والعلمية والموضوعية في البحث
والتجديد،
وهذاالكتاب هو احد الكتب المثيرة للجدل لجراته
العلمية
ودقة المعلومات التي يكتنزها وافق الكاتب الواسع
والعميق
في فهمه للخطاب الديني، وقد انتهج منهجا مغايرا
لاغلب
كتابات الفريقين الشيعي والسني، فغالبا ما يتجه
مؤلفوها الى
الانحيازفي جمع المصادر، فيحصر كل كاتب مصادره
ومراجعه
ضمن مذهبه الخاص، بينما نرى في هذا الكتاب دراسة
مقارنة
دقيقة يصح من خلالها ان يكون مرجعا للمذهبين
على السواء. حقوق الانسان في الاسلام
حقوق الانسان واشكاليات النظرية والتطبيق د. السيد مصطفى محقق داماد مقدمة
حازت مسالة حقوق الانسان على اهتمام العالم
المعاصر، وان لم
تحظ، قديما، بما تحظ ى به، اليوم من اهتمام، فانه
من الواجب
الاعتراف بانها عرفت من قبل عناية، لكن الموضوعات
المتعلقة
بها قد زادت زيادة ملحوظة في القرن الاخير.
تمثل هذه الوريقات قراءة في اصول مسائل حقوق
الانسان ومبانيها، واهمها عند الامام علي(ع). وتجدر
الاشارة
الى ان الحديث عن حقوق الانسان عند الامام علي(ع) قد
يكون افضل ما وجد في هذه الجهة الحقوقية على
الصعيد الاسلامي، وذلك لانه(ع) - باعتراف الجميع -
افضل شخص
مطلع على الاسلام بعد الرسول(ص)، هذا من جهة، ومن
جهة
اخرى فقد اخذ بازمة الدولة الاسلامية وصار حاكما
- ولو لمدة
وجيزة - على المجتمع الاسلامي، وواجه في زمان
حكومته تنوع
القوميات واللغات والاديان الخ... اكثر من اي وقت
مضى، كما ان
بعض الجماعات السياسية والعقيدية والكلامية كانت
آنذاك قد
بدات بالظهور في اطراف الدولة الاسلامية
المترامية، اضافة الى
انه مرت على تاريخ الاسلام قبل حكومته تجارب حلوة
ومرة.
هذا كله يدل على مدى الاهمية القصوى التي تتمثل في
دراسة
مسالة حقوق الانسان عند الامام علي(ع).
من الطبيعي ان تتصف عملية تحليل كلام الامام(ع)
وافعاله،من الناحية الحقوقية، بصعوبة بالغة، وذلك
لانه(ع)
ليس رجلا حقوقيا صرفا، وليس معلم اخلاق وعرفان
فقط، كما
انه ليس استاذا تربويا محضا، بل هو عالم بالوحي
وبالعالم
غيرالمادي (الماورائي) بكل معنى الكلمة، فضلا عن
كونه
ملمابالعلوم الانسانية، ومفسرا للقرآن ومبينا
للنظام
الحقوقي الاسلامي، كما انه الحاكم والقائد، علاوة
على عشرات
من الصفات الاخرى. هذه الامور هي التي تجعل العمل
التحليلي مشكلا وتفكيك القواعد امرا صعبا، لكن مع
ذلك
حاولت هذه المقالة تقديم قراءة حقوقية اولية في
موضوعة
حقوق الانسان من وجهة نظر الامام علي(ع). مصطلح «حقوق الانسان» في الغرب
لم تستعمل كلمة «حقوق الانسان»، في ما سبق،
بالمعنى المصطلح عليه الان، حتى في الفكر الغربي
السابق
وحقوقه،فاذا بحثنا في كتب اكبر فلاسفة عصر النهضة
في
القرن الثامن عشر - مثل كانط الذي جعل الانسان
وكرامته مبدا
لفلسفته العملية اكثر من اي فيلسوف آخر - لم نعثر
على كلمة
حقوق الانسان فيها ابدا.
وفي الواقع، اول ظهور لمصطلح حقوق الانسان كان في
خضم احداث الثورة الاجتماعية والسياسية التي قامت
في
فرنسا،الامر الذي جعله يرتبط ارتباطا وثيقا بجذوره
السياسية
ليحتفظ بمضمونه السياسي حتى الان، مبديا ممانعة عن
تصوره
دونه، من هنا خاطب مصطلح «حقوق الانسان» اساسا
اصحاب السلطة الذين يرون ان من صلاحياتهم ملاحقة
مخالفيهم في الراي والعقيدة.
لذلك، فالمطالب الرئيسية التي اندرجت تحت ظاهرة
حقوق الانسان عبارة عن: حق الحياة، حق الحرية، حق
المساواة، حق العدالة والحكم العادل، حق السلامة
الشخصية،
حق الحماية من الظلم، حق حماية الشرف والسمعة، حق
اللجوء الى بلد آخر، حقوق الاقليات، حق المشاركة في
الحياة الاجتماعية، الحق في حرية الفكر والراي
والتعبير، حق
حرية اختيار الدين، حق التجمع والاعلان، الحقوق
الاقتصادية، الحق في حفظ المال، حق العمل، حق كل فرد
بالاشتراك في ادارة الشؤون العامة، حق الزواج
وتاسيس الاسرة،
حقوق المراة، الحق في التربية والتعليم، الحق في
حفظ
الحياة الشخصية، حق اختيار مكان الاقامة... ومن
البديهي ان
تطبيق هذه الحقوق متوقف على وجود اصل مسلم به يعد
شرطااساسيا لاستيفائها، وهو عدم تعارضها مع حقوق
الاخرين،
وان لا يؤدي وجودها الى تعطيل حقوقهم.
واذا اردنا ان نقسم هذه الحقوق تقسيما منطقيا،
لوجدنا
انهاتقسم الى ثلاث مجموعات:
الاولى - الحقوق الشخصية الفردية: وهي عبارة عن
حق الحماية
والدفاع عن النفس مقابل الاخرين، او مقابل
الدولة والحكومة.
والحق في الحياة والسلامة البدنية، والحق في حرية
الاعتقاد
الديني والاخلاقي، وحق الملكية الشخصية.
الثانية - الحقوق السياسية: وهي عبارة عن حق
المشاركة
في الامور السياسية والاجتماعية، مثل: حرية
المطبوعات،
حرية العلوم، حرية التحقيق والتعليم، حرية التجمع
وانشاءالجمعيات الثقافية.
الثالثة - الحقوق الاجتماعية الاولية: مثل الحق في
العمل والامن
الاجتماعي والتنوع الثقافي والاجتماعي وغير ذلك.
اما ما هو مرتبط بالعالم الاسلامي من هذه الحقوق،
فقد
بينه «المؤتمر العالمي للعلماء المسلمين»،
المنعقد في
ايلول(سبتمبر) سنة 1981م، حيث توصل الى ان الاسلام
منذبروزه كان قد وضع عشرين حقا من «حقوق الانسان»
بشكل واضح وصريح، مثل الحق في الحياة، الحق في
الحماية
من الاعتداء والظلم والاضطهاد الحق في اللجوء،
حقوق
الاقليات،حرية الاعتقاد، الحق في الامن
الاجتماعي، الحق في
العمل،الحق في التربية والتعليم، وحق المشاركة في
جميع
الاشكال الاجتماعية. مصطلح «حقوق الانسان»، التعريف والمحددات يثير مصطلح «حقوق الانسان» سؤالا: لماذا كان «الانسان»المحور الذي يدور حوله هذا المصطلح، والى اي حد هو كذلك؟
وفي جوابنا عن هذا السؤال - مع الاغماض عن
الاسباب التاريخية
والاجتماعية لنشاة هذا المصطلح - يكفي ان نشيرالى ان
الغرب -
او الدول الغربية بعبارة اوضح - توصلت من خلال
تجاربها
التاريخية المعقدة التي كانت قائمة في ما بينهاعلى
اساس
التحالفات تارة والخصومات اخرى، وخصوصا في القرن
الثامن
عشر، الى هذه النتيجة، وهي انه من الممكن افتراض
حياة
مسالمة للانسان، اذا كان النظر فيها مقتصرا
على الانسان بما
هو انسان، اي الخالي من الخصائص الاخرى كالدين
والسياسة
والحسب والنسب والعرق واللون والجنس والجاه
والمقام
والمال والثروة والقدرة، وسائر
الاعتبارات المشابهة، الا عن
كونه انسانا فقط، اي من حيث هو انسان، لابوصفه
مسلما او
مسيحيا او يهوديا، او دهريا، ولا بوصفه اسوداو ابيض
او غنيا او
فقيرا، او عالما او جاهلا، او حاكما اومحكوما، او
غير ذلك.
هكذا ظهرت مسالة حقوق الانسان وراجت، لكنها بعد
ذلك - وشيئا فشيئا - اخذت تتشكل بمعنى آخر.
فالحق يعد ملكا طبيعيا لكل انسان، وامرا ضروريا له،
ومن
اكثرالمسائل اصالة في وجوده وماهيته، فهو لم يكتسب
من
احد،ومن ثم لا يقدر احد على سلبه منه، كما انه ليس
حقا
على احد، بل حق في «شيء»: حق في الحياة، والحرية،
وحق
في المساواة وغير ذلك، بخلاف الحقوق المترتبة
على الاشخاص كحق الولد على الوالدين مثلا وحقهما
عليه، او
حق المراة على الزوج وبالعكس، فهذه الحقوق تقع
مقابل اشخاص وافراد آخرين، وهي نوع من الحقوق يمكن
للانسان - بوساطة المال - ان يقوم بوظيفته على
صعيدها
مقابل الطرف الاخر. شرعية حقوق الانسان والسؤال الذي يطرح الان هو: اذا كانت شرعية الوظائف الدينية والحقوق المترتبة عليها تنبع من «الوحي»، او من المصادر القانونية الاخرى، فمن اين تنشا شرعية الحقوق في ظاهرة حقوق الانسان؟ بمعنى ما هي الاسس التي تعتمد عليها تلك الشرعية التي يمكن ان تضمن الجانب الاجرائي في هذه الحقوق، وتسن لها القوانين الجزائية، بحيث تستوفي هذه القيود؟
الحقيقة ان واضعي الاسس الاولية لحقوق الانسان لم
يهدفواالى الاعتماد على هذا الدين او ذاك في
اثباتهم لهذه
الحقوق،او على اي مرجع تشريعي آخر، بل لم يكن
بمقدورهم
ذلك، والا لم يعد موضوع المسالة الانسان من حين هو
انسان،
لذا كان عليهم ان يعتمدوا - لاثبات الشرعية وضمان
الجانب التنفيذي لهذه الحقوق - على الانسان نفسه،
وعلى ما
ثبت بالبرهان المنطقي، وانبثق من جذور فلسفية
واضحة،
وان يستندوا الى اهم هذه اللوازم. فوجدوا ان «كرامة
الانسان»
التي هي اوضح مسالة ملازمة للانسانية - حيث لا تعتمد
على
اي مصدر او مرجع آخر، وهي مورد اتفاق جميع البشر في
كل زمان ومكان، الامر الذي تذعن له كافة الاديان -
يمكن
ان تعتمد بوصفها اهم اساس بديهي وواضح لحقوق
الانسان، فالكرامة امر لا يمكن ان ينفك عن اي من
الحيثيات والاعتبارات الانسانية الاخرى، وهو يحيط
بخصائص
كل فرد من افراد الانسانية نفسها.
هذه هي الخطوة الاولى، اي انهم راوا ان «الكرامة
الانسانية»اصل اولي وجزء اساسي من ماهية الانسان،
لا«الحق».
الخطوة الثانية: حتى يستطيعوا ان يعطوا «الكرامة» - التي هي امر
فردي خاص - اعتبارا عاما، كان من الضروري
التوسل بمسالة
«المساواة».
والمساواة في الكرامة مورد اتفاق جميع البشر ايضا،
وهي
التي استطاعت وتستطيع ان تقنع جميع الناس بضرورة
احترام
كل منهم لحقوق الاخر الشخصية. كما انها استطاعت ان
تثبت الحق في مساءلة كل من يخالف النظام العام. ولم
تكتف المساواة بطرح هذا المعنى الكلي، بل امنت
ايضا
الجانب الاجرائي، وضمنت تنفيذه، واقرت بان يلاحق
- ضمن الحدود الانسانية - كل من يتجاوز هذه الحقوق.
ومسالة ضمان اجراء هذه الامور سوف تؤمن الجانب
العملي للكرامة والمساواة وتخرجهما من القوة الى
الفعل،
بمعنى ان الكرامة والمساواة من الامور الكامنة في
ذات
الانسان، وتحتاج الى ما يبرزها - اي العدالة -،
بينما للعدالة جانب
اجرائي يجب ان يصدر من جانب اعلى وجهة اخرى.
اذا فمسالة العدالة هي المسالة الوحيدة التي كانت
مورد
اتفاق جميع الناس - ولا تزال - وتتجلى عادة في
الخطاب
العام للانسان مع اصحاب السلطة والحكم، بل في
العلاقة ايضا
مع كل من لديه قدرة ولو كانت بسيطة، او من يملك شيئا
من القرار.
هذه خلاصة الكلام في ظهور فلسفة حقوق الانسان
واسس شرعيتها. الاسس الفلسفية لحقوق الانسان
يرى الاسلام - كما يبين القرآن - ان «الله» هو
المحورالاساسي لعالم
الوجود، ومن ثم فالانسان الواقعي هو الانسان الذي
يجعل حياته
وفكره وعمله قائما على اساس الاخلاص الله الواحد
الاحد وفي
سبيله، وعلى هذا الاساس يكمن منشا الكرامة
الانسانية - في
الاسلام - في التوجه الخالص اليه تعالى، كما تشير
الى ذلك الاية
الكريمة (ان أكرمكم عندالله أتقاكم)
[الحجرات/13].
لكن نظرة الغرب الى الانسان، في نسيجه العالمي، تغاير هذاالموقف تماما، فالفكر
الغربي يعطي الانسان
محورية
اساسية، ويعتقد بالاصل الفلسفي القائل: ان «الانسان
هو الميزان
لقياس جميع الامور»، وهذا الاصل يعود الى ما قبل
زمن
سقراط، بل ان اساطير اليونانيين كانت تنطلق من هذا
المبدا،
وتبعتها في ذلك جميع مدارسهم الفلسفية، فآلهة
اليونانيين
وعالمهم والحوادث الخاصة بهم، كانت تدور في فلك
الانسان
ورغباته. وقد تسرب هذا الاعتقاد شيئا فشيئا الى
المسيحية
الاوروبية، اي المسيحية التي لم تنشا من الذين
كانوا يعتنقون
الدين اليهودي، بل التي نشات من اشخاص كانوا
يعتقدون
بديانات اخرى، وهكذا استبدل الاصل القائل بمحورية
«الله» الى
ذاك القائل بمحورية «الانسان»، وصار الاله بهذا
المعنى في
خدمة الانسان وحاجاته.
ويكشف تصوير الذنب بوصفه امرا شخصيا للانسان
يجب الخلاص منه، عن وجود آلية ايديولوجية تفرض
ضرورة
فداءالاله للانسان في صورة السيد المسيح(ع)، وعملية
فداء
الاله لنجاة البشر من الذنوب تصب في الواقع في خدمة
الانسان الذي صار هو المحور، ومن دون هذا «الفداء»
لا يبقى
- في نظر هذه الايديولوجيا - اي قيمة لهذا الاله او
للسيد المسيح(ع).
وعلى هذا الاساس، احتلت «محورية الانسان»
اليونانية الغربية،
مكان «محورية الله» بوصفها اساسا للدين السامي.
لكن تصوير هذه المحورية، في نظر الاسلام، مختلف
اساسا،فالانسان بفطرته قد يمم وجهه نحو الخالق
الواحد،
وهذه الفطرة هي التي تعد «محورية الله» جزءا
اصليا لها. اذا
النظرة الغربية تغلب «محورية الانسان» من هذين
الامرين،
بينما يغلب الاسلام «محورية الله»، بل لعل ما هو
موجود في
الاسلام هو«محورية الله» فقط، لا ان الغلبة لهذه
المحورية،
وكذلك في الغرب الامر بالعكس، فالموجود فقط هو
محورية
الانسان.واذا ما كان الفكر مبنيا على اساس «محورية
الله»،
فسوف تكون مصالح الانسان ايضا ماخوذة في نظر
الاعتبار
بشكل افضل واكثر كمالا.
لقد حاولت الكنيسة، طوال التاريخ، ان تحد من
اطلاق «محورية
الانسان»، وتخضعها لقيودها واوامرها، لكن
في النهاية،
استطاعت القوة المحركة ل «محورية الانسان»
ان تحرر الانسان
الغربي من تلك القيود والاوامر الكنسية.
وقد ترك هذا الاختلاف - بين «محورية الله» في
الاديان السامية
وخصوصا في الاسلام، وبين «اصالة الانسان»
في الثقافة الغربية
- اثره على حقوق الانسان، يمكن ان يختصربان حقوق
الانسان
المستخرجة من الاديان ينظر اليها من منظار الامر
والارادة
الالهيين، وحينئذ لا يمكن غض النظر عن هذه الاوامر
من تمام
حيثياتها واعتباراتها. فعندما يتحدث عن الانسان
وحقوقه في
الاسلام، لا يمكن ان يكون ذاك الانسان مطلقا، بل
سيكون
الانسان المرتبط بالله والمقيد بتعاليمه،
بينما نرى ان الحقوق
الانسانية التي لا تسلم باية محدودية للانسان، سوف
تحافظ
على هذا الاطلاق مهما امكن. مبادئ حقوق الانسان
أ - اصالة الكرامة الانسانية
وفي ذلك يقول الامام علي(ع) في خطبة صفة خلق
آدم:
«واستادى الله، سبحانه، الملائكة وديعته
لديهم ووصيته
اليهم،في الاذعان بالسجود له والخشوع لتكرمته،
فقال
سبحانه:
(اسجدوا لادم فسجدوا الا ابليس) اعترته
الحمية،
وغلبت عليه الشقوة، وتعزز بخلقة النار واستهون خلق
الصلصال»((247)).
ومنشا هذه
الكرامة، التي جعلت الملائكة يسجدون
لادم، هو النفخ الذي اجراه الله من روحه
فيه(ع).
ويشير
الامام(ع)، في هذه الخطبة، الى مراحل خلق
الانسان فيقول:
«ثم نفخ فيها من روحه فمثلت انسانا ذا اذهان
يجليها،وفكر
يتصرف بها»((248))، فمن
خلال هذه الكرامة تتشكل
الاسس
العملية للاحترام، وعلى اساسها تنتظم اكثرالاصول
الحقوقية
والاخلاقية عنده.
وعلى اساس اصل الكرامة هذا، تبنى الاعلان العالمي
لحقوق الانسان، اصالة حرية الانسان وعدم عبوديته
لاحد، كما
نراه بوضوح في المادة الرابعة فيه: «لا يجوز
استرقاق اي
شخص او استعباده»، ويحظر الاسترقاق وتجارة
الرقيق
بكافة اوضاعهما.
ويقول الامام(ع) في ذلك ضمن كلام واضح وجميل: «يا
ايهاالناس! ان آدم لم يلد عبدا ولا امة، وان الناس
كلهم احرار»((249)).
وفي رواية
اخرى عنه(ع): «الناس كلهم احرار، الامن
اقر على نفسه بالعبودية»((250)).
لكن بما ان النظام الاجتماعي الغالب قبل الاسلام
كان
«نظام الرق»، فقد قامت الحكومة الاسلامية بوضع
سلسلة
من المقررات والاوامر الفقهية لحث تجار الرقيق
وسائر
الناس على عتق العبيد، فمثلا، نرى مسالة الكفارات
الموضوعة
على الكثير من المخالفات الشرعية، موجودة في جميع
ابواب
الفقه تقريبا، وتعد مسالة العتق واحدة من اهم
مصاديق
هذه الكفارات. وقد بذل الامام علي(ع) جهدا كبيرا في
اجراء
هذاالحكم الاسلامي، ففي رواية انه(ع)اعتق الف عبد((251))،
كما ان الاهتمام بالعتق لم يكن مقتصرا
على المسلمين، بل كان
يشمل حتى الرقيق من الاقليات الدينية كذلك، فقد
ورد في
خبر ان امير المؤمنين(ع) اشترى عبدانصرانيا واعتقه((252)).
ومما كان يؤخذ في نظر الاعتبار عند العتق، مصالح
العبدالدنيوية، لذلك نهى(ع) عن عتق العبد الاعمى او
العبد
المقعد((253))، حتى لا يبتلى مثل هؤلاء
الاشخاص
في مشاكل اجتماعية بعد تحريرهم من الرق، فهذا
النهي عبارة
عن نوع من التامين الاجتماعي للاشخاص فاقدي
القدرة والمقعدين.
وكذلك اعتنى الامام(ع)، في مدة حكمه، بحماية
مبداالكرامة،
ونبه ماله على رعاية هذه المسالة، ففي عهده
الى مالك
الاشتر يقول(ع):
«واشعر قلبك الرحمة
للرعية والمحبة لهم
واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا
تغتنم اكلهم، فانهم
صنفان اما اخ لك في الدين واما نظير لك في الخلق،
يفرط
منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على ايديهم في
العمد
والخطا، فاعطهم من عفوك وصفحك...»((254)).
هذا الكلام،
وان كان في ظاهره دستورا اخلاقيا،
لكنه يمكن ان يؤسس
للمباني الحقوقية في التعامل بين الحكومة والشعب،
ومن
الملاحظ ان الامام(ع) لم يقتصر في اعتنائه بكرامة
الانسان
وحقوقه على الاشارة الى الجوانب النظرية للمسالة
فحسب، بل
لقد لفت نظر الناس اليها
بممارساته العملية، وعمل
على جعل
ثقافتهم قائمة على هذا
الاساس. فعندما كان في طريق
العودة
من حرب صفين الى الكوفة، ومر بالشباميين، وهم شعبة
من
قبيلة همدان، خرج اليه حرب بن شرحبيل الشبامي وكان
من
وجوه قومه، واقبل يمشي معه وهو(ع) راكب، فقال له(ع):
«ارجع، فان مشي مثلك مع مثلي فتنة للوالي ومذلة
للمؤمن»((255)).
وفي مكان آخر، روي انه عند مسيره الى الشام لقيه
دهاقين الانبار، فترجلوا له واشتدوا عليه،
فقال(ع): ما هذا
الذي صنعتموه؟ فقالوا: خلق منا نعظم به امراءنا،
فمنعهم(ع)
عن هذا الفعل بقوله: «والله ما ينتفع بهذا
امراؤكم، وانكم
لتشقون به على انفسكم في دنياكم، وتشقون به في
آخرتكم،
وما اخسرالمشقة وراءها العقاب، واربح الدعة معها
الامان من
النار»((256)). فعلي لم يكن ليرضى ابدا بان
تصاب
كرامة الانسان بلطمة، وان كانت هذه اللطمة مقابل
حاكم مثله.
واضافة الى ذلك، لم يكن(ع) يرى ضرورة الحفاظ
على كرامة
الانسان حال حياته فقط، بل انه اوصى حين وفاته
بان يبقى
الانسان محترما، ايا كان هذا الانسان وان كان عدوا،
ويبرزهذا
الامر جليا في وصيته بالنسبة لقاتله ابن ملجم،
حيث قال (ع): «ولا يمثل بالرجل، فاني سمعت
رسول الله(ص) يقول: اياكم والمثلة ولو بالكلب
العقور»
((257)).
ومن جهة
اخرى، يشير الامام(ع) الى ما يمكن
ان يخدش في كرامة الانسان، معتبرا تكبر الحاكمين
من
اهم الاسباب التي تؤدي الى ذلك، ولذا فهو يذكر
بامور
مهمة بالنسبة للتكبر، وخصوصا تكبر الحاكمين فيقول:
«فلو
رخص الله في الكبر لاحد من عباده لرخص فيه لخاصة
انبيائه واوليائه، ولكنه سبحانه كره اليهم
التكابر ورضي
لهم التواضع»((258))، وكما انه يشير الى ذلك في
خطبة القاصعة التي يذم فيها التكبر((259)).
ب - مبدا السعي الانساني الى الله
على صعيد آخر، يعتني الله تعالى ايضا بعباده،
ويعاملهم برحمته
وعطفه، والى هذه العلاقة الثنائية يشير
الامام علي(ع) بقوله:
«اللهم انك آنس الانسين لاوليائك،واحضرهم
بالكفاية
للمتوكلين عليك، تشاهدهم في سرائرهم، وتطلع عليهم
في
ضمائرهم، وتعلم مبلغ بصائرهم، فاسرارهم لك
مكشوفة،
وقلوبهم اليك ملهوفة، ان اوحشتهم الغربة آنسهم
ذكرك، وان
صبت عليهم المصائب لجاوا الى الاستجارة بك»((260)). وقد ساله دعلب اليماني فقال: هل رايت ربك ياامير المؤمنين؟ فقال(ع): «أفاعبد ما لا ارى؟». فقال: وكيف تراه؟
فقال: «لا تراه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه
القلوب بحقائق الايمان، قريب من الاشياء غير
ملامس، بعيد
منها غيرمباين»((261)).
وفي مكان آخر من هذا الكلام يقول(ع): «تعنو
الوجوه لعظمته، وتجب القلوب من مخافته»((262)).
ويبين(ع) اشتياق القلوب الله بعبارة اخرى: «وتولهت
القلوب اليه
لتجري في كيفية صفاته»((263))، اي ان القلوب قد اشتد
عشقها وميلها لمعرفة كنهه وصفاته تعالى.
وبهذا البيان، نرى ان الامام(ع) لم يكن ينظر الى
الانسان بوصفه موجودا تائها حيران لا هدف له فحسب،
بل هو
موجوديهدف للوصول الى الله تعالى. وبناء عليه، فان
اي عملية
تنظيم لحقوق الانسان يجب ان تحتوي على روحية السير
الى
الله والتكامل، واما التعاليم الحقوقية التي تفترض
ان للانسان
وجودامستقلا، او انه غير مرتبط بالله، فهي تعاليم
لم تؤخذ من
منبع الحق والواقع.
وطبيعي ان من يرفض هذا المنبع الصحيح، يقع غالبا
في مشاكل تطبيقية، والا فالجميع يعتقد بان الانسان
موجود
له ارتباط بجهة ما.
ج - مبدا الخلود الانساني
وفي هذه الوصية، يصف الامام علي(ع) حالة اولئك
الذين وصلوا
الى حقيقة هذا الامر بقوله: «انما مثل من خبر
الدنياكمثل قوم
سفر نبا بهم منزل جديب، فاموا منزلا خصيبا
وجنابا مريعا،
فاحتملوا وعثاء الطريق وفراق الصديق وخشونة
السفر، وجشوبة
المطعم، لياتوا سعة دارهم ومنزل قرارهم»((265)).
واما الذين لم يصلوا الى هذه الحقيقة،
وظنوا ان الدنيا
مكان بقاء، وتعاملوا معها على هذا الاساس فقد
اخطاوا
التطبيق،
لذا عبر عنهم(ع) بعبارة: «من اغتر بها»((266)).
ثم يوصي(ع) بان تعد الاخرة اصلا مقدما على الدنيا
وحاكماعليها، فيقول في وصيته لابنه: «فاصلح مثواك
ولا تبع
آخرتك بدنياك»
((267)).
من هنا، كان من الضروري ارساء حقوق الانسان على
هذاالركن
الركين، ليلاحظ ما يؤدي الى السعادة الابدية في
كل حق من
هذه الحقوق.
هذه هي اهم المبادى والاسس الفلسفية التي ترتكز
عليهاحقوق الانسان، لكن تبقى علينا الاشارة الى
انواع
هذه الحقوق، وسوف نتعرض للبحث في ثلاثة حقوق مهمة
في
ما
ياتي:
أولا - حق الحياة
لم يقتصر اهتمام الامام(ع)، في الاشارة الى اهمية
هذا
الحق،على توجيهاته فقط، بل انه ربى الذين تخرجوا من
مدرسته على الاهتمام به، اضافة الى ذلك بين(ع)
القوانين
والاحكام القائمة على هذا الحق في النظام الحقوقي
الاسلامي،
مؤكداالاهتمام به في حكومته، ومطبقا اياه بدقة في
احكامه القضائية.
وقد كان(ع) يبين بشكل عميق وواضح كذلك الاثار
الوضعية والاجتماعية المترتبة على عدم احترام حق
الناس
في الحياة.
وتبرز اهمية هذا الحق في قوله: «ورثت عن
رسول الله(ص)
كتابين: كتاب الله وكتاب في قراب سيفي، قيل: ياامير
المؤمنين ما قراب سيفك؟ قال: من قتل غير قاتله اوضرب
غير
ضاربه فعليه لعنة الله» ((268)).
وقد أجاز(ع) بهذا البيان الضرب بالسيف اذا لم يؤد
الى
قتل الابرياء، وهذا الامر نفسه هو الذي يشير اليه
في عهده
لمالك الاشتر بقوله: «اياك والدماء وسفكها بغير حلها، فانه ليس شيء ادعى لنقمة، ولا اعظم لتبعة، ولا احرى بزوال
نعمة
وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها»((269)).
وهكذا لا يقتصر الامام(ع) على بيان حرمة القتل فحسب،
بل انه
يحذر مالك الاشتر من آثاره الوضعية والاجتماعية،
ففي تتمة
هذا الكلام يشير(ع) الى جزاء هذا الفعل يوم
القيامة بقوله: «والله
سبحانه مبتدى بالحكم بين العباد في ما تسافكوا من
الدماء يوم
القيامة»((270)).
فهذه التتمة في كلام الامام(ع) تدل على الاهمية
القصوى لحق الحياة، لان هذا الحق سيكون اول مسالة
يحاسب
عليها الانسان يوم القيامة فيما لو اقترن القتل
بغير الحق، ثم
يشير في بقية كلامه الى امر مهم جدا، وهو انه ينبغي
على
الحاكم ان لايتوسل لتقوية حكمه وسلطانه باراقة
الدماء، هذه
المسالة التي اثقلت تاريخ البشرية على الدوام،
ولعله لذلك عد
الاعلان العالمي لحقوق الانسان حق الحياة من
اولوياته
الاساسية.
ثم يشير الى بعض آثاره الاجتماعية بقوله(ع): «فلا
تقوين سلطانك بسفك دم حرام، فان ذلك مما يضعفه بل
يزيله وينقله»((271)).
وبعد ذلك يحذر(ع) عامله بانه في حال التخلف عن
هذا الحكم،
لن يقبل الله له عذرا ابدا: «ولا عذر لك عند الله
ولاعندي في
قتل العمد، لان فيه قود البدن»((272)).
لكن الحاكم مع رعاية جميع جوانب الاحتياط، قد يقع
في خطا
من هذه الجهة، ويبتلى بقتل انسان اشتباها، فحينئذ
يجب على
الحكومة ان لا تتنصل من مسؤولياتها في تحمل
هذه الخسارة،
كما يجب ان لا تمنع هيبة الدولة وكبرياؤها
من الاعتذار لاولياء
المقتول وارضائهم: «وان ابتليت بخطا وافرط عليك
سوطك او
سيفك او يدك بعقوبة، فان في الوكزة مما فوقها مقتلة،
فلا
تطمعن بك نخوة سلطانك عن ان تؤدي الى اولياء
المقتول
حقهم»((273)).
وهكذا يبين الامام علي(ع) - ضمن كلامه - قواعد
كثيرة للحفاظ
على حياة الناس في نسيج النظام الحقوقي
الاسلامي، او انه
يبينها عمليا في الاحكام التي قضى فيها. ويمكننا
الاشارة الى
بعض هذه القواعد والاحكام: - لزوم القصاص على المولى الذي امر عبده بقتل شخص آخر((274)).
-
الحكم بالقصاص على المباشر للقتل والحبس
المؤبد
للمساعد، في مسالة التعاون على القتل، وفيما
لو
امسك احدهما رجلا، فقتله الاخر((275)).
-
ان المجنون اذا قتل شخصا يعد قتله خطا((276)).
-
ان القصاص يجري على اتباع الديانات الاخرى((277)).
-
ان دية من قتل في ازدحام الناس، يوم الجمعة، من بيت
المال((278)).
-
ان
دية القتل الناشى عن اشتباه القضاة من بيت المال((279)).
-
ان دية من وجد مقتولا في الصحراء فديته من بيت المال((280)).
وهناك
العديد من امثال هذه الاحكام القضائية
التي تكشف عن ان القواعد الحقوقية في الاسلام قد
انتظمت
على اساس احترام حياة البشر. وقد افتتح الامام
علي(ع)
عهده باحترام حياة الانسان، وسعى كثيرا، في
اثناء توليه
الحكم، الى اجراء هذه المسالة وتطبيقها عمليا،
وكذلك الحال
في نهاية حياته، حيث اشار في آخر وصاياه الى رعاية
الاحتياط
في الدماء: «يا بني عبد المطلب، لا الفينكم تخوضون
دماء
المسلمين خوضا تقولون: قتل امير المؤمنين، الا
تقتلن بي
الاقاتلي»
((281)).
ومن الضروري التذكير هنا بمسالة، وهي انه يستفاد من
كلام الامام علي(ع) - ومن التعاليم الاسلامية بشكل
عام - ان حرمة
قتل الانسان ليست حرمة تكليفية فقط، بل ان
الحرمة المذكورة ناشئة من اعتبار حق الانسان في
الحياة،
وبعبارة اخرى: انما حرم الاسلام قتل الناس انطلاقا
من اعتقاده
بان للانسان حقا في الحياة، ويعد قتله تجاوزا لهذا
الحق،
والشاهد
على هذه الدعوى هو الاية الكريمة: (من قتل
نفسا بغير
نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس
جميعا)[المائدة/32]. فعلى ضوء هذه الاية، يعد قتل
الانسان
جريمة في حق الانسانية جمعاء، ويراد من تشبيه ذلك
بقتل
الناس جميعا، ابراز ان حق المرافعة والادعاء ثابت
للجميع،
بمعنى ان اي انسان يقتل مظلوما من دون وجه شرعي
وقانوني، يمكن لجميع الناس على وجه الارض ان
يطالبوا بدمه. وهنا يمكن ان يثار هذا السؤال، وهو: ان قبح قتل الانسان اذاكان امرا مسلما في جميع الاديان والقوانين القديمة، مثل شريعة حمورابي، او في اوامر الملوك الكبار امثال قورش، فلماذا اذا طرح موضوع حق الحياة في اعلان حقوق الانسان بوصفه ظاهرة جديدة، وانموذجا مثاليا مبتكر اللانسانية؟
الواقع انه، على الرغم من كون قتل الانسان قبيحا
وممنوعا
من الجهة القانونية عند المجتمعات السابقة، الا
انه لا يمكن
انكارحقيقة مهمة مفادها انه قبل اعلان حقوق
الانسان لم
تكن انظمة المجتمعات تعد حق الحياة للانسان بما هو
انسان،
بل كانوا يقسمون الانسان الى قسمين: مقرب وغير
مقرب،والوحيد الذي كان يتمتع بحق استمرار الحياة
هو
الانسان المقرب، اما الاخرون فلم يكونوا يعاملون
باي احترام،
وعلى هذا الاساس كانت تنشب الحروب وكانت الحكومات
تقوم بتوسيع حدودها، وترتكب المجازر الجماعية،
وتشن
الغارات وتجري عمليات الاسترقاق، وبعبارة اخرى:
كان
الحكام الظالمون يعطون لانفسهم الحق في التعدي على
الاخرين وافنائهم بالمقدار الذي يمكنهم من تامين
سعادتهم
وتلبية حاجاتهم وحاجات الاشخاص القريبين منهم،
والذين
كانوا يشكلون بطانة هذا الحاكم والموالين له، تماما
كما ينظر
الانسان اليوم الى الحيوانات والمصادر الطبيعية
الاخرى على
انها مسخرة له، ولا يرى اي حق لها في الحياة الا بما
يتناسب
مع رفاهيته، بل بما انه يعد نفسه اشرف منها، يمكنه
ان
يصطادمنها ويذبح مقدار حاجته بما يؤمن غذاءه
ولباسه.
ومن المناسب ان نشير الى ان بعض الاديان - بناء على
فهم عدة
من اتباعها - تعد المسالة من هذا القبيل، فالانسان
بما هوانسان
ليس لديه اي حق في الحياة، بل انه ينقسم الى
قسمين:
قسم
مؤمن والاخر غير مؤمن، اما القسم الاول فحياته
موضع احترام
ورعاية، اما القسم الثاني فلا حق له في الحياة على
وجه المعمورة.
يقول مفسرو التوراة: ان الله جعل اليهود شعبه
المختار،
وهم اشرف انواع الانسان، بل اشرف الموجودات على
الاطلاق،
وقد اوصاهم في الكتاب المذكور بان يتغلبوا
على
الاخرين غلبة لا رحمة فيها، فاذا انتصروا عليهم
عليهم ان
يقتلوهم جميعا
ولا يبقون على حي، يدمرون كل ارزاقهم
ويخربون ديارهم ويحرقون زرعهم.
لكن لا شك في ان مثل هذا الفهم لا يمكن ان ينسجم
مع المنطق الفطري، ومع معرفتنا بالتعاليم
الالهية، والتربية
الناشئة عن المعارف الاسلامية، بل يمكن القول
قطعا: ان هذا
النوع من التفسير هو من تحريفات رجال الدين اليهود
ومن
صنعهم،لذا يقول القرآن في مقام النقض على الفكر
اليهودي الاستعلائي: (قل يا أيها الذين هادوا أن
زعمتم أنكم
أولياء الله من دون الناس فتمنوا الموت ان كنتم
صادقين *
ولايتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله
عليم بالظالمين)[الجمعة/6 و7].
نعم يوجد مثل هذا التفسير في الاسلام ايضا لدى
بعضهم، وهو
ان على المسلمين ان يحاربوا غير المؤمنين حتى
يسلمواويدينوا بدين الاسلام، وبتعبير آخر: ان
الاصل في
علاقات المسلمين بغيرهم - في نظر هؤلاء - هي
المخاصمة والمحاربة، الا اذا لم يكن للمسلمين قدرة
على
ذلك، ويستند اصحاب هذا الراي الى ادلة من الايات
القرآنية
والروايات،
وسيرة بعض الزعماء المسلمين.
وبناء على هذا التفسير، ليس للانسان اي حق في
الحياة
من حيث هو انسان، بل الانسان المؤمن هو الذي له ان
يتمتع
بهذا الحق، اما الانسان غير المؤمن فلا قيمة لحياته
وليس له
ذاك الحق. |
|---|