الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

لكن نحن نعتقد - طبقا للتعاليم الاسلامية - بان الانسان غيرالمؤمن وان كان الانسان المؤمن يعامل باحترام خاص ولديه حقوق خاصة لاجل ايمانه، له الحق في الحياة، بل الانسان من حيث هو انسان لديه كرامة انسانية وحق في العيش، والشيء الوحيد الذي يسلب هذا الحق منه هو ظلم الاخرين والتعدي عليهم، بحيث يشكل وجوده خطرا على المجتمع، ويؤدي الى الفساد في الارض، فقتل هذا الانسان هو القتل الوحيد الموصوف بانه قتل بالحق، اما بقية الناس فحياتهم موضع احترام في التعاليم الالهية.

لذا ورد في القرآن: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق) [الاسراء/33]. وعبارة «القتل بالحق» قد وردت في عدة آيات اخرى، من جملتها آية (32) من سورة المائدة التي تقدم ذكرها، ففي تلك الاية ذكر موردان للاعدام المجاز فقط، وعد قتلا بالحق وعملا مشروعا:

المورد الاول هو القتل، اي عندما يسلب شخص حياة شخص آخر، ويضيع حقه في الحياة، وهنا ايضا تمكن المحافظة على حياته، فان ذلك منوط برضا الشخص المعتدى عليه او وليه.

والمورد الثاني هو قتل من يمس بالامن الاجتماعي والنظام العام، وهو «المفسد في الارض».

وفي نظرنا، فان مفاد التعاليم الاسلامية هو ان اي انسان غيرمشمول بالموردين السابقين يبقى حقه في الحياة محفوظا، ولايمكن لاي شخص ان يعتدي على حياته. لا فرق في ذلك بين المؤمن وغير المؤمن بل هما متساويان، فغير المؤمن - كما هي حال المؤمن - ما لم يصر مصداقا لاحد الموردين المذكورين فلن يكون محكوما عليه بالموت لمجرد عدم ايمانه.

أما الامر بالجهاد في سبيل الله، فليس معناه قتل الانسان لعدم ايمانه، بل هو بمعنى الجهد والسعي في طريق الله ونشر دينه عبر التبليغ والتفهيم، وهنا فقط يسمح بقتل الاشخاص الذين يمنعون من وصول دعوة الحق الى بقية البشر، ويقفون في وجه الداعين للحق ويحاربونهم ويقاتلونهم او الذين يؤجّجون الفتن، والقرآن يشهد على ذلك بعدة آيات:

1 - (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا أن الله لا يحب المعتدين) [البقرة/190].

يستوحى من هذه الاية قضيتان يحسن التوجه اليهما: الاولى هي ان الاية استعملت كلمة «قاتلوا» المشتقة من مصدر«قتال»، لا كلمة «اقتلوا» المشتقة من مصدر «قتل». ومن الواضح ان باب المفاعلة يحكي عن مفهوم المقابلة، وعليه فيكون مفاد الاية هو الامر بالدفاع لا الهجوم والغزو.

والقضية الاخرى هي ان المفهوم المندرج في كلمة «قاتلوا»،باضافته الى القيد الاخير «الذين يقاتلونكم»، يتحدد بخصوص من يقاتل، ويعد الخروج عن هذا الحد تجاوزا للامر المسموح به، ينطبق عليه عنوان المخالفة.

وتوضيح ذلك انه لا يوجد اي وجه شرعي للمواجهة المسلحة مع الذين لا يريدون مواجهتكم بالسلاح، واذا فعلتم ذلك فسوف يعد هذا الفعل تعديا على الحد الشرعي، وبعبارة اخرى: ان عكس النقيض المنطقي للاية السابقة هو: «ولاتقاتلوا الذين لا يقاتلونكم».

ولا خلاف في ان الذين يواجهون المؤمنين بالسلاح بدافع اعتقادي، ويسدون الطرق امام الداعين للحق، ويؤججون النار في وجوههم، هم من المانعين لانتشار دين الله، والمحاربين الله ولرسوله. اما الذين يقومون بذلك بدافع غير اعتقادي كالسرقة المسلحة مثلا، والقتل والاغارة والسلب، فهم من مصاديق المفسدين في الارض، وينطبق على كلا النوعين حكم الاية الكريمة: (انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض)[المائدة/33].

2 - (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) [البقرة/193 - الانفال/39]، توضح هذه الاية ان الهدف من قتال المحاربين هو دفع الفتنة، ودفع الفتنة يعد نشرا لدين الله، كما يستفاد منها ايضا ان الذين يعوقون دعوة الحق هم مفتنون، ويريدون من خلال ذلك ان يحملوا عقائدهم على الاخرين، من دون ان يفسحوا المجال امام الناس لسماع قول مخالف لهم،والتشكيك في ما فرضوه عليهم من الاساطير والخرافات السابقة المتجذرة في نفوسهم، والعمل على نقدها وتحليلها.

اما موضوع المرتد - وهو الذي يدخل في الدين، ويعلن ايمانه والتحاقه بالمجتمع المؤمن، ثم يتولى عنهم، ويعمل على ايجادالتشكيك والفتور في المجتمع الواحد عبر النفي النظري والعملي لمعتقداتهم - فيمكن ايضا ان يعد من مصاديق المفسد والمفتن.

وخلاصة القول: انه لا يمكن لاي شخص ان يتمسك بمعطيات التاريخ الاسلامي ووقائعه - التي كانت بلا شك قضايا وحوادث محفوفة بشرائط خاصة وزمان محدد - ان ينسب للاسلام مبدا عدم احترام حق غير المؤمن في الحياة، وان يظهر هذا الدين وتعاليمه الانسانية بشكل قاس وعنيف. فهذا نداء علي(ع) لمالك الاشتر الذي يسمع التاريخ: «ولاتكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم اكلهم، فانهم صنفان: اما اخ لك في الدين واما نظير لك في الخلق»((282)).

ولم يحدثنا التاريخ ابدا ان الامام عليا(ع) عاقب احدا من مخالفيه والمعترضين عليه بالاعدام، الا ضمن الشرائط الخاصة التي تنتهي في الواقع الى شرطي الافساد والفتنة.

وقد جاء، في كتاب الغارات للثقفي، ان عبد الرحمن بن جندب نقل عن ابيه انه عندما وصل الى الامام علي(ع) خبرمقتل الخريت بن ارشد رئيس فرقة بني ناجية الذين كانوا من الخوارج قال: «هوت امه، ما كان انقص عقله واجراه على ربه، فانه جاءني مرة فقال لي: ان في اصحابك رجالا قد خشيت ان يفارقوك فما ترى فيهم؟ فقلت له: اني لا آخذ على التهمة، ولا اعاقب على الظن، ولا اقاتل الا من خالفني وناصبني واظهر لي العداوة، ثم لست مقاتله حتى ادعوه واعذر اليه، فان تاب ورجع الينا قبلنا منه وهو اخونا، وان ابى الا الاعتزام على حربنا استعنا بالله عليه وناجزناه، فكف عني ما شاء الله، ثم جاءني مرة اخرى فقال لي: اني خشيت ان يفسد عليك عبدالله بن وهب، وزيدبن حصين الطائي، اني سمعتهما يذكرانك باشياء لو سمعتها لم تفارقهما عليها حتى تقتلهما او توثقهما، فلايفارقان محبسك ابدا، فقلت: اني مستشيرك فيهما، فماذاتامرني به؟ قال: اني آمرك ان تدعو بهما فتضرب رقابهما، فعلمت انه لا ورع له ولا عقل، فقلت: والله ما اظن ان لك ورعاولا عقلا نافعا، والله كان ينبغي لك ان تعلم اني لا اقتل من لم يقاتلني ولم يظهر لي عداوته، ولم يناصبني بالذي كنت اعلمتكه من رايي حيث جئتني في المرة الاولى ووصفت اصحابك عندي، ولقد كان ينبغي لك لو اردت قتلهم ان تقول لي: اتق الله، لم تستحل قتلهم ولم يقتلوا احدا ولم ينابذوك ولم يخرجوا من طاعتك؟»((283)).

ثانيا - حق الحرية
هناك اختلاف كبير في تعريف الحرية وماهيتها، لكن يمكن القول اجمالا: ان الحرية بلحاظها الحقوقي عبارة عن نوع من الاستقلال الذاتي في مراحل مختلفة من الحياة، وهي ضرورية من اجل ترقي شخصية الانسان، ضمن اطار المقررات والضوابط الالهية والعقلائية.

طبعا يجب الالتفات الى ان مجرد بيان الحرية ليس كافيا، بل الاهم من ذلك هو بناء ثقافة الناس عليها، وايجاد مجتمع قادرعلى الاستفادة الحسنة منها، وهذا الامر كان ظاهرا وجليا في حياة الامام علي(ع)، فان الامام(ع) لم يقتصر على بيان الحرية فقط، بل انه اسس بقوله وفعله لهذه الثقافة، وعمل على ايجاد المقومات الاجتماعية للاستفادة من الحرية، عبر حث الناس على امتلاك روحية الشهامة، والحكام على التحلي بسعة الصدر، كما انه ابرز نفسه - على مستوى العمل - اسوة وانموذجا كاملا في ذلك، واضافة الى اعمال الحرية، فقدقام(ع) ايضا بارشاد الناس وبيان بعض الحقائق، ومنعهم من سوء الاستفادة من هذا الحق.

وهنا سنشير باجمال الى اسس الحرية، ثم نبين بعض المواردالتي كان للامام(ع) فيها ممارسة عملية.

أ - سعة صدر الحكام
يبين الامام(ع) بكلام بسيط ومليء بالمعاني ان: «آلة الرئاسة سعة الصدر»
((284))، وهذه الصفة تتجلى بوضوح عندالشخص القادر على العقوبة، لكنه يعفو ويصفح: «اولى الناس بالعفو اقدرهم على العقوبة»((285)).

ولعل سبب اكثر حالات عدم سعة الصدر عند الحاكم هوالكبر والغرور، لذا يقول الامام(ع) في خطبته المشهورة القاصعة: «فلو رخص الله في الكبر لاحد من عباده لرخص فيه لخاصة انبيائه واوليائه، ولكنه سبحانه كره اليهم التكابر ورضي لهم التواضع» ((286)). وقد اشار الامام(ع) الى مشكلة الحكام بشكل واضح، وبهذا الوضوح ايضا حذر مالك الاشترمن الكبر: «اياك ومساماة الله في عظمته والتشبه به في جبروته»((287)).

وهذا المقدار لم يكن كافيا وحده، بل لا بد من المضي الى ابعد من ذلك، فيجب على الحكام ان يتعاملوا من دون تكلف مع رعاياهم، حتى لا يظن بهم الناس حب التفاخر، من هنا قال امير المؤمنين(ع) في خطبة: «وان من اسخف حالات الولاة عند صالح الناس ان يظن بهم حب الفخر ويوضع امرهم على الكبر»((288)).

والابتعاد عن الكبر هذا يمكن ان يهيى الارضية المناسبة لسماع كلام الاخرين، وفي ذلك يؤكد الامام(ع) على مالك الاشتر: «واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلسا عاما فتواضع فيه الله الذي خلقك، وتقعد عنهم جندك واعوانك من احراسك وشرطك، حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع، فاني سمعت رسول الله(ص) يقول في غير موطن: (لن تقدس امة لايؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع)، ثم احتمل الخرق منهم والعي، ونح عنك الضيق والانف يبسط الله عليك بذلك اكناف رحمته»((289)).

وكذلك يوصي امير المؤمنين(ع) مالك الاشتر باكثر من ذلك، حيث يقول له: «ثم ليكن آثرهم عندك اقولهم بمر الحق لك، واقلهم مساعدة في ما يكون منك مما كره الله لاوليائه، واقعا ذلك من هواك حيث وقع»((290)).

بل انه(ع) ينصح مالكا بان يروض اهل الورع والصدق على ان لا يطروه بباطل لم يفعله، لان كثرة الاطراء تحدث الزهو وتدني من العزة((291)).

وبذلك يتضح كيف عمل الامام(ع) على تهيئة المناخ المناسب في حكومته لاعمال الحرية، وحسن استخدام الناس لها، وسعى الى معرفة آفاتها ورفع موانعها.

ب - ترغيب الناس في التفكير الحر
الطريقة الاخرى التي اتبعها الامام علي(ع) لتهيئة الاجواء المناسبة للاستفادة من الحرية هي نهي الناس عن التبعية العمياء للمستكبرين، ففي خطبة القاصعة يقول (ع): «الا فالحذر الحذر من طاعة ساداتكم وكبرائكم الذين تكبروا على حسبهم، وترفعوا فوق نسبهم»
((292)).

وفي مقابل هذا الكلام يدعو الناس للمشاركة في الحكم واداء المشورة بقوله: «فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة، ولاتتحفظوا مني بما يتحفظ به عند اهل البادرة ولا تخالطوني بالمصانعة»، ثم يقول: «ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي ولا التماس اعظام لنفسي، فانه من استثقل الحق ان يقال له اوالعدل ان يعرض عليه كان العمل بهما اثقل عليه، فلا تكفوا عن مقالة بحق او مشورة بعدل، فاني لست في نفسي بفوق ان اخطى، ولا آمن ذلك من فعلي الا ان يكفي من نفسي ما هواملك به مني»((293)).

يستكشف من هذا كله ان الامام عليا(ع) في صدد بناء مجتمع يمكن للناس فيه ان ينتقدوا الحكام بسهولة ومن دون خوف او فزع، ويقيم ثقافة الناس فيه على هذا الاساس، واللطيف ان هذه الخطبة ذكرها امير المؤمنين(ع) في حرب صفين، وهو الوقت الذي كان الامام(ع) فيه في امس الحاجة الى الطاعة المطلقة، ومع ذلك قام الامام(ع) وخطب في الناس وبين حقهم في التفكير بحرية. والاهم من ذلك هو ان امير المؤمنين(ع) طبق هذا الكلام واعطى للناس الحرية في ذلك خلال حكمه، مسجلا الانموذج الراقي للحاكم الاسلامي في التاريخ.

ج - نماذج من حياة علي(ع)
كما ذكرنا، فانه قد سجلت في حياة الامام علي(ع)،
وخصوصا في عهد توليه الحكم، بعض الحالات التي كان يتم فيها الاعتراض عليه من قبل بعض خصومه ومخالفيه، حتى في اثناء القاء خطبته، فيما كان الامام(ع) في المقابل يجيب على اعتراضاتهم، واحيانا يبين لهم الحقائق ويرفع لهم التباساتهم. وما يهمنا في هذا الموضوع هو تسليط الضوء على هذه الحالات بلحاظ ما فيها من ممارسة للحرية.

1 - ساله صاحبه من بني اسد: كيف دفعكم قومكم عن هذاالمقام، وانتم احق به؟ فقال(ع): «يا اخا بني اسد، انك لقلق الوضين ترسل في غير سدد، ولك بعد ذمامة الصهر وحق المسالة وقد استعلمت فاعلم..» ((294)).
مع ان الامام(ع) نبه في هذا البيان الجميل على مسالة تربوية مهمة، وهي ضرورة العلم بعد الاستعلام، الا ان الاجمل من ذلك انه(ع) جعل السؤال والعلم به حقامحفوظا للسائل، والاهم من هذا كله هو التفكيك بين الامرالتربوي والامر الحقوقي. فسؤال هذا الشخص، وان لم يطرح في الوقت المناسب، او انه لم يكن لائقا، الا ان الامام(ع) تعامل معه بلباقة، فلم يقل له: لا يحق لك السؤال ويجب مجازاتك، بل سمع سؤاله واجاب عنه، لكنه في الجواب نبه الى جانب تربوي مهم. وهو ان عليه ان يفهم كلامه جيدا. هذا التفكيك يلاحظيضا في تعامله(ع)ضمن قضايا اخرى، حتى انه(ع) في بعض المواردكان يجيب احيانا على بعض الاشخاص ببيان بعض الحقائق،لكن مع ذلك لم يكن - من الجهة الحقوقية - يمنعهم من الكلام والاعتراض، وامثال هذه النماذج تبدو واضحة في تعامله مع الخوارج.

2 - فعندما كان الامام(ع) مشغولا بالكلام، اعترض عليه برج بن مسهر وقال: لا حكم الا الله، فاجاب الامام(ع) باظهار شخصيته وبيان وضعيته واورد بحقه عبارة قاسية جدا، فقال له: «اسكت قبحك الله يا اثرم، فو الله لقد ظهر الحق فكنت فيه ضئيلا شخصك، خفيا صوتك، حتى اذا نعر الباطل نجمت نجوم قرن الماعز»((295)). لكن مع ذلك لم يمنعه من الكلام ولم يجازه على كلامه هذا.

3 - وهذا التصرف نفسه نقل في تعامله مع الاشعث بن القيس، فحينما كان امير المؤمنين(ع) يخطب في مجلس عام، قام الاشعث واعترض عليه، فقال: هذا الكلام عليك لا لك، فبين الامام(ع) في جوابه نفاق الاشعث، واشار الى تاريخه المظلم في الاسلام((296)).
فالامام(ع)، هنا، لم يتحدث عن حرمان الاشعث من الكلام او عن ضرورة مجازاته على كلامه، بل احترم حقه في حرية بيان رايه من الزاوية الحقوقية.

4 - وروي ايضا ان شخصا قال له: «انك على هذا الامر - اي الخلافة - يا ابن ابي طالب لحريص»، فاجابه الامام(ع) بدليل واضح على بطلان كلامه((297)). من دون ان يجازيه على قوله هذا.
هذا كله يدل على ان امير المؤمنين(ع)، بوصفه حاكمااسلاميا، كان يمنح الحرية للناس، لكن في الوقت نفسه كان يبين الكثير من الحقائق والامور التربوية من خلال اجاباته، بل انه(ع) كان يرى احيانا مخالفات، لكنه مع ذلك كان يحذر منها، من دون ان يحد من حرية الاشخاص.

5 - فقد ورد انه عندما عزم على المسير لقتال الخوارج قال له بعض اصحابه: يا امير المؤمنين، ان سرت في هذا الوقت خشيت ان لا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم، فاجابه الامام(ع) ثم التفت للناس، وقال: «ايها الناس، اياكم وعلم النجوم الا ما يهتدى به في بر او بحر، فانها تدعو الى الكهانة، والمنجم كالكاهن، والكاهن كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار»((298)).

ثالثا - المساواة
كلمة العدل في الثقافة الاسلامية مليئة بالمعاني، يمكنها ان تشمل حتى معنى المساواة بشكلها المعقول، فقد استخدم الامام علي(ع) كلمة العدل كثيرا في خطاباته، كمانشاهد اثرها بوضوح على منظومة الجهاز الحقوقي والاجرائي،فقد وصف الامام(ع) العدل، في كلمات مختلفة، بانه اقوى اساس
((299))، وميزان الله سبحانه الذي وضعه في الخلق((300))، وقوام الرعية((301))، وجمال الولاة((302))، وفضيلة السلطان((303))، وجنة الدول
((304))، وتصلح به الرعية((305))، ونظام الامرة((306)). والحال ان المساواة، في كثير من الموارد،هي مصداق للعدل ايضا، وسوف نكتفي هنا ببيان هذا القسم من العدل، لكن قبل ولوج جوانب هذه القضية، يجب التنبيه الى ان الامام عليا(ع) كان ينظر الى المساواة بوصفها اصلا في الاحكام الحكومية، واذا اجلنا النظر في عهده لمالك الاشترخرجنا بهذه النتيجة، وهي ان جميع الاوامر الذي ذكرها(ع) في هذا العهد تتعلق بجميع الناس الذين يعيشون في المجتمع الاسلامي، ولا يوجد اي فرق في ذلك بلحاظ الاختلاف القومي او العرقي او اللون او الصنف او غير ذلك، ويظهر هذاالتساوي في ثلاثين فقرة من كلمات هذا العهد، ويمكن اختصارها في هذه الكلمات:

الرعية بمعنى الافراد الذين يحكمهم نظام سياسي واحد.نظير لك في الخلق: العامة، كل امرى، عباد الله.

ويمكن تفصيل موضوع المساواة ببيان الامور الاتية:
أ - المساواة في الاخذ من بيت المال.
ب - المساواة امام القانون.
ج - المساواة في الرجوع الى المحكمة الصالحة، والحصول على الحكم العادل.

اضافة الى هذه الموارد، اقدم الامام علي(ع)على الغاء الطبقية عمليا وعلى حماية المستضعفين، وسوف نشير الى ذلك في نهاية المقال.

أ- المساواة في الاخذ من بيت المال
كانت الدولة الاسلامية، زمن حكم الامام علي(ع) ، تمتد على مساحة جغرافية واسعة، وكان مدخول بيت المال كبيرا جدا، واخذا لذلك بعين الاعتبار، فقد كان اعتماد اي نوع من التفضيل في العطاء، من بيت المال، مفضيا الى ظهور طبقات متفاوتة بين المسلمين، فيمكن لفريق خاص من المسلمين ان يستاثر بالاخذ من بيت المال، بينما يحرم الفريق الاخر من المسلمين من ذلك. لكن الامام عليا(ع)، باعتماده مبداالمساواة بين المسلمين في العطاء، واجه اصعب المشاكل، لان التفاضل في الاعطاء من بيت المال كان قد حصل في مرحلة سابقة لحكومته(ع)، فابو بكر، وان لم يقبل بما اشارعليه عمر في ان يفاضل بالعطاء في عهده، فان مبدا المساواة رفع، وتم اعتماد التفاضل في العطاء في العهد التالي، اي في حكومة عمر، وفي ذلك يكتب ابن ابي الحديد: «واما عمر،فانه لما ولي الخلافة فضل بعض الناس على بعض، ففضل السابقين على غيرهم، وفضل المهاجرين من قريش على غيرهم من المهاجرين، وفضل المهاجرين كافة على الانصار كافة، وفضل العرب على العجم»
((307)). وقد نقل ابن الجوزي مسالة التفاضل في العطاء بشكل مفصل عن سمكة بن عبد - الرحمن، وذكر سهم كل طبقة من بيت المال((308)).

فالتعامل مع هذه القضية، لم يكن سهلا ابدا، لان التفاضل الذي كان قائما آنذاك، كان قد اخذ شكلا دينيا وقانونيا، خصوصا انه قد مضى على سنة التفاضل اثنان وعشرون عاما، ماجعل الناس يعتادون عليها((309)). لذا كان بعضهم يعترض على مساواة الامام(ع)، باضفائه صبغة دينية على التفاضل.

وسوف نرى كيف تعامل الامام(ع) مع الجوانب المختلفة لهذه القضية، وكيف سعى الى الغاء ظاهرة التفاضل والقضاءعلى اسبابها، وكيف احيا سنة رسول الله(ص) مرة اخرى في المجتمع الاسلامي.

فمن اهم الامور التي فعلها امير المؤمنين(ع) انه بين ماهية بيت المال.

وقبل ان نذكر كلامه(ع)، في هذا الصدد، نعود قليلا الى عهدعثمان، فقد نقل ان عثمان ارسل شقيقه الوليد حاكما الى الكوفة، وكان ابن مسعود متوليا لبيت المال فيها، فاستقرضه الوليد من بيت المال، فاقرضه عبدالله ما ساله، ثم انه اقتضاه اياه، فكتب الوليد في ذلك الى عثمان، فكتب عثمان الى عبدالله بن مسعود: «انما انت خازن لنا، فلا تعرض للوليد في مااخذ من المال»، فطرح ابن مسعود المفاتيح وقال: «كنت اظن اني خازن للمسلمين، فاما اذا كنت خازنا لكم فلا حاجة لي في ذلك»((310)).

ان صدور هذا الكلام من عثمان ليس امرا بسيطا، بل هويعرب عن راي الخليفة وقتئذ ببيت المال، ومن ثم يمكن ان نرى بسهولة ان هذا التقسيم لا بد من ان يكون باختيار الخليفة.

وفي المقابل، كتب الامام علي(ع)، الى عامله على آذربيجان الاشعث بن قيس: «وفي يديك مال من مال الله عز وجل،وانت من خزانه حتى تسلمه الي»((311)). بهذا الكلام يبين امير المؤمنين ماهية بيت المال ووظيفة الخازن بشكل تام،فالمال بيد العامل ليس مالا للحاكم، بل هو مال الله.

لكن قد تثار اشكالية اخرى مهمة في المقام، وهي ان منشاظاهرة التفاضل في العطاء قد يكون من استنباط القانون نفسه،ما يعني ان هذا الامر قد اخذ شكلا قانونيا. لذا قام الامام علي(ع) بالغاء الارضية التي تساعد على استنباط هكذا نوع من القوانين، فقد خطب(ع) في الناس بعد بيعته بيوم، فقال من جملة ما قاله: «وايما رجل من المهاجرين والانصار، من اصحاب رسول الله(ص) يرى ان الفضل له على من سواه لصحبته، فان الفضل النير غدا عند الله، وثوابه واجره على الله، وايما رجل استجاب الله وللرسول، فصدق ملتنا، ودخل في ديننا، واستقبل قبلتنا، فقد استوجب حقوق الاسلام وحدوده، فانتم عباد الله، والمال مال الله، يقسم بينكم بالسوية، لا فضل فيه لاحد على احد، وللمتقين عند الله غدا احسن الجزاء، وافضل الثواب، لم يجعل الله الدنيا للمتقين اجرا ولا ثوابا، وماعند الله خير للابرار. واذا كان غدا ان شاء الله فاغدوا علينا، فان عندنا مالا نقسمه فيكم، ولا يتخلفن احد منكم، عربي ولاعجمي، كان من اهل العطاء او لم يكن»((312)).

وهكذا يظهر من هذا الكلام ان الامام عليا(ع) نفى اي فضل لاصحاب رسول الله(ص) في الاخذ من بيت المال، وحصرفائدة الصحبة بخصوص يوم القيامة، وجعل في المقابل ملاك الاخذ هو الاسلام فقط، ولم يعط لغيره اي دور في مسالة العطاء حتى التقوى.

ونرى ان من الادلة التي كان يتمسك بها المطالبون بالتفاضل في العطاء هو اشتراكهم في الجهاد والغزوات، بينما الكثير من المسلمين الاخرين كان قد اسلم بعد الفتح بشكل ظاهري، فجعلوا هذه الامور سببا للتمايز، وكانوا يحتجون على الامام علي(ع) في ذلك((313)).

ولكن الامام عليا(ع) كان يستدل على صحة عمله بالسيرة النبوية احيانا، وكيف كان النبي(ص) لا يفرق بين الناس في القسمة من بيت المال، وفي ذلك يقول(ع): «والله سبحانه موف السابق والمجاهد يوم القيامة اعمالهم»((314))، واحيانا اخرى كان يستدل بالقرآن: (يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم) [الحجرات/13].

وهكذا صار واضحا ان الامام عليا(ع) لم يترك لظاهرة التفاضل صورة قانونية بوساطة اي اجتهاد غير صحيح، خصوصا انه كان من الممكن ان تطلق عناوين مقدسة ودينية في سبيل الحصول على الدنيا، لكن الامام عليا(ع) ببعد نظره اجتث اساس هذه الافة التي ابتليت بها الدولة الدينية.

اضافة الى ذلك، فان اصل المساواة في العطاء، في نظر اميرالمؤمنين(ع)، كان اصلا حاكما وقاعدة عامة، حتى ان الحاكم نفسه لا يمكن ان يقبل باشتراط خلاف المساواة حين البيعة، ولذا عندما اشترط عليه طلحة والزبير شرطا مخالفا للمساواة قال(ع): «لا استاثر عليكما ولا على عبد حبشي مجدع بدرهم»((315)).

ونرى ايضا، ان الامام عليا(ع) لم يراع، في مسالة المساواة، مصلحة مجموعة من شيعته، والى ان كل حيلة قانونية في هذاالمجال امر مردود، فقد ورد في رواية ان مجموعة من شيعة علي(ع) اشارت عليه من باب المصلحة: «لو اخرجت هذه الاموال ففرقتها في هؤلاء الرؤساء والاشراف وفضلتهم علينا حتى اذا استوثقت الامور عدت الى افضل ما امر الله من القسم بالسوية والعدل في الرعية». فقد اراد هؤلاء ان يقولواللامام علي(ع): اذا كان مال بيت المال هذا من حقنا، فنحن سنتنازل عن هذا الحق، لتعطيه لرؤساء القبائل الذين يخاف عليهم اللحاق بمعاوية، وبذلك تستقر لك امور الدولة وتجتث اسباب الفتن. لكنه(ع) رد هذا الفكر المصلحي، وقال لهم:«اتامروني ويحكم ان اطلب النصر بالظلم والجور في من وليت عليه من اهل الاسلام»((316)). ثم اضاف: «والله لوكانت اموالهم ملكي لساويت بينهم فكيف وانما هي اموالهم»((317)).

ومثل هذا التفكير المصلحي ايضا ورد عن كبار اصحابه(ع)كمالك الاشتر، فقد ورد ان الاشتر جاء يوما الى الامام علي(ع)، وقال له: يا امير المؤمنين، لقد حاربنا مع اهل الكوفة في حرب الجمل وانتصرنا معهم على اهل الشام في حرب صفين، وكان ذلك في وقت كانت قلوبهم مجتمعة، اما الان فلانك تقسم المال بينهم بالسوية، - لا تفرق بين شريف ووضيع، ولا بين عربي وعجمي، ولا بين غني وفقير، فان الناس لا طاقة لهم على تحمل عدلك - ضعفت بذلك نيتهم،فتركوك وتوجهوا نحو معاوية طلبا لرغباتهم، فان اهل الدين والحقيقة قد قلوا، واكثر الناس يسعون الى الدنيا ويبيعون دينهم بدنياهم، فلو قسمت هذا المال بينهم لتميل قلوبهم نحوك، فينصرك الله بهم ويهزم عدوك. فاجابه الامام علي(ع): انه مع هذه الطريقة التي اعاملهم بها اخاف ان اكون قد ارتكبت شيئا من الانحراف عن جادة الحق، واما تفرق الناس فلاستثقالهم الحق والعدل، والله تعالى يعلم ان فرارهم ليس لظلم راوه مني، او انهم وجدوا شخصا اكثر عدلا فذهبوا اليه، بل انهم فروا من الحقيقة الى الباطل للنيل من حطام الدنيا الزائلة، وسوف يسالون يوم القيامة عما كانوا يعملون. اما ما ذكرته لي من اعطاء الاموال للاشراف، فلن اعطي حق امرىء لاخرابدا، ولن اطلب النصر بمال المسلمين.

اضافة الى بيانه النظري للقانون، فقد سعى(ع)الى تطبيقه بشكل دقيق، واجاب عمليا على شبهات الذين كانوا ينصحونه، حتى ان اخاه عقيلا اعترض عليه عندما ساوى بين الناس في توزيع المال. فقال: «فتجعلني واسود في المدينة سواء»، فاجابه علي(ع) : «اجلس، ما كان ههنا احد يتكلم غيرك، وما فضلك عليه الا بسابقة او تقوى» ((318)).

وفي مورد آخر، روي ان امراتين اتتا عليا(ع)عند القسمة:احداهما من العرب والاخرى من الموالي، فساوى بينهما في العطاء، فاعترضت عليه العربية وقالت: يا امير المؤمنين، اني امراة من العرب وهذه امراة من العجم، فقال الامام علي(ع): «والله لا اجد لبني اسماعيل في هذا الفيء فضلا على بني اسحاق»((319)).

ومع الاغماض عما تقدم، فان الامام عليا(ع) منع ايضا من الاستفادة غير القانونية من بيت المال، ولو كانت استفادة جزئية، ليكون الجميع متساوين في ذلك، حتى لا يستغل بعض المسلمين موقعه او الفرص التي تتاح له للاستفادة من بيت المال من دون بقية المسلمين، ولو كانت بمقدار الاستعارة او الاقتراض من بيت المال، حتى لو لم يكن الناس يرون في ذلك خلافا للشرع، الا ان امير المؤمنين(ع)واجه هذا الامر بشدة، فعندما اخذت ابنته عقد لؤلؤ من بيت المال عارية، عاتب خازن بيت المال وابنته عتابا شديدا، وقال لابن ابي رافع - خازنه على بيت المال - : «اتخون المسلمين يا ابن ابي رافع؟ فقال له: معاذ الله ان اخون المسلمين، فقال: كيف اعرت بنت امير المؤمنين العقد الذي في بيت مال المسلمين بغيراذني ورضاهم؟»((320)).

اضافة الى ذلك، فقد كان الامام(ع) يعمل نظارته الدقيقة على عماله حتى لا يصدر منهم اي تباطؤ في المساواة، فنرى الرقابة جلية في كتابه الى مصقلة بن هبيرة الشيباني عامله على اردشير خرة: «بلغني عنك امر ان كنت فعلته فقد اسخطت الهك واغضبت امامك، انك تقسم فيء المسلمين الذي حازته رماحهم وخيولهم واريقت عليه دماؤهم في من اعتامك من اعراب قومك، فوالذي فلق الحبة وبرا النسمة لئن كان ذلك حقا لتجدن بك علي هوانا ولتخفن عندي ميزانا»((321)).

وهكذا اتضح ان الامام عليا(ع) اهتم اهتماما كبيرا بمبداالمساواة على المستوى القانوني، وعلى المستوى العملي لتفويت الفرصة على من يريد استغلال المواقع والمناصب الحكومية استغلالا سيئا، وكذلك على المستوى التنفيذي ايضا، وبذلك تبقى عدالة الامام علي(ع) فخرا في ذاكرة التاريخ، وما مارسه من العدل نقطة مشرقة في تاريخ البشرية المظلم.

ب - المساواة امام القانون
من المساواة تساوي الجميع امام القانون، ولتفصيل هذه القضية نذكر امرين مستقلين:

الاول: ان الامام عليا(ع) اعتمد، في مسالة الحد من الانحراف القانوني، على النظرة التبعيضية في اول الامر، لانه لو فرض تعاظم الانحراف في الاسلام واخذه وجها شرعيا لشكل خطرا كبيرا على الكيان الاسلامي، لانه سيؤدي الى هدر حقوق الكثير من المسلمين. وهذا التعامل نراه واضحا في مواجهة الامام علي(ع) للخوارج، فان الخوارج بسوء استنباطهم من الايات القرآنية، وضعوا نظاما حقوقيا يقتضي جعل الاشخاص الذين يرتكبون ذنوبا في عداد الكافرين، ومن ثم يقضى بحرمانهم من كافة حقوقهم الاجتماعية. ثم ان الخوارج - بضيق نظرهم - رتبوا هؤلاء الكافرين على حسب اقترافهم للذنوب، وقاموا باجراء الاحكام الكلية عليهم.

يشير ابن ابي الحديد، في شرح نهج البلاغة، الى بحث يعدمفصليا في نظر الخوارج من الناحية الحقوقية، يبين فيه كيفية استخراجهم للقواعد الحقوقية من آيات القرآن، فمثلا في آية (انه لا يياءس من روح الله الا القوم الكافرون)[يوسف/87]. يعتقد الخوارج بان الفاسق لاجل فسقه واصراره على الذنب، يائس من رحمة الله، ومن ثم فهو كافر ويعامل كبقية الكافرين.

وقد اجرى الخوارج مثل هذا الاستدلال في آيات اخرى من قبيل: (والله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن العالمين) [آل عمران/97].

(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)[المائدة/44].

(فأنذرتكم نارا تلظى * لا يصلاها الا الأشقى * الذي كذب وتولى) [الليل/14 - 16].

(يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فاءما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد أيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون)[آل عمران/106].

(وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة * أولئك هم الكفرة الفجرة) [عبس/38 - 42].

(وأما الذين فسقوا فمأواهم النار)[السجدة/20].

(هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن)[التغابن/2].

فقد فسر الخوارج هذه الايات تفسيرا يجعل المذنبين فيها من الكفار، واجروا عليهم الايات التي تبين احكام الكفار. وكانت نتيجة مثل هذا الاستنباط ان يحرم الكثير من المسلمين من ابسط حقوقهم الاجتماعية - ومن ضمنها حق الحياة - وان ينعدم - من ثم - القانون العادل.

لكن الامام عليا(ع) وقف في وجه مثل هذا الاستنباط الاعوج، واستدل في محاججاته مع الخوارج بالسيرة النبوية، وعدد في احدى خطبه النتائج التي توصلوا اليها والمتنافية مع سيرة الرسول(ص) وسائر الاحكام الحقوقية الاخرى، حيث قال في هذه الخطبة: «وقد علمتم ان رسول الله(ص) رجم الزاني المحصن ثم صلى عليه ثم ورثه اهله. وقتل القاتل وورث ميراثه اهله. وقطع السارق وجلد الزاني غير المحصن، ثم قسم عليهما من الفيء ونكحا المسلمات، فاخذهم رسول الله(ص) بذنوبهم، واقام حق الله فيهم، ولم يمنعهم سهمهم من الاسلام، ولم يخرج اسماءهم من بين اهله»((322)).

وهكذا استخدم الامام علي(ع) نصوصا من القرآن والسنة للوقوف امام الاستنباط الخطى للقواعد الحقوقية عند الخوارج.

الثاني: ان الامام عليا(ع) كان يولي اهمية كبيرة لتساوي الجميع امام القانون، وقد تمت الاشارة الى بعض النماذج عند حديثنا عن التساوي في الاخذ من بيت المال، ونشير هنا الى نماذج اخرى:

فقد ورد، في رواية، ان الامام عليا(ع) خاطب عمر بن الخطاب بان اقامة الحدود على القريب وغير القريب من جملة الامور التي اذا عمل بها كفته غيرها من الامور((323)).

ويمكن ان نرى الانموذج العملي لكلام الامام علي(ع)المتقدم في زمن حكومة عثمان، حين كان الوليد بن عقبة - شقيق عثمان من امه - حاكما على الكوفة من قبل شقيقه لكنه - ونتيجة فسقه وتتالي شكاوى اهل الكوفة عليه - قام عثمان بخلعه، وحكم عليه بالجلد لتوافر الادلة الكافية للحكم بذلك، لكن احدا من المسلمين لم يجرؤ على اقامة الحد عليه خوفا من عثمان، فخاف الامام علي(ع) ان يعطل الحد، فاخذ السوط ودخل على الوليد، فقال له الوليد: نشدتك بالله والقرابة، فقال الامام علي(ع): «اسكت ابا وهب، فانما هلك بنو اسرائيل لتعطيلهم الحدود»((324))، ثم جلده.

وروي ان الامام عليا(ع) لما حد النجاشي - وكان يمنيا - غضبت اليمانية لذلك، وكان اقربهم اليه واخصهم به طارق بن عبدالله بن كعب النهدي، فدخل عليه، فقال: يا امير المؤمنين، ما كنا نرى ان اهل المعصية والطاعة، واهل الفرقة والجماعة عند ولاة العدل ومعادن الفضل سيان في الجزاء، حتى راينا ماكان من صنيعك باخي الحارث، فاوغرت صدورنا، وشتت امورنا، وحملتنا على الجادة التي كنا نرى ان سبيل مركبها النار.فقال علي(ع): (وأنها لكبيرة ألا على الخاشعين)، يا اخا نهد، وهل هو الا رجل من المسلمين انتهك حرمة من حرم الله، فاقمنا عليه حدا كان كفارته؟! ان الله تعالى يقول: (ولا يجرمنكم شن آن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)» ((325)).

وتكمن في الجهة الاخرى قضية مهمة، وهي لو فرض ان شخصا كان موظفا للقيام بعمل من قبل الحكومة، وتعدى المقدار القانوني المسموح به، لزمت مجازاته ومحاكمته. وهذه المسالة مهمة جدا خصوصا عندما يتحرك هذا الموظف انطلاقا من احساسه في تطبيق القانون، او انه يخطى مثلا في ذلك، لذا يقول الامام علي(ع) «ان الله حد حدودا فلا تعتدوها»((326)).

من هنا نرى امير المؤمنين(ع) عندما امر قنبرا باجراء حد على رجل، فاخطا قنبر في العد فزاده ثلاث ضربات، اقاده الامام علي(ع) من قنبر بثلاثة اسواط((327)).

نخلص من ذلك كله، الى ان الامام عليا(ع) كان يرى ان جميع الناس سواسية امام القانون، ولم يكن يجيز لاحد ان يتهرب من اجرائه عليه، او ان يستغل احد الموظفين من قبل الحكومة موقعه لظلم الناس.

ج- المساواة في المرافعة والحكم العادل
ان رعاية الحكام لمسالة المساواة بين الناس من جملة الاصول المسلم بها في نظام الحكم عند الامام علي(ع)، فقد ورد في كتابه الى بعض عماله: «وآس بينهم في اللحظة والنظرة، حتى لا يطمع العظماء في حيفك، ولا يياس الضعفاء من عدلك»((328)).

وشبيه هذه العبارة ورد في عهده الى محمد بن ابي بكر((329)).

ثم بعد ذلك، يبين الامام(ع) بعض الاثار الاجتماعية للمساواة، اذ لا يعود هناك طمع من العظماء بظلم الحاكم، ولايعود هناك ياس من الضعفاء في عدله، فهذان العاملان يتركان اثرا كبيرا على استقرار الحياة الاجتماعية والامنية العامة، لانه اذا يئس المستضعفون من العدل وامل المستكبرون بالظلم، فسوف يفسد المجتمع، ويرى المستضعفون انهم فقدوا طريق نجاتهم الوحيد، فيقومون على حكامهم.

وقد اوصى الامام علي(ع) شريح القاضي بمثل هذاالمضمون، حيث قال له: «ثم واس بين المسلمين بوجهك ومنطقك ومجلسك، حتى لا يطمع قريبك في حيفك ولايياس عدوك من عدلك»((330)).

الا ان هذه الوصية تبين امرا مهما آخر، وهو ان القاضي والجهاز القضائي عامة، يجب ان يعملا بعدل واستقلال وانصاف، بالشكل الذي يجعل حتى الاعداء يعتمدون على حكمه ولا يياسون من عدله.

وهناك ايضا مسالة اخرى، وهي ان الامام عليا(ع) يشير في وصيته هذه الى ضرورة عدم تيئيس الضعفاء من الحاكم، فان الضعيف ينظر الى الحاكم نظرة امل ورجاء، فاذا راى ان الحاكم يهتم بالعظماء فقط، فسوف يفقد هذا الضعيف امله ورجاءه في الحصول على العدالة.

اما العدالة في القضاء فهي اهم واعظم من ذلك، اذ ان العدالة يجب ان تكون متوقعة في الحكم ومرجوة حتى لو كان الحكم بين الاعداء، وقد ورد اصل لهذا الكلام في القرآن ايضا، حيث خاطب الله نبيه: (سماعون للكذب، أكالون للسحت فان جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وأن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وأن حكمت فاحكم بينهم بالقسط أن الله يحب المقسطين) [المائدة/42]، ويمكن ان نستفيد من هذه الاية امرين مهمين، الاول: ان هؤلاء القوم انما كانوا يسمعون كلام النبي(ص) ليكذبوه، هذا من جهة، ومن جهة اخرى هم آكلون للحرام ايضا، لكن مع ذلك اذا اراد النبي(ص) ان يحكم بينهم، كان عليه ان يحكم على اساس العدل، لا على اساس امور اخرى.

لكن اختيار القاضي للوصول الى مثل هذه العدالة في غاية الصعوبة، لذا يقول الامام علي(ع): «ثم اختر للحكم بين الناس افضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الامور، ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلة، ولا يحصر من الفيء الى الحق اذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بادنى فهم دون اقصاه، واوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، واقلهم تبرما بمراجعة الخصم، واصبرهم على تكشف الامور، واصرمهم عند اتضاح الحكم»((331)).

وقد وردت وصايا كثيرة مماثلة للقضاة في هذا الامر((332)).

اضافة الى ذلك، كان(ع) يهتم كثيرا بتطبيق هذه الامور، فعندما عزل ابا الاسود الدؤلي عن القضاء، فقال له: لم عزلتني وما خنت ولا جبنت؟ قال(ع): «اني رايت كلامك يعلو كلام خصمك»((333)).

د- القضاء عمليا على عدم المساواة
ما ذكرناه حتى الان يعرب فقط عن الجانب الحقوقي والاخلاقي للعدل والمساواة، وهنا يجب الاعتراف بان المجتمعات البشرية مبتلاة غالبا بعدم المساواة العملية، فطبقة من المجتمع تعيش حياة مرفهة، وطبقة اخرى ترزح تحت مشقة العذاب والفقر.
وهنا لا بد من التفكير بمخرج عملي، لذاتمت الاشارة الى هذه الحقيقة في المادة الخامسة والعشرين من الاعلان العالمي لحقوق الانسان: «لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولاسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية وكذلك الخدمات، وله الحق في تامين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وغيرذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن ارادته»((334)).

نعود هنا الى سيرة الامام علي(ع) لنراه يقول في كلام مفعم بالمعاني: «وظلم الضعيف افحش الظلم»((335)). وهذا الكلام يقيم ثقافة الناس - اول الامر - على اساس عدم ظلم الضعيف لانه ضعيف، لكن يجب الفراغ عن ذلك، في المرحلة اللاحقة، والذهاب الى اعمق من هذا، اذ لا بد من التفكير بالمحرومين ايضا، لذا يذكر(ع) في كلام شديد: «ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم والمساكين والمحتاجين واهل البؤس والزمنى، فان في هذه الطبقة قانعاومعترا» ((336)). ثم يصدر امرا باعطاء هؤلاء الاشخاص قسما من بيت المال، ومن غلات صوافي الاسلام من كل بلد.

والامر المهم هنا هو اولا: ان ما يعطى لهم ليس من تفضل الحاكم، بل هو حق لهم، لذا ورد في كلام للامام(ع): «وكل قد استرعيت حقه»((337)). وثانيا: من غير المقبول من الحاكم اهمال هذه الطبقة من الرعية، بحجة الاهتمام بالامورالكبيرة في حكومته، لذا يقول الامام(ع) في تتمة كلامه السابق: «فانك لا تعذر بتضييعك التافه لاحكامك الكثير من المهم»((338)).

وكما يفهم من عبارة الامام(ع) فان اهتمام الحاكم بالضعفاءليس مختصا بطبقة من دون اخرى، بل يشمل جميع افراد الرعية، فكلام الامام مطلق غير مقيد بقيد. وسيرة الامام العملية تؤيد ذلك، فقد ورد في رواية انه مربشيخ كبير يسال، فسال اصحابه: ما هذا؟ فقيل له: شيخ نصراني، فقال(ع): «استعملتموه حتى اذا كبر وعجز منعتموه، انفقوا عليه من بيت المال»((339)).

وفي مورد آخر، ورد ان الامام عليا(ع) التقى بامراة على كتفهاقربة ماء، فاخذ منها القربة فحملها الى موضعها، وسالها عن حالها فقالت: بعث علي بن ابي طالب صاحبي الى بعض الثغور فقتل، وترك علي صبيانا يتامى، فحمل لها الطعام في اليوم التالي وساعدها في اعداده، ولما سجر التنور ولفحت النار وجهه قال: «ذق يا علي هذا جزاء من ضيع الارامل واليتامى»((340)).

ووظيفة الحاكم ليست منوطة بمن اظهر فقره من المحتاجين،فقد ورد في العبارة التوصية بـ«المعتر»، والمعتر هو الفقيرالذي لا يظهر فقره، وكذلك يشير(ع)، في قسم آخر من كلامه، الى طبقتين اخريين: «اهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسالة نفسه»((341)).

الى هذا الحد من الحقوق ورد في البيان العالمي لحقوق الانسان، لكن الامام عليا(ع) لم يكتف بذلك، ولم يقل: ان المساعدة من قبل «الحكومة» فقط حق للفقراء، بل يجب على «الحكام» ان يعيشوا في حدود الحياة العادية، وهنا يكمن السرالذي جعل الحكومة العلوية تمتاز عن الكثير من الحكومات الاخرى، اي ان هناك الكثير من الحكومات التي توصل حق الفقراء اليهم، وتضع نظاما مناسبا للضمان الاجتماعي لكل فرد،الا ان الحكام فيها غير مستعدين للعيش كما يعيش الفقراء، من هنا يوصي الامام علي(ع) مالكا بقوله: (فلا يشغلنك عنهم بطر»((342))، اي لا تجعل النعمة عليك سببا لانشغالك عن الفقراء.

والاجمل من ذلك، ما ذكره(ع) لعامله عثمان بن حنيف الانصاري حين بلغه انه استجاب لدعوة بعض اهل البصرة، فزهده في هذه الامور بشكل غير مباشر، بقوله: «انك من اتباع امام قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه، ولم يعد لبالي ثوبه طمرا»، ثم يبين بكلام لطيف: «ولو شئت لاهتديت الطريق الى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذاالقز، ولكن هيهات ان يغلبني هواي ويقودني جشعي الى تخير الاطعمة، ولعل بالحجاز او اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع، او ابيت مبطانا وحولي بطون غرثى واكباد حرى»((343)).

هذه الطريقة من تعامل الحكام مع الرعية تعد من مختصات الحكومة العلوية، اي ان وظيفة الحاكم فيها ليست مقتصرة على ايصال حقوق المستضعفين اليهم فقط، بل يجب ان يخفف عليهم وطاة الفقر بمواساتهم في الزهد الذي يعيشه.

الخاتمة

ما تقدم حتى الان كان عبارة عن خلاصة لاهم مبادى حقوق الانسان وقضاياها في نظر الامام علي(ع)، وكما ذكرنا، في طيات المقال، فالامام(ع) يعد الانسان موجودا مكرما، وفي الوقت عينه يرى انه غير مستقل تماما بل مرتبط بالله، ويسعى نحو هدف سام، هو الوصول الى الكمال ولقاء الله. وعلى اساس هذه المبادى والاصول يجب على الحاكم ان يبني حقوقه وواجباته تجاه الشعب.

فحق الحياة عند الامام علي(ع) اهم حق يجب الحفاظ عليه،وكذلك الحرية، وليس الحرية في الكلام فقط، بل تجب المحافظة عليها حتى في الاعمال، وقد رسم الامام(ع) - بشكل واضح - مسارها المناسب في ظل الدولة الدينية.

والى ان نصل الى استتباب العدل وانتشار الحكم العادل، يعدالامام عليا(ع) مظهرا للعدالة الحقيقية، ولا بد من ان تبقى كلمة العدالة مدانة للامام علي(ع)، كما انه يجب اعتبار الامام علي(ع) شهيد العدالة من دون اي تردد.

الاقليات واشكاليات المواطنة
نظرة في الفكر السياسي للامام علي(ع)

الشيخ عباس علي عميد الزنجانى

تمثل النصوص الواردة عن الامام علي(ع)وسيرته المصدرالاساس للبحث في حقوق الاقليات الدينية، كما تتجلى في فكره السياسي، الذي يعد تفسيرا ناطقا لتعاليم الاسلام، ويوفراطلالة جديدة من العلم والوعي والفضيلة على الافق الاسلامي الرحيب، لانه فكر مستقى من الوحي وسيرة النبي(ص).

الاخوة الانسانية

«فانهم صنفان، اما اخ لك في الدين،او نظير لك في الخلق»((344)).

يرى الامام علي(ع) ان ليس لاحد الحق، ايا كان، في ان يستصغر الاخرين او ان يستهين بهم (لا يسخر قوم من قوم)[الحجرات/2].

فلا ميزان للتفاوت والتفاضل عنده سوى التقوى، فالتمايزالمبدئي بين الافراد على اساس التقوى يمثل معيارا لتوزيع الواجبات بينهم، ووسيلة لتحقيق الاهداف الانسانية السامية،وليس عاملا للتمييز على المستوى المادي، كما اشار الى ذلك النبي(ص) في قوله: «ايها الناس، ان ربكم واحد، وان اباكم واحد، كلكم لادم وآدم من تراب، (ان اكرمكم عند الله اتقاكم)، وليس لعربي على عجمي، ولا لاحمر على ابيض، ولالابيض على احمر، فضل الا بالتقوى»((345)).

وهذا الكلام ينطلق من مبدا قرآني يرى ان جميع افرادالانسان مخلوقون من اب وام مهما اختلفت انتماءاتهم وتباينت خصوصياتهم: (الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء)[النساء/1].

العواطف الانسانية

«ولا تحقرن لطفا تعاهدتم به وان قل،... فلا تغدرن بذمتك،...ولا تخيسن بعهدك»((346)).

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية