الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

2 - الحق في حرمة التكوين
يكفل الاسلام للجنين حرمة التكوين السليم منذ ان اتجه في تصحيح منشا العلاقة الابتدائية بين والديه الى تقييدها، او قل الى تزيينها بالضوابط الشرعية والمعايير الاخلاقية المتقدمة. بل تراه يذهب الى ابعد من ذلك في تحصين انعقاد نطفته الاولى من ملابسات الشيطان نفسيا ومعنوياببركة صلاة الدخول وبسملة المباشرة وآدابها ودعاء التوقي عند الانزال: «اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا» ((451))، ويقرن بدعاء طلب الولد: «اللهم ارزقني ولدا،واجعله تقيا ذكيا ليس في خلقه زيادة ولا نقصان، واجعل عاقبته الى خير».

ذلك ان الولد انما هو امتداد للوالدين واستثمار برزخي نافع((452))... واما صحيا وماديا فقد حرم الوقاع في حالات الطمث وكرهه((453))على جنابة حتى يتوضا له وقائيا، وللاعتبارات التعبدية التي مرت.فمن حق اكرم اجنة الخلق طرا الاتقع علقته في مباءة الامراض اوان تكون عرضة للاصابات والتشوهات بسبب المحيض مثلا او اي وضع غير طبيعي. ولذلك يجيء هذا التحذير القرآني: (ويسالونك عن المحيض قل هواذى فاعتزلوا النساء في المحيض) [البقرة 22].

ولما نزه بديع السماوات والارض هذه الاتحوفة الخلقية، وهي آية من آياته سبحانه((454))، من جميع لوثات الزنا الذي غلظ في اقامة الحد عليه باعتبار خلاياها الاولى وامشاجها ستنعم في رغد محراب امها التكويني، فان ذلك يدل ايضا على تحريم التلاعب بالتلقيح الصناعي خشية الوقوع في الزنا المخبري. وتحريم العبث بالتحوير الجيني المغامر كحشر مجموعة جينات معدلة لامراتين في خلية واحدة. او ما يتذرع به تحت عنوان الطب الانجابي ومحاربة العقم واشكال المخاطرة باطفال الانابيب لاغراض مخبرية او تجارية وكذا المجازفة في عصرنا بالاستنساخ المتهور الا ان يكون عضويا او جزئيا لاغراض طبية انسانية مقننة في اطار فقهي واخلاقي ولا مناص: (هذا خلق الله فاروني ماذا خلق الذين من دونه...) [لقمان/11] وحسبنا هذا التكريم الاسلامي المبكر للجنين وهو لم يصمم بعد في الرحم الا ان يكون قد جرى لطف خلقه في كتاب الغيب قدرا مقدورا.

3 - الحق في المنسل الحسن
ان دينا يتعبد الناس بتنمية الذوق الجمالي الرفيع في وعيهم ومشاعرهم وملكاتهم بتوجيه سيرهم في الارض وانظارهم الى روائع خلق الله
((455)) في بدائع الطبيعة والكون والانسان كيف لا (وهو الخلاق العليم)
[يس/81] (الذي احسن كل شيء خلقه)[السجدة/7]، حتى اذا هزتهم فيوض الاعجاب وصنوف الانتشاء باسرار هذا الجمال الملكوتي الاخاذ لم يجدوا من لسان مسعف سوى بلاغة السماء في ترجيع تسبيحات الحمد والثناء على من تجلت كمالات قدرة ابداعه باسماء الجلال والجمال، لخليق ولا غرو اذا كان يتوخى هذه الجمالية الخلابة في كل صنع، ان يدعو الى تحسين النسل(eugenisme) وترقية السلالات البشرية. ولئن كان المصطفى(ص) يباهي باجتبائه، وحق له ذلك، ويفاخر بمعدنه الاشرف وضئضئه المزكى حيث يقول: «انا خيار من خيار من خيار»((456)) فالظن ابلغ من مجرد الاعلان عن انتقائية الاصلاب التي امتدحها له الوحي بقوله (وتقلبك في الساجدين) [الشعراء/219] وابعد في القصد من ذاتية المفاخرة والمباهاة، واكرم بهما واعزز؟ بيدان الغرض يتجه ايضا الى محثوثية الاحتذاء به في استخلاص اطيب العناصر واكرم الاعراق وانقى السلالات واطهرالانساب. ولهذا وبما ان قرآنيات كثيرة تقرر اتقان الصنعة الالهية في الخلقة الادمية مثل: (لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم)[التين/4] وحسن التصوير الرباني مثل: (وصوركم فاحسن صوركم) [غافر/64 - التغابن/3] وروعة مشيئة البارئ في التركيب الانساني مثل: (الذي خلقك فسواك فعدلك في اي صورة ما شاء ركبك) [الانفطار/7] ((457))، فقد بات من حق الجنين ان ياخذ حظه من مكرمة الخالقية القاضية باقومية تكوينه وامثلية تركيبه وربانية النفخة((458)) الموشحة فيه بقدسية التسوية والموشاة اختصاصا واعتزازا بتسجيد الكافة له من الجن والملائكة اجمعين الا ابليس المتابي غرورا.

وما استحثاثات الشريعة السمحة على وجوب التنسيل الحسن الا انسجام مع روحها ووضعها اصلامن اجل استتمام سعادة النوع وترقية حياته باحترام قوانين الوراثة وامتثال قواعد علم الاجنة. وها هو ذا علم الاستنساخ يستشرف في مطلع الالفية الثالثة آفاقا طيبة واعدة باكتشاف الخريطة الجنينية الكاملة للانسان ليته يتخذ مراشد الدين فيها عضدا! ويظل حق الجنين في تجويد منسله مخولا في الاسلام بحكم هذه الاثافية الذهبية المتفردة، وهي باقتضاب:

أ - الباعث الجمالي المتسامي في تعاليمه الى كل شيء رفيع يورث سرور النفس واقرار العين بكمال الاوصاف ولذيذ المرائي من مثل ما تسوقه هذه الايات المبدعة في التشويق الجمالي والمستقطبة لنماذج الحسن الدنيوي والاخروي حيث تقول: (حدائق ذات بهجة) [النمل/60]، او حيث تصف الفصائل النباتية: (من كل زوج بهيج) [الحج5 - ق/7] أو حتى في مستلهم الدعاء الذي لا يخلو من جمال: (والذين يقولون ربنا هب لنا من ازواجنا وذرياتنا قرة اعين واجعلنا للمتقين اماما) [الفرقان/69] وما الى ذلك من الجماليات التي (تسر الناظرين)[البقرة/69] في السرديات القرآنية((459)) الممتعة.

اما عن روايات الاحاديث الشريفة والاثار في هذا الصدد فنفائس غير نضيبة نجتزئ منهاعلى ما ياتي:

- بدءا بمراصد الجمال في من ستصبح اما: عن النبي(ص): «افضل نساء امتي اصبحهن وجها واقلهن مهرا»((460)) وقوله(ص): «خير النساء من اذا نظرت اليها سرتك...»((461)).

- لكن لا عبرة البتة بحسن لا يوشيه جمال الخلق، والا فـ«لامة خرماء ذات دين افضل»((462))، والا فالتحذير النبوي من الجمال المبتذل على اشده: «اياكم وخضراء الدمن، قيل: وماخضراء الدمن يا رسول الله ؟ قال:المراة الحسناء في المبت السوء»((463)).

- واللباب، في هذه الباعثية الرائقة، ما جاء في الصحيح: «ان الله جميل يحب الجمال»((464)).

ب - الداعي الوقائي من المعاطب الصحية والافات الوراثية لتقوية البنية الجينية قبل ان تخطط في الرحم، فتؤثر في سلوك الفرد((465))، في شطر منها.

اما الشطر الاخر فمتروك لفن التربية والبيئة التي سوف يعيش فيها. من ذلك الحكمة النبوية في الحث العام على التغريب في النكاح بدافعين اساسيين((466)): دعووي ووقائي. وقوله (ص): «انظر في اي شيء تضع ولدك، فان العرق دساس»((467)) او قوله (ص): «تخيروا لنطفكم فان العرق نزاع» وقوله (ص)((468)): «لا تنكحوا القرابة القريبة فان الولد يخلق ضاويا»((469)) اي نحيف او الضوى في اللغة دقة العظم او الهزال((470)). ودفعا لتوارث العمش نصح الرسول(ص) رجلا خطب امراة من الانصار قائلا: «ان في اعين الانصار شيئا، فاذا اراد احدكم ان يتزوج منهن فلينظر اليهن»((471)).

وحسبنا من ضرورة الفحص الطبي الوقائي للمقبلين على الزواج، في عصرنا،والمعمول به ضمن اللوائح الصحية لبعض البلدان المتحضرة، انه حفيد الاحتياط الاسلامي في هذا المجال.

ج- العامل الاخلاقي الذي يكفي في تاكيد دوره الخطير في نسيج البناء الروحي والمعنوي ودعم قابليات الشرف الموروث والشمائل السلبية او الخلال الدسيسة في الخلايا الجنينية قول الامام علي (ع): «حسن الاخلاق برهان كرم الاعراق»((472))، وفي خطابه لابنه محمد بن الحنفية حينما جبن عن التقدم في موقعة الجمل وتاثره من ضعفه تاثراشديدا، فاقترب منه، و «... ضربه بقائم سيفه وقال له: ادركك عرق من امك» ((473)). والقرآن الكريم يجلي هذه الحقيقة الناصعة على لسان نوح(ع) بعد ان يئس من هداية قومه طوال تسعمئة عام: (رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا * انك ان تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا الا فاجرا كفارا) [نوح/27] ومن ابلغ ما تفسر به هذه الاية الكريمة وراثيافي زماننا شهادة احد الحائزين على جائزة نوبل في الطب وهود. الكسيس كاريل Alexis Carel حيث يقول: «... لاننا مصنوعون من مواد آبائناوامهاتنا الخلوية...، فما صفاتنا ونقائصنا الا امتداد لنقائصهم وصفاتهم...»((474)).

وصفوة التعاليم النبوية، في هذا المضمار الوقائي الذي هومحل التحاليل المجهرية والاشعاعية المعاصرة، بعد ان كان يؤول تاويلا قدريا بحتا دقيق قوله(ص): «الشقي من شقي في بطن امه، والسعيد من سعد في بطن امه»((475)) للدلالة على مدى اهمية رحم الام في سعادة الطفل وشقائه، بعيدا عن الجبرية الحزنية وتوقيا من الانحرافات النفسية والجسمية الكامنة والرذائل الخلقية المكتومة وسائر الاستعدادات المرضية المحفزة. لذلك فالاسلام يحول دون انعقاد النطفة بين المصابين بالامراض الخطيرة كالجنون، فقد سئل الامام الباقر(ع)عن الرجل المسلم تعجبه المراة الحسناء: ايصلح له ان يتزوجها وهي مجنونة؟ قال: «لا، ولكن ان كانت عنده امة مجنونة فلا باس بان يطاها ولا يطلب ولدها»((476)). وكالحمق فقد روي عن النبي(ص) هذا التحذير: «اياكم وتزوج الحمقاء فان صحبتها بلاء وولدها ضياع»((477)) الى ما هنالك من الصفات الدميمة والفسوق. فقد وردعنه(ص): «من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها»((478)) ذلك ان «النكاح رق لينظر احدكم اين يضع كريمته»((479)).

وهل اقطع للرحم في انجاب اطفال مختلين بدنيا وعصبيا وروحيا من الاتصال الجنسي في حالات الادمان على الخمر والمخدرات وتعطي الفواحش؟ يقول د. كريل: «ان سكر الزوج او الزوجة حين الاتصال الجنسي بينهما يعد جريمة عظيمة، لان الاطفال الذين ينشاون في ظروف كهذه يشكون في الغالب من عوارض عصبية ونفسية غير قابلة للعلاج». ولذلك((480)) حق لبعض التشريعات المتعلقة بتطهير النسل ان تقنن لتعقيم المجانين والمدمنين المفرطين وذوي العاهات الخبيثة كما في الولايات المتحدة الامريكية((481)).

فافهم اذن الحكمة الثاقبة من استعظام الاسلام لمصاهرة من يعاقرون ام الخبائث. ولذلك وردت عن النبي الكريم(ص) صرامة في النهي بهذا الخصوص: «شارب الخمر لا يزوج اذا خطب» لما فيه من جناية على الدين وتعرض لسخط الله كما يروع الامام الغزالي - ولما فيه من قطع الرحم((482)) ولعل اشد المرويات توبيخا على شناعة قذف النطفة في مباءة ادمانية ما جاء عن الامام الصادق(ع): «ايما امراة اطاعت زوجها وهو شارب الخمر، كان لها من الخطايا بعدد نجوم السماء، وكل مولود يولد منه فهو نجس، ولا يقبل الله منها صرفا ولا عدلا حتى يموت زوجها، او تخلع عنه نفسها»((483)).

وليس المقام بسانح اكثر للتعرض الى العواقب الوخيمة المنجرة الى مكونات الجنين بفعل الجرائم الاخلاقية والاباحيات الحديثة التي تنبا باوبئتها الفتاكة غير حديث شريف. وهل افزع لهذا القرن الذي عرف غزو الفضاء وزرع الاعضاء واستنساخ الاحياء من بلية فقدان المناعة المكتسبة او(SIDA

4 - الحق في سلامة البنية
من حق الجنين الذي تجلت قدرة الله العظيم في خلقه في احسن تقويم، ان يتمتع ببنية متينة جسميا ونفسيا من دون خلل، طبقا لبديع انشائه الاصلي وكمال صنعه الاولي الذي قرره الوحي من خصائص المعبود بهذه الكلمات: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) [الملك/3]. ولطالما التحمت هذه البنية بعنصري القوة والسلامة في تركيبة الشخصية الاسلامية من الاساس عبر مواصفات القرآن الكريم التي جعلها من مقتضيات الاصطفاء ولوازم الفضل والامتنان باصطلاحه المخصوص: (قال ان الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم) [البقرة/247]. وفي تفسير ابن كثير لقوله تعالى في مميزات خلفاء قوم نوح: (وزادكم في الخلق بسطة)[الاعراف/69ج اي زاد في اجسامكم قوة وضخامة وطولا((484)). وبديهى الا تتاتى هذه الكمالات النفسية والجسمية (Psychosomatiques) بمعزل عن تغذية مادية وروحية مناسبة لم يعزب عن التوجيه القرآني مدى تاثيرها ليس في الوعي الايماني للانسان وحسب ولكن ايضا في تكوينه البيولوجي والجنيني ابتداء، اقرا ذلك مثلا في الاية الكريمة:(فلينظر الانسان الى طعامه) [عبس/24] وعلم التغذية (La dietetique) كفيل بمزيد شرح وموقن مثله مثل علم الأجنة (L'embryologie) بالعلاقة الوطيدة، وفي ذلك يقول د. الكسيس كاريل: «ان الاب والام يسهمان بقدر متساو في تكوين نواة البويضة التي تولد كل خلية من خلايا الجسم الجديد، ولكن الام تهب علاوة على نصف المادة النووية كل البرتوبلازما المحيط بالنواة، وهكذا تلعب دورا اهم من دور الاب في تكوين الجنين»((485))، بيد ان دور الاب في التناسل، وان كان قصيرالامد، الا انه مصيري للغاية ولايستهان به حين انعقاد النطفة. واليك ما يثبته علميا ومرويا في الاثار.

اما العلم فيؤكد انه اذا كانت نطفة الاب مسمومة حين الاتصال الجنسي فان الجنين يوجد ناقصا وعليلا. وهذا التسمم ينشا من تناول الاطعمة الفاسدة او معاقرة الخمر.. وعليه يجب ان يكون الطعام الذي يتناوله الانسان في الليلة التي يقصد فيها المباضعة من اجل التكاثر كاملا حاويا للفيتامين (A) بالاخص. ولقد قام احد الاطباء الحاذقين في اوروبا بجمع احصائيات دقيقة للنطف التي تنعقد في ليلة راس السنة المسيحية فوجد ان 80% من الاطفال المتولدين من تلك النطف ناقصو الخلقة لفرط المكل والخمور التي تناولها آباؤهم في تلك الليلة الليلاء((486)).

اما عن اثر التغذية السليمة، بل والنوعية المنتقاة طبيعيا في الروايات، فعديدة من دون التلاعب الطارئ بخصوص الاطعمة المهندسة وراثيا خارج التصميم الالهي لها، الامر الذي حمل د. جون فاجان الاستاذ في الاحياء الجزئية في جامعة مهاريشي على القول: «عندما وقفت منظمة (الامهات من أجل سيادة قانون الطبيعة)Mother for Natural Law موقفا معارضا لانتاج اغذية مهندسة جينيا، بدات هذه المنظمة تظهر للعيان كمؤسسة مهمة تدافع عن حقوق الانسان. ان هذا يشمل صحة اطفالنا واحفادنا وسلامتهم والخير للبيئة المحيطة بنا»((487)) ما حدا بالامير ويلز تشارلز الى «دعوة العلماء الى التوقف عن اللعب بما وهبه الله لهم من الغذاء في الطبيعة قائلا: انه لا يمكن معرفة الاثار والنتائج التي سيخلفها تناول الاطعمة المهندسة وراثيا ولا تخضع لقوانين الطبيعة كما خلقها الله»((488)).

وبالعودة الى ذخائر الاثارالاسلامية لا نملك امام ما تاخرمن مصاديقها العلمية في هذاالقرن، الا ان نفعم بنفائس السبق التوجيهي المقدس في مجالات ما يسمى اليوم بالامن الغذائي بمفهوميه الوقائي والتحسيني (eugenique)، لا جرم أن للطعام الذي ياكله الابوان كل التاثير في نماء الجنين وتوجيه استعداداته نحو الخير والشر، اذ من حصيلة ذلك الطعام تتكون النطفة، حلالاكان ام حراما، طاهرا كان ام نجسا، مهدئا ام موترا، ثم تنتقل من صلب الرجل الى رحم الزوجة وتاخذ في النمو والتشكل حتى تكتمل جنينا تاما، فلامجال اذن للاغضاء عن مدى التاثير المدهش العجيب للطعام من حيث النوعية ومن حيث الحكم الشرعي في مصير الجنين. وكذلك الحالة النفسية للزوجين ساعة المباشرة لها كل العواقب على مقدراته وحالاته بل وجماله وذكائه واستوائه. وانطلاقا من هذين المؤثرين الطعام والحالة النفسية، هذه طائفة من الاحاديث المتواترة نوردها على اقتضاب:

- عن ابن عباس قال: «دخلت عائشة على رسول الله، وهو يقبل فاطمة، فقالت له: اتحبها يا رسول الله ؟ قال: اما والله لو علمت حبي لها لازددت لها حبا. انه لما عرج بي الى السماء الرابعة... الى ان يقول: فاذا برطب الين من الزبد، واطيب من المسك واحلى من العسل، فاخذت رطبة فاكلتها فتحولت الرطبة نطفة في صلبي،فلما ان هبطت الى الارض، واقعت خديجة فحملت بفاطمة.ففاطمة حوراء انسية، فاذا اشتقت الى الجنة شممت رائحة فاطمة»((489)).

- وعن الامام الباقر(ع) عن جابربن عبد الله قال: «قيل لرسول الله (ص): انك لتلثم فاطمة وتلزمها وتدنيها منك... وتفعل بها ما لا تفعله باحد من بناتك؟ فقال(ع): ان جبرائيل اتاني بتفاحة من تفاح الجنة فاكلتها فتحول ماء في صلبي، ثم واقعت خديجة فحملت بفاطمة وانا اشم منها رائحة الجنة»((490)). وعن العلاقة بين الغداء والجمال وردت آثار جمة. للاشارة فقط ما ياتي: «عن الامام الصادق (ع) انه عندما نظر الى غلام جميل قال: ينبغي ان يكون ابوه اكل سفرجلا ليلة الجماع». وعن النبي (ص) انه قال: «اطعموا المراة في شهرها الذي تلد فيه التمر فان ولدهايكون حليما تقيا»((491)).

وحسبنا من اولي الاختصاص قولهم في تاكيد ذلك: «نحن نعرف كيف نغذي اطفالنا كي يصبحوارشيقي القامة وعلى جانب كبيرمن الجمال وتقل وفياتهم، وذلك بمعونة علم معرفة الغذاء الحديث...»((492)).

5 - الحق في الحرية الفطرية
والمقصود ان يتمتع الجنين، في طور التخطيط الخلوي، بحق طلاقة المجرى الفطري السليم في طبيعته الجنينية التي قررهاالحديث الشريف في عراء من كافة القيود: «يولد المرء على الفطرة...» وتعاضد مع الوحي في تقرير براءة الوليد الخالصة من اي شوب او لوث في الاصل بمقتضى قوله تعالى: (والله اخرجكم من بطون امهاتكم لا تعلمون شيئا)
[النحل/78] الا ما يكون من حاملات الاوامر في المخزون الجيني او المورثات الاسرة قبليا. فالمكبلات الوراثية والمسفلات الحلقية او المحقرات النسبية للوالدين هي المسؤولة كلية عن قابليات الانحطاط والاستهواءات الرديئة. وكان ينبغي وهذا مما لا يد له فيه، وانما هو حقه السابق على وجوده، الاتاسره جبريات انحرافية كالانكحة التي هدمها الاسلام ومنها الزواج بالمحارم والذي قننته بعض الدساتير الغربية اورخصت فيه. فمثلا يجيز القانون الفرنسي باذن من رئيس الدولة الزواج من بعض القربيات، مثل ابنة الاخ وابنة الاخت والعمة وغيرهن
((493)) ما يفسد خريطة الانتماء الاسري ويبعثر جدول الانساب. ومن حقه ايضا الاتلقفه في حالات اليتم واللقطة وما شابه ذلك محاضن شذوذية والا يسترقه يتم علمي مدبر له عبر التجارب المخبرية.

ومن غرائب هذا الزمان، ولعله من اشراط الساعة، الا تتورع فضائيات غربية عن استجواب بعض السدوميين المتخادنين والمتبنين لبعض الاطفال عن مشاعر الابوة لديهم بهذا المنحل المبتدع في المعاشرة غير الطبيعية وان قننتها لهم ديمقراطيتهم، وكذلك بعض المتساحقات المتخادنات عن مشاعر الامومة بالاضفاء من دون الحقيقة وخلافا للشرعية الفطرية. فيقول الثنائي الاول مخاطبا البنت المتبناه: ان للبنات في العالم كله ابا واحدا واما انت فلك ابوان اليس كذلك؟ ويرد الثنائي الاخر مداعبا الطفل المتبنى: ان للاطفال جميعا اما واحدة فقط اما انت فوحدك التي لها امان. اليس كذلك؟ والماحظ بدهشة على الولدين الضحيتين اللذين رمت بهما الظروف القاسية في هذا المستنقع البشري بؤس فريد لا تغشيه ابتسامة شاحبة غير تلقائية.

وبهذه الحقوق الانسانية الخمسة المتفردة في شرعنا والتي استعرضناها في عجالة غير حصرية، نتوج المرحلة ما قبل الجنينية لنشرع في استشفاف ماامكن من الحقوق الاخرى في المرحلة الجنينية.

ثانيا - حقوق المرحلة الجنينية
وخير ما نستهل به هذه الحقوق بليغ وصف الامام علي (ع)، وهو
يخاطب الجنين: «ايها المخلوق السوي والمنشا المرعي في ظلمات الارحام، ومضاعفات الاستار، بدئت «من سلالة من طين»، ووضعت «في قرار مكين» الى قدر معلوم واجل مقسوم.تمور في بطن امك جنينا لا تحيردعاء ولا تسمع نداء، ثم اخرجت من مقرك الى دار لم تشهدها ولم تعرف سبل منافعها. فمن هداك لاجترار الغذاء من ثدي امك وعرفك عند الحاجة مواضع طلبك وارادتك!...»
((494)).

واذا كان مبلغ عناية الاسلام بهذاالكائن النووي المسبح في عالم النطف، او طي المحاضن الصلبية، وهو لم ير النور بعد على النحو الملمحي الذي مر، فكيف برعايته لحقوق يا ترى وهو موجود يتشكل في الارحام بقدرة الواجدسبحانه وجنين يتخلق بكرم الموجد جل جلاله عبر اطوار التكوين المختلفة؟ فلا شك في انه احرص عليه موجودا يتاهب للذي خلق له، الا وهو الاذن ببلوغ غائية الاية الكريمة: (وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون) [الذاريات /56].

هذا، ولا مندوحة في مبحث الحقوق الجنينية عن الحديث عن الحامل وجوبا لما يترتب عليه من حقوق ملازمة واخرى بعدية باكتساب صفة الامومة بعد الوضع او عند الميلاد. وذلك للعلاقة العضوية الوثيقة بين الام وجنينها.فرعايتها وهي حبلى رعاية مباشرة له والاضرار بها انما يعود عليه بالدرجة الاولى وهنا على وهن((495)). ومفخرة الفقه الاسلامي بلا منازع عظيمة، في اشتماله على تراث حقوقي تفصيلي بالغ الثراء والدقة والاعتبارات الانسانية في شؤون حماية المراة الحبلى وهي تستعد لوظيفة الامومة، من النوائب ومختلف العوارض في الحياة، كحالات البينونة والخلع او الترمل والاجهاض والاعاقة الطارئة او المرض ومستلزمات النفقة عليها فيها، فضلا عن مستوجباتها في حالات الصحة والعافية حدباعليها وعلى ما في بطنها. الى جانب حقوق الهبة والوصية والميراث وغيرها. ناهيك عن حقوق التغذية النوعية الخاصة وتوفير الراحة النفسية والظروف الملائمة للوضع واستقبال الوليد السعيد ببحبوحة من حقوقه الاخرى في ما يعرف بالضمان الاجتماعي.

وللضرورة المنهجية نمسك عن هذا الايماء السريع الى هذاالموضوع المهم مرجئين معالجته الى حين ياذن السياق بالاتاحة والا فله مجال آخر. وموضع اهتمامنا في الحاضر يتمثل في محاولة الاشارة الى بعض الحقوق الجنينية المكفولة في الاسلام، معتضدين في ذلك بالثقافة الفقهية ومقررات الكتاب والسنة، متوخين منطقا تحليليا قد يغايرالترتيب الذي تمليه التقنينات الرسمية او الذي تتبعه المنظمات الدولية المعنية ما دام الغرض ينهدالى الاثارة والتاصيل لا الى التقعيد او تسطير الدساتير والمواثيق.

1 - حق الحياة
اذا كانت الهدفية العليا التي من اجلها اوجد البارئ تعالى هذاالمخلوق، وهي العبادة، فانه يتعين بالضرورة كفالة حياة الموجود لتمكينه من التعبد. ولقدعني الاسلام بحمايتها بما لا نظيرله في سائر الحضارات، ذلك ان حياة الانسان عند التحقيق هي المقصد الاساسي في التشريع الاسلامي، فكان طلب المحافظة على حق الحياة وتنميتها في اعلى مراتب التكليف
((496)).

ولقد نصت وثيقة شرعة حقوق الانسان في الاسلام، في مادتها الثالثة المستلهمة من تراثنا الفقهي، على ما ياتي:

أ - حق الحياة مكفول لكل انسان، وعلى الافراد والمجتمعات والدولة حماية هذا الحق من كل اعتداء.

ب - يحرم اللجوء الى اية وسيلة تفضي لافناء النوع البشري كليا او جزئيا.

ج - استمرار الحياة البشرية احد اصول الاسلام، لا يجوز تعطيله بمناهضة الزواج، ولا الانتقاص منه بمنع الانجاب، ولا اباحة الاجهاض لغير ضرورة شرعية..

د - لكل انسان الحق في ان يعيش آمنا على نفسه واهله وسمعته الاجتماعية وماله متحررا من جميع انواع الخوف((497)).

لكن نقصا يلاحظ في منصوص المادة التاسعة، اذ انها اغفلت شخصية الجنين في الفقرة -أ- واشارت الى مرحلتي الحمل والولادة بالنسبة الى الام في الفقرة -ب- حيث تقول:
«أ - لكل طفل منذ ولادته، حق على والديه ومجتمعه ودولته في الحضانة والتربية والرعاية المادية والادبية.
ب - على المجتمع والدولة حماية الامومة وتعهدها برعاية خاصة» ((498)).

وليس شيء شدد عليه الاسلام استعظاما وتنكيلا كتشديده على تعريض الحياة الانسانية للهلاك في اي طور من اطوارها بدءابحياة الجنين، فاحتاط لحفظ هذا الحق الالهي باقامة الحدود، «وكل ما كان من حقوق الله - كما يقول الامام الشاطبي - فلا خيرة فيه للمكلف على حال»((499)). فحرم جميع ضروب القتل في الحالات جميعها الا بالحق الذي نزلت به شريعة السماء بناء في ذلك الانتحار، او ما يطلق عليه خطافي الغرب بالاماتة الرحيمة وماهي برحيمة او بالموت السعيد وماهو بسعيد اي (Euthanasie)ا((500)) وأصناف الوأد الجاهلي والمعاصر والاجهاض مهما كانت الاسباب الا لدفع الضرر الاعلى فقهيا بالضرر الادنى. كما رتب الاسلام الدية والقصاص على الحاق ادنى الاضرار بالنفس البشرية في اي عنصر من عناصرها المادية والمعنوية وفي اي عضو من اعضاء الجسم باتلاف او بتر او ضرب او جرح او نحو مما يحدث في ايامنا من التحوير الجيني لاغراض مخبرية، او من التعديل للهندسة الوراثية الا ان تكون للعلاج الطبي ضمن الاخلاقيات الشرعية. وخليق بالاجتهادالفقهي ان يواكب التطورات المتسارعة في هذا المجال للادلاء بالاحكام الشرعية المطابقة.

بل ان الشريعة، تقديرا منها لحرمة الحي كائنا من كان وان كفربمحييه، لا تعفي من عقوبة الدية حتى القتل الخطا. والنصوص في ذلك تترى من دون الحصر كتاباوسنة. بيد اننا نقصرها على بعض شان الجنين وحسب.

2 - حق الدية
في الوقت الذي كانت فيه بعض الشرائع والمدنيات القديمة تقضي باعدام المواليد المشوهين والرضع المرضى والاطفال المعوقين، او غريبي الشكل، اوبالتخلص منهم برميهم في القفارللوحوش كما في اسبرطة، او قديقرر الاباء مصيرهم كما في اثينا، فان
((501)) شريعة الاسلام، اذتفتك هذا الحق من الخلق جميعهم في ازهاق روح اي منهم، كمااومانا سابقا، تنزع الى الحدب الالهي الاعلى على اصغر انسي،
وهو بعد لم يفتا يتشكل (خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث)[الزمر/6]، فتقيم الروادع والقوامع ضد اي اعتداء على الاجنة. فعن ابي هريرة قال: «اقتتلت امراتان من هذيل فرمت احداهما الاخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا الى رسول الله(ص) فقضى ان دية جنينها غرة»((502)).

وجاء في فقه السنة: اذا مات الجنين بسبب الجناية على امه عمدا او خطا، ولم تمت امه فيه غرة، سواء انفصل عن امه وخرج ميتا، ام مات في بطنها، وسواءا كان ذكرا ام انثى. فاما اذا خرج حيا ثم مات ففيه الدية كاملة... وتعرف الحياة بالعطاس اوالتنفس او البكاء او الصياح اوالحركة ونحو ذلك((503)).

وتذكر رسالة ابي زيد القرواني انه: «في جنين الامة من سيدها مافي جنين الحرة، وان كان من غيره ففيه عشر قيمتها»((504))، مايجلي روعة المساواة في تعادل دية جنين الامة بدية صنوه من الحرة. اما التخفيض في مبلغها الى العشر فليس يستهدف قيمة الجنين بل غرضه الحد من التسبيب فيه من طريق هذا النوع من الاستيلاد والا عد من قبيل مايشجع عليه.

والصحيح ان في هذا التقليل حفظا لكرامة الجنين من مثل هذه المحاضن غير المشروعة. هذاوفي بداية المجتهد: «ان دية الذمي دية المسلم» سواء بسواء.

3 - حق الحرية
وهو مكفول كفالة تامة في الاسلام لجميع الناس. ولعل المادة الثانية من وثيقة شرعة حقوق الانسان في الاسلام تبرزه اكثر بهذه العبارات: «يولدالانسان حرا، ولا عبودية لغير الله
تعالى، وليس لمخلوق ان يستعبده او يذله او يستغله»
((505)). وان كان يرسف في نظام الرق يجيء الاسلام لينتشله من وهدة الرسوف في رق استعبادي عريق، وذلك بافراده ليس فقط بالحق في كامل الحرية التركيمية، ولكن ايضا - وهنا المائز القوي - بنجدة الانسانية المعذبة بمنهج التحرر التكريمي الحق، اضافة - وهنا المائز القوي - بنجدة الانسانية المعذبة بمنهج التحرر التكريمي الحق، اضافة - وهنا الخصيصة المتفردة - الى اساليب الحفاظ على ديمومة مكاسب الانعتاق من دون غبن ليشمل سكان المعمورة قاطبة. ذلك كله في صدوق عن مجرد الاكتفاء بالاعلان النظري او الاستهلاك الاعلامي او التبجح بعارض التصريح الدعائي المتاخر والموسوم بالعالمي»((506)). يقول المالكية في حرية الجنين: «وهو بمنزلة امه في العتق يعتق بعتقها وكل مااسقطته مما يعلم انه ولد فهي به ام ولد..»((507))، فقد جعل الجنين اذن سببا في تكريم امه بالعتق بعدوفاة سيدها وتشريفها بوصف الامومة وغنمها بمحظوظية لقب ام ولد، ما يخولها مكانة اجتماعية محترمة بين الناس. كذلك الشان في السقط فهي به ام ولد ايضا، ويذهب الامام مالك بعيدا في الاعتبار للابعاض الجنينية فيقول: «كل ما طرحته المراة من مضغة اوعلقة مما يعلم انه ولد ففيه الغرة» وان اشترط فيه الامام الشافعي مجرى الروح فيه وفسره بـ«ماظهر فيه صورة الادمي: من يد واصبع»((508)).

وهل بعد هذا من مرية في تضييق الاسلام منذ ساعة بزوغه لروافد الرق حين جعل حرية الحامل تسري تلقائيا على محمولها((509)).

وهذا ليس مقصورا على الادميين بل الاسلام الحنيف يعطي للجنين الحكم الذي يعطيه لامه سواء كان ذلك الجنين في بطن الانسانة ام الحيوانة،، الاترى ذلك في قول الفقهاء: «وذكاة ما في البطن ذكاة امه»((510)) الامرالذي يؤكد مرة اخرى مدى تقدير الاسلام للحياة في ذاتها انى كان الكائن الذي تدب فيه، ويذكر بالحديث الشريف: «وفي كل نسمة حية اجر» او «في كل كبد رطبة اجر» او كما قال (ص).

4 - حق الكرامة
وخير ما تجمله آية ذهبية من وحي منزل: (ولقد كرمنا بني آدم) [الاسراء/70] والتكريم شامل حتى للذرية الكامنة في عالم النطف والا لما خاطبها الرب الجليل عزة في علاه بقوله: ( واذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم الست بربكم قالوا بلى...) [الاعراف /172].

انظر الى اصوله الاولى في تعاليم ديننا: نص الفقهاء على انه لايفرق في البيع بين الامة وابنها حتى يثغر((511)). كما انه لا يجوزبيع الجنين في بطن امه بل ول في بطن سائر الحيوانات. هذا عن الاحياء من الاجنة فما بال الاموات؟ ذلك ان الاسلام يابى كرامة منقوصة تنتهي بانقضاء صاحبها من هذه الدنيا. كلا بل يكرم الجنين وهو ميت، فحرمته حيا كاملا كحرمته سقطا قبل اوانه لما لشخصيته من وزن في اعتباره. فقد ورد مثلا ان «السقطيصلى عليه» ويغسل عند الجمهوربقطع النظر عن الاستهلال على الاقوى((512))، وفي حديث ابي هريرة: «اذا استهل المولود يورث»((513)) بل «ان ولد الحمل حيا وكان يستحق النصيب الاوفر اخذه»، واهم من ذلك ان التركة توقف كلها الى ان يولد الحمل اذا كان وارثا باتفاق الفقهاء((514)).

وهب ان امراة ماتت، وفي بطنهاجنين حي، فالحكم شق بطنهالاخراج الجنين اذا كانت حياته مرجوة. ويعرف ذلك بوساطة الاطباء الثقات ((515)). ثم اي تكريم لشخصه بعد حظر دفنه مع الكفار اذا مات في بطن امه الكتابية وقد احتفت! فقد روى البيهقي، عن واثلة بن الاسقع، انه دفن امراة نصرانية في بطنها ولد مسلم (اي انها حامل من مسلم)في مقبرة ليست بمقبرة النصارى ولا المسلمين. واختار هذا الامام احمد لانها كافرة لا تدفن في مقابر المسلمين فيتاذوا بعذابها،ولا في مقابر الكفار لان ولدها مسلم فيتاذى بعذابهم((516)) وفي هذا ايماء بليغ الى احترام معتقده الفطري وانتمائه الديني ايضا.

وماذا عسانا ان نعلق في هذاالصدد على ما تطالعنا به الانباءموخرا من مشروع سان شاين الذي يقضي باجراء تجارب نووية على عدد من المواليدالميتين في انحاء العالم لا سيمافي كندا وبريطانيا للنظر في آثارهذه التجارب عليهم من دون معرفة اوليائهم وذلك منذ الحرب العالمية الثانية((517)).

وعند هذا الحد، وفي زحمة الحقوق المختلفة والمتفردة على مختلف الاصعدة، كحق الوصية وحق النفقة وحق التسمية وحق الكفالة في حال يتمه قبل مولده وحق البراءة والشرف والطهارة والسلامة الصحية وحق رعاية امه فيه وحقوق جمة اخرى يقف عندها استقصاؤنا المحدود.

تلك اذن ملامح تكريمية من دستور الجنين والطفولة في الاسلام. وكما قال صاحب العبقريات الاسلامية ارجو ان تكون بنانا تومئ... «فان البنان لاقدر على الاشارة من الباع على الاحاطة وافضل من عجز المحيط طاقة المشير».

رسالة الحقوق.. الاثر الخالد
تاملات فكرية معاصرة في حقوق الانسان

أ. نبيل علي صالح

موقع الرسالة المتميز

تضم كتب السير والتراجم والتاريخ مجموعات كثيرة من احاديث وروايات افاض فيها الامام علي بن الحسين، زين العابدين(ع)، في مختلف حقول العلم والمعرفة والاداب والاخلاق والتربية والاجتماع الانساني.

وتتناول تلك الاحاديث مختلف شؤون الوجود والحياة والانسان التي تتصل بمجمل العلاقات والممارسات والالتزامات الروحية والمفاهيمية التي يتحرك الانسان على هديها في الحياة.

ويمكن ان نقول هنا: ان «رسالة الحقوق» - التي تضمنت اقوال الامام زين العابدين(ع) في مجال حقوق الانسان وواجباته - تقدم لنا صورة شاملة وكاملة عن حقيقة الدين الاسلامي وجوهره في ما يتعلق باساس وجود الانسان وهدفه في الحياة، وتكشف عن مديات ورؤى فكرية عملية منظورة وغير منظورة تمثل، في كليتها، دائرة معارف اسلامية كبرى من حيث تعدد جوانبها، وامتداد معالجاتها، وتنوع مضامينها العملية ذاتيا وموضوعيا.

وقد اكسب هذا التنوع والغنى الفكري والمفاهيمي «رسالة الحقوق» موقعا متميزا ومتفردا في داخل منظومة التراث الفكري والروحي الاسلامي والانساني العام، من حيث انها قدافاضت في الحديث المتكامل - شرحا وتوثيقا - عن الابعاد الالهية لحقوق الانسان التي اعطاها الله تعالى للانسان في الحياة في ما يتعلق بتفرع مسارات حركته، وتنوع علاقاته في المستويين: الافقي والعمودي، وتبادله الحقوق والواجبات المختلفة مع محيطه الاجتماعي العام كحقوق الناس وحقوق النفس وحقوق الجماعات، وواجبات الانسان تجاهها.. الخ.

نسبة الرسالة واسانيدها

لقد ظهرت «رسالة الحقوق» في شروط ومناخات سياسية ودينية متوترة، وحبلى بالمتغيرات والاحداث العاصفة التي انطلقت مفاعيلها السلبية من خلال ممارسة حكام ذلك العصر لسياسة القبضة الحديدية في تكريس سلطانهم وفرض هيمنتهم على الناس، ذلك كله اسهم في ايقاد جذوة الفكر الحركي المنتج عند امامنا السجاد(ع)، فكان ان وضع «رسالته الحقوقية» بهدف الحفاظ على ما تبقى من اصالة رسالية اسلامية، ومواجهة المحاولات الممعنة في تزويرها وتحريفها لمقومات البنية المفاهيمية الاسلامية الصحيحة بما سيؤدي لاحقا - في العهد الاموي - الى التغطية شبه الكاملة على تجربة صدر الاسلام.

وقد اورد هذه الرسالة الشيخ الصدوق في «الخصال» باسنادقوي ومعتبر هو: الشيخ الصدوق صاحب الخصال وغيره، علي بن احمد بن موسى، محمد الاسدي، جعفر بن محمد الفزاري، خيران بن داهر، احمد بن سليمان الجبلي، ابوه، ابواحمد بن سليمان الجبلي، محمدبن علي، محمدبن فضيل،ابو حمزة الثمالي، كما اوردها الحسن بن علي بن شعبة الحراني في كتابه المعروف «تحف العقول عن آل الرسول».. ويوجد بينهما تفاوت بسيط ما بين زيادة ونقصان.

نظرة تحليلية عامة

تعد رسالة الحقوق - التي ابدعتها الذهنية الخلاقة للامام زين العابدين(ع) - مقوما اساسيا من مقومات فكر حقوق الانسان على اساس ما تضمنته من معارف روحية وفكرية راقية، تنشدبناء النفس والذات الانسانية على قواعد ومقتضيات العدل والحرية من خلال اثارة دفائن تلك النفس، ودفعها نحوالانفتاح الواعي على تجليات المعرفة الالهية العميقة في مواقع الحركة الفطرية المتصاعدة التي تتفكر وتعي، ومن ثم تبني وتنشط في الحياة حرية ومسؤولية.. وذلك من خلال شمولية معارف الرسالة وعلومها، واستمدادها الوجود والروحية من القرآن الكريم والسنة النبوية، الامر الذي يجعلها انموذجا متقدما ورائدا في مجال التاسيس الفكري والتاصيل الديني الاجتماعي لمفهوم حقوق الانسان.

فقد تحدثت تلك الرسالة عن وجود مستويات ثلاثة للعلاقة بين الله والكون والانسان:
1 - الله تعالى مطلق الكون والوجود والحياة (اساس الوجود).
2 - الانسان (روحا وجسدا) في مستوى علاقته مع نفسه،ومع بقية مواقع الحياة الاخرى ومفرداتها.
3 - علاقة الانسان بالله عز وجل في ضوء القرآن الصاعد من خلال القرآن النازل.

وتذكر هذه الرسالة بوجوب طاعة الله، تعالى، باعتباره واجب الوجود ومطلق الوجود، والابتعاد عن كل ما من شانه ان يؤثرسلبا على بنية العلاقة الصحيحة معه (علاقة الخالق بالمخلوق: عبودية كاملة الله - حرية كاملة للانسان - «العبودية جوهرة كنهها الربوبية»)؛ وذلك من اجل ضمان السير التكاملي المتوازن نحو الكمال الممكن للانسان في الحياة على اساس تحقيق التوازن الدقيق بين حركة الداخل الذاتية وحركة الخارج الموضوعية في مستوى تعدد العلاقة وتنوعها.

ولذلك راينا كيف تبرز هذه الرسالة - على سبيل المثال - حق الله الاكبر على الانسان في عبادته وشكره، في معنى استقرار العبودية له تعالى في عمق الروح، والتوجه اليه في كل حركة من حركات وجود هذا الانسان. وهذا الامر سيؤثر على افعال الانسان الخارجية.

انموذج للدراسة والتحليل: حق المنعم عليك بالولاء

«واما حق المنعم عليك بالولاء، فان تعلم انه انفق فيك ماله، هو اخرجك من ذل الرق ووحشته الى عز الحرية وانسها، واطلقك من اسر الملكة، وفك عنك حلق العبودية،واوجدك رائحة العز، واخرجك من سجن القهر، ودفع عنك القسر، وبسط لك لسان الانصاف، واباحك الدنيا كلها فملكك نفسك وحل اسرك، قوفرغك لعبادة ربك، واحتمل بذلك الانصاف التقصير في ماله، فتعلم انه اولى الخلق بك بعد اولي رحمك في حياتك وموتك، واحق الخلق بنصرك ومعونتك،ومكاتفتك في ذات الله. فلا تؤثر عليه نفسك ما احتاج اليك»((518)).

تزعم بعض الامم - التي تبنت النهج الديمقرطي في الحكم والسياسة - انها كانت من اوائل المسهمين في وضع مبادى حقوق الانسان، وتتويجها لهذه الحقوق من خلال الاعلان عن الميثاق العالمي لحقوق الانسان الذي يضمن وجود الانسان وحريته وكرامته بغض النظر عن جنسه ولونه ومعتقده.

واذا كان من حق بعض الدول ان تتفاخر بكونها امماوحضارات تحترم الانسان وتعطيه الاولوية في كل شيء، فانه ليس من حقها ان تستاثر وحدها بشرف التاسيس النظري والعملي لتلك الحقوق. فهناك جهود انسانية كبيرة بذلت من قبل جميع الامم والحضارات (واثمان باهظة دفعتها جميع الشعوب) هي التي اسهمت اساسا في مراكمة الاعمال والتجارب الكثيرة التي مرت بها البشرية كلها، وتركيزها في بوتقة اعلاء شان الانسان، وتقنين حقوقه، وتنظيمها في مجموعة مبادى عامة حرص واضعوها من اعضاء المجتمع الدولي (بعد الحرب العالمية الثانية) على ان تكون عمومية في المبنى والمعنى بما يجعلها منسجمة مع جميع العصور، وقابلة للتبني والتداول والتطبيق من جميع الدول التي طلب اليها التوقيع على وثيقة المبادى، والحفاظ عليها، والتزامها، والدفاع عنها.

والحديث عن «حقوق الانسان في الاسلام» - وهو مجال بحثنا الان - ليس حديثا جديدا، بل هو حديث قديم من حيث العموم الفكري والتاسيس النظري المبثوث في مفردات التشريع الاسلامي هنا وهناك، كما نلاحظه في رسالة الامام زين العابدين(ع) «رسالة الحقوق» التي نحن في صددها الان، والتي توجد في داخلها مجموعة صيغ وعناوين عريضة اساسية لما يمكن ان يطلق عليه «حقوق الانسان في التراث الاسلامي» التي تخاطب الانسان - بما هو انسان - في عقله ووعيه وعواطفه بصرف النظر عن انتماءاته العرقية او الجغرافية او الدينية.

ويمكننا ان نرى، هنا، ان خطاب الاسلام - في مسالة الحقوق العامة - تحريري يريد ان يحرر الانسان من اسر العبوديات المصطنعة من خلال عبودية الله تعالى.

والاسلام الذي يركز كثيرا على شهادة ان «لا اله الا الله»،يدرك تماما ان لتلك الشهادة مضامين اجتماعية وتمثلات واقعية دنيوية، تضاف نوعيا الى تجلياتها ومضامينها اللاهوتية.. فالله تعالى يريد من الانسان العبودية الكاملة ليطلق له حريته الكاملة المسؤولة التي لا يمكن فصلها عن الالتزام الانساني نحو الله، والقبول بولايته، والتسليم له ولحاكميته التشريعية.

وعندما نرجع الى الاسلام - بتعاليمه ومفاهيمه وتصوراته المتعلقة بكرامة هذا المخلوق الانساني - فاننا نلاحظ انه كان اول منهج عقدي ديني، او وضعي، يضمن للانسان ممارسة تلك الحقوق بالكامل في اكمل صورة وابهى عنوان واوسع مضمون((519)). وهذا الاعتبار ليس وهما او هو من قبيل البحث عن الذات الضائعة (او المضيعة) والباحثة عن دور ما في ازمات العصر الراهن، بل ان المسالة ترتبط بالوقائع والاحداث التي انطلقت فعليا في حركة التاريخ.. ولعل في «رسالة الحقوق» خير دليل على ذلك، من حيث انها رسالة عملية واقعية تخاطب العقل والعاطفة بنفس انساني عميق من اجل بناء نظام انساني وفاقا لمنهج عقلاني متوازن، يحرر طاقات الانسان الهائلة من عمق ذاته، ويطلقها في الواقع العملي قوة وحركة مستمرة. تبني الحياة من موقع الحرية والوعي والعدل والتوازن والمساواة.

من هنا يمكننا ان نؤكد على اهمية ان يقوم المثقف والفقيه والمفكر باستلهام تلك النصوص (البنية التشريعية والفقهية الاسلامية) في مجال التاسيس الجديد المعاصر لحقوق كاملة للانسان المعاصر.

ونحن، اذ نتحدث عن دور المثقف والفقيه في بناء منظومة حقوقية انسانية عامة، وجب علينا التمييز بين ضرورة وجودعنوان او وجه دولي لتلك الحقوق يتصل بعموم الانسانية، وعنوان آخر خاص يعبر عن المضمون الذاتي للاجتماع الديني الاسلامي. وهذا التمييز ضروري جدا من حيث اننا لانستطيع الزام الاخرين (من غير المسلمين) بضرورات اجتماعنا الاسلامي التي قد لا تتناسب مع طبيعة المفاهيم والسياقات الحضارية للامم الاخرى باعتبار ان لكل مجتمع خصوصيات تختلف عن المجتمعات الاخرى((520))، كما ان العكس لا يمكن فهمه او قبوله ابدا.

اذا، من الصعب جدا تحقيق رؤية عامة، او انجاز قاعدة شاملة واحدة عن حقوق الانسان تصلح للبشرية كلها، وتكون ملزمة للجميع، وقابلة للتطبيق على جميع الدول والحضارات الانسانية.. وهذا الكلام لا يعني انه لا توجد مشتركات عامة ينبغي التاكيد عليها والالتزام الفاعل بضوابطها. بل انه يبرزالتنوع بين الامم والمجموعات الانسانية.. فالحرية مثلا مطلب انساني لا يلتف عليه انسان في العالم كله.. ولكن اساليب تمثل هذه الحرية وتطبيقها قد تختلف من امة الى اخرى، ومن مجتمع الى آخر.. فالمجتمعات الاسلامية - التي تقوم على اسس فكرية وثقافية مختلفة عن تلك التي تقوم عليها الحضارة الغربية وغير العربية - لا يمكنها ابدا ان تتقبل فكرة ان «الحرية هي مطلب لذاتها»، او ان تكون فعلا غير محدودة اوغير مضبوطة كالحرية الاقتصادية او الجنسية مثلا.

وهنا تبرز امامنا بعض الاسئلة عن ماهية الحرية الانسانية؟! ولماذا تملك هذه الكلمة (الحرية) تلك الجاذبية الخاصة التي تجعلها مطلبا جاذبا، وحاجة ملحة ودائمة لجميع شعوب العالم؟! ثم من اين تنطلق فكرة ان يكون من حق الانسان امتلاك الحرية (الكاملة او النسبية) في واقعه المعيش على مستوى ما نسمعه او ما نشاهده لدى دعاة حقوق الانسان في عالمنا المعاصر؟! وكيف يمكننا فهم مسالة الحريات في الاسلام وتمثلها؟! وهل تمثل الحرية شانا داخليا خاصابالانسان يدفعه لنبذ كل قيد، والتحلل من كل ضبط داخلي او خارجي؟!

واذا كانت الحرية شانا ذاتيا للانسان - في ما يحبه ويقرره ويلتزمه ويفرضه في واقعه - فهل يمكن تقريرها في ضوءفردية الانسان في حريته، او في حرية الانسان في فرديته؟ اوان المسالة تنطلق في خط المجتمع لتكون الحرية حقا لازمالانسان المجتمع؟! اذ ليس من حق الانسان ان يمارس حريته، ويتنعم بمكتسباتها الا في نطاق تنظيم حركة الفرد في المجتمع العام من مصالح ومفاسد؟!

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية