|
لا شك في ان الانسان
مخلوق موهوب ومكرم بالعقل والايمان
والحرية المسؤولة((521))، وتبعا لذلك استطاع - هذا
الانسان -
الخليفة((522))
- بناء حضارة كبيرة
نوعيا وماديا بالاستناد
لعقله وتجاربه المتراكمة وخبراته الطويلة.. ولكننا
بالمقابل لا
نستطيع الا ان نصف هذا المخلوق بالعجز والضعف،
ونرميه
بالنسبية باعتبار انه لا يزال - حتى هذه اللحظة
- يتخبط في
مهاوي البحث عن تحديد خيارات الهدفية الحقيقية
الصحيحة.
ومن الطبيعي ان نشير هنا الى ان مسالة تحديد
«خيارات هدفية
صحيحة» لن تكون ذات معنى - خصوصا في معنى الحرية
والمسؤولية - ما لم يدرك الانسان نفسه ان
القيم والمعاني تتصل
ببعد مطلق الهي((523))، فيما يحدده
اللهتعالى
للانسان من
التزامات وخيارات على صعيد تنظيم حركة الفكر
والواقع. لان
الله تعالى يريد للانسان ان يعيش حريته المطلقة
(نسبيا) من
خلال عمق عبوديته الله، على اساس ان طبيعة هذه
العبودية
الكاملة الله هي التي تحرر طاقات الانسانية من اسر
عبودية
الهوى والغريزة.
فالله تعالى خلق الانسان حرا في احسن تقويم،
واعطاه
القدرة العقلية والعملية لكي يتمكن من اداء دور
محوري في
بناء
الحياة وقيادتها، واضعا له معالم سيره وكدحه
الارتقائيين
في الحياة وسبلهما، وفاقا لبرامج وطروحات عقدية
وتشريعية تضمن له تحقيق كماله الممكن وتحصيل سعادة
الدارين بناء
على قاعدة العدل. وهذا ما نجده في نص
قرآني غني
بالمعاني والتعابير والتجليات الحياتية، اطلقه
الانبياء عبر
مسيرة التاريخ الانساني كله منذ فجر الخليقة
الاولى: (لقد
ارسلنا رسلنابالبينات وانزلنا معهم الكتاب
والميزان ليقوم
الناس بالقسط)[الحديد/25]، (القسط هنا بمعنى العدل).
وقوله
تعالى:
(ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت
عليهم)[الاعراف/157]. فالله تعالى يؤكد ان هدف حركة
الانبياء
جميعهم كانت متركزة على تحرير الناس
والمجتمعات البشرية من الاغلال والقيود التي فرضت
عليهم،
وتذكيرهم دائما عن طريق الرسل والانبياء - بالاضافة
الى
موهبة التمحيص العقلي - بفطرتهم التي فطرهم الله
تعالى
عليها،
كما جاء في كلام للامام علي بن ابي طالب(ع) في
نهج البلاغة: (.. ليستادوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم
منسي
نعمته،
ويحتجوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن
العقول...).
والامام علي بن الحسين زين العابدين(ع) يؤكد
من خلال
«حق الحرية» ان الانسان اذا لم يكن حرا فانه لا
يملك شيئا ابدا،
على اعتبار ان ملكيته لحريته تعني انه يملك نفسه من
الناحية
الاعتبارية لا التكوينية، ويتصرف بمسؤولية كاملة
في جميع
المواقع الحياتية. وهذه المسؤولية الكاملة - التي
تشكل الوجه
الاخر للحرية والاختيار - لا بد من ان ترتكز
على مفردات
تنظيمية قانونية توفر لها (للمسؤولية الانسانية)
امكانية التجسد والتحقق المتوازن والمتكامل في
دائرة الذات،
ومن ثم في دائرة المحيط الخارجي على مستوى
العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
اذا ان الحرية المسؤولة - في نظر الاسلام - تنطلق
اولا من اعماق
الانسان نفسه عبر تحرره من قيود الاستلاب
والتبعية الداخلية
للخارج. وهو اذا لم يفعل ذلك فانه لن يستطيع التحرر
من
القيود والاغلال والعوامل الخارجية المحيطة به.وفي
هذا يقول
الامام علي(ع): «فان الله بعث محمدا(ص) ليخرج عباده
من
عبادة عباده الى عبادته، ومن عهود عباده
الى عهوده، ومن
طاعة عباده الى طاعته، ومن ولاية عباده
الى ولايته»((524)).
وقد عد الاسلام مسالة العتق (عتق او فك رقبة) واجبا
انسانيا كبيرا. ودعا المسلمين الى التزامها
وممارستها في الواقع. وهذا يدل على عمق الوعي والتفكير الاسلاميين باهمية
الحرية الانسانية، وانها - في حقيقة امرها - اعز ما
يملكه الانسان
في الوجود. فهي كينونة انسانية زرعها الله في
الانسان: «لا
تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا»((525)).. «الناس
كلهم احرار»((526)). ولذلك وجبت رعاية الحرية
والحفاظ عليها، بل والدفاع عنها ايضا. الحريات التي يكفلها الاسلام للانسان
اقام الله تعالى الكون والوجود كله على قاعدة
التنوع والاختلاف.
فاللغات والاعراف والثقافات والحضارات تنطلق في
حركتها من
جوهر هذا التخطيط والنظام الالهيين، كما
قال تعالى: (ولا
يزالون مختلفين... ولذلك خلقهم).
وعندما ندقق في اللفظة الاخيرة لا بد من ان ندرك ان
الغاية الكبرى من الوجود تقوم على ركيزة التنوع،
اي على
اساس الاختلاف وليس على اساس وجود الانموذج الواحد
الذي يختزل الكل في الجزء، بما يؤدي الى جعل البشر
جميعانسخة واحدة (ناقصة) تخالف ناموس الحياة وحقيقة
التنوع الكوني.
ويبدو لنا ان اهم سبب يقف وراء وجود هذه النعمة هو
ان جدلية التنوع والاختلاف تقود الى ازدهار الحياة وتثميرها، وابراز مختلف
جمالياتها من خلال معايير التعارف والوسطية، الامر الذي يعطي امكانية واسعة لاظهار الفروق
والتباينات، وتجلية
الحقائق، وتحقيق العدالة، والوصول الى
التوازنية المطلوبة
واللازمة للاجتماع البشري.
ويمكن لمن يريد مراجعة التراث الاسلامي ان يلاحظ
وجود فضاء دلالي (ثقافي وفكري) واسع عن حقيقة
التنوع،
كما نلاحظها في خطابات الوسطية، والاعتدال،
والتنوع، والاختلاف، والتعارف، والسوية،
والتداولية، والعالمية.
يقول تعالى موجها خطابه للانسانية جمعاء: (.. انا
خلقناكم من
ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا..) اي
لتتحاوروا، وليتعرف بعضكم على بعض، وتتعاونوا في ما
بينكم، وتستفيدوا من امكانات بعضكم بعضا.
وقد اصبح هذا المطلب (مطلب التعارف والتحاور
والتعاون،ومن ثم التناظم) اكثر الحاحا (واكثر
مطلوبية من
دعاة الفكرالاسلامي المستنير ورموزه) في عصرنا
الراهن،
حيث اصبحنا نعيش في عالم اضحى عالما صغيرا للغاية
بفضل
ثورة المعلومات والتقنيات الاتصالية فائقة
السرعة.
ولذلك فالمسؤولية عن تامين متطلبات العيش
الانساني هي
مسؤولية جماعية متبادلة خصوصا بعد ان تشابكت
المصالح
وتداخلت المصائر بين الشعوب مع بدايات تشكل مجتمع
عالمي
تتسع معه مساحة الخيرات والمنافع والموارد العامة
والمشكلات المشتركة بين البشر، كالماء والنفط
والصحة
والبيئة والامن، فضلا عن المفاهيم والقيم
والمعايير الكونية
الجامعة.
وهذا التنوع
/الاختلاف - الذي يجب ان ترتكز عليه
البشرية في
اقامة عيشها المشترك العادل والامن - لا يمكن ان
ينجزعمليا - اذ
انه قانون قائم تكوينيا - من دون وجود مناخ
الحرية الدائم الذي
يمكن للانسانية ان تستظل بظله من اجل
تحقيق طموحاتها،
وانجاز متطلباتها المتنوعة.
وساكتفي هنا - في دراستي المقتضبة هذه - بعرض
رؤيتي لنوعين
من انواع الحريات التي كفلها الاسلام للانسان
لبناءحياته على
اسس العدل والحق والحرية، وهما: الحرية الفكرية
والحرية
السياسية.
أولا- الحرية الفكرية
من هنا راينا كيف بنى العرب والمسلمون - ابان
مرحلة فاعليتهم
الحضارية، وحضورهم العالمي الواسع - واقعاانسانيا
وحضاريا رائدا
في الفكر والعلوم والفلسفة والعرفان، ومختلف
الاداب الانسانية
الاخرى. وهم لم يصلوا الى ماوصلوا اليه من حضور قيمي
ومفاهيمي وعلمي طاغ ومؤثر الاعندما وفروا لانفسهم
مناخ
الابداع والتطور الحقيقي، وهو مناخ الحرية
الفكرية التي نجحت
في تركيز نفسها بالرغم من جميع السلبيات والعراقيل
التي
وضعت في طريقها آنذاك والتي كلفت شعوبنا الاسلامية
كثيرا
من الدموع والدماء.
لقد أعطى الاسلام الانسان - على مستوى النظرية
القرآنية - كامل
حريته الكاملة في تفكيره وتقديره للمبادى
والقيم والمفاهيم
الفكرية، ولم يضع امامه اية حدود يقف عندها الافي
ما لا سبيل
اليه كعالم الغيب الذي لا يملك الانسان
ادوات المعرفة الذاتية
لخصوصياته، ولكنه يملك اثباته بطريق الامكان
العقلي
والاثبات الذاتي، ما يجعل من الايمان به
ايمانامنفتحا يرتكز
على اساس ثابت، لا ايمانا اعمى. وهذا ما
اكده القرآن الكريم في
قوله تعالى: (وقل الحق من ربكم فمن شاءفليؤمن ومن
شاء
فليكفر)[الكهف/29].. وقوله تعالى: (ولو شاء ربك لامن من
في
الارض كلهم جميعا افانت تكره الناس حتى يكونوا
مؤمنين)
[يونس/99]. وقوله تعالى: (انا هديناه السبيل اما شاكرا
واما
كفورا) [الانسان/3].
وفي هذا السياق يؤكد الاسلام ان مسالة الايمان
بالله تعالى - وما
يمكن ان ينتج عنها من رؤى وافكار وتصورات متعددة في
مجال العقائد والاحكام والاخلاقيات - تملك ادلة
كافية في داخل
الفطرة الانسانية، ولذلك نجد القرآن الكريم
يوجه نقده لاولئك
المنكرين: (قل هاتوا برهانكم ان كنتم
صادقين)[البقرة/111].
من هنا فان قضية الحرية الفكرية في المفهوم
الاسلامي
تنطلق من قاعدة الحوار البناء والمنفتح على العقل
والمنطق
والحقائق المتعارف عليها، وتنفتح على جميع
التساؤلات
والاشكالات المطروحة هنا وهناك، اذ انه «لا مقدسات
في
الحوار، والحقيقة هي بنت الحوار»، والله سبحانه
حاور حتى
ابليس كما هو وارد في القرآن الكريم. اي ان المطلوب
هو ان
لاتتجمد - تلك القضية - عند حد معين في الفكر والعقل،
فلم يمنع الاسلام - في حدود معرفتنا المتواضعة -
الفكر
من مناقشة اي شيء الا تلك الاشياء التي لا يملك
ادواتها
في تفاصيل المعرفة والمنطق والعلم، بل طلب من
الانسان
ان يركز حواره المعرفي على قيمة العلم والفهم
والادراك
لحقائق الامور.. يقول تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به
علم ان
السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤولا). وهنا قد تطرح امامنا بعض الاسئلة: اذا كان الاسلام يؤمن حقا بالحريات العامة - وبخاصة الحرية الفكرية - ويوفر لها اسباب النمو والامتداد والنجاح في الواقع، فهل يسمح لاصحاب الفكر المضاد له بالانتشار والعمل في المنظم في داخل بيئته الثقافية والفكرية انطلاقا من حقهم في طرح شعاراتهم ومبادئهم على الناس كما يطرحها الاسلام؟!.. ثم الايخشى الاسلام على نظامه الفكري والعقدي من التخلخل والاضطراب - وبالتالي خسارة طيف واسع من الجماهير الكبيرة المؤمنة برسالة الاسلام والتي يمكن ان توفر للفكر الاسلامي امكانيات وموارد وقدرات مادية وروحية هائلة سياسيا واجتماعيا على مستوى الحاضر والمستقبل - نتيجة لنشر افكار الاخرين التي قد تتناقض (جزئيا او كليا) مع افكارالاسلام الروحية والمفاهيمية؟!. وهل هناك حدود وحواجز للحرية الفكرية؟! وهل من تشخيص حقيقي لمتطلباتهاوشروطها الدنيا والعليا؟!
وقد يحاول بعض من لهم مواقع فكرية وسياسية ذات
تاثيركبير
نسبيا على حركة الثقافة والسياسة، في عالمنا
العربي والاسلامي، طرح اجاباته في الهواء من دون
وجود
خلفية فكرية او قاعدة ثقافية حقيقية ليقول: ان
الاسلام يمنع
اركان الفكر الاخر المضاد من التحرك في الواقع
الاسلامي، ويحرمهم من ممارسة اعمالهم ونشاطاتهم
«الضلالية»، فهم يمثلون جبهة الكفر والباطل، في
مواجهة
جبهة الايمان والحق.. الخ! الامر الذي يجعل من هذه
الحرية
وسيلة قديستخدمها هؤلاء «الضلاليون» لنشر
الافكار الهدامة
والمنحرفة في داخل الامة، وهذا امر يرفضه الدين
قطعيا وكليا،
ويدفع اتباعه لمواجهة الفكر المضاد وكبح جماحه،
وتقييد
حركته في الواقع الاسلامي.
لكننا - وفي مقابل هذه الرؤية - نقول: ان معالجة
المسالة يمكن ان
تتم من منظار آخر، وهو ان الاسلام عندما يوافق على
منح
اصحاب الفكر المضاد لفكره فرص عرض ايديولوجيتهم((527))
وعقائدهم، فانه يدرك انه يختزن في عمقه فكرا اصيلا
قويا
(قادرا على الحوار والحضور اللامع المؤثر في ساحة
الفكر
والحياة) يمثل خلاصة نظرته للكون والوجود والحياة،
والتي
يمكن عن طريقها تطويق اي فكرآخر ليس بالقمع
والمواجهة
الحادة التي تهدف الى الغاء الراي الاخر
واستئصاله، ولكن
بالحوار الهادى العقلاني والموضوعي.
من هذا المنطلق لا ضير ابدا في ممارسة الحرية
الفكرية وحرية
ابداء الراي، وتناول مختلف المواضيع والطروحات، في
داخل
اجوائنا ومناخاتنا الاسلامي، لان هذا يسمح
بمعالجة مختلف
الافكار والنظم المعرفية والثقافية والادبية
والفنية في الساحة
الحوارية العقلانية الموضوعية، ليس لكونها
مقدمة لافساد
حركة الاسلام في الواقع او اضلاله او
تقييدها وتحديدها، بل من
منطلق انها قد تسهم في خلق افضل اجواء الوعي
والايمان،
وتدعيمه وترسيخه في الذهنية العامة للامة،على اساس
امتلاك الاسلام لنقاط القوة الفعلية،
واختزان الباطل لنقاط
ضعف في هذا المجال او ذاك.
فالاسلام دين الهي عظيم، وحالة حضارية نوعية،
كبيرة
الفكر، والممارس في مقدماتها ونتائجها، يؤمن
بالحركة في
نور الشمس وضياء الحياة، في الامتداد الواسع
والافاق
البعيدة. ويكره الجوانب الضيقة والعيش في الزوايا
والدهاليز
المظلمة التي تمثل هروبا من مواجهة الواقع والعيش
في
الطرف والهامش. انه دين انساني في المقدمة
والوسيلة
والنتيجة والهدف.. ولانه كذلك يطلب من الانسان
- الذي هو
محور حركة الاسلام - ان يكون فكره حرا في مسالة
العبودية الله، اي ان يعرف معنى العبادة الحقيقية الحرة الله
تعالى التي
هي عبادة الاحرار لا عبادة التجار.. «اللهم ما
عبدتك خوفا
ولاطمعا، ولكنني وجدتك اهلا للعبادة فعبدتك».
وللعبادة الحقيقية - كما نعلم - انعكاس عملي على
حياة الانسان،
اذانه يسعى وينطلق في واقعه بكل وعي، ومن دون وجود
نقاط او مواقع مظلمة لم يتناولها العقل الحر
بالنقد
والتمحيص والاجتهاد. من هنا كانت القضية هي انه يجب
الا
يطرح فكر الا ويبادر الفكر الاخر الى مناقشته
ومواجهته، ولا
تطلق شبهة فكرية ضد هذا الفكر الا وينطلق العمق
الفكري له
ليوضح طبيعتها، ويفكك مقولاتها، في ما تثيره من
علامات
استفهام اونقاط ضعف (حيث ان الفكر يحتاج دائما الى
ان يرى
كيف يتعقله الاخرون، اي انه بحاجة ماسة الى ان يرى
ذاته في
مرآة الفكر الاخر)، ليجيب عن كل سؤال، وليحرك نقاط
القوة امامها، الامر الذي يمنع الفئات المضادة من
فرض رايها
اوتحليلها على الواقع، ولا يعود بمقدورها اضعاف
الفكرالاسلامي في مواقعه.
ان منطق الحرية الفكرية يستلزم طرح جميع الاراء
والافكارللتحاور والتنافس العملي في ساحة الحوار
والجدل الموضوعي، وفي ساحة الفكر المستنير
والصراع
الثقافي. والتاريخ الاسلامي يقدم لنا نماذج وشواهد
كثيرة من
احاديث وروايات تؤكد وجود مساحات واسعة لحرية
تداول
المعارف والافكار((528)).
وهذا امر يتطلب من مفكري الاسلام ان يقدموه - كما
قلنا - بوصفه
قوة فكرية تؤمن بالحرية الفكرية كما هو الاسلام
في واقعه
الاصيل. على اعتبار انه هو الفكر الذي لا ينطلق
في اجواء الكبت
والحرمان والجهل والتخلف والضغط، ولا تنموبذوره
الحضارية
الانسانية الا في تربة الحرية، وهو الدين
الذي يتحرك في الحياة
مع اي فكر آخر من موقع الحوار والفكروالصراع
الفكري، وهذا
افضل من ان تضغط - كفكر اوكانسان - على فكر آخر او
انسان آخر
من خلال انك لا تريدللناس ان يعرفوه. لانك مهما منعت
الناس من الاطلاع على الفكر الاخر،وحلت بينهم وبين
محاولتهم معرفة الثقافة المحجوبة او الممنوعة،
فسوف تجد
امامك كما كبيرا من الغرف المظلمة والبيوت المظلمة
والزوايا
المظلمة التي يخبى الناس فيها كتب الاخرين
وافكارهم، اكثر
مما لو اعطيتهم حريتهم الكاملة في الاطلاع او
تناول تلك
الافكار، ولرايت للفكر الاخر قداسة في انفسهم لا
يملكها اصلا،
ولكن القسر والضغط يولدان لدى الناس - التي تمنعها من
معرفة
الفكرالاخر - ثقافة الكبت والحرمان، كما يعطيان
للفكر
الذي تضغط عليه معنى الاستشهاد. اي ان يكون الفكر
شهيدا.والناس عندنا تعشق الشهداء، وتحب كل شهيد
فكرا كان
ام انسانا.
ولكننا بالرغم من ذلك كله نعود لنؤكد ان المشكلة
التي لاتزال
قائمة عمليا الى الان هي عدم وجود حدود
وضوابط للحرية
الفكرية في الاسلام. صحيح ان التاسيس
النظري للحرية
الفكرية قائم وموجود، الا ان التعابير او
التجليات العملية لها غير
واضحة المعالم، فمثلا نحن لا نزال نعيش مشكلة
انعدام
الحدود النهائية لكل ما يتولد من ابداعات مختلفة
في المجال
الفكري والفني والادبي. وحتى هذه اللحظة لم يتوصل
علماء
الاسلام ومفكروه الى اتفاق حولها،وصياغة ضوابط
عملية لها،
مع التسليم - نظريا وباعتراف طيف واسع من
الاسلاميين
الحركيين وغير الحركيين - بان القيود التي وضعها
الاسلام
محدودة ولا تتجاوز نطاقا ضيقا. اي ان هناك - كما يقول
احد
الباحثين - قيودا ذهنية واجتماعية، تعمل عمل
الكوابح التي
تحول دون انطلاق حرية الفكروالابداع الفكري
والادبي والفني.
طبعا نحن عندما نقف مع حرية الفكر والتعبير
- وضرورة التاسيس العملي القانوني والحقوقي الكامل
لها في
مجتمعاتناالاسلامية التي لا تزال عملية التغيير
والاصلاح
الحقيقي والجدي فيها مستعصية حتى الان - فان هذا لا
يعني
مطلقا اننانريد خلق اجواء عملية لحرية منفلتة وغير
مسؤولة او
غيرواعية، كما اننا لا نطالب بفسح المجال امام ادب
وفن
يتعديان معايير الذوق الاخلاقي، والتزامات
المجتمع الادبية.
ونحن عندما نجد، في داخل الصف الاسلامي، ردود
افعال عنيفة احيانا تجاه الموقف من الحرية
الفكرية، فان ذلك
لايعبر تعبيرا دقيقا وصحيحا عن واقع الحال السائدة
نصيا
وثقافيا، بل انه يعكس وجهة نظر متشددة، ولكنها قد
تكون
صادقة ومخلصة في نواياها، ولكنها تتعامل بحساسية
مفرطة مع
تلك المسالة قد تكون ناجمة عن عدم وضوح الرؤية
امامها، او
انهاتصر على تقديم فهم او تاويل معين للاسلام خاص
بها، محاولة فرضه على المجموع العام للامة.
وانني اتصور انه - وبالرغم من جميع الايجابيات التي
حققتهاالحركة الاسلامية العالمية على طريق اعتراف
معظم
نخبها بالحريات العامة، وتاصيلها نظريا وفلسفيا في
داخل
منظومتهاالفكرية الاسلامية - فان الطريق امامها لا
يزال شاقا
وطويلا، حيث اننا لا نزال ندور في دائرة التاصيل
النظري
الدفاعي - اذا جاز التعبير - ماخوذين بالمناخ العام
الذي استطاع
ان يصيب المسلمين في مقتل اعلامي وسياسي واقتصادي
هنا وهناك. حيث نجد كيف انشغل معظم المفكرين
والنخب الاسلامية في معركة نفي تهمة الاستبداد
- وعدم
ايمان الاسلاميين بفكرة الحرية - عن الاسلام.
صحيح ان التحديد - بشكل عام - مرفوض لانه قيد
ثقيل مرسوم
يمكن ان يوقف حركة الحرية عن الابداع
والتطور، ولكننا ما
دمنا نقر بان الاسلام يضع الضوابط
والقيود والالتزامات العملية
المختلفة، فالواجب يقتضي منا تسمية هذه الضوابط
والقيود
بالاسم ضمانا لجميع الاطراف، وحفاظا على مصداقية الطرح نفسه، وبحيث ننتهي من
قضية «التعطي المزاجي»((529))
مع مسالة الحرية الدارجة كثيرا لدى مواقع واسعة في
عالمنا
الاسلامي.
اننا نعتقد بان الاسلام لا يمنع احدا من ابداء ما
يعتقد به
من مبادى وتصورات حتى لو كان معارضا لراي الاسلام.
وكما
هومعروف ومدون (وثابت) تاريخيا فقد واجه المسلمون
حركات الزنادقة، وعاصروا شخصيات كثيرة آمنت
بافكار
تتعارض كليامع مبادى الاسلام وبديهياته ودعت
اليها، امثال
ابي شاكر الديصاني وابن ابي العوجاء، وغيرهما((530))،
ولكن
فكر هؤلاء لم يكتب له النجاح. ولذلك فان مواجهة
«الضلال»
لن تكون مفيدة ومجدية الا بالسماح لهؤلاء بالتعبير
عن
افكارهم وطروحاتهم في ساحة الحوار والنقد العلمي
الدقيق،
حيث يتم تمحيص الافكار وتفكيك المقولات وتحليل
الوقائع
التي تصدر عن الناس، ويتشارك الجميع في التاثر بها
سلبا
او ايجابا.
والناس - كما يقول الامام علي(ع) - صنفان، ومن حق
كل صنف ان
يعبر عن رايه، ويضمن لنفسه موقعا لائقا في
سفينة الامة. ثم
انك لا تستطيع ان تضمن مشاركة الناس
الفاعلة والمنتجة في
تنمية المجتمع وتطويره الا بان تفسح لهم المجال
جميعا - ومن
دون استثناءات، وبناء على معايير العدالة والكفاءة
والنزاهة
والعلم - ليعبروا عن حريتهم، ويمارسوا مسؤولياتهم
الخاصة
والعامة بكل حرية في نطاق مصلحة الامة.. يقول
«واشعر قلبك
الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم. ولا
تكونن عليهم
سبعا ضاريا تغتنم اكلهم، فانهم صنفان: اما اخ لك في
الدين،
واما نظير لك في الخلق، فاعطهم من عفوك وصفحك مثل
الذي تحب وترضى ان يعطيك الله».
وهذا امر لن يضر المسلمين في شيء، بالرغم من
بعض السلبيات التي قد تنجم احيانا عن ذلك (من قبيل
ان
الحرية الفكرية غير المنضبطة يمكن ان تؤدي احيانا
الى
بعض الشطط والاسفاف والضلال التي يمكن وضع ضوابط
معينة لها تصب في مصلحة المجتمع ككل) ولكنها - في
العموم -
سلبيات قليلة بالمقارنة مع سلبيات منع الاخرين من
التعبير
عن معتقداتهم وآرائهم، او قمع الفكر الاخر، مما
ستكون
نتيجته مزيدا من الضلال والانغلاق والتحجر وهيمنة
الجهل
والخرافة باسم الحرية. فسلبيات الحرية افضل من
جميع
ايجابيات الاستبداد الذي ليس له ايجابية واحدة.
وبغية الوصول الى حصد الثمار العملية للحرية، في
مجالناالحضاري الاسلامي، لا بد للمفكرين عندنا من
ان
يضطلعوا - من جديد - بمهمة بناء وعي جديد للثقافة
السائدة
في الوسط الاجتماعي الذي يعيشون فيه، ولا سيما في
الاوساط الفكرية والثقافية لتصبح مركزا اشعاعيا
للتنوير
الحقيقي بمسالة الحرية، يعمل فيه المفكرون على
توضيح
اهمية هذا الحق الكبير الذي منحهم اياه رب
العالمين، وضرورة
العمل على مواجهة ما يحول دون نمو بذور الوعي به. وهذا يتطلب - اولاوقبل كل شيء - تاصيل الحرية من الناحية
المفهومية، وتفكيك جميع المقولات الاتهامية
الناتجة عن
الشطط او سوءالقصد والفهم، وذلك من اجل هيكلة الوعي
النظري بها، ومن ثم العمل على اعادة تحديد ضوابط
وحدود
عملية لهذه الحرية الفكرية قانونيا وفقهيا.
ولا نعني بتنظيم الحريات الفكرية - وغيرها من
الحريات - ان
يصدر مرسوم (ملكي او جمهوري) باعطاء الحرية لهذا
اوذاك،
كما هي الحالات التي تعيشها الشعوب في
عصورالاستبداد
الداخلي والاستعمار الخارجي، عندما تستبد
قوة قمعية داخلية
بشعب، او يستعمر من خلال قوة استكبارية خارجية
كبرى، ثم
بعد ذلك يصدر مرسوم باعطاء هذا الشعب او ذاك الاستقلال والحرية من خلال مجالس
شكلية غيرقادرة على فعل شيء،
ولكن المسالة تحتاج الى تقنين مسؤول من جهة دعاة
هذا الامر
ورعاته، والقيمين على نجاحه في الواقع. والامام
الصادق(ع)
يقول للشعوب وللافراد: ان الحرية تنبع اساسا من
الداخل ولا
يمكن ان تاتي من الخارج، لان الحرية جزء من كيان
الشخص
النفسي والعملي. يقول(ع) «ان الحر حر في جميع احواله
ان
نابته نائبة صبر لها، وان تداكت عليه المصائب لم
تكسره ولم
تقهره، وان استعبد واسر».. وقد روي عنه(ع) انه في
تفسيره
لقوله تعالى: (والله العزة ولرسوله وللمؤمنين)،
قال: «ان الله
فوض الى المؤمن اموره كلها، ولم يفوض اليه ان يكون
ذليلا».
فالانسان المسلم ليس حرا في اذلال نفسه، لان الله
يريد له ان
يكون حرا ومكرما وعزيزا.
ثانيا- الحرية السياسية
والاسلام ينظر الى مسالة الحكم المنطلق من خلال
بعض القواعد الشرعية على اساس انه حكم غير معصوم، بل قدينحرف نتيجة اجتهاد خطى، او انه قد يقع تحت
تاثير
عوامل خارجية تمنعه من رؤية الصورة على هيئتها
الصحيحة.
من هنا تكون المعارضة السلمية البناءة والواعية
والمسؤولة حاجة ملحة وضرورة قصوى في داخل الاجتماع
الديني من اجل ملاحقة توجهات الحكم القائم، ورصد
اعماله،
وتتبع انجازاته، وملاحقة مواقع الخلل والاضطراب
فيه التي قد
تؤثرسلبا على حركة الامة، ويمكن ان تعوق تقدم الفرد
نحو
مواقع ارقى في الفكر والسلوك. والقضية هنا ليست انك
تريد
ان تسجل نقاطا حمراء على هذا الطرف او ذاك، وليست
ان
تسدالثغرات التي فتحتها في جدار الحكم، بل ان تنطلق
الامورمن خلال موضوعية الرؤية والعمل والمعارضة
البناءة
لا المخربة.
وهذا الاعتراض حق طبيعي وقانوني من حقوق الامة في
ان تكون لها مجموعة نخب وفرق (تيارات) معارضة
متعددة تلاحق - كما ذكرنا - سلبيات الحكم واخفاقه او
نجاحه
على غير صعيد، وتنظر الى مدى سلامة التطبيقات
العملية
للنظرية في خط الواقع. ولاثبات صحة ذلك في تاريخنا
الاسلامي، نعود الى عهد الامام علي(ع)، حيث نلتقي
فيه بهذا
الاتجاه الذي يمنح المعارضة شرعيتها الاسلامية في
مواجهة
الحكم، ويقدم الينا الحاكم الاسلامي الذي لا يريد
للامة ان
تتعامل معه بطريقة المدح والثناء ونحوها من اساليب
التعظيم
التي درج الناس على المبالغة فيها مع حكامهم
وقادتهم مما
يغلب عليه طابع التملق والتزلف والنفاق..
يقول(ع)؛ حيث في
خطبته في صفين: «وان من اسخف حالات الولاة عند صالح
الناس ان يظن بهم حب الفخر، ويوضع امرهم على الكبر.
وقد
كرهت ان يكون جال في ظنكم اني احب الاطراء واستماع
الثناء، ولست بحمد الله كذلك، ولو كنت احب ان يقال
ذلك
لتركته انحطاطا الله سبحانه عن تناول ما هو احق به
عن
العظمة والكبرياء، وربما استحلى الناس الثناء بعد
البلاء. فلا تثنوا
علي بجميل ثناء لاخراجي نفسي الى الله سبحانه
واليكم من
التقية في حقوق لم افرغ من ادائها، وفرائض لا بد من
امضائها. فلاتكلموني بما تكلم به الجبابرة، ولا تتحفظوا مني
بما يتحفظ
به عند اهل البادرة (الفقيه)، ولا تخالطوني
بالمصانعة
(المداراة)، ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي لا،
ولا
التماس اعظام لنفسي، فانه من استثقل الحق ان يقال
له او
العدل ان يعرض عليه، كان العمل بهما اثقل عليه، فلا تكفوا عن مقالة بحق اومشورة
بعدل، فاني لست بفوق ان اخطى،
ولا آمن
من ذلك من فعلي...»((531)).
فالامام علي(ع) يرفض - في نصه السابق المليء
بالدلالات،والغني بالتعابير والمعاني السياسية
الراقية - اساليب
المديح والتعظيم والثناء مع كونه جديرا بها،
ومستحقا لها. ويرى
ان مثل هذه الاساليب - المتبعة والمتداولة على نطاق
واسع
في الحكم والسياسة سابقا وحاليا - تزيد من انحراف
الامة، وتقف
في طريق تقدمها نحو اهدافها وطموحاتها العالية.
فالواقع الذي يعيش فيه الناس ليس مطلق الحقيقة بل
فيه
كثيرمن السلبيات والنقائص والثغرات((532))،
وهو لا يمكن
الا ان يكون واقعا نسبيا محدودا. ولذلك فهو يحتاج
دائما الى
من ينظر اليه نظرة نقدية من خلال الحوار الهادى
والموضوعي المتحرك في سياق المعارضة البناءة.
ولهذا راينا
الامام عليا(ع) يؤكد ضرورة ان يتعامل الناس معه
- وبالتالي مع
اي حاكم - بروحية الواقعية النقدية، وليس بروحية
المثال المطلق. وهو بذلك يؤكد حقيقة سياسية مفادها
ان
الذين يرفضون نقد الخطا - سواء كان هذا الخطا فكرا
ام بشرا - فانهم
لا يملكون الانفتاح على الحق.
وطالما اننا نبحث في الحرية السياسية في نطاق
الاسلام،
فان السؤال الذي يمكن ان نطرحه هنا هو: هل تعني
حرية الممارسة السياسية في الاسلام اطلاق حرية
الاحزاب السياسية، والسماح لمختلف التيارات
والقوى الحزبية
بالعمل والحركة حتى لو كانت تتعارض فكرا ومنهجا
ومضمونا
مع الاسلام؟!
في الاجابة نقول: ان حق المشاركة في صياغة النظام
السياسي وبنائه وتطويره هي مسؤولية فردية
واجتماعية كبيرة
شرع لها الاسلام مختلف القوانين والانظمة، ودعا الى
ضرورة
ان يؤدي الفرد دوره السياسي من خلال مراقبة الحركة
العامة
للنظام، وابداء رايه بكل حرية في جميع المسائل
المتعلقة
بالمصير السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وانتخاب
القيادة والمسؤولين عن تسيير امور المجتمع.. يقول
الرسول(ص): «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».
والفرد لا يستطيع ممارسة دوره السياسي من دون
وجودهيئات وتنظيمات واحزاب سياسية يفرزها
المجتمع،
ويتم من خلالها تركيز طاقات (وامكانات) ابناء الامة
وتنظيمها
في تيارات اجتماعية وسياسية متعددة تتفق على مبدا
حفظ
مصالح الناس والامة ورعايتها بعد ان تقوم بتعيين
هذه
الحقوق، وتختلف في امور اخرى، مثل آليات العمل
وبرامجه
وسبل الوصول الى تحقيق تلك الاهداف والتطلعات.
ولكن ممارسة الفرد لحريته السياسية في المجتمع من
خلال تلك الاحزاب والهيئات ليس حالة تتحرك في
المطلق.
لان المجتمع - اي مجتمع - يعيش فيه الناس مع بعضهم
بعضابناء
على وجود تعهدات ومشتركات وتوافقات والتزامات في
مابينهم، ولذلك لا يستطيع الفرد اشباع جميع
طموحاته
ورغباته دائما. لان الحرية المطلقة هي مفسدة
مطلقة، ستؤدي
حتماالى نشر الفوضى ونقض العهود ومختلف
الالتزامات الاجتماعية.
وعندما يختار مجتمع ما نظاما فكريا او ثقافيا او..
الخ، فان
هذاالاختيار هو ثمرة طبيعية لحرية هذا المجتمع،
ولذلك
يكون من حق هذا المجتمع ان يحصن هذا الاختيار،
ويحميه
من عبث العابثين واللاعبين، وهذا امر طبيعي ومسوغ
في
جميع الانظمة والدساتير البشرية. حيث انه ليس من حق
اي
تيار ان يدعو الى عقيدة فكرية مناقضة لعقيدة
المجتمع
بالمطلق، لانه تيار يتعرض لحرية هذا المجتمع
المتعينة في
عقيدته الدينية اساسا.
اذا هذه هي الضوابط والحدود التي يقرها الاسلام،
وياخذ بهافي
ما يخص مسالة الحرية، يعني الحدود المشتقة من
مبدا الحرية
نفسه، اي تلك الحدود التي تحمي نظام الحرية..فمثلا
يرى الاسلام ان قيام حزب سياسي في داخل المجتمع((533))
الاسلامي يدعو الى الالحاد علنا، بما يعني العمل
المضاد لعقيدة
الناس، امر مناف للحرية.. لان المجتمع حر بان يقيم
بنيته
التشريعية والسياسية وفاقا لعقيدته، فاذا
اقامهاوفاقا لعقيدته،
فانه لا يستطيع ان يسمح لمن يحارب هذه
البنية الشرعية
بالعمل والحركة ضمن اجوائه ومناخاته، وبهذا
المعنى فان
الحرية مطلقة الا ان يصل الامر الى المس بنتائج
هذه الحرية.. نعم ان الانسان حر في ان يكون مؤمنا او ان
يكون ملحدا، ولكن
الاسلام لم يمنع هذه الحرية اطلاقا بان
يكون الانسان ملحدا او
مؤمنا، الذي يمنعه الاسلام هو ان تدعو الى الالحاد
لا ان تكون
ملحدا، وبالتالي ان قيام حزب يدعو الى الالحاد في
المجتمع
الاسلامي، يمنعه المجتمع الاسلامي الذي يريد ان
يدافع عن
عقيدته، وعن قضاياه الحيوية المتصلة بهذه
العقيدة، اما ان
يكون هناك ملحدون، فلا يستطيع احد ان يعارضهم
لانهم
ملحدون، بدليل ان الشريعة الاسلامية لاتبحث في
عقوبة
الملحد، وانما تبحث في عقوبة من يجهر بالالحاد((534)). ان
الجهر بالالحاد هو دعوة للالحاد، والاسلام يعاقب
على هذه
الدعوة، لانها عدوان على المجتمع، اما ان يعاقبه
لانه ملحد
وحسب، فهذا ليس صحيحا. ان الاسلام لا يعاقب الملحد
بما هو
ملحد، وانما يعاقب من يجهربما هو ضد عقيدة المجتمع،
وباستثناء ذلك، للتيارات المختلفة في المجتمع
الاسلامي ان
تمارس المعارضة ضدالسلطة، وان يكون لها افكارها في
التغيير، وافكارها في فهم الاسلام، وافكارها حتى
في اقامة نظام
علماني، من دون ان يتاثر ذلك بالقدر المفروض لها من
الحرية
بل يجب توفير الحرية لها، ولا خوف من هذه الحرية
لانه ما دام
المجتمع الاسلامي باكثريته الساحقة يختار النظام
الاسلامي،
فلماذا اخاف من تيار يدعو لراي مخالف، ما دام
الاسلام يتيح
وسائل الحوار والاقناع. فالاسلام لا يفرض معتقداته
على
الناس بالقسر والاكراه: (لا اكراه في الدين قد تبين
الرشد من
الغي..)، وانما يريد منهم ان ياخذوا بها بعد البرهان
عليها،
والقناعة بها.
من هنا كان لا بد من الاذعان لنوع من التحديد
والتقييدالاجتماعي والسياسي لفكرة الحرية نفسها
من خلال
ان يتنازل كل طرف عن جزء من حريته ضمانا لحرية
المجتمع والامة. ومعيار هذا التقييد او التحديد
يتعين بوساطة
افراد الامة انفسهم، على اساس انهم المعنيون اساسا
بتنمية
مجتمعاتهم ونهضة امتهم.
واذا كانت مسالة تنمية المجتمعات ترتكز على اضلاع
ثلاثة:اولها الامكانات والموارد والطاقات
الطبيعية والبشرية،
وثانيهاالنظم السياسية الحرة والعادلة، وثالثها
المثقفون وعلماء
الامة والنخب الفكرية والسياسية الذين يقومون
بدور
نهضوي ورسالي بارز في الارشاد والتوجيه والقيادة،
وتحسس
مواطن الخلل والاضطراب، وتغيير الدفة الى الاتجاه
الصحيح...،
فان تحقيق ذلك كله لا يمكن ان يتم - ويصبح حقيقة
واقعة
في داخل اجتماعنا الديني الاسلامي - الا من خلال
التوفر
على اجواء ومناخات الحرية السياسية للافراد كي
يتمكنوا
من التعبير الصريح والمباشر عن رؤاهم وافكارهم في
كل ما
يمس معيشتهم وامنهم وحياتهم حاضرا ومستقبلا،
ورغبتهم
الدائمة في ممارسة الحرية والتسامح والاختلاف في
الراي
والمساواة والعمل والانتاج والانجاز والكفاءة
والمعرفة والبناء.
ونحن - واقعا - امة لا تنقصها القيادات ولا الكفاءات
ولاالثروات،
ماذا ينقصها اذن سوى القانون والحرية
والمساواة التي اقرها
ديننا الاسلامي القادر على استيعاب جميع الدعوات
والقيم
التي تقوم على المنطق العقلي ومنها مبداالحرية
بالذات، وحق
الانسان (حريته) في المساءلة والرفض والقبول
والاعتراض
والتاويل، وبالدور الحاسم في تغيير كل مالا يتلاءم
مع مصلحته
وسعادته وكرامته الانسانية، وبحقه في تقرير مصيره
بارادته،
ووفقا لحقوقه الطبيعية. وانني اعتقد باننا لن نتمكن من القيام بالدور الحضاري اللائق برسالتنا وامتنا الا عندما نبدا بتغيير كثير من مفاهيمنا وتصوراتناوتاويلاتنا للدين. فنحن نلاحظ حاليا - في عالمنا العربي والاسلامي - وجود مرض او حالة من حالات الانفصام الذي تعاني منه الشخصية العربية الاسلامية من خلال انها شخصية تعيش في عصر تطور كثيرا عن العصور السابقة، ولكن وعي هذه الشخصية لمسالة الدين لم يساير هذا التغير والتطور،وانما بقي كما كان عليه قديما، اي اننا نحمل في دواخلناالنفسية والشعورية وحتى العملية تصورات وسبل لا تاريخية ولا عقلانية عن الدين، وهذه التصورات اصبحت تدخل في تناقض واضح مع الكثير من ثقافة العصر العقلية العلمية والفلسفية. والامر الذي نستغربه كثيرا هنا هو اننا امة تملك من مقومات النهوض ودوافعه وامكاناته الشيء الكثير ثقافة وعلماوموارد وطاقات بشرية وطبيعية، ولكننا - في الوقت نفسه - لم نستطع تحقيق الحد الادنى من العيش الهادى والمطمئن والامن في هذا العالم الذي لن نستطيع المشاركة الفاعلة في ناديه الدولي الا بتحقيق شروط الدخول الواثق الى العصر،وهي العلم والتعليم والانتاج والحرية و... القوة! يقول تعالى:(واعدوا لهم ما استطعتم من قوة). بالقوة سبقونا، اي انهم طبقواتعاليم كتابنا المقدس قبلنا! ولم يقل احد من ثقاة المفسرين - كما قال احد الكتاب - ان المقصود في الاية الكريمة: قوة الحنجرة والصراخ!
طبعا هذا هو التحدي الممكن والمجدي الان في ضوء ما
لاقته مختلف المشاريع والمساعي والافكار من
المصائر
البائسة والم آلات المدمرة. ولن تتغير الحال الا
اذا تغيرت نظرتنا
الى انفسنا وطريقة تعاملنا مع الاخر والعالم، بحيث
نستعيد
مكانتنا، ونمارس حضورنا بالتفكير الحي والعمل
النافع لنا
وللاخرين، بما ننتجه ونتقنه ونحققه من الانجازات
والابتكارات
التي يمكن ان تفتح لنا آفاقا متعددة امام العمل
الحضاري.
ان المهم هنا هو ان نعرف كيف نبدا الخطوة الصحيحة
في الطريق الصعب والطويل (طريق ذات الشوكة)، وان
نمتلك ارادة العمل الجدي والمسؤول والواعي في ذلك
كله..
فهل نحن فاعلون؟! هذا هو الرهان والتحدي الاخير.
ولاية الفقيه: المباني والتجربة
بمناسبة الذكرى الرابعة عشرة لرحيل الامام الخميني،
وبرعاية نائب الامين العام لحزب الله الشيخ نعيم
قاسم،نظم
مركز الامام الخميني الثقافي، في بيروت، ندوة
فكرية تحت
عنوان: «ولاية الفقيه: المباني والتجربة».
ابتدات الندوة بكلمة الافتتاح للشيخ نعيم قاسم، ثم
تلتهاالجلسة الاولى تحت عنوان: «المباني الكلامية
لولاية
الفقيه»،وتحدث فيها الشيخ اكرم بركات وعقب السيد
عبد
الحليم فضل الله، وتلتها الجلسة الثانية تحت
عنوان: «ولاية
الفقيه وفقهاء الشيعة - بحث تاريخي»، وتحدث فيها
الشيخ
مالك وهبي، وعقب الدكتور حسن البنا. ثم الجلسة
الثالثة
تحت عنوان: «تجربة ولاية الفقيه - ايران انموذجا»،
وتحدث
فيها المستشار الثقافي للجمهورية الاسلامية السيد
محمد
حسين هاشمي، وعقب الشيخ محمد سبيتي.
وقدمت العديد من المداخلات، عقب كل جلسة، كما
دارحوار
واسع في تلك الموضوعات مع المنتدين.
ومما جاء في كلمة الشيخ نعيم قاسم: «عندما تتم
النظرة
الى الاسلام بطريقة شمولية كدين للحياة والدولة،
فالرؤية
تتعدى حياة الافراد الشخصية والعلاقات الى حياتهم
كامة
وكجماعة، ومن المخاطر الكبيرة التي اضرت بالفهم
الاسلامي
الحقيقي تلك الطريقة التجزيئية التي تعاملت مع
الفقه
والتفسير وغيرهما بطريقة منفصلة اثرت على فهم بعض
الامور
وعلى الممارسة العملية وتحديد الاولويات... وقد سلط
الامام الخميني الضوء مبكرا على موقع ولاية الفقيه
في
الفهم الاسلامي وادلتها الشرعية وموقعها من
الواقع الاسلامي...».
ثم تعرض لربط المقاومة بمبدا ولاية الفقيه واهمية
موضوع ولاية الفقيه وانعكاسه على المقاومة
الاسلامية، ثم قال: «لولاالقرار الجريء بانطلاقة المقاومة الاسلامية
عام 1982،
لكنا نعاني من استمرار الاحتلال ومفاعيله السياسية
في
السيطرة على لبنان وامتلاك القدرة للتصرف في
فلسطين بلا
رادع لاي حل اسرائيلي، هذه المقاومة حررت الارض،
وحررت الارادة، وعززت روح الاستقلال والمحافظة
على
القدرات والهمت الطامحين من ابناء امتنا الثبات
والجهاد من
اجل غد افضل».
ومما جاء في كلمة الشيخ اكرم بركات: «دوي كبير حصل
في ايران عام 1979 بهر العالم وارق سادته، حينما نجحت
الثورة الاسلامية في ايران، ليعلن قائدها الامام
الخميني(قده)
انشاء حكومة اسلامية تنطلق اسسها الفكرية من مبدا
طالما
حاضرفيه قائد الثورة قبل نجاحها على منبر حوزة
النجف
الاشرف امام طليعة علمائية كبيرة، الا وهو «ولاية
الفقيه» الذي
شكل المرجعية الاساس رالمفصل الرئيس في قضايا
الحكم
في ايران من الدستور الى التفريعات القانونية».
ومما جاء في كلمة الشيخ مالك وهبي: «اثار انتصار
الثورة الاسلامية المباركة في ايران، تحت قيادة
الامام
الخميني(قده)، تساؤلات جمة حول مبدا ولاية الفقيه،
احدها:
ومما جاء في كلمة المستشار الثقافي: «ان الانضواء
تحت مرجعية ولاية الفقيه، بعنوان الثابت الذي تقوم
عليه هوية
الدولة والمرونة والتنوع في التعطي مع الشان
السياسي
والثقافي في الحياة السياسية، وتوسيع رقعة اللعبة
الديمقراطية
في الداخل وحالة الحوار وقاعدة المشاركة وتعزيز
الانتخابات
وضبط الخلاف في اطار المؤسسات والقانون لمواجهة
التهديدات الخارجية هي معادلات، مهمة يقوم عليها
الثبات
واستقرار الواقع السياسي في ايران اليوم».
البعد الديني في السياسة
الخارجية الاميركية
نظم «مركز الامام الخميني الثقافي»، في بيروت،
لقاء
فكرياحواريا تحت عنوان: «البعد الديني في السياسة
الخارجية الامريكية»، وقد استضاف فيه الدكتور
محمد السماك
امين عام لجنة الحوار الاسلامي - المسيحي، وقدم
للقاء الشيخ
سامرعجمي.
ابتدا اللقاء بتقديم الشيخ عجمي، ومما جاء في
كلمته: «لا
احدبات يشك في ان العدوان الاميركي على العراق
ينطوي
على ابعاد «ذرائعية - براغماتية» محكومة للسقف
الاقتصادي -
السياسي، من احكام السيطرة على منابع النفط
والغاز،وتصريف
مخزون الصنائع العسكرية وتجارة السلاح،
وليس اعادة رسم
خريطة الشرق الاوسط (مغايرة لما استقرت عليه وفاقا
لاتفاقية
سايكس - بيكو فقط) بل اعادة بناء العالم وتشكيله
وفاقا للصورة
النمطية التي خططت لها الادارة الاميركية الى ما
هنالك من
اللائحة التي لا تكاد تنتهي من الاهداف.
هذا كله مغلف بقناع كشف زيفه، وهو نشر قيم
الحرية والديمقراطية وخلاص الشعب العراقي الذي
يرزح تحت
نيرحكم صدام حسين، وجعل الشعوب تمسك بحقها في
تقريرالمصير ومكافحة الارهاب الدولي الخ.. وما هذه
الا
عناوين تخبا خلفها انياب وحش فاغر فاه».
الا ان السؤال الذي ما زال قائما وموضع جدل بين
المثقفين
هوعن دور عنصر الدين وفاعلية البعد الديني في صبغ
لون
تفكيرالادارة الاميركية، ما ينعكس على رسم
السياسات تجاه
القضاياالداخلية والخارجية، خصوصا في ما يتعلق
بجذور
الصراع في الشرق الاوسط، بل يذهب بعضهم، امثال
ريكاردي
الى كون المرحلة الراهنة تشهد توترا على المستوى
الاوروبي - الاميركي بسبب جذور رؤيوية دينية.
ثم ابتدا الدكتور السماك كلمته، ومما جاء فيها:
اسمحوا لي، اولا، بمناسبة ذكرى الامام الخميني(رض)
ان اءعرب عن امتناني لاعتلاء هذا المنبر، منبر هذا
المركز
الذي يحمل اسم علم من اعلام امتنا الاسلامية
الكبيرة،
الموضوع الذي اتناوله دقيق جدا بقدر ما هو مهم،
والموضوع،
كماتعرفون، هو عن البعد الديني للسياسة الخارجية
الاميركية،
لن اتحدث عن عواطف، سوف اتحدث فقط عن وقائع،
والوقائع مستندة الى وثائق مدروسة ومفصلة، وتشكل
اساسا
لمعرفة هذا البعد الذي يملي قرارات معينة على
السياسة
الخارجية الاميركية في ما يتعلق تحديدا بالشرق
الاوسط.
للسياسة الخارجية الاميركية في الشرق الاوسط
بعدان،
وليس بعدا واحدا.
البعد الاول، كما هو معروف دائما، الصهيونية
- اليهودية، حركة
هرتزل التي اصبحت موجودة في الولايات المتحدة، اداة
هذه
الحركة الصهيونية اليهودية منظمة ايباك، التي
تشكل الذراع
الطويلة للوبي اليهودي في الكونغرس والبيت
الابيض ووسائل
الاعلام الخ... هذا امر معروف ولن اتحدث عنه الافي ما
بعد،
وعن الخلفيات التاريخية. |
|---|