أول المنهاج

الفكر الاسلامي وتكوين النظرية التربوية

حيدر حب الله

لم يعد خافيا على احد في ما يبدو دور التربية واهميتها في بناء المجتمعات والامم، ورسم مستقبلها، فما يرتسم في الاجيال الناشئة يترك بصماته بالتاكيد على مستقبل المجتمع عموما.

و قد تنبه ـ الى حد معين ـ التيار النهضوي الاسلامي لهذه الحقيقة، فنادى بعض النهضويين بالاسرة اساسا في العمل الاجتماعي والسياسي، وركز بعضهم الخر على تربية الناشئة بوصفها العنصر المقوم لاي مشروع تغييري.

1 ـ واذا اردنا في البداية ان نسائل انفسنا، فاننا نجد سؤالين جوهريين ماثلين امامنا، وهما:

هل هناك نظام تربوي في الاسلام اساسا؟! وهل هناك مشروع تربوي يعنى بالطفل والناشئة في منظومة النص الديني الاسلامي و هذان السؤالان يعيدان الى الاذهان ذاك الخلاف الطويل حول وجود نظم اقتصادية اوسياسية او... في الاسلام.

فهناك من يرى، في هذا الدين، مجموعة من الضوابط العامة والمؤشرات الكلية، اما وجود نظم وبرامج ومشاريع فهو ما لا يتحمله دين يدعي لنفسه الخلود. وفي المقابل، هناك من يفرط في دعوى وجود التفاصيل  كافة، على هذا الصعيد او ذاك، بما فيها الصعيد التربوي، فيرى القضايا التربوية ماثلة برمتها امامه في النص الديني، وفي التراث الاسلامي عموما.

ولسنا في صدد تقييم المواقف، هنا، لان المجال مختصر، سيما وان هذا الموضوع يجب حله فلسفيا وكلاميا على صعيد نظرية شمول الدين لجميع وقائع الحياة، ومن ثم يتم ورود عالم النصوص التفصيلية على اساس ومنطلق منه.

انما تثيرنا مسالة النص الديني، في الموضوع التربوي، فنطرح سؤالا مفاده: ماذا فعلنالاستدعاء هذا النص؟

ان مشكلة تنظيم النصوص الدينية مشكلة عسيرة، فاذا اردنا ان نراجع موضوعا معاصرا في النص الديني (الكتاب والسنة و...) فاننا نجده موزعا في عشرات الابواب والفصول، لان العلماء المتقدمين لم يبذلوا جهد التنظيم مصادرنا النصية وفاقا لواقعنا اليوم، وما فعلوه كان يتناسب مع واقعهم الذي مضى، ما كان يسهل عليهم استدعاء النص، ويصعب علينا احيانا العملية نفسها. ولهذا وجدنا ان مصادر النصوص والاحاديث تم تبويبهاواعادة تنظيمها عدة مرات في التاريخ الاسلامي، تبعا لتطورات الدرس الديني عموما، ولك على الصعيد الامامي انموذجا ان تلاحظ ما يسمى بالاصول الاربعمئة وما شابهها في القرنين الثاني والثالث الهجريين، ثم الكتب الاربعة في القرنين الرابع والخامس، ثم موسوعات الوسائل والبحار والمستدرك و.. في ما بعد القرن العاشر الهجري.

ان نصوص التربية والتعليم، في الاسلام، مشتتة موزعة في مختلف النصوص القانونية والاخلاقية، الامر الذي يستدعي اعادة تنظيم مصادرنا النصية انسجاما مع تطورات الواقع، فبدل ان نجد بعض النصوص التربوية في الحج او الديات او... يلزم اعادة بلورة هذه النصوص بما يسمح للباحث بوضع تقييم واف ازاء هذا الامر، بدل التسرع بنفي وجود نظم تربوية في الاسلام او التسرع باثبات مثل هذه النظم وعلى نطاق واسع.

2 ـ وعلى موازاة الحالة نفسها، نلاحظ عجزا واضحا في الفكر التربوي الاسلامي، وشحابليغا على هذا الصعيد من دراسات وبرامج و...، ولسنا نقصد عجزا عملانيا، عند المسلمين، فهذا ما لا نتعرض له فعلا، وانمانجد عجزا في الدرس الفكري الاسلامي في موضوع التربية، وسنوضح ذلك اكثر.

ان المراجع لنتاجات الفكر الاسلامي، على هذا الصعيد، يجد تراجعا ملحوظا قياسا بالصعدالاخرى، فثمة راي يقول مثلا: ان دراسات الفكر السياسي الشيعي في النصف الثاني من القرن العشرين، وحتى يومنا هذا، توازي كما وكيفا ما قدمه الفكر الشيعي على هذا الصعيد طوال اربعة عشر قرنا مضت، بل تفوقه وهكذا نجد من يذهب الى حصول تطورات في البحث التفسيري في القرن الاخير توازي عدة قرون من الزمن الاسلامي في هذا المجال او تقاربها.

وهذا معناه ان قفزة مذهلة قد حصلت، سواء كانت ضمن الحد المطلوب ام لا، لكن امرا من هذا القبيل لم يحصل على صعيد الدرس الفكري الاسلامي التربوي، فجهابذة الفكر الاسلامي، في القرنين الاخيرين، لم يعنوا بالموضوع التربوي كما فعلوا في غيره من موضوعات الفلسفة والكلام والفكر السياسي و...،فكانت الاسهامات محدودة نسبيا، وهذا ما سبب اخفاقا جادا، بل وغربة على هذا الصعيد.

ولسنا نغض الطرف عن محاولات مشهودة بذلها علماء وباحثون مهتمون في الساحة الاسلامية، من امثال سيد قطب وباقر شريف القرشي ومحمود البستاني و... بل نقايس لنرصد مدى الاهتمام والرعاية اللذين حازهما هذا الموضوع في القرنين الاخيرين، والا فان معطيات احصائية تؤكد على سبيل المثال لا الحصر ان جهدا غير عادي قد بذل في الجمهورية الاسلامية الايرانية، في العقد الاخير من القرن الماضي،على الصعيد الاسلامي، ما يشير الى تباشير ولادة رؤى اكثر نضوجا وعلمية وشفافية وعملانية.

3 ـ وقد جاءت المحاولات على محدوديتها مشوبة بالهاجس الدفاعي، فتم التركيزعلى نقد آليات تربوية غربية بدات بغزو المجتمعات الاسلامية، واستنزف الدارس الاسلامي نفسه في هذاالوضع، من دون ان يقدم انموذجا بديلا مكتملا نابعا من تراثه ومن خصوصيته وظروفه.

وقد ادى هذا الوضع الى نفوذ المناهج التربوية الغربية في الحياة الاسلامية، بل وحتى في اوساط اولئك الذين طالما نقدوا هذه المناهج، وكان المسوغ لهذا الاستدعاء ما قيل ويقال عن عمليات الفرز في الحضارات الوافدة بين صحيحها وسقيمها، والحال ان عددا كبيرا من المفاهيم التربوية ـ ومن البرامج كذلك ـ لا يمكن ان يعطي نتائج الا في مناخ حضاري خاص يماهي ذاك المناخ الذي تولدت فيه البرامج نفسها او يقاربه، وهذا ما ادى ويؤدي الى واحد من اثنين: اما اصطدام هذه المناهج بتيار تراثي متحفظ ومن ثم الانسلاخ عنها دينيا بسحب الشرعية او العمق الديني عنها... او تسربها الى نظم التفكير بما يزيل تدريجيا معالم المنهج التربوي الذي تدعى الخصوصية له.

وفي كثير من الاحيان، حصل الامر الثاني ووجدنا ازدواجية في معالجة الامور، كان سببهاالرئيسي العجز الفكري عند الباحث المسلم عن تحديد موقف فلسفي يشكل المنطلق للتعامل مع هذه الموضوعات، ما جعله احيانا كمن يريد ان يستخدم الآلة المتطورة في مجتمع يصر هو نفسه على ابقائه زراعيا بما للكلمة من معنى، فان للآلة بصماتها الخاصة على المجتمع، فعندما يراد ترويجها فان ذلك يعني الاقرار سلفابتلك التاثيرات، وهذا يعني ان الاصرار على تكوين مجتمع يناقض ما تتركه الآلة من آثار في مناخ يصر في الوقت نفسه على ترويج الآلة ليس سوى مناقضة وتهافت بينين.

ان المعاهد العلمية والحوزات الدينية والجامعات المعنية جميعها مطالبة بهذا الدرس، وخلق عقلية تربوية في الذهن الجماعي، وهو امر يمكن ان يكون التراث لاخلاقي والصوفي والعرفاني مادة خصبة لتنميته والانطلاق به، فقد انطوت كلمات العرفاء وعلماء الاخلاق المسلمين منذ ابن مسكويه والغزالي و... على معطيات ثرة على الصعيد التربوي العام، ما يسهل عملية الانطلاق الداخلي في بلورة مشاريع ونظم تربوية في الوسط الاسلامي عموما.

4 ـ ولا نهدف، من وراء تثوير التراث الروحي والخلقي في الاسلام، الى نمذجة نتاج الغزالي وابن مسكويه وابن طاوس والنراقي والفيض الكاشاني وغيرهم، لان الاشكالية المهمة التي تواجه هذه النمذجة هي طفو اللغة التعميمية ذات الخيوط العريضة على لغة الاخلاق والتربية في التراث الاسلامي، وعدم وجود تصورات تفصيلية نابعة من ظواهر مستقراة عادة، ولذلك وجدنا ان الرؤى التربوية في السياق التراثي كانت رؤى عامة وكلية الى حد ما، فيما تشتد الحاجة الى رؤى عملانية تواكب الواقع ايضا، علاوة على التصورات العامة التي تؤسس للبرامج والمشاريع، فان يصاحب الولد سبع سنين، او يترك سبعا، موضوع عام لايلامس معالجة مفردات الظواهر السلوكية التي تواجه الطفل او المراهق في حياته من الكذب والاحتيال وعقدة الحقارة و...

وهذا يعني ان الدرس التربوي الاسلامي يجب ان يفرغ من وضع المبادى العامة والتصورات البنائية، من دون الجمود عليها او اعتبارها عنصرا كافيا على صعيد آليات التربية والتعليم، بل لا بد ـ اذا لم يجد في التراث ـ من ان يراكم المخزون البشري والتجارب التربوية الانسانية، بما يقع ضمن السياق الديني العام في عملية يجدر ان لا تبدو محض انتقائية.

وهذا ما يفتح المجال على التجارب البشرية كافة، عندما لا تكون منطلقة من الخصوصية التي تمتاز عن خصوصية الذات، الامر الذي تحدده قراءتنا النظرية لموضوع التربية وكلياته.

5 ـ ويبقى ان نشر الروح التربوية في المجتمع ضرورة، ان النص القرآني واضح في مزجه بلغة رائعة ما بين المعطيات العلمية والروح التربوية، فالنصوص القرآنية الفقهية بل والعقدية والتاريخية تمتزج بعبارات ذات محتوى تربوي من انذار وتبشير ووعد ووعيد وامل ورجاء و...، وهذا ما يؤكد ان النص القرآني قد زاوج بين التربية والتعليم ولم يفصل بينهما، ايمانا منه بغائية المعرفة وهدفيتها.

ومن هنا كان القرآن الكريم كتاب هداية على الرغم مما يزخر به من معطيات علمية وجودية مهمة للغاية، لان الاولوية قرآنيا انما تحظ ى بها الابعاد التربوية للنفس الانسانية عموما، وهذه الاولوية تبدوجلية لكل من يطالع هذا الكتاب المقدس.

وفي هذا السياق، تاتي ضرورة تحويل برامجنا التعليمية ضمن الحد الممكن والمناخ المناسب سيما للاطفال والناشئة الى برامج تخيم عليها الروح التربوية النضرة، ولا تبقى محصورة في اطار لغة العلم الجافة،تلك اللغة التي سيطرت حتى على قسم من علومنا الدينية نفسها، الامر الذي كانت له ضروراته ومقتضياته التاريخية وغيرها.

دراسات

 علم النفس الاسلامي... حقيقة ام وهم؟

 حميد لطفي

مدخل

يحاول الانسان، منذ ولادته، يحاول الانسان ان يكتشف الحقائق المحيطة به، لكنه لن يستطيع الاحاطة بها كما هي عليه بسبب اوجهها المتعددة وتعقيده؛ هذا السبب نفسه هو الذي فتح، من جهة اخرى، باب الاكتشافات والبحث والاختراعات على مصراعيه، فانبرى الكثير من الناس لاماطة اللثام عن حقائق بقيت طي الكتمان او في عالم المجهول لتسليط الضوء على الجوانب المظلمة فيها وكشف المجهول منها، اداء للدور المطلوب في تعميق المعرفة والتقدم بالمستوى العلمي ودفعه خطوة نحو الامام.

في هذا المقال، سنناقش ما اذا كان ممكنا طرح رؤية جديدة او مذهب مستحدث في علم النفس تحت اسم «علم النفس الاسلامي». وقبل ذلك، نوضح، من خلال الغوص في اعماق هذا العلم، حصول تغييرات كبيرة ومتعددة عليه، منذ ان طرح على بساط البحث بوصفه حقلا علميا له خصوصياته، وتمت تجربة العديد من المناهج والمدارس والتنظيرات طوال مدة ظهور هذا العلم. ولم يقتصر الامر على تبدل المواقف والتعريفات على مدى الزمن الذي طرحت فيه، بل كان هناك تنافس بين جهات عديدة لتبيين موقف محدد ازاءقضية معينة في وقت واحد. على هذا الاساس، وبلحاظ تعقيدات الموضوع وكثرة ابعاده المجهولة، من البديهي ان تطرح اية رؤية جديدة ازاءه. كما سنتدارس امكانية طرح علم نفس اسلامي في ارقى صوره، في مجال وضع نظريات وتحديد اتجاهات تساعد الباحث على وضع اطار للنشاط العلمي ومعرفة الحقائق النفسية وتحليل النتائج المحصلة، وليس فقط الاعتماد على ابحاث الخرين ونظرياتهم في ميدان العمل. وسنبحث ايضا احتمالات نفوذ العلوم ما قبل البشرية في معرفة الحقيقة وادواتها وحدودها.

ثمة اسئلة اخرى يمكن ان تناقش في هذا البحث تلح على ذهن الكاتب ومنها: هل من الضروري التاكيد على الصفة الاسلامية في حالة امكانية طرح علم نفس اسلامي، وما هي النتائج التي يمكن ت حصل من هذا التاكيد؟ وكيف يمكن الحديث عن النظريات الشمولية التي تستلهم افكارها من الخلفية العلمية؟ وما هو دور الظروف السياسية الاجتماعية في تكوين نظريات قائمة على اسس محلية اسلامية؟ وكيف يمكن ايجاد ظروف افضل؟ وما هي الابواب التي يمكن تفعيلها في طرح الابحاث المتاثرة بسوابق ما قبل التجربة؟ وما هي حدود العمل بعلم النفس الاسلامي؟ وما هي الملاحظات المحورية والاساسية التي يجب الالتفات اليها في طرح مثل هذا الاجتماع غير المالوف في الظاهر بين علم النفس والاسلام؟

تغير التعريفات في وصف علم النفس

لم يتفق المنظرون النفسيون على تحديد اطار معين ومنهج واضح وموضوع واحد لعلم النفس (Psychology) منذ ان طرح بوصفه «علما» (Science) عام 1879 حتى يومنا هذا. وعلى الرغم من مرور اكثرمن قرن على ذلك، فان النطاق الموضوعي له ما انفك يتغير، من الابعاد المختلفة للكائن الحي (Organism) الى المتغيرات المختلفة للمحيط الواسع؛ ففي بداية الامراكد العلماء على دراسة السلوك الانساني وارتباطه بالمتغيرات العضوية، ثم جرى التاكيد في متوسط عمر هذاالعلم على ارتباطه بالمتغيرات المحيطية، فيما عاد علماء اليوم للتاكيد على المتغيرات العضوية من جديد؛ يشهدعلى ذلك تغير التعريفات التي تطلق على علم النفس وظهور اتجاهات متعددة طوال هذه المدة.

عرف علم النفس، على مدى تاريخه القصير، تعريفات كثيرة، فقد راى الفريق الاول من علماء النفس ان ميدان عملهم هو «النشاط الذهني»؛ ومع تزايد الاهتمام بالاتجاه السلوكي، في بداية القرن العشرين، والتاكيد على دراسة الظواهر القابلة للقياس، تم تعريف علم النفس بانه «دراسة السلوك»؛ ويشمل هذا التعريف دراسة السلوك الحيواني والانساني على حد سواء، مع افتراض:
1 ـ ان المعلومات المحصلة من التجارب على الحيوانات يمكن تعميمها على الانسان.
2 ـ ان السلوك الحيواني بحد ذاته يبعث على الاهتمام، وقددرجت الكثير من الكتب الدراسية النفسية الصادرة بين العامين: 1930 و1960 على تقديم هذا التعريف، بيداننا عدنا الى التعريف القديم الذي عرف ابان تطور علم النفس الظاهراتي وعلم النفس المعرفي.((1))

ويمكن ان تساعد على فهم التحول الموضوعي، في هذا المجال، ملاحظة ثلاثة نماذج من تعريفات علم النفس في بداية قرن من النشاط العلمي في مجال علم النفس ووسطه ونهايته:

يفترض بعلم النفس ان يناقش امورا نطلق عليها تسمية «التجربة الباطنية»، وهي الادراكات الحسية والاحاسيس والافكار والرغبات، مقارنة مع موضوعات «التجربة الخارجية» التي تدرس في اطار العلوم الطبيعية(وونت (Wundt)ا، 1892).

علم النفس، من وجهة نظر الاتجاه السلوكي، هو تلك المجموعة من العلوم الطبيعية التي تبحث في السلوك الانساني؛ اي الاقوال والافعال، سواء كانت مكتسبة ام لا (واطسون(Watson)ا، 1911).

ان علم النفس عبارة عن التحليل العلمي للحصيلة الذهنية وتكوينات الذاكرة من اجل ادراك السلوك الانساني((2)).

من الواضح ان تعدد التعريفات يدل على تبلور مدارس واتجاهات متعددة في ميدان علم النفس، حاول كل منها تركيز نشاطه التحقيقي باتجاه معين، ومن تلك الاتجاهات: البنيوي(Structuralism) (دراسة تكوين الذهن والذكاء) والوظيفي(Fanctionalism) (دراسة وظيفة الفكر) والتحليل النفسي(Psychoanalysis) (دراسة اللاشعور) والظاهراتي (Phonemenological approach) (دراسة الظواهر او التجارب الذاتية للافراد) والعصابي الحيوي(Neurobiological approach) (دراسة النتائج الحيوية والعصبية)والسلوكية (Behaviorism) (دراسة السلوك) والادراكية (Cognitivism) (دراسة النتائج الذهنية والادراكية).

البنيوية، في شكلها الاولي، ليست محط اهتمام علماء النفس في الوقت الحاضر، اماالمذاهب الاخرى فقد استحوذت على اهتمام الباحثين بشكل واسع، وفي وقت واحد.

كما لا توجد وحدة منهجية في تبين السلوك او الاستجابة (Response) (R)، فهل نلجا ونحن، في صدود، توضيح السلوك الى الحيوان نفسه (O) او الى البيئة والمنبهات الخارجية (S) (Stimulus) او الى الاثنين كلاهما؟ وفي هذه الحالة، ايهما الاهم الحيوان ام البيئة؟ وما المقصود من السلوك، هل الظاهر منه او الخفي او كلاهما؟ وفي حالة اللجوء الى الحيوان نفسه لتوضيح السلوك، هل يجب الرجوع الى السابقة الارثية، او الى الارتباطات العصبية البيئية او الادراكية والارادية؟ وهل يمكن الاكتفاء بالسبب في تبيين السلوك من دون اية اشارة الى ادلة اختيار السلوك من جانب الكائن الحي، وبخاصة الانسان؟

وتشاهد، ايضا، تاكيدات مفهومية متنوعة في الدراسات النظرية لكل من هذه الاتجاهات،فاذا كانت العودة الى الكائن الحي على راس برامج الباحث مثلا، فلربما يهتم ببعد خاص (الادراكي اوالارتباطات الفيسيولوجية او الحالات النفس معرفية او اللاشعورية) يغفل عنه الباحثون الخرون. ولوحظ في موضوع البيئة وتحديد معدل تاثر الكائن الحي، غياب الاجماع، على الرغم من الابحاث الواسعة والاختبارات المتعددة التيءجريت على الحيوانات؛ والسؤال الذي طرح هو: هل يقتصر تاثر الحيوان على حدود ما لديه من استعداد فيسيولوجي (ثورندايك) (Thorndike)، او ان استجابته مطلقة، ويمكن ان يعلم الكائن الحي كل شيء (اسكينر) (Skinner)؛ او ان التاثر محصور في مثيرات خفض الدافع(هول) (Hull) او ان هناك امكانية التوليف بين المحرك الشرطي وغير الشرطي (بافلوف)(Pavlov)، اوفي حدود عدم تداخله مع الميول الغريزية في الكائن الحي (برلاند) (Berland, .M & Braland, K او ان تاثير المحيط محدود بمدى تحسس الكائن الحي حين التعلم، وانه لا يتعلم شيئا انما هي عملية توصيل بين التوقعات الذاتية مع ظروف خاصة (بولس)(Bolles)؛ او ان الاستجابة هي في حدود ما يملكه الكائن الحي من استعداد مسبق (سيلجمان)(Seligman)، او انها تفجر الاستعدادات الكامنة في الفرد وتنشط الذهن (جشطالت(Gestalt)) ومعالجة المعلومات (Information processing) او غير ذلك(هرجنهان وآلسون).

في تحديد الاتجاه السلوكي، هناك تباين كبير ايضا بين الباحثين، فعلى اي بعد في الظاهرة يتم التركيز البحثي؟ هل يجرى اختبار واحد في ظروف متعددة (فن التفرد) (Nomothetic technique)، اوينبغي الاستفادة من مجموعة الاختبارات واخذ معدلها (فن التقنين)(Nomothetic technique)؟ وهل يؤخذ انموذج البحث من المجتمع الانساني او من المجتمع الحيواني؟ وهل ندرس علاقة المتغيرات مع بعضها (فن الترابط) (Correlation) اونقارن تاثير متغير على آخر (فن التجربة) (Experiment)؟؛ واي متغير هو الذي يترك اثرامستقلا، وفي اي بعد (بيئوي ام عضوي)، وفي اي مستوى يجب ان تتم دراسته؟ وهل يدرس السلوك على اساس كلي او على اساس الرابطة بين المثير والاستجابة (الخفيضية) (Reductionsim)؟ واي منهج احصائي يتم اختياره في اختبار نظرية ما((3))؟ واي تحليل يجب ان يقدم من النتائج المستحصلة؟ (هرجنهان وآلسون).

لا يعتمد الباحث، اذا، في بداية الامر، او في مستهل نشاط علمي معين، على حقائق خالصة،ولا يقوم بدور الناقل لتلك الحقائق الى الخرين، انما هناك الكثير من المتغيرات تسبق التجربة والمشاهدة يمكن ان توجهه نحو منهج معين ربما يختلف كثيرا او يتناقض في خاتمة المطاف مع ما توصل اليه الباحثون الخرون، ومن تلك المتغيرات الرغبات الذاتية والدوافع والتوجهات النظرية والمحيط الاخلاقي والاجتماعي وغيرذلك. ولكثرة ما قد يؤدي اليه الميدان العلمي من خيارات، قيل:

يسود تصور بان العلم وسيلة عينية باردة للوصول الى الحقيقة، في حين ان معظم العلماء يتصفون بالعاطفية، وتتوفر الحقائق التي يكتشفونها على البعد الاحتمالى((4)).

والآن، لو ناقشنا هذه التحولات، تحليليا وتاريخيا، لمعرفة الاتجاهات المنهجية، لتوصلنا الى عدة نتائج مهمة منها:

1 ـ ان المعرفة العلمية غير ثابتة؛ بمعنى ان المعطيات العلمية تتعرض لتغيرات كبيرة مع مرور الزمن، ومع تطور النظريات والمفاهيم والراء ووسائل القياس. وقد تكون هذه التغيرات اساسية تارة كالغاء انموذج تجريبي كامل (Instrumentalism)، او طرحه منافسا امام النماذج والتصاميم الاخرى.وقد تتخذ البعد التطوري والتكاملي، كطرح تجارب جديدة واستخراج معطيات اكثر اعتبارا وعرض مفاهيم اكثر وضوحا ونظريات اقوى من سابقاتها. وفي سياق هذه التغيرات، يصبح من غير العلمي الاصرار على الراي والنظريات الجديدة او القديمة وعدم القبول باية افكار وطروحات مستجدة وذلك بالدرجة نفسها التي يتم فيهاانكارجميع المعارف المتراكمة التي خرج بها الباحثون والعلماء حتى الن.

2 ـ «حقيقة» الموضوع الذي يجري بحثه، في اي ميدان علمي، لا تتمثل ناصعة خالصة امام الباحث، لانها لو كانت كذلك لما لاحظنا جميع هذه التغيرات والتناقضات في الراء والنتائج، ولكان الاجماع سيد الموقف بين العلماء. ولهذا نرى ان حقيقة ما تتوفر على ابعاد وتعقيدات كثيرة وسعة مفهومية بحيث تتزايداحتمالات اكتشاف هذه الابعاد وما فيها من مستجدات ومناهج جديدة.

3 ـ المسار النظري الذي يتجه اليه الباحث له دور مصيري في نوع النتائج وكيفيتها وتسميتهاوحتى تحليلها وتفسيرها. فهناك صلة بين افتراضات الباحث واتجاهه النظري والمفهومي وبين الموضوع الذي ينطوي على الاهمية لدى الباحث والتسميات التي يطلقها على العناصر المكتشفة والبعد الذي يؤكد عليه والاهتمام الذي يبديه ازاء الوجوه المتميزة فيه وتحليله للنتائج وما الى ذلك. عليه، فان من الممكن علميا اختيارافتراضات مسبقة نقلية وعقلية، والتاكيد على موضوع معين واتجاه خاص ومناقشته بالسبل العلمية المتداولة للتوصل الى نتائج متعددة، بل ان نشاط الباحثين يمر عبر هذه المراحل وينحو هذا المنحى. اما اذا اتخذناجانب الانحياز المفرط تجاه نتائج نظرية معينة، وراينا انها بانها بلغت اقصى غاية العلمية وان نتائجها قطعية لا يمكن الطعن فيها ولا يمكن تغييرها بحيث لم تترك مجالا لطرح آراء ومفاهيم غيرها، فاننا نكون قد نايناتماما عن العلمية وابتعدنا عنها.

تنوع المذاهب العلمية يقود الى طرح مدرسة جديدة

تحدثنا عن العقد التي تحوم حول الحقيقة التي تتم دراستها، ومن ثم عن تنوع الابعاد التي ركز عليها الباحثون، وراينا انها مختلفة، وان الراء تختلف في تفسير النتائج، وقلنا: ان الامر علمي، وينسجم مع طبيعة الفعل البحثي ان تطرح موضوعات ورؤى جديدة، وان تتغير النتائج التي يتوصل اليها الباحثون. وفي هذه الفقرة من البحث، سنشير الى تنوع اتجاهات المعرفة ومواطن قوتها وضعفها، كما نشير الى من يجزم بالنتائج العلمية ويرى انها غير قابلة للتغيير، ويتحدث عن العلم كانه امر ظاهر محسوس ينطوي على معنى واحد للجميع ليست له اية مكانة عند الباحثين والعلماء والمفكرين، فقد استبدل العلماء مصطلح «الابداع»، واطلقوه بدلا من «الاكتشاف» في تبيين النتائج العلمية، واصبح من الواضح للجميع بان النشاط العلمي وابتداء من مراحله الاولى وحتى مرحلة الاختبار، او حتى الوصول الى النتائج، هو عمل فردي يستند على الدوافع والفرضيات المسبقة والمسائل التي تسبق التجربة. ويقوم الباحث باخضاع تلك المسائل الى التجربة في اطار المناهج العلمية والموازين والمواصفات المتفق عليها، ليخرج بنتيجة خاصة الى جانب ما توصل اليه العلماء الخرون، وبهذه الطريقة ينتج «العلم». فلا ضير، اذا، من طرح فرضيات مسبقة ومعتقدات ثقافية ودينية وفلسفية واخلاقية ووضعهافي اطار المراحل الاولى لعمل علمي ومتابعته عبر مشاركة فكرية واسعة في ميدان علمي خاص، بل ان ذلك من شان فعل العلماء.

رؤية المذهب الوضعي (Positivism)

الملاحظة، حسب هذا الراي، القناة الوحيدة والموثوقة التي يمكن الاعتماد عليها لكسب المعرفة، فيبدا النشاط العلمي من المشاهدة الحسية المباشرة مرورا بتدوين النظرية، ليتبلور من ثم القانون عبر التجربة والتكرار والاثبات. وتعد النظريات التي اثبتت غير مرة، وتمت تجربتها بما فيه الكفاية من الامورالعلمية الثابتة. عليه، فان التجربة العلمية هي امر محسوس خارج ذهن العالم، وما الذهن الا مرآة، يعكس الحقائق من دون ان يضيف شيئا او يتصرف في المشاهدة او ينحاز (باربور). ويقتصر عمل العالم على الاكتشاف فحسب،اي اكتشاف ما هو موجود في عالم الخارج، اما معيار قبول النتائج او القواعد العلمية فهو ما تستوعبه المشاهدة ومايمكن ان توثقه الشواهد الايجابية؛ عندئذ يمكن اعتبار النتيجة صحيحة وقطعية وعلمية، وفي غير ذلك فانها خاطئة وغير علمية وتفتقر لاي معنى.

على اساس هذه الرؤية، فان تاسيس «علم» ما على ركيزة وضعت قبل المشاهدة انما هو خروج عن دائرة الشمول العلمي. اما الاصرار على التصور الجزمي الذي يسلب من الباحث القدرة على الابداع والانتاج فقد تعرض لانتقادات كثيرة نشير الى بعضها بما يتناسب والهدف من هذا المقال:

أولا: لا يمكن ترجمة الكثير من النظريات بعبارات توحي بالمشاهدة، واذاافترضنا امكانية ذلك، فان اي منظر لا يفكر، في اي حال من الاحوال، بالتنازل عن نظرياته الناجحة. بعبارة ثانية، انه يشعر بعدم الحاجة الى اختبار جميع المفاهيم بالمشاهدة لانه يعتقد بصحة نظريته قبل ان يقدم على ذلك، ويتوقع صدقها.

ثانيا: تفقد النظرية امكانية تطورها وتكاملها لو تم استبدال التصورات النظرية بتعريفات تشتمل على الاوصاف التي يمكن مشاهدتها. فالمتوقع من النظرية ان تكون شاملة بحيث يمكنها ان تتوقع ما سياتي به المستقبل، وتستوعب مشاهدات كثيرة من دون ان تشهد تغيرا جوهريا في المعنى. ومثل هذه التعريفات لا تترك مجالا للاستيعاب، لانها لا تضم جميع المشاهدات التي لا نهاية لها (ماري هسه)(Mary Hesse).

ثالثا: هناك نظرية مفترضة تطرح مسبقا في عناصر المشاهدة، فاذا وصف عالم النفس ابتعاد شخص ما عن الشذوذ الاجتماعي «السواء»، فانه يعتمد على نظرية مسبقة تقول: ان الابتعادعن «الشذوذ» هو معيار المرض او المشكلة النفسية.

رابعا: ان صحة المشاهدة وسقمها مشروطان بصحة النظرية وسقمها اوالافتراض المسبق. بعبارة ثانية، فان من الصعب او المستحيل تحديد موضوع المشاهدة وصحتها من بطلانها من دون نظرية او افتراض مسبق، لنلاحظ المثال الآتي:

يمسك المعلم بقطعة من جسم ابيض اللون اسطواني الشكل امام السبورة، ويقول: هذه قطعة من الطباشير. ولكن لا تصح هذه المشاهدة الا حينما يتم قبول النظرية الكامنة وراءها، وهي: ان الاجسام الاسطوانية البيضاء الموجودة في الصفوف الدراسية الى جانب السبورة هي قطع من الطباشير. ومن الواضح، ان هذه النظرية ليست حقيقية، فمن الممكن ان يصنع شيء آخر مماثل، وبدرجة كبيرة من الدقة، لقطعة الطباشير. ومن الممكن، ايضا، ان يقال للمعلم: ان الشيء الاسطواني الذي يخلف خطا ابيضا على السبورة السوداء هوطباشير؛ ولكن لا يمكن القبول بهذه الفرضية تماما، لان هناك شيء آخر قد يترك الاثر نفسه.بناء على هذا، لايمكن التسليم باي ملاحظة ما لم يتم التسليم بنظرية ما قبل هذه الملاحظة. بل حتى لو اردنا ان نجري اختبارات دقيقة، ونخضع الشيء الاسطواني للاختبار الكيماوي، فاننا سنواجه ايضا عددا من النظريات الكيماوية التي تمنح الاعتبار لملاحظاتنا في حال كونها تتمتع بالاعتبار اللازم عندنا (تشالمرز).

وبناء عليه، فان الملاحظة وحدها لا تقدم معنى خاصا للملاحظ، انما تكتسب معناها من النظرية،او الافتراضات المسبقة، فاذا تغيرت النظرية تغير معنى الملاحظة ايضا. ففي مثال المريض البعيد عن السواءالاجتماعي وراي عالم النفس فيه يمكن الخروج براي آخر مفاده:

... معظم الاطباء النفسيين يعتبرون الهيكلية الاجتماعية الخاصة بهم بديهية الى درجة انهم يقبلونها من دون نقاش، فتتدنس عندهم قيمة من لا ينطبق عليها تماما، فيما يصفون من يتفق معها بانهم في مراتب عليا من القيم الانسانية، فحينما نميز بين مفهومي «السوي» و«العصابي»، نلاحظ ان العصابي اكثر سلامة من ناحية القيم الانسانية من الشخص الذي نتصوره سويا بسبب تكيفه... وثمن هذا التكيف التفريط بالذات،ليقضى على هذه الذات والاثارة المنبعثة منها تماما. ويمكن القول، من جهة ثانية: ان العصابي قد قاوم الاستسلام من اجل حفظ ذاته والدفاع عنها((5)).

في هذه الحالة، يمكن نقل هذه المؤشرات التي لوحظت عن فرد منعزل عن المجتمع، اوعصابي، من تصور مرضي الى تصور آخر.

خامسا: التاكيد على الملاحظة، والوصول الى مبادى علمية عبر تراكم هذه الملاحظة، هو تاكيد على صحة الاستقراء الذي يتعرض للتشكيك جديا. والاستقراء باختصار هو الاستنتاج من ملاحظة ظاهرة بخاصية معينة في اوضاع مختلفة بان جميع مصاديق هذه الظاهرة تتسم بتلك الخصيصة، بيد ان هذا البرهان غير معتبر منطقيا. ومثالا على ذلك لنفترض ان ملاحظة عدد كبير من الغربان، في اوضاع متعددة،يثبت بالاستدلال الاستقرائي ان جميع الغربان سوداء اللون، ولكن لا يمكن الضمان منطقيا باننا لا يمكن ان نرى غرابا غير اسود في المستقبل. لذلك، فان مقدمات الاستدلال ربما تكون صحيحة، غير ان النتيجة قد تكون غير صحيحة. نورد هنا مثالا آخر يضرب عن الديك الرومي، فهو يلاحظ ومنذ اليوم الاول، انه يطعم في الساعة التاسعة صباحا، وعندما تتكرر باستمرار هذه الظاهرة يصل الى نتيجة قطعية بانه سيتناول طعامه يوميافي التاسعة صباحا، حتى يحين اليوم الذي يبطل فيه هذا الاستنتاج بشكل غير طبيعي، بحيث يقطع راسه بدلا من اطعامه(تشالمرز).

هذه الحالات تكشف ان الملاحظة ـ ومهما كانت كثيرة ـ لا يمكن ان تثبت شيئا بصورة يقينية، بل انها تؤكد ان التجربة اساسا ليس لها اي دور اثباتي. على هذا الاساس، يخضع التكرار ايضا للتشكيك، وما يقال من ان الملاحظة يجب ان تتكرر وتتعدد في اوضاع واحوال متفاوتة لكي تنفع في الاستنتاج امر يلفه الغموض؛ فلربما كانت التجربة لمرة واحدة مفيدة في الاستنتاج (كتجربة القنبلة الذرية في الحرب العالمية الثانية)،وقد لا تكفي التجارب المتعددة في الخروج بنتيجة مفيدة (مثل التنبؤات الصحيحة للعراف). تكشف هذه الحالات ان العدد الكافي لتكرار الملاحظة، او المتغيرات التي يجب ان يعنى بها او تهمل، ذلك كله يرتبطبالنظريات التي تسبق الملاحظة.

سادسا: لو كانت الملاحظة والحس يمثلان الخطوة الاولى في اكتساب المعرفة، فاننا سنعجز حتى عن تفسير ادراك المفاهيم. فمفهوم «الحمرة»، على سبيل المثال، يتم التوصل اليه عبر الاستقراء من تكرار التجربة للاشياء الحمراء، غير ان هذا بذاته يتخذ من مفهوم الحمرة بوصفه افتراضا مسبقا. وهنا ياتي السؤال التي: كيف اكتسب هذا المفهوم معناه بداية؟ والسؤال الاهم: كيف تنتهي ملاحظة الاشياء الحمراء الى ادراك كلي يحمل اسم «الحمرة»، مع اختلاف هذه الاشياء في الوزن والشكل والحجم والمكان والزمان وما الى ذلك؟ وكيف ان ادراك احد هذه الاختلافات لا يؤدي منطقيا الى ادراك الشيء اللاحق كما انه غير متات من ادراك الشيء السابق لان اي شيء ومع ملاحظة جميع خصائصه خاص بذاته ؟ وهل يمكن ان يتم مثل هذا الامر اعتمادا على الملاحظة والحس فقط من دون وجود عملية الانتزاع وحركة الذهن والاستعدادالمسبق لادراك الكليات؟ هنا يواجه انصار الحس مشكلة في تفسير بلورة المفاهيم؛ وقد طرحت هذه الملاحظة في اطار قاعدة فلفسية((6)).

رؤية المذهب الذرائعي Instrumentalism

اهملت المدرسة الوضعية دور الباحث في معرفة الحقائق، وزعمت ان الملاحظة المجردة تكشف لنا عن «الحقيقة» كما هي؛ ويرتبط بناء على ذلك اعتبار المفاهيم العلمية بانطباقها على المشاهدات. بيد ان الذرائعيين اولوا الباحث اهمية واعطوه دور المبدع، وراوا ان القوانين والنظريات العلمية تخترع ولا تكتشف، ونفوا وجود كائنات في الخارج تمثل مصداقا للمفاهيم؛ ولهذا ليس من الضرورة حصول انطباق كامل بين المفاهيم العلمية والعالم الخارجي؛ ولا نفع للسؤال: ايهما موجود «الالكترون» او «الحافز»؟ويتركز اهتمامهم على اداء المفاهيم العلمية اكثر من تركيزهم على صحتها وخطئها. اي يكفي اخضاع المفهوم العلمي،او النظرية، او الفرضية، الى ملاحظة خاصة او توقع دقيق، وليس من الضروري ان يكون لهم اشراف مباشر على الملاحظة. عليه، لا بد من الاهتمام، في تقييم المعطيات العلمية، بما اذا كانت مفيدة ام غيرمفيدة،بدلا من التركيز على صحتها وخطئها (باربور).

وعلى الرغم من شيوع هذا الاتجاه بين بعض فلاسفة العلم، الا انه واجه اسئلة كثيرة لاجواب لها. يقول نيكل (Negal) في انتقاد المذهب الذرائعي:

تكون النظرية وسيلة مؤثرة في البحث حينما تربط الاشياء والحوادث، بعضها مع بعضها، بحيث تتفق النتائج التي نحصل عليها من المعطيات التجريبية عبر الاستعانة بتلك النظرية مع سائر متعلقات الواقع المشهود...

يتصور الكثير من العلماء ان عناصر النظريات ما هي الا مقدمات يحتمل كذبها، لان العبارات التي ترتبط بالواقع المشهود ربما اتضح بطلانها او كذبها((7)).

فاذا قيل: ان النظرية الفلانية غير مفيدة، او لا يمكن استخدامها قاعدة للاستنتاج او موجهة للباحث، كان ذلك موازيا للقول: انها باطلة او كاذبة؛ ولهذا لا يمكن الحديث عن كون النظرية مفيدة او غير مفيدة من دون الكلام عن صدقها وكذبها.

هنا يطرح سؤال اساسي آخر: ما العمل اذا كانت ثمة نظريتان متناقضتان، لكنهما مفيدتان؟ لا يستطيع الذرائعي الرد على هذا السؤال، كما لا يستطيع ان يقدم تفسيرا للظاهرة المتمثلة في ان الكثير من الاكتشافات الجديدة هي ثمرة المساعي التي بذلت لحل الراء المتعارضة (باربور).

رؤية المذهب المثالي Idaslism

دور العالم، في هذا الاتجاه، اوسع من دوره الذي يرسمه له المذهب الذرائعي. ففي المذهب الوضعي، تستحضر حقائق العالم الخارجي لدى العالم بوساطة الملاحظة، فيما تنفصل النظرية عن الواقع في المذهب الذرائعي، وتهرع المفاهيم النظرية التي يصوغها ذهن العالم لتسعف الباحث في اكتشاف السبل امامه؛ اما في المذهب المثالي فليس بالمتناول الا المفاهيم النظرية. ويعتقد انصار المذهب المثالي بان شكل النظريات وتكوينها هما نتيجة عمل الذهن على مادة المعطيات الحسية. بعبارة ثانية: ان المحسوسات لاتتوفر على تكوين وطبيعة قابلين للفهم منفصلين عن النشاط الذهني. وذهب موسسو المذهب، ومعظمهم من خريجي قسم الفيزياء، الى ابعد من ذلك، حينما ادعوا ان جميع القوانين الفيزيائية الاساسية والثوابت الطبيعية يمكن استلهامها من الملاحظات السابقة (ما قبل التجريبية)، ومن دون الاستفادة من اية نتائج تجريبية. بمعنى انهاجميعا نتيجة تصوراتنا واطرنا المفهومية التي تصبح ذات معنى حينما تحل فيها مشاهداتنا وملاحظاتنا. لهذا فان الحقيقة تتغير مع تغير المفاهيم طالما كنا نتعاط ى مع الاطر المفهومية المعرضة للتحول والتبدل(باربور).

يواجه هذا المذهب جملة مسائل منها:
1
ـ اذا كان تعاطينا مع التصورات الذهنية فقط، فلماذا تتفق الملاحظات التجريبية مع بعض تلك المفاهيم وتختلف مع بعضها الخر؟ بعبارة ثانية: لماذا يمكن لملاحظاتنا ان تقوم بدور يمكن ان يبطل المفاهيم النظرية؟
2
ـ لماذا تتغير مفاهيم النظريات بينما تبقى الحقائق الخالصة ثابتة؟

رؤية المذهب الواقعي (Realism)

يعتقد انصار هذا المذهب، وخلافا للمذهب الوضعي، بان ما هو «واقعي» لا يمكن ملاحظته، وبان المعرفة لا تنشا من التجارب الحسية المتفرقة، كما يعتقدون، وخلافا للمذهب المثالي، بان المفاهيم تعرض الحقائق في العالم، وان ماله دور مصيري في تكوين علمنا هو العين المعلوم، لهذا فان العلم، في رايهم، هواكتشاف وليس وضعا واختراعا. ولا يعتقد انصار المذهب الواقعي بان المحسوسات هي الوحيدة التي تؤدي دورارئيسيا في الاكتشاف، ويؤيدون خلافا لانصار المذهب الذرائعي الراي القائل: ان المفاهيم المعتبرة صادقة وحقيقية بقدر ما هي مفيدة.

يؤكد هذا المذهب دور مؤشر «قدرة الفهم» في تقييم المفاهيم العلمية، ولا يرى ان «واقعية» الشيء مرتبطة بمدى القدرة على ملاحظته، ويعتقد بانه يجب عدم الخلط بين المجردات (المفاهيم العلمية المنتزعة من الحقائق والعلاقات في ما بينها) والحقائق؛ والعلم على هذا الاساس هو ثمرة التعامل بين العالم والمعلوم. ويتحدد دور العالم في ادراك المادة الخام للتجربة عبر فعل متقابل، وبوسعنا انتزاع المعطيات الحسية فقط بتحليلها من الكل الذي ادركناه (باربور).

رؤية الواقعية النقدية (Critical realism)

أولا: يرى هذا المذهب ان المعطيات الحسية لا تنعكس علينا كما هي، اذينفصل الشيء الملاحظ فورا عن خصائصه ليصب في ظرف معرفتنا، ولهذا فاننا لا يمكن ان نتوفر على ملاحظة محضة ومباشرة. يقول احد فلاسفة العلم المعاصر في هذا الصدد:

ان اي بيان ووصف يستخدم الكليات. لكل بيان صفة نظرية كاملة وفرضية تامة. ولا يمكن اثبات صحة بيان العبارة: «هنا قدح ماء» كاملة باي تجربة حسية، لهذا لا يمكن ان نربط الكلمات الكلية (الكليات)التي تتوفرعليها باية تجربة حسية خاصة (التجربة المباشرة توضح مباشرة مرة واحدة فقط، وهي منفردة بملاحظة جميع خصائصها)، فمن كلمة قدح على سبيل المثال نستحضر الاجسام الفيزيائية التي تعرض سلوكا معينا، ويصدق الامر ايضا على الماء((8)).

نستنتج انه من الخطا التمييز بين مصطلحات الملاحظة والمصطلحات النظرية، لان اللغة لاتستطيع ان تؤدي المطلوب دون الكليات. فالمصطلحات جميعها نظرية، لكن هناك فارق بين مستوياتها النظرية.

ثانيا: للملاحظة، في هذا المذهب، دور ثانوي في الفرضية؛ وذلك على الرغم مما يمكن ان تضطلع به من دور حاسم في ابطال النظرية:
... ان الملاحظة هي عملية لنا دور نشط فيها. فهي عبارة عن فهم وادراك، لكنه فهم جرى التخطيط له. اننا نصنع الملاحظة ونكونها، ذلك ان هناك رغبة خاصة تسبقها، او سؤال، او مسالة، او اي شيءنظري مقابل الحسي. عندئذ يمكن ان نجعل من كل سؤال فرضية او تخمينا، لنضف قائلين: «هل هو هكذا؟ نعم ام لا؟». عليه يمكن القول: ان هناك شيئا تقدم عليها اثار فينا الرغبة، وهو ينطوي على بعد نظري وتحقيقي. لهذا فان الملاحظة انتقائية دائما يتقدم عليها شيء اشبه ما يكون بالاصل المنتقى((9)).

ثالثا: يضع هذا المذهب للملاحظة قيمة نفي وليس قيمة اثبات، فانصارالمذهب الوضعي يعتقدون بان توفر المشاهدات المؤيدة للفرضية القائلة: «ان جميع الغربان سوداء» يثبت هذاالمدعى، ولهذا وضعوا للملاحظة قيمة اثباتية؛ اما الواقعية النقدية فانها تقول بعدم وجود اي امر يقيني وثابت في العلم، وهذا الاخير يمثل مجموعة من الفرضيات والتخمينات، لانه لا تثبت الفرضية السالفة تماما الا حينما لانجد اي غراب غير اسودفي الماضي والحاضر والمستقبل، وعليه لا يمكن الوقوف على صحة القضية عبر جمع الملاحظات المؤيدة. فالملاحظة في العلم يمكن ان تتوفر فقط على جانب النفي، بمعنى ان اية نظرية لا يسلب منها الاعتبار مادمنا لم نلاحظ شيئا معارضا لها، او انها قد تجاوزت بنجاح تجارب كبيرة (تشالمرز).

معيار النفي((10))، اذا، هو علامة لتمييز العلم من غيره؛ فعبارة «لن ينزل المطر ايام الاربعاء اطلاقا»، مثلا، نافية وعلمية، لانه يكفي ان ينزل المطر في احد ايام الاربعاء لنفي صحته؛والجملة علمية لانهاحساسة حيال الملاحظة والحدث الخارجي. اما الجملة الشرطية: «اذا حان موعد زواجك،فسوف تتزوج»، فانها غير علمية لانه لا يمكن نفيها باي ملاحظة بالقوة او بالفعل، بيد انه يمكن ان تكون جملة صحيحة.طبقا لهذا المذهب ليست هناك اية معادلة بين العلمي والصحيح، او غير العملي والخط؛ فربما كان الامر العلمي صحيحا او خاطئا، كذلك قد يكون الامر غير العلمي صادقا او كاذبا.

نستنتج من مجموع مبادى الواقعية النقدية ان النظرية العلمية ليست تلخيصا للملاحظات(المذهب الوضعي)، ولا مجرد اداة لارشاد الباحث (الذرائعي)، كما انها ليت حصيلة انتزاع من الملاحظات(الواقعي)، وليست مساوية للحقيقة بصورة كاملة (المثالي)؛ انما هي تخمين خلاق يتم الاكتشاف من خلال الاستعانة به؛ ولا تتحقق اية ملاحظة من دون وجود نظرية معينة؛ لهذا فان اي اكتشاف انما يحصل لتجربة نظرية معينة. كما ان النظرية توفر ظروفا جديدة للقيام بتجارب جديدة.

رؤية مذهب العلم السوي Normal science

يقدم هذا المذهب تصورا اجتماعيا للعلم. ففي كل مرحلة يهيمن تصور معين، او نظرية ما،على المجتمع العلمي، يفرض سلطته على النشاط الرسمي العلمي، ويقوم بعملية التنسيق والتوجيه في عمل العلماء،ويمارس عملية التحقيق في قضايا تنطلق من الاطار المتفق عليه. واذا عجز عن فك رموز لغز معين،فذلك لا يعد اخفاقا للعلم ولا للتصور السائد. ويجب ان لا يتخذ الباحث الذي يعمل في اطار العلم الطبيعي والمتعارف موقفا انتقاديا من العينة التي يعمل فيها (كوهن (Kuhn).

هذه هي الصورة الاجمالية للعلم المتعارف والسوي. ومعروف ان جميع العلماء والباحثين لايسايرون التصورات السائدة، ويطرحون امورا لا تنطلق من الانموذج السائد، او يتخذون مواقف لا تتفق مع القواعدالعلمية الشائعة. فاذا بلغت هذه المواقف والاعتراضات ذروتها من دون ان يستطيع الانموذج المهيمن والشائع ان يستوعبها، فانها ستؤدي الى حصول ازمة تتحول تدريجيا الى ثورة علمية يتبوا خلالها الباحثون الجددقمة المجتمع العلمي، ويقيمون صرحا للنشاط العلمي، ليدخل الميدان علم متعارف جديد. على اساس هذاالمذهب، لا تقيم الادعاءات العلمية بمنهج علمي او منطق معين، بل ان المعيار، في قبول نظرية مااو رفضها، هوانسجامها مع العلم المتعارف والموافقة عليها من قبل المجتمع العلمي؛ وفي غير ذلك تلفظ النظرية حتى لو كان بمقدورها تبيين الظواهر، ولا يسمح لها بالظهور، ويصار الى انتقادها وانتقاد واضعها باي اسلوب كان، لكي لاتشيع في صفوف المجتمع العلمي.

رؤية المذهب اللامنهجي Against method

طرح فايرابند (Feyerabend) مذهبا جديدا اثار ضجة كبيرة، وهو يقوم على قاعدة: «كل شيء ممكن، او كل شيء حسن». يقول المذهب الوضعي: لا بد من الالتزام بالمنهج والطريقة سواء في مقام الملاحظة ام في مجال التقييم والحكم، اي انه يتم الاعتماد عليهما كليهم؛ في حين تعتمد الواقعية النقدية التي تقدم النظرية على الملاحظة على المنهج التقييمي (التجريبي) فحسب، وتهمل اي منهج آخر؛ويستطيع الفردان يقتبس نظريته من اي مصدر كان دينيا او فلسفيا او غيره، حتى وان كان بطريق الرؤيا، بيد ان قبول هذه النظرية في اطار علمي يتطلب استخدام مناهج خاصة. وذهب فايرابند الى ابعد من ذلك حينما ادعى ان من غير المجدي الفصل بين هذين المستويين، وان حقيقة الانجازات العلمية تكشف عن عدم وجود اي منهج محدد:

ان استدلال فايرابند يعتمد على عدم وجود منهج خاص في الاعمال العلمية، بل ان من الخطا ان يصار الى التمييز في ما بينها... فضلا عن ذلك لا تتبلور اية نظرية علمية ثورية وجديدة بحيث تتيح لناان نصفها بانهافي معرض الخطر، مهما كانت الظروف، كما ان الكثير من النظريات الثورية غير قابلة للالغاء((11)) .

يعتقد ان بساطة اختبار النظرية والغاءها، مقابل المصاديق المخالفة في نظرية الواقعية النقدية، لا ينسجمان مع الحقائق التي تلاحظ في سياق الفعاليات العلمية. تكشف الحقائق ان الباحث لا يتخلى عن نظريته بوجودشاهد مخالف واحد، بل يعود الى طرحها من جديد بعد اجراء بعض التغييرات عليها، لاحظالنص التي:

اثبتت الابحاث ان الافراد الذين يتوفرون على حافز التقدم في اداء الاعمال، ومنها التعلم،يتقدمون على من يعدمون مثل هذا الحافز؛ ومثالا على ذلك كلف ماكلاند (1961) مجموعتين تتباينان في دوافعهما نحوالتقدم بعمل واحد هو صياغة كلمات مفيدة من حروف مختلطة. في بداية الامر، عملت المجموعتان بصورة متساوية، ولكن تقدمت بعد حين المجموعة التي يحركها حافز التقدم على المجموعة الاخرى.

ولكن لم تحصل النتيجة القاطعة نفسها من جميع التجارب التي اجريت حول الموضوع نفسه، حيث جاء اداء المجموعة المتحفزة ادنى كثيرا، في بعض الاحيان، من المجموعة ذات الحوافز القليلة.وقد فسرماكلاند هذه الظاهرة الشاذة بان المجموعة المدفوعة بحوافز كبيرة لا ترغب كثيرا في اداء الاعمال البسيطة، لهذا جاء تقدمها متراجعا، كما ان القيام بالاعمال الصعبة لا يرغب فيه ايضا من تدفعهم مثل هذه الحوافز،والسبب في ذلك ان الاعمال البسيطة جدا لا ترفع من شان الفرد في حين ان الاعمال الصعبة جدا تؤدي الى الاخفاق((12)) .

الصفحة التالية