|
كما ان من نتائج تعطيل الحقوق وتفعيل الظلم في حركة
الدولة والمجتمع:
وما تنتجه هذه الامور هو:
وما يترتب على ذلك في النهاية هو: 5- المنطق الكوني: والذي يجمع ويستوعب منظومة القوانين والقواعدوالمبادى التي حوتها وانطوت عليها الانواع الاربعة المتقدمة من المنطق، وهو العقل الجامع الذي فيه تبيان كل شيء، قال تعالى: (وورث سليمان داوود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء أن هذا لهو الفضل المبين) [النمل/15 و16].
واستكمال الانسان لانواع المنطق الاربعة المتقدمة، وتوفره
على الرؤية الشمولية التي تتعرف الى حقائق الاشياء كما هي، هو
ناتج توافر عدة مؤهلات في الشخصية الانسانية، لا يمكن في
ظل غيابهااو نقصانها ان يبني الانسان منطقه الكوني، ويمكننا
ان نحدد تلك المؤهلات ضمن مسارات تكاملية ثلاثة تتمثل في
ما ياتي: أولا: المسار التكاملي العقلي: والذي يعمل فيه الانسان على بناء منظومة المعرفة العقلية التي تشكل الاساس في بناء الذات الانسانية، ومن خلال بناء هذه المنظومة ينفتح المجال لبناءالذات في المسارين الخرين،واللذين يتاسسان بصورة طبيعية متاثرين ببناء هذه المنظومة. ثانيا: المسار التكاملي النفسي: وفيه يستكمل الانسان مقتضيات السمو الروحي، ويتجرد بالنفس عن شهواتها المادية وغير المادية التي تعوقها عن الانطلاق في آفاق رحبة، وفي هذا المجال لامحيص من خوض الانسان عملية تطهير روحي ونفسي مستمرة ومتواصلة حتى ياتيه اليقين. ثالثا: المسار التكاملي العملي: ومن خلاله يطهر الانسان جميع افعاله وحركاته وسكناته من اي مقصد وغاية سواه سبحانه وتعالى، ولا يكون له من هم سوى الوصول اليه عز وجل، والتحقق بمقتضيات القرب منه، وقطع كل شاغل يشغله عنه.
وسيرورة الانسان في طي هذه المراتب هو ما يؤهله لاستجماع
مراتب النور، والخروج من جميع مراتب الظلمة، والتحقق
باقصى مراتب الولاية الالهية كما نبه اليه تعالى بقوله: (الله و لي
الذين آمنوايخرجهم من الظلمات اءلى النور...)
[البقرة/257]،
وحينئذ يكون الانسان متحققا بالغاية التي من اجلها كان
موجودا عاقلا ناطقا مفكرا، وهي ما نص عليه اهل العقل
والمعرفة من الفلاسفة بقولهم: غاية الفلسفة صيرورة
الانسان عالما عقليا مضاهيا للعالم الكوني.
وهذه النماذج المتكاملة، في سيرورتها الوجودية، تمثل الذين
عناهم علي بن ابي طالب(ع) في حديثه مع تلميذه الوفي
كميل بن زياد حينما قال: «اللهم، بلى لا تخلو الارض من قائم
بحجة ظاهرة، او خاف مغمور،لئلا تبطل حجج الله وبيناته، وكم
ذا واين؟ اولئك الاقلون عددا، الاعظمون خطرا؟ بهم يحفظ الله
حججه حتى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب اشباههم،
هجم بهم العلم على حقائق الامور، فباشروا روح اليقين،
واستلانوا ما استوعره المترفون، وانسوا بما استوحش منه
الجاهلون، صحبواالدنيا بابدان ارواحها معلقة بالمحل الاعلى؛
يا كميل اولئك خلفاء الله، والدعاة الى دينه، هاي هاي
شوقاالى رؤيتهم»((183)).
وفي قوله(ع): «هجم بهم العلم على حقائق الامور» كناية
جميلة في التعبيرعن البصيرة النافذة والرؤية الثاقبة التي
صارت عند هؤلاء النفر، فقد خرجوا من ظلمات الجهل والشك
والظن والوهم الى نور اليقين،والذي يابى ان يذعن باي امر الا
من خلال منطق العلم، ولاجل ذلك صحبوا الدنيا بارواح معلقة
بالمحل الاعلى.
وقوله(ع): «فباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره
المترفون، وانسوا بما
استوحش منه الجاهلون»، لا ياتي في سياق
حرف الحديث عن جهته المعرفية، ومحاولة توجيهه وجهة
اخلاقية روحية تبتعد عن المضمون الجوهري لطبيعة الموضوع
الذي نحن في صدد الحديث عنه، وانما تاتي للكشف عن
الارتباط الوثيق بين مسارات التكامل الانساني الثلاثة التي
اشرنا اليها بوصفها ضرورات ومتطلبات لا يمكن الاستغناء
عن
تحصيلها واستكمالها من اجل التوصل الى استيعاب المنطق
الكوني للاشياء، ولعل ادراك هذاالارتباط نفسه بين عناصر
الوجود في النفس الانسانية هو من مقتضيات استحصال
المنطق الكوني الذي لا يبلغه الاالاقلون عددا والاعظمون
خطرا، وهم من افصح عنهم(ع) بقوله في شانهم: «هم عيش
العلم،وموت الجهل، يخبركم حلمهم عن علمهم، وظاهرهم
عن باطنهم، وصمتهم عن حكم منطقهم، لا يخالفون الحق
ولايختلفون فيه، وهم دعائم الاسلام، وولائج الاعتصام، بهم
عاد الحق الى نصابه، وانزاح الباطل عن مقامه، وانقطع لسانه
عن منبته. عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية، لا عقل سماع
ورواية، فان رواة العلم كثير، ورعاته قليل»((184)). حسن الامين مؤرخا معالم منهج وملامح قراءة متوازنة أ. صائب عبد الحميد من هو حسن الامين؟
ربما يكون السيد حسن الامين قد حظي بشهرة واسعة من
خلال مشروعيه الكبيرين: «مستدرك اعيان الشيعة» و«دائرة
المعارف الاسلامية الشيعية»، وهما مشروعان جديران بتخليد
اسمه في عداد اصحاب المشاريع العلمية الكبيرة، التي تكفي
للتعريف بالكثير من خصال اصحابها، والتي من اظهرها:العمل
الدؤوب، والهمة العالية، والمتابعة المستمرة، واهم من هذا كله
الرؤية الواضحة، التي تنتج مشروعا واسعايتطلب النهوض به
جهودا مضنية متواصلة، فاذا كان قد امضى مع هذين
المشروعين ما ينيف على اربعة عقود من الزمن، فليس ادل من
هذا على وضوح الرؤية، والثقة العالية بمعالمها وبالاهداف التي
تتوخاها.
اما علو الهمة، والعمل الفعال المنتج، فسيرافقانه في سائر
مشاريعه، وعلى امتداد حياته، من دون وهن، فحين يشق، وقد
جاوز الثمانين، غمار البحث في صفحات معقدة من تاريخ
الاسلام لا تزال بحاجة الى الكثيرمن الابحاث الجادة، فسوف لا
يكون حليفه بعد وضوح الرؤية والثقة بقيمة الاهداف، سوى
الهمة والارادة اللتين لا تنثنيان، وحين يغامر، وقد قارب
التسعين، في رحلات استكشاف تاريخية غاية في
الصعوبة،
فلاتملك امامه الا ان تذعن لهمة لا تقهر، وذهن وقاد
لا يعرف الياس. ذلك كله من دون ان تكون «من ورائه امراة»! حتى توفي في الخامسة والتسعين من عمره، في تشرين الاول (اكتوبر) عام 2002م، وهو يواصل العمل في استكمال مشاريع لم تنجز بعد!
ان حياته الغنية وحدها جديرة بالعرض والدراسة، غير انا افردنا
هذه الوقفة لصفته الاكثروضوحا، وهي كونه المؤرخ الذي
خاض البحث التاريخي بعمق واندفاع وحماسة، واثار من حوله
جدلا كثيرا،كما اسكت من خصومه الكثير.. البدايات الجادة مع التاريخ
ربما تكون بداياته الجادة مع التاريخ في تعايشه مع مشروع
والده الكبير في موسوعة التراجم الكبرى «اعيان الشيعة»، التي
لم يستطع مؤلفها السيد محسن الامين اتمام انجازها في
حياته، فهو بعد ان استكمل مسودتها بشكل اولي، عاود كتابتها
بصيغتها النهائية، حتى نهاية حرف «الشين»، كما يكاد يكون قد
انجزالاحرف الاءخر حتى «العين»، لكنها لم تطبع في حياته،
فكان هدف المؤرخ الابن السيد حسن الامين آالاول هو
اكمال هذه الموسوعة الكبيرة، والاشراف على طباعتها، فاعد ما
تركه والده اعدادا جيدا، واكمل بعض نواقصه في «ملاحق»
وضعها في مواضعها حتى ظهرت هذه الموسوعة بشكلها
الاخير
المتكامل.
ولما لاحظ ان والده قد ترك تراجم الاعلام المعاصرين له، كما
لم يستوف بعض التراجم في اقسامها الاخيرة، فقد جعل همه
اتمام المشروع من هذين الجانبين، الامر الذي حققه في تسعة
مجلدات كبيرة، واخرجه تحت عنوان «مستدركات اعيان
الشيعة». وهو عمل تاريخي كبير كشف عن خبرة جيدة في
علم التراجم، كما كشف عن نزعة ادبية عالية.
وفي غضون تلك المتابعات المضنية، دخل في اهتمامه مشروع
كبير آخر، وهو «دائرة المعارف الاسلامية الشيعية» التي انجزها
اولا في ثلاثة مجلدات، ثم واصل العمل في استدراك ما فاته،
لتخرج في تسعة مجلدات من القطع الكبير. وفي هذه المرحلة،
استعان بابحاث جاهزة تتعلق بمواد دائرة معارفه،
ادخلها باسماء
كتابها، واضاف عليها ابحاثه المكملة، في عمل علمي لا يقلل
من قيمة جهوده، بل يزيد في القيمة العلمية لمشروعه.
وقد عبر عن جهده هذا باجمل تعبير متواضع: «دائرة المعارف
هذه قام بها فرد لا يملك الا
الثقة بالله، والايمان بالحق، والصبر
على الشدائد.. لذلك ما كان ليستطيع ان ينهض باكثر مما
نهض به، وان يخرج اوفى مما
اخرجه»((185)).
ويمكن ان يلاحظ ان المسحة التاريخية هي الغالبة على دائرة
المعارف هذه، وان الحس التاريخي هو الغالب على صاحبها.
ولا بد لمشروعين كبيرين كهذين، يمثلان هموم رجل متتبع
مبدع، ان يصنعا منه مؤرخاكبيرا، يحقق الكثير والمهم على
صعيد الابحاث التاريخية، وهكذا كان بالفعل، فقد عاش السيد
حسن الامين مع التاريخ وللتاريخ طوال ايامه. في غمار البحث التاريخي/ دوافع رئيسة
مهما اكتشفت من دوافع حقيقية، واسباب مهمة، ومحفزات
جادة، وراء الابحاث التاريخية لاي مؤرخ، فانك لا تستطيع ان
تقلل من اهمية العناصر الاساسية فيه، والتي جعلت منه انسانا
تحركه مثل هذه الدوافع وتهزه محفزاتها، تلك هي: الذوق
التاريخي، والحس التاريخي، اللذان من دونهما سوف لا يكون
اثرالدوافع واسباب ومحفزات. هذا قانون علمي منطبق على كل مؤرخ حقيقي، والاءستاذ الذي عنيت به هذه القراءة منهم... وانما ادخلت هذه الجملة الاعتراضية هنا لأميز المؤرخين عن المتطفلين الذين يكتبون في التاريخ بدوافع لاصلة لها بالعلم، ولا بالحس، ولا بالذوق، وانما بدوافع رخيصة، مثل الشهرة، او الارتزاق، او اثارة الفتن، والتي تحقق لاصحابها الغرضين السابقين معا: الشهرة والارتزاق!!
والمائز بين هذين النمطين من المشتغلين بالتاريخ (المؤرخ
الحقيقي، والخر المتطفل المرتزق) ليس مائزا خفيا ينتمي الى
قائمة البواطن والنوايا ليكون اكتشافه امرا عسيرا مستعصيا الا
على اهل «الكشف» او الراسخين في العلم! بل هو مائز ظاهر حتى
لذوي المعرفة البسيطة والاولية بعلم التاريخ، وبقواعد البحث
العلمي وأصوله.
فبينما يندك المؤرخ الحقيقي مع مادته التاريخية، ويجمعها
من اطرافها، وينفعل فيها، بوصفها مادة علمية لا بد من احترام
اجزائها كافة، والتعامل معها وفاقا لقواعد موضوعية، يتحقق من
خلالها التكافؤ التام بين جميع اجزاء المادة، ليخرج من ذلك كله
بمعرفة جديدة، قائمة علىءسس علمية، توفر لها قيمتها
المعرفية..ترى النمط الخر يتناول قضايا التاريخ بطريقة انتقائية
متحيزة سلفا، بدوافع من رؤى قبلية، اراد اثباتها
ولوعلى حساب الحقيقة التاريخية، فيرتكب كل ما يدعو الى
السخرية، ويثير الامتعاض والقشعريرة، من اساليب
الاقتطاع والابتسار والتزوير والتحريف، والاعراض عن كل ما
يخالف اغراضه.
وغالبا ما يكون هذا النمط الاخير من اجهل الناس بقواعد
البحث العلمي الموضوعي، واكثرهم تمثيلا للانصياع للاهواء،
سواء كانت نفعية ذاتية ام سياسية، ام ايديولوجية، لا يهمه سوى
الانتصار لها،وتدعيم عرى الانتماء لتلك الالوان الضاغطة، والتي
تحجر على العقل وتقوده لابتداع اساليب المكر
والتلاعب بالحقائق والمصادرة على حساب الواقع. ولا تزال الكتابات التاريخية، في كل جيل وفي كل صقع، تمنى بهذا النوع من الفات والادواء، من قبل متطفلين شحذتهم العصبية او النفعية، لا يفتؤون يزعمون انهم اكتشفوا اخطر حقائق التاريخ،لاول مرة!! من دون ان يشعروا بانهم قد كشفوا عما ترسخ في انفسهم من اخطر انواع الجهل والتطفل والحماقة!
من خلال هذا التقديم المفرط في الايضاح، يغدو من اليسير
جدا على كل باحث ان يكتشف موقع السيد حسن الامين، في
صميم النمط الاول، فهو من خلال اي واحد من اعماله، يبدو
بوضوح المؤرخ الواعي بالتاريخ، المدرك لقواعد البحث
التاريخي الموضوعي، المتحسس لقيمة المعرفة الحقة
التي يتمخض عنها ذانك العنصران (وعي حقيقي + قواعد بحث
علمية).
يزيد في ذلك وضوحا ان معظم ما كتبه السيد الامين في
التاريخ كان ناتجا عن استفزازوامتعاض وقشعريرة ازاء ابحاث
مشوهة، اما بجهل، او بدوافع ضاغطة. المؤرخ المستفز!
هكذا نستطيع ان نصف حسن الامين، من خلال اكثر اعماله
في التاريخ اثارة، واكثرها غوصافي الأعماق.
وفي هذا العرض ما يجلي بوضوح تلك الصفة الاساسية في
المؤرخ الحقيقي، اعني الحس التاريخي المتدفق، وان شئت
فقل: «الغيرة» على الحقيقة التاريخية، شريطة ان يخضع
البحث للضوابط العلمية واءصول البحث الموضوعي، وهو شرط
لم يغب عن اي من هذه الابحاث، وفي اي من فصوله.
ان المؤرخ المستفز فقط هو الذي ينتج: «صلاح الدين الايوبي
بين العباسيين والفاطميين والصليبيين» (صدر عام 1994م)،
بحشوده المعلوماتية، ولغته الهائجة، لما استفزه ما قدمه مؤتمر
تكريم صلاح الدين الايوبي المنعقد في بيروت في السنة نفسها،
من قراءة، افضل ما يقال في تقييمها: انها قراءة
سياسية تستهدف تكريم صلاح الدين ولو تطلب ذلك ادانة
الخرين جميعا، والقفز على الكثير من حقائق التاريخ. لم يكن
صلاح الدين وحده المستهدف في دراسة الامين التي رد فيها
على قراءات ذلك المؤتمر، فصلاح الدين موضوع مفتوح
للدراسة، والامين في كامل قدراته على الدراسة، وفي كامل
المعرفة بتلك «الاسرار» التاريخية الخطيرة التي تكمن في ثنايا
«أسطورة» صلاح الدين... لم تكن مجرد قدرته على الدراسة، ووفرة المعلومات لديه، ويسر توثيقها...، لم تكن لتدفعه لخوض ذلك الغمار، والتحرش بتلك الاسرار، حتى استفزته القراءات التي سحقت الكثير من الحقائق، وزينت الكثيرمن المواقف التي تستعصي على التزيين والتحسين، في ضوء قراءة علمية غير منحازة سلفا!
وتتسع دائرة «الغيرة» على الحقيقة التاريخية لتستوعب الحقبة
كلها، واطراف الفعل التاريخي، وصانعي احداث تلك الحقبة
الخطيرة؛ لان الذي يندفع لتحسين ما يستعصي على
التحسين من صورة احد الاطراف، سوف لا يجد مناصا من
الانعطاف على الاطراف الأخرى، تنقيصا ولوما
وتجريحاوتعنيفا، يتطلب بالضرورة ليس القفز على قضايا
التاريخ فقط، بل التزوير فيه وقلب الحقائق، او التمويه في
اقل الاحوال.. وهذا ما وقع بالفعل، وهو ما شكل محطة استفزاز
اءخرى عند مؤرخ يعشق الحقيقة التاريخية، ويلقي بنفسه في
اتون التاريخ من اجل استخلاصها... فيصدر الكتاب الثاني
المتمم للاول: «الاسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي»
الذي يجول في ميادين الصراع الاءخرى التي افتتحتها تلك
القراءات المبتسرة. لماذا النصيب الشيعي؟ ان اسقاطات الولاءات السياسية التي تلبست بلباس عقيدي، قد رسخت نوعا من الخصومة للدور «الشيعي» في الاسلام، فكريا، وسياسيا، وحضاريا، ونوعا من الاقصاء لاهله عن قلب الدائرة الاسلامية،وعن صميم الفعل والتاثير الاسلاميين، الى الاطراف والمنافي!
فليس ثمة
تكافؤ في النظر الى الدول الشيعية، والى رجال التاريخ من الشيعة، مقارنة بمايحظى به غيرهم، من دون ان
يكون هنالك فارق موضوعي يسوغ هذا التفاوت الكبير.
ان نظرة مقارنة، ولو سريعة بين ما يحكيه عامة المؤرخين عن
اشد الادوار الاءموية انحرافا،او اكثر الادوار العباسية تفككا
وتفسخا، او عن الدولة الايوبية المشحونة بالتناقضات، من جهة،
وبين ما يحكيه عن الدولة البويهية او الحمدانية او الفاطمية او الادريسية، حتى
في اهم ادوارها واكثرها قوة وعطاء.. تعطي
صورة كافية عن هذا الاختلال الكبير في الموازنة، وعن عدم
التكافؤ الفاحش في تقييم الدور التاريخي والفعل التاريخي، وهو
نفسه كاشف عن غياب الموضوعية في قراءة التاريخ.. واهم من
ذلك كله، انه كاشف عن غياب الحس التاريخي الحقيقي، الذي
يلح على صاحبه باتجاه الحقيقة التاريخية، ويفتح بين
عينيه مقدمات الدراسات العلمية والموضوعية. فلماذا لم يحظ سيف الدولة الحمداني بما حظي به صلاح الدين الايوبي مثلا، فيما تكشف المقارنة بين الاداء التاريخي لكل منهما عن رجحان كبير لكفة مؤسس دولة بني حمدان؟ لقد قارع فارس بني حمدان، ومن خلفه من اءمراء هذه الدولة المتاخمة للثغور الشمالية التي كانت منطلق الصليبيين في حروبهم، الصليبيين بكل قوة، وكسر الحمدانيون شوكتهم في جميع حروبهم، بل هاجموهم غير مرة، من دون ان يشوب قتالهم الصليبيين اية شائبة.. فيما تعلقت شوائب كثيرة في سيرة صلاح الدين وفي طبيعة حروبه مع الصليبيين، حتى اثار ذلك غضب الامير نور الدين فغزاه بجيشه الى مصر ليعزله عن الامارة، ولم يجد صلاح الدين مخرجا من ذلك الا بالاستسلام والتذلل المفرط له؛ ليعفو عنه ويعيده الى سلطانه! اما خلف صلاح الدين من ابناء ايوب، فقد تلوث تاريخهم بخيانات فاحشة حتى اعادواللصليبيين جميع ما انتزعه منهم صلاح الدين! وكان فارس بني حمدان اديبا شاعرا، جعل من عاصمته قبلة للاءدباء والشعراء، بل عاصمة للعلم، ياوي اليها الكثير من العلماء، على اختلاف ولاءاتهم المذهبية والسياسية.. فيما كان صلاح الدين صفرا من ذلك كله!! بل كان دون الصفر بما صنعه من تخريب ودمار بدور العلم والمكتبات الكبرى التي خلفها الفاطميون في القاهرة! ثم لماذا يوضع سيد علماء عصره، نصير الدين الطوسي، والذي يعد واحدا من فحول العلم في الدنيا كلها، وفي العصور كلها، لا في بلده او عصره وحسب، لماذا يوضع غرضا لسهام الطعن والاتهام بتهم كبيرة، من دون نظرة تحقيقية جادة.. فيما يعفى الكثير ممن كانت لهم تلك الادوار التي نسبت زورا الى نصيرالدين، ليطعن الاخير، ويعفى الخرون؟!
انها اسئلة ملحة، تستفز الباحث المجد، وتدعوه الى اعادة غربلة
جميع الحقائق التاريخية في تلك الحقب المعقدة، حقبة الغزو
الصليبي، وحقبة الغزو المغولي، وما توسطهما من ادوار.
هذا هو الامر الذي اثار السيد حسن الامين، فكرس له جهودا
خاصة، اثمرت اربعة مؤلفات تعد بحق من اجود ما كتب عن
تاريخ تلك الحقب، عرضا، ونقدا، ومقارنة، واستنتاجا، مع ما
انطوت عليه من اثارات كبيرة جادة، مدعمة بالحقائق والقرائن،
وما استوعبته من كشوف تاريخية جديرة بالتقدير. للحقيقة التاريخية وحدها
الحق ان السيد الامين قد اهتم بحقائق تاريخية ليس لها صلة
بالشيعة والتشيع، لمجرد كونهاحقائق تاريخية، ودافع عنها
بكل حماسته المعهودة، وسوف نقف منه لاحقا على تقرير هذه
الحقيقة وبرهانها،كما سنقف قبل ذلك، في الانموذجين التيين
على ما يؤكدها. وحتى الصغائر!
المؤرخ المستفز تستفزه ادنى مغالطة، او تحايل، ولو في شان
قضايا غير ذات اهمية كبيرة،فهي عنده خطيئة، وجميع
الخطايا كبيرة عند من تفجرت فيه ينابيع الحس والذوق
والغيرة.
أنظر الى لهجته الثائرة، المنتقمة، وهو يقف عند واحدة من
القضايا التي قد لا تستوقف الكثير من المؤرخين، وانما يكتفى
بالمرور بها على عجل. يقف حسن الامين عندحياة محمد بن مكي (الشهيد الاول)، فيرى ان المؤرخين له، من المندفعين لتعظيم شانه، يقولون: انه قد قصد العراق ليدرس عند العلامة الحلي، وعندما وصل مدينة الحلة كان العلامة قدتوفي، فراى ان يتيمن بالقراءة على ولده فخر الدين محمد، من دون ان يكون في حاجة الى هذه القراءة!
يقف حسن الامين عند هذه العبارات «التشريفية» ليقومها
تاريخيا، ويقيم على خلافها حقيقة علمية..
فالشهيد الاول كان قد ولد بعد وفاة العلامة الحلي بثماني
سنين! توفي العلامة سنة 726ه،وولد محمد بن مكي سنة
734هـ! هذا أولا.
وثانيا: ان السن التي قد بلغها الشهيد الاول حين سفره الى
العراق، وهي (16) سنة، لا تجعله مستغنيا عن الدراسة على فخر
الدين محمد.
ثم يؤكد، من هذا وذاك، وما يهمنا من تاكيده لحن خطابه
المنفعل، لاجل الحقيقة التاريخية وان كانت من هذا النوع،
يؤكد: «بل هو الشهيد الاول انما قصد العراق ليدرس على
فخر الدين وامثاله،ممن هو في اشد الحاجة لحضور دروسهم!
وقد اجازه فخر الدين في داره بمدينة الحلة
سنة 751هـ»((186)).
فلا مسوغ لمثل هذه المفاخرات على حساب الحقيقة
التاريخية.
أنموذج آخر: بل لا معنى لمناظرات اكبر من هذه بكثير، قد
يكون من شانها ان ترفع من مجد اءمة باسرها، ما دامت دعاوى
ليس لها اساس من الصحة! كدعوى ان الملاح العربي احمد
بن ماجد هو الذي قاد سفينة فاسكودي غاما، وكان دليله الى
الهند، يقول: «وقد سرت هذه الدعوى على اقلام عربية، في
حين انها دعوى مكذوبة، فكان لا بد لنا هنا من تفنيدها اظهارا
للحقيقة وانتصارا للحق»((187)).
هكذا يستفزه التلاعب بالحقيقة التاريخية، ايا كانت، ومهما كان
حجمها، واثرها، فرجل عاش للحقيقة التاريخية هكذا، ينبغي ان
نقول عنه: انه عزيز النظير. انموذج في التحقيق التاريخي
في مناقشة بعض اخطاء المؤرخين، يخوض معارك تحقيقية
حامية، مزودا بعدة وافرة من المعلومات التاريخية، وفي واحدة
من معاركه هذه، يمكن ان نعدها انموذجا، يلتقط بعد صفحات
طويلة، في بحث نقدي مقارن وشامل، ثمرات تاريخية بالغة
الاهمية في تجلية الصورة المعماة، التي اختفت تحت
غبارالتاريخ مرة، وتحت بريق «امجاد صلاح الدين»، التي
حظيت باضعاف ما كان من نصيب امجاد حقيقية لا
غبارعليها،كان حريا بكتاب التاريخ وهواته، والمفتخرين بامجاد
الأمة وبطولاتها، وادوارها الحضارية، ان يحفظوا لهاحقها في
الدراسة والعرض والكشف والبيان.
فهذه دولة بني عمار، المملكة الصغيرة المتماسكة والقوية،
والتي كبدت الصليبيين خسائرفادحة، حتى كانت آخر مدن
الشام وفلسطين صمودا، فلم تسقط بيد الصليبيين حتى فرغوا
لها بعد احتلالهم عشرات المدن الكبيرة.
هذا ناهيك عن كونها واحدة من اعظم الحواضر العلمية في
تاريخنا، فاضافة الى مكتبتها العظمى التي لا تتفوق عليها سوى
مكتبة الفاطميين في الازهر، فقد كانت قبلة لاهل العلم، لما
يجدونه فيها من عدل ومكانة وبيئة علمية ممتازة..
هذه المملكة الصغيرة، والمفخرة الكبيرة، لا يكاد يسمع باسمها
احد من قراء آلاف الصفحات التي تتحدث عن الحروب
الصليبية، وامجاد صلاح الدين.
وبحق يقال: ان هذه الحاضرة العتيدة، والقلعة المنيعة، لم تجد
من يوفيها حقها او بعضه،حتى انبرى لذلك السيد حسن
الامين، بدافع حميته الكبرى للدفاع عن كل ما لقي غبنا في
التاريخ، وحميته الماثلة في تجليات المفاخر الحقيقية التي
تبعث في نفوس المسلمين مزيدا من العزم والقدرة على
التحدي.
ثم لا يفوته، وهو يستعرض حنكة بعض اءمرائها وقوتهم في
مواجهة الصليبيين، ان ينتقل الى اجواء اليوم، والخطاب
الصليبي الصهيوني المعاصر، بعبارة ملؤها الفخر والتركيز على
الفخر، وعلى استلهام الدروس العالية في صفحات الجهاد
المشرقة، فيقول في قراءته لبعض مواقف القائد ابي علي بن
عمار: «ولو كان الامريكيون واليهود سائدين يومذاك بوسائلهم
الاعلامية، لنبزوه بلقب الارهابي! فحيا الله ابن
عمار الارهابي الاول في التاريخ الاسلامي»((188)).
ومن ثمرات البحث الطويل ما يصحح اخطاء كبرى يتبادلها
المؤرخون والمشتغلون في التاريخ واحدا عن واحد، من دون
بذل جهد حقيقي في بحث تاريخي جاد.
فالامر مع الصليبيين، قبل صلاح الدين، لم يكن كما اصر عليه
الدكتور عمر تدمري، حين قال: «كانت بلاد الشام مسرحا
للصراع العسكري والسياسي والمذهبي بين السلاجقة
والفاطميين، مما جعلهامنهوكة القوى عندما راحت جيوش
الصليبيين تجوس خلال ديارها»((189)).
هذه الصورة التي يقدمها اءستاذ التاريخ، والتي قد يتلقاها
بالقبول كثير من اساتذة التاريخ حتى، ناهيك عن اصحاب
الاطلاع المحدود، هذه الصورة نجدها تستفز المؤرخ الذي
تذوق التاريخ وعاش معه وله حتى صارالتاريخ يجري في
عروقه؛ ليتصدى لها السيد حسن الامين وحده، في بحث غاية
في الدقة والعمق والاستيعاب، يكشف من خلاله عن اخطاء
دقيقة وعميقة يقع فيها مختصون، بشكل ينم عن بساطة
مفرطة في المعلومات التاريخية، حتى لتكاد تكون تلك
المعلومات مستوحاة من قراءات سطحية او سماعات شفوية
من افواه الوعاظ والخطباء.
فهنا غير خطا فادح ينبغي للمؤرخ، او لمن له معرفة بالتاريخ،
ان يكون في مناى عنه. أول تلك الاخطاء: ان الايام التي يدور عنها الحديث لم يكن للفاطميين فيهااثر، الا كما كان للعباسيين، الذين لم يبق لهم سوى فرد يحمل عنوان الخليفة، منزوع السلطان والصلاحيات بالكامل. ففي عاصمة الخلافة العباسية واطرافها كان السلطان والعنوان للسلاجقة وحدهم، وهذا هو الذي جعل الدكتور تدمري يضع السلاجقة، وليس العباسيين، في مقابل الفاطميين.
لكن حال الفاطميين في القاهرة لم تكن باحسن من حال
العباسيين في بغداد، اذ كانوا مثلهم منزوعي السلطان والصلاحيات بالكامل تحت هيمنة
الجماليين، الذين ابقوا على اسم الخليفة الفاطمي وعنوانه،وانتزعوامنه كل شيء يتصل
بالبلاد وادارتها وعساكرها وامنها واقتصادها وعلاقاتها، تماما
كما هو شان السلاجقة مع العباسيين.
وهنا يكمن الخطا العلمي الدقيق، الاول، فلا محل للمقابلة بين
السلاجقة والفاطميين، وانماتنبغي المقابلة بين السلاجقة
والجماليين، فلم يستول السلاجقة على بغداد الا بعد هيمنة
الجماليين على القاهرة.
ومن ناحية أخرى فان اتهام الفاطميين هنا يعد وحده خطا
تاريخيا بينا. وبعد تتبع دقيق لعلاقة الفاطميين ببلاد الشام((190))، موثقا بخمسة عشرمصدرا من اهم المصادر التي ارخت لتلك المرحلة، يصل الى النتيجة التية: «هكذا وصل الفاطميون الى بلادالشام، وصلوا اليها في اواسط القرن الرابع الهجري، في حين ان اول ظهور للسلاجقة في العراق كان في اواسط القرن الخامس، فكيف تكون الشام مسرحا للصراع العسكري والسياسي والمذهبي بين السلاجقة والفاطميين، في حين ان السلاجقة لم يكونوا وجدوا بعد»؟! «وبعد ذلك، عندما سيطر السلاجقة على العراق، كان حكم الفاطميين قد تضعضع في مصر، في اواخر عهد المستنصر، ثم تلاشى هذا الحكم نهائيا في حياة المستنصر باستيلاء الجماليين على الخلافة الفاطمية.. فمتى كان هذا الصراع الذي يزعم عمر تدمري وجوده بين السلاحقة والفاطميين في بلاد الشام»؟! اما الخطا الآخر: والذي يعد اكثر اهمية، فهو الخطا الذي تطلب بحثه كتابا جاداومركزا ساخنا، زاد على الثلاثمئة صفحة((191)) ! في متابعة نادرة لتاريخ السلاجقة، وما كان لهم من ادوار في بلاد الشام، مقارنة بدور الجماليين هناك في مواجهة الصليبيين بخاصة.
البحث الذي ينتهي الى تجلية حقائق تاريخية فائقة الاهمية
في تمييز الادوار التاريخية، ومنها:
ـ
ان الفتن والصراعات التي كانت تشغل السلاجقة، لم تكن قط
فتنا مذهبية او سياسية مع الجماليين، وانما كانت فتنا داخلية،
ونزاعات دموية بين اءمراء الدولة السلجوقية انفسهم، لا تخمد
في ولاية، حتى تنشب في ولاية اءخرى، هذا في وقت كان
الجماليون فيه في مواجهة دائمة مع الصليبيين. ـ واذا كان ثمة فتن مذهبية شغلت السلاجقة، فهي صراعاتهم مع الاسماعيليين التي نشبت غير مرة، ولكنها كانت جميعها في البلدان الايرانية، بعيدا عن بلاد الشام، من ناحية، ومن ناحية أخرى فلم تكن هذه الفتن بذلك الحجم الذي يشغل الدولة السلجوقية عن مشاغلة الصليبيين ان لم نقل التصدي لهم. ـ وثالثا، وهو الاهم والاخطر، ان السلاجقة كان لهم الدور المعكوس تماما،فعندما اخرج الافضل بن بدر الجمالي حملته من القاهرة لدفع الصليبيين عن القدس، استقبله جيش الصليبيين بقيادة «بغدوين» الصليبي،ووقعت المعركة بين عسقلان ويافا، فلم ينتصر احد الفريقين على الخر.. وكان مع الفرنج (الصليبيين) جماعة من المسلمين! منهم: «بكتاش بن تتش» السلجوقي((192))!! ورابعا، وهو امر يؤكد الدور السلجوقي السيء، ويكشف عن عدم وجودموضوع لدعوى انشغاله عن الصليبيين بحروب سياسية او مذهبية مع «الفاطميين»! الموقف الاكثر وضوحا، حين ذهب فخر الملك ابو علي بن عمار، زعيم دولة بني عمار، الى بغداد بنفسه، قاصدا باب السلطان محمد(السلجوقي) مستنفرا على الفرنج.. لكنه عاد خائبا، ولم يجد الا خذلانا، هذا في وقت لم يكن يشغل السلطان السلجوقي اي شاغل. يقول ابن الاثير في سياق هذه القصة: «فلما بلغ فخر الملك انتظام الاءمور للسلطان محمد، وزوال كل مخالف، راى لنفسه وللمسلمين قصده والانتصار به»((193))، ولكن من دون جدوى! لقد سقطت هذه المدينة المنيعة العامرة، والحاضرة العلمية الكبيرة بيد الفرنج بعد نحوسنتين من قصة الاستنجاد هذه، من دون ان تتدخل دولة السلاجقة في دفاع او حماية! من هنا فقط نفهم، كيف يعذر مؤرخ تعيش هذه الحقائق في ذهنه؟ عندما يبدو حادا وعنيفابوجه من يتحدث باسم التاريخ، على ذلك النحو من السطحية التي تقوده الى ارتكاب اخطاء فادحة، فيصفه بـ«الجهل، كل الجهل» لتاريخ تلك الحقبة من حياة عالمنا الاسلامي!! او انه كان «عارفا بتلك الحقائق، مزيفا لها»((194))!!
ان هذا التركيز المكثف، في هذا الاءنموذج، لكتاب مشحون بكم
هائل من المعلومات المركزة، والامثلة الكثيرة على قدرة نقدية
عالية، وعلى موضوعية ظاهرة في تناول اطراف المواضيع
ومقارنتهاونقدها.. ان مثل هذا التركيز يمكننا تكراره مع جولته
المعمقة الواسعة في الدفاع عن نصير الدين الطوسي، والكشف
عن ملابسات كثيرة وراء اتهامه هو الطوسي، بالذات من بين
اعلام تلك المرحلة. ضد الطائفية
المؤرخ الذي توزعت معظم كتاباته بين الكشف ـ ابتداء ـ عن
صفحات مشرقة من تاريخ ممالك واعلام شيعية، وبين الكشف
ـ على نحو رد الفعل ـ عن امثال تلك الصفحات، مع ما كان
يداخل هذاالقسم الاخيرمن مقارنات تدعو اليها الاثارة التي
استفزته للجواب، لم يخرج عن المنحى العلمي للبحث،
ولم يركب المنحى الطائفي فيه. بل على العكس من ذلك، كان
يتحين الفرص لضرب الطائفية واظهار روح الأخوة اينما وجد
لذلك متلمسا.. ويحمل السلاطين والمنتفعين من الفريقين
مسؤولية ما حدث من نزاعات طائفية مريرة، من خلال ما
يكتشفه من ادوار وخصائص اجتماعية يتوقف عندها المؤرخ
الناقد والمفسر.
وبين ايدينا نماذج متنوعة، ما يثبت انه كان يكتب ضد
الطائفية، لا معها، او بدوافع منها، ومن تلك النماذج: 1 ـ حينما ساقه البحث الى ظاهرة من الظواهر السياسية في الصراعات بين مملكتين مختلفتين في المذهب، تلك ان الامير المنتصر، اذا كان سنيا ازال بانتصاره حكما شيعيا، فان اول ما يفعله هو منع الاذان بحي على خير العمل، والامر بالصلاة خير من النوم.. واذا كان المنتصر شيعيا امر بالعكس.
حين وقف عند هذه الظاهرة لم تحركه نزعة طائفية باتجاه اي
تسويغ لحاكم شيعي، فاطمي او صفوي، بل خاطبه باللهجة
نفسها التي خاطب بها الآخر:
«فنور الدين محمود، مثلا، عندما افتتح مدينة حلب وكانت
شيعية كان اول امر يصدره هو ابطال «حي على خير العمل»
من الاذان، والاعلان بالصلاة خير من النوم في اذان الصبح،
وهدد كل من لاينفذ بالعقوبة الشديدة... وارسل المراقبين الى
م آذن المدينة كلها.. فجاءه الجواب بان اوامره نفذت في
جميع الم آذن ما عدا واحدة منها، رفض مؤذنها الاذان بالصلاة
خير من النوم.. فامر به السلطان ان يرمى من اعلى المئدنة
الى الارض...
«وفي المقابل: عندما نجح اسماعيل الصفوي في اقامة الدولة
الشيعية في ايران، كان اذا فتح مدينة، فاول شيء فعله: الامر
بحي على خير العمل، والغاء «الصلاة خير من النوم» من اذان
الصبح.. فارسل مراقبيه الى جميع الم آذن، فجاءه الخبر بان
مؤذنا واحدا اذن بالصلاة خير من النوم، فامر بالقائه من اعلى
المئذنة الى الارض».
وبعد ان يسوق هذين الخبرين، احدهما الى جانب الخر، يعلق
تعليقة المراقب الذي يتحرك بدافع الحرص على الأمة، فيقول:
«بهذه الفضائح الوحشية كان التعامل نصرة للمذاهب، وتاييدا
في زعمهم للدين!!»((195)). 2- في الموضوع نفسه ـ الصراع ـ يبرى الجمهور السني من نزعة طائفية، ويوجه اللوم الى المؤرخ ابن الاثير الذي اكثر من سرد هذه الاخبار من دون التنبيه الى اسرارها ومحركيها، فيقول: «اماالسنيون في بغدادفلم يبالوا ان يؤذن في جامع المنصور بحي على خير العمل، وان يعلن انضمامهم الى خلافة شيعية، ما دام في ذلك تخلصهم من حكم السلاجقة..».
ان في هذه الاحداث البغدادية من العبر ما علينا ان
ننظر اليه بعمق وتفكر، وما يدل على ان العصبيات المذهبية
التي طالما ادت الى الفتن والتقاتل والتذابح، ليست من اصالة
الشعوب، بل ان الذين يحركونها اما ان يكونوا عمي البصيرة، او
من المستغلين المستفيدين..
فهذا الشعب البغدادي، الذي طالما قرانا في كتاب «الكامل»
لابن الاثير نفسه، ما كان يثور فيه من الفتن المذهبية، نراه هنا
صفا واحدا في مقاومة الظلم..
«هذا الشعب وغيره من الشعوب، ممن كانوا يهيجونه لمجرد
كلمة تزاد في الاذان او تبدل بكلمة اءخرى، او لغير ذلك من
الاسباب، ها هو عندما يواجه الحقائق يرى: ان لا ضير على هذا
الفريق ان لايرى الفريق الخر عين ما يراه هو في الشؤون
المذهبية...».
«ولكن فقهاء السوء، وحكام الجور هم الذين يؤججون العصبيات
المذهبية والنعرات الدينية.. الاولون يستغلون براءة الشعب
لمنافعهم، والخرون ليشغلوه عن التصدي لجورهم والتمرد
على ظلمهم».
وينتصر هنا للجمهور السني بخاصة، وان تضمن ذلك اشادته
بالقائد الشيعي: «فهذاالبساسيري لما عدل بين الناس، ولم
يتعصب لمذهب، كان السنيون والشيعة في مناصرته على
السواء، ومضى السنيون على اصالتهم الفطرية يؤيدونه على
الظالمين، وان كانوا من اتباع مذاهبهم، ولم ينظروا اليه على
انه على غير مذهبهم»((196)).
انه بكل تاكيد بحث مختلف في اتجاهه وخطابه عن البحث
الطائفي المنحاز الذي لا بد من ان يوجه اللوم الى خصمه
ويحمله المسؤولية كلها في اي نزاع طائفي، ثم يسوغ لشركائه
في المذهب مواقفهم بشتى الوان التسويغ.
ومرة اخرى، فان الاتجاه العلمي الظاهر في هذا البحث، يعمل
بشكل اكيد على تفتيت النزعة الطائفية والعصبية المذهبية
لدى قرائه من جميع الفرقاء، بدلا من ان يحاول استعطاف
جمهوره الشيعي وحشده ضد كاتب آخر اوقع باللائمة على دول
شيعية كانت بريئة مما القاه على كاهلها من مسؤولية.
3- في رده على الشيخ طه الولي، الذي نشر مقالا متحاملاعلى
الشيعة، يهاجمهم فيه بقسوة وجفاء، كتب السيد الامين يقول:
«اذا كان الشيخ طه الولي لا يرى مانعا ـ وحال العرب
والمسلمين اليوم حال الذل والهوان امام جبروت الصهاينة ـ اذا
كان لا يرى مانعا من ان يمعن ويسترسل في البغضاء والافتراء،
فحري بنا نحن المفترى على تاريخهم ان لا نرى مانعا من ان
نرد الحجر من حيث اتى، ولكن لا ببغضاء ولا بافتراء،بل باقصى
الحب لكل عربي ولكل مسلم، وبكل الحقيقة، الحقيقة
الناصعة»((197)).
وهذه كلمة كافية في تحديد رؤية موضوعية، بعيدة عن كل ما
يذكي النزعة الطائفية ويغذيها.
4- وثمة أنموذج آخر، قد لا نجده عند غيره، فهو يقف عند
بحث الدكتور محمود علي مكي «التشيع في الاندلس»، فيجده
قد صدر مادته العلمية بابشع الاساءات للتشيع، فيصفه باتخاذه
صبغة مضادة للعرب منذنشاته، وبانه بينه وبين اليهودية صلة
قديمة! فيقف السيد الامين عند هاتين الفقرتين يردهما بكل
روح موضوعية، ثم يعرض عنهما لياخذ مادة البحث العلمية
كاملة بامانة في مادة «الاندلس» من دائرة
المعارف الاسلامية الشيعية.
وهذا الأسلوب لا يفعله الا من تميز بنزاهة علمية عالية، وروح
موضوعية كبيرة، ولو كان دون ذلك لاستطاع تلفيق البحث
وترقيعه من هنا وهناك كما يفعل الكثير في هذا الزمان الذي
كثر فيه الادعاء،وقل فيه الحياءمن التقمص او السرقة او
الاحتيال، بل حتى الكذب الصريح.
فهذه نماذج اربعة مختلفة من اساليب التعامل ازاء قضية
حساسة، وبتعدد النماذج نقف على صورة حقيقية لشخصية
متزنة، واضحة الرؤية، واضحة المنطلق والهدف.
لكن هذا لا يعني اننا نطالب الرجل الانسان بالتخلي المطلق
عن سائر ميوله العاطفية، لنرى في دفاعه الساخن عن تاريخ
طائفة ينتمي اليها عملا طائفيا بذاته، او كاشفا عن نزعة
طائفية، وذلك لاكثر من قضية، اهمها:
1- انه كان يرى ان انتصاره لهذه الصفحات من التاريخ
ولرجالها، انتصارا للتاريخ الاسلامي بعنوانه الكبير، واحياء لامجاد
ومفاخر من حقها ان تخلد، وانما وقع عليها بعض الجور تحت
ضغوط اهواء، اوقصور في الحس التاريخي والموضوعية.
2- انه كان يقدم ذلك كله وفاقا للمنهج العلمي في البحث
التاريخي، معتمدا ادوات البحث الحقيقية، مجتنبا بدرجة
كبيرة جدا من النزاهة العلمية الوان الابتسار او المصادرة او
التحميل الزائدوالاقحام، التي تتعرض لها دائما الكتابات
التاريخية الخاضعة لنزعة طائفية او ميول ذاتية او حتى
سياسية.
ومن تغلب هاتان الخطوتان المنهجيتان على اعماله التاريخية،
فهو مؤرخ حقيقي، تستحق اعماله كل الاحترام الذي تستحقه
الاعمال العلمية النزيهة.
نعم، ربما نجد امثلة، هنا او هناك، في بعض مباحثه الطويلة،
تخرج عن هذه الضوابط المنهجية، لتتحدث عن نزعة طائفية
تكمن وراءها، غير ان الحق ان هذه الامثلة في اعمال السيد
حسن الامين من الندرة بمكان،يجعلها غير ذات قيمة امام
منهج عام سارت عليه سائر ابحاثه الطويلة والشائكة.
اذكر من هذه الامثلة: حديثه عن ابي الخير((198))، داعية
الفاطميين في قرطبة والزهراء من بلاد الاندلس، اذ لم يكن
حديثا مستندا الى ادلة علمية، بقدر ما كان دفاعه المقتضب
عنه قائماعلى تحليلات قدتكون في نفسها وبشكل عام
موضوعية، بل لا بد للمؤرخ من ان يضعها نصب عينيه وهو
يعالج التاريخ، تلك قضية الصراع الطائفي وما خلفته من آثار في
التاريخ، ومن ابرزها البحث عن معايب الخصوم، او اختلاق معايب
تلصق بهم لاجل قمعهم معنويا وماديا، وحتى جسديا، وهذا له
امثلته الكثيرة في التاريخ. فلماوقف السيد الامين على قوائم
الدعاوى والشهادات الطويلة المرفوعة الى القضاة والأمراء ضد
ابي الخير، المنافس الذي يحمل خطورة مزدوجة، سياسية
ومذهبية، راى ان كل ما نسب اليه كان من هذا المنطلق.
غير ان هذه الرؤية كانت بحاجة الى ما يدعمها من قرائن
تتحدث عن ابي الخير في سيرته ومبادئه المعلنة، الامر الذي لم
يكن غائبا فحسب في هذا البحث، بل كان منقوضا منذ البداية
بما اوجزه السيدالامين نفسه من تعريف مقدم بشخصية ابي
الخير، جاء فيه: «كان ابو الخير صريحا وجريئا في الدعوة
لمذهب الغلو»! وهو يدرك جيدا ان الدعوات الغالية كانت
تتضمن مخاريق لا في المعتقدات وحدها، بل في
السلوك ايضا،مما لا يمكن انكاره او الدفاع عنه، لا سيما وقد
حمل السيد الامين نفسه كثيرا على الاسماعيلية، دعاة وجنودا،
للاسباب نفسها.
لقد رايت ان بحثه عن ابي الخير كان زائدا كله، خارجا عن
موضوع دائرة المعارف الشيعية،بخروج ابي الخير نفسه عن
هذه الدائرة، الى المجاهرة بالدعوة الى الغلو. لماذا قصر ابحاثه، اذا، على تاريخ الشيعة؟
اذا كنا قد تناولنا من قبل الدوافع والقضايا التي استفزته ودفعته
للكتابة في هذا الاتجاه، وبكل هذا العمق، فلا غنى لنا عن اجابته
هو على الاثارة الموجهة ضده، والتي ترى في ذلك اتجاها
مذهبيا، طائفيا، اذيقول وهويتناول هذه الاثارة: «ان الدفاع عن
تلك الحقائق لم يكن لانها شيعية، بل لانها حقائق، مجرد
حقائق زيفها المزيفون، جهلا، او عمدا.. فكان دفاعي عن
الحقيقة وحدها».
والدليل على ذلك انني دافعت بالحماسة والاندفاع نفسيهما
عن حقائق زيفت، ولم يكن لاصحابها علاقة بالشيعة، كحقيقة
الملك المظفر قطز، بطل معركة عين جالوت...
ففي اذهان الناس جميعا ان قائد المعركة هو الظاهر بيبرس. وآخر ما سمعته قبل اسابيع هو قول اءستاذ تاريخ في بلد عربي، سال المتسابقين في «التلفزيون» عن اسم قائد معركة عين جالوت، فعجزوا عن الاجابة، فقال لهم: هو الظاهر بيبرس!
وهذا القول لا نصيب له مطلقا من الحقيقة التاريخية! ومن
المؤسف ان كل ما يتعلق بمعركة عين جالوت قد شوه تماما...
ويضيف مؤكدا: «والواقع اني لم اتحمس لاحد كما تحمست
للملك المظفر قطز، ولم اكتب عن احد اربع مقالات كما كتبت
عنه، وهو ليس بشيعي، ولا علاقة له بالشيعة، بل هذا الرجل
ظلمه التاريخ والمؤرخون بصورة فظيعة!!»((199)).
ولنا ان نضيف الى هذا شواهد اءخرى على اهتماماته الاوسع، كالفصلين اللذين كتبهما في
كتابه «صراعات في الشرق على الشرق» عن الاندلس في مرحلتها الاخيرة، وقصة الغزو
البرتغالي (ص 15-111)، عن كفاح قفقاسيا وقصة البطلين
الكبيرين في الشيشان: الملا محمد والشيخ شامل (ص 177-205)، فيما جعل الفصلين الاخيرين يبحثان في صراعات ايران
مع الروس والافغان.
ومثل هذه الامثلة تكفي لدفع شبهة «الطائفية»! عن كتاباته، لا
سيما وانه كان يتعامل مع هذه القضايا بكامل اندفاعه وحماسته
المعهودين في الدفاع عما يراه حقيقة تاريخية تعرضت للظلم
او التزوير اوالتناسي والاغفال. ادب الرحلات
للمؤرخ والاديب حسن الامين، رحلات واسعة، غنية، وقف
خلالها على ما قراه في بعض كتب التاريخ، كما اغنت تجربته
التاريخية، معرفة، وبحثا، واستكشافا.
ولقد جمع رحلاته هذه في كتاب اسماه «من بلد الى بلد»، كما
وزع بعضها على اعمال أخرى، كما في كتابه «الاسماعيليون
والمغول ونصير الدين الطوسي»، وايضا في مذكراته التي طبعها
بعنوان «الذكريات في حياة حسن الامين»، والحقها بالمجلد
الرابع من «مستدركات اعيان الشيعة»، ثم واصل تتمتها
في اجزاء أخرى.
نماذج قليلة فقط من هذه الرحلات تكفي لتكشف عن رحالة،
علامة، مؤرخ، اديب، وشاعرفذ.. 1- في السهولة التي مر بها المغول وهو يتتبع الاماكن التي شهدت الاحداث والوقائع الكبرى بين المغول والاسماعيليين،يصف بعض هذه الاماكن، فيقول: «هنا ترن في سمعك اصداء الحرب والعلم والشعر مجتمعة..
وهنا تتطاول امامك صورة الطاغية السفاك، مماشية لصورة
العالم الزاهد، مطلتين معا من اقاصي الماضي البعيد، فيشجيك
هذا الماضي ويبهجك في آن..
يا لها من ارض عجيبة هذه الارض التي شددت اليها الرحال
مطوحا فيها بنفسي المجهدة،لابصر على الارض ما روته لي
صفحات الكتب من احداث... المغول! ويا لهول ما فعل المغول باوطاننا! اين كان طريقهم، ومن اين عبروا الينا؟!
انا، الآن، في مدينة قزوين، وصور التاريخ المغولي بكلا وجهيه،
الوثني والاسلامي، تلتمع في ذهني وتمر تباعا واحدة وراء
أخرى..
كانت اربع صور لاربعة رجال هي الاكثر مثولا امامي هنا في
مدينة قزوين:
صورة «هولاكو» السفاح الغدار.. وصورة احد ضحاياه «خورشاه»
امير الاسماعيليين النزاريين..
وصورة «غازان» اول مغولي اسلم فاسلمت الدولة باسلامه..
وصورة اخيه «الجايتو محمد خدابنده» الذي تابع المسيرة
الاسلامية.
والصورة الاخرى الماثلة المثول كله هي صورة مدينة
«السلطانية»، التي شرع في بنائهاغازان ثم انهاها اخوه خدابنده.
يوم الاحد، غرة شهر ذي القعدة سنة 645هـ، كان خورشاه ينزل
من قلعة «ميمون دز» نزوله الاخير، ويودع تلك الارض التي
ظلت ما يقرب من قرنين مستقرا للدولة الاسماعيلية النزارية،
منذ نزلها حسن الصباح سنة 477هـ..
«نزل خورشاه من القلعة، فمضوا به الى مضارب هولاكو الذي
كان ينزل على بعد سبعة فراسخ عن مدينة قزوين...».
«وخرجنا من قزوين قاصدين سلطانية محمد خدابنده،
وبالاحرى عاصمة الامبراطورية المغولية المسلمة، العاصمة
الثانية بعد العاصمة الاولى تبريز.. سائرين على الطريق الذي
سارت عليه جحافل المغول المجتاحة، ولكن في الاتجاه
المعاكس..».
«واذا كان هذا هو طريق المغول، فانه كان ايضا طريق العلماء
والشعراء، فمن هنا مر الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، ومر
ابن عساكر، وعبدالله بن خليفة الطائي..».
«وهكذا كنا نسير، وفي الذهن مرثيات شتى...»((200)). 2- في قزوين.. معالم اثرية «وفي قزوين بقايا دور وقصور صفوية، فقد كانت قزوين عاصمة للصفويين فترة من الزمن، ولا يزال احد قصورهم عامرا وسط حديقة غناء واسعة، وقد اتخذ متحفا... |