|
وفيها المسجد الجامع الذي يعود الى العصر العباسي الاول،
وفي مدخله الاول تجديد قاجاري، وتجديد صفوي في المدخل
الثاني... وبين المدخلين ممر عريض.. وفي هذا المسجد بقايا
بويهية وسلجوقية وايلخانية، ويضم عدة اواوين، تقام اليوم في
كل ايوان منها صلاة الجماعة...
واحتراما لذكرى آل البرغاني، لا سيما شهيدهم الشيخ محمد
تقي الذي اشتهر باسم الشهيد الثالث، زرنا منزله الذي جرت
فيه المناظرة مع الاحسائي... القسم الجنوبي من الدار مسكون
من بعض احفاد الشهيد، اماالقسم الشمالي فغير مسكون، وفيه
القاعة التي جرت فيها المناظرة».
«كما زرنا المدرسة الصالحية المنسوبة للشيخ صالح البرغاني
الذي كان من اشهر علماء الأسرة...».
«وهذه المدرسة هي المدرسة الكبرى، وهناك الوسطى
والصغرى المتصلتان بها..
وفي هذه المدرسة، سكن جمال الدين الافغاني حوالى ثلاث
سنين، ودرس فيها الفلسفة الاسلامية على ملا آغا حكمي
القزويني...
كما اشرفنا من السطح على منزل «قرة العين» الشهيرة، الذي
سكنته بعد زواجها وانتقالها من بيت ابيها الشيخ صالح، والمنزل
خرب متهدم...»((201)).
اذا كانت هذه الصور مشحونة بالارقام والشخوص التاريخية،
فثمة صور اءخرى مرصعة باجمل الصياغات الادبية، لكنها لا
تخلو من شخوص ناطقة عن جوهر مؤرخ. 3- الى ألموت «.. صعود.. صعود.. صعود مستمر في قلب الجبال الشاهقة... ومررنا بقرية «يزدجرد».. ومن العجيب ان يكون مصير اسم «يزدجرد» آخر الاكاسرة هواطلاقه على هذه القرية البسيطة!
وانتهت الزروع.. واوغلنا صعدا في صميم الجبال، حتى دنونا
من القمم المكسوة بالثلوج، ثم رحنا في صميمها مصعدين..
جبال الى يميننا.. وجبال الى يسارنا.. وجبال امامنا..
ا بدا نحن في صعود عنيف.. مستهدفين الذروات العليا بين
بقايا الثلوج..».
وبمثل هذا الغزل بالطبيعة، تمضي معه صفحات عديدة، يمر
بك خلالها في عشرات القرى المتناثرة على سفوح الجبال:
«خنجر بلاق «»مرك» «قسطين لار» «سياه دشت» «نهر شاهرود»
«نهراوان»«بيكين»،وقرى عديدة اءخرى يذكرها بلا ملل.. 4- من كشوف الرحلات لم يكن مروره على المدن والقرى والثار مرورا عابرا، بل هو مرور الرحالة الذي يكتشف ويدون كل ما يستحق التدوين، ففي ذلك الطريق الوعر، المليء بعشرات القرى، متقاربة او متباعدة..
يقف بك عند «بيكين» وثمانية قرى حولها علىءمة غريبة، لا يعرف عنها شيء، فلهم ديانة سرية للغاية، لا يستطيع احد
اكتشاف اسرارها، الطلاق عندهم ممنوع، والمتوفى عنها زوجها
لا تتزوج بعده حتى تموت،يصومون في السنة ثلاثة ايام،
يحرمون اكل لحم الحيوان الحامل، ويحرمون اكل
الجنين،ويحرمون اكل راس الماعز.
هذا كل ما عرف عن هذه الملة التي يطلق عليها «كله بز» اي
راس الماعز((202))!.
ولعل هذه التسمية قد جاءتهم، كما يقول الامين، من تحريمهم
اكل راس الماعز.
واهم من هذا ـ لديه ـ تحققه من امر كان يبحث عنه، في تلك
الرحلة نفسها، ذلك هوالبحث عن مصدر تسمية النزاريين
بـ «الحشاشين»: «وكان من اهداف رحلتي الوصول الى الحقيقة في هذا الامر، وكنت من قبل التقطت الخيطالذي يمكن ان يوصل اليها، وذلك انني رايت ان اهم ما تجب معرفته هو الزمن الذي بدى فيه بنسبة الاسماعيليين النزاريين الى الحشيش، ومن هو اول من نسبهم اليه، فاذا بي اكتشف انهم لم يسموا اول الامر بحشاشين، بل لقبوا بحشيشية، ثم طور المطورون هذا اللقب الى «حشاشين»! وكان الاكتشاف الغريب ان الذين اطلقوا عليهم هذا اللقب «الحشيشية» هم الاسماعيليون الفاطميون الذين انفصل عنهم الاسماعيليون النزاريون، وبادروهم بالعداء، واغتالوا خليفتهم «المر»، وحوروا العقيدة المستقيمة! وبعد التنقل بين اقدم الوثائق التي تضمنت هذه التسمية، وبين الاعلام الكبار الذين تلقبوا بالحشائشي لاشتغالهم بطب الاعشاب، وما يجده من غزارة الاعشاب في بلاد النزارية، وتنوعها الهائل، وعناية الاطباء بها،وكثرة باعتها من اهل تلك البلاد، يصل الى ان هذا هو الاصل في هذه التسمية، وان الفاطميين حين نبزوهم بها، ارادوا انهم باعة حشائش، لا اصحاب دولة وعقائد! ثم يكتشف بعد هذا ان هذه النتيجة هي التي حققها المستشرق «بول آمير» حين كتب عن «سيد الموت»، اذ خلص الى ان: «المقصود بتلك التسمية هي الصفة التي كانت تطلق في تلك العهود على من يتعاطون جمع الحشائش البرية التي تستعمل هي نفسها ادوية، او تستقطر منها الادوية، وعمل النزاريون في ذلك بشكل واسع، فكان لهم في سفوح جبالهم قرى ودساكر ومزارع كان ينطلق فيها حتى النساء والاطفال لجمع الحشائش الطبية التي كانوا يتوسعون في زراعتها، ولا يقتصرون على ما تنبته الطبيعة، حتى لقد يزرعونهافي حدائق البيوت»((203))! 5 ـ وختاما.. العراق في قلب الامين هذا الرحالة الذي طاف الكثير من البلاد، وراى الكثير، وعايش الكثير، لم يحن الى بلدحنينه الى العراق، لقد احتل العراق في القلب الامين محلا لا يشاركه فيه شيء، فبكاه نثرا وشعر؛ ليثبت الصفحة الاكثر اثراواكثر جمالا في رحلاته، بل في حياته كلها! كتب حين فارق العراق يقول:
«أربعة اعوام في العراق توالت علي، فكانت ازهر صفحة في
دهري! وانضر صورة في ذهني! واجمل مشهد في نفسي!...».
«وعندما اذنت هذه السنين بالزوال.. ومشيت اءعاود قطع
الصحراء آيبا، اذا بي وقد غابت عن عيني مشاهد العراق،
واحتوتني الصحراء بوحشتها.. اتلفت الى الوراء منشدا:
ولو قال لي الغادون ما انت مشته
«لقد غابت بغداد عن عيني.. ولكن
بغداد لا تغيب عن نفسي..
فاذا كان في نثره الدر هذا ما يكوي الاكباد ويهيج الاشجان،
فان في شعره ما يستنزف الدمع؛ ليكمل حلقات الحنين
المفجع والأسى...
لقد كتب ونشر، فور عودته من العراق، قصيدة بعنوان «وداع
العراق» يقول في بعضها:
اني عهدتك في النوى متجلدا
والمخاطب في قوله ـ عهدتك
ـ هو نفسه، التي يقول لها في البيتين التاليين:
ارق الدموع فلست اول شاعر حتى يقول:
بغداد غابت وانطوى شمل الربى
ليختمها بالقول:
ساظل ارسل في هواك قصائدي
ويكتب مرة اءخرى لنخيل
العراق قصيدة مفردة، ويكتب لبعقوبة الزاهية، ولكرادة الشرق
في بغداد، ولسمراء الفراتين:
اتذكر سمراء الفراتين ام سلت
ويظل يتابع في مذكراته
امواج الحنين حتى يضع العنوان: «اعذب ايام حياتي»؛ ليقول
تحته على الفور: «ان ايام التدريس في العراق كانت اعذب ايام
حياتي، ولم ارقبلها او بعدهااياما تضاهيها في ذلك...»((204)).
فاذا كان لمثل هذا الكلام المحل الرفيع بين اهل الوفاء واهل
الادب، فان له بكل تاكيد بين ابناء العراق، ولا سيما الذين تغربوا
عن بلدهم، المحل الارفع.. ويزيدون على ذلك لصاحبها ما
يستحقه من الوفاءومن الذكرالجميل. القصة انموذجا كمال السيد مقدمة
اننا نرتكب خطا فادحا، في نظرتنا الى الفن، باعتباره نشاطا
غايته الامتاع او مل ء اوقات الفراغ فقط، فيما هو مظهر حياتي
من مظاهر الثقافة في المجتمع.
وتصحيح هذه النظرة مسالة اساسية قبل اي تعامل مع الفنون
بشكل عام.
فاذا كان من وظيفة الفيلسوف والمفكر انتاج المعرفة والافكار
من خلال الكلمات ـ مكتوبة او منطوقة ـ فان دور الفنان
وواجبه هما استخدام الجميل من الخط والشكل واللون وحتى
الصوت في ترجمة الافكارالمنتجة والتعبير عنها.
لقد أنتجت ثقافات الامم تراثا فنيا يرتبط جوهريا بمعتقداتها
الدينية، فكانت فنونها ترجمة لثقافاتها، فما هي تجليات رسالة
التوحيد؟ وهل يمكن مشاهدة الاسلام في ما اءنتج من فنون في
البلاد الاسلامية؟ مع التاكيد بان الفن الاسلامي ينبغي ان يكون
الاكثر تكاملا من فنون سائر الحضارات والثقافات الاخرى، على
اساس ترسيخ فكرة التوحيد في جميع مجالات الحياة، ذلك ان
هناك تلاحما حقيقيا بين الديني والدنيوي، حيث الاسلام رسالة
تنفذ في جميع زوايا الحياة الانسانية؛ وبخاصة ان القرآن
الكريم، المحور والثقل الاساس في العقيدة، ينهض متالقا
كمثال فني في التعبير الاجمل والايقاع الارقى، في جمال
الشكل وثراء المضمون.
وأمامنا أنموذج قائم في ما حصل بعد انتصار الثورة الاسلامية
في ايران، حيث بدات اولى خطوات اسلمة الحياة، اذ واجهت
الحياة الايرانية الفنية بعد انتصار الثورة حشدا من الاسئلة
الاساسية، وقدظهرت الازمة بوضوح في السينما والانتاج
السينمائي. فبعد عقود طويلة من تاسيس السينما الايرانية
(1900م)سيطر اتجاهان: الاول اتجاه العنف الاميركي والخر
يمثل تقليدا للسينما الهندية((205)).
وقد ظهرت مخاوف حقيقية من انهيار السينما الايرانية اذا ما
فاضت القيود الاسلامية في مايتعلق بالمراة والحجاب ومشاهد
التقبيل والاغراء، وهذه المخاوف لم تنحصر في السينما
فحسب، بل كان لهااصداء في القصة والمسرح.
وقد ظهرت اعمال سينمائية بعيد اندلاع الحرب، شكلت
محاولات ساذجة لا تعدو ان تكون امتدادا تقليديا للسينما
الهندية والاميركية.
غير ان ظهور جيل من الشباب، كان في طليعتهم الكاتب
والمخرج محسن مخملباف، بعث قدرا من الامل بتجاوز هذه
الازمة الفنية، فظهرت مسرحيات وافلام تحمل بشائر بظهور
سينما تحمل هوية اصيلة.
ومن المدهش حقا ان السينما الايرانية، قبل الثورة، لم تحصد
سوى جائزة واحدة فقط في مهرجان برلين عن فيلم بعنوان:
«حياة ساكنة»، لكنها وبعد انتصار الثورة حصدت عشرات
الجوائز في مختلف المهرجانات العالمية، وتالقت اسماء مجموعة
من المخرجين((206)) اجتازت في ابداعها انموذج مخملباف.
ولم يكن هذا الاسترسال، في الحديث عن السينما الايرانية، الا
انطلاقا من تجربة فنية تاثرت بالتجربة الثورية التي يشكل
الاسلام محورها الاساس.
ومن المفيد ان ننقل جانبا من الاسئلة التي ظلت تدور في
الاروقة الفنية والادبية قبيل ظهورالبدايات والارهاصات
الأولى لمختلف مجالات الفنون وتكونها.
كانت معظم الاسئلة واكثرها اهمية والمتعلقة بعلاقة الفن
بالجمال تتلخص في ما ياتي: ما هو الفن؟ ما هو الفن الاسلامي؟ وما هي علاقته بالجمال؟ هل الفن في خدمة الجمال؟ ماهي معايير الجمال؟ هل يكمن الجمال في الشكل او في المضمون؟ ما هو التعريف الفلسفي للجمال، وهل له وجودخارجي؟ هل يدرك الجمال عقليا او قلبيا؟ وما هي علاقة الحب بالجمال؟ وهل توجد مقاييس مطلقة اوانها جميعا نسبية؟ ولننتقل الى طائفة اخرى من الاسئلة عن الفن الاسلامي، ومنها: هل توجد خصائص للفن الاسلامي؟ وما هي حدوده المشروعة؟ ما هو الغناء، وما هي المقاييس في تحديده وتحديد الموقف ازاءه؟ هل يعد الرقص فنا؟ ما هي حدود الدور المشروع للمراة في الفن؟ هل بامكان المراة ان تؤدي الاناشيد بصوت عال،(فردي او جماعي)؟ هل بامكانها تلاوة القرآن في الاذاعة والتلفزيون؟ كيف يمكن للفن ان يصور عالم الغيب؟ الجنة، النار، الملائكة، الجن والشياطين؟ وهل يمكن تصوير عالم البرزخ وعالم الذر؟ هل يمكن تصوير بعض المشاهد القرآنية الحساسة من خلال الرسم مثلا؟ وبالتحديد، هل يمكن رسم المشكاة والكوكب الدري و...؟ ما هو الاطار المشروع للموسيقى؟ من هو الفنان؟ ومن هو الفنان المسلم؟ وهل هناك فرق في قولنا: الفنان المسلم والفنان الاسلامي؟
هذه الاسئلة وغيرها احتدمت في السنوات الاخيرة، والواقع
الفني اليوم يشكل تعبيرا عن نوع الاستجابة والتلقي، ولا يزال
التفاعل مستمرا والجدل محتدما وسيستمران هكذا، ليعكسا
شكلا من اشكال التعددية في نوع الفهم والتصورات التي تسهم
في تحديد الخطوط الاساسية للفن الاسلامي((207)).
وبدءا يمكن تعميم تعريف الشهيد سيد قطب للادب على سائر
الفنون، وهو: «التعبير عن تجربة شعورية في صورة
موحية»((208)).
ومن السابق لاوانه ـ وقبل ان نقدم مسوغات سيد قطب لهذا
التعريف ـ ان نثير هاجساتثيره ازمة الفصل بين الاديب المسلم
والاديب الاسلامي، وبالتالي الفنان المسلم والفنان الاسلامي؛
ذلك ان احد اركان التعريف يتمثل بالتجربة الشعورية.
يقول المفكر الراحل: ان كلمة «تعبير» تصور لنا طبيعة العمل
ونوعه، والتجربة الشعورية تكشف عن مادته وموضوعه، اما
الصورة الموحية فتحدد الشروط والغاية. فالتجربة الشعورية
هي العنصر الذي يدفع الى عملية التعبير، والتعبير يشمل كل
صورة لفظية ذات دلالة تحدث الانفعال الوجداني المطلوب
في النفس الانسانية((209)).
ومن الممكن ان نتوسع في مفهوم التعبير ومعانيه لتشمل
ادوات اخرى غير اللفظ، فريشة الرسام واوتار العود وغيرها
تشكل اجزاء من عملية التعبير. الغزو الغربي في مجال الفنون
لا نبالغ اذا قلنا: ان الغرب يمجد الفن بطريقة ترفعه الى
مستوى الدين، بل انه يحاول ان يجعل من الفن بديلا للدين،
وهذا ليس عجيبا في حضارة تمجد الجمال وتنظر الى الاشياء
من خلال ذوق جمالي بحت.
وقد مهد لعملية الغزو الفراغ الهائل الذي ساد المجتمع
الاسلامي في كل مظاهر الحضارة،وكان هذا واضحا في مجال
الفن اكثر من غيره، حيث ان الخطر الذي كان يتهدد المجتمع
المسلم ليس في مضمار الاعمال الفنية الجمالية التي افرزها
الغرب فحسب، بل، ايضا، بما كان يترافق مع تلك الاعمال من
افكارراحت تتغلغل هي الاخرى في قلب المجتمع وذهنيته من
دون ان يقوم بفعل يعكس حالة من رفض الجسم الغريب وعدم
قبوله.
فان قبولنا فكرة «الفنون الجميلة»، مثلا، يعبر عن رضا
المجتمع المسلم بمسالة الجمال والذوق الجمالي من دون
ادنى اكتراث للذوق الاخلاقي، مع التاكيد على هذه النقطة،
وهي ان الفنون الاسلامية تستمد وجودهادائما من قيامها بدور
مفيد في حياة المجتمعات المسلمة الى جانب قيامها بوظيفة
جمالية.
ومن مظاهر الغزو، ايضا، ان وظيفة الانتاج الفني تنحصر في
الامتاع الجمالي فقط، وهذايعني حذف اية قيمة اجتماعية او
اخلاقية، فالحكم على العمل الفني يخضع لاعتبارات جمالية
بحتة، بالرغم من انحسار مقولة الفن حتى في الغرب، فان هناك
من ينادي بها في الشرق المسلم، ونجد لها امثلة واضحة في
كثيرمن الاعمال الفنية المنفصلة تماما عن اية فكرة دينية.
وبالرغم من دور الاستعمار في التخطيط والتنفيذ لعملية
الغزو، في مجال الفنون، فان المقتل الحقيقي يكمن في عقدة
النقص الثقافي التي يعاني منها المسلم والتي مهدت الطريق
للغزو.
فالافريقي الاسمر ما كان ليمنح قيادته للرجل الابيض الا بعد
ايمانه بمقولة التفوق الذاتي للرجل الاوروبي واستسلامه لها، لذا
فالتململ من سيطرة الرجل الاوروبي بدا من هذه المنطقة
بالضبط، اي من زعزعة هذه الفكرة المدمرة واعادة روح الثقة
الى نفس الافريقي وروحه.
ومع ان الحكومات التي نشات في ظل التاثيرات الغربية قد
اخفقت في تذوق القيم الجمالية في الثقافة الاسلامية، فمعظم
المشاريع التي نهضت في ارضنا الاسلامية اشرف عليها
اوروبيون تم استقدامهم الى بلادنامن اجل العمل والتخطيط
والتنفيذ، من الموسيقى الى البناء والاعمار.
وقد تضافر هذا الجهد مع جهد آخر تمثل في الحط من قيمة
الحضارة الاسلامية، من خلال بعث الحضارات القديمة
الفرعونية والساسانية والفينيقية وحضارات بلاد الرافدين.
وقد استخدم الفن، في مجالات عديدة، من اجل تدمير الهوية
الاسلامية للمجتمعات المسلمة، واهدرت الاموال العظيمة من
ثروات الشعوب الاسلامية في سبيل ذلك((210)). فن القصة
سنختار هذا المجال من الفنون لانه يمثل، ايضا، المادة
الرئيسية للسينما والمسرح.
يمكن ان نتفق على ان القصة هي محاولة لتقديم تفسير
للحياة، او هي((211)) التعبير عن الحياة، ممثلة في الحوادث
الخارجية والمشاعر الداخلية((212)). فقد غطت قصص الغرام
هذا المجال الحيوي من الفنون، وكانت تجد قراء ومخاطبين،
وبخاصة في الاوساط الشبابية، بل ان الكثيرمن كتاب القصة
كانوا يعوضون نقصهم في المهارة من خلال تحريك الغريزة
الجنسية، لضمان شد القارى الى نهاية القصة، ومن المؤسف ان
نجد مسالة الجنس تشكل مجموع مهارة بعض كتاب القصة.
ولذا، نلاحظ ان القاص يبدا قصته بتعرية شخصية انثوية امام
قارى شاب قلق لكي يشده الى متابعة فصول قصته حتى
النهاية.
وللاسف، اننا نلاحظ ازدهارا، في هذا المجال، كلما امعن
المجتمع في حرمان شبابه من الجنس، او ابدى تشددا في
مسالة الزواج من خلال التشدد في مسالة المهور.
ولكي نكون منصفين في الطرح نشير ايضا الى القصص ذات
الافكار السياسية، ونحن لانقصد الاعمال القصصية ذات القيمة
السياسية التي تعبر عن افكار عميقة، حيث نجد الامتزاج الرائع
بين الافكارالثقافية والمعتقدات الدينية والفكر السياسي.. ولذا
نستثني هذه الاعمال لنؤكد على بعض القصص التي
يمكن القول: انها تكتسب قيمتها بوصفها بيانا سياسيا في اجواء
يسودها القمع والبطش والارهاب، ولذا نراها تفقدقيمتهاالفنية،
بل وقيمتها بشكل عام، بعد اول انفتاح سياسي او حدوث حالة
تغيير جذري.
ولذا، فمن المؤكد انه لا الجنس ولا السياسة يشكلان عنصرا
فنيا في تكوين القصة.
بل حتى القصة المؤدلجة، فانها تفقد ايضا قيمتها الفنية،
وبالتالي قيمتها الادبية ودورها الثقافي؛ لانها لا تستطيع ان
تؤثر تاثيرا جذريا وعميقا في مشاعر المتلقي والمخاطب او
القارى.
ان غاية العمل الادبي لا تكمن في تقديم حقائق عقلية او قضايا
فلسفية، كما انه في الوقت نفسه لا يقف منها موقفا متشنجا، بل
يتوجب عليه ان يقدمها بوصفها حقائق شعورية؛ اي استخراجها
من دائرة العقل بوصفه مركزا للمحاسبات المنطقية وتحويلها
الى اشعة تشرق على القلب، باعتباره الجزء النابض الذي يتلقى
الاشراق والوعي.
ان اول خطوة مهمة وحياتية ومصيرية في ارساء قواعد صلبة
وقوية في جميع مجالات الفنون، هي التاسيس الجاد لعلم نفس
اسلامي، ياخذ بنظر الاعتبار المكونات الرئيسية للانسان وفاقا
للنظرة الاسلامية التي تعترف رسميا بركنيه: الجسم، الروح.
فهناك العقل بوصفه مركزا للتفكير المنطقي
ودائرة المحاسبات والبديهيات والمسلمات.. والفطرة التي هي
مستودع السر الالهي المجسدة لدمية الانسان وضميره الذي
يمثل القانون الاخلاقي في الذات البشرية؛ والارادة التي تعبر
عن حرية الانسان واستقلاله وقدرته على الاختيار والانتخاب.
وهناك الاهواء النفسية التي تجسد المحتوى والمضمون
ومخزون الطاقة، والتي يمكن تشبيهها بالطاقة الذرية
المستخدمة في صنع مفاعل لانتاج الكهرباء، او في تصنيع
قنبلة بوصفها سلاحا للتدمير الشامل.
فالاهواء النفسية طاقة خاضعة في ترشيدها ايجابيا، او توجيهها
سلبيا، لمعادلة اخلاقية؛ لان الانسان مخلوق قابل للتسامي،
كما انه مستعد في الوقت نفسه للانحطاط((213)).
كما يتوجب التوقف عن الاستمرار العملي في الحذف لعالم
الغيب، والاعتراف رسميابعوالم ما بعد الموت كعالم البرزخ،
وتحديد نظرة موضوعية عن مفاهيم كثيرة؛ من قبيل الفقر،
الحب، الظلم،الموت.. الخ،وكذا الاعتراف ايضا بخوارق الانسان
الالهي (الانبياء)، ولا ننسى ايضا الاشارة الى ضرورة
احداث تغيير في موقفنا من الاحلام((214)) بنظرة تتحرر تماما
من القيود والاغلال الفرويدية ومدارس علم النفس الخاضعة
للتفسير المادي ومشكلات الحضارة الغربية. القصة الاسلامية.. هاجس البحث عن هوية
عندما نروم البحث في فن كتابة القصة، بشكل عام، فان مثلثا
يتالف من الكاتب، والقارى،والاثر الفني، سوف يتبلور في
اذهاننا، وربما سيكون هذا المثلث متساوي الاضلاع.
وقد ينسحب هذا المثلث على سائر الفنون الادبية الاخرى،
لكن القصة سوف تنفرد بالوضوح التام؛ لشغف خاص يحتله هذا
الفن ويتفرد به عن سائر الفنون الاخرى، ونستطيع ان نتحدث
عن الاضلاع الثلاثة كما ياتي:
فالكاتب يمثل العملية الابداعية، والقارى يمثل العملية
الذوقية، فيما تمثل القصة (الاثر الفني) المنطقة التي تلتقي
فيها العمليتان.
ولو امعنا النظر كثيرا، في هذا الشكل الهندسي، فانه من
الصعوبة بمكان تحديد اضلاعه بشكل واضح ومنفصل؛ لاننا في
حالة التحدث عن ضلع ما فيه، سنجد انفسنا وقد خضنا في
الثاني والثالث،وسوف يستحيل هذا المثلث الخيالي الى دائرة
تذوب فيها الاضلاع تماما.. على اننا سوف نسعى الى
تفكيك الحديث قدر الامكان، معتمدين منهج التركيز على
خصاص كل محور من هذه المحاور الثلاثة.
وسيكون الحديث عن القصة، وربما القصة القصيرة،
مدخلامناسبا يمهد للحديث عن هذاالفن الحياتي في عالم
الادب ودنيا الفنون الانسانية.
ما زلنا نتذكر التعريف الشامل للادب الذي ينسحب على القصة،
ايضا، بوصفها عملا ادبيا، وهو: «التعبير عن تجربة شعورية في
صورة موحية».
ففي هذا التعريف الجامع المانع: كلمة «تعبير» تصور لنا طبيعة
العمل ونوعه، و«تجربة شعورية» تبين لنا مادته وموضوعه...،
و«صورة موحية» تحدد لنا شرطه وغايته.
فالتجربة الشعورية هي العنصر الذي يدفع الى التعبير، ولكنها
بذاتها ليست هي العمل الادبي؛ لانها ما دامت مضمرة في
النفس فلا تظهر في صورة لفظة معينة، فهي احساس وانفعال
لا يتحقق به العمل الادبي.
و«التعبير»، في اللغة، يشمل كل صورة لفظية ذات دلالة، ولكنه
لا يصبح عملا ادبيا الاحين يتناول «تجربة شعورية» معينة.
ولكن التعبير عن التجربة الشعورية يجب ان يكون بصورة اخاذة
موحية ومؤثرة، تثيرالانفعال الوجداني لدى القارى، وهذا
الشرط الاساس في العمل الادبي.
اما التعريف الاكثر وضوحا للقصة، على ضوء التعريف السابق،
فهو: «التعبير عن الحياة»بجميع تفاصيلها، وفي اطار الحوادث
الخارجية ومشاعر الانسان، فيما نجد بعض الكتاب ينظر الى
القصة بوصفها تفسير اللحياة.
فالمصدر الوحيد للقصة هو الحوادث.. حوادث الحياة ومواقف
الانسان، اما التاريخ فانه،وان كان يهتم بنقل الحوادث، سيكون
نقلا تسجيليا ينحصر بالوقائع.. فيما تجتاز القصة حاجز الوقائع
الى استكشاف ما وراء الواقع.
فالتاريخ عبارة عن نقل تسجيلي والقصة عبارة عن نقل
تحليلي.
ولكن هذا لا ينفي وجود مؤرخ يحاول تحليل التاريخ وفاقا
لادواته، ليصل الى نتيجة ما، كماهي الحال في «دراسة في
التاريخ»، فقد حاول توينبي من دراسته للتاريخ تاكيد امكانية
انقاذ الحضارة الغربية من السقوط، فيما نجد رواية «الساعة
الخامسة والعشرون»((215)) تؤكد أفول هذه الحضارة وظهور
النور من آسيا، وسنجد بطل الرواية وهو شاعر، يقول: «ان انهيار
المجتمع التقني هذا، سيعقبه اعتراف بالمواهب الانسانية
والعقلية.. وسيشرق هذا النور العظيم من الشرق ولا شك.. من
آسي؛ ولكن ليس روسيا.. ان الروس قد انحنوا خاضعين امام نور
الغرب الكهربائي.. لذلك لن يعيشوا ليروا الاشراق..
سيكتسح الانسان الشرقي المجتمع التقني، وسيستعمل النور
الكهربائي لانارة الشوارع والبيوت.. لكنه لن يصير له عبدا ابدا..
ولن يقيم الهياكل كما هي الحال اليوم في بربرية المجتمع
التقني الغربي...
انه لن يضيء بنور النيون خطوط الفكر والقلب.. ان انسان
الشرق سيجعل من نفسه سيدالللات وللمجتمع التقني،
مستعينا بعقله كما يستعين رئيس الفرقة الموسيقية بعبقريته
المستمدة من الجرس الموسيقي...»((216)).
ولك ان تكتشف ايهما اصدق في التعبير والتفسير عن مصير
الحضارة الغربية المادية.
ولا نريد هنا سوى التاكيد على الاختلاف الشاسع بين الحقيقة
والواقع، ونعني بالواقع مظاهرالحياة وحوادثها التسجيلية،
فالقصة، وان كان ميدانها الواقع، فانها يجب ان تخترق هذا
الجدار الى ما وراءه.
ويمكننا ان نسوق على ذلك مثالا من الفيزياء، وهو ظاهرة
الانكسار، حيث يبدو القلم مكسورا اذا ما وضع في اناء فيه ماء،
فان ادوات الرؤية للواقع ستكون عبر الحواس، وسنقع في
اخطاء الرؤية الحسية كما يحصل في ظاهرة الانكسار، اما الرؤية
التحليلية فهي الوحيدة التي يمكنها سبر مكنون
الوقائع واكتشاف الحقيقة، وستكون الوقائع الحياتية مجرد زبد،
فيما الحقيقة مستقرة في الاعماق.
هناك ظاهرة ما، وهناك تفسير.. والمشكلة تكمن في القدرة
على التفسير.. وان كانت القصة،بوصفها عملا فنيا، لا تهتم
باقتراب التحليل من الصوابية بقدر ما تعد اي تفسير، مهما
كان، شرطا فنيا، فان القصة الاسلامية ستكون حساسة ازاء هذا
النوع من الرؤية، ولاننا اضفنا صفة الاسلامية الى القصة
فسيكون الحديث عن هذا الجانب اساسيا.
وسيكون الحديث، حينئذ، عن خصائص القصة الاسلامية حديثا
عن طبيعة الرؤية ومعالجة الحوادث والشخصيات.
فاذا كانت القصة وعيا للحوادث وحركة الشخصيات، وهي
التفسير العميق للحياة، فستكون القصة الناجحة هي تلك التي
تتمتع برؤية عميقة؛ لان سرد الوقائع بصورة تسجيلية لا يعد
وعيا للحياة الانسانية حتى لوكانت العملية التسجيلية غاية في
الدقة، فاذا كانت الحياة عبارة عن بحر متلاطم الامواج،
فالمطلوب سبرالاعماق المغمورة بالسكينة، وهناك تكمن للى
الحقيقة.
ولو نظرنا الى نسيج القصة لوجدنا عنصرين هما: الفكرة
والاسلوب، و«بصورة عامة يمكن القول: انه ليست هناك اية
قيود لانتخاب موضوع للقصة الاسلامية، حيث ان انتخاب اي
موضوع يستطيع ان يكون اسلاميا،شريطة التعرف الى الزاوية
التي ينظر من خلالها»((217)).
لذا، فان القصة سوف تكتسب صفتها الاسلامية من خلال
انسجامها او انسجام موضوعها مع الرؤية الاسلامية للوجود،
اضافة الى منح الاصالة لفطرة الانسان لا لذاته.
وقد تتوضح هذه النقطة اكثر اذا تحدثنا عن الرؤية الغربية التي
تجعل من الانسان محورا،فتمنح الاصالة لذات الانسان، وضمن
هذه الرؤية ياتي الابداع الغربي الادبي في القصة منطلقا من
فكرة الدفاع عن حق الانسان ومظلوميته امام قسوة الطبيعة
وظلمها.
واعتبار الانسان محورا، بشكل عام، لا يلغي الرؤية الاسلامية،
فالرؤية الاسلامية تعده ايضامحورا وتعده القوة المحركة
للتاريخ، لكنها تؤكد حقيقة كبرى، وهي اعتباره خليفة الله في
الارض وليس الها،فمنحه الاصالة امر تتفق فيه الرؤية الاسلامية
والغربية، ولكن تحدث القطيعة النهائية بين الرؤيتين عند
تجاوزالفطرة الى الذات.
وهذا يعني ان الرؤية الاسلامية تتطلع الى تجربة الانسان
لتقييمه اخلاقيا، فيما الرؤية الغربية تتطلع الى تلك التجربة
فنيا فقط.
فالوجدان الغربي، مثلا، يتاثر بشدة، ويبكي لمشهد اقدام البطل
على قتل حبيبته ومن ثم الانتحار؛ لان «الطبيعة» حالت دون
عيشهما حياتهما معا، انه ينظر الى نهاية مفجعة لمخلوقين
جميلين يربطبينهما الحب.
اما الرؤية الاسلامية فانها، وان كانت تتاثر بهذا المشهد، تدين
في النهاية البطل اخلاقيا. ذلك ان النظرة الاسلامية الى الحياة
تتمثل في عد الحياة مزرعة الخرة وطريق اختبار وامتحان،
وان الدار الخرة هي الحياة الحقيقية، وان مستقبل الانسان
الحقيقي انما هو في عالم الغد.. عالم الخرة والمعاد.
ومنح الاصالة لذات الانسان يعني منح قيمة لنفس متمردة
معتدية، ومن ثم منحه الحرية المطلقة.
لقد نجم عن هذه الرؤية ظهور ادب عبثي وضياع انساني، ولعل
في كتابات سارتر الادبية انموذج واضح لهذا الضياع، كما ان
انتشارها بعد الحرب العالمية الثانية يعبر عن اهتزاز وسقوط
للقيم الاخلاقية بشكل مريع..
ومن يقرا رواية «الغريب» لـ«البير كامو» يلمس بنفسه ضياع
الانسان الغربي وانسحاقه بالرغم من منحه درجة الالوهية.
ان هذه النظرة البائسة هي التي جرت الويلات على
المجتمعات الغربية، وحولت بعضهاالى غابة مخيفة.
وقد صورت الرواية الخالدة: «الساعة الخامسة والعشرون» مشهد
العالم الغربي ابان الحرب العالمية وبعد انتهائها، وتحول الانسان
الى «عبد» لللة، فيما كان المفترض ان يكون سيدا لها.
فقد ادت مضاعفات هذه الرؤية الى حالة مخيفة وسوداوية ازاء
مستقبل البشرية، ومن ثم الى حالة الخواء التي عبرت عنها مسرحية «بانتظار غودو»، هذه
السلبية في انتظار شيء لا وجود
له... واذا كانت المسرحية مجموعة في مشهد واحد حيث تظهر
في خلفيته شجرة ميتة، واذا كان غودو تحريفا لـ«غود»،(حرا)
الله، فانها تعني الحادا في الرؤية وعبثية في انتظار شيء لا
وجود له.
اما الرؤية الاسلامية، ازاء المستقبل، فهي مفعمة بالامل، ليس
في عالم الخرة فحسب، بل وحتى في عالم الدنيا ايضا. وهذه
الرؤية تتوج بفكرة ظهور «الامام المهدي» ووصول الانسانية الى
غاية تزخربالعدالة والخصب والنمو وسيادة الانسان الذي تتحد
ذاته بفطرته، ومن ثم تحقق فكرة الخلافة الالهية في الارض. فكرة الظلم
الرؤية الغربية تختصر مسالة الظلم الى ظلم الطبيعة للانسان،
والطبيعة هنا تعني حتى المجتمع نفسه: «الجحيم هو الخرون».
ولان الرؤية الغربية سقطت في اسر المادية، فقد حذفت كل ما
يتعلق بما وراء المادة والطبيعة، وبالتالي منحت الحياة الدنيا
قيمة نهائية بذاتها، وجعلتها هدفا للانسان لا «مزرعة للخرة». كيف تعالج القصة الاسلامية مسالة الظلم؟ وكيف تتعامل معها؟ وهل يؤدي وجود الظلم الى اندلاع ثورة مثلا؟
هناك الظلم، وهناك الاحساس بالظلم ومستويات هذا
الاحساس، ثم تاتي الارادة في المقاومة التي قد تبرز بعد تحطم
حاجز الخوف، هذا الحاجز الذي قد لا يتحطم الا بعد صياغة
معان سامية للحياة والنصر وبلورتها: اود لو غرفت في دمي الى القرار واحمل العبء مع البشر وابعث الحياة ان موتي انتصار((218))
ومن المؤكد جدا ان القصة الاسلامية سوف يكتب لها النجاح
الباهر؛ لان الرؤية الاسلامية ستضيف عوالم كثيرة ومساحات
شاسعة، من الغيب، الى جمال القصة بما يوفر لها الابداع.
نضيف الى ذلك ان الانسان وفاقا للرؤية الاسلامية يتمتع
بتوازن كبير، قياسا بالرؤية الغربية، فالغرب الغى الجانب الروحي
من الانسان، وجعل من غرائزه، وحتى من احلامه، مجرد
افرازات مادية، كما ان النسبية في كل شيء ـ حتى في الاخلاق
ـ انحدرت بالانسان في ضوء الرؤية الغربية الى مستوى مخيف
من الانحطاط.
ولنتصور هذا المشهد لنوضح مسالة الاختلاف بين الرؤيتين:
احدهم يقود سيارته بسرعة فائقة، وفي احد المنعطفات
الجبلية يرتطم بحاجز حديدي على جانب الطريق.
لنتصور الن حالته، وهو خلف المقود، انه يشعر بالاسى والحزن
ويلعن في نفسه الحاجز الحديدي الذي ادى الى الحاق الضرر
بسيارته.
وعندما يترجل ليرى حجم الخسائر التي لحقت بسيارته، فاذا
بعينيه تقعان على ما وراءالحاجز؛ حيث الوادي السحيق
والهاوية.
في هذه اللحظة، يحدث تغير بل انقلاب في حالته، وستغمره
الفرحة، وربما ينظر الى السماء شاكرا العناية الالهية من اعماق
قلبه. انموذج للنقد
«كانت ليلة طويلة» لاحسان صادق سعيد((219)) فنيا تعد
القصة موفقة؛وذلك اذا كان فيها ما يشد القارى ويجذبه، لكننا
نتطرق الى ما يهمنا الن، وهو الانطباع العام.
المقطع الآتي: «عيناها تائهتان فيءفق الغرفة الخرافي.. لبها
غريق في بحار الضياع.. لا ميناءترسو فيه سفنها.. لا قرار
لطفلتها، لا غاية لا مصير.. انها الصخرة التي حكم عليها بان
تعود لرفعها الى اعلى الجبل كلماتدحرجت الى بطن الوادي..
يداها لا تكفان عن العبث بكل شيء في الغرفة.. قدماها لا
تتوقفان.. كيانهاحركة مجنونة وافكار محمومة وعويل طفلة».
«وهنا تعثرت بشيء ما.. لم يكن هذا الشيء سوى عباءتها المرمية
باهمال على طرف سريرها». نحن امام مشهد نفسي ممزق لفتاة تعاني من عقدة قديمة، افرزها فقدان الام واهمال الاب.. وهذه الفتاة محجبة، ولكن الحجاب مفروض عليها، الاسرة التي تعيش فيها ـ يعني خالتها ـ لم تفرض عليهاالحجاب..نحن امام مازق، هل هناك ضغط من التقاليد مثلا؟ ثم من الذي فرض عليها الحجاب؟!
الحجاب هو المشكلة اذ؛ لانه غطى على جمالها واءنوثتها
وحرمها من الزواج وقد ناهزت العقد الثالث.
وبالرغم من ان المشهد الاخير ينتهي بزواجها، ولكن القصة
بسياقها العام تؤكد سلبية البطلة.
فهناك ربط تعسفي بين طاعة فاطمة الله وبين حرمانها من
الزواج بسبب الحجاب او غيره.
ونركز هنا فقط على هذه النقطة، ما هي الضرورة بين وجود
فتاة تعاني من بعض العقد وبين حجابها وتدينها؟
في الحقيقة هناك نظرة متخلفة وازدواجية، ولنكن صريحين
في التعبير حتى لا نقع في اسرالتصورات الخاطئة، هذه
التصورات التي تشوه الاصل الجذاب والجميل، كما هي الحال
في صورة زينب بنت علي آ«ع 59»2 شقيقة سيدنا الحسين(ع).
فبالرغم من ان التاريخ يسجل لها بطولتها النادرة في كربلاء،
وبلاغتها التي ذكرت سكان الكوفة بمؤسس البلاغة في دنيا
العرب الامام علي بن ابي طالب(ع)، وبالرغم من موقفهاالخالد
امام يزيد سلطان الشرق الاوسط آنذاك فانها تخاطبه قائلة:
«ولئن جرت علي الدواهي، يا يزيد، مخاطبتك، اني لاستصغر
قدرك».
هذه المراة العظيمة جعلت منها التصورات والموروث الشعبي
رمزا للشؤم والمصائب والاسر والذل، بحيث نرى بعض
المجتمعات الاسلامية((220)) التي تنوح كل عام،
وتذرف الدموع من اجلها، تترددفي تسمية بناتها بهذا الاسم
الكريم، فنجد تخوفا وتوجسا على بناتهن من ذلك
المصير المؤسف.
لذا ينبغي تحرير الرؤية الاسلامية من الموروث الشعبي
المتخلف، كما يجب التعبيربصراحة ووضوح.
انه من التعسف ان تختار فاطمة، في القصة، الحجاب ثم تلعنه،
او يفرض عليها ثم لا تقاومه بشجاعة وصراحة. الفقر
ان فكرة مثل الفقر، ايضا، يمكن توظيفها في الكتابة والانتاج
القصصي، ولعل احد اسرارنجاح الكاتب الانجليزي تشارلز ديكنز
هو انه كتب قصصه في اجواء ثقافية كانت تنظر الى الفقر
والفقراءبوصفهما مصدراربيئة للرذيلة والجريمة. ولكن ديكنز
حطم هذه التصورات التعسفية، لينقل من عالم الفقراءوالبؤساء
باقة من العواطف والنبل الانساني لا توجد لدى سكان القصور
وابناء المجتمع المخملي.
فالفقر، في الكتابة الاسلامية، ينبغي ان يكون ميزة في حياة
الانسان المسلم، والفقر المعنوي اسوا بكثير من الفقر المادي،
بل ان مصداق الفقر الحقيقي هو الفقر الروحي.
الفقر مؤشر على اللاعدالة في المجتمع، الفقر يفتح نوافذه على
الكفر. لكنه في المقابل ليس دليلا كافيا على ارتكاب الجريمة،
كما انه لا يعد مسوغا كافيا ايضا لحركة الجهاد والنضال. مع
التاكيد على «اسلمة»المعالجة لاي موضوع كان. فعلى سبيل
المثال، موضوع التوبة، وهو من المواضيع الاسلامية التي
يجب الا تطرح بطريقة لا اسلامية تجعلها على غرار الاعتراف
امام القس، او حتى بطريقة الانتقاد الذاتي امام الآخر.
الحب...
وهكذا مسالة الحب والانسان والدين، فقد رويت عن ائمة اهل
البيت(ع)احاديث تفيد بان الدين هو الحب: «هل الدين الا
الحب»((221)).
فالحب جوهر الانسان الذي يواكبه ويتطور معه منذ الطفولة.
الطفل يحب اءمه واباه،وبعدهما اءخته واخاه، وبعدهما اصدقاءه،
وفجاة يحدث تحول في مشاعره تجاه اترابه من الجنس الخر
في محاولة للتكامل.
الحب، في القصة الاسلامية، ليس شهوانيا وليس افلاطونيا في
الوقت نفسه، يجب التعبيرعن الحب في اطار اوسع من الحب
الالهي بحيث يعترف بانسانية الانسان وبشريته.. بغرائزه
ونوازعه الروحية،بحيث لايحدث انفصالا بين القلب والغريزة،
بين القانون الاخلاقي والقانون الطبيعي، مع تحقق كامل
لارادة الانسان.
ومسالة الحب تتسع بشكل مدهش لتستوعب الوجود باسره،
فالحكمة الاسلامية تفسرخلق الكون بالحب؛ لان الله لم يخلق
الوجود ليستعين به كما يصنع النجار سلما يرتقيه او كرسيا
يجلس عليه،ولم يكن خارجاعن ارادته وظلا له كما يصنع
احدنا الظل بمجرد وقوفه قبالة الشمس.
من هنا يمكن ان نتحدث عن خصائص القصة الاسلامية،
فبشكل عام يمكن القول: انه لاتوجد خصائص تنفرد بها القصة
الاسلامية فنيا، فالقصة الاسلامية تتالف من: فكرة واسلوب،
والفكرة هي الاخرى لا توجدقيود تحددها، ان اسلمتها تكمن
فقط في الزاوية التي ينظر من خلالها، وقد يبدو هذا
الكلام تكرارا، ولكنه مفيد في تعديل مسار البحث في خصائص
القصة الاسلامية واكتشاف ملامح الفن الاسلامي،وبخاصة
في الحديث عن الاسلوب.
وسنواجه، في هذا الصدد، ابعادا رئيسية ثلاثة هي:
وفي ما يخص البعد الزمكاني، فانه لا يشكل في القصة
الاسلامية ظرفا فقط، بل انه جزء لاينفك من القصة، وهو امر
ينسجم مع الفيزياء الحديثة ل «آنشتاين» من خلال الاعتراف
رسميا بالبعد الرابع،او «بعدالزمن»، وقد اكتشفت الفلسفة
الاسلامية هذا البعد في وقت مبكر على يد الفيلسوف المسلم
صدر الدين الشيرازي، الذي اعلن، من خلال نظريته في
«الحركة الجوهرية»، ان الزمن بعد كمي للاجسام.
والبعدالرابع:«هو مقدار الطبيعة المتجددة بذاتها من جهة
تقدمها او تاخرها الذاتيين، وهو امر ممتد وكمي؛ ذلك ان
جميع الموجودات التي في العالم واقعة لذاتها في الزمان
والتغير، مندرجة تحت مقولة (متى)، كما انهاواقعة في
المكان مندرجة تحت مقولة (اين)، فالزمن بعد اصيل، وهو ليس
علة للحركة كما ان الحركة ليست علة له..»((222)).
ومن هنا تنفتح، امام القصة الاسلامية، آفاق واسعة جدا، تاخذ
الانسان بعيدا في اعماق الماضي السحيق، منذ بداية الخلق الى
المستقبل البعيد، الى عالم الخلود وذرى التكامل البشري.
وبعبارة أخرى: ان القصة الاسلامية توفر للمرء فرصة رائعة لان
يحقق سيادته على الدنيا بوصفه خليفة الله، لا ان يكون عبدا لها
محكوما بقوانينها خاضعا لاطارها الزمكاني المحدود.
وفي ما يخص البعد الخر وهو الحادثة فان الرؤية الاسلامية
تنظر الى الحوادث باعتبارها نتائج منطقية لعلاقات متشابكة
بين عناصر عديدة، ومن هنا ينبغي تصحيح رؤيتنا الى ما ورد
في القصص القرآنية من اعمال خارقة يقوم بها الانبياء لاثبات
رسالاتهم. وهذا لا يعني ان ننظر الى القصة الاسلامية
بوصفهاقصة غير واقعية، بل المطلوب اجراء تعديل حيوي عن
مفهوم الواقعية، فقصة مثل قصة اصحاب الكهف
التي تؤيدهاشواهد تاريخية واثرية، لا يمكن ان تحذف منها
عوامل غيبية قد تبدو غير منسجمة مع المنطق المادي الذي
هو افراز لحضارة ورؤية وثقافة ليست اسلامية.
فالواقعية، في النظرية الاسلامية، تعني الاعتراف الكامل بوقائع
الوجود باسره، وعدم شطب اي من مجالاته بحجة عدم توافر
ادوات استكشافه؛ لانه من التعسف ان ينكر الاعمى مثلا
وجودالشمس بحجة عدم رؤيته اياها.
وهناك ملاحظات فنية يتوجب على الكاتب الالتزام بها، وهي
انه ليس من اللائق ان تلاحق عدسته شخوص القصة الى
مشاهد تعد تجاوزا على الكرامة الذاتية والحرية الشخصية، كما
لا يجوز ايضا ان ينقل كلمات بذيئة تخدش الذوق الاخلاقي
بحجة وجود شخصية تافهة تتفوه بهذه الكلمات.
ان الحديث عن القالب الذي ينبغي ان تستخدمه القصة
الاسلامية يتطلب دراسة عميقة جدا لسورة يوسف في القرآن
الكريم، ومقارنتها بقصة يوسف التي وردت في التوراة. وهذا ما
لا يمكن بحثه في هذه الاثارات السريعة، ولكن يمكن الاشارة
الى بدايتها، اي برؤية الكواكب والشمس والقمر، وكيف ان
يوسف كان يشعر بان لتلك الكواكب شعورا وادراكا من خلال
قوله، كما ورد في القرآن: (اني رايت احد عشر كوكبا والشمس
والقمر رايتهم لي ساجدين)، وفعل «رايتهم» معروفة دلالته في
اللغة العربية.
وكيف تنتهي القصة بتفسير الرؤية العجيبة التي ظلت محفورة
في ذاكرة يوسف اكثر من عشرين سنة، اضافة الى دراسة التطور
المهم في الحوادث بعد رؤيا الملك والتوزيع الرائع في النور
والظلال والايقاع في التعبير.. هذا كله سوف يعيننا في اكتشاف
قالب القصة الاسلامية. من هو المخاطب في القصة الاسلامية؟
وهناك نقطة يمكن ان تكون ختاما لهذه الاثارات، وهي هاجس
الخطاب، فمن هوالمخاطب في القصة الاسلامية؟ ربما يبدو
للوهلة الاولى ان المسلمين هم المعنيون فقط بالخطاب
القصصي،ولكن الحقيقة هي ان خطاب القصة الاسلامية يمتد
ليشمل مساحات واسعة من العالم، بل يمكن ان يشمل العالم
باسره؛ لان الاسلام هو التفسير الارقى للانسانية، مع التاكيد
على نقطة اساسية، وهي ضرورة الاخذ بنظرالاعتبار
النسيج الثقافي للمجتمع، المتاثر بطبيعة الحال بعوامل
تاريخية وجغرافية وعوامل بيئية اخرى لاعلى اساس منح
محورية كاملة، وانما في اجراء ما يمكن التعبير عنه بعض
«الرتوش» الحيوية في تكوين القصة ونسيجها. أ. عبدالله نصرى تقسم الاحكام الاسلامية الى اقسام ثلاثة: أ ـ احكام اولية
اقتضت حكمة الشارع ان تكون جميع الاحكام الصادرة عنه
مبنية على المصالح والمفاسد الفردية والاجتماعية. فالشارع
يجعل حكم «الوجوب» لما كن فيه مصلحة تستدعي تحقيقها
للمكلف، وحكم «الحرمة» لماينطوي على مفسدة تستوجب
صيانة المكلف عنها، ومثال الاول وجوب الصلاة ووجوب
الصوم، ومثال الثاني حرمة الخمر وحرمة اكل لحم الخنزير. وقد
اطلق الفقهاء على هذا النوع من الاحكام الاحكام الاولية،وعلى
موضوعاتها بالعناوين الاولية. ب ـ احكام ثانوية
وهي الاحكام التي تترتب على الموضوع في ظرف عروض
العجز على المكلف، من اضطرار او اكراه وغيره، عن امتثال
الحكم الاولي. ويطلق على هذا النوع من الاحكام الاحكام
الثانوية، وتسمى موضوعاتها بالعناوين الثانوية. وتترتب الاحكام
الثانوية في حالات وظروف استثنائية اهمها: 1 ـ العسر والحرج: فاذا ادى الالتزام بالحكم الاولي الى عسر وحرج شديدين،ترتب الحكم الثانوي الذي يوقف فاعلية الحكم الاولي. وقد استدل الفقهاء على ذلك بعدة آيات منها: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) [البقرة/185]. 2 ـ الاضطرار: وهو ان يضطر الانسان لفعل مخالف للحكم الاولي، كما لو تغيرالحكم الاولي بالحرمة الى اباحة بالعنوان الثانوي. واستدلوا على ذلك بآيات من الكتاب منها: (انما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا أثم عليه) [البقرة/173]. 3 ـ الضرر والضرار: وهو ما اذا ادى الامتثال للحكم الاولي الى ضرر النفس اوالاضرار بالغير. وتدل عليه جملة من اليات منها قوله تعالى: 4 ـ التقية: وهو ان يخاف المكلف على نفسه او ماله او عرضه التلف ان هو امتثل الحكم الاولي. وقد دل عليه قوله تعالى: لايتخذون 5 ـ الاهم والمهم: فلو كان الحكم الاولي مهما، ثم طرا ما هو اهم منه واولى، قدم الاهم على المهم، وعطل بذلك الحكم الاولي، كما لو توقف انقاذ غريق على ترك الصلاة مع ضيق الوقت لوجب ذلك، لاهمية انقاذ النفس المحترمة. وقد بحث اكثر الفقهاء هذه المسالة في باب التزاحم.6 ـ حفظ النظام العام: فان لولي الامر ان يعطل حكما اوليا بحكم ثانوي اقتضاه حفظ النظام العام، يقول الامام الخميني في هذا الشان: «ان الحكومة التي هي فرع من ولاية رسول الله(ص) المطلقة، من احكام الاسلام الاولية، ومقدمة على جميع الاحكام الفرعية، حتى الصلاة والصوم والحج. فانه يحق لولي الامر هدم مسجد او مسكن اذا كان معوقا لطريق عام». الفرق بين الحكم الاولي والثانوي 1 ـ الحكم الاولي هو الاصل والثانوي فرع، فلا يصار الى العمل بالحكم الثانوي الا بعد العجز عن امتثال الحكم الاولي.
2 ـ الحكم الثانوي يقع في طول الحكم الاولي لا في عرضه،
فمتى ما عجز عن امتثال الحكم الاولي تحقق موضوع الحكم
الثانوي. |