الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

3 ـ الاحكام الاولية ابدية، بينما الاحكام الثانوية مؤقتة. حيث تفيد الاحاديث الشريفة ان الاحكام الاولية باقية ابدا الى يوم القيامة، كما في قوله(ع): «حلال محمد حلال ابدا الى يوم القيامة، وحرامه حرام ابدا الى يوم القيامة».

وللاحكم الثانوية دور مهم في الشريعة الاسلامية، فهي تمثل عامل مرونة يمنح الشريعة القدرة على مواكبة الظروف المتغيرة على الصعيدين الفردي والاجتماعي.

ج ـ الاحكام الولائية

الاحكام الولائة هي القرارات التي يتخذها ولي امر المسلمين تحقيقا لمصلحة المجتمع المسلم. وهذا اللون من الاحكام تابع لظروف المجتمع ورهن بها، ومن هنا فهي قابلة للتغيير اذا ما اقتضت ظروف اخرى مغايرة ذلك. وقد قدمت تعريفات عدة للاحكام الولائية منها:

«الاحكام الولائية عبارة عن الاوامر الجزئية، وسن القوانين والقرارات العامة، وتنفيذالاحكام والقوانين الشرعية في مجال القضايا الاجتماعية، من قبل قائد المسلمين الشرعي، استنادا الى شرعية قيادته واشرافه على المجتمع، وطلبا لمصلحة الامة».

يقرر هذا التعريف ما ياتي:
اولا، ان الاحكام الولائية تشمل الاوامر الجزئية، وسن القوانين والقرارات العامة، وتنفيذالاحكام الشرعية.
ثانيا، ان مصدر هذه الاحكام هو ولي الامر.
ثالثا، ان علة صدورها هو مصلحة المجتمع.

ويقول العلامة الطباطبائي في شان هذه الاحكام ايضا:
«الاحكام الولائية قرارات يتخذها ولي الامر في ضوء قوانين الشريعة، مع مراعاة موافقتهاللمصلحة النية، وسن قوانين وفاقا لها وتنفيذها. وهذه القوانين واجبة التنفيذ ومعتبرة كالشريعة، لكنها تختلف عن احكام الشريعة في ان الاخيرة ثابتة وغير قابلة للتغيير، فيما الاحكام الولائية قابلة للتغيير وتابعة في ثباتها وبقائها للمصلحة التي اوجدتها، ولما كانت الحياة الاجتماعية في تحول دائم وتطور، كانت هذه القوانين تتغيروتتبدل بصورة تدريجية لتترك مكانها لما هو افضل منها».

فالملاك في الاحكام الولائية، اذن، هو مصلحة المجتمع، اي ان الفقيه يقوم بوضع هذه القوانين عندما يرى فيها مصلحة للمجتمع. وقد قيل بوجود علاقة بين الاحكام الولائية والاحكام الاولية اوالثانوية، فقد ذهب بعضهم الى اعتبارها من سنخ الاحكام الاولية، يقول الامام الخميني:

«ولاية الفقيه والاحكام الولائية من الاحكام الاولية».

ويرى ناصر مكارم الشيرازي ان الاحكام الولائية تقع في طول الاحكام الاولية والثانوية، فهي تختلف عن كلا هذين النوعين. فالفقيه مكلف باصدار الاوامر بتنفيذ كلا القسمين وفاقا للمصالح والظروف. وبكلمة: ان الاحكام الولائية عبارة عن احكام تنفيذية: «الاحكام الولائية احكام اجرائية وتنفيذية، لانها مقتضى طبيعة مسالة الولاية، وانها ترجع دوما الى تشخيص الصغريات والموضوعات وتطبيق احكام الشرع عليها، وتطبيقها على احكام الشرع».

اما عباس عميد الزنجاني فيذهب الى ان الاحكام الولائية مرتبطة بالاحكام الثانوية. فالفقيه يسبغ صفة الالزام الولائي على الاحكام الثانوية في ما يجد فيه مصلحة. فبين الاحكام الولائية والثانوية نسبة العموم والخصوص من وجه؛ حيث ان بعض الاحكام يقع مصداقا مشتركا لكلا النوعين (الولائية والثانوية)، وهي الاحكام الثانوية المتعلقة بشؤون الحكم، من دون ما لا علاقة له بذلك. وهذا يعني ان الاحكام الولائية قسيمة للاحكام الاولية والثانوية، وليست قسما من اقسام اي منها.

ان فتوى الميرزا الشيرازي كانت من قبيل الاحكام الثانوية، لانه اصدر فتواه بعد ان ادرك ان معاهدة رجي تحمل في طياتها اضرارا جسيمة للاسلام واهله يتعذر تلافيها.

ويقسم الدكتور ابو القاسم الكرجي الاحكام الى نوعين اولية وثانوية، ثم يقسم الاولية بدورها الى قسمين ايضا، خاصة وعامة:

1 ـ الاحكام الاولية:
ا - احكام خاصة.
ب - احكام عامة.

2 ـ الاحكام الثانوية
وموضوع الاحكام الثانوية هو موضوع الاحكام الاولية نفسه مقيدا بعروض عنوان ثانوي من قبيل الاضطرار والاكراه ونحوهما. وموضوع الحكم الخاص هو الفرد او موضوع خاص، اما الحكم العام فموضوعه يتعلق بالمجتمع. فالاحكام الخاصة تابعة للمصالح الخاصة بالفرد، والاحكام العامة تابعة لمصالح المجتمع.

ويرى ان الاحكام الولائية مشروطة بشروط ثلاثة:
1 - مراعاة المصالح العامة.
2 - توفير القسط والعدل.
3 - عدم التفريط باهداف الشارع المقدس ومقاصده.

خصائص الاحكام الولائية

1 ـ ان ملاك الاحكام الولائية هو المصلحة، والذي يشخص هذه المصلحة هو الحاكم. اماالاحكام الاولية فانها، وان كان ملاكها المصلحة ايضا، الا ان تشخيصها بيد رحاد المكلفين. والافراد قد يقدرون على اكتشاف «حكمة» الحكم، وربما «علته» ايضا. اما في الاحكام الولائية فقد يستعين الولي بالعقل البشري واستشارة الخبراء.

2 ـ ان الاحكام الولائية مؤقتة وقابلة للتغيير، على العكس من الاحكام الاولية. ويمكن القول:ان الاحكام الولائية نحو قضايا خارجية، في حين ان الاحكام الاولية نحو قضايا حقيقية.

3 ـ تتعلق الاحكام الاولية بالشان الفردي وكذلك الاجتماعي، فيما تتعلق الاحكام الولائية بالشان الاجتماعي. فالحاكم الاسلامي يصدر الحكم الولائي بوصفه مديرا للمجتمع وبهدف ادارة المجتمع. كمالو امرالحاكم بجباية الضرائب او اصدر امرا بالحرب او الصلح او عزل مسؤولي الدولة او نصبهم.

4 ـ الاحكام الولائية نافذة على الجميع، ولا يطاع غير الحاكم في هذا النوع من الاحكام، فيمايرجع المقلدون في الاحكام الاولية كل الى من يقلده من الفقهاء، ولا يجوز الرجوع في الاحكام الولائية الى غيرالحاكم.

5 ـ قد تتعلق الاحكام الولائية بتنفيذ الاحكام الاولية والثانوية، كالامر بجباية اموال الزكاة واقامة الحدود ونحوها.

6 ـ عندما يقع التعارض بين الاحكام الاولية والولائية، تقدم الاحكام الولائية من باب تقديم الاهم على المهم.

7 ـ ان الاحكام الاولية مباشرة، بمعنى ان الفقيه يقوم باكتشاف الحكم الاولي الذي اراده الشارع، وبذا فهي احكام الهية مباشرة. اما الاحكام الولائية فتنسب الى الشارع بالواسطة، لان الشارع هو الذي فرض طاعة اوامر ولي الامر، فتكون نسبتها الى الشارع بوساطة وجوب طاعة ولي الامر. بتعبير آخر: ان الاحكام الولائية ليس مجعولة مباشرة من قبل الشارع. اما قول العلامة الطباطبائي: ان الاحكام الولائية لا تسمى شريعة،فربما قصد به الى ان الحكم الولائي لا يعد حكما شرعيا، الا تبعا لامر الحكومة الشرعية.
«ان الاحكام والقوانين التي يصدرها الولي في المجتمع الاسلامي، قابلة للتغيير بصورة عامة، فبقاؤها وزوالها رهن بالمصلحة، لذا فهي لا تسمى شريعة، وليست مسالة الولاية والحكومة كذلك».

8 ـ وقد وقع الاختلاف في شان حدود الاحكام الولائية، فيذهب الشهيد محمد باقر الصدرالى ان صلاحيات الحاكم الاسلامي محدودة بالمباحات، فللولي الفقيه ان يمنع مباحا او يوجبه حسب مقتضى الضرورة، اماالحرمة او الوجوب فليس له تغيير شيء منها، كان يبيح الربا الذي حرمه الشارع، فليس لامر الولي ان يتعارض مع احكام الله. اما الامام الخميني فيرى، خلافا للشهيد الصدر، ان للاحكام الولائية القدرة على التصرف بالاحكام الاولية، لانها مقدمة عليها.

تغير الاحكام

ثمة عدد من العوامل تؤثر في الاحكام احيانا لتغيرها، فتاثير عنصري الزمان والمكان، في تغيير الاحكام، امر لا يمكن انكاره. وتشكل هذه الخاصية عنصرا مهما في تكييف الاسلام مع متطلبات الزمان واستجابة الدين للظروف المتغيرة. ومع ان الحديث التي يقرر ابدية احكام الشريعة، الا هناك جملة عوامل تدخل في عملية تغيير الحكم الشرعي.

«حلال محمد حلال ابدا إلى يوم القيامة، وحرامه حرام ابدا الى يوم القيامة».

نتعرف أولا على عدد من المصطلحات المتعلقة بهذا الموضوع، ثم نتناول بعد ذلك آليات هذا التغيير:

1 ـ موضوع الحكم: وهو «مجموع الاشياء التي تتوقف عليها فعلية الحكم المجعول، فوجود المكلف المستطيع يكون موضوعا لوجوب الحج، لان فعلية هذا الوجوب تتوقف على وجودمكلف مستطيع».

2 ـ متعلق الحكم: وهو فعل المكلف الذ يقع متعلقا للحكم، بكلمة اخرى: ان متعلق الحكم هو الفعل الذي حمل الحكم عليه، وتعلق به. كالصلاة بالنسبة لوجوبها، والغيبة بالنسبة الى تحريمها.والفرق بين المتعلق والموضوع ان الاخير لا يجب على المكلف تحصيله، في ما يكتسب متعلق الحكم فعليته اذا تحقق موضوعه.
«اما متعلق الوجوب فهو الفعل الذي يؤديه المكلف نتيجة لتوجه الوجوب اليه، وهو الحج في هذا المثال».

3 ـ الحكم: «هو التشريع الصادر من الله لتنظيم حياة الانسان». ويعرفه السيد ابو القاسم الخوئي بقوله: «فالحكم عبارة عن اعتبار نفساني من المولى».
ويرى الشهيد الصدر ان «الخطابات الشرعية في الكتاب والسنة مبرزة للحكم وكاشفة عنه،وليست هي الحكم الشرعي نفسه»، وان الحكم عبارة عن حقيقة تدل وتكشف عنها صيغتاالامر والنهي ومادتاهما مع القرينة او من دونها، كالوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة في الاحكام التكليفية،والصحة والبطلان في الاحكام الوضعية كالملكية والزوجية. فالحكم في قوله تعالى (اوفوا بالعقود)هو الوجوب الذي دلت عليه صيغة فعل الامر «اوفوا». كذلك عندما يقول الشارع ان تناول الدم حرام، فذلك يعني ان:
الموضوع = عنوان الدم
الحكم = الحرمة
المتعلق = التناول (الاكل او الشرب)
المصداق = الدم الموجود في الخارج

وفي مثال وجوب الحج على المستطيع:
الموضوع = المكلف المستطيع
المتعلق = الحج
الحكم = الوجوب

والتغيير في الموضوع ينتهي بتغيير الحكم، لان:
اولا، كل حكم متوقف على موضوع خاص.
وثانيا، ان لبعض الموضوعات قيودا خاصة.
ثالثا، ان الحكم يدور مدار موضوعه، فلو طرا تغيير في قيود الموضوع لادى ذلك الى تغيرالحكم نفسه.

ويتغير الموضوع بالعوامل التية:

1 ـ استحالة الموضوع: يساعد عنصرا الزمان والمكان احيانا على حدوث تغيرداخلي في الموضوع، وهو ما يعرف عادة بعملية الاستحالة. اي تحول الموضوع الى موضوع جديد لا ينطبق عليه حكم الموضوع السابق. مثال ذلك، تفتت الكلب واستحالته الى ملح اذا بقي جسده في مستنقع ملحي مدة كافية، فالملح المتبقي من جسده لا يحكم بنجاسته، لان حكم النجاسة كان منصبا على الكلب وقد استحال الى شيءآخر.

2 ـ التغير في قيود الموضوع: اذا تغيرت قيود موضوع ما وخصائصه مع مرورالوقت، فذلك قد يؤدي الى تغير في الحكم. فالتغير في القيود يخرج الموضوع من نطاق علية حكمه الخاص، وينتقل الى حكم آخر،كتغير حكم الشطرنج من الحرمة الى الحلية، بسبب خروجه من عنوان القمار. فلواستعمل الشطرنج بوصفه آلة للتقامر لاصبح حراما، اما لو استعمل بوصفه آلة فكرية وخرج عرفا عن كونه آلة من آلات القمار،لتبدل حكم الحرمة وحكم بجواز اللعب به. وبهذا يتوقف جواز اللعب بالشطرنج على العوامل التية:
أ ـ خروج الشطرنج عرفا عن كونه آلة من آلات القمار.
ب ـ عدم وجود رهان في اللعب.
ج ـ ان تترتب عليه منفعة عقلية محللة.

وشبيه بذلك قضية التماثيل، فقد حرمت صناعة التماثيل في صدر الاسلام لان عرب الجاهلية كانوا ينحتون الاصنام ليعبدوها، وبما ان الناس اليوم لا يبغون عبادة ما ينحتونه بايديهم، فقد افتى بعض الفقهاء بجوازالنحت وصناعة التماثيل. يقول ضياء الدين العراقي في شان تغير قيود الموضوع:

«لان موضوع الاحكام الكلية انما هو المفاهيم الكلية، وباختلاف القيود وتبدل الحالات، يختلف المفهوم الماخوذ موضوعا للحكم».

3 ـ التغير في قيمة الموضوع: فقد يتحقق الحكم اذا كان الموضوع ذا قيمة معتدبها، وبذا يزول الحكم فيما لو فقد الموضوع قيمته. فلا يصح بيع قالب من الثلج وشرائه في المناطق القطبية لاسيما في فصل الشتاء، اذلا قيمة للثلج عندما يكون وفيرا في كل مكان، والمعاملة عليه باطلة شرعا، لكنها قدتكون صحيحة اذا حل فصل الصيف وذاب الثلج وقل وجوده واكتسب قيمة شرائية يعتد بها العقلاء.

4 ـ التغير في المصداق: يؤدي تغير المصداق الى تغير في الحكم في الحالات التي كان الشارع قد اخذ في الحكم التشخيص العرفي. فالنفقة الواجبة على الزوج، يتولى عرف منطقة سكن الزوجين تحديد مقدارها ومصاديقها. فقد يعد شيء ما من النفقة في منطقة، ولا يعد كذلك في منطقة أخرى. وهكذا الامر مع الزكاة، فهل للاشياء التسعة موضوعية في وجوب الزكاة او ان الموضوعية هي للجامع الذي هوكون الشيء سلعة معروفة. ويرى بعض الفقهاء ان المصاديق قد تغيرت، فمع ان عقد التامين لم يكن متعارفا بين الناس في الماضي، غير ان الفقهاء قد استدلوا بعموم قوله تعالى (اوفوا بالعقود) على شرعية عقد التامين ووجوب الالتزام به. والتغير في الاحكام لا يتم دوما بتغير الموضوعات، فهناك عوامل أخرى قد تؤدي الى تغير الاحكام ايضا، وهي:

1 ـ وضع المكلف: تتوقف فعلية بعض الاحكام على عناوين محددة، فلا يتحقق الحكم الا اذا عرض العنوان عليه. كالاحكام الثانوية التي تتوقف على عناوين كالاضطرار والاكراه والعسر والحرج وامثالها.
والاحكام الثانوية متوقفة على وضع المكلف وظرفه، فالتكليف الواجب على المكلف في الظرف العادي يرتفع مع الحرج والضرر.

2 ـ الاولوية في الامتثال: حيث يقدم الحكم الاهم على المهم في حالات التعارض بين الاحكام.

3 ـ الاحكام الولائية: تتغير الاحكام الولائية لكونها نابعة من ظروف الزمان والمكان. فالحكم الولائي يتغير ما اذا تغيرت ظروف الحياة الفردية واحتاج المجتمع الى قانون جديد.

اطروحة المثاقفة المحجوبة!
قراءة في كتاب: «الاتجاهات الثقافية...» لبشيرالتليسي((223))

هاشمية رسلان

قد تكون سمة المفارقة والغياب احدى مشكلات العلاقة التبادلية بين ثقافتي المغرب والمشرق العربيين. واذا كانت هذه السمة قدظهرت الى حقل الملاحظة في سياق الجدل الثقافي المعاصر، فذلك لان التواصل على الصعيد العالمي بلغ تلك النقطة التي لم تعد المسافات فيها واضحة في عمليات المثاقفة. وهو الامر الذي يضاعف من اهمية تكثيف البحث العلمي والمعرفي بين المشرق العربي ومغربه، بغية الوصول الى مناخ يقرب المسافات، ويقلل من حال التفاوت ضمن عالم يفترض بداهة ان يكون واحدا.

ما فعله الباحث والمؤرخ الليبي بشير رمضان التليسي يندرج في سياق هذه المهمة. والكتاب الذي صدر له مؤخرا عن دار المدار الاسلامي تحت عنوان: «الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الاسلامي»يقطع شوطاوازنا في استدراك الاشكال المعرفي الحاصل بين مشرق العالم العربي ومغربه. ومع ان الباحث يحصر دراسته المرجعية خلال مرحلة تاريخية بعيدة، تعود الى القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، فهو بهذا يملأ فراغا معرفيا كان ينبغي ان يملا، من اجل تحقيق التواصل المفقود.

يعالج هذا الكتاب تكون الوعي السياسي والثقافي في بلاد المغرب في خلال تلك المرحلة المشار اليها. والى هذا يبحث في الاتجاهات السياسية والثقافية من خلال كشف طبيعة العلاقة بين المشرق والمغرب على المستوى الثقافي، وما هي اهم مؤسسات البناء الثقافي في ظل الدول التي تعاقبت في هذه المرحلة (من الدولة العبيدية في تونس، الى امارة بني رستم في تاهرت، الى امارة بني مدرار في سجلماسة).

بالاضافة الى هذه المحطات، يجيب المؤرخ عن جملة من الاسئلة منها:
ـ كيف بدات الدعوات السرية؟ وما هي اهم العلوم والمعارف التي يتمحور حولها البناءالثقافي؟
ـ كيف انتقل من الشرق الى الغرب الاسلامي، مع تعددية اختلاف وجهات النظر، وكيف انقسم الخوارج؟
ـ كيف كان يتم اعداد الدعاة فكريا، واين كانوا يتلقون دروسهم، وما هو دور الخلفاء في ذلك؟

خريطة البحث التاريخي

عمد الباحث، في رحلته التاريخية ر المعرفية، الى الجمع بين منهج اكاديمي واضح المعالم والتحليل التاريخي للاحداث.

فالدراسة حظيت بمناقشات مستفيضة في الجامعات والمعاهد المغاربية المتخصصة، حتى ليمكن اعتبارها واعتمادها مرجعا مهما لتلك الحقبة من التاريخ العربي الاسلامي في منطقة المغرب العربي. ولذلك فقد كان الباحث التليسي حريصا على وضع خرايطة علمية للبحث، وزعها على ستة فصول جاءت على الشكل الآتي:

ـ جرى تخصيص الفصل الاول لمعرفة الاتجاهات والقواعد السياسية والثقافية في بلادالمغرب اواخر القرن الثالث الهجرير التاسع الميلادي.

ـ الفصل الثاني خصص لمعرفة الاتجاهات السياسية في ظل المتغيرات التي حدثت في بلادالمغرب بعد قيام الدولة العبيدية وتصدي الامويين في الاندلس لها ومواجهتها، مستخدمين من «زناتة» اداة لتحقيق ذلك، وبالمثل قام العبيديون باستخدام «صنهاجة» للغرض نفسه، وبذلك اذكوا نار القبلية بين القبيلتين طوال القرن الرابع الهجري.

ـ الفصل الثالث يتناول تاثيرات المشرق في الحياة الثقافية للمغرب من حيث المذاهب والعلوم الدينية والادبية والعلوم الطبية وغيرها، وعلاقة مدن المغرب وعلمائها بنظرائهم في المشرق والاندلس.

ـ الفصل الرابع جرى تخصيصه لدراسة الوضع الثقافي في بلاد المغرب في ظل العبيديين، ثم «بني زيري» الذين سيطروا على معظم اجزائه، مركزين في الاساس على الادب الذي استخدم لتحقيق اغراض مذهبية، وفاقا لاتجاهات واستراتيجيات سعى العبيديون الى تحقيقها من دون التركيز على بقية العلوم التي تناولها الفصل السادس.

ـ الفصل الخامس يركز البحث فيه على مؤسسات البناء الثقافي في بلاد المغرب، وذلك باستعراض دور كل من الكتاب، او المكتب، في تعليم النش ء، ثم المسجد في مرحلة لاحقة، من دون ان ننسى اهمية المؤسسات الثقافية الاخرى، كالربط، ومنازل العلماء، وقصور الخلفاء، وآثار التعليم في هذه الاماكن والاحياز في تكريس الاتجاهات الثقافية.

ـ اما الفصل السادس والاخير، فقد خصصه المؤلف للحديث عن المعارف والعلوم التي يتمحور حولها المجال الثقافي في بلاد المغرب، محاولا القاء الضوء على كل صنف معرفي، كعلم القراءات وعلوم القرآن، وعلم الحديث، والتاريخ، والجغرافية، والفلسفة، وعلوم اللغة والنحو، واثر كل علم من هذه العلوم في الاتجاه الثقافي للنابغين في كل صنف معرفي. والى هذا، فقد جرت الاشارة الى ازدهار العلوم التطبيقية في بلاد المغرب، واثرها في الحياة العامة، كعلم الطب، والصيدلة، وعلوم النبات والحيوان، وعلم الهندسة.

ولا يفوتنا أن نلاحظ، هنا، استخدام المؤلف مصطلح «العبيديين»، ومن ثم مصطلح «الدولة العبيدية»، ما يعني أنه يتبني التهمة التي حاول العباسيون إلصاقها بـ«الفاطميين» و«الدولة الفاطمية»، وهي ادعاؤهم النسب الفاطمي، وهذه التهمة، كما هو معروف، لم تثبت، بل علي العكس، تبين أنها «مختلقة»، وكان من الحري بالباحث أن يكون أكثر دقة في استخدام مصطلحاته، وإن كان مقتنعاً بصحة ما يستخدمه فمن أصول البحث العلمي أن يثبت هذه الصحة ومسوغات اختياره هذا المصطلح الخلافي الذي يمثل وجهة نظر عفا عليها الزمن.

خصوصية الاسلام المغاربي

قد تكون المسالة الاهم التي يستنتجها قارى التليسي هي سعيه الى جلاء خصوصية الحضور الاسلامي في المغرب العربي. وهذه المسالة شكلت الاطروحة التي اشتغل عليها الباحث ليقدم لنامحاولته المرجعية هذه. فلقد وجدت الثقافة الاسلامية طريقها الى بلاد المغرب منذ الايام الاولى للفتح. ولانه فتح جاء بكتاب جامع، فهو كتاب لغة، وبلاغة، وفقه، وقانون، ونظام اجتماعي. وبه سيدخل المغاربة الى دين الله أفواجا.

على ان انتشار الثقافة، في انحاء البلاد المغربية كافة، قد استغرق زمنا طويلا بالرغم من جهود الاوائل من الفاتحين الذين لقنوا المغاربة، وعلموهم امور دينهم، وذلك لاسباب سياسية في الغالب كما يشير التليسي. غير انه مع استقرار المسلمين اندمج المغاربة واختلطوا مع الفاتحين، فاستوعبوا مبادى الدين الحنيف، واندمجوا في الحياة الثقافية الاسلامية الجديدة، واستطاعوا بعد ذلك ان يكيفوا حياتهم بما ينسجم وتعاليم الاسلام.

وضمن هذا المنطق في حركة الزمن الاسلامي المغربي سوف نجد ان الخلفاء المسلمين كانوا حريصين على نشر الثقافة الاسلامية في البلاد المفتوحة. وها هو الخليفة عمر بن عبد العزيز (99 ـ 101 هـ) يحرص على ارسال بعثة تضم عشرة من التابعين سيكون لها تاثيرها الوازن في نشر الثقافة الاسلامية وتعميمها في بلاد المغرب بفضل المساجد التي اقاموها في افريقيا لهذا الغرض.

لكن المؤلف يعزو اسباب الاعاقة في حركة انتشار الثقافة الاسلامية في تلك المرحلة الى عدة اسباب اهمها:

ـ أن عدد العرب الفاتحين والمستقرين في بلاد المغرب كان قليلا اول الامر بسبب الظروف السياسية في المشرق.

ـ أن المغاربة كانوا حديثي عهد بالاسلام، وباللغة العربية التي هي لغة الثقافة الاسلامية.

ـ فقدان الامن والاستقرار في بلاد المغرب، اذ من دونهما لا يمكن للثقافة ان تنمو وتزدهر،وبخاصة انها كانت في اطوارها الاولى.

ومهما يكن من امر، فان ما يبينه المؤلف، من علامات فارقة في تشكل الثقافة الاسلامية، في مغرب القرن الرابع الهجري، يفيد انها تؤلف في مجموعها رؤية جد مهمة لتكوين مسار معرفي يعيد الوصل مع ثقافة المشرق العربي ومساراتها في ضوء الاسلام. ويمكن القول: ان التشكل الثقافي المغاربي في تلك الحقبة، وانغلب عليه الجانب المذهبي، لا يعدو كونه اساسا لغنى الثقافة المغاربية الاسلامية وتبلورها في ما بعد.ذلك ان العبيديين الشيعة الذين حكموا البلاد مدة من الزمن اسهموا في تنشيط وسائل العلم والمعرفة، ولم يهملوا هذا الجانب على الرغم من الشروط السياسية الشاقة التي زامنت سيادتهم السياسية والثقافية.

السنة: دورها ومكانتها في الفكر الاسلامي
قراءة في كتاب «تدوين السنة» لابراهيم فوزي

الشيخ حيدر حب الله

مدخل

يبدو موضوع تدوين السنة، اليوم، بالغ الاهمية على ضوء مناهج النقد التاريخي المعاصرة، كما يبدو تخطي القرن الاول للهجرة بوساطة اجابات نمطية ناجزة توحي بردم الهوة التي خلقتها السنة الشفوية لقرن كامل،ضربا من التعامي او التعمية لحقائق باتت اليوم اساسا مهما للدعوة لاعادة قراءة السنة النبوية عموما.

وفي هذا السياق، يتم كسر الطوق المضروب على السنة المنقولة، وتحطيم الحواجز النفسية المصطنعة حولها، ويؤسس لنقد مضموني للحديث تسوغه المرحلة المظلمة المجهولة من تاريخ الحديث، عنيت القرن الاول للهجرة، وهذا السياق نفسه اسهم الى حد كبير في ظهور نزعات حادة وبنيوية في العالم العربي والاسلامي، جعلت الحديث اكثر ضعفا واشد هزالا في واقعه التاريخي ومحتواه العلمي، فمن الشيخ محمدرشيد رضا واستاذه ومعهما محمد توفيق صدقي (والقرآنيون في الهند وباكستان)، مرورا بابي رية واحمد امين، وصولا الى حسن حنفي وقاسم احمد وآخرين، بدات حركات النقد الداخلي والخارجي للسنة المنقول في عملية تعرية شديدة ومكثفة لم يسلم منها احيانا النص القرآني نفسه.

وفي هذا الاطار، جاء كتاب «تدوين السنة»((224)) لابراهيم فوزي في العقدالاخير من القرن العشرين، ليطرق هذه الاشكالية، التي تنادي باعادة تكوين للعلاقة مع السنة، وتحديد دورهاعلى ضوء قيمتهاالمعرفية والعملانية اليوم.

وسوف نحاول ـ وبايجاز ـ استعراض نظرية الكتاب مسجلين في الختام تقييما اجماليالها.

نظرية الكتاب في قيمة السنة ودورها

يحاول الكتاب تكوين موقف علمي عملي من السنة المنقولة، وهذا ما يجعله كتابا هادفا لايحدد وضعا تاريخيا فحسب، بقدر ما يحاول اتخاذ مواقف قائمة على معايير، وتعتمد المواقف المتخذة ازاء السنة النبوية على اركان توزعت في ثنايا الكتاب، ولاحت انها الاساس الذي قام عليه.

ويؤكد الكاتب، في مجمل الكتاب، ان للسنة دورا ومكانة مختلفين عما هو لها الن، فمكانتهااقل، ودورها اكثر محدودية، وذلك لعوامل داخلية وخارجية استبطنتها في تكوينها، وعرضت عليها عبر التاريخ مشكلة ـ آوفاقا لما سيحاوله الكتاب ـ توليفة محكمة احاطت بها مخضعة اياها لتاثيراتها، واهم هذه التاثيرات:

1 ـ تعريف السنة
ثمة ضرورة، في البداية، لتعريف السنة، ذلك ان الشيء المفهوم في الوعي العام لهذه المفردة، هو كل ما جاء عن النبي(ص) من قول او فعل او تقرير، وهذا هو ما جرت عليه تصورات علماء الفقه واصوله، عداالمذهب الظاهري الذي اكتفى بالسنة القولية، كما هي الحال مع القرآن الذي لا يتشكل سوى من نص مقول((225)).

وتبدو محاولة الكتاب لصالح استبعاد السنتين: الفعلية والتقريرية، وهو ما نراه واضح الهدف،ذلك ان هذه المقولة تفرغ المجريات العملية التي سار المسلمون عليها في صدر الاسلام وكانت موافقة للاعراف الجاهلية...، تفرغها من القيمة التشريعية، فما هو سنة ليس الا قول النبي(ص)، اما فعله اوتقريره فلا يعدوان ان يكونا امرا مباحا للمسلمين آنذاك من دون ان يتخذ صفة التشريع الديني((226)).

وبهذه الطريقة، يرسم الكتاب في فصوله الاولى المسار العام له في الفصل الاخير الذي عقده لملاحظة السنة بعد تدوينها، محاولا تقري اهم ما فيها من تشريعات جنائية وعقدية واسرية وغيرها، وحينمانعلم مدى التركيز الذي عني به هذا الفصل الاخير في التاكيد على اتصال ما بين تشريعات اسلامية وموروثات العصر الجاهلي، فان الصورة المتكاملة ستبدو جلية، ذلك ان السير العملي للمسلمين وفاقا لاعراف الجاهلية لايساوق تقنينا اسلاميا ما دامت السنة حتى الن هي القول النبوي لا غير.

2 ـ السنة الملزمة
وتتلو ضرورة تعريف السنة حاجة اخرى ماسة ايضا، يثيرها هذا التساؤل: ما هي السنة «القولية» الملزمة؟

وفي هذا السياق، يحاول الكتاب ادخال عنصر جديد يفترض انه هو الذي يخلق او يسهم اسهاما جادا في خلق عنصر الالزام في السنة، وهذا العنصر هو الاعلان على الملا، فعندما يعلن النبي(ص) امرا تشريعيا ماعلى الملا، فسيغدو هذا الامر قانونا ملزما، اما عندما يكون الموقف النبوي جوابا عن تساؤل شخصي لاحد الصحابة غير معلن بصورة رسمية، فسيفقد حينئذ صفة الالزام((227))، وهذا هو الطبع العقلائي الانساني في سن القوانين، وبالتالي ستبدو امامنا ارتال كبيرة من اخبار الحاد غير ذات معنى او الزام حتى لو كانت سنة قولية.

3 ـ ظاهرة الخلط بين العبادات والمعاملات
وفي سياق السنة الملزمة ومجالها التقنيني، ثمة خلط اساسي اسهم في خلق ارباك في العلاقة مع السنة نفسها، وهو الخلط بين العبادات والمعاملات، اذ يذهب الكتاب الى ان العبادات ثبتت بالتواتروانه لم يقع خلاف فيها الا نادرا، ولذلك امكن الاخذ بالسنة فيها، اما المعاملات فلم تكن سوى اخبار آحاد غيرمعلنة لا الزام فيها((228)).

ويتصل هذا الخلط بين العبادات وغيرها، بخلط آخر بينهما، ذلك ان العبادات سلوكيات ثابتة زمانيا، الامر الذي تختلف فيه عن المعاملات القائمة على التحول والصيرورة، وهذا ما افضى الى تشوش كبير نتيجة سوق الطرفين مساقا واحدا من جانب رجالات الفقه الاسلامي((229)).

4 ـ ظاهرة النصوص عديمة الفائدة
ومن مجموع الافكار المتقدمة يبدو موقف الكتاب واضحا ومنطقيا ازاء ادراج كتب الحديث الكثير من النصوص التي لا علاقة لها بعقيدة ولا بعبادة ولا معاملة... مما يفيد المسلمين((230))،وتبدو هذه الفكرة مهمة بالنسبة للكاتب، اذ على اساسها سوف يتم التنازل عن عدد كبير من الاحاديث، انطلاقامن عدم جدواها العملي اليوم في حياة المسلمين، سواء صحت سندا ام لم تصح.

5 ـ حظر التدوين وتداعيات السنة الشفوية
وتوجد ظاهرة مهمة في تاريخ الحديث لا يمكن تجاهلها على الاطلاق، حيث امتدت قرابة القرن من الزمن، الا وهي منع تدوين السنة النبوية، وتبدي التحليلات التي خرج بها العلماء المسلمون، عبرالزمن، لظاهرة النهي عن التدوين هذه، والتي نسبت الى النبي(ص)، غير وتصور، بعيدا عن الجدل في تحديد تاريخ النهي النبوي، هل حدث في بداية نزول الوحي كما يقول الدكتور صبحي الصالح او بعد السنة السابعة للهجرة؛ حيث زاد اهتمام الناس بالحديث كما يرجح الكتاب نفسه((231)).

ويختار الكاتب من بين التحليلات ما يصفه بانه التحليل الموروث عن الصحابة والتابعين، وهو ـ استنادا الى نصوص لابي هريرة وابن مسعود و... ـ الحذر من ظهور كتاب الى جانب كتاب الله، في اشارة معرضة بالتوراة والانجيل((232))، وميزة هذا التفسير تاريخية، ذلك ان بقية التفاسير لظاهرة النهي لم تحظ بالعمق التاريخي؛ اذ ظهرت بعد عصر عمر بن عبد العزيز واعلانه الرخصة في تدوين السنة((233)). والنتيجة المنطقية، على اثر استبقاء هذا التفسير الوحيد، لن تكون ـ بعد استعراض نصوص تجويز الكتابة التي وصفت بالناسخة، واستعراض بعض ما كتبه الصحابة الى جانب كل تشددهم ازاء ظاهرة الكتابة حدا بلغ درجة التحريم ـ سوى التاسيس لرفض مرجعية السنة النبوية، مرجعية تماثل ما حصل لها بداية القرن الثالث الهجري وما بعدها مع الصحاح وغيرها، فالهدف من المنع كان افراد القرآن بالمرجعية، والهدف من التجويز كان الحفظ لا غير، سيما واننا نعرف انه لم يبق اثر لمدونات عصر الصحابة والتابعين الاولين بعد اتلافهم انفسهم لها((234)).

ومن هذا كله، يمكن فهم الخطوة التاريخية التي قام بها عمر بن عبد العزيز، فلم يرد هذاالخليفة الاموي اعادة تشكيل مرجعية السنة بقدر ما استهدف وقف تيار الكذب على النبي(ص)،في خطوة اصلاحية ترافقت وخطوته الاخرى في وقف سب علي(ع) على المنابر((235)) (وان ناقض هذا التفسير الذي يختاره الكاتب النص المشهور لعمر بن عبدالعزيز الذي ارسله الى واليه على المدينة، معللا خطوته بـ«خفت دروس العلم وذهاب العلماء»، وهو نص ذكره المؤلف نفسه، ص 69).

6 ـ ظاهرة الكذب والاختلاق
كانت ظاهرة الكذب، ومن دون ان تقل اهمية عن ظاهرة منع التدوين، هي الاخرى موغلة في التاثير على وضع السنة ومكانتها المعرفية و...

ثمة ما يدعو لدراسة اكثر عمقا وجدية لظاهرة الكذب، ودورها وتاثيرها في اتخاذ مواقف من السنة المنقولة، وقد جرت دراسات على هذا الصعيد، اسهم المؤلف في واحدة منها في الادلاء بدلوه، معللاظواهرالكذب على النبي(ص)باسباب عدة ترجع الى سلبيات نظام الحكم بعده(ص)، معتقدا عدم وجود نص في هذا الموضوع، كما يضم هذا العامل الى ظاهرة تدوين السنة وعدم وجود سلطة تشريعية منتقدااقصاءها لصالح مقولة الاجتهاد((236)).

وفي هذا السياق، تاتي ظاهرة المناقب والمثالب، اذ تختلف الاحاديث لصالح هذا الصحابي او ذاك الى حد ان تبلغ الحال درجة تقديس الصحابة، وتقع معركة حادة بين الامويين والشيعة((237)). وفي اطاراستعراض المؤلف نماذج من هذه النصوص عن الخلفاءالراشدين وفاطمة وعائشة والحسنين والعباس ومعاوية((238))، يسجل نقدا قويا على البخاري متهما اياه بعدم الحيادية ازاء علي واهل بيته((239))، وكذلك ينتقد ايراده نصوصا في مدح الحسن دون الحسين في خطوة تتناسب وعلاقتهما بالسلطة الاموية((240))، على خلاف بقية الكتب الحديثية((241))، وعلى السياق نفسه ايراد البخاري احاديث مناقب معاوية، متجاهلا عامر بن وائلة الكناني بعدم روايته عنه لاتهامه بالتشيع لعلي((242)).

وحاول الكتاب في سياق تحليله لظاهرة الدس والتزوير، استكشاف الدوافع التي ادت الى نشوئها وشيوعها، آتيا على ذكر ثلاثة منها بشكل رئيسي:

1 ـ دعم السلطات، وهو ما يفسر ظهور احاديث الطاعة للسلطان، وهي احاديث تناقض تصرفات امثال عائشة وطلحة والزبير ومعاوية وابن الزبير والحسين بن علي وزيد بن علي، الامر الذي يعسرتفسيره((243)).
2 ـ الترغيب في الزهد والعبادة((244)).
3 ـ اليهود المتاسلمون، الذين اختلقوا قصصا تناسب ما في التوراة وتعظم عظماءهم، كرواية رد الشمس ليوشع بن نون، ولم يتكشف امر هؤلاء الا بعد ترجمة التوراة الى اللغة العربية في عهد هارون الرشيد، وهكذادخلت الاسلام مقولات اليهودية والنصرانية في التشبيه والتجسيم والعلم الالهي و....

وبهذا اسهمت((245)) ظاهرة الكذب في المزيد من افراغ السنة من مرجعيتها.

7 ـ العلاقة بين القرآن والسنة
العنصر الآخر الذي اسهم في اضعاف مكانة السنة في النظام المعرفي الاسلامي، كان وقوع الحديث في الرتبة التالية للقرآن، ومن هنا تتاسس المعادلة القاضية بتقدم القرآني على الحديثي، وهذا التقدم يمثل احد اهم نماذج نقد المعنى في الحديث، وتتعاضد هنا مقولتان: احداهما: ان النهي عن تدوين السنة كان يراد منه التاسيس لمرجعية قرآنية متقدمة؛ الامر الذي يحيل مجال نسخ القرآن بالسنة، سيما اذا علمنا ان علم الناسخ والمنسوخ في هذا المجال ظهر مع الديناري (318 هـ) بعد تدوين السنة بقرنين((246))، وثانيتهما: الاختلاف الموجود بين الاحاديث وشيوع ظاهرة التعارض، الامرالذي يفسح في المجال للنص القرآني لتكوين مرجعية له في هذا المضمار
((247)).

8 ـ الآثر الاجتماعي السلبي للسنة
حاول الكتاب ـ وفي غير فرصة ومناسبة ـ التاكيد على الدور التفريقي للحديث في التاريخ الاسلامي، وقد اوحى الفصل الاخير منه بان الغرض من استعراض الاحكام المالية والجنائية والاسرية... هو لفت النظر الى ان الاختلافات التي وقعت بين الفقهاء والمدارس الفقهية كان مردها الى ظاهرة التعارض في الحديث و...((248))، وفي هذا السياق، يستعرض المؤلف سلسلة من الاعراف والتقاليدالجاهلية التي بقيت في الاسلام، وحصل خلاف فيها بين الفقهاء نتيجة اختلاف الحديث (ولو انهم تركواالحديث وادركوا ان المهم في الاسلام غير العبادي ضبط السلوك والتعامل بقوانين العدل والانصاف والاحسان وعدم الضرر اوالحرج او... دون اختلاق انظمة معاملاتية فقهية (ص 347)، لاعرضوا عن اعراف الجاهلية التي لا نص في اقرارها وانما سيرة عملية، وامثلة هذا النوع كثيرة ليس اقلها ان دية المراة نصف دية الرجل الذي كان معمولابه في الجاهلية((249))، والانقسام الاجتماعي الطبقي الى احرار وعبيد بحيث لا يقادحر بعبد((250))، وانه لا جمع بين قصاص ودية((251))، وان السرقة اخذ مال الغير سرا من حرز كماكانت تفهمه العرب((252))، وان للزواج حفلة علنية((253))، والرخصة في تزويج غير البالغين((254))، وان لا ولاية للام على بناتها((255))، وطبقات الارث وعامل قوة القرابة((256)) و...).

9 ـ من نقد السند الى نقد المتن
وبملاحظة ظاهرة التعارض بين الاحاديث، الى جانب معارضتها احيانا للقرآن الكريم، ينفتح الحديث واسعا امام اتجاه نقد النص من دون الاستغراق في نقد السند وحده، وهذه نقطة الضعف التي وقع فيها الفكر الاسلامي عموما مقسما الحديث بلحاظ سنده الى صحيح وضعيف، او باضافة «الحسن» كما فعل الترمذي((257)). وافضى النحو منحى الاسانيد، مع التغافل عن المضمون، الى سيول من الدراسات السندية عن صفات الراوي والتي تركز البحث فيها على صفات تمس عنصر النقل فحسب، كالوثاقة والعدالة والضبط و...، من دون((258))
تلك التي تمس عقل الناقل وفكره وافقه الذهني ومستوى الوعي والادراك عنده، ما اقصى رجال العلم والفكر عن الرواية، وادى في النهاية الى ظهور مستوى متدن من الروايات في الكتب الحديثية((259)).

وفي اطار السند وتجاهل المتن، تبدو مفارقات عدة ومسارات جرى عليها السلف:

أ ـ الخلاف القديم الذي يعود الى عصر الصحابة والتابعين حول النقل باللفظ او بالمعنى، والذي امتاز عبدالله بن عمر بن الخطاب، ومن بعده الشافعي، بالتشدد في النقل باللفظفيه.
كيف يمكن((260)) الاقرار بنقل لفظي، بعد قرن من منع التدوين؟ اليس من المنطقي الاخذ بالنظرية الثانية، والقول: ان نقولاتهم كانت بالمعنى، وما استنتجوه وفهموه من المضمون((261))؟

ب ـ ما هي الاسباب التي دعت البخاري وامثاله للرواية عن الخوارج ومناصبي علي العداء، من دون الشيعة او المتهمين بمشايعة علي كابن طفيل((262))؟ هل هذا ترجيح سندي اواقصاء على اساس لايمت الى السند بصلة؟

ج ـ التاسيس لنظرية عدالة الصحابة التي تخالف وقائع التاريخ، ولا تدعمها اليات القرآنية الواقعة في سياق الثناء على الجيل الاول في المراحل الاولى((263))، علاوة على الاشتباه الكبير في تعريف الصحابة تعريفا يناقض المدلول اللغوي للكلمة، ولا ينسجم مع حملات القرآن على المنافقين..((264)).

وقد ادت نظرية عدالة الصحابة الى وقف حركة نقد المتن كليا، على الرغم مما نقله للمسلمين (عن كعب الاحبار) ابو هريرة من نصوص ياباها العقل والمنطق والتاريخ في التجسيم وخلق الانبياءومكانتهم((265)) و...

وبهذا تبدو قضية نقد المتن ملحة جدا، ويوافق المؤلف احمد امين في الاقرار بضعف هذه الظاهرة في الاوساط العلمية الاسلامية قياسا بنقد السند، محاولا (المؤلف) ايجاد عمق تاريخي لظاهرة نقدالمتن مع ابن قيم الجوزية وغيره حتى في مواجهة روايات نقلها البخاري نفسه((266)).

وبجماع هذه العناصر التسعة، حاول المؤلف تكوين موقف جديد من السنة يعطيها مكانتهاالحقيقية غير المبالغ فيها، ويؤسس لفقه اسلامي لا يستغرق في القضايا الجزئية بقدر ما يسعى لتغطيتهابضوابطه وكلياته.

هذا، وقد عقد المؤلف فصلا عن الاجتهاد في الاسلام عالج فيه ادواته من القياس والاستحسان والمصالح المرسلة و...، كما سجل ((267))في الفصل الاخير جملة ملاحظات على بعض القوانين الاسلامية بصورة متفرقة((268)).

وقفات

سعى الكاتب ـ اتكاء على الاركان التسعة التي اشرنا اليها الى اعادة قراءة السنة ودورها، مثيرا ملاحظات قوية في احيان كثيرة، لكن اشكاليات تواجه خطوته تحتاج الى تكميل، بعضها شكلي وبعضها الخرجوهري نشير الى قسم منها بايجاز:

1 ـ اشكالية العنوان
لم نعرف لماذا اختار الكاتب عنوان «تدوين السنة»، على الرغم من ان موضوع التدوين شغل حيزا محدودا نسبيا من الكتاب، حتى لو عبر عن القسم الاخير بعنوان حاول فيه استحداث صلة، وهو«السنة بعدالتدوين»، ذلك ان هذا الفصل انما يمثل نقدا فقهيا استحضر فيه النصوص لتسجيل ملاحظات عليها.

وحتى القسم الثاني «علوم الحديث»، لا يتصل بمقولة التدوين بقدر ما يتصل بالسنة والحديث عموما، وعلى السياق نفسه جاء الفصل السادس من القسم الاول عن الاجتهاد.

وبهذا تكون 130 صفحة من الكتاب (من اصل 412) فقط تبحث في موضوع التدوين ومايتصل به، وعليه كان من الانسب عنونة الكتاب بعنوان آخر يدل على البحث في السنة ومكانتها المعرفية والعملية.

2 ـ نحو نظرية فلسفية فقهية لفهم العبادات والمعاملات
لم نفهم بشكل واضح فلسفة التمييز التي وضعها الكاتب بين العبادات والمعاملات، وهوتمييز راج في العقود الاخيرة وعلى نطاق واسع، فهناك من يقول: ان العبادات ثابتة سكونية اما المعاملات فمتحركة، ورغم اقتناعنا بالشق الثاني من الفكرة من حيث المبدا الا اننا لم نفهم سبب الاصرار على سكونية العبادات، ما هو الدليل الذي يحيل ـ رغم تطور العقل البشري حتى على صعيد علم النفس والاخلاق ـ اجراء تعديلات في العبادة، على الرغم من ان ثبوتها التشريعي لا يزيد على ثبوت المعاملات؟ فقد ثبتت العبادات بالسنة الفعلية كما كانت الحال مع المعاملات التي جاء الى جانبها سنة التقرير، كما اقتصر القرآن على الضوابط العامة والخطوط العريضة كما يقال في المجال العبادي، كما كانت الحال تماما في مجال المعاملات وغيرها، فلم ترد احكام الصلاة ولا الصيام ولا الخمس ولا الزكاة ولا الحج كما نمارسها اليوم في اي نص قرآني: وماورد لا يعدو ان يكون عموميات تشابه الكليات القرآنية من نوع «اوفوا بالعقود»، «الا ان تكون تجارة عن تراض»، «كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم»، «والصلح خير»، «اذا تداينتم بدين الى اجل مسمى فاكتبوه...»،«اذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن»...، لا بل يمكن القول: ان النصوص القرآنية الواردة في قضاياالحرب والسلم والدولة والجزاء واحكام الجناية والاسرة والمال والثروة والعلاقات الاجتماعية السياسية اكثرتفصيلا مما ورد عن الصلاة (وهي اهم عبادة) والصوم (وهو من العبادات الاكثر ايجازا في القرآن الكريم) والحج و...

أ ـ فاذا افترضنا ان الاساس، في الحديث عن ثبات عبادي، هو المفاضلة النصية، فالامر ليس كذلك، فنصوص الامور غير العبادية في الكتاب والسنة اكثر من الامور العبادية.

ب ـ واذا كان الاساس هو سيرة المسلمين وعلمائهم عبر الزمن وكذلك سيرة اصحاب الاديان مع طقوسهم الدينية، فهذا برهان قد يقنع غير تيار التحديث في العالم الاسلامي، ذلك ان هذا التيار لايولي محقا آاهمية للتجربة التاريخية بوصفها مقدسا يلزم الخرين باتباعه، كيف وقد جرت السير نفسها ايضا في غير القضايا العبادية.

ج ـ ان نفترض غياب الرؤية ازاء اسرار التشريع العبادي؛ الامر الذي يميزه عن المعاملات.وفي هذا السياق تبدو ملاحظة ناقدة، اذا كنا ندخل في الحساب الروايات والاحاديث المنقولة عن النبي(ص) (واهل بيته عند الشيعة)، فان جملة من التشريعات المعاملاتية تبدو هي الاخرى غير مفهومة على نحو القطع واليقين، واذا ما كانت قابلة لتفسير، وهذا محتمل جدا، فان العبادات ليست باقل من ذلك، فقد كتب العلماء والمتصوفة كلاما كثيرا عن فلسفة العبادات حتى بادق التفاصيل، بحيث لا يبدو الصوم امراغريبا غير مفهوم مثلا، واذا لم تكن عندنا تجربة لفهم وتفسير الظواهر، فذلك لان مقولة الرمز في العبادات كانت حاكمة على انماط تفكيرنا الى جانب فقدان نتاج غربي على هذا الصعيد على النقيض مما حصل في بقية القضايا.

أما اذا ما اقتصرنا على القضايا الثابتة في القرآن الكريم فان الامور العبادية قابلة للتفسير بشكل واسع بالمقدار المبين لها في النص القرآني.

د ـ ان نفترض ـ كما ظهر من كلام المؤلف وفاقا لما تقدم ـ ان الامور العبادية ثابتة بالتواتروان الخلاف فيها نادر جدا، على النقيض من القضايا غير العبادية التي وقع خلاف واسع فيها قدم نماذج له الكاتب نفسه في القسم الثالث من كتابه.

غير ان هذا العنصر لا يستطيع الوفاء بدعوى الثبات العبادي والتحول غير العبادي؛ ذلك:

أولا: ان اثبات امر ما على نحو اليقين لا يرتبط منطقيا بسكونيته، اذ ان التواتر اواليقين يعبران عن وسائل ثبوت الشيء لدى العقل الانساني، اما ثبات ذلك الشيء وعدم قابليته للتغير على مرالزمن فانه امر يتصل بالواقع الخارجي نفسه (ولو الاعتباري)، ومن ثم فالحديث عن التواتر او اليقين يفضي الى الخلط المنهجي بين مقام الوجود العيني والوجود المعرفي، اي خلط بين الذهن والخارج.

ثانيا: ان ادعاء اليقين والوضوح في العبادات نفسه على النقيض من المعاملات كما ذهب اليه الكاتب، لا دليل عليه، بل الشواهد على العكس من ذلك تماما سيما اذا اردنا ان ندخل في الحسبان مدارس الفقه الاسلامي باجمعها ولا نمارس انتقاء طائفيا زائفا، فحتى الن لا يوجد اتفاق فقهي على شكل الوضوء وكيفيته، على الرغم من ان المسلمين شاهدوا النبي يوميا ومرارا يتوضا امامهم لسنين طويلة، فهل كان يمسح الراس على الطريقة الشيعية او السنية، وهل يجب غسل الرجلين او مسحهما؟ هل كان التكتف مستحبا او بدعة؟ هل صلاة الضحى او التراويح بدعة او سنة؟ كيف يتشهد الانسان في الصلاة؟ وما هي طريقة التسليم؛ الامر الذي وقع فيه خلاف طويل بين المذاهب؟... ولولا الاطالة لعرضنا مئات النماذج للاختلافات الفقهية بين المذاهب جميعها، ومن اراد فليراجع امثال «الفقه على المذاهب الخمسة» للشيخ محمد جواد مغنية،و«الفقه على المذاهب الاربعة» لعبد الرحمن الجزيري، وموسوعة الفقه الاسلامي (الكويتية)، وموسوعة جمال عبد الناصر، وكتاب «التذكرة» للعلامة الحلي، و«الخلاف» للشيخ ابي جعفر الطوسي... وغيرها من المؤلفات المهتمة بالمدارس الفقهية الاسلامية على جميع الانتماءات المذهبية، فاين هو الوضوح العبادي والخلاف غير العبادي؟ واين هو التواتر الذي تميزت به العبادات من غيرها؟

وغرضنا من هذه الملاحظات جميعها التاكيد انه لم تقدم دراسة جادة تؤسس لتمايز واضح على صعيد اتجاه التطوير الفقهي بين العبادات والمعاملات، وهذا يعني ومن دون ان نرجح احتمالا امكانية اتحادالقسمين في هذه المميزات التي افترضت لندعي كشف ملاكات العبادات او قابليتها للتطويرالزمني (وهو ادعاء لا ينبغي رفضه برد فعل نفسي) او ندعي في المقابل وحدة القسمين بمعنى مرجعية النص بدرجة اكبرحتى في المعاملات، كما تميل الى ذلك اغلب التيارات المدرسية في الفقه الاسلامي، فما لم تجردراسة فلسفية فقهية معمقة لا يمكن ادعاء تمايز توحي به الصورة الاولية الجامدة للعبادات.

3 ـ التراث واشكالية القراءة المؤدلجة
يلاحظ على كتاب «تدوين السنة» كالكثير غيره من الكتب خضوعه للضغط الايديولوجي المسبب عن ردة الفعل على التيار الاصولي في العالم الاسلامي، فمنذ المقدمة، وفي صفحتها الاولى (ص 9)، يقدم الكاتب ثنائية العالم العربي المخيمة عليه منذ عقود «الاخوان المسلمين و...»، وهي ثنائية يسبغ عليها الكاتب تسمية مؤدلجة: التيار العلمي التقدمي التيار الديني الاصولي، ويبدو الكتاب هادفا لسلب شرعية دعوى تطبيق الشريعة، بمحاولة افراغها عبر نقد السنة المنقولة.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية