الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

وعلى الرغم من اننا نميل الى الاعتقاد بضرورة ان لا ينعزل المثقف الديني عن الحياة السياسية الاجتماعية، الا ان هذا لا يعني الخضوع للمحيط العام او التاثر به لاسقاط افكار او رؤى على التراث،ولهذا كان من الافضل تجاوز هذا المنحى لتقديم قراءة محايدة ازاء موضوع يبدو من المواضيع الشائكة للغاية،والتي تزيد ادلجتها من تعقيدها وغموضها.

4 ـ هل المشكلة في السنة او في المنهج؟
لعل ما يستوقف القارى لكتاب «تدوين السنة» تحميله المكرر مسؤولية الاختلاف في المدارس الفقهية للحديث الشريف، وهي مسؤولية لا يمكن انكار تحمل السنة المنقولة لهابدرجة او باخرى، الا ان الايحاء بان مشكلة مشاكل المسلمين هي السنة واحاديثها المتعارضة ايحاء يتصف بالافراط ومجانبة الاعتدال.

ولعل الكاتب لم يلتفت الى ان مشكلة مشاكل المسلمين هي المنهج بالدرجة الاولى لاالسنة ولا غيرها، ولو ان اصلاحات عميقة جرت في العقل الاسلامي لربما نجح هذا العقل في تخطي اشكالية التخلف الذي يعيشه العالم الاسلامي اليوم، ومن ثم بامكاننا تسجيل هذه الملاحظة على الكتاب، وهي اعتقاده المستوحى من مجموعه بوحدة عامل التخلف والانحطاط الاسلاميين، والسؤال هو: هل ان المنهج المدرسي في قراءة النص ـ حتى لو اقصينا السنة عن المرجعية المعرفية والتشريعية ـ لن يفضي الى نتائج مشابهة على صعيد الواقع الاسلامي؟ الن يتحول النص القرآني نفسه الى عقبة قد تجري المطالبة ـ كما حصل ـ باستبعادها والرجوع الى مرجعية اخرى على الصعيد التشريعي وغيره؟

وحتى لا نحمل الكتاب اكثر مما يتحمل، يمكننا صياغة نقدنا على صورة مشروطة:

أ ـ اذا قصد حصر المشكلات المعرفية الاسلامية بظاهرة السنة والاعتقاد بمرجعيتها، فهذاالحصر في غير محله، ذلك ان مشاكل المنهج قد تؤدي الى اشكاليات مشابهة حتى لو جرى التعامل مع النص القرآني.

ب ـ واذا قصد منح اشكالية السنة الاولوية على غيرها، فان هذا الكلام هو الخر غير واضح،لان مشاكل المنهج والعقل الاسلامي اكثر عمقا وحساسية من السنة، واذا كانت اشكالياتنا نابعة من عدم منح العقل مرجعية،فان الامر يتساوى فيه الى حد ما النصان القرآني والروائي، وهو ما ادى بجماعة من الناقدين المعاصرين الى الحديث عن تاريخية النص القرآني وغيره.

ج ـ اما اذا كان المقصود وضع اشكالية السنة في مصاف بقية الاشكاليات فالامر صحيح، لكن هذا ما يستدعي تحديد العلاقة مع السنة بشكل واضح وجلي، الامر الذي لم يبد كذلك في كتاب «تدوين السنة»؛ اذ لم يحدد بشكل جلي الموقف النهائي من السنة، فهل يراد تنحية السنة الفعلية والتقريرية فقطلصالح السنة القولية؟ او يراد اكثر من ذلك، تنحية السنة القولية غير المعلنة على الملا نظرا لافتقادها صفة الالزام حينئذ؟ واذاكان الامر كذلك فهل ناخذ بالسنن القولية المعلنة او نطرحها لوجود تعارض فيها ادى الى بروزاختلاف بين الفقهاء؟ او نطرحها لانها (كما في العقوبات الجسدية) تعارض الاعلان العالمي لحقوق الانسان؛الامرالذي يدفع حتى الى الامتداد للنص القرآني نفسه (الجلد، القطع)؟...

لم يحدد في الكتاب بالدقة الموقف النهائي، الذي يلوح تخمينا انه تنحية السنة كليا(من دون ان نجزم) والاستعاضة عن هذه المرجعية بمرجعية العقل ومنح الاعلان العالمي دورا اكبر.

والخلاصة: ان الكتاب مطالب اكثر بتحديد موقف نهائي من السنة، والاهم من القرآن نفسه.

5 ـ بين التراث الاسلامي والموروث العربي
حاول الكتاب ادخال عنصر التشابه ما بين بعض الاحكام الاسلامية التي جرى تداولها في الفقه الاسلامي، والوضع السياسي الاجتماعي الذي كان سائدا في العصر الجاهلي، وفي هذا السياق لم يتحدد بشكل واضح ماذا كان يريد من ذلك؟ هل كان يريد تسجيل ملاحظة على السنة، الامر الذي يسري الى القرآن نفسه بعد ان اقر الكاتب باشتماله على قضايا كانت دارجة في العصر الجاهلي؟

واذا لم تكن ملاحظة على السنة فقط، بل اريد منها الحديث بصورة كلية تحاول اخذ التشريعات الاسلامية ماخذا تاريخيا، يضع امامها العراقيل على الاستطالة للشمول للعصر الراهن، فان هذه المحاولة نفسها تمثل انقلابا شاملا في الفقه الاسلامي قد تبدد اهمية البحث عن تدوين السنة، فلا تصح ان توضع في سياق الحديث عن تدوين السنة، الامر الذي يوحي انها مشكلة تتصل بالسنة والاحاديث، بقدر مايفترض اخذها عنصرا منهجيا؛ مستقلا غير مختلط ببقية موضوعات السنة واشكالياتها.

وعلى الرغم من اننا لسنا في صدد الحديث عن هذا النمط من معالجة الفقه الاسلامي ودوائر صحته واستقامته، فان تسجيل تذكير عام لا يبدو سلبيا، فمجرد اشتراك الاحكام الاسلامية بعادات وتقاليد عربية سابقة هوتماما كاشتراكها بما عند اليهود والنصارى في التوراة والتلمود والانجيل، لا يدل ـ كما حاول دائما المستشرقون وكان من ابرزهم غولدتسيهر (1850 ـ 1921م) ـ على حالات استقاء تفرغ هذه التشريعات من قيمتها،ذلك ان هذا الاشتراك يحتمل التفسير الاستشراقي كما يحتمل تفسيرات اءخرى ليس آخرها ذاك التفسير الديني الذي يؤمن بوحدة الاديان في اصولها، ومن ثم فليس من البعيد ايضا تسرب افكاروعادات وتشريعات من المنابع الصحيحة للاديان السماوية السابقة الى الشعوب المختلفة عبر الزمن، ومنها عرب شبه الجزيرة الذين اختلطوا وتاثروا باليهود والنصارى الذين عاشوا في المدينة وغيرها، بل واحاطوابمركز الحجاز شمالا في الشام وجنوبا في اليمن و... وهذا معناه انه ليس من حقنا حصر التفسيرات بتفسير سلبي واحد، كما ليس من حقنا تفسير هذه الظواهر جميعها على اساس ايجابي، من دون ممارسة عمليات نقد داخلي تسهم وفاقا لمنهجيات مفتوحة في تكوين تصورات لا تتصف بطابع كلي ودوغمائي.

لقد أفرط كتاب عرب، من ابرزهم تركي علي الربيعو وسيد محمود القمني((269))، في عمليات الربط هذه، وبدل تفسير اعتقادات خرافية على انها ذات اصول دينية صحيحة جرى تحريفها سابقا ولواحتمالا، جرى العكس تمام؛ اذ ذهب هذا التيار الى ارجاع كافة المعتقدات الدينية اللاحقة الى عقائد غير دينية كلدانية وآشورية و... وكان من الاجدى عدم استخدام منطق موحد قائم على فرضية ذات جهة واحدة، سيما وان علوما من هذا النوع (الاسطورة مثلا) يصعب فيها الحصول على يقين نهائي.

6 ـ نحو قراءة للسنة تتجاوز المناخات المذهبية
يبدو ان الكتاب كان يسلط الضوء في سياق معالجاته الشاملة على الفقه السني ومصادرالحديث السنية، مثيرا مسائل جديرة بالبحث، لكن بعضا قليلا من الملاحظات التي ابداها لا تكاد تعني فريقاآخر من المسلمين،فمثلا الحديث عن عنصر الاعلان العام في السنة الملزمة قد يكون مفهوما بالنسبة لمدرسة الخلافة التي كانت ترى النبي(ص) مصدرا للتشريع، اما مدرسة الامامة فيمكن الزامها بعصر النبي والامام علي ومرحلة الامام الحسن، اما بالنسبة الى بقية الائمة(ع) فيبدو ان الحديث عن اعلان تشريعات غير منطقي تاريخيا، لان اهل البيت(ع) لم يكونوا قادرين على اعلان افكارهم بعدماتعرضوا له من ظلم واضطهاد (لا اقل كثيرمنهم)، وهذا معناه ان الفرصة السانحة لهم لاعلان التشريعات الاسلامية وفاقا للمعتقد الشيعي تبدو ضيقة؛ الامر الذي يضطرهم لاستخدام اسلوب السؤال والجواب، اوالمراسلات والرسائل، او بعض النصوص التدريسية او... لايصال افكارهم الى الناس، واذا ما كان الاعلان شرطااساسيا فهو كذلك في صورة امكانه، اما في غير هذه الصورة فسوف تكون الوسائل المتخفية هي البديل، من دون ان نسلب نظرية الاعلان مجال التطبيق في عدد من الحالات لا مجال لتفصيلها.

ونستهدف بهذا الانموذج، التاكيد على ان قراءة السنة وموقعها ودورها، لا يتم من دون تجاوز للاطر المذهبية والطائفية، لان السنة ليست صحيح البخاري ولا كتاب الكافي، وانما هي جماع التراث الذي اسهم الجميع في الحفاظ عليه، واذا ما اردنا تحديد تقييم للسنة، فمن الضروري قراءة كل هذا النتاج لاستصدار احكام اكثر عمومية، ومن ثم اكثر دقة وانصافا.

7 ـ نقد نظرية وحدة العامل في نشوء ظاهرة اختلاف الحديث
حصر الكتاب ظاهرة الاختلاف بين الحديث بموقف سلبي اعاده الى عدم صحة الروايات،وكان من الانسب ممارسة تحليل اكثر عمقا لهذه الظاهرة الواسعة والشاملة في مصادر الحديث السنية والشيعية،فعلى الصعيد الشيعي مثلا وفي بادرة مهمة حاول السيد محمد باقر الصدر (1980م)، في دراساته في علم اصول الفقه، تحليل ظاهرة تعارض الاحاديث واختلافها، ذاكرا مجموعة من العوامل من بينها:
1 ـ التعارض الذاتي غير الموضوعي والقائم على تصور معارضة لا واقع لها، (وهو امر حصل قليلا في كتاب «تدوين السنة)»،
2 ـ ظاهرة التقية عند ائمة اهل البيت(ع)،
3 ـ ظاهرة التدرج في بيان الاحكام،
4 ـ النقل بالمعنى،
5 ـ ضياع القرائن،
6 ـ ملاحظة ظروف الراوي...،
مضيفا اليها ظاهرة الدس والتزوير((270)).

وهذه الطريقة التي اتبعها السيد الصدر تحاول الامساك باكثر من عنصر لبروز ظاهرة التعارض دونما جمود على الكذب والدس والتزوير، اي انها قراءة معتدلة الظن لا سيئته، ازاء تاريخ الحديث،وبهذه الطريقة يجري التروي في الاقرار بحديث كما في الاطاحة به ورفضه، ومجرد حشد نقاط الضعف في الحديث من دون شرح لنقاط معاكسة قد يبدي الموقف مؤدلجا او متسرعا.

وانما نقول ذلك لا رفضا للنتيجة التي خرج بها الكاتب، بقدر ما هو بيان لحاجة الاستقصاءفي معالجة كل ما يمس الحديث بصلة، لا التسرع باتخاذ مواقف محيلين اياها الى اسباب نمطية ناجزة.

منتدى المنهاج

دراسات قرآنية (1)

المشاركون:
* أ. جواد علي كسار
* د. محمد كاظم شاكر
* أ. موسي الصدر
* أ. أمان الله فريد
* د. فتح الله النجّار

المعاصرة القرآنية
رؤية على ضوء المدرسة الوجودية

أ. جواد علي كسار

صبغت قضية المعاصرة فكر المسلمين باسمها، او بمضمونها ومحتواها، خلال ما يزيد على مئة عام ولا تزال تفعل ذلك، ولم تستثن في تفاعلاتها النص القرآني، بل كان القرآن الكريم الحاضر دائما في القراءات العصرية واطروحات المعاصرة.

في هذا السياق، تبدو امام ناظرنا امكانات بناء موقف نظري خصب من المعاصرة القرآنية، يستمد محتواه من الفكر القرآني للعرفاء، او على نحو ادق من مرتكزات الفهم ومبادى الرؤية الوجودية التي ينتمون اليها،على ان يكون الامام الخميني هو الانموذج التطبيقي الذي تركز عليه الدراسة.

وهذا ما مثل لنا حافزا لدراسة الفكرة عبر هذا البحث، من خلال المحاور الآتية:
1 ـ دواعي القول بالمعاصرة، او المداخل التي تملي التعامل مع القرآن الكريم من خلال فضاءاتها.
2 ـ بعض التحديدات المنهجية في معنى المعاصرة وغير ذلك.
3 ـ بعض ابرز النظريات والرؤى التي افرزتها حركة الفكر عن المعاصرة القرآنية.
4 ـ الموقف الذي يلتزم به الفكر القرآني للامام الخميني ازاء المعاصرة، موصولا بانتمائه العرفاني وخلفياته في المدرسة الوجودية.

1 ـ مداخل المعاصرة

يمكن تلمس ثلاث مجموعات من المنطلقات الرئيسية التي تؤلف ضرورات المعاصرة القرآنية، هي:

أ ـ المنطلقات الكلامية: وهي التي صاغها علم الكلام، وانتهى فيها الى ان القرآن معجزة دائمة، وحجة قائمة ابد الدهر، وهو كتاب آخر الاديان ومعجزة خاتم النبيين، ومن ثم وجب ان يكون خالدا على مر الدهوروالعصور، وصالحا لكل مكان وزمان وانسان.

ب ـ المنطلقات النصية: بين ايدينا ثروة نصية هائلة تفيد، في مدلولها الاخير، ان القرآن الكريم حي ابد الدهر، له رسالته التي يؤديها في كل عصر، منها ما في القرآن نفسه، ما يدل على ان هذاالكتاب تبيان لكل شيء، وما في الحديث الشريف من قبيل: «ان الله تبارك وتعالى انزل في القرآن تبيان كل شيء حتى والله ما ترك شيئا يحتاج اليه العباد، لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا انزل في القرآن، الا وقد انزله اللهفيه»((271))، وكذلك: «كتاب الله، وفيه بدء الخلق، وما هو كائن الى يوم القيامة، وفيه خبر السماءوخبر الارض»((272))، وكذلك: «بل كل شيء في كتاب الله وسنة نبيه»((273))،وايضا:«كتاب الله فيه نبا ما قبلكم وخبر ما بعدكم»((274)).

نضيف الى ما سبق ذكره تلك الاحاديث التي تحث على قراءة القرآن والتدبر فيه والتماس عجائبه وما تطويه اعماقه، من قبيل: «القرآن ظاهره انيق وباطنه عميق، لا يفنى عجائبه ولا ينقضي غرائبه». وكذلك الماثورالذي يفيد بان من رام علم الاولين والخرين، فليثور القرآن. تنضم الى هذه الحصيلة في الدلالة احاديث الجري التي تفيد ان آيات القرآن حية لا تموت: «والية حية لا تموت، فلو كانت الية اذا نزلت في الاقوام وماتوا ماتت الية لمات القرآن، ولكن هي جارية في الباقين كما جرت في الماضين»((275)). وكذلك: «ان القرآن حي لم يمت، وانه يجري كما يجري الليل والنهار، وكما تجري الشمس والقمر،ويجري على آخرنا كما يجري على اولنا»((276)).

مما يلتقي على الدلالة نفسها احاديث الظهر والبطن وان لكل آية حدا ومطلعا، ومن ثم فان معانيها في تجدد وانبثاق دائمين، حتى ذكروا ان لكل آية ستين الف فهم. وكذلك احاديث التاويل؛ حيث تحدثت صراحة ان منه ما مضى ومنه ما لم يكن بعد. وايضا الاحاديث التي تفيد ان آيات الله خزائن، فهي اذن دائمة العطاء، لكل قارى منها في كل عصر نصيب. وهذا هو المعنى الذي يمكن ان نستشفه ايضا في الماثورالشريف الذي يفيد ان كتاب الله على اربعة اشياء، على العبارة والاشارة واللطائف والحقائق. فكتاب آياته بهذه المثابة، وهو بهذا الوصف، حري ان يكون كتابا دائما لا ينضب عطاؤه على مر الدهور وكر العصور.

اخيرا، اذا كانت روح المعاصرة وقوامها هي المواكبة الحثيثة للزمن والقدرة على الديمومة والعطاء في كل عصر، فان هذه هي صفة القرآن الكريم وخصيصة من ابرز خصائصه، على ما تنطق به النصوص الكريمة،وادلها ما يصف كتاب الله بانه: «لا يخلق على الازمنة، ولا يعنت على الالسنة» لماذا؟ لانه: «لم يجعل لزمان دون زمان، بل جعل دليل البرهان وحجة على كل انسان»((277)). وايضا: «ان رجلا سال اباعبدالله(ع): ما بال القرآن لا يزداد عند النشر والدرس الا غضاضة؟ فقال: ان الله تعالى لم يجعل((278)) لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، فهو في كل زمان جديد وعند كل قوم غض الى يوم القيامة»((279)).

استبعد ان يبقى لانسان شك في المعاصرة القرآنية، بعد دلالة هذه النصوص عليها مفردة ومجتمعة.

ج ـ منطلقات الثقافة الحديثة وتحدياتها: تلك التي مرت بنا في المجموعتين الاولى والثانية، تمثل بواعث ذاتية او داخلية للمعاصرة القرآنية. بيد ان اللوحة لا تكتمل من دون ان نضيف اليها مكونا آخر يتمثل هذه المرة بما بات يعرف بصدمة الوعي الاوروبي، وما راح يبلوره الفكر الخر وما تفرزه تياراته ومن تاثر بها، من ابناء المسلمين، من تنظيرات وافكار ونظريات حيال عصرية القرآن ومعاصرته، يختلطفيها الغث بالسمين والخطا بالصحيح والسطحي بالعميق والدخيل بالاصيل، ما يستدعي باجمعه الجواب عليهابتحديد موقف نقدي من تلك النتاجات يقوم على معرفة واعية وتحليل عميق، ومن ثم صياغة نظرية او نظريات في مفهوم المعاصرة القرآنية تلبي حاجة الساحة الى ذلك، بخاصة مع عدم احتمالها لاي تاخير او اهمال.

2 ـ تحديدات منهجية

لابد، في البدء، من ثلاث اشارات يصح ان نسميها تحديدات منهجية، هي:

الاولى: تعد قضية المعاصرة قضية اشكالية اجتهادية تتحمل غير صيغة والعديدمن الافكار والاجتهادات في آن واحد، من دون ان تكون ثمة ضرورة لاسقاط بقية الاجتهادات او النظريات في حال تبني احداها. فمادامت الاجتهادات والنظريات تستند الى اصول موضوعة ثابتة في مظانها، او تؤسس لنفسها اصولها الخاصة التي يقوم عليها اجتهادها، فهي مشروعة باجمعها.
بناء على هذا، لا مجال للكلمة الفصل والخطاب الاخير والراي القطعي الذي يغلق المسالة ويستنفدها تماما، بل تبقى المعاصرة القرآنية قضية كل عصر، ويبقى ملفها مفتوحا على عدد من الاجتهادات والرؤى في كل وقت.

الثانية: تاسيسا على ما مر، ليس للمعاصرة القرآنية صيغة واحدة تنتظم محتواهاعلى الدوام، كما ليس لها شكل ثابت يعبر عنها في كل وقت؛ فهي تطرح تارة من خلال اشكالية الثابت والمتغير،ليقال: ان النص القرآني ثابت والحياة متغيرة، فكيف له ان يجاري الحياة المتغيرة؟

وتثار قضية اخرى عبر اشكالية فهم النص، لتكتسب صيغا متعددة منها ما هو كلامي يتمركز في السؤال التي: كيف نقرا القرآن بوصفه نصا مقدسا؟ ومنها ما هو منهجي يعبر عن نفسه باشكال متعددة، منها: كيف نقرا النص؟ هل نقراه بفصله عن واقعه مطلقا او بوصله مع واقعه تماما؟

لقد تعاطى السابقون مع النص القرآني من خلال مركباتهم الذهنية ومكوناتهم الثقافية وميراث عصرهم، فلماذا لا يجوز لنا ان نفعل الامر نفسه؟ ما يريد بعضهم ان يخلص اليه، عبر هذا المدخل للمعاصرة، ان القرآن وان كان بذاته نصا ثابتا الا ان فهمه سيال متغير يتجدد على الدوام، ومن ثم فان من حق كل عصر ان ينتج فهمه القرآني الخاص بعيدا عن الزامات بقية العصور، بما في ذلك عصر الصحابة والتابعين وميراث السلف، من دون ان يعني ذلك بالضرورة تجاوز الدلالات الوضعية المباشرة لعصر النص ذات الصلة بقواعد اللغة وقيود النزول والقطعي الثابت من السنة، وغيره مما نقحته علوم القرآن على مر العصور.

على مستوى آخر، قد تطرح مقولة المعاصرة، ويراد منها ضرورة التوفر على اسلوب تفسيري جديد يراعي الذهنية الموجودة ومستوى الثقافة العامة في مجتمعاتنا، وياخذ قضايا الواقع بنظر الاعتبار.

كما يلقي الفكر الخر بظلاله على المسالة حين يجعل المعاصرة ضدا للنص القرآني بوصفه نصا تاريخيا، لينتهي الى القول:

صحيح ان القرآن لبى حاجات عصره واستجاب لها في نزوله، لكن لماذا ننتظرمنه الاستجابة لحاجات عصرنا؟ بمعنى ان القرآن نص تاريخي يرتبط ببنيات عصره الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وحالة الناس الحضارية في ذلك الوقت.

ثم الى جوار ذلك صيغ كثيرة اخرى تعيد انتاج مفهوم المعاصرة على الدوام، وهي تخرج به من احشاء بواعث كلامية وتاريخية ومنهجية، فضلا عن اسقاطات الثقافة الحديثة، ما يسمح بتعدد معاني المعاصرة لا فرق بين ما ينبثق من داخل فضاءات الفكر القرآني او الاسلامي عامة، وبين ما ينطلق من فضاءات الفكر الخر.

الثالثة: لا تدعي الاسطر التي ستوافينا، في المحور الثالث الذي ينهض باستعراض بعض الافكار في المعاصرة القرآنية، انها تمارس استقراء تاما لما افرزته حركة الفكر المعاصر حيال هذا المفهوم، انما هي اشارات عاجلة حسبها انها تمنحنا تصورا عاما للاشكالية وبعض ما اجتهدت به العقول من نظريات وافكار على هذا الصعيد، لكي يتم لنا على اساس هذا التصور الانتقال الى المحور الرابع والاخير،لنلمس عن قرب امكانات الفكر القرآني للمدرسة العرفانية على نحو عام في مواجهة هذه الاشكالية وتقديم نظريات في هذا المضمار، داخل نطاق يسمح بالمقارنة بينها وبين بقية النظريات، مع تركيز خاص على الفكر القرآني للامام الخميني بوصفه احد ممثلي هذه المدرسة حاضرا.

3 ـ بعض ابرز النظريات

لاجل ان يكتسب الطرح، في هذه الدراسة، طابعا تطبيقيا يعين على الفهم والمقارنة،نعرض، في ما ياتي، لعدد من النظريات والافكار التي افرزتها حركة الفكر خلال العقود الاخيرة:

1 ـ عكفت شريحة من المفسرين والباحثين على تحقيق القراءة العصرية للقرآن الكريم من خلال الحث على المنحى الاجتماعي الذي يركز على استقصاء المدلولات الاجتماعية للنص، وربط ذلك مع اسئلة الواقع المعيش واحتياجات المسلمين فيه.

لا يكاد يخلو من هذه النزعة تفسير خلال القرن الاخير. فهي واضحة في تفسير «المنار» للثنائي محمد عبده (ت: 1323هـ) ورشيد رضا (ت: 1354هـ)، وتفسير المراغي (ت: 1364هـ) والطاهر بن عاشور(ت: 1970م)وسيد قطب (ت: 1966م) ومحمد جواد مغنية (ت: 1979م)، والتفسير «الامثل» لمكارم شيرازي(معاصر)، كما لا تخلو منها بحوث واسعة من تفسير «الميزان» للطباطبائي (ت: 1403هـ)، و«قبس من القرآن»للطالقاني (ت: 1979م) وغير ذلك كثير.

2 ـ كما مال بعضهم لاستيفاء المدلول العصري للقرآن من خلال التركيز على الابعاد العلمية. وربما كان ابرز هؤلاء طنطاوي جوهري (ت: 1358هـ) واحمد خان (ت: 1316هـ)، والاعمال القرآنية لعبد الرزاق نوفل ومهدي بازركان (ت: 1997م) ومصطفى محمود وغير هؤلاء كثير.

لقد واجهت هذه النزعة نقدا شديدا يرجع، في جوهره، الى ان القرآن كتاب هداية وليس كتابا للعلوم الطبيعية. بالاضافة الى ما في اقحام العلوم الطبيعية وتحميلها على القرآن من مضار ناتجة عن الطابع المتغير الذي تتصف به هذه العلوم.

وما يلحظ هو ان نزعة التفسير العلمي تدخل ركنا مهما في تكوين ما يطلق عليه بـ«التفسير العصري»، بل هناك من يرادف بين العلمي والعصري، ويجمعهما في معنى واحد، مع ان ذلك ليس صحيحا((280))، لان العصري اعم من العلمي واشمل منه.

3 ـ يلاحظ، من منظور تجربة خاصة، ان هناك عددا من العناصر المنهجية والمضمونية التي يمكن رصدها في تفسير «الميزان» تنهض بتحقيق عصرية القرآن. منها الفصل بين التفسير والتطبيق، فعلى قدر مايكون الاول محدودا، فان الثاني موسع بمقدوره ان يستوعب كثيرا مما يدخل في تكوين المعاصرة بمختلف ابعادها.

من العناصر المنهجية الاخرى في استكناه هذا البعد، قاعدة الجري، ومبدا تفسير القرآن بالقرآن، واستيلاد معان جديدة بالطريقة التي يستخدمها المؤلف، وتوظيف مبدا بطون القرآن في مد النص القرآني على طبقة من المعاني العمودية التي يترتب بعضها على بعض سعة وعمقا، والركون الى مبدا وحدة المفهوم وتعدد المصاديق مع توسيع دائرة المصاديق لتشمل ما هو غيبي بالاضافة الى ما هو مادي، وهكذا الى بقية العناصر.

4 ـ ممن دخل على الخط المفكر الايراني عبد الكريم سروش الذي اولى المسالة اهتمامانظريا واسعا، بحيث اضحى العمل على المعاصرة في الفهم الديني بعامة من العلامات الفارقة لشخصيته الفكرية والثقافية،عبر ما بات يعرف بنظرية تكامل المعرفة الدينية.

جوهر ما ذهب اليه سروش هو التمييز بين النص الديني المقدس الثابت والفهم الديني السيال المتغير المتجدد دائما، عبر علاقة تبادلية مفتوحة بين المعرفة الدينية والمعارف التي تنتجها البشرية في كل عصر. فبمقتضى هذه الرؤية انحلت لديه مشكلة المعاصرة ليس في مضمار المعرفة القرآنية وحدها، بل في مجال الفهم الديني برمته((281)).

5 ـ من الرؤى في هذا الاتجاه ما عرض له المفسر المعاصر الشيخ جوادي آملي من تفاعل بين عالم التكوين وعالم التدوين؛ اي بين الوجود والقرآن. فاذا ما كان الانسان واعيا للتناسق القائم بين الاثنين فسيدرك جيدابان كل كلمة (واقعة، حدث، فكرة) جديدة في عالم التكوين، ستكون حافزا لتجلي معنى جديد للنص القرآني. هكذا تمضي متغيرات الوجود ومستجدات العصر باتجاه تحقق المعاصرة القرآنية، من خلال حركة مستمرة تتجلى بها معان جديدة لكتاب الله.

بيد ان هذه الرؤية لا تتحقق بحسب صاحبها، الا بوجود فاعل حيوي يمثله المفسر العارف بالقرآن وبزمانه مع؛ بالنص وبالوجود، او بالوجودين: التدويني والتكويني((282)).

6 ـ من النزعات ما يذهب الى تحقيق المعاصرة القرآنية عبر التجديد اللغوي. هذه النزعة تكاد تنبسط على عدد من المحاولات المعاصرة في فهم القرآن والتعطي مع نصه الكريم، بل هي ترمي بظلالهاعلى ابرزها وان ضمت اليها عناصر اخرى.

للغة دورها ولا ريب، لكن الاكتفاء بها وحدها، او التركيز المبالغ عليها بذريعة ان القرآن هونص لغوي في نهاية المطاف، يؤدي الى مزالق خطيرة. فدور اللغة انها حامل للعصرية ووسيطينهض بالمعنى العصري، لا انها بذاتها مستودع العصرية، كما تذهب الى ذلك النزعات اللغوية ونظريات النظم والدلالة والالسنية والاتجاهات الادبية. وحتى لو اخذنا بابرز حجة لهؤلاء، اي الحجة المتمثلة في ان القرآن نص لغوي،فهي غيرتامة لان لهذه اللغة بنية خاصة هي التي تسوغ القول بالاعجاز اللغوي.

تكفي نظرة سريعة، في هذا الاتجاه، للوصول الى بعض الاستنتاجات التي خرجت بهااحدى القراءات المعاصرة، وهي تستند في ما تستند اليه الى النزعة اللغوية((283)).

7 ـ ثمة تيار يذهب الى اقحام المنهجيات الحديثة على النص القرآني لتحقيق القراءة العصرية. وربما كان خير مثال على ذلك اعمال محمد اركون وسعيه الدائم الى توظيف العلوم الانسانية في هذا المجال((284)).

تلتقي مع هذه النزعة، ولو بالعنوان، تلك الاتجاهات التي تسعى الى قراءة النص القرآني عبر منهجيات تفسيرية جديدة، مثل المنهج الموضوعي، والمنهج السنني، والمنهج الترابطي، والمنهج البياني، والمنهج الوجودي وغير ذلك، وان اختلفت معها بالمضمون والدوافع في الغالب.

8 ـ توظيف الهرمنيوطيقا في فهم النص، مع ما يصاحب ذلك من تنويعات واختلافات ناشئة من الاختلاف في تحديد الهرمنيوطيقا، وتعيين دلالات هذه النزعة ومكوناتها. لقد ساوى بعضهم بين الهرمنيوطيقاوالتفسير، او نظرية التفسير، فيما ذهبت شريحة واسعة من الباحثين الى مقاربة معنى المصطلح بالتاويل او عده نظرية التاويل، مع الاخذ بنظر الاعتبار المسافة الفاصلة بين دلالة المصطلح على التفسير اوالتاويل، وبين حمل معناه على نظرية التفسير او نظرية التاويل.

كما ذهب بعض الدارسين الى تحديد مسارين رئيسيين للهرمنيوطيقا: احدهما برز مع شليرماخر (ت: 1843هـ) وديلثي (ت: 1911م)، ويتعطى مع هذا العلم بوصفه نظاما عاما لمعرفة المنهج الثاوي وراء التاويل، والثاني مع مارتن هيدغر الذي يرى فيه بحثا فلسفيا يدور حيال حالة الفهم وشروطها الضرورية((285)).

ذكروا، ايضا، ان هذا المصطلح يتضمن تطبيقيا ثلاث مراحل، هي: النص، التفسير، المفسر، في حين ارجعه بعضهم الى ثلاثية: القصد، النص، التفسير. كما اشار بعضهم الخر الى ان الهرمنيوطيقاتنفك عقليا الى ثلاثة اسئلة، هي:
1 ـ ما هي ماهية النص؟
2 ـ ما معنى فهم النص؟
3 ـ كيفية فهم النص؟

لكن، على الرغم من هذه التنويعات والاختلافات في المصطلح ودلالته ومعناه((286))، فان من يقحمه في مضمار التعامل مع النص القرآني، انما يعني به مجموعة القواعد والمعايير التي ينبغي للمفسر(مفسر النص) ان يتبعها لفهم النص الديني، وهو القرآن الكريم هنا((287)).

بديهي ان فهم النص، او قراءته وتاويله في نطاق الظاهرة الهرمنيوطيقية، هو غير ادراك معناه اللغوي. وبذلك فان كل نص يتضمن عددا من القراءات، وان شئت قلت من الفهوم والتاويلات، التي ستتحول الى قراءات مفتوحة بلحاظ وصلها بقصد صاحب النص او فصلها عنه، ولجهة ما يسقطه قارى النص على النص مما تفيض به خلفيته الذهنية من مسبقات ومصادرات، واخيرا بلحاظ ما يرتقبه المخاطب بالنص من النص.

هذا الحشد من العوامل يمنح النص جاهزية دائمة، بحيث يكون مفتوحا على قراءات متجددة باستمرار، هي التي تحقق عصريته((288)).

الطريف ان نعرف ان بعض الدارسين بلغت به الحماسة لهذه النزعة حدا دفعه الى تطبيق قواعدها ومفاهيمها ورؤاها على الفكر القرآني للامام الخميني((289)).

9 ـ النزعة التاويلية التي تستند الى اعمال العقل واجتهاد الراي في تقديم فهم متجدد للقرآن.لا بد من ان نشير بدءا الى اختلاف الرؤى حيال معنى التاويل وتعدد الاقوال فيه. والذين ياخذون منه مركبالانجاز القراءة العصرية يرون فيه ممارسة ذهنية وحركة نظر عقلي لادراك ما وراء الظواهر التي يضطلع بهاالتفسير. وبذلك يعد التاويل لدى هؤلاء مرحلة تلي التفسير، في حين ثمة من المفسرين من يرفض هذا المعنى بضرس قاطع، ويراه متعارضا مع المعنيين: اللغوي والقرآني((290)).

ثمة عدد وافر من الباحثين المعاصرين ولجوا قراءة النص القرآني انطلاقا من ذلك المعنى للتاويل، منهم علي حرب الذي صار عنده النص: «دلالة لا تحصر ومعنى لا يضبط، واذن فمن الصعب القرار على تفسيرواحد او تاويل وحيد الجانب». بيد ان((291)) الاهم في هؤلاء جميعا هو نصر حامد ابو زيد الذي غابت الدراسة الموضوعية عن تقييم اعماله وكتبه وسط التداخل بين البعدين العلمي والسياسي، فضلا عن المزايدات الاعلامية والدينية التي اكتنفت قضيته، حتى آل الامر الى تكفير بعضهم له((292)).

يطرح ابو زيد العديد من الافكار منها المعنى والمغزى. وهذه اطروحة تجمع بين توفر النص على دلالة محددة هي معناه التاريخي في عصر النزول، وامتلائه في الن نفسه بدلالات مفتوحة على عصور تالية من خلال المغزى. بتعبيرات الكاتب نفسه: «المعنى يمثل المفهوم المباشر لمنطوق النصوص... وهو المفهوم الذي يستنبطه المعاصرون للنص من منطوقه». بهذه المثابة فان «المعنى يمثل الدلالة التاريخية للنصوص في سياق تكونها وتشكلها»، بيد ان: «الوقوف عند دلالة المعنى وحدها يعني تجميد النص في مرحلة محددة وتحويله الى اثر وشاهد تاريخي». وهذا ما يتنافى مع المكانة المعرفية الخاصة التي تتمتع بها النصوص الدينية من حيث ان «دلالتها لا تتوقف عن الحركة»((293))، وبذلك صار من الضروري اللوذ باسلوب خاص يحفظ للنص الديني حيويته واستمراريته وتدفقه بالمعاني في كل وقت، وهذا ما ينهض به المغزى، فـ«المغزى ذو طابع متحرك مع تغير آفاق القراءة»((294)).

ما يلحظ، في هذه الاطروحة، ان الكاتب ينظر الى المغزى بوصفه امرا ملامسا للمعنى منطلقا منه من دون انفكاك، في عين كونه متحركا «بحكم ملابسته لفاق الحاضر والواقع»((295)). ثم ان المغزى يصاب بتوسط مبدا التاويل العقلي، والتاويل هنا اشمل من التفسير، التاويل في هذا الاتجاه هو بمنزلة اللة المولدة التي لا تتوقف عن انتاج المعاني والدلالات: «في حالة القرآن فان اي دراسة لتاريخ التفسير تكشف عن قيام «التاويل» دائما بدور الرافعة الدلالية»((296)). كما ينضبط عنده التاويل، ويبتعد عن ان يكون محض «تلوينات» يسقطهاقارى النص على النص القرآني، لتتحقق المعاصرة القرآنية عن هذا السبيل. يكتب: «ان المعنى ذو طابع تاريخي... والمغزى وان كان لا ينفك عن المعنى بل يلامسه وينطلق منه ذو طابع معاصر، بمعنى انه محصلة لقراءة عصر غير عصر النص»((297)).

في نطاق الظاهرة التاويلية نفسها، يذهب حسن حنفي الى معنى غريب يجافي كثيرا من مسلمات العلوم، بل يتهافت مع رؤاه الاخرى. فهو يرى النص القرآني في مرحلة النزول واقعة محددة الثغورمعروفة المعنى.لكن تبدا المشكلة في العصور التالية حينما يقحم النص في لعبة الاهواء، فيستخدم استخداماغير مشروع طبقا للاهواء والمصالح. وفي كلا الحالين فالنص فارغ من المضمون، طائر في الهواء بلا محل، وبتعبيره: «ان النص بطبيعته مجرد صورة عامة تحتاج الى مضمون يملؤها. وهذا المضمون بطبيعته قالب فارغ يمكن ملؤه من حاجات العصر ومقتضياته». كيف يتم ذلك في النسق المشروع؟ يتم من خلال التاويل:«فالتاويل ضرورة للنص»، والتاويل يحقق القراءة العصرية، لانه ما هو الا: «وضع مضمون معاصر للنص»((298)).

10 ـ من الاتجاهات البارزة الاتجاه الذي يسعى الى تحقيق المعاصرة القرآنية عبر التفاعل مابين الواقع والنص، ايمانا منه بان القراءة المعاصرة لا تتحقق من خلال النص وحده بوصفه كيانا مغلقا، ولا من خلال التجديد اللغوي، ولا ايضا عبر الممارسة العقلية الاجتهادية النظرية المفصولة عن الواقع، التي تكتسب احيانا عنوان التاويل العقلي، وهي تتحرك بين مفهوم ومفهوم، او بين منطوق ودلالات ومعان متعددة، اوبين مفهوم ومصاديق متعددة، او بين ظهور بسيط وآخر مركب، او بين معنى ولوازم معنى، او بين لفظ ثابت ومعنى متغير، او بين معنى ومغزى، الى آخر الصيغ المغلقة في اطار الالفاظ والكلمات والمفاهيم والاجتهادات النظرية.

لا ريب في ان احدى ابرز المشكلات التي وقعت فيها محاولات القراءة العصرية للقرآن، انها فهمت المعاصرة في اللغة والمدلولات اللغوية، وفي المفاهيم ومدلولاتها، او في النظريات بعامة، فراحت تركز على النص وما يتصل به، مهملة من جهة الواقع المعيش اشد الاهمال، والحقائق الوجودية الكامنة وراءالالفاظ من جهة اخرى((299)). ورفض المعاصرة والتجديد من خلال اللغة، والانفتاح على الواقع المعيش وادراجه في متن المهمة التفسيرية، هما حدا الرؤية التي اعتمدها اصحاب هذا الاتجاه في تحقق المعاصرة القرآنية.

يكتب السيد محمد باقر الصدر (ت: 1980) الذي يعد، عبر منهجه المقترح للتفسيرالموضوعي، احد ابرز رواد هذا الاتجاه في العقدين الاخيرين؛ يكتب عن الحد الاول: «التفسير اللغوي ينفد لان اللغة لها طاقة محدودة، وليس هناك تجدد في المدلول اللغوي، ولو وجد تجدد في المدلول اللغوي فلا معنى لتحكيمه على القرآن، ولو وجدت لغة اخرى بعد القرآن لا معنى لان يفهم القرآن من خلال لغة جديدة،اومصطلحات جديدة او الفاظ جديدة تحمل مدلولات وضعية استهدفت بعد القرآن»((300)).

في اطار الفهم الذي اسس له الصدر للتفسير الموضوعي، سجل ان المفسر الموضوعي لايبدا عمله من النص بل من واقع الحياة، فيركز نظره على موضوع من موضوعات الحياة، ويستوعب ما اثارته تجارب الفكرالانساني حيال ذلك الموضوع من مشاكل، وما قدمه الفكر الانساني من حلول، وما طرحه التطبيق التاريخي من اسئلة ومن نقاط فراغ، ثم ينتقل الى النص القرآني ليبدا حوارا معه، هو يسال والقرآن يجيب.

ما تريد هذه الرؤية تاكيده هو عصرية القرآن، وتجدد المعرفة القرآنية وقدرتها الدائمة على المواكبة، لما يوفر لكتاب الله القيمومة على الحياة. فالمفسر فيها ينطلق من الواقع الى القرآن، لا انه يبقى يدورفي حركة مغلقة تبدا من النص وتنتهي بالنص، فتنفصل قراءته عن نبض الواقع وحركة الحياة، بما تحفل به من تيارات ورؤى ومشكلات، وما يثيره الواقع من اسئلة وقضايا: «هنا يلتحم القرآن مع الواقع، يلتحم القرآن مع الحياة، لان التفسير يبدا من الواقع وينتهي الى القرآن». ومهمة «التفسير الموضوعي دائما ـ في كل مرحلة وفي كل عصر ـ ان يحمل كل تراث البشرية الذي عاشه، يحمل افكار عصره، يحمل المقولات التي تعلمهافي تجربته البشرية، ثم يضعها بين يدي القرآن».

على هذا النحو، تتحقق المعاصرة القرآنية، و«تبقى للقرآن حينئذ قدرته على القيمومة دائما، قدرته على العطاء المستجد دائما، قدرته على الابداع»((301)).

لا مانع عندئذ من ان تستعين هذه القراءة بلغة تفسيرية تناسب روح العصر، بوصف اللغة اداة تحمل التجديد وتعبر عنه، لا ان تكون بنفسها منبع التجديد ومصدر القراءة العصرية.

وفي الوقت الذي تحرص فيه هذه المنهجية على الواقع، فهي لا تضحي بالنص القرآني، ولاتحمل معطيات الواقع وتفرضها عليه فرضا، فتفرغه من معناه، وتجعله يكتسب في كل قراءة لونا. عند هذه النقطة تتقاطع قراءة الصدر مع قراءة اخرى للمعاصرة القرآنية عبر الواقع، بلغ بها تطرف الانحياز الى الواقع مستوى النظر الى النص على انه «قالب من دون مضمون»((302)).

هذه جملة من الافكار والراء في هاجس القراءة العصرية للقرآن لم نسقها اقساما متباينة غيرمتداخلة، ومن ثم لا ندعي انها جاءت جامعة مانعة تنطبق عليها قواعد القسمة بالمعنى المنطقي، بل هي اشارات سريعة دورها ان تعد الذهن للدخول الى المحور التالي والاخير من محاور هذه الدراسة، لكي تسهل عملية المقارنة بينها وبين النظرية الاخيرة التي سنعرض لها على هذا الصعيد.

4 ـ نظرية الامام في المعاصرة

لا نستطيع ان نزعم بان فكر الامام الخميني ونصوصه القرآنية قدما معالجة للمعاصرة القرآنية تنطلق من تعامل مباشر مع الاشكالية؛ فمسائل، من قبيل حقيقة القرآن، ومراتب الفهم وموانعه، والتفسيروالمفسر،والتفسير بالراي، والظاهر والباطن، والتاويل، والمحكم والمتشابه، وحجية الظهور، والاعجاز ومعنى الوحي وكيفية نزول القرآن، والحروف المقطعة ونفي التحريف، وما الى ذلك، توفر النص الخميني على عنونتها بوصفها مسائل قائمة بذاتها في علوم القرآن، ومبادى التفسير، وتعامل معها مباشرة باسمائها وعناوينها فضلاعن مضامينها.

اما في قضية المعاصرة القرآنية فما خلا بضع اشارات الى مضمونها، لا ندعي ان الامام خصص لها عنوانا مستقلا ، بحيث عمد من خلال ذلك الى تحليل المشكلة وتفكيك عناصرها من خلال الموروث الفكري والنظري المتراكم من حولها، بغية اعادة تركيبها في تشييد نظري جديد يعبر عن موقفه منها. وانما بين ايدينا موروث مهم من النصوص والافكار والنظريات التي تعود الى الامام مباشرة او تنتمي الى مدرسته العرفانية، تسمح لنا باستنباط رؤية تعالج اشكالية المعاصرة على ضوء ما تقتضيه المنظومة العرفانية التي يتبناها ومذهبها الوجودي الذي ينتمي اليه.

على هذا ستكون المحاولة، في هذا المحور، اقرب الى الاجتهاد في استنباط النظرية وبناءمكوناتها، لكن على ضوء ما تسمح به نصوص الامام بخاصة وفكر المدرسة العرفانية بعامة، وفي اطار ما تقتضيه المنظومة نفسها.

الحقيقة، بمقدورنا ردم عدد من الثغرات وسد ما نواجهه من نقاط فراغ في الرؤية القرآنية للامام، عبر اللجوء الى هذا الاسلوب، فليست قضية المعاصرة القرآنية وحدها هي ما يمكن تغطيته على هذاالنحو، بل المجال مفتوح لممارسة الاجتهاد واستنباط الرؤى وبنائها وتشييدها ازاء غير قضية من القضايا الاخرى الشبيهة بهذه القضية، والخروج بصياغة نظرية تتجاوب مع ما يقتضيه مذهب الامام الفكري وانتمائه المدرسي.

لناخذ، مثلا، قضية ديمومة القرآن واستمراره في اداء رسالته على مر العصور من دون انقطاع، وكيف يمكن ان نخرج بهذه النتيجة من احشاء الرؤية الوجودية التي تجعل القرآن الكريم مظهرا لاسم الله الاعظم، اي الذات ماخوذا فيها الاسماء والصفات. فالامام هنا لا يلجا الى علم الكلام وحججه المعروفة في اثبات دوام القرآن وخلوده، انطلاقا من مقولة ان الاسلام هو الدين الخاتم، ومن ثم فهو بحاجة الى معجزة دائمة، والقرآن هو هذه المعجزة، بل يؤسس لذلك من خلال النظرية «الاسمائية» نفسها لتكون هي بمنزلة الاساس اوالمقدمة، ودوام القرآن وخلوده بمنزلة النتيجة او لازمة من لوازم النظرية. يكتب مدللا على ذلك: «لا يعد هذاالكتاب قابلا للنسخ والانقطاع، لان الاسم الاعظم ومظاهره ازليان وابديان»((303)). فما دام القرآن مظهرا للازلي؛ للاسم الاعظم وتجليا تاما له، فلا معنى لبلائه او انقطاعه او اقتصاره على عصر من دون آخر، بل هو حضور دائم متدفق من دون انقطاع تبعا لديمومة الاسم الاعظم نفسه وازليته.

هكذا الحال في المعاصرة القرآنية، فنحن ازاء عملية استنباط لتكوين الرؤية وبنائها، على انه من المفيد ان نكرر القول: ان فكر الامام ونصوصه لا يخلوان تماما من اشارات مباشرة الى المعاصرة القرآنية في بعض وجوهها، على ما سنلحظ ذلك لاحقا.

على ضوء ذلك كله، ستبدو الفاق امامنا مشرعة لاستخلاص رؤية الامام في المعاصرة القرآنية، من خلال المستويات الثلاثة التية:
أ ـ الرؤية الوجودية وما تقتضيه حصيلتها المعرفية.
ب ـ نظرية المقاصد القرآنية وما يترتب عليها من لوازم.
ج ـ مداخل متفرقة اخرى، وبخاصة مدخل تجدد المعاني بتعدد التلاوات.

أ ـ المعاصرة على ضوء الرؤية الوجودية
لن نستحضر النصوص بكثافة في هذه الفقرة، بل سنسوق مبادى الرؤية العرفانية للوجودوالانسان والقرآن بوصفها اصولا موضوعة، صحيحة وثابتة في مضمارها، وبالنسبة الى اهلها على الاقل.

نعرف ان التصور العرفاني عن نشاة الوجود يستند الى شبكة من الروابط الوجودية والسنن التكوينية الحقيقية. وللواقع في هذا التصور مراتب، اذ لكل شيء مراتب: (وان من شيء الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدرمعلوم) [الحجر/21]. فكل ما يصح عليه شيء حقيقة له مراتب، والمقصود بالشيء هو الشيء التكويني كالانسان والحيوان والانهار والاشجار مثلا، وليس الصناعي كالطائرة والدراجة. فلو اخذنا القرآن الكريم ـ حيث يتم عليه الكلام ـ فان له نشاة وجودية قبل هذا العالم اسوة بغيره من موجودات عالم الامكان، كما له مراتب تنزل عبرها الى ان بلغ صورته التي بين ايدينا، وكل مرتبة هي قرآن. كذلك الانسان واية حقيقة وجودية اخرى. يقول الامام الخميني مثلا: «للقرآن مراتب»((304))، كما يكتب في موضع آخر: «اعلم انه كما ان للكتاب التدويني الالهي [القرآن] بطونا سبعة وسبعين بطنا بوجه... كذلك الكتب التكوينية الالهية الانفسية [الانسان] والفاقية [العالم] حذوا بالحذو ونعلا بالنعل»((305)).

عندما نرجع خطوة الى الوراء، وبالتحديد الى صدر الدين الشيرازي (ت: 1050هـ) الذي لايوفر الامام فرصة الا ويغتنمها لكيل المديح له، نجد نصوصه تفيض بهذه المعاني، كما في قوله: «وبالجملة، ان للقرآن درجات ومنازل كما للانسان»((306)). ولا ريب في ان الشيرازي والامام الخميني ينهلان من معين ابن عربي (ت: 638هـ) الذي ارسى الاسس النظرية للمدرسة الوجودية، واقام منظومته على تواز مدهش بين القرآن والانسان والعالم، من حيث ان هذه جميعا كلمات الله وجوديا: «اعلم ان الممكنات هي كلمات الله التي لا تنفد»((307))، وانها جميعا تنطوي على مراتب: «ثم اعلم ان الله تعالى لمااظهر من كلماته ما اظهر قدر لهم من المراتب ما قدر»((308)).

هكذا يخلص هذا التصور الى ان لكل مفردة من مفردات الوجود الامكاني مراتب طولية متعددة، وباللغة العلمية فالواقع ليس متواطئا وانما مشكك له مراتب.

والسر من وراء هذا التصور، او المرتكز الذي يقوم عليه، هو ادخال العرفاء للاسماءوالصفات في هذه المنظومة، فعندما تدخل الاسماء والصفات على الخط تقود الى تعدد مراتب الواقع، بعكس مالو اغضينا عن هذه النظرية، اذ لن يكون ثمة معنى لتعدد المراتب. فايما حقيقة تدخل عليها مقولة تعدد مراتب الواقع، فانما يكون ذلك بسبب فاعلية نظرية الاسماء والصفات، واثرا لها.

المدلول المعرفي وانتاج المعاصرة
هذا التصور الوجودي الذي يفتح كل شيء على تعدد مستويات الواقع ومراتبه، يفتح باباعميقا للعصرية حين ننطلق به من القرآن، وناخذ بنظر الاعتبار دلالته المعرفية. فالنص القرآني الذي يعد التعبيراللفظي للوجودالواقعي التكويني للقرآن، يغدو قادرا معرفيا على استيعاب معطيات العصور في كل اتجاه، بدءامن الانسان نفسه وما يحرزه من عمق وانتهاء بالواقع المعيش وما يفرزه من معطيات. لكن ينبغي ان ننتبه الى ان القرآن لا يحقق المعاصرة هنا من زاوية كونه نصا ذا بنية لغوية متميزة، وان كان هذا امر لا ينكر ان له مدخليته الخاصة في توليد المزيد من المعاني، والسماح باستيعاب المعاصرة في احد اوجهها، وانما المعني به هنا، هو:عدهذا النص تعبيرا عن واقع ذي مراتب.

معرفيا، تعد كل رؤية، بافتراض صحة منطلقاتها وسلامة قواعدها، تعبيرا عن الواقع، او على نحو ادق تعبيرا عن درجة من درجات الواقع، ومن ثم فهي حق وواقع، ولكن بحسب تلك الدرجة التي انكشفت للعارف اوبلغها ذلك الانسان واصابها بنظره. وبذلك فالخط مفتوح لانتاج صيغ عصرية ومعان جديدة للنص القرآني باستمرار، تاخذ بحسبانها جميع ابعاد النمو في قابليات الانسان العقلية والكشفية، وما تنتجه تحولات الحياة من حوله وما تحرزه من ازدهار وتقدم.

المرتكز الملحوظ، هنا، في تعدد القراءات وتوالدها هو الواقع وليس الفهم. فالواقع هو الذي ينطوي على مراتب لا ان للفهم مراتب، فالفهم مرتبط بالواقع، وعلى نحو ادق بمرتبة من مراتب الواقع. وهذاالفهم صحيح من هذه الزاوية، مطابق للواقع ولا اشكال. والطريق مفتوح الى ما هو ارقى منه واكمل، مرتبطبقدرة الانسان نفسه على تجاوز المرتبة التي بلغها الى ما هو اعلى منها وهكذا. فعلى قدر ما يعمق الانسان مرتكزاته العقلية او الكشفية، باي طريق كان، بالرياضة العقلية ام بالتهذيب والتزكية ام بالالتحام مع الواقع الحياتي المعيش من حوله والافادة من معطياته، بمقدوره ان يصيب درجة اعلى من الواقع ويحقق فهما جديدا وارقى للنص القرآني.

مثال توضيحي
تفترض النظرية السائدة، في تفسير تعدد الافهام والقراءات، وحدة الواقع وتعدد الفهم، ومن ثم لا خيار للانسان الا ان يصيب ذلك الواقع الاوحد ويتطابق معه، ليكون قد اصاب الحقيقة نفسها، او ان يخطئه ويزيغ عنه ليكون قد اخطا الحقيقة. اما في النظرية العرفانية فالامر مختلف، اذ ان الافهام والقراءات تصيب الواقع باجمعها بافتراض صحة الضوابط الاخرى ولكن غاية ما هناك ان كل فهم او قراءة تصيبه في درجة اوفي مرتبة من مراتبه.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية