الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

«وها انا ذا اليوم اوالي التفسير مستعينا باللطيف الخبير، مؤملابما وقر به النفس، ان يشرح الله به قلوبا، ويهدي به امما... وليرفعن الله مدنيتهم الى العلا، وليكونن هذا الكتاب داعيا حثيثا الى درس العوالم العلوية والسفلية، وليقومن من هذه الامة من يفوقون الفرنجة، في الزراعة والطب والمعادن والحساب والهندسة والفلك، وغيرها من العلوم والصناعات، كيف لا، وفي القرآن من آيات العلوم ما يربو على سبعمئة وخمسين آية،فاما علم الفقه، فلا تزيد آياته الصريحة عن مئة وخمسين آية»((504)).

2 ـ الاتجاه الاصلاحي
ظهر هذا الاتجاه، في التفسير، لاول مرة على يد الشيخ محمد عبده((505))، ثم اقتفى اثره من بعده تلميذه محمد رشيد رضا، ثم المراغي وسيد قطب، حتى صار اتجاها بارزا في التفسير الحديث. سار في الاتجاه نفسه من الشيعة ايضا مفسرون بارزون منهم محمدحسين فضل الله في تفسيره من وحي القرآن، ومحمد جواد مغنية في الكاشف، ومحمد تقي مدرسي في من هدي القرآن، ومحمود طالقاني في قبس من القرآن وناصر مكارم الشيرازي في التفسير الامثل.

يمتاز هذا الاتجاه عن الاتجاهات الاخرى في التفسير بكونه يهتم بالبعد الاجتماعي والتربوي في اليات. اذ يسير التفسير في هذا الاتجاه مستهدفا دراسة اليات وتفسيرها من جوانبها الاصلاحية  على الصعيدين الاجتماعي والاخلاقي، وابراز ما تنطوي عليه من عناصر واطر بناءة اجتماعيا وتربويا.

فيجري التركيز، في هذا الاتجاه، على جملة محاور اجتماعية منها: هوية المجتمع المسلم،الفضيلة في حياة الانسان، القيم والمثل الانسانية، وحدة الامة وتلاحمها، الواجبات والمسؤوليات الاجتماعية، تشخيص عدو المسلم واصدقائه، النظم السياسية والاقتصادية والاخلاقية، السنن الالهية في حياة المجتمعات والحضارات واندثارها، مناهج التربية واساليبها، استثمار العواطف والمشاعر في صنع القيم والمثل، تفعيل الاسلام باعتباره مذهبا فكريا واجتماعيا، العدالة الاجتماعية، نظام الاسرة، وامثال ذلك.

ويتفق المفسرون الذين ينتمون لهذا الاتجاه على مبدا اساسي مفاده ان القرآن كتاب هداية وان على التفسير ان يؤدي دوره في تفعيل حركة القرآن في هداية المجتمع من خلال تقريبه من الواقع وتجسيدمفاهيمه الاصلاحية تجسيدا حيا. وقد مثل هذا الهم هاجسا مشتركا بين جميع التفاسير ذات المنحى الاصلاحي.

يقول محمد جواد مغنية في مقدمة تفسيره الكاشف:

«نظرت الى القرآن على انه في حقيقته وطبيعته كتاب دين وهداية، واصلاح وتشريع، ويهدف قبل كل شيء الى ان يحيا الناس جميعا حياة تقوم على اسس سليمة، ويسودها الامن والعدل، ويغمرهاالخصب والرفاهية»((506)).

ومع انه لم يمض وقت طويل على دخول هذا الاتجاه الى حقل التفسير، الا ان رواجه قدفاق اي اتجاه آخر في التفسير، وهذا انما يرجع الى الحاجة التي لا تزال موجودة ومحسوسة، وهذه الحاجة وضعت المفسرين امام تصورات جديدة عن القرآن، وكانت قادرة ايضا على تسريب الفكر الاصلاحي الى جميع مفاصل المنظومة الفكرية لدى المسلمين.

فمحمد عبده رائد الدعوة الاصلاحية كان واحدا من اولئك المصلحين الذين شاركوا جمال الدين الافغاني الاعتقاد بضرورة اصلاح منظومة الفكر الاجتماعي للمسلمين واعادة بنائها، مع فارق ان عبده كان يسعى الى تجسيد مذهبه الاصلاحي من خلال تفسيره للقرآن قبل اي شيء آخر.

3 ـ الاتجاه المادي
ليس لهذا الاتجاه اثر يذكر في التراث التفسيري القديم، فلم يظهر على مسرح التفسير الافي القرن الرابع عشر.

ويمثل تفسير سيد احمد خان الهندي المسمى «تفسير القرآن وهو الهدى والفرقان» الانموذج الابرز لهذا النمط من التفسير، ولعله التفسير الاول الذي دشن هذا النمط وادخله الى عالم تفسيرالقرآن، تلا ذلك ان بدا هذا الاتجاه يسفر عن وجوده في كتابات صدرت لكتاب واحزاب ذات ميول يسارية انتهجت النهج نفسه في تعاملها مع القرآن.

يمتاز هذا الاتجاه بتفسيره لبعض المعاني والموجودات الغيبية ومعجزات الانبياء بتفسيرات مادية، فتجري وفاقا لهذا النمط ممارسة تحليل اليات بذهنية مكتسبة من واقع مادي، يرفض اي معيار آخريتعارض مع قوانين المادة قرآنيا كان ام نبويا، ولا يقر غير الرؤى والتصورات الشخصية للمفسر في شان الواقع المادي والاجتماعي، ومن هنا كان هذا اللون من التفسير يمثل مصداقا صريحا للتفسير بالراي.

ومثالا على هذا النوع من التفسير: تفسير الوحي بتجليات عبقرية النبي((507))، وتصوير الجنة والنار تصويرا ماديا ارضيا((508))، وارجاع انفلاق البحر في قصة موسى الى ظاهرة المدوالجزر((509))، وتفسير الغيب بعمليات التحول الباطني للوجود((510))، وتفسير الايمان بالاتحاد بمظاهر الوجود التكوينية والتشريعية((511))، وتفسير الملائكة بجذوة الحياة في المادة((512))، وتفسير السجود بخضوع عناصر الكائنات بانسجامها مع مسيرة تكامل الموجودات((513))، وتفسير الشكر بالتحرر((514))، وتفسير التقوى بمسايرة دورة التطور،... الخ.

ان اعتقاد احمد خان بمبدا انسجام القرآن مع العلوم وعدم تضاد معانيه مع منجزات العلم التجريبي، ادى به الى تفسير القرآن تفسيرا يسعى الى اثبات هذا الاصل، معتقدا ان ما يقدمه من تفسير هو تمام المقصودوالمراد من اليات، المعبر عن انسجام القرآن مع حقائق العلم الحديث((515)).

لكن طائفة اخرى، من اصحاب هذا الاتجاه، كانت ترى ان تفسير القرآن لا بد من ان ينطلق من اكتشاف ارادة الخالق، وبما ان ارادة الخالق تغييرية تسير باتجاه تغليب المستضعفين على المستكبرين، فلا بداذن من تفسير القرآن وفاقا لنظرة تغييرية متحركة((516)).

لقد وقع اصحاب هذه الرؤية في خطا كبير، اذ ليست جميع معاني القرآن قابلة للاختصاربانعكاسات الواقع المادي او الاجتماعي، كي يتسنى من خلالها تفسير آيات الوحي، فقد تحدث القرآن عن امورمعنوية بالمقدار الذي تحدث فيه عن الحقائق المادية، واولى القيم الروحية والعقدية من الاهمية ما اولاه للنشاط الاجتماعي.

فالنظر الى القرآن، اذا، نظرة آحادية الجانب، وتحليل آياته وفاقا لمنطلقات ومعطيات ناقصة ومحدودة، يعد محاولة انحرافية وربما مغرضة، فهذا النمط من التفسير لو كان نابعا من قصور في الوعي وجمودفكري وانهزام امام العلوم الانسانية، فهو الانحراف عينه، وان كان صادرا عن انكار الوحي والاديان السماوية،ويرمي الى استغلال عقيدة الشعوب المتدينة لتمرير الافكار المادية الالحادية اليها، فليس ذلك الاالنفاق والخيانة!

4 ـ الاتجاه الشمولي في خضم تفاسير هذه المرحلة ظهر اتجاه آخر ينظر الى القرآن نظرة شمولية تستوعب محاور اليات وموضوعاتها الرئيسية.

فكثير من مفسري هذا القرن سعى، بالاضافة الى التفسير التجزيئي لليات وما تقدمه من معان، الى استيعاب روح اليات وجوهرها القرآني العام، فكان ظهور التفاسير الموضوعية تطبيقا عمليا لهذا المنحى. لكن هذا التحول لا يعني ابدا ان التفاسير التقليدية ذات المنهج الترتيبي كانت خالية تماما من هذا النمطفي معالجة غير واحد من الموضوعات.

التفاسير المهمة التي مثلت هذا الاتجاه هي: في ظلال القرآن، المنار، المراغي، المنير في العقيدة والشريعة، التيسير في احاديث التفسير، من وحي القرآن، من هدى القرآن.

يهدف هذا الاتجاه، بشكل اساس، الى رصد المحاور المهمة في القرآن لخلق جو يساعد على فهم آياته داخل اطار الترابط المتبادل بينها موقعا وموضوعا.

وبهذا يتم النظر الى اليات باعتبارها مجموعة واحدة متماسكة، لا باعتبارها عبارات مقطعة،ثم تلي ذلك مرحلة التفسير التجزيئي لليات التي تجري في ضوء روحها العامة المهيمنة عليها.

يقول سيد قطب في هذا الصدد: «ومن ثم يلحظ من يعيش في ظلال القرآن ان لكل سورة شخصية مميزة! شخصية لها روح يعيش معها القلب كما لو كان يعيش مع روح حي مميز الملامح والسمات والانفاس! ولها موضوع رئيسي او عدة موضوعات رئيسية مشدودة الى محور خاص، ولها جو خاص يظلل موضوعاتها كلها، ويجعل سياقها يتناول هذه الموضوعات من جوانب معينة، تحقق التناسق بينها وفاقا لهذا الجو»((517)).

وبالرغم من ان المفسرين الذين اختاروا هذا النمط من التفسير لم يذكروا في تفاسيرهم الدوافع التي دعتهم الى ذلك صراحة، الا ان طبيعة هذا العمل توحي بان الحاجة الى اكتشاف المبادى العامة والمركزية لبناء هيكل مفاهيمي عام للقرآن، يعين على تكوين فهم عام وشامل لمجموع اليات، كانت الدافع الذي وقف وراء اكتشاف هذا الاتجاه في التفسير.

المناهج الحديثة

تتوزع ابرز محاور هذا التحول في التفاسير الحديثة على ثلاثة مجالات:

1 ـ التفسير الموضوعي
التفسير الموضوعي، بصورة عامة، عبارة عن دراسة مجموعة اليات التي تتناول موضوعاواحدا لمعرفة راي القرآن في شان هذا الموضوع. لا فرق في ذلك سواء اخذ الموضوع من القرآن ام من خارجه، وسواءكانت الآية ترتبط بالموضوع مباشرة ام بصورة غير مباشرة وعامة. وهذا هو المتبع في التفاسيرالتي اعتمدت التفسير الموضوعي.

والتفسير الموضوعي منهج في التفسير لا يفسر آيات القرآن تفسيرا تجزيئيا ياخذ كل آية بمفردها، بل يتعامل مع اليات من زاوية الموضوع المشترك بينها، فالمفسر يسعى، في هذا المنهج، الى استنطاق القرآن في موضوع معين للحصول على رؤية قرآنية شاملة عنه تستوعبه في جوانبه المختلفة((518)).

يعود تاريخ ولادة هذا المنهج الى القرون الاسلامية الاولى؛ حيث يمكن مشاهدة نماذج منه في تفسيرات الائمة(ع) لبعض الموضوعات، الا ان القرن الاخير شكل مرحلة انتقالية نوعية بالنسبة لهذا المنهج، اذ بلغ معه مرحلة تؤهله لصياغة منهج متميز في التفسير.

ولعل نشوء المذاهب الكثيرة، على الصعيدين الفكري والاجتماعي، في العصر الراهن، كان هو الدافع الابرز الذي جعل المفسرين ينتهجون المنهج الموضوعي في تفسيرهم للقرآن.

فدخول المذاهب والاتجاهات المختلفة التي افرزها العقل الغربي على الصعيدين الفكري والاجتماعي، كالماركسية والوجودية وما اليهما من مدارس في علم النفس والاجتماع والادب، وضع المجتمعات الاسلامية في مواجهة زوابع فكرية واجتماعية متعددة. فكان على مفكري المسلمين ان يواجهوا هذا التيارالفكري بتبيين الاسلام كما هو، وتاسيس نظرية اسلامية متماسكة وعصرية منبثقة من القرآن.

ومن هذا المنطلق، يؤكد المتبنون لهذا المنهج على ان التفسير الموضوعي هو المنهج الوحيد القادر على تلبية متطلبات العصر((519))، ولا مناص لنا من اعتماده لو اردنا ان نضع الاسلام، بوصفه منهجا حيا،حي في مقابل سائر المناهج الوضعية، والا فالمنهج التجزيئي ليس كافيا للاضطلاع بهذه المهمة، لانه قاصر بل عاجز عن اعطاء رؤية شاملة ونهائية، على الرغم مما فيه من ايجابيات.

وقد رد بعضهم على هذا المنهج بالقول: ان التفسير الموضوعي يقود الى فصل كل آية عمايحيط بها من نصوص وقرائن سابقة عليها او لاحقة لها، وهذا الاجراء يحرمنا من المعرفة الصحيحة للمراد من اليات، لوجودعلاقة عضوية تصل كل آية بسياقها((520)). وهو اعتراض يعاني من مفارقة، لان التفسير الموضوعي لا يقتصر على تصنيف اليات في مجاميع موضوعية ليقف عند هذا الحد، بل ياخذ كل آية بعد ان يستوفي دراستها على المستوى التجزيئي بجميع ما يحف بها، ثم يضعها في مجموعة واحدة مع آيات اخرى تشاركها الموضوع نفسه.

فالتفسير الموضوعي، اذا، يعتمد سياق اليات، بقدر ما يعتمد التفسير التجزيئي. وليس ثمة تعارض بين المنهجين، كما يذهب الى ذلك بعض الباحثين كالشهيد محمد باقر الصدر، بل من الممكن ان يكون الاول مكملا للثاني ايضا((521)).

2 ـ تفسير القرآن بالقرآن
هذا المنهج هو المنهج الاوسع تداولا وتطبيقا في التفسير الحديث، ولعله يمكن القول: ان اغلب تفاسير العصر الحديث ادعت الالتزام به، وذلك بالاعتماد على ترابط اليات في ما بينها ودور كل آية في تفسيرهاللاخرى. وفي هذا المنهج لا يهدف المفسر الى سوق اليات باتجاه خاص (وهذا هو السبب في عدم وضعه في عداد الاتجاهات التفسيرية)، بل ان المفسر يبذل ما في وسعه لاستبيان معاني اليات بالرجوع الى آيات اخرى.
وذلك لا ينافي ان يكون المفسر الذي يلتزم هذا المنهج ذا اتجاه اصلاحي او كلامي او غير ذلك.

و من هنا يمكن القول: ان تفسير القرآن بالقرآن منهج عام ينسجم مع جميع الاتجاهات التفسيرية، الا ان الاتجاهات قد تختلف في درجة تعاطيها هذا المنهج وتطبيقها له شدة وضعفا.

اما من الناحية التاريخية، فيمكن القول: ان اول من عمل بهذا التفسير هم الائمة من اهل البيت(ع)، اذ تلاحظ ملامح منه في ما اثر عنهم من تفسير لكثير من اليات، الامر الذي جعل العلامة الطباطبائي يعتقدانهم(ع) كانوا يعتمدون في تفسيرهم للقرآن هذا المنهج منذ القرون الاولى((522)). ولكن، ومع ذلك فالتفاسير القديمة لم تمارس هذا الاسلوب بشموليته وخصوصياته الراهنة، وما نشاهده فيها من احالات احيانا الى اليات، لا يعدو الاحالة في حالات مشابهة الى ابيات من الشعر العربي، وهذا بالطبع يختلف كثيرا عن تفسير القرآن بالقرآن الذي ظهر مؤخرا بوصفه منهجاواضح المعالم. اما تبلوره منهجا وتطبيقه بشكل شامل ومبدئي، فذلك لم يحصل الا في القرن الاخير، فربما لاتجد مفسرا معاصرا لم يدع هذا المنحى مستدلا في مقدمة تفسيره بالقول المعروف: «القرآن يفسر بعضه بعض». لكن النجاح لم يكن حليف جميع المحاولات بالطبع. فلدى الشيعة انموذجان بارزان نجحا في ممارسة هذاالمنهج هما تفسير الميزان وتفسير الفرقان، اما عند السنة فيعد تفسير اضواء البيان الانموذج الابرز في ممارسته،ثم سرى هذا المنهج الى بقية التفاسير بشكل او بآخر، شدة وضعفا، حتى صار ـ كما قدمنا ـ صفة غالبة على تفاسير العصر.

اما على مستوى التطبيق، فلم يتفق المفسرون المتاخرون على نمط واحد في تطبيق هذاالمنهج، فنجدهم ينقسمون في ذلك الى فريقين، فريق يطبقه بنمط ظاهري شكلي يعتمد في فهم معاني اليات على استقراءالكلمة في القرآن بهيئاتها المختلفة، وهو ما نشاهده بوضوح في تفسير بنت الشطى المسمى «التفسير البياني للقرآن الكريم»، حيث عملت على تتبع استخدام القرآن للالفاظ واستخداماتها في اليات للكشف عن جوانبها البلاغية والدلالية، حتى انها تمسكت بالاطلاق بناء على هذا المبدا حتى مع وجود تقييد اوتخصيص من قبل الروايات، وكتبت في مقدمة تفسيرها تقول:

«ان الاعتماد على نص الآية... يجنبنا هذا العناء، فان الفهم الصحيح لكلمات واسلوب القرآن يغنينا من التكلف والتاويل والتقييد والتخصيص والتعميم»((523)).

وطبّقه فريق آخر بنمط اكثر عمقا، وذلك بالافادة من ترابط اليات في الموضوع والمضمون في التفسير، من دون التقيد بالترادف الشكلي والظاهري للالفاظ، فهذا النمط الذي استخدمه تفسيرالميزان بنجاح،وكذلك الفرقان الى حد ما، يعتمد على مبدا ان موضوعات القرآن يؤثر بعضها في بعض وينسجم بعضها مع بعض، فهي تؤلف بمجموعها منظومة يحتاج فهم كل جزء منها الى استيعاب المجموع، فيغني الرجوع اليه والاسترشاد به عن اي معيار او مقياس من خارج القرآن، لان القرآن الذي هو تبيان لكل شيء لا بد من ان يكون مبينا لنفسه قبل ان يبين غيره.

والذي جعل المفسرين يلجؤون الى هذا المنهج عاملان:

أحدهما: ضعف المناهج الاخرى وعدم صلاحيتها التامة لفهم القرآن. يقول العلامة الطباطبائي في هذا الشان:
«وانت اذا تاملت في جميع المسالك المنقولة في التفسير، تجد ان الجميع مشتركة في نقص، وبئس النقص، وهو تحميل ما انتجه الابحاث العلمية او الفلسفية من خارج على مداليل اليات، فتبدل به التفسير تطبيقا،وسمي به التطبيق تفسيرا، وصارت بذلك حقائق من القرآن مجازات، وتنزيل عدة من اليات تاويلات، ولازم ذلك ان يكون القرآن، الذي يعرف نفسه بانه هدى، مهديا اليه بغيره، ومستنيرا بغيره،ومبينا بغيره»
((524)).

والآخر: هو العودة الى الترابط الهيكلي بين اليات موضوعيا، الامر الذي كان غائبا رغم حضوره في تفاسير الائمة عن الاذهان طوال تاريخ التفسير، وعاد الى مسرح التفسير ثانية في القرن الاخير.

3 ـ المنهج التبسيطي
ثمة أسلوب آخر ظهر في مجال تفسير القرآن، في القرن الاخير، وهو التبسيط في عرض الافكار والبعد عن التعقيد. فقد كان الماضون يبالغون في توظيف مصطلحات مختلف العلوم والفنون، حتى انهم كانوا يتبارون في ذلك كما يقول المراغي، فكانت التفاسير التي لا تعتمد منهج التفسير بالماثور اقرب الى كتب الفلسفة والتصوف منها الى تفسير القرآن! في حين ان تفاسير القرن الاخير خلعت عن نفسها ثوب التعقيدوتقمصت التبسيط في الكتابة وبيان معاني القرآن، فهدف التفسير الحديث لا يتوقف عند فهم اليات كما كان شان التفسير قديما، بل صار يتعداه الى افهام المخاطبين واقناعهم.

يقول محمد جواد مغنية في ذلك: «واذا اهتم المفسرون القدامى بالتراكيب الفصيحة والمعاني البليغة اكثر من اهتمامهم باقناع القارى بالقيم الدينية، فلان العصر الذي عاشوا فيه لم يكن عصر التهاون والاستخفاف بالدين والشريعة وقيمه، كما هو الشان في هذا العصر، فكان من الطبيعي ان تكون لغة التفسير ايام زمان غيرها في هذا الزمان»((525)).

وعلى كل حال، فلمسة التبسيط بادية في اغلب تفاسير القرن الرابع عشر، وذلك انما نشا من تنامي حالة الاحساس بضرورة الاستجابة لمتطلبات العصر.

جذور التغيير في مناهج التفسير الحديث

يمثل عنصر الواقعية والشعور بالمتطلبات الراهنة، او بتعبير آخر، تجاوز المعاني المجردة وملاحظة الاحوال والظروف القائمة واستنطاق القرآن في شانها، قاسما مشتركا بين اغلب التفاسير الحديثة.فكان من منجزات تلك النظرة الواقعية التي تعير متطلبات الحياة اهتماما اساسيا ان تحرر التفسير الحديث مماكانت تنوء به تفاسير المتقدمين كالاسرائيليات والبحوث الادبية والاحاديث وغير ذلك، فلا نجد لها في تفاسيرهذا القرن كثير اهتمام، وظهرت اتجاهات جديدة في التفسير كالاتجاه العلمي والاتجاه الاصلاحي والاتجاه المادي الفت، بعضها مع بعضها الخر، طيفا متعدد الالوان في التفسير، واءدخلت الى التفسيراساليب جديدة لم تكن مالوفة فيه من قبل، هذا كله بفضل اقتراب المفكر الاسلامي من الواقع، واحساسه بضرورة الاستجابة لتحدياته الراهنة.

يسوغ محمد رشيد رضا الحاجة لتفسير جديد للقرآن بقوله:

«فكانت الحاجة شديدة الى تفسير تتوجه اليه العناية الاولى الى هداية القرآن، وعلى الوجه الذي يتفق مع اليات الكريمة المنزلة، في وصفه، وما انزل لاجله من الانذار والتبشير والهداية والاصلاح... ثم العناية الى مقتضى حال هذا العصر في سهولة التعبير، ومراعاة افهام صنوف القارئين، وكشف شبهات المشتغلين بالفلسفة والعلوم الطبيعية وغيرها»((526)).

ويقول مفسر آخر في هذا الصدد: «ولقد ابتعدت الشخصية المسلمة كثيرا عن التحقق بمعاني القرآن، وابتعدت الامة الاسلامية كثيرا عن تمثل كتاب الله، ولا بد من بذل جهد لاعادة المطابقة، بحيث تعود الشخصية الاسلامية الى ان يكون القرآن خلقها، وبحيث يعود القرآن الى الظهور في حياة الامة المسلمة»((527)).

ويحلل كاتب التفسير الامثل هذا الموضوع بقوله: «من المسائل التي تلمسناها بوضوح، عطش الجيل الراهن لدرك المفاهيم الاسلامية والمسائل الدينية، وخلافا لما يردده اليائسون والمتشائمون، ان هذا الجيل لايتوق الى الفهم وحسب، بل يتلهف الى ان يرى التطبيق العملي لهذه المفاهيم. ومن الواضح ان امام هذا الجيل التواق مسائل غامضة، ونقاط ابهام، ومواضع تساؤل كثيرة، والخطوة الاولى لتلبية، هذه الحاجات،اعادة كتابة التراث العلمي والفكري الاسلامي بلغة العصر، وتقديم كل هذه المفاهيم السامية بهذه اللغة الى روح الجيل وعقله، والخطوة الاخرى، استنباط الاحتياجات والمتطلبات الخاصة بهذا الزمان من مبادى الاسلام العامة،وقد دون هذا التفسير على اساس هذين الهدفين»((528)).

هذه الرؤية، لدى مفسري القرن الرابع عشر، تعكس بوضوح حقيقة ان التفسير قد خرج في العصر الحديث عن كونه مجرد علم نظري، واتجه صوب الواقع يقترب منه شيئا فشيئا، ليستوعب ضروريات الحياة ويستجيب لمتطلباتها.

الشيعة واشكالية تحريف القرآن
دراسة في سورتي النورين والولاية

د. فتح الله النجار

مدخل

ان تحقيقات العلماء والباحثين في العلوم القرآنية، في سورتي النورين والولاية، لاتسبب اية مشكلة طالما لم تخرج عن المسار التخصصي لمثل هذه الابحاث، خصوصا اذا روعيت التقوى العلمية فيه؛ اذ من حق كل احد ان يتعرض للبحث في الموضوعات التي ترتبط بدائرة اهتمامه، ويبين النتائج التي ينتهي اليها في المجال التخصصي لتلك الموضوعات. وعلى العكس من ذلك، فان نشر هاتين السورتين خارج دائرة المتخصصين في العلوم القرآنية، واثارتهما في كتب متعددة ومجلات مختلفة، مع ادعاءات ليس لها اي مدرك اوسند، من قبيل: رواجهما بين الشيعة، والخروج من ذلك باستنتاج مفاده ان الشيعة تقول بتحريف القرآن « النقيصة»،((529)) او وجود سورة النورين في مصحف الامام علي(ع)، واسقاط عثمان لهما من القرآن حين جمعه له((530))، وحتى اكثرمن ذلك ادعاء وجود مصحف سري يتداوله الشيعة بدليل هاتين ال((531)) سورتين، الى ما هنالك من ادعاءات واقاويل، ذلك كله بلا شك خارج عن دائرة التحقيق، وقد ادى، ويؤدي، الى بث الشك في افراد كثيرين في صحة القرآن، لا بل انه يترك ـ ولو عن غير قصد ـ آثار ضارة في الاذهان((532)).

نظرة الى بناء سورتي النورين والولاية ومحتواهما

تنبني هاتان السورتان ومقصودهما الكلي على امامة اهل البيت(ع)، وخصوصا الامام علي(ع)، كما تشتمل ايضا على انحراف مخالفيهم وارتدادهم، مع تهديدهم بعذاب الله، وهو بناء خطى لدى الباحثين في العلوم القرآنية، بل ولدى من عنده اقل اطلاع على محتوى القرآن الكريم وفصاحته وبلاغته، كما ان المحتوى الباطل لهاتين السورتين دليل واضح للحكم بجعلهما (صنعهما) وفقدانهما الاساس العلمي، وكل من ينظر بعين الانصاف لهمالا يتردد ابدا في الحكم باختلاقهما وجعلهما((533)).

ومثالا على ذلك نقرا، في الفقرة الاولى، من سورة النورين:
«يا ايها الذين آمنوا، آمنوا بالنورين انزلناهما يتلوان عليكم آياتي ويحذرانكم عذاب...»، فما هو المراد بالنورين المنزلين اللذين يتلوان اليات، ويحذران الناس من العذاب؟ هل هناك معنى معقول ومحصل لهذه الجملة؟!

او ما نقراه في فقرة اخرى: «واصطفى من الملائكة وجعل من المؤمنين اولئك في خلقه...»، لماذا اختار الملائكة واصطفاهم وجعل من المؤمنين؟ وما هو معنى كونهم في خلقه؟

او ما نقراه، ايضا، في فقرة ثالثة: «ولقد ارسلنا موسى وهارون بما استخلف فبغوا هارون فصبر جميل»، ما هو معنى هذه الجملة التي لا يعرف اولها من آخرها!؟

وفي فقرة رابعة نقرا: «ولقد اتينا بك الحكم كالذين من قبلك من المرسلين وجعلنا لك منهم وصيا لعلهم يرجعون»، فما هو معنى اتيانه الحكم، وما هو معنى امكان رجوعهم؟ ما هو مرجع الضمير في «لعلهم» وفي «يرجعون»؟

ونقرا، ايضا، في فقرة اخرى: «يا ايها الرسول قد جعلنا لك في اعناق الذين آمنوا عهدا فخذه وكن من الشاكرين»، ولنا ان نتساءل: كيف ياخذ النبي العهد الذي له في اعناق المؤمنين ويكون من الشاكرين؟

من الممكن ان تكون هذه العبارة مجعولة تقليدا لقوله تعالى، في الآية 144، من سورة الاعراف، والتي يخاطب بها موسى(ع):(قال يا موسى اني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين * وكتبنا له في الالواح من كل شيء...)، حيث اننا نجد في هذه اليات الامر الالهي لموسى باخذ الالواح والشكر لنعمة اعطائه التوراة، وهذا امر يمكن ادراكه وفهم معنى معقول له.

وفي فقرة اخرى نقرا: «ان عليا قانت في الليل ساجد يحذر الخرة ويرجوثواب ربه قل هل يستوي الذين ظلموا وهم بعذابي يعلمون»! ما هو محل عبارة «هل يستوي الذين ظلموا»؟ وما هي مناسبتها لما يليها؟

من الممكن ان يكون جاعل هذه الفقرة قد استحضر في ذهنه قوله تعالى في الآية 9 من سورة الزمر: (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون)، فأراد ان يتمثله في كلامه من دون ان يكون عارفا بسبكه وسياقه، بل وغافلا عن ان هذه الآية جاءت في مقام الاستفهام الانكاري، وان القرآن في صدد اجراء مقارنة بين اولئك الذين يجعلون الله شريكا جهلا وعنادا لكي يضلوا الناس، واولئك الذين يقومون الله في الاسحار خاضعين متذللين منتظرين رحمته تعالى. ففي هذه الآية الشريفة الاستفهام الانكاري واضح وفي محله، ولكن ماهو محله ومعناه في العبارات المجعولة والسخيفة آنفة الذكر؟

أما سورة الولاية المجعولة فتقع في سبع فقرات كالتي: «يا ايها الذين آمنوا آمنوا بالنبي وبالولي اللذين بعثناهما يهديانكم الى صراط مستقيم؛ نبي وولي بعضهما من بعض وانا العليم الخبير؛ ان الذين يوفون بعهد اللهلهم جنات النعيم؛ والذين اذا تليت عليهم آياتنا كانوا ب آياتنامكذبين؛ ان لهم في جهنم مقاما عظيما اذا نودي لهم يوم القيامة اين الظالمون المكذبون المرسلين؛ ماخلقهم المرسلين الا بالحق وما كان الله لينظرهم الى اجل قريب؛ وسبح بحمد ربك وعلي من الشاهدين».

يوجد، في هذه السورة المزعومة، الكثير من الاغلاط الفاحشة والعبارات التي لامعنى لها، مثل: بعث الولي في الفقرة الاولى، وعدم خلق المرسلين الا بالحق، وعدم اعطائهم مهلة الى اجل قريب، وتركيب الامر بتسبيح الله مع شهادة الامام علي(ع)في الفقرات الاخيرة و...، ذلك كله شاهد واضح على جعل هذه السورة من قبل افراد غير عارفين بنسج القرآن ومحتواه.

وعلى اي حال، لن يجد كل من يقف على ادلة سلامة القرآن من التحريف،ويلاحظ العبارات المضطربة التي لا يعلم اولها من آخرها في هاتين السورتين المزعومتين... لن يجد امامه سوى الحكم بجعلهما من دون تردد او ارتياب، بل ولن يرى في نفسه حاجة لاي بحث آخر.

طبعا لا يختص هذا الامر بهاتين السورتين المجعولتين، بل هو حاصل في كل من سعى للاتيان ولو بسورة من مثله لتكون عاقبة امره الفضيحة والسخرية، والسبب في ذلك انه لا يمكن الاتيان بمثل القرآن، ولايمكن مقايسة محتواه الرفيع وبنائه الجميل مع اي نص آخر.

وما نهدف اليه، هنا، هو التحقيق التاريخي في مصادر هاتين السورتين ومستنداتهما، لكي يطلع الباحثون في العلوم القرآنية عن كثب على نقطة البداية في جعلهما، ولكي تنتهي الادعاءات العبثية وغير المنصفة عن وجود هاتين السورتين في مصحف الامام علي(ع)، ويثبت من ثم انه لاوجود لهما قبل القرن الحادي عشر الهجري، لا في المصادر الشيعية ولا في غيرها، وليظهر في نهاية المطاف بطلان ظن الذين دانوا بتحريف القرآن.

سورتا النورين والولاية في المدار الاستشراقي

يمكن اختصار مقالات المستشرقين وتحقيقاتهم في مصادر سورتي النورين واسانيدهما والولاية كالتي:

أ ـ نولدكه (1836 ـ 1931 م noldeke): ينقل في كتابه: «تاريخ المصاحف» عن كتاب «دبستان مذاهب» كلاما عن هاتين السورتين((534)).

ب ـ غولدتسيهر (1850 ـ 1921 م Ignas Gogdziher): يعرض بتفصيل اكثر لهذا المطلب، فيقول: «وهم ـ أي الشيعة ـ في الحق لا ياتون بالاجزاء الناقصة من النص؛ وبدلا من ذلك جاؤوا بسور ساقطة بالكلية من القرآن العثماني، اخفتهما الجماعة التي كلفها عثمان بكتابته عن سوء نية في زعمهم، اذ هي تشتمل على تمجيد لعلي، وقد نشر غارسان دي تاسي Garcin de Tassy ومرزا كاظم بك، لاول مرة في المجلة الآسيوية (1842) Journal Asiatique، سورة من هذه السور المتداولة في دوائر الشيعة.

وحديثا، وجدت في مكتبة بانكيبور (بالهند) نسخة من القرآن تشتمل فضلا عن هذه السورة على سورة «النورين» (41 آية)، وسورة اخرى شيعية ايضا (ذات سبع آيات)، وهي سورة الولاية، اي الموالاة لعلي والائمة، كما تشتمل على تفسيرات مذهبية كثيرة في بقية السور المشتركة.

وكل هذه الزيادات الشيعية نشرها كليرتسدال w.st. Clair Tisdal باللغة الانجليزية

241, shiah adidtion - (the moslem world ، (1913) 111 227 to the, koran)

وكل ذلك يدل على استمرار افتراض الشيعة حصول نقص غير قليل في نص القرآن العثماني بالنسبة الى المصحف الاصلي الصحيح»((535)).

اذن السورة التي نشرها «دي تاسي» و«كاظم بك» كانت وفاقا لادعاء غولدتسيهر متداولة في الاوساط الشيعية، وان هاتين السورتين هما غير السورتين اللتين وجدتا في نسخة من القرآن، كما انه يدعي ومن دون ذكر اي مستند لكلامه ان الشيعة يعتقدون بان المباشرين لتدوين المصحف العثماني كانوا قد اسقطوا هذه السور منه لاشتمالها على فضائل علي(ع)!

والابحاث التي ينبغي التعرض لها، في هذا المجال، هي:
1 ـ ما هو المصدر الذي استند اليه كل من «غارسان دي تاسي» و«كاظم بيك» في ما ذكراه عن هاتين السورتين؟
2 ـ هل ان السورتين اللتين نقلهما «غارسان دي تاسي» و«كاظم بيك» هما غيرسورتي النورين والولاية؟
3 ـ هل ان كليرتسدال الذي قال غولدتسيهر، في شانه، انه جمع في مكان واحدتمام الموارد التيءدعي تحريفها في القرآن نقل من السور الساقطة شيئا غير هاتين السورتين؟

يمكن الحصول على اجوبة هذه الاسئلة بمراجعة المصادر نفسها التي ذكرها غولدتسيهر.

ففي سنة 1842م، قام دي تاسي ولاول مرة بنقل سورة النورين من العربية الى الفرنسية لينشرها في مجلة (Journal Asiatique)ا ((536))، وقد ذكر ان مصدر هذه السورة هو كتاب فارسي باسم: «دبستان مذاهب»، وهو كتاب يعود تاريخه الى القرن السابع عشر الميلادي (الحادي عشر الهجري)، وهو من تاليف شخص ايراني زردشتي يقيم في الهند((537)).

وفي السنة التالية ـ اي 1843 م ـ قام الميرزا اسكندر كاظم بيك بترجمة ادق لهذه السورة على اساس نسخة، في 43 آية، ونشرها في المجلة آنفة الذكر نفسها، ولم يذكر كاظم بيك شيئا عن النسخة التي قام بالترجمة اعتمادا عليها((538)).

وبمقايسة متن سورة النورين في هاتين الترجمتين، يلاحظ عدم وجود اي فرق في الفاظهما، الامر الذي يدل على ان كاظم بيك قد اعتمد هو الآخر على كتاب «دبستان مذاهب»، اي الكتاب نفسه الذي اعتمد عليه غارسان دي تاسي في ترجمته.

وفي تموز من عام 1913م، قام كليرتسدال بنشر مقالة في مجلة(The moslem World) تحت عنوان: «اضافات الشيعة على القرآن»، ذكر فيها علاوة على سورة النورين في 42 فقرة (آية) سورة أخرى هي سورة الولاية في سبع فقرات (آيات)، وقام بنقل متنيهما الى اللغة الانجليزية((539)).

وبالنسبة للمصدر الذي اخذ منه هاتين السورتين ذكر ما ياتي: «نقلت هاتين السورتين من نسخة خطية للقرآن يعود تاريخها اما للقرن السادس عشر او للقرن السابع عشر الميلادي في بانكيپورفي الهند»((540)).

ويقر كليرتسدال بما ياتي: «ان من عنده معرفة باللغة العربية يمكنه ان يكتشف جعل هاتين السورتين ما عدا اجزائهما الماخوذة فعلا من القرآن. ان اسلوب جعل هذه الاضافات هو تقليد غير موفق ابدا للقرآن، علاوة على ما فيهما من اغلاط نحوية. ان متن سورة النورين في النسخة التي هي في متناول يدي يختلف في كثير من الموارد عن المتن الذي نشره كانن سل (Canon Sell)، ان ما نشره «سل» كان قد اخذه من مقالة ميرزا كاظم بيك المنشورة في المجلة الآسيوية».

اذن، اقدم تاريخ معروف لهاتين السورتين هو القرن السادس عشر الميلادي على فرض ان تكون تلك النسخة من القرآن قد كتبت في ذلك القرن والموارد التي يقول كليرتسدال: انها تختلف عما هو موجود في المتن الذي نشره كانن سل هي من قبيل اختلاف النسخ، وهو امر طبيعي في النسخ الخطية.

ويدعي محمد صبيح وجود سورة في مصحف علي بن ابي طالب(ع) باسم سورة النورين اسقطها عثمان من المصحف الموجود، ذكر منها 15 فقرة من اصل 43، من دون ان يذكر المصدر الذي اخذها منه((541)).

ويذكر محمد جواد مشكور ايضا: «وجدت في الهند نسخة مجعولة من القرآن تشتمل ـ علاوة على سورتي الولاية والنورين ـ على سورة اخرى تتالف من سبع آيات، يزعم غلاة الشيعة انها سورة ولاية علي والائمة»((542)).

وقد اشتبه مشكور، هنا، لانه لا توجد سورة اخرى باسم سورة الولاية لعلي والائمة غير سورتي النورين والولاية، ومقارنة النص الذي ذكره مشكور لهذه السورة المدعاة مع ما ذكره اللاهيجي((543)) وكليرتسدال((544)) باسم سورة الولاية يدل على ان هاتين السورتين هما سورة واحدة. ومصدر الجميع، ايضا، ليس الا نسخة خطية للقرآن لا يعرف لها اسم ولارسم ادعي العثور عليها في بلاد الهند.

والحاصل ان المصدر الذي اعتمد عليه المستشرقون ومشكور وآخرون، في سورتي النورين والولاية، ليس الا كتاب «دبستان مذاهب»، ونسخة من القرآن، قيل: انها كتبت في القرن السابع عشر الميلادي، من دون ان يذكر هؤلاء اي مصدر آخر اعتمدوا عليه.

سورتا النورين والولاية في تاليفات السلفيين

من يلاحظ كتابات السلفيين (الوهابيين) يرى انهم كثيرا ما يتشبثون بهاتين السورتين المجعولتين لاجل اتهام الشيعة بتحريف القرآن، والمحرك الاساسي لهذه الحركة هو راس المذهب الوهابي، اعني محمد بن عبدالوهاب (1206 هـ)، اذ يقول في هذا المجال: «... قيل: [اظهروا جاي الشيعة]، في هذه الازمنة، سورتين يزعمون انهما من القرآن الذي اخفاه عثمان، كل سورة مقدار جزء، الحقوهما بآخر المصحف، سموا احداهما سورة النورين واخرى سورة الولاء»((545)).

وبعده، اصر اتباعه على هذا الاتهام، مثل: الشاه عبد العزيز الدهلوي(1239 هـ)((546))، علي احمد السالوس((547))، محب الدين الخطيب((548))، الدكتور موسى جار الله((549))، الدكتور ناصرالدين القفاري((550))، محمد مال الله((551))، احسان ظهير((552))، الدكتور احمد محمد جلي((553))، وآخرون.

وبعض هؤلاء، مثل الدكتور ناصر الدين القفاري، علاوة على استنتاجه من هذه المسالة تحريف القرآن واتهام الشيعة بالقول بذلك، يقول: «ان مسالة التداول السري لمصحف مفترى من الاخباريين امر وارد، ولعل هذا يفسر ما نشره محب الدين الخطيب واحمد الكسروي (الشيعي الاصل) من صورة «لسورة» تسمى الولاية ماخوذة من مصحف ايراني»((554)).

ويكتب محب الدين الخطيب ايضا: «ان نتيجة البحث حول هاتين السورتين هي رواج قرآنين عند الشيعة، احدهما هذا القرآن، والخر قرآن خاص يخفيه الشيعة عندهم»((555)).

ان المصادر التي اعتمد عليها هؤلاء وايضا احمد كسروي ليست الا كتاب «دبستان مذاهب» و«تاريخ المصاحف» لنولدكه، و«مذاهب التفسير الاسلامي» لجولدتسيهر، و«فصل الخطاب» للمحدث النوري،و«تذكرة الائمة» لمحمد باقر اللاهيجي، وقد سبق البحث في المصدر الذي اعتمد غولدتسيهر عليه.

وقد نقل محمد باقر اللاهيجي ايضا هاتين السورتين من دون ان يذكر المصدر الذي اخذهما منه((556))، ولكننا بمقايسة المتن الذي ذكره لهما مع المتن الذي ذكره مؤلف «دبستان مذاهب» نفهم انه انمايختلف عنه في بعض الكلمات فقط، الامر الذي يعود الى اختلاف النسخ.

اما البقية فقد اعتمدوا ايضا على كتاب «دبستان مذاهب»، فقط لا غير.

وهكذا المحقق النوري، نقل سورة النورين فقط من كتاب «دبستان مذاهب» تحت اسم سورة الولاية، ثم قال: «ظاهر كلامه انه اخذها من كتب الشيعة، ولم اجد لها اثرا فيها، غير ان الشيخ محمدبن علي بن شهرآشوب المازندراني ذكر في كتاب (المثالب) على ما حكي عنه، انهم [اي المخالفين] اسقطوا من القرآن تمام سورة الولاية، ولعلها هذه السورة، والله العالم»((557)).

ويبدو ان المحقق النوري لم يدقق بشكل كاف ـ وللاسف ـ عندما نقل راي «دبستان مذاهب»، كما لم يفعل ذلك مع قول الذين نسبوا لابن شهرآشوب هذه النسبة، وانما اعتمد على مانسبوه اليه من دون ان يحقق فيه، وسوف ياتي الكلام عنه قريبا.

ان تاريخ ظهور سورة النورين ـ بحسب نظرنا ـ ليس الا القرن الحادي عشر الهجري مع كتاب «دبستان مذاهب». و«تذكرة الائمة» الذي يعود تاريخه الى حوالى مئة عام بعد كتاب «دبستان مذاهب» قام بنقل هذه السورة منه. وهناك نسخة مجهولة من القرآن كتبت في القرن السابع عشر الميلادي ادعى كليرتسدال اشتمالها على سورة النورين، ويحتمل بقوة ـ مع ملاحظة تاريخ كتابة هذه النسخة ـ ان يكون كاتبها قد اضاف فيها سورة النورين اعتمادا على كتاب «دبستان مذاهب»، ولا يوجد اي مصدر آخر لهذه السورة قبل هذا الكتاب (دبستان مذاهب).

كما ان سورة الولاية، ايضا، لم تؤخذ الا من تلك النسخة المجهولة للقرآن المكتوبة في القرن السابع عشر الميلادي.

ولا يوجد لهاتين السورتين اي اثر في مصادر الشيعة المتقدمة والمتاخرة، مثل الكتب الاربعة، وبخاصة الكتب التي هي مظان طرح هذه الامور، مثل: الكتاب المنسوب لسليم بن قيس (90 هـ)، وكتاب القراءات ـ والذي يطلق عليه اشتباها كتاب التنزيل والتحريف ـ لأحمد بن محمد السياري (256 هـ)، والتفسير المنسوب((558)) لعلي بن ابراهيم القمي.

وايضا، لا توجد هاتان السورتان في طيات كلام الذين يميلون الى الاعتقاد بتحريف القرآن، مثل: ابو الحسن محمد بن احمد المعروف بابن شنبوذ البغدادي (328 هـ) ((559)) من علماء السنة، والذي كان يعتقد مقولة التحريف وان عثمان كان قد اسقط من القرآن خمسمئة حرف.

وهكذا، لا توجدان، ايضا، في اي من كتابات اولئك الذين تعرضوا لمعتقدات الشيعة حول القرآن الى ما قبل القرن الحادي عشر الهجري، مثل: ابو الحسن الاشعري((560))؛ او الذين حملوا على معتقدات الشيعة واتهموهم بتحريف القرآن، مثل: ابن حزم الاندلسي(456هـ)((561))، والميرزا مخدوم الشيرازي((562))، ومطهر بن عبدالرحمن((563)) وكلاهما في القرن العاشر. واخيرا اولئك الذين تصدوا للدفاع عن معتقدات الشيعة، واجابوا عن اتهامهم بتحريف القرآن، مثل: الشيخ ابو جعفر الصدوق (381هـ)((564))، والشيخ المفيد(413هـ)((565))، والسيد المرتضى علم الهدى (436هـ)، والشيخ((566)) الطوسي (460هـ)((567))، والشيخ الطبرسي (548هـ)((568))، وعلي بن طاووس (664هـ)((569))، والحسن بن يوسف ابن المطهر المعروف بالعلامة الحلي(726هـ)((570))، والشيخ زين الدين العاملي البياضي (877هـ)((571))، والقاضي نور الله الشوشتري (1019هـ)((572))، وآخرون.

ولا يوجد، في اي من هذه المصادر، اي اسم او اثر لهاتين السورتين لا اثباتا ولا نفيا.وهذا ما اقر به المحقق النوري نفسه في كلامه الذي نقلناه آنفا، وهو ممن قل نظيرهم في كثرة التتبع وسعة الاطلاع، كما يشهد لذلك كتاباه «مستدرك وسائل الشيعة» و«فصل الخطاب».

اذن ـ كما ذكرنا مرارا ـ اول مصدر ذكرت فيه سورة النورين هو كتاب «دبستان مذاهب» الصادر في القرن الحادي عشر الهجري.

كتاب «دبستان مذاهب» وسورة النورين

ان مؤلف كتاب «دبستان مذاهب» بحسب التحقيق الذي قام به باحث الكتب القدير رضا زاده ملك شخص مجهول؛ ويستفاد مما ذكر في متن هذا الكتاب، ان مؤلفه ولد سنة 1052هـ، وكان لا يزال حيا في سنة 1069هـ. وبعد ان ضعف رضا زاده ملك نسبة هذا الكتاب الى محمد محسن فاني الكشميري ورآها نسبة غير واقعية بسبب ادلة عدة((573))، تعرض الى ذكر الادلة والقرائن والشواهد المختلفة، وخلص من ذلك الى النتيجة الاتية؛ حيث قال: «كل هذه القرائن والشواهد تكفي لنعتقد وبضرس قاطع ان مؤلف دبستان مذاهب هو احد الاتباع المخلصين لذر كيوان والمذهب الدساتيري، المذهب الذي يلقى احترام سائرالآذركيوانيين، وليس هو الا موبد [وهو رجل الدين في ديانة زردشت] كيخسرو استفنديار ابن آذر كيوان»((574)).

ثم يزيح، في تتمة بحثه، الستار عن الهدف من وراء تاليف «دبستان مذاهب»، فيقول: «ان مؤلف دبستان مذاهب نفسه داعية مذهب مجعول وزائف، غرضه الاساسي من وراء هذا الكتاب وان لم يصرح به آاضعاف الاسس الاعتقادية للمتدينين بالمذاهب الاخرى، وجرهم للانخراط في سلك المعتقدين بمذهبه، وفي السياق نفسه نراه ينقل مقدارا من المستندات الضعيفة والواهنة والمغرضة عن السنة حفنة من الناس الحشاشين المدمنين معدومي الثقافة.

وقد ساعد المستعمرون الانجليز، ايضا، مؤلف دبستان مذاهب على تحقيق غرضه، حيث كانوا اول من روج لهذا الكتاب ونقله الى اللغة الانجليزية، كما ان الطبعة الاولى لهذا الكتاب باللغة الفارسية تمت بجهود«ويليام بيلي»، السفير الانجليزي في الهند، وكان ذلك متزامنا مع سيطرة شركة الهند الشرقية على هذه المنطقة»((575)).

وقد لاحظ هذا الباحث ايضا انه في اول عدد من المجلات التي تعنى بشؤون العالم الاسلامي والمنطقة السيوية نشر متن هذه السورة تحت عنوان: السورة الشيعية، واستشهد بذلك لحكاية اعتقادالشيعة بتحريف القرآن.

ذلك كله يدل على مجانبة الانصاف ووجود فكرة «فرق تسد» Divide and Rule في اذهان هؤلاء المستعمرين.

وقد ساعد هؤلاء المستعمرون مخترعي الاديان والمذاهب الضالة والمحتالين الكذابين، في ذلك العصر، في الهند وايران، في نشر افكارهم تحت عناوين البابية والبهائية، وذلك بايجاد الفرقة بين المسلمين واضعاف عقائدهم ليستمروا في نهب اموالهم.

كما ان عبارات «دبستان مذاهب» نفسها عن سورة النورين تؤيد الباعث الذي ذكرناه لتاليف هذا الكتاب. يقول مؤلف هذا الكتاب تحت عنوان: «في ذكر مذهب الاثني عشرية»: «يذكر المؤلف هنا ماسمعه ورآه في سنة 1053 في لاهور من الملا محمد معصوم، ومحمد مؤمن التوني، والملا ابراهيم، وجماعة آخرين»((576)).

ثم يتعرض الى ذكر بعض معتقدات الامامية ليتطرق الى سورة النورين فيقول: «وبعض منهم يقولون بان عثمان قد احرق المصاحف، واسقط السور النازلة في شان علي وفضل آله، وهذه السورة هي احدى تلك السور»((577)).

ثم ذكر متن هذه الاسطورة المزعومة في 42 فقرة (آية).

ولم يذكر مؤلف «دبستان مذاهب» من هم هؤلاء «البعض» من الشيعة، او المصدرالذي اعتمدوا عليه في ما قالوه، وما هو مستندهم فيه. وعلى هذا، يمكننا الاهتمام اكثر بالاحتمال المذكور آنفا عن الهدف من تاليف هذا الكتاب، وهو عرض المؤلف لمقدار من المستندات المغرضة التي لا اساس لها بغية تضعيف الاسس الاعتقادية للمتدينين.

ويظهر من العبارة السابقة التي نقلناها من «دبستان مذاهب»، ايضا، الخطا الذي وقع فيه المحدث النوري حينما قال: «ظاهر كلام دبستان مذاهب انه نقل هذه السورة من كتب الشيعة»((578))، حيث ان مؤلف «دبستان مذاهب» نفسه يقول: «وبعض منهم يقولون...» لاانه ينقل ذلك من كتاب.

ابن شهر آشوب وسورة الولاية

ان النسبة التي ينسبها الآخرون الى كتاب «المثالب» لمحمد بن علي بن شهرآشوب، وينقلها المحدث النوري، لا اساس لها ابد؛ فالمحقق النوري يقول: «على ما حكي عنه»((579)) والمحكي هواشتمال كتاب «المثالب» على سورة الولاية، وهذه العبارة من المحقق النوري تدل على انه لم ير كتاب «المثالب» بنفسه.

والكتاب موجود بين ايدينا فعلا، وقد تفحصناه عدة مرات، ولم نعثر فيه على اي اثريدل على اسقاط سورة الولاية او حذفها منه. هذا اضافة الى ان ابن شهرآشوب قد بين رايه بصراحة في سلامة القرآن من التحريف، وكان رايه موافقا لراي السيد المرتضى علم الهدى (438هـ)((580)) وهويقوم على ان القرآن الذي بين ايدينا قد جمع ودون بين الدفتين في عصر النبي(ص).

وعند تعرضه لاهل السنة يقول: «وزعمتم انه ـ اي عثمان ـ جمع القرآن، وقال الله تعالى: (ان علينا جمعه وقرآنه؛ فاءذا قراناه فاتبع قرآنه) [القيامة/18]، ثم يتعرض لذكر اليات والاخبار المتعلقة بجمع القرآن في عصرالنبي(ص)، فيقول: «وقد ثبت ان النبي(ص) قرا القرآن وحصره وامربكتابته... وكان يقرا على جبرئيل كل سنة مرة الا السنة التي قبض فيها، فانه قرا عليه مرتين، وما يمكن قراءة ماليس بمجموع مؤلف مرتب...»((581)).

وفي كتابه الخر المسمى ب «متشابه القرآن ومختلفه» يذكر رايه في صيانة القرآن عن التحريف بصراحة ووضوح، فيقول: «... والصحيح كل ما يروى في المصحف من الزيادة انما هوتاويل، والتنزيل بحاله ما نقص وما زاد...»((582)).

اذن، ليس لابن شهرآشوب مثل هذا الراي، فلا بد من ان نبحث عمن نسب اليه هذه النسبة، والذي استند اليه المحقق النوري في قوله: «على ما حكي عنه»((583)).

وصاحب هذه النسبة ليس الا ابو المعالي محمود اللوسي مؤلف كتاب «روح المعاني» (1270هـ)، فقد صرح في مقدمة تفسيره قائلا: «وذكر ابن شهرآشوب المازندراني في كتاب المثالب له ان سورة الولاية أسقطت بتمامها...»((584)).

ان وفاة اللوسي كانت في عام 1270هـ، ووفاة النوري كانت في عام 1320هـ. وقداستفاد النوري من تفسير اللوسي في فصل الخطاب، كما في هذه العبارة: «يقول محمود اللوسي المعاصر، في الفائدة السادسة من مقدمات تفسيره...»((585))، الامر الذي يعزز انه استقى تلك النسبة منه ايضا.

من هو مؤلف كتاب تذكرة الائمة؟

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية