|
المثقف الديني في العالم المعاصر المثقف المتدين ظاهرة، وليس فردا او افرادا، هذه حقيقة لم
تعد قابلة للشك والارتياب، ثمة تيار او شريحة ثقافية يمكننا ان
نطلق عليها اسم المثقف الديني، شريحة تتميز من شريحة
علماء الدين وخريجي الحوزات الدينية من دون ان نسلب
الثقافة عن غيرها او نفقدها العلم الديني، شريحة ولدت من
رحم المناخ الديني، بعض افرادها كانوا ضمن الحوزات العلمية
والمعاهد الدينية، وبعضهم كان على مقربة منها تفصله مسافة
بسيطة، وبعضهم حاول من بعيد ان يلامس الدين
بالوعي والمعرفة، مع التزامه الديني ومنطلقه الاسلامي.. لكن
على اية حال، شريحة لم يعد يمكن تجاوزها، بل تنامت حتى
راى بعض الباحثين انهاغدت تنافس المراجع الدينية الرسمية
في بعض وظائفها.
1 ـ اهم مشكلة واجهتها هذه الشريحة، ولا تزال تواجهها، هي
مشكلة الشرعية التي اثارتها الحوزات وخريجوها، ثمة شك في
كفاءة هذه الفئة للخوض في المباحث الدينية، بل ثمة من يمنع
عليها، او يحجر عليها،
التفكير الديني والبت في قضايا الدين،
وذلك انطلاقا من عدم وعيهاالتام بالتراث الديني وعلومه، وقد
عززت هذا الاعتقاد في اوساط التيارالرسمي، بعض الهفوات
الفاضحة التي وقعت فيها هذه الشريحة، ما زادمن الحملة
عليها والتشكيك بقدراتها.
لكننا لا نجد ذلك عذرا، فان تكون هناك هفوات واقع لم تسلم
منه اي مؤسسة علمية على مر الزمن، وصفحات التاريخ بين
ايدينا تشهد عند
تصفحها على هذه الحقيقة.
اما عدم اتخاذ هذه الشريحة منهاج الدرس الديني الرسمي او
عدم قولهابليات الاجتهاد المتعارفة، فهو خلاف منهجي، يمكن
ان يقع داخل اي تيار، ومن ثم فلا يصح جعله منطلقا لعدم
الشرعية، ما دامت المناهج جميعها منتمية ـ على الاقل ـ الى
مدارس الفكر العريقة في تاريخ الانسان.
واما الشك في نوايا هذه الشريحة وكفاءتها الاخلاقية، فهذا
موضوع لايجوز الحديث فيه على مستوى جماعة او تيار، فان
فيه الكثير من الاجحاف والظلم، نعم، لا نبدي ممانعة اذا ما
كان الكلام خاصا في دوائرافراد او فئات قليلة محدودة، اذ لا
ينبغي حسن الظن بما يفضي الى الحماقة، لكن وجود افراد
وفئات محدودة داخل هذه الشريحة لا يسوغ محاكمة النوايا
عموما، او اتخاذ مواقف مشككة من الجميع، والا فالامرينسحب
على اي شريحة اخرى في المجتمع حتى لو قال بعضهم:
انه بدرجة اخف.
2 ـ لكننا مع اعتقادنا بضرورة وجود هذه الشريحة، وتكوين
منافس داخلي، يمكن لوجوده ان يساعد في نمو العلم
والمعرفة، نلاحظ على هذا التيار ملاحظات كثيرة نهدف منها
ان ترشد وتصوب، وان كنا نجدبعض هذه الملاحظات في
الشرائح الثقافية الاخرى ايضا.
فقد بدا واضحا ان المثقف الديني ـ وطبعا في الحالة الغالبة لاالدائمة ـ غير خبير بالتراث الاسلامي المعرفي، على خلاف
غيره،
واركز هنا على الطبقات المتوسطة، ثمة معالجات
حساسة لموضوعات فقهية او فلسفية او... تثار اليوم من قبل
بعضهم من دون تكوين خلفية تراثية محكمة، ولهذا وجدنا ان
بعض مثقفينا يملك اطلاعا واسعا على واقعه المعاصر واطلاعا
كبيرا على النتاج الغربي، لكنه لا يعرف
ـ
بالشكل المطلوب التراث
الاسلامي وعلومه، ولا يعرف، من ثم، الى اين وصلت اليوم هذه
العلوم.
ولعل هذه الظاهرة سببها التشكيك في جدوى نتاجنا المعرفي
عند هذاالمثقف، لكن على اية حال، لا يمكن للمثقف ان يشق
طريقه او ينافس خصمه بمعزل عن رؤى تراثية معمقة
وناضجة، مهما كان الموقف النهائي من التراث نفسه.
3 ـ واذا كان هذا المثقف يريد من مشروعه ومن ذاته ـ بحسبان
هذه الذات جماعة ـ ان يجري اصلاحات على الوضع الديني وفاقا
لما يراه،وهو حقه، الا ان غفلة حصلت لدى بعضهم عن غرض
مهم ورئيسي، ان المثقف الديني في كثير من الاحيان لا يبدي
لنا ان عنده هما دينيا بقدر مايبدي لنا ان همه في احلال
السلام، والتعددية، والحرية، والديمقراطية و... في المجتمعات
الاسلامية، وهذا مطلب مهم وجدير بان يكون من الهموم
الاساسية، لكن الهم الديني، وهم الحفاظ على الدين ونشر
قيمه وتعاليمه يبدو مغيبا من دون ان ندعي ان مفاهيم السلام
و... هي مفاهيم دينية ايضا، ان هذا التغييب يفضي الى الشك في
المشروع كله، ويجعل مثقفنا الديني غريبا عن مجتمعه او
محاربا، لم يظهر لنا هذا المثقف تحرقه على الدين، ولم يظهر
لنا عواطفه الدينية، ولعل هناك اسبابالذلك، لكن ابداء المثقف
الديني عواطفه الدينية تجعله يقترب من واقعه اكثر، ويغدو
مؤثرا اكثر، والاهم ان هذه العواطف حينما تحكم المثقف
الديني تشكل لديه عناصر امان واحتياط من الانزلاق او
التجافي عن الدين عموما، اننا نخاطب هنا المثقف الديني الذي
يؤمن بالدين ويسعى لاجله لا المثقف الاخر.
4 ـ واذا كان المثقف الديني يحمل الهم الديني، ويعمل لتحكيم
الدين في الحياة بالدرجة التي يؤمن بها، فان المطلوب منه ان
يحمل مشروعاللتغيير، فيكون انسانا رساليا، وان يعمل لصالح
المشروع هذا، اي انه مطالب بالفعل الايجابي الذي يحقق
مشروعه واهدافه في المجتمع، ومن ثم فلا يجوز له هدر طاقته
بالفعل السلبي الذي يستنزف ذاته، في ردات فعل او اسقاط
مشاريع اخرى لا غير.
ويمكننا تسجيل ملاحظة على المثقف الديني المعاصر، وهي
انه استهلك نفسه في نقد التيارات السلفية او التراثية او
المدرسية، وأخذ يلاحق خطابها مفردة مفردة، بل صار شغله
الشاغل وعمله الدائم تتبع عثرات ذلك التيار والعمل على
نقضها باساليب مختلفة، ليس آخرها اسلوب الاستهزاء
والاستخفاف المعبر عن نرجسية عالية وعن طاوسية غير
عادية، لقد اذاب المثقف نفسه في ملاحقة هذه الهفوة هنا
اوتلك السقطة هناك، واذا به ينفض الغبار عنه، فيرى انه لم
يحقق شيئا، ولم ينجح في مد جسور العلاقة الطيبة مع
مجتمعه، فبقي غريبا تهجرحك مه، ويتعامى عن كلامه. بل لقد القى هذا المثقف ـ بعد اخفاقه ـ باللائمة على التيارات الاخرى او على مجتمعه مطهرا نفسه ومنزها اياها عن الخطا او التقصير...مستخدما على الدوام المنطق الذي طالما حاربه، وهو منطق المؤامرة والقاء اسباب الاخفاق على الاخر... اين هو مشروع المثقف المتدين؟ وماذا يريد؟ ولماذا بقي هذا المثقف عاجزا عن تحقيق اهداف كبرى؟ ولم يتمكن من كسر الطوق عنه؟
اسئلة كثيرة، لا نريد ان نظلم المثقف هذا بتحميله هذه
المسؤوليات جميعها، بل نحن نقر اقرارا عميقا بصعوبة الموقف،
وخطورته في الوقت نفسه، لكن مع ذلك نعتقد بان لهذا
المثقف في آلياته، وفي انفعالاته وردات فعله دورا في القطيعة
التي وقعت بينه وبين مجتمعه، مهما نعتناهذا المجتمع
بالتخلف والرجعية. 5 ـ واذا كنا نطالب المثقف الديني، بان يحمل الهم الديني ويبدي عواطفه الدينية، فان لذلك اثرا جليا، ان هذا المثقف استغرق في نقد المقولات الدينية... كانت بادرة شريفة منه ان ينقد الموروث ليميز بين ما هو من الدين وما علق به عبر السنين، لكننا احيانا وجدنا هذا المثقف خجلا من ان يناصر مقولة دينية، عندما يكون مقتنعا بها، كي لا يبدو امام الاخرين انه ايديولوجي او متخلف، بل قد يغض هذا المثقف الطرف احيانا عن نقد غير منطقي موجه للدين ـ وفاقا لرؤيته ـ ولا يفتح جبهة من النزاع الفكري والثقافي، ولكنه في المقابل لا يتحفظ عن فتح جبهات لنقد التيارات السلفية او التراثية او المدرسية، لماذا يناى المثقف الديني بنفسه عن ان يتهم بانه متصد للدفاع عن الدين، ولا يناى بنفسه عن ان يكون ناقدا للموروث الديني على الرغم من ان الوظيفتين شريفتان، ومسؤوليتان يتحملهما هذا المثقف على السواء؟!
واذا كان المثقف يرفض النزعة الدفاعية فان هذا حقه، بل نحن
نرى معه بان الاولوية في هذا العصر للنزعة البنائية لا الدفاعية،
الا ان هذا لا يعني ان يغض الطرف ـ دوما او غالب ـ عن ممارسة
دفاع عن الافكار الدينية عندما تتعرض لنقد تجديفي او
لمناقشة علمية.
6 ـ وحيث كان المثقف الديني مهمشا ـ ظلما وعدوان ـ في مجتمعه، بل مقموع احيانا من جانب السلطة السياسية
وحلفائها اومقموع احيانا اخرى من جانب التيارات التراثية.. فانه
من الطبيعي ان تبدو لديه احيانا ردات فعل سلبية تحاول فك
القيود المفروضة عليه، وقد تاخذ ردة الفعل هذه طابعا معرفيا
عندما يحاول نقد الموروث مقدمة لنقد واقعه، في محاولة تعبر
عن مطالبته بذاته وبدوره في الحياة،وهذه الامور جميعها امور
منطقية مترقبة، لكننا نريد ان نقراها من الناحية القيمية، نريد
ان نؤكد ان على المثقف مجانبة الانتفاض الهائج على المفاهيم
الموروثة انطلاقا من واقعه هو، ومن ثم ينبغي له الا يركز
على تلك المقولات التي تسلبه دوره بوصفه كائنا اجتماعيا
بعيدا عن صحة هذه المقولات او بطلانها، ولكي اقرب الفكرة
بمثال، يمكن ان ناخذ مسالة التقليد والاجتهاد، فمهما كان
موقفنا منها، وهذا حقنا، لكن يجب ان نحذر من ان نتخذ موقفا
سلبيا منطلقا في اللاوعي من ان هذه المقولة تسبب غياب دور
المثقف لصالح رجال الدين، ومؤسسة علماء الدين.. ان مراقبة
الذات عن ان تتحكم في افكارنا نتيجة اوضاع معينة يبدو
لازمالتحقيق اكبر قدر ممكن من الامانة والموضوعية
والاخلاص للعلم.
وما نقوله لا يخص المثقف المتدين، بل هو ظاهرة عامة تطال
غيره على السواء، ومن ثم كما لا يحق التنظير وخلق المفاهيم
لتكريس الواقع والمحافظة على المواقع، كذلك لا يصح النقد
وهدم المفاهيم اذا كان في تكريس الواقع مضرة على الجماعة
المعينة، واذا لم نبذل الجهد في التعالي عن هذه المعارك
الحزبية والفئوية الضيقة، ولم نفكر في الامة كلها، بما لها من
امتداد في الزمن فسوف نبقى ندور في دوامات لا نهاية لها.
7 ـ وعندما يكون المثقف الديني صاحب مشروع تغيير، يغدو
لزاماعليه ان لا يقتل نفسه في شرنقة خطاب النخبة، لقد
قطعت اواصر العلاقة بين المثقف والمجتمع، وكان من اسباب
ذلك عزوفه عن مجتمعه،واكتفاؤه بالعيش في الابراج العاجية
للثقافة وفي الصالونات المخملية كذلك، كان الاخر يبني ـ انطلاقا من ارث تاريخي
ـ علاقات استراتيجية مع الجماهير، وهو
ما لم يفعله المثقف، فخاصم امته، وربماكانت الامم الاخرى
اهون على قلبه من امته.
ان المثقف الديني يتعذب من هذا الوضع، ويجب عليه ان يفكر
في حل، ولعل اول الحلول خلق روح التواضع والعيش مع الناس
في روح هذاالمثقف، وتحويله من منظر فكري بحت الى انسان
رسالي تطال رسالته الناس وهمومها كما تطال الثقافة
وتشعباتها، ومن ناقد لاذع فقط الى ام رؤوم تعنيها مشاعر
طفلها لاصلاحه بقدر ما يعنيها ارشاده الى الخطا.. حيدر حب الله
حقيقة النبوة ا. يحيى محمد فهم مستمد من العلم الالهي
ان اهم ما سنتعرف عليه، خلال هذا البحث، هو ان فهم النبوة
لدى الفلاسفة والعرفاء مستمد من العلم الالهي المعبر عنه بكل شيء،
فالفلاسفة والعرفاء يقدرون للنبي علما هو العلم بجميع
الاشياء، وهو
بعلمه هذا يكون اشبه بالتعبير عن «السيرة
الذاتية»
لطبيعة المبدا الحق.
وهم يعدون مسوغ هذا العلم
مستمدا مما في نفس النبي من العقل الفلسفي كما في الرؤية
الفلسفية، او العقل العرفاني كما في الرؤية العرفانية. فالكمال
الذي يتشرف به النبي ليس بالنبوة بما هي نبوة، وانما
بما
يمتلك من عنصر فلسفي يطلع فيه على جميع العلوم
والمعارف، اومن عنصر الولاية العرفانية التي تتكشف له فيها
جميع الحقائق، وذلك على شاكلة الحق الذي تتكشف له
حقائق الموجودات جميعا. وبهذا،
يصبح عقل النبي عقلا
يستغرق جميع الاشياء بما يستمده من العلم اللدني الفوقاني.
يضاف الى ذلك ان الفلاسفة والعرفاء يفهمون من النبوة بعدا
آخر يترتب على العلم الشمولي، وهو البعد المتمثل بالولاية
والحاكمية. فلدى الفلاسفة ان النبي، او الفيلسوف، مفوض
بحسب ما له من العقل الفلسفي لان يحكم العالم على صورة ما
يحكم المبدا الحق الموجودات،وذلك بتكميل النفوس البشرية
وايصالها الى غاياتها المتمثلة بالمفارقات السماوية، او على
شاكلة ما يطلق عليه المدينة الفاضلة، كما
لدى الفارابي.
فرئيس هذه المدينة يشترط فيه ان يكون حكيما فيلسوفانظير
المبدا الاول الذي يراس مملكة الوجود. والفيلسوف هنا
يطرح نفسه بوصفه اعلم من في الارض لاصلاح المملكة
الاجتماعية مثلما هي الحال مع المبدا الاول باعتباره اعلم من
في الوجود، اذ تتحدد بعلمه العناية بالوجود، حيث العناية هي
العلم عينه، والعلم هو الوجود عينه.اما لدى العرفاء فالامر اكثر
بعدا وعمقا، ذلك ان سلطة النبي، او الولي العارف، عندهم لا
تنحصر بتلك السلطة الظاهرة التي يحكم بها النبي الناس، بل
تتقدم عليها سلطة اخرى تفوقها وتكون علة لها، اذ تشكل نيابة
عظمى عن الحق لصنع العالم
وتكوينه. وهذه هي احدى
اسقاطات المنظومة الوجودية، فكما سنرى ان العرفاء اسقطوا
كلا من العلم الالهي وكيفية التنزلات الحقية او الخلقية على
العلاقة التي تخص النبي والعارف بالوجود. فهذه العلاقة هي
ايضا عبارة عن علم وصنع وايجاد،او انها علاقة ألوهة.
ان ما يثير الاهتمام، في الموقف الوجودي من النبوة، هو انه
رغم الاتفاق المبدئي بين الفلاسفة والعرفاء على ما تمثله هذه
المرتبة من حقيقة علمية او ادراكية، فان الملاحظ هو ان كلا
من الفريقين لم يولها حظايفوق المرتبتين اللتين تتمتع بهما،
كلا على حدة، واعني بذلك مرتبتي الفلسفة والعرفان.
فالفلاسفة جعلوا النبوة اقل مكانة وقدرة علمية مقارنة مع
الفلسفة. وفعل الفلاسفة الامر نفسه في المقارنة بينها وبين
العرفان.
لكن مع الاخذ بعين الاعتبار ان النبي له غير درجة
ومقام، فهو لدى الفلاسفة نبي وفيلسوف، وهو لدى العرفاء نبي
وولي عارف، وهوتخريج يبعد عنهم التهمة التي يعدون انفسهم
فيها افضل من الانبياء
وارقى درجة منهم. وعليه، كان لا بد من
ان نلقي ضوءا على طبيعة المرتبتين اللتين يمتثلهما النبي
بحسب رؤية كلا الفريقين، وهما النبوة والفلسفة، وكذا النبوة
والولاية العرفانية، وذلك تبعا لما سبق ان بحثناه بخصوص كل
من العلم الالهي وتجلياته في العقول المفارقة، وقضية التنزيل
وما لها من علاقة بالالوهة وصنع العالم.
لنبدا، اولا، بالرؤية الفلسفية، ثم نعقبها بنظيرتها العرفانية.. الرؤية الفلسفية وحقيقة النبوة
يرى الفلاسفة ان عقل الانسان يكونه عقل مفارق يطلق عليه
العقل الفعال، وان ليس لهذا العقل الاخير تاثير مباشر على
الجسم، انما يتحقق تاثيره على هو على شاكلته من العقل
الانساني. فكما يقرر الفارابي: ان العقل الفعال مختص بكمالات
الانسان العقلية، ذلك انه يمنح الانسان قوة ومبدا يمكنانه من
ان يسعى من تلقاء نفسه الى سائر ما يبقى له من الكمالات
((1)). لذا، فحيث ان الانسان مرتبط بالوهة العقل الفعال،
فان حركته الكمالية انما تكون من حيث الاتصال وحتى الاتحاد
بهذا العقل الكلي. فالادراك انما يكون لما هو شبيه له، كما يقول
الفلاسفة، من امثال ابن سينا، ومن ثم فان علاقة الاتصال تكون
بين المتشابهين، او انهاتفضي الى حالة الاتحاد التي هي اعظم
واشد من حالة الشبه، كالحالة التي هو عليها صدر المتالهين
((2)). وعليه، فان الاتصال، او الاتحاد،
بالعقل الفعال هو ميزة
كل من الفيلسوف والنبي كما سنرى.
وبحسب الرؤية الفلسفية، فان حقيقة النبوة عبارة عن نفس
جامعة لعوالم علم كمالية ثلاثة، هي قوى الاحساس والتخيل
والتعقل، وقد قدر ان يكون للنبي عقل مستفاد يتصل بالعقل
الفعال ((3))، واقتضى هذا التقديران يتساوى النبي
والفيلسوف في الاتصال وكسب المعرفة. حيث كلاهمايتصل
بالعقل الفعال المتمثل من الناحية الدينية بجبريل، وهو الذي
له الافضلية، باعتباره يمثل مصدر المعلومات النبوية وغير
النبوية.فالتفضيل وفاقا لهذه الرؤية انما يكون بحسب ما عليه
الكائن من الرتبة الوجودية، وليس باعتبار ما له علاقة بالقيم
المعيارية والاخلاقية، كمايرى النظام المعياري.
وما يميز القوى الثلاث، في ما بينها، هو ان القوة الاولى
«العقلية» تمكن النبي من ادراك الحد الاول دفعة واحدة،
فيتصل من المعقولات الاولى الى المعقولات الثانية في اقصر
الازمنة لشدة الاتصال بالعقل الفعال،حيث يفيض على النفس
العلوم، فتصبح نفس النبي عقلا مستفادا اقل رتبة من العقل
الفعال، باعتباره علة هذه النفس النبوية. فالنبي هنا
يخضع لسلطة الالوهة المتمثلة بالعقل الفعال جبريل.
أما القوة الثانية: «التخيل»، او الحس الباطني، فهي تحاكي القوة
الاولى، وتكون مثالا لها بحسب منطق السنخية، اذ تقوم بتصوير
العلوم العقلية بامثلة محسوسة ومسموعة من الكلام، بحيث
يتمثل للنبي ما يعلمه من نفسه فيراه ويسمعه، اذ يرى في
نفسه صورا نورانية هي الملائكة، ويسمع اصواتا هي كلام الله او
وحيه، وهي من جنس ما يحصل لبعض الذين يمارسون
الرياضات الروحية، ومن جنس ما يحصل لبعض المجانين،
وكذلك من جنس ما يحصل للنائم في منامه حتى عد
النوم جزءا من اجزاء النبوة ((4)). او كما قال ابن سينا: «ان الرؤيا
الصادقة من الرجل الصالح جزء من ستة واربعين جزءا من
النبوة»((5)). وخاصية هذه القوة، في النبوة، هي للدلالة على
المغيبات والانذار في حين ان القوة الثالثة «الحسية» تتيح
لنفس النبي تغيير الطبيعة، والتاثير في مادة العالم،كما تؤثر
النفس في بدنها، ومن ذلك تحدث الخوارق والمعجزات،
وذلك
بالتاثير في هيولى العالم بازالة صورة وايجاد صورة اخرى،
كان تؤثر في تحول الهواء غيما ومن ثم مطرا. فقد ثبت في
الالهيات ان الهيولى مطيعة للنفوس ومتاثرة بها، وان هذه
الصور تتعاقب عليها من آثار النفوس الفلكية، والنفس الانسانية
من جوهر تلك النفوس وشديدة الشبه بها. وهذا ما يسوغ تاثير
النفس الانسانية في هيولى العالم، وان كان غالب تاثيرها على
بدنها الخاص، لكن يمكنها ان تؤثر على سائر الابدان كما يحصل
في اصابة العين مثلا ((6)).
هذه قوى النبوة الثلاث التي اعتقد الفلاسفة انها قد تجتمع في
فرد واحد،كما هي الحال مع النبي، وقد لا تجتمع وتتفرق، وهو
الغالب في الناس((7)).
فبالنسبة الى القوة الاخيرة: «الحسية»، يلاحظ ان لاغلب
النفوس قدرة في تاثيرها على ابدانها من خلال الاوهام، فتحصل
التغييرات من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والاحمرار
وغيرها. فهذه التغييرات في البدن هي نتاج تصور الانسان
وخيالاته. لكن للنبي قدرة على تغييرالعالم الخارج عن بدنه،
وذلك بفعل ما يكسبه من تصورات نفسية، الامرالذي يفسر
معاجز الانبياء الخارقة. وهذه القوة يشارك بها الاولياء
في كراماتهم، ومثل ذلك ما يحصل لذوي العيون المؤثرة ((8)).
وبالنسبة الى القوة الثانية: «المتخيلة»، التي هي مرتبة وسط
بين الادراكين العقلي والحسي، فالملاحظ ان ما يحصل من
الهام للناس بما سيكون في المستقبل كالتنبؤ في المنام، او ما
يسمى بالرؤيا، انما هو وظيفة يقترب بها الانسان من مرتبة
النبوة. والفارق هنا بين الناس وبين الانبياء هو ذلك الالهام
الذي يحدث للناس في المنام، اما للانبياء فيحدث لهم في
المنام واليقظة بوساطة الاتصال بسطوع العقل الفعال واشراقه
على النفس بالمعقولات، اذ يكتسب النبي الصور ويتخيل تلك
المعقولات ويصورها في الحس المشترك باعظم ما يكون.
وعليه كان العقل الفعال اشرف من نفس النبي وغيره من
النفوس البشرية باعتباره علة وهي معلولة ((9)).
اما نفوس الناس فانها لا تتصل بالعقل الفعال، وانما تتصل
بنفوس الاجرام السماوية التي تعلم بكل ما يجري في عالمنا
الارضي((10)).
اما القوة الاولى الموصوفة بالقدسية، فانها تمكن غالبية الناس
من معرفة الاستنباطات وترتيب النتائج حدسا بلا تفكير، كمن
ينظر الى حدوث الحركة، فيدرك مباشرة ان الحادث لا بد له
من سبب ((11)).
هذه القوى الثلاث قد تجتمع بصورة كاملة عند الفيلسوف((12))،
ويرى بعضهم انها تجتمع عند العارفين الاولياء على
وجه التابعين للانبياء((13)). لكن، في جميع الاحوال، فان
ذلك لا يجعل وجود فارق مهم اونوعي بين الانبياء وبين
الفلاسفة تبعا للرؤية الفلسفية، او بينهم وبين العرفاء تبعا للرؤية
العرفانية. الامر الذي يسوغ الاعتقاد باستغناء الفلاسفة والعرفاء
عن النبوة خلافا لغيرهم من الناس. وذلك بدعوى التمكن
من الاتصال والاتحاد بالعقل المفارق «جبريل»، ومن ثم بلوغ
الحقيقة وتحصيل السعادة اللتين يدعو اليهما الانبياء بحق.
وتبعا للرؤية الفلسفية، لو قمنا بمقارنة بين الفيلسوف والنبي،
سنرى انهما يشتركان بالقوة الاولى العقلية، ويكون احدهما في
المرتبة التي يكون فيها الاخر. حيث ان نفسيهما تضاهيان العقل
الفعال، وان كانتا اقل منه شرفا في العلم والرتبة، باعتباره علة
وهما معلولان، والعلة اشرف من المعلول. لكن الفارق بينهما،
كما يحدده ابن سينا، هو ان النبوة ظاهرة فطرية، في حين ان
الفلسفة مكتسبة ((14)).
اما لو قمنا بمقارنة بين حقيقة الفلسفة وحقيقة النبوة، فسنرى
ان الامرمختلف تماما، اذ تصبح المقارنة بين القوتين: العقلية
والتخيلية، حيث القوة الاولى تمثل الفلسفة، والاخرى تمثل
النبوة. وبالتالي، جاز اعتبارتفوق الاولى على نظيرتها في العلم
والرتبة رغم ما بينهما من مسانخة،
حيث المقرر ان النبوة من
سنخ الفلسفة لكونها تعبر عن مضامين هذه الاخيرة المجردة
بالمحاكاة والتصورات التشبيهية. وبعبارة اخرى: ان الفلسفة
تتقوم بقوة العقل القدسية، والنبوة بقوة التخيل، وان
بينهما
رابطة من المسانخة المعرفية، حيث تتصف الاخيرة
بمحاكاتها وحاجتها
للاولى. اذ تعمل الاولى على ابراز الحقائق
بالصور العقلية الكلية، بينماتقوم الثانية بتخيل هذه الصور
لتعبر عنها بالرموز والامثال والتشبيهات.
وبالتالي، فان النبوة
تحصل على اكمل المراتب التي تنتهي اليها القوة المتخيلة، اذ
بها يقبل الانسان في يقظته عن العقل الفعال
الجزئيات الحاضرة والمستقبلة او محاكياتها من المحسوسات،
كما يقبل محاكيات المعقولات المفارقة وسائر الموجودات
الشريفة، فيراها كخيالات ذهنية..، فرغم ذلك، فانها مهما بلغت
من الكمال فانها لا تبلغ مرتبة العقل والتجرد ((15)).
مع هذا، لا بد من الاخذ بعين الاعتبار ان الرؤية الفلسفية ترى
ان الانبياءهم فلاسفة ايضا، او ان كل نبي فيلسوف بالضرورة،
وذلك باعتباره يكسب المعقولات المجردة عن العقل الفعال.
وبالتالي، فان للنبي بعدين لاختلاف المقامات: احدهما
كفيلسوف يقبل استفاضة المجردات عن العقل الفعال، والاخر
كنبي يحاكي الفيلسوف بمحاكاة قوته الخيالية لقوته العقلية.
ويصف الفارابي النبي بانه يكتسب النبوة والفلسفة عن طريق ما
يفيضه الله تعالى الى عقله المنفعل بتوسط العقل الفعال، حيث
يستمد منه المعلومات عبر العقل المستفاد، ثم يتحول ذلك الى
قوته المتخيلة، فيكون بما يفيض منه الى عقله المنفعل
حكيما
فيلسوفا تام التعقل، وبما يفيض منه الى قوته المتخيلة
نبيا منذرا بماسيكون، ومخبرا بما هو الان من الجزئيات. وهذه
المرتبة هي اكمل مراتب الانسانية، بل واعلى درجات السعادة.
اذ تصبح نفس النبي «كاملة متحدة بالعقل الفعال على الوجه
الذي قلنا» ((16)). وبذلك، فان النبي، كفيلسوف، هو اعظم منه نبيا يوحى اليه. كما يمكن القول: ان كمال النبي اعظم من كمال الفيلسوف الصرف، وذلك باعتباران الاول يحمل كمالين: الفلسفة والنبوة، او انه يجمع بين البرهان المفيدلليقين والتخيل المفيد للاقناع. وقديما قال جابر بن حيان الكوفي: «ان الشرع الاول انما هو للفلاسفة فقط، اذ كان اكثر الفلاسفة انبياء، كنوح وادريس وفيثاغورس وطاليس القديم، وعلى مثل ذلك الى الاسكندر».((17)) لكن نتساءل: اذا كان كل نبي فيلسوفا، فهل يجوز العكس، فيصبح من الممكن ان يكون الفيلسوف نبيا؟ لا شك في ان اتجاه الفارابي يتقبل ذلك، ولا يرى فيه مانعا. فعلى رايه انه يجوز للانسان بلوغ مرحلة النبوة من خلال الاتصال بالعقل الفعال،وذلك بالطرق الارادية والفكرية والبدنية((18))، حيث تبلغ القوة المتخيلة عنده نهاية الكمال((19)).
لكن بحسب وجهة نظر ابن رشد فان الامر يختلف، اذ يقول
صراحة: ان كل نبي فيلسوف من دون عكس ((20)). ولا شك
في ان اتجاه الفارابي هو اقرب واوفق مع الرؤية الفلسفية مقارنة
مع اتجاه ابن رشد. وقد يكون الاوفق والاشد اتساقا هو الاعتراف
بضرورة ان يكون الفيلسوف نبيا،وذلك تبعا لما تفرضه سلسلة
الصعود في عدم امكان تحقيق المرتبة الكمالية ما لم يسبقها تخطي غيرها مما هو اقل منها رتبة ووجودا.فالانسان لا يمكنه
على هذا ان تكون له قوة العقل القدسية ما لم يحقق قبل ذلك
كمال مرتبة القوة التخيلية، اذ كل ادراك ضرب من
الوجود.
وبالتالي، فانه لا يسعه ان يكون فيلسوفا ما لم يمر
بمرحلة النبوة. اويمكن القول: اننا هنا امام تعدد في المقامات،
فمقام الفلسفة هو ارقى من مقام النبوة، وانه لكي يتحقق المقام
الاول فانه لا بد من المرور عبرالمقام الاخر، والا كان ذلك
تجاوزا للمراتب مما لا يتفق والمنطق الوجودي. بل اكثر من
ذلك: انه لا غنى عن ان يكون كل فيلسوف نبيا من غير عكس، ذلك ان النبي، وان كان يصل
الى نهاية كمال القوة المتخيلة،الا انه ليس من المعلوم ان كان بامكانه ان يحظى
بكمال القوة العقلية «البرهانية»، وبالتالي، جاز ان لا يكون
فيلسوفا وفاقا مع المنطق الوجودي. لكن ما يبدو هو ان
الفلاسفة المسلمين تقصدوا اخفاء هذااللزوم لاعتبارات التقية،
وذلك كي لا يظهر، لدى الاخرين، انهم يعدون الفلاسفة اعظم
من الانبياء باطلاق. ومهما يكن، فان مهمة الفيلسوف هي اعظم من مهمة النبي، فبينمايتعامل النبي مع الظاهر يتعامل الفيلسوف مع الباطن، وبينما يمارس الاول دور الاقناع، فان الثاني يمارس دور البرهان والكشف عن الحقيقة، وانه اذا كان النبي ياتي بالشريعة، بوصفها تنزيلا، فان الفيلسوف يمارس دور القيوم الذي يوضح فيه حقائق ما ياتي به الاول. وكل منهما حيث يتصل بالعقل الفعال «جبريل»، فانه يستفيد كسب العلم الالهي الكلي، وانهما معا مما يوحى اليهما بوساطة العقل الفعال، وبالتالي فان لهما معاالاهلية نفسها في تغيير الشرائع ((21)). والامر لا يقتصر على ذلك، اذ المقرر لدى الفلاسفة ان الانسان في قربه من العقل الفعال يتحول الى كائن الهي وعقل ومعقول بذاته ((22))، ما يعني انه يصبح حاملا لصفة العلم الالهية، وهي الصفة التي وجدت الموجودات وخلقت الاكوان عنها. فهل معنى هذا ان للفلاسفة والانبياء ذلك العلم الالهي بكل شيء، وهل ان لهم تلك القوة الخارقة في تكوين الاشياء وخلقها؟
لا شك في ان ما يتمخض عن الموقف الفلسفي هو خلع صفة
الالوهة في العلم والتكوين على كل من الفلاسفة والانبياء.
اذن، ان النبوة والفلسفة هما بمثابة سلطتين تستخلفان ما
عليه سلطة الحق الالهية، او سلطة المفارقات السماوية.
خصوصا وان الرؤية الفلسفية تصرح احيانا بان غرض الفيلسوف
ليس مجرد الاتصال بالعقل الفعال وانما الاتحاد به، فيكون هو هو، وهو انه عبارة عن
كل شيء، وهي السعادة القصوى.
فالفلاسفة يذهبون الى ان غاية الحكيم هي ان يتجلى لعقله كل
الكون ويتشبه بالاله الحق ((23)). وقد قيل: ان هذا القول
هوجوهر ما بلغه فلاسفة الاسلام عن الراي الرواقي((24))
القديم . لكنه في جميع الاحوال يمثل عين الرؤية الفلسفية
التي يدعو لها فلاسفة النظام الوجودي. فابن باجة مثلا يرى الفيلسوف تام العقل،
وينظر الى كل شيء
بعين هذا العقل، فيرى العقل في كل شيء ويصير هو اياه ((25)). وقد
تجاوز ابن باجة
في نظره هذا من سبقه من الفلاسفة، مثلما اشار اليه((269))
بنفسه. وكذا هي الحال في ما قرره ابن رشد من قبول
الاتحاد
على شرط ان يكون ذلك قائما على التعليم الكسبي،
تمييزا له عن الاتحاد المدعى من قبل الصوفية ((27)). فاتحاد
النفس بالعقل الفعال،
يجعلها تكون هي هو، وهو هي، فان
النفس تبلغ بذلك درجة تكون جميع الموجودات فيها اجزاء ذاتها، وتسري قوتها في كل
شيء، كما
يصبح وجودها غاية كل شيء من المخلوقات ((28)).
تلك هي الرؤية الفلسفية التي تجعل من النبي، او الفيلسوف،
في اتحاده بالعقل الفعال، عبارة عن اله ينطوي علمه على كل شيء، وانه يصبح مصدر قيام
كل شيء وتكوينه، وكذا هو غاية كل شيء. وسنجد ان لهذه الرؤية مثيلتها المعمقة لدى نظيرتها
العرفانية. الرؤية العرفانية وحقيقة النبوة
يمكن ان نجد، في الرؤية العرفانية، صورتين مختلفتين
بعض الشيء عن حقيقة النبوة: احداهما مقتبسة عن الموقف
الفلسفي، حيث يؤخذ فيهابتلك القوى الثلاث التي استند اليها
الفلاسفة، واضيفت عليها صبغة عرفانية. اما الاخرى فانها لا
تلتزم بهذه القوى، وانما تؤسس لنفسها
مفهوما مستقلا عن
النبوة، وان كانت لا تبتعد كثيرا عن الصورة الاولى،
واستعراض
الصورتين سيكون كالاتي:
الرؤية الاولى
وحيث ان العوالم الثلاثة المذكورة متطابقة ومتحاكية، بحسب
منطق السنخية، لذا فان كل ما يدركه الانسان من عالم العقل
له حكاية منه في عالم الاشباح الباطنية، فالصورة المحاكية
للجوهر العقلي هي الملك نفسه الذي يراه النبي والولي. اما
النبي بما هو نبي فانه يدرك الامر عن طريق الحكاية والصورة،
واما الولي، فبما هو ولي يدرك الامر عن طريق التجرد الصرف،
وهو التجرد العقلي نفسه، وبالتالي فان الولاية العرفانية تكون
افضل اجزاء النبوة ((29)). ويظل ان مجموع هذه القوى هو
من خصوصيات الانبياء، اما آحادها فهي مما يتحقق لدى غير
الانبياء،
فالاولى تتحقق لدى الاولياء والحكماء، وضرب من
الخاصية الثانية يوجد في اهل الكهانة والرهبنة، اما الثالثة فقد
تكون في الملوك ذوي الهمة وشدة الباس ((30)).
وواقع الامر اننا نجد هنا محاكاة الفلاسفة نفسها في تصورهم
لحقيقة النبوة، سوى اضفاء الصبغة العرفانية عليها بدل الصبغة
الفلسفية، مع بعض التعديل كما تقتضيه الطريقة العرفانية،
وبالذات في ما يتعلق بموقفها من القوة العقلية في النبوة، اذ
منحتها دورا يفوق ذلك الذي قدمه لها الفلاسفة. فهؤلاء قدروا
لهذه القوة حالة اتصال بالعقل الفعال، اوحتى الاتحاد به كاقصى
حد ممكن، بينما في الصورة العرفانية تجاوزالامر تلك الحال
ليصل الى حالة الاتحاد والفناء في الذات الالهية. وتظل سائر
الاراء هي نفسها، بما في ذلك حالة التساوق في علاقة النبوة
بكل من العرفان والفلسفة تبعا للرؤيتين. فالنبوة تحمل في
ذاتها تلك القوة القدسية العقلية، والتي هي لدى الفلاسفة
عبارة عن حقيقة الفلسفة،ولدى العرفاء عبارة عن حقيقة
العرفان، فيكون النبي، في نظر اولئك فيلسوفا، وفي نظر هؤلاء
عارفا. كما يظل الجزء الافضل في النبي كونه فيلسوفا هناك،
وعارفا هنا.
مع هذا، تظل هذه الرؤية لا تمثل الموقف الغالب للعرفاء من
حقيقة النبوة، فهي حالة توفيقية اشراقية سعى اليها صدر
المتالهين في بعض كتبه، لكنه لم يتوقف عندها كما سنرى.
الرؤية الثانية
لكن الاملي يذهب بعيدا ولا يكتفي بهذا القدر، اذ يصور فلسفة
النبوة بحسب فهمين احدهما اكمل من الاخر، يطلق عليهما
الطريقة والحقيقة.فالنبوة بحسب اهل الطريقة، مثلما ذهب
اليه القيصري من قبل، عبارة عن مظهر عدل لحقائق الاسماء
والصفات. فكما يرى انه لما كان للحق تعالى ظاهر وباطن،
والباطن يشمل الوحدة الحقيقية التي للغيب المطلق، والكثرة
العلمية حضرة الاعيان الثابتة، وان الظاهر لا يزال
مكتنفا
بالكثرة دائما، لان ظهور الاسماء والصفات من حيث
خصوصيتهاالموجبة لتعددها لا يمكن الا ان يكون لكل منها
صورة مخصوصة،
وبالتالي يلزم التكثر، وحيث ان كلا منها
يطلب ظهوره وسلطنته واحكامه، فانه يحصل النزاع والتخاصم
في الاعيان الخارجية باحتجاب كل منها عن الاسم الظاهر في
غيره، الامر الذي احتاج فيه الى مظهر حكم عدل ليحكم بينها
ويحفظ نظام العالم في الدنيا والاخرة ويحكم بين الاسماء
بالعدالة، ويوصل كلا منها الى كماله ظاهرا وباطنا، وهو
«النبي الحقيقي والقطب الازلي اولا وآخرا وظاهرا وباطنا، وهو
الحقيقة المحمدية(ص). اما الحكم بين المظاهر من دون
الاسماء فهو النبي الذي تحصل نبوته بعد الظهور نيابة عن النبي
الحقيقي. اذن الانبياء(ع) هم مظاهر الذات الالهية من حيث
ربوبيتها للمظاهر وعدالتها بينها. فالنبوة مختصة بالظاهر،
ويشترك الانبياء جميعهم في الدعوة والهداية والتصرف في
الخلق ((32)).
وواضح من هذه الطريقة ان النبوة لها طابع الالوهة، حيث
تمارس دوراتكوينيا منظما هو اعظم من الظاهر الذي تمارسه
نبوة الانبياء المشخصة في الدعوة والانذار والهداية واكثر عمقا،
بل ان هذه الاخيرة هي حكاية عن الاولى تبعا لمنطق المناسبة
والسنخية. وسنرى ما لهذه الفكرة من تجليات.
اما النبوة، عند اهل الحقيقة، وفهمها هو الفهم الاخر الاتم
والاكمل، فانهاعبارة عن الخلافة الالهية المطلقة، لكن مراتبها
هي بحسب مراتب الشخص الذي هو مظهر تلك الخلافة.
فعندهم ان النبوة هي بمعنى الانباء، والانباء الحقيقي الذاتي
الاولي ليس الا للروح الاعظم الذي بعثه الله الى النفس الكلية،
اولا، ثم الى النفس الجزئية ثانيا، لينبئهم بلسانه العقلي عن
الذات الاحدية والصفات الازلية والاسماء الالهية
والاحكام الجليلة والمرادات الجسمية. وكل نبي من آدم(ع) الى
محمد(ص) هومظهر من مظاهر نبوة الروح الاعظم، فنبوته
ذاتية دائمة غير منصرمة،حيث ان حقيقته هي حقيقة الروح
الاعظم، وصورته هي صور تلك التي ظهرت فيها الحقيقة
بجميع اسمائها وصفاتها، وسائر الانبياء مظاهرهاببعض الاسماء
والصفات، حيث تجلت في كل مظهر بصفة من صفاتهاواسم
من اسمائها، الى ان تجلت في المظهر المحمدي بذاتها
وجميع صفاتها وختمت به النبوة، وكان الرسول(ص) سابقا على
جميع الانبياءمن حيث الحقيقة، ومتاخرا عنهم من حيث
الصورة ((33)). وبعبارة اخرى، يمكن القول: ان الحقيقة المحمدية بها يقوم كل ماللانبياء والاولياء من وجود وصور، بل ان هذه الحقيقة تتجلى في صورجميع الانبياء بما في ذلك صورة محمد وشخصه الجسماني، ومن بعدذلك صور الائمة والاولياء، والكل انما ياخذون علمهم من تلك الحقيقة.والعرفاء يعترفون بان علومهم ومبلغ كمالهم انما يتم من خلال هذه الروح المحمدية، فكما يصور ذلك صدر المتالهين، بان نفوسهم تصيرعقولا بالفعل، والعقل بالفعل هو الموجود الحقيقي والحياة العقلية الاخروية، والنبي بروحه المقدس سبب لوجوداتهم الحقيقية، ومبدا لكمالاتهم العرفانية ومنشا لفيضان الكمالين الاولي الاقدس والثانوي المقدس، فهو الوسط بينهم وبين الحق، ومبدا فطرتهم في سلسلة الافتقار النزولي، كما انه المرجع في كمالاتهم في سلسلة الارتقاء الصعودي. لكن اللافت للنظر ان صدر المتالهين استعان ببعض الايات ليدل بها عبر التاويل على هذه الحال من الصلة بين العرفاء والروح المحمدية، اذ جاء في قوله تعالى: (النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم وازواجه امهاتهم واولو الارحام بعضهم اولى ببعض)[الاحزاب/6]، معتبراالمراد بالمؤمنين هم العارفون انفسهم، وان النبي محمدا(ص) هو الاب الحقيقي لهم، ولذلك كانت ازواجه امهاتهم مراعاة لجانب هذه الحقيقة.والابوة هنا هي بمعنى العلية، حيث ان علة الشيء اولى بنفس ذلك الشيء من نفسه، اذ الشيء بالقياس الى علته بالوجوب حيث كان بالقياس الى نفسه بالامكان، فلو لم يكن روح النبي(ص) علة لوجوداتهم الحقيقية لم يكن اولى من انفسهم تبعا لمنطوق الاية ((34)). وعلى الرغم من ان القياس الذي لجا اليه هذا العارف في تاويل الاية غير صحيح،حيث عد النبي ابا حقيقيا للمؤمنين مثلما دلل على ذلك بامومة ازواجه،وهو ما لا يتفق مع النص القرآني الذي ينفي ابوة النبي(ص) لهم، كما في قوله تعالى: (ما كان محمد ابا احد من رجالكم) [الاحزاب/40]. واذا قيل:ان الاية الاخيرة لا تتحدث عن الابوة الحقيقية، قلنا فهل ان الاية الاولى المستدل بها كانت تتحدث عن شيء يتعلق بتلك الابوة او الامومة الحقيقية، او الاولوية التكوينية من العلاقة السببية؟!
مهما يكن، فالملاحظ ان الصورة تكتمل في رسم معالم النبوة،
حيث لاتكون حقيقتها تلك التي قيل: انها تاخذ العلم عن العقل
الاول جبريل، اذفي هذه الحالة تصبح اعظم من العقل الاول،
حيث كما سنرى ان هذاالعقل في منظور الاملي يكون وزيرا
للنبوة او الروح الاعظم، مما يمكن اعتبار الروح الاعظم عبارة
عن ذلك المسمى بالصادر الاول او الوجودالمنبسط الذي تقوم
به جميع الخلائق والكائنات، ويكون العقل الاول على راس هذه
الكائنات. وبالتالي يصبح للنبوة خصوصية الانبساط والخلافة
المطلقة التي يتم بها بناء الاشياء وتكوينها، فهي من ثم
عبارة عن نبوة تكوينية قبل ان تكون قيمية معيارية تمارس
دور الهداية والانذار. ولا شك في ان للنبوة في هذا المعنى
مظاهر تتفاوت تكاملا
بحسب منطق السنخية، وما محمد خاتم
الانبياء الا رسول جاء على سنخ نبوة محمد الاولى التي تسبق
جميع الانبياء، بل والخلق اجمعين.
تلك هي نبوة العقل الاول التكوينية، والتي سيتم اجلاء فهمها
بربطها
بقضية الولاية، حيث تصبح النبوة والولاية العرفانية
تعبران عن حقيقة واحدة لها وجهان: ظاهر وباطن. فمن حيث
الظاهر هي نبوة، اما من حيث الباطن فهي ولاية. ومثلما راينا
في علاقة الفلسفة بالنبوة، بحسب الرؤية الفلسفية، حيث ان
الفلسفة تعبر عن باطن النبوة، وان النبوة عبارة عن ظاهرها،
فاننا هنا نواجه السياق نفسه، حيث الولاية العرفانية هي باطن
النبوة، وان النبوة هي ظاهرها. ومثلما كان الفلاسفة يتقدمون
على الانبياء بالفضل من حيث العلاقة بين حقيقة الفلسفة
والنبوة، فالحال نفسها هنا في كون العرفاء يفضلون الانبياء ايضا
من حيث حقيقة الولاية التي يحملونها مقارنة بالنبوة الظاهرة.
لا شك في ان العرفاء يقدرون للنبي محمد(ص) حقيقة عليا
مجردة لهاصفة الولاية التكوينية التي تتمثل بما يطلق عليه
الانسان الكامل الذي قال فيه بعض العرفاء: انه سبب ايجاد العالم
وبقائه ازلا وابدا، دنيا وآخرة .((35))
فمعنى الولاية التكوينية
هي تلك السلطنة التي لها دور الخلق والتكوين للعالم بمختلف
شؤونه ومظاهره، فهي في فعلها تنوب عن الحق وتتوسط بينه
وبين الخلق، وهي بحسب التعبير الفلسفي عبارة عن العقل
الاول، او الصادر والمتعين الاول، الذي هو من حيث العلم
جامع لكل شيء، ومن حيث الفعل تقوم به السماوات والارض وما بينهما،حيث يسري في كل
شيء، ويمد الحياة بكل شيء،
لذلك يطلق عليه «الاله الصانع»، تمييزا له عن «الاله المتعال».
من هنا راى ابن عربي ان الحقيقة المحمدية هي اول التعينات،
فهي النور الذي تجلى عن الله قبل كل الاشياء، ومنه تكونت
سائر الاشياء. فهي عنده صورة كاملة للانسان الكامل الجامع
لجميع حقائق الوجود، وهي «الحق ذاته ظاهرا لنفسه في اول تعين من تعيناته في صورة
العقل الحاوي لكل شيء. واذا كان
آدم هوالانسان الظاهر المتعين بالوجود الخارجي في صور
افراده، فمحمد هو
الانسان الباطن المتعين في العالم المعقول»((36)).
وهو اسم
الله، او اسم الله الاعظم الذي تحققت به جميع
المراتب والنسب والظهورات والتعينات، او انه مسمى الله
الظاهر كاول متعين من تعينات الهوية الغيبية. وهو من حيث
كونه متعينا بحقيقة الانسان الكامل فانه مستغرق جميع الذوات
الموجودة والنسب العدمية المفقودة والافعال
والاخلاق والنعوت والصفات المذمومة والمحمودة، بحيث لا يخرج شيء اصلاعن حيطته، لكنه غير متكثر بهذه الكثرة،
حيث يتعالى عن الظهور بمايناقض الكمالات الالهية، فان الله
هو «احدية جمع جميع الكمالات الاسمائية المؤثرة والحقائق
الفعالة الوجوبية الوجودية لا غير». «واما غيرمسمى الله مجلى
ومجلى.. وان كان صورة فيه فالذي يسمى الله هوالذي لتلك
الصورة.. ولا يقال هي هو ولا هي غيره» ((37)). |