الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

واختيار الحكمين، من اهل الزوجين، يقصد منه الاستفادة من عاطفتهما، وحرصهما على مصلحة الزوجين القريبين منهما، كما ان اطلاعهما على اسرار حياة الزوجين، لا يشكل احراجا كبيرا، كاطلاع الاجانب ضمن المحاكم العامة، اضافة الى تجاوز هذا التحكيم العائلي قيود المحاكم العامة ونفقاتها.

لكن ذلك مشروط بان ياتي كل واحد من الحكمين بقصد الاصلاح، وعودة الانسجام والوئام بين الزوجين، لا بقصد الانتصار لطرف، اوالانتقام من الاخر. وهذا ما يؤكد عليه قوله تعالى: (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما).

من يبعث الحكمين؟ الاية الكريمة (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا....) توجه امرا بالمبادرة الى بعث حكمين للمعالجة والاصلاح. «فالظاهر وجوب هذا البعث وفاقالجماعة، لظاهر الامر، ولكون ذلك من الامر بالمعروف، ومن الحسب التي نصب الحاكم لامثالها» ((270)). وبه قال الشربيني الشافعي في «مغني المحتاج»، ونقله عن عدد من العلماء ((271)).

وذهب بعض الفقهاء الى انه مستحب، وان الامر في الاية «ارشاد الى طريق من طرق الاصلاح، فلا يستفاد منه الوجوب». ((272))

ويرى اكثر الفقهاء «ان المخاطب بالبعث - بعث الحكمين - الحكام المنصوبون لمثل ذلك» ((273)).

ويبدو للمتامل، في الاية الكريمة، ان الراجح ما ذكره علماء آخرون، منهم السيد السبزواري، الذي قال ما نصه: «حيث ان الموضوع من الاصلاح والمعروف، وهو محبوب عند الشرع، بل عند جميع الناس، فالخطاب متوجه الى كل من يطلع على الموضوع، ويتمكن على رفع الشقاق بينهما، بقول حسن، وتدبير لطيف ونحوهما، مثل قوله تعالى: (فأصلحوا بين أخويكم) [الحجرات/10]، ولا يختص بخصوص الحاكم الشرعي، الا اذا كان تنازع وتخاصم بينهما، يحتاج الى فصله بحسب موازين القضاوة وان كان الاحوط تعيينه مطلقا» ((274)).

وليس هناك خلاف في جواز المبادرة واستحبابها من اجل اصلاح ذات البين، من قبل اي جهة، كان يبادر الزوجان او اهلوهما، او الحاكم، اوغيرهم «وبالجملة ينبغي ان لا يكون خلاف في جواز البعث من كل من هؤلاء، ووجوبه اذا توقف الاصلاح عليه، خصوصا الحاكم والزوجين»((275)).

فاذا بعث الزوجان حكمين، من قبلهما، يعدان وكيلين، فيمضي قرارهما في حدود الوكالة الممنوحة لكل منهما، لا اكثر، وليسا حكمين حينئذ، في راي اكثر الفقهاء.

ويرى السيد الشيرازي صحة كون من يبعثهما الزوجان حكمين، ايضا، قال ما نصه: «صحة جعل الزوجين الحكمين بعنوان الحكم، كما يصح ان يكون بعنوان الوكيل، او بالاختلاف، والفرق هو ان الحكمين يحكمان حسب ما يرياه صلاحا، بعد جعلهما اياهما حكمين، بينما الوكيل لايتمكن ان يعمل الا في دائرة الوكالة، وهذا هو الفارق بين الامرين»((276)).

اما اهل الزوجين فلو بعثا شخصين للتحكيم في الشقاق، فيحتاج الامرالى اجازة الزوجين، ليكونا وكيلين عنهما، فيمضي رايهما ضمن حدود الوكالة، او على اساس انهما حكمان كما هو راي السيد الشيرازي، اوباجازة الحاكم الشرعي، فيكونان حكمين ينفذ قرارهما. ولو بعث اهل الزوجين حكمين من دون اجازة الزوجين او الحاكم، فلا اعتبار لذلك، الافي حدود الوساطة لاصلاح ذات البين.

وللحاكم الشرعي صلاحية بعث الحكمين حتى من دون رضا الزوجين، وبخاصة اذا رفعت خصومتهما اليه.

ولو لم يكن حاكم شرعي، او لم يمكن الوصول اليه، قام عدول المؤمنين بهذه المسؤولية، فتبعث الجهة المتصدية منهم الحكمين ويكون امرهمانافذا.

صفات الحكمين

لكي ينجح الحكمان، في مهمتهما الاصلاحية، ولتكون قراراتهما معتمدة من قبل الشارع، لا بد من توافر الصفات المساعدة على ذلك، وقد تحدث الفقهاء عن تلك الشرائط على النحو الاتي:

1 ـ القرابة من الزوجين: حيث نصت الاية الكريمة على ان يكون الحكمان من اهل الزوجين (فابعثوا حكما من اءهله وحكما من أهلها)، لان ذلك في الغالب انجح لمهمة الاصلاح، واذا كان الاجنبي اقدر على التاثير، فلا مانع من اختياره، وكذلك لو لم يكن لهما اهل، او لم يكن من اهلهما من يصلح للقيام بهذا الدور، فيمكن اختيار اي عنصرين صالحين.

2 ـ البلوغ.

3 ـ العقل.

4 ـ الصلاحية: بمعنى قدرتهما على القيام بهذا الدور، بمعرفة الاحكام المتعلقة بالحقوق الزوجية، وامتلاك الخبرة الاجتماعية. ويمكن ان يتعدد الحكم عن كل طرف، بان يكون شخصين او اكثر من جهة الزوجة،وكذلك من قبل الزوج.

5 ـ العدالة: وهي شرط عند فقهاء السنة، اما فقهاء الشيعة فلم يشترطوا ذلك.

6 ـ الاسلام: وهو شرط اذا كان الزوجان مسلمين.

7 ـ الذكورة: وقد اشترطها بعض الفقهاء، وسكت عن ذلك اكثرهم، وصرح بعض الفقهاء بعدم اشتراطها. قال السيد السبزواري: «الظاهر عدم اعتبار الرجولية فيهما بعد كون المراة قابلة لذلك» ((277)).

مهمة الحكمين

الهدف الاساس للتحكيم هو اصلاح العلاقات الزوجية، التي اصابها النزاع والشقاق، وارجاعها الى حالة الوفاق والوئام. ولانجاز هذه المهمة، على كل من الحكمين ان يتحدث مع من يمثله بصراحة وانفتاح، ليعرف واقع حالته، وما يشكو منه، وما يطلبه، ويتحاور معه في الموضوع، للوصول الى نتيجة للمعالجة.

ثم يلتقي الحكمان ويتدارسان الامر بصراحة ووضوح، لا يخفي احدهماعلى الاخر شيئا مما له ارتباط بمعالجة الموضوع. ويتفقان على راي واحد للحل، ورايهما ملزم للطرفين، «فكل ما استقر عليه رايهما وحكمابه نفذ على الزوجين، ويلزم عليهما الرضا به، بشرط كونه سائغا، كما لوشرطا على الزوج ان يسكن الزوجة في البلد الفلاني، او في مسكن خصوصي، او عند ابويها، او لا يسكن معها في الدار امه او اخته، ولو في بيت منفرد، او لا تسكن معها ضرتها في دار واحدة، ونحو ذلك. او شرطا عليها ان تؤجله بالمهر الحال الى اجل، او ترد عليه ما قبضته قرضا، ونحوذلك. بخلاف ما اذا كان غير سائغ، كما اذا شرطا عليه ترك بعض حقوق الضرة، من قسم او نفقة او غيرهما» ((278)).

اما لو راى الحكمان ان الحل هو الطلاق والفراق، فهل يمضي قرارهما؟

فقهاء الشيعة يحصرون نفاذ امر الحكمين في ما يتعلق بالاصلاح والجمع، اما التفريق فلا يمضي امرهما فيه، الا اذا كانا وكيلين عن الزوجين في ذلك...، اما اذا كان التفريق يتضمن بذلا وفدية من الزوجة،فيحتاج الامر مراجعتها وموافقتها.

ويوافق الشيعة على ذلك ابو حنيفة والشافعي، واحدى الروايتين عن احمد بن حنبل.

وعند المالكية ينفذ امرهما في الاصلاح والتفريق.

تعدد الزوجات

الحالة الطبيعية ان يتزوج الرجل امراة واحدة، تتمركز مشاعر الحب والمودة بينهما، ويسيطر كل منهما على قلب الاخر، من دون اي منافس، ويشتركان في بناء حياة عائلية سعيدة، تنتج للمجتمع ابناء وافرادا صالحين.

لكنه شاع، في المجتمعات البشرية، ومن قديم التاريخ، نظام تعدد الزوجات لدى قسم من الرجال في المجتمع، ولم يكن ذلك حالة عامة، في اي مجتمع من المجتمعات، بحيث يتزوج كل رجل اكثر من زوجة، وانما كان يحصل ان يتزوج بعض من الرجال عددا من النساء، وغالبا ماكان اولئك الرجال الذين تتعدد زوجاتهم من طبقة الحاكمين، او الاثرياء والنافذين.

ومن اشهر الشعوب التي اخذت بنظام تعدد الزوجات، في العصورالقديمة: العبريون، والعرب في الجاهلية، والصقالبة، وبعض الشعوب السكسونية، وكان معمولا به لدى اليهود، والايرانيين في عهد الساسانيين، ولدى شعوب اخرى، وقد اباحت اليهودية تعدد الزوجات، ولم يرد في المسيحية نص يمنعه.

ولم يكن لتعدد الزوجات حد في بعض المجتمعات، كعرب الجاهلية، فقد ورد ان غيلان بن سلمة اسلم على عشر نسوة، فقال له النبي(ص): «امسك اربعا وفارق سائرهن»((279)).

وروى ابو داود وابن ماجة، عن قيس بن الحارث، قال: اسلمت، وعندي ثمان نسوة، فاتيت النبي(ص) فذكرت ذلك له، فقال: اختر منهن اربعا.

وروى الشافعي عن نوفل بن معاوية: انه اسلم وتحته خمس نسوة، فقال له النبي(ص): امسك اربعا وفارق الاخرى((280)). وذكر «كريستينسن» في كتاب «ايران في زمان الساسانيين»: ان مبدا تعدد الزوجات يعد الاساس في تشكيل العائلة، وكان للرجل ان يتزوج من النساء ما وسعه((281)).

تحليل اجتماعي

تحدث العالم المؤرخ «ول ديورانت»، في موسوعته: قصة الحضارة، عن نظام تعدد الزوجات في التاريخ البشري، وعن المسوغات التي انتجته في المجتمعات الانسانية، ونقتطف من تحليله الفقرات الاتية:

لقد ظن رجال الدين (المسيحي)، في العصور الوسطى، ان تعددالزوجات للزوج الواحد، نظام ابتكره محمد ابتكارا لم يسبق اليه، لكنه في الواقع نظام سابق للاسلام باعوام طوال، لانه النظام الذي ساد العالم البدائي، وهنالك من اسباب كثيرة عملت على تعميم هذا النظام ونشره.

ان حياة الرجال، في المجتمع الاول، كانت اشد عنفا، واكثر تعرضاللخطر، بسبب اضطلاعهم بالصيد والقتال، ولذا زاد الموت في الرجال عليه في النساء، واطراد الزيادة في عدد النساء يضع امام المراة اختيارابين حالتين: فاما تعدد الزوجات للرجل الواحد، واما عزوبة عقيمة ليس عنها محيص لبعض النساء.

كذلك يحب الرجال ان تكون عشيراتهم في سن الشباب، والنساء يكتهلن بسرعة في المجتمعات البدائية، بل ان النساء انفسهن كن احيانايحبذن تعدد الزوجات، حتى يباعدن بين فترات الولادة، من دون ان ينقصن عند الرجل شهوته وحبه للنسل، واحيانا ترى الزوجة الاولى، وقد ابهضها عبء العمل، تشجع زوجها على الزواج من امراة ثانية، حتى تقاسمها مشقة العمل، وتنسل للاسرة اطفالا يزيدون من انتاجها وثرائها.

ولا شك في ان تعدد الزوجات، لاءم حاجة المجتمع البدائي في ذلك الزمن اتم ملاءمة، لان النساء فيه يزدن عددا على الرجال، وقد كان لتعددالزوجات فضل في تحسين النسل، اعظم من فضل الزواج من واحدة، الذي ناخذ به اليوم، لانه بينما ترى اقدر الرجال واحكمهم في العصر الحديث، هم الذين يتاخر بهم الزواج عن سواهم، وهم الذين لا ينسلون الا اقل عدد من الابناء، ترى العكس في ظل تعدد الزوجات، الذي يتيح لاقدر الرجال ان يظفروا - على الارجح - بخير النساء، ان ينسلوا اكثرالابناء، ولهذا استطاع تعدد الزوجات ان يطول بقاؤه بين الشعوب الفطرية جميعها تقريبا، بل بين معظم جماعات الانسان المتحضر، ولم يبدا في الزوال في بلاد الشرق الا في عصرنا الحاضر، لانه قد تضافرت على زواله بعض العوامل.

وفي هذه الحالة، اصبح تعدد الزوجات المكشوف، حتى في الجماعات البدائية، ميزة تتمتع بها الاقلية الغنية وحدها، اما سواد الناس فلايجاوزون الزوجة الواحدة، ثم يخففون وطاة ذلك على نفوسهم بالزنا،بينما ترى اقلية اخرى آثرت العزوبة راضية او كارهة ((282)).

مسوغات تعدد الزوجات

وما اشار اليه هذا العالم المؤرخ، من مسوغات لتعدد الزوجات، في المجتمعات الانسانية، هو مسوغات حقيقية، ويمكننا توضيحها اكثرعبر النقاط الاتية:

1 ـ عادة ما يكون عدد الاناث اكثر من عدد الذكور، وليس ذلك لسبب زيادة مواليد الفتيات على الفتيان دائما، وانما ايضا لتعرض الذكورللاخطار واسباب الموت اكثر، كالحروب وحوادث العمل. ويذكر الفيلسوف البريطاني «برتراند رسل»، في كتاب «الزواج والاخلاق»انه: يوجد الان - وقت كتابة الكتاب في انكلترا اكثر من مليوني امراة زائدة على عدد الرجال، وهؤلاء النسوة، طبقا للعرف السائد، يجب ان يعشن الى آخر العمر عقيمات في الواقع، وهذا يشكل حرمانا عظيمالهن، ان نظام الزوجة الواحدة مبني على افتراض تساوي عدد النساء والرجال في البلد، فحين ينعدم التساوي، يقع ظلم عظيم على اولئك الذين يجب ان يعيشوا حالة العزوبة، طبقا لهذا القانون الرياضي((283)).

وفي اعقاب الحرب العالمية الثانية، كتبت الصحف الالمانية عن حرمان عدد كبير من النساء من الحصول على زوج وبيت عائلي، وحصلت حركة ضغط من النساء على الحكومة الالمانية، لالغاء قانون الزوجة الواحدة،واقرار تعدد الزوجات، لكن الكنيسة عارضت ذلك ((284)).

2 ـ والمراة اسرع بلوغا وتهيؤا للزواج من الرجل، فالفتيات اللاتي يولدن مع الفتيان في سنة واحدة، يتهيان للزواج بيولوجيا وسيكيلوجيا قبلهم ببضع سنوات، كما هو معروف. وفي الوقت نفسه فان الاستعداد الجنسي اسرع نضوبا وخفوتا عند المراة، حيث تتلاشى قدرتها على الانجاب، ولياقتها الجسمية قبل الرجل. لذلك اصبح مالوفا ان يتزوج الرجل من امراة تصغره بعدة سنوات.

3 ـ وتمر بالمراة اوقات تعاني فيها من المعوقات الجنسية، كايام العادة الشهرية، وبعض ايام الحمل، بينما لا يعاني الرجل من مثل ذلك.

4 ـ وهناك نساء يفقدن ازواجهن لبعض الاسباب، من وفاة او طلاق، فلايتيسر لهن جلب اهتمام الرجال ليتخذوهن زوجات اول، وقد تكون المراة مصابة بالعقم، او اي مرض آخر، ففي ظل نظام الزوجة الواحدة فقط، تصعب معالجة مثل هذه الحالات.

هذه الاسباب جميعها تنتج حالات العنوسة والحرمان من الزواج، لعددمن النساء، كما قد تدفع الرجال للعلاقات الجنسية غير المشروعة، وهوما تعاني منه المجتمعات الغربية الان، وبشكل مبتذل فاضح.

من اجل ذلك، امضى الاسلام ما كان معمولا به من تعدد الزوجات، ولكن ضمن حدود وضوابط.

حدود التعدد

اتفقت كلمة فقهاء المسلمين على انه لا يجوز للرجل ان يتزوج اكثر من اربع زوجات بالنكاح الدائم، في وقت واحد، حتى لو طلق واحدة منهن،لم يجز له ان يتزوج الخامسة، حتى تخرج زوجته المطلقة من عدتها، اذاكان الطلاق رجعيا، اي يصح له الرجوع فيه.

اما اذا كان الطلاق بائنا، فالمشهور عند فقهاء الشيعة: انه يجوز له الزواج من اخرى قبل انتهاء عدتها، وهو راي السيد الشيرازي من المعاصرين.كما افتى بذلك المالكية والشافعية ((285)) واحتاط بعض الفقهاء الشيعة بوجوب الانتظار الى انتهاء عدة البائنة، كما هو راي السيد السيستاني من المعاصرين. وهو راي الحنفية ايضا، حيث يرون وجوب الانتظار حتى في الطلاق البائن ((286)).

اما اذا كانت العدة لفسخ الزواج فلا يجب الانتظار باتفاق الفقهاء.

واذا ماتت الزوجة الرابعة فهل يجب عليه الانتظار، او يجوز له الزواج من اخرى فورا؟ المشهور عند فقهاء الشيعة عدم وجوب الانتظار، وهو راي فقهاء السنة ايضا. لكن بعض فقهاء الشيعة اوجب الصبر احتياطا مدة عدة الوفاة اربعة اشهر وعشرة ايام. وهو راي السيد السيستاني.

وتحديد تعدد الزوجات باربع لقوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) [النساء/3]. اضافة الى العديد من الاحاديث الصريحة بهذا التحديد. والواو في قوله تعالى: (مثنى وثلاث ورباع) للتخيير، يعني: اما اثنتان، او ثلاث، او اربع، وهذا باتفاق المسلمين. ونسب الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه: «الفقه الاسلامي وادلته» الى الشيعة: انهم يجوزون الزواج بتسع نساء، على اساس انهم يعتبرون الواو هنا للجمع مثنى وثلاث ورباع، فالمجموع تسعة ((287)). ولم يذكر مصدرا لهذا الادعاء.

وهذا القول افتراء على الشيعة، حيث لم يرد لا في كتب تفاسيرهم، ولافي كتب فقههم، وهو انموذج للنقل عن الشيعة من مصادر مخالفيهم ومناوئيهم، لرسم صورة مشوهة عنهم، بعيدة عن الموضوعية والواقع.

والتحديد باربع خاص بالزواج الدائم، اما الزواج المؤقت الذي يرى الشيعة استمرار جوازه، فانه غير مشمول بهذا التحديد.

لزوم العدل بين الزوجات

يجوز للرجل ان يتزوج غير زوجة، اذا كان يجد نفسه قادرا على التعامل مع زوجاته بعدالة، بان لا يجور على حقوق واحدة لصالح الاخرى، في النفقة او في المبيت، حيث يجب عليه ان يتحمل نفقات زوجاته، فلايصح له ان يجحف باحتياجات واحدة منهن، ونفقة كل واحدة بحسب وضعها وشانها، فليس المقصود بالعدالة المساواة، وانما توفيرالمستلزمات، فلو كانت حياة احداهن تتطلب نفقة اكثر من الاخرى،وجب عليه ذلك، مع توفير حاجة الاخرى ضمن احتياجها.

وبالنسبة للمبيت، فان عليه ان يعدل في القسمة بين زوجاته، وحق الزوجة ان يبيت عندها زوجها ليلة من كل اربع ليال، ولا يجوز لمن يعرف من نفسه عدم القدرة على العدل ان يتزوج اكثر من واحدة، لقوله تعالى: (فاءن خفتم اءلا تعدلوا فواحدة)[النساء/3].

اشتراط عدم التعدد

اذا اشترطت الزوجة على الزوج، في عقد النكاح او في غيره، ان لا يتزوج عليها صح الشرط، ويلزم عليه ان لا يتزوج، واذا تزوج عليها يكون آثما مذنبا لكن زواجه صحيح ((288)).

الموقف من تعدد الزوجات

من الناحية الشرعية، فان الاسلام قد اجاز تعدد الزوجات ضمن الحدودوالضوابط المقررة، ولا يستطيع مسلم ان يعترض على تشريعات الاسلام، وما دامت المسالة في اطار الجواز والاباحة، فالامر متروك لوضع كل انسان وظروفه، وللاعراف والاعتبارات السائدة في المجتمع.

ومن الواضح ان ظروف الحياة، اليوم، اصبحت اكثر تعقيدا من السابق، فاخذ زوجة اخرى، يعني ادارة اسرة اخرى، تستلزم نفقات مادية، وجهودا في الرعاية والتربية، فمن كان قادرا على ذلك، ومطمئنا الى تطبيق العدالة المطلوبة شرعا، فليس من الصحيح تعويق رغبته وارادته في تعدد الزوجات.

ان هناك اشخاصا في المجتمع تستدعي ظروفهم الشخصية والعائلية اتخاذ زوجة اخرى، لكن تحسس الزوجة الاولى بشكل مبالغ فيه، قديجعل الرجل امام احد خيارين كلاهما صعب: اما ان يكبت رغبته،ويتجاهل حاجته، وقد يلجا الى طريق الحرام. او يغامر بخراب بيته العائلي وهدمه.

من ناحية اخرى، فان عدد النساء العوانس في تصاعد وتزايد، وتعددالزوجات هو الذي يفسح امامهن امل الحياة الطبيعية، ويتيح لهن فرصة السعادة الزوجية، وممارسة دور الامومة.

واشارت احصائيات لوزارة التخطيط، في المملكة العربية السعودية: ان عدد الفتيات اللاتي لم يتزوجن، وتجاوزن سن الزواج اجتماعيا (30عاما) بلغ حتى نهاية 1999م حوالى مليون و925 الفا و814 فتاة. واوضحت الاحصائية: ان عدد المتزوجات في السعودية بلغ مليونين و836 الفا و475 امراة ((289)).

وذكرت احصائية سابقة ان عدد العوانس في الكويت بلغ 40 الف عانس((290)).

ويجب ان نعترف بان جزءا من المشكلة يكمن في النماذج والتجارب السيئة، التي قد تحصل من قبل من يتزوجون زوجة اخرى، ثم لايمارسون العدالة، بل يهملون الزوجة الاولى، ويجحفون بحقوقها، وتتضاءل حتى رعايتهم لابنائهم منها واهتمامهم بهم منها.

واذا كان مفهوما وجود مسوغات للميل العاطفي نحو الزوجة الجديدة،عبرت عنه الاية الكريمة (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) [النساء/129]، حيث تعني استحالة العدالة في الميل النفسي والعاطفي، ولكنه ليس منطقيا ان لا يعدل الانسان في الجانب الممكن، وهو العدالة في النفقة والرعاية، واداء الحقوق الشرعية.

يقول تعالى: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة)[النساء/3].

ورد عن الامام محمد الباقر(ع) عن جده رسول الله(ص) انه قال: «من كانت له امراتان فلم يعدل بينهما، في القسم من نفسه وماله، جاء يوم القيامة مغلولا مائلا شقه حتى يدخل النار». ((291))

وورد مثله عن ابي هريرة عن رسول الله(ص) اخرجه الترمذي والحاكم.

المراة في ظل ثقافة المتغيرات

الشيخ عبدالله احمد اليوسف

مدخل

 تعد الثقافة من اقوى الروافد المؤثرة في صياغة الشخصية الانسانية، فالثقافة تسهم بصورة فاعلة في تكوين رؤى الافراد والمجتمعات وقناعاتهم، وهو ما ينعكس ايضا على سلوك كل فرد من افراد المجتمع واخلاقه.

وباعتبار ان مفهوم الثقافة يشير الى المعارف والمعتقدات، والعادات والتقاليد، والفنون، والقوانين، ومنظومة القيم والرموز والمثل... الخ، فالثقافة بهذا المفهوم تشير الى تنوع متجانس ومؤثر في مسيرة المجتمعات، كما انها نتاج لتراث المجتمع على مر السنين والقرون.

والسؤال الذي يجب ان نطرحه هنا هو: هل الثقافة عملية جامدة وثابتة او انها متجددة ومتطورة ومتغيرة؟

في تقديري ان عملية التجديد والتطوير تشمل اغلب جوانب الثقافة، وانها عملية متجددة، بل ومتغيرة بتغير الزمان والمكان، فاذا استثنينا المعتقدات الدينية - باعتبارها تشكل جزءا من الثقافة بالمفهوم الشامل - والتي تنقسم الى ثوابت لا تتغير رغم تغير الزمان والمكان كالعقائد والعبادات، وجوانب متغيرة كالمعاملات، فان اغلب جوانب الثقافة تخضع للتغير والتطور والتجدد.

وفي عصرنا الحاضر، تغير الكثير من المفاهيم الثقافية بفعل تغير ظروف الزمان، وتطور الوعي العام، وتنامي دائرة الفكر والمعرفة، الا ان هذا لايعني ان هذا التغير هو شيء ايجابي بالمطلق او سلبي كذلك، وانما نريدهنا توصيف الحالة الثقافية وتغيرها بفعل تغير المنتج الثقافي ووسائله وادواته.

والمراة، في ظل المتغيرات الثقافية المتسارعة ليست منفصلة عمايحدث حولها، وعما يصدر في شانها من ثقافة وافكار تهدف الى صياغة رؤية جديدة للمراة في ظل عولمة ثقافية يراد تعميمها عالميا، بغض النظر عن الخصوصيات الثقافية للمجتمعات المختلفة.

والمراة المسلمة، بما تحمل من «ثقافة اسلامية»، تواجه تحديا خطيرا من تداعيات «الثقافة المعولمة»، وتتجلى خطورة هذا التحدي كلما ادركنا ماتملكه «العولمة» من آليات ووسائل وقنوات وروافد ضخمة وقوية للتبشير بثقافتها وقيمها ومثلها، والعمل بجد وتخطيط من اجل تهميش كل ثقافة مغايرة لثقافة العولمة!

وفي ظل هذا الواقع الثقافي الجديد، فان المراة المسلمة مطالبة اكثر من اي وقت مضى، بالارتقاء الى مستوى التحديات الراهنة، والاستفادة من الفرص الجديدة والمفيدة مع ضرورة فهم الثقافة الاسلامية واستيعابها،والالتزام بثوابتها، ورفض اي منتج ثقافي يتصادم مع ثقافة الاسلام والانفتاح على ثقافة العصر مما لا يتعارض مع الثقافة الاسلامية الاصيلة.

المراة والثقافة المعاصرة

شهدت الثقافة المعاصرة تطورات كبيرة، وقفزات نوعية، وافكارا جديدة في مختلف جوانب الحياة، ومما ضاعف من التاثير الثقافي هو امتلاك الثقافة المعاصرة لوسائل متطورة، وآليات فاعلة لنقل الثقافة الى اي مكان من العالم، من دون رقيب او حسيب، بل ويتم ذلك في لحظة عين او اقل من ذلك!

وبفعل ما يعيشه الغرب من تقدم مادي مذهل، وما يعيشه المسلمون من تخلف شامل، اصبح الغرب بثقافته المادية قادرا على اختراق جميع السدود، والتاثير في العقول والقلوب. واذا كان الانسان، في الماضي،يتاثر بالغرب عندما يسافر اليه، ويمكث فيه مدة من الزمن، فان الوضع اليوم لم يعد كذلك، فلا حاجة للسفر، ولا داعي لكي يترك الانسان بلاده، فثقافة الغرب تاتي الينا كالنهر الجاري عبر القنوات الفضائية، وشبكة الانترنت العالمية اينما كنا، وفي اي وقت وزمان!

وثقافة الصورة، اليوم، اصبحت اكثر قدرة على استقطاب الناس، والتاثيرفيهم من اي كتاب، ولذلك لا ترى منزلا خاليا من جهاز تلفاز او كمبيوتر، في حين ترى الكثير من الناس غير معنيين باقتناء الكتب، فضلا عن قراءتها، بل اصبحت عادة قراءة الكتب من العادات المهددة بالانقراض!

والثقافة المعاصرة تركز كثيرا على المراة، وتتفنن في ايصال «ثقافة العولمة» الى عقول النساء المسلمات، من خلال القنوات الفضائية المتخصصة للمراة، والمواقع المخصصة للمراة على الانترنت،والمجلات النسائية الخاصة بالنساء... وهذه جميعها تهدف - في ماتهدف اليه - الى تغيير ثقافة المراة المسلمة، وتعديل سلوكها، والتاثيرفي قناعاتها الدينية.

وما يجب ان تنتبه اليه المراة المسلمة هو ان الثقافة الغربية ترتكز على فكر مادي، لا يستطيع الاستجابة لكل حاجات الانسان، بيد انه كمايحتاج اي انسان الى اشباع حاجاته المادية، يحتاج كذلك لاشباع حاجاته المعنوية والروحية والاخلاقية.

اما ثقافة الاسلام فهي ثقافة قائمة على التوازن بين الروح والجسد، بين العقل والعاطفة، بين المادة والميتافيزيقيا، بين الدنيا والاخرة... وهذا مايميز ثقافة الاسلام عن الثقافة الغربية المادية.

ومع ذلك، يجب ان نعترف بان التقدم المادي الذي احرزه الغرب يبهرالكثير من الناس في مجتمعاتنا الاسلامية، كما ان الامكانات الضخمة المتوافرة بيد الغرب تعطي الكثير من الفرص للتاثير في سلوك الافراد والمجتمعات واخلاقهم على حد سواء، خصوصا مع ضعف الانتماء للدين، وعدم التجديد في البرامج الدينية التوعوية، وجمود الخطاب الاسلامي التقليدي.

ولان هذا العصر يمكن ان نسميه بعصر «تزاحم الثقافات»، فان علينا،بوصفنا مسلمين، ان نوضح خصائص ثقافتنا الاسلامية، وقدرتها على الاستجابة لمتطلبات العصر وتحولاته، وان نستفيد من آليات نقل الثقافة ووسائلها لايصال ثقافتنا الى العالم من اقصاه الى اقصاه.

والمراة المسلمة التي تواجه مختلف وسائل الاغواء والاغراء، لتنسلخ من ثقافتها الاسلامية، بحاجة ماسة للاقتناع باستخدام المنطق والحوار والدليل والبرهان لتركيز المفاهيم الاسلامية، وتجذير القيم الاخلاقية في شخصيتها، كي يمكن لها المحافظة على هويتها الاسلامية وقيمها الاخلاقية عن اقتناع داخلي، وليس باسلوب الفرض والقسر، وعندئذ تتحول ليس الى امراة مسلمة ملتزمة ومحافظة على قيمها واخلاقهاوانما الى داعية ومدافعة ايضا عن ذلك.

الثقافة المعاصرة وقضايا المراة

قضايا المراة من ابرز القضايا التي لا تزال تشكل ميدانا للنقاش الساخن، والمعارك الحامية، والسجالات التي لا تتوقف. وهذه المعارك والسجالات الثقافية تدور احيانا بين المنظور الاسلامي والمنظور الغربي للمراة، واحيانا في داخل الدائرة الاسلامية بين منظورين مختلفين يمثل احدهما: ثقافة الجمود والتحجر. والاخر: يمثل ثقافة التجديد والاصلاح.

فبالنسبة للمعارك الساخنة التي تدور بين المنظور الغربي والمنظورالاسلامي للمراة، فان نقاط الاختلاف تبدو جلية في ما يتعلق بحرية المراة، ففي حين ان «ثقافة العولمة» ترى ان من حق المراة ان تمارس اي شيء كما تريد، من دون اية ضوابط شرعية او اخلاقية، وان ذلك يدخل ضمن نطاق «الحرية الشخصية»، فان المنظور الاسلامي يرى انه لا حرية في فعل الحرام، وان حرية المراة متاحة ضمن «المباح» لها شرعا واخلاقا.واظن ان الخلافات الاخرى الرئيسة في اغلبها متفرعة من تغاير مفهوم «الحرية» لدى المنظورين: الاسلامي والغربي.

اما بالنسبة للمعارك التي تدور ضمن الدائرة الاسلامية فان الخلاف يتركز حول قراءة «النص الديني» وما يستتبعه من فهم واجتهاد واستنباط للاحكام الشرعية الخاصة للمراة، ومن بلورة للمفاهيم المتعلقة بقضاياالمراة وشؤونها.

وكل منظومة ثقافية تحاول ان تقدم نفسها باعتبارها تعطي الانموذج الافضل لتقدم المراة ورقيها والحفاظ على شخصيتها الانسانية.

وقد استفاد الغرب، منذ بروزه في العصر الحديث قوة حضارية متقدمة، من تفوقه العلمي والتكنولوجي والصناعي والاقتصادي لاقناع «الاخر» بوجهة نظره الى المراة، وبانه يقدم للانسانية الانموذج الافضل والارقى لتقدم المراة وبناء شخصيتها!

وقد حاول الغرب، من خلال عقد المؤتمرات العالمية الخاصة بالمراة، ومؤتمرات الاسكان، ومؤتمرات التعليم العام، وابرام الاتفاقيات الدولية عن المراة، وتقديم الدعم المالي للمنظمات والمنتديات والمراكز النسائية، ان يعمم الرؤية الغربية للمراة على جميع الثقافات والحضارات الاخرى.

ويمكن تلخيص اهم اهداف هذه المؤتمرات العالمية عن المراة في ما ياتي:
1 ـ العمل على تجاوز القيم الدينية والاخلاقية، وذلك عبر التقليل من اهمية الزواج والدعوة الى الاباحية والانحلال والشذوذ الجنسي.
2 ـ الدعوة الى تغيير جذري في مجال الاسرة عبر الغاء دور الزوجة داخل بيتها وتحديد صلاحيات الاب، والاعتراف بتعددية اشكال الاسرة!
3 ـ ابطال التشريعات الدينية والاعراف الاجتماعية واستبدالها بالاتفاقيات الدولية الخاصة بالمراة.
4 ـ تهميش ثقافات الشعوب والدعوة الى آحادية ثقافية في ظل العولمة.

وقد اخفق الغرب احيانا، ونجح في احيان اخرى في الوصول الى اهدافه وغاياته الرامية الى وضع رؤية «العولمة» الى المراة موضع التطبيق.

وقد ازداد الاهتمام بقضايا المراة في كل مكان من العالم، وخصوصا في العالمين العربي والاسلامي، نظرا للاهتمام العالمي بذلك، الا ان ماينبغي قوله هنا: ان ثقافة العولمة تركز على قضايا محددة كتحرير المراة،وقضايا الجنس المبتذل، ومساواة المراة بالرجل، وتتجاهل القضايا الرئيسة في حياة المراة.

وفي ظل هذا الواقع الثقافي المعاصر، ينبغي ان تدرك المراة المسلمة مفاهيم الاسلام وثقافته الاصيلة، وان تستوعب ما عليها من واجبات ومالها من حقوق كي تستطيع الحفاظ على شخصيتها الاسلامية في ظل ضغوط دولية، وخطط مدروسة لتغريب المراة المسلمة، ومسخ هويتها الثقافية.

كما انه من واجب اهل الفكر والراي العمل على تثقيف المراة، وتنمية وعيها، وتفعيل البرامج النسائية التوعوية، ودفعها نحو المشاركة في بناء المجتمع، وتقدم الامة، وصنع الحضارة الاسلامية.

المراة والثقافة الاستهلاكية

تسهم ثقافة اي مجتمع في تشكيل نوعية التفكير وانتاج سلوك الافراد،وايجاد ما يتلاءم مع تلك الثقافة من افكار وعادات وتقاليد وقناعات اجتماعية. فاذا كانت الثقافة السائدة في المجتمع ثقافة منتجة وواعية،فانها تسهم في صناعة الوعي، وزيادة الفاعلية، وخلق الابداع والابتكار،اما اذا كانت الثقافة السائدة في المجتمع - اي مجتمع - هي ثقافة استهلاكية، فانها بلا شك تزيد من الاهتمام بالكماليات، والترويج للمفاهيم الاستهلاكية، وتسطيح الثقافة بصورة عامة.

والثقافة المعاصرة تركز كثيرا على الثقافة الاستهلاكية، وخصوصا الثقافة الموجهة الى مجتمعاتنا الاسلامية بهدف الترويج للسلع الاستهلاكية، وزيادة مبيعات الشركات المنتجة للمنتجات الاستهلاكية.

ونظرا الى ان المراة اكثر اهتماما بقضايا الكماليات، لتركيزها على مايتعلق بالجماليات، فانها الاكثر استهلاكا لجميع السلع الاستهلاكية. ويتضاعف ذلك عندما تعيش المراة في مجتمع تعشعش فيه الثقافة الاستهلاكية، حيث يمثل التقليد الاعمى، والشراء غير المسوغ للسلع الاستهلاكية، دورهما الفاعل في انتشار ثقافة الاستهلاك في المجتمع.

وتبذل الشركات الكبرى ملايين الدولارات من اجل تسويق منتجاتهالزيادة حجم المبيعات، والتاثير على المستهلكين، والقيام بعملية اقناع مبرمجة من اجل الدفع بهم - وعن رض - للشراء من دون اي تفكير!

ولا تتوقف خطورة الثقافة الاستهلاكية عند شراء السلع والمنتجات الكمالية، وانما تزداد الخطورة عندما ندرك ان السلع الاستهلاكية تحمل مضامين ثقافية، وتعمل على تبديل العادات والتقاليد الحسنة الى عادات وتقاليد جديدة لا تنسجم مع قيمنا وثقافتنا الاسلامية.

وتاسيسا على ما مضى، فالمراة المسلمة - كما الرجل - مطالبة بزيادة وعيها الثقافي، وترشيد الانفاق، وعدم الانجرار وراء الاستهلاك والاسراف، ووضع ميزانية محددة للانفاق الشهري، والحد من عادات الاستهلاك غير المسوغة.

مظاهر الثقافة الاستهلاكية

للثقافة الاستهلاكية مظاهر وملامح كثيرة..، وساركز على المظاهر البارزة الاتية:

1 - صناعة الموضة
لقد اصبحت صناعة الموضة من انشط الصناعات تسويقا وربحا، اذ تنفق بلايين الدولارات سنويا على استهلاك الموضة والزينة في مختلف بقاع العالم.

وتعد صناعة الموضة والترويج لاستهلاك سلعها من ابرز مظاهر الثقافة الاستهلاكية، وتحقق هذه الصناعة ارباحا طائلة، وذلك للنجاح الباهرالذي تحققه مبيعات الموضة والزينة على اختلاف اشكالها واجناسهاواحجامها.

وتستخدم شركات الازياء و«الاكسسوارات» اساليب شتى، ووسائل متنوعة للترويج لمنتجاتها الاستهلاكية، بل وتستعين بخبراء متخصصين في عالم الجمال والموضة، وبدراسات ميدانية تقوم بها مراكز للابحاث والدراسات لزيادة عدد المستهلكين لمنتجاتها، ومضاعفة الاسواق التي تستهلك ما تنتجه من ازياء وزينة ومستحضرات تجميل.

وتعد ما تستهلكه السوق الخليجية من مستحضرات تجميل من اعلى معدلات الاستهلاك العالمي، فقد اظهرت دراسة اقتصادية ان انفاق المستهلك الخليجي على العطور ومستحضرات التجميل هو من اعلى معدلات الاستهلاك في العالم. وقدرت حجم واردات مجلس التعاون الخليجي منها بنحو 817 مليون دولار سنة 1995م. واشارت الدراسة التي اعدها مصرف الامارات الصناعي الى ان دول الخليج استوردت، عام 1995م، نحو 190 الف طن من العطور ومواد التجميل، الى جانب انتاجها المحلي البالغ 65 الف طن، قيمة واردات المملكة العربية السعودية منها 250 مليون دولار، والامارات العربية المتحدة 190مليون دولار.

ولاحظت الدراسة تزايد استهلاك العطور ومستحضرات التجميل بصورة مطردة مع ارتفاع مستويات المعيشة، واتساع القاعدة الاجتماعية للفئات ذات الدخل المتوسط في دول مجلس التعاون الخليجي((292)).

وهذا انموذج واحد، من نماذج كثيرة، يشير الى ارتفاع مستوى الاستهلاك في المجتمع الخليجي نتيجة لارتفاع مستوى المعيشة، وتوافر السيولة، وازدياد حجم الطبقة المتوسطة... الامر الذي ادى الى تزايد عادات الاستهلاك في السلوك الاجتماعي.

ومن اجل اقناع الزبائن بشراء المزيد من الازياء وادوات التجميل تتفنن الشركات المنتجة في اساليب الدعاية والاعلان للترويج لمنتجاتها،بحيث تجعل المراة تلهث وباستمرار وراء آخر منتجات الموضة!

واليك بعض الامثلة في هذا المجال:
فحجم الثوب النسائي - مثل - يتغير من حين لاخر، كما يتم تغييرلونه وشكله وطرق تطريزه.

وبالنسبة للحقائب النسائية: فشركات الموضة تنتج للمراة احيانا حقائب ذات حجم صغير، وبعد مدة تنتج حقائب ذات حجم كبير وملفت للانظار، كما يتم باستمرار تعديل اشكالها والوانها ونقوشها.

اما موضة الاحذية النسائية: فتارة تكون الموضة في الحذاء، بحيث يرتكز على مسمار رفيع، وبعد مدة تاتينا موضة جديدة، بحيث يكون الحذاء من الحجم العريض والضخم جدا!

اما عن صبغات الشعر، فسوق الموضة رائج جدا، حيث تنتشر الصبغات المتنوعة ابتداء من الصبغة الذهبية والصبغة النحاسية، ولم تبخل عليناتقليعات الموضة بان تكون الصبغة على شكل «كوكتيل» اي بعدة الوان في وقت واحد!

اما، في ما يتعلق بموضة «الماكياج»، فحدث ولا حرج، فللنهار «ماكياج» خاص، ولليل «ماكياج» يناسبه، ولكل موسم «ماكياج» خاص، ولكل مناسبة «ماكياج» يناسبها وهلم جرا.

اما عن العطور، فيجب على المراة ان تستخدم في النهار عطرا خفيفا، وفي الليل عطرا ثقيلا، وللحفلات عطرها المميز، وهكذا تبدا القائمة لكي لا تنتهي!

ولم تقتصر صيحات الموضة على النساء غير المتحجبات، بل ان الشركات المروجة للموضة اهتمت ايضا بصناعة موضة خاصة للنساء المتحجبات، ابتداء من الحجاب الذي ترتديه المراة الملتزمة الى نوعية العباءة التي تلبسها!

والمهم، عند شركات الموضة، ان تستهلك المراة - متحجبة كانت ام غير متحجبة - آخر صيحات الموضة، ومستحضرات التجميل، تماشيامع الثقافة الاستهلاكية التي تهدف الى تعميم الثقافة الاستهلاكية عند الجميع.

وهذه هي احدى اهداف العولمة الثقافية التي تركز - في ما تركز - على الروح الاستهلاكية العالية، واختزال المراة في بعدها المادي الاستهلاكي، وتجاهل البعد الروحي من حياتها، بل والعمل على تدميره.

وعليه، فالمطلوب من كل امراة واعية ادراك ان الكائن الانساني مكون من روح وجسد، ومن ثم يجب العمل على خلق التوازن بينهما، وعدم الاستغراق في الجانب المادي، كما ان على المراة ادراك مخاطر الثقافة الاستهلاكية، واللهث وراء تقليعات الموضة، ومستحضرات التجميل، والحذر من التعود على الاسراف والتبذير والبذخ.

والاسلام لا يمانع في ان تهتم المراة بجمالها وزينتها عند الحدود الطبيعية لذلك، بل ومطلوب منها ان تتجمل لزوجها، وان تعتني بنظافتها وزينتها، فان ذلك من اسباب السعادة الزوجية. لكن ما يجب الحذر منه هو ان تتحول المراة المسلمة الى لاهثة وراء كل صيحة من صيحات الموضة، والبحث عن آخر الصرعات في عالم الازياء، والتبذير في الاموال والاوقات من اجل مسايرة حمى الموضة!

مخاطر الموضة
لمسايرة صيحات «الموضة» وصرعات الازياء مخاطر كثيرة على المراة...، ويمكن تلخيص اهمها ضمن النقاط الاتية:

1 ـ التعود على النزعة الاستهلاكية في شراء كل جديد في دنيا «الموضة»، فاذا كان للموضة فصول اربعة: ازياء للشتاء وازياء للربيع وازياء للصيف وازياء للخريف. وفي كل فصل تمطرنا شركات الموضة بمئات التصاميم والاشكال والالوان، واخذت المراة تشتري كل ما هو جديد، فان ذلك يرهق ميزانية المراة، وقد يضطرها للاقتراض من اجل مسايرة الموضة.اذ اصبحت المراة في مجتمعنا تخجل من نفسها ان لبست الثوب الواحدغير مرة في اكثر من مناسبة! بل تحولت حفلات الاعراس والمناسبات المختلفة الى حفلات استعراضية للازياء الجديدة وآخر تقليعات الموضة!

2 ـ ومن مخاطر مسايرة الموضة هو «التقليد»، وتكمن خطورته في ان ما تنتجه شركات الموضة من ازياء واكسسوارات مصمم في الاساس لبيئة مختلفة عن بيئتنا، اذ صممت - غالب - لنساء عاريات، او شبه عاريات، ليس لهن من هم سوى الاثارة، واستعراض مفاتن الجسد، وجلب انتباه الجنس الاخر! كما ان للتقليد الاعمى للموضة تاثيره الثقافي والنفسي والسلوكي، وهوما ينعكس بدوره على البنية الاجتماعية.

3 ـ تحويل اهتمام المراة الى القضايا الشكلية بدل الاهتمام بالقضايا الجوهرية، وتغييب الوعي لدى المراة، وتحوير مسؤولياتها الى قضايا شكلية ومظهرية.
لقد تحولت مسايرة الموضة، عند الكثيرات من النساء، الى مظهر من مظاهر «العصرنة» والتمدن... وهذا تصور خطى، اذ ان الدخول في عالم الحداثة والتمدن لا ياتي من خلال المسايرة العمياء لما تنتجه شركات الموضة، وانما بفهم العصر، والتعمق في علومه، ومتابعة قضايا العصرفي مختلف حقول المعرفة.

4 ـ ان الكثير من الازياء يبعث على الضحك، ويثير الاشمئزاز، ولكن بالدعاية الفاعلة والترويج لها بذكاء تتحول الى ازياء عصرية، وموضة ساحرة، ما يجعل المراة تلهث وراءها من دون اي تفكير، ما يجعلهاترتدي ملابس لا تتناسب مع قيمها وعاداتها الاسلامية، بل قد يحولهاالى امراة منحرفة، اذ ان بعض الازياء المتهتكة، والموضات السافرة، تجرالمراة نحو فعل الحرام من حيث تعلم او لا تعلم! فشركات الموضة والزينة تعمل بكل تخطيط من اجل افساد المراة المسلمة، وذلك من خلال انتاج الكثير من الازياء غير المحتشمة وغير الساترة.......

هذه ابرز مخاطر الانجرار وراء صيحات الموضة، وعلى المراة المسلمة ان تفكر في هذه المخاطر، وان تدرك ابعاد ما يعمل لها من اجل تعويدهاعلى الثقافة الاستهلاكية، وسحب ما لديها من اموال من خلال الشراءالمستمر للازياء وآخر صرعات الموضة والزينة.

ولتعلم المراة المسلمة ان جمال الاخلاق، وجمال الروح، وجمال السلوك، وجمال العقل اهم من جمال الشكل والمظهر.

واذا كان الاهتمام بجمال المظهر شيء طبيعي، عند المراة، فالمطلوب ان لا يكون على حساب جمال الجوهر، اذ ان المنهي عنه هو ان يتحول جمال الشكل والمظهر الى كل شيء في حياة المراة المسلمة، اما جمال الروح والاخلاق فلا مكان له...، هذا هو ما يجب الحذر منه اشد الحذر.كما يجب عدم الانجرار وراء صرعات الموضة من دون اي تفكير، لان ذلك يجعل المراة المسلمة تقع ضحية للثقافة الاستهلاكية من دون ان تشعر!

2 ـ صناعة الجسد
تعتبر «صناعة الجسد» من ابرز ملامح الثقافة الاستهلاكية ومظاهرها، اذتحولت المراة في عصرنا من انسان محترم يمتلك مؤهلات الانسانية جميعها الى جسد يعبر عن الحالة الانثوية للمراة بصورة مبتذلة في ظل ثقافة العولمة. فاستعراض «الجسد» الذي تضج به الفضائيات والمجلات وصالات السينما ومحلات البيع، في الكثير من المجتمعات، قدحول المراة الى جسد بلا روح، وبلا عقل او تفكير. والهدف من ذلك هوتحويل «جسد المراة» الى عامل جذب للزبائن، وهو امتهان لكرامة المراة وانسانيتها.

وهذا الواقع الذي انتجته «الثقافة الاستهلاكية» قد احدث تغييرات جذرية على مستوى المفاهيم والقيم، ورسم تحولات ثقافية وسلوكية في النظرة للمراة المعاصرة، فالمراة ر الجسد تجدها في كل شيء معاصر، في الاعلام والدعاية، وفي تنشيط السياحة، في البيع والتجارة، في التسويق والترويج لجميع السلع الاستهلاكية... انه باختصار يمثل الحضورالطاغي لجسد المراة على حساب انسانيتها وانوثتها وشخصيتها.

هذه الثقافة الاستهلاكية اسهمت في طغيان الجسد، واثارة الشهوات، والتركيز على المظاهر على حساب المضمون والمحتوى، بل وعلى حساب الدور الحقيقي الذي يجب ان تؤديه المراة في الحياة، وهو مايثير مجموعة من الاسئلة عن التركيز غير الطبيعي لحضور الجسد وغياب العقل او تغييبه عند المراة المعاصرة.

ولا شك في ان ذلك يرتبط بصورة مباشرة في انجاح الثقافة الاستهلاكية على مستوى المفاهيم والسلوك، حتى تستطيع «ثقافة العولمة» تكريس النزعة الاستهلاكية في جميع المجتمعات المعاصرة.

ولذلك يستخدم «جسد المراة» عامل جذب للزبائن في كل شيء، باعتبار ان ذلك من انجح الوسائل لتسويق كل ما يرتبط بالسلع والمنتجات الاستهلاكية!

والمقلق، في الموضوع، هو ان هذه الصناعة الغربية لجسد المراة قدتحولت الى نوع من التطور والحداثة والتنوير في حياة المراة المعاصرة،في حين ان هذه الصناعة السيئة الصيت تعد من ابرز مساوى الحضارة المادية التي يجب ان تساءل عما حققه هذا «التطور» وهذا «التحديث» من ايجابيات في مسيرة المراة المعاصرة!

والحقيقة هي ان «صناعة الجسد» قد تحولت الى صناعة عالمية تستهدف توظيف مفاتن المراة لصالح الاقتصاد، وهو ما يعبر عن ثقافة نفعية، واستغلال سيى لطبيعة المراة الانثوية.

ان على المراة المسلمة ادراك مخاطر «صناعة الجسد» وعليها ان تعلم ان هذه «الصناعة» من مساوى العولمة، وان عليها المحافظة على كرامتهاوشخصيتها الانسانية، وان المراة - في نظر الاسلام - كائن انساني لايمكن اختزاله في (الجسد) وانما هو روح وجسد، وان لكل منهماوظائفه وادواره، ولا يجوز استثماره او توظيفه الا في ما شرعه الله عزوجل. كما انه من المهم لكل امراة مسلمة ان ترفض التحول الى سلعة يمكن تسويقها، بيد ان «الثقافة الاستهلاكية» قد حولت المراة الى اداة لزيادة المنفعة المادية عبر التسويق والاعلام والدعاية. ومن جهة اخرى تعد المراة هدفا لاقناعها بشراء المنتجات الاستهلاكية.

اما الاسلام فهو ينظر الى المراة بوصفها كائنا انسانيا محترما، وقد حددلها ما يجب ان تقوم به من ادوار، وما لا يجوز لها ان تمارسه من افعال لاتنسجم مع شخصيتها الانسانية، وطبيعتها الانثوية.

3 - صناعة الاستنساخ الثقافي
العولمة الثقافية تشير - في ما تشير اليه - الى عملية استنساخ ثقافية للرؤية الغربية - وبخاصة الامريكية - في مختلف القضايا الثقافية، وتوزيع هذه النسخ المستنسخة الى مختلف انحاء العالم لتطبيقها، بغض النظر عما اذا كانت هذه الثقافة المعولمة صالحة لكل مجتمع وكل حضارة ام انها ضارة وغير مفيدة لبعض المجتمعات البشرية.

وتبدو عملية «الاستنساخ الثقافي» لرؤية العولمة للمراة من اوضح الامثلة على عملية الاستنساخ المطلوب توزيعها في كل مكان، وذلك لوضعهاموضع التطبيق وليس موضع النظر او القراءة او التثقيف!

وهذا يعني الغاء «الخصوصية»، والدخول في عالم العولمة، والاندماج الكلي في «الاخر»، بحيث يكون تفكيره هو تفكيرنا، ومفاهيمه هي مفاهيمنا، وقيمه هي قيمنا، وثقافته هي ثقافتنا، وسلوكه هو سلوكنا... انه الذوبان الكلي والكامل في «ثقافة العولمة» والقبول بعملية الاستنساخ الثقافي من دون اية شروط!

وفي ما يخص «المراة» يراد استنساخ الانموذج الغربي للمراة في عالمنا العربي والاسلامي، بحيث تتحول «المراة المسلمة» الى امراة مستنسخة للمراة الغربية في التفكير والفكر، وفي الاخلاق والسلوك، وفي السفوروالتعري، وفي الشذوذ والتمرد... وباختصار: في مسايرة المراة الغربية في كل شيء!