الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

وتعمل جميع اجهزة الغرب ووسائله الاعلامية الضخمة في «صناعة الاستنساخ الثقافي» لاقناع المراة المسلمة بانها لن تكون متقدمة وعصرية ومتحضرة الا باستنساخ ثقافة المراة الغربية وتقليدها في كل شيء!

والمشكلة ان «العولمة الثقافية» تصر على اعتبار التغريب المعيار الوحيد للحداثة والعصرنة ورفض اي انموذج آخر لثقافة المراة، ونحن وان كنا لانرفض الجوانب الايجابية للعولمة، او ما حققته المراة الغربية من تقدم علمي ومكاسب ثقافية واجتماعية واقتصادية، الا اننا نرفض كل مايتعارض مع قيمنا الدينية، وثوابت ثقافتنا الاسلامية.

ولا يمكن ان تنتج عملية «الاستنساخ الثقافي» الا المزيد من التشوهات الثقافية التي تؤدي الى تدني فاعليتها، وتقلص تاثيرها.

والمشكلة الخطيرة، في ما يتعلق بتعميم «الاستنساخ الثقافي»، في مايخص شؤون المراة، انها تركز، في خطابها ومضمونها الموجه للعالمين العربي والاسلامي، على القضايا الشكل والمظهر، وعلى السلوك المنحرف، في حين لا تولي اهتماما يذكر للقضايا الحيوية للمراة، اوقضايا المشاركة في صناعة التقدم والتطور الحضاريين.

ذلك كله بهدف اشاعة «الثقافة الاستهلاكية» بمفهومها الشامل، وزيادة مساحة التقليد للاخر الغربي في سبيل زيادة التاثير النفسي على المراة المسلمة لكي تكون مهياة لتقبل الانموذج الغربي للمراة.

الا ان ما يجب ان تدركه المراة المسلمة هو ان كثيرا من العناوين المثارة حول المراة انما تعالج مشاكل المراة الغربية، وهو ما يضع اشكالية حقيقية امام تعميم المفاهيم الغربية عن المراة، اذ انه لا يمكن تعميم الرؤية الغربية لقضايا المراة على جميع النساء وفي جميع المجتمعات، بيد ان المراة المسلمة لها قيمها واخلاقها وعاداتها وثقافتها النابعة من التزامها بالدين الاسلامي الحنيف.

ولذلك تواجه عملية تعميم الرؤية الغربية الى المراة ممانعة قوية في العالمين العربي والاسلامي رغم نجاحها في كثير من المجتمعات غيرالاسلامية، لان «المراة المسلمة» ملزمة بالتقيد بما يفرضه عليها دينها من واجبات وفرائض، كما ان لها ثقافتها وبيئتها المختلفتين عن ثقافة الغرب وبيئته.

المواطنية الشيعية في البلاد الاسلامية
او فضل الشيعة على مصر

أ. صالح الورداني

مصر خزانة الخلافة

منذ ان دخلت مصر، في الاسلام، وهي تابعة للمركز بوصفها ولاية من الولايات..

منذ البداية كانت تابعة للمدينة..، ثم صارت تابعة لدمشق.. ثم الى بغداد.. الا انه مع بداية منتصف القرن الرابع ووصول الفاطميين الى مصر، تحولت الى متبوعة، واصبحت لها قوة ووزن، وغدت عاصمة للمرة الاولى في تاريخ الاسلام..

وبعد سقوط الفاطميين على يد الايوبيين، عادت مصر لتكون تابعة من جديد لدمشق. واستمرت تبعيتها من بعد الايوبيين على يد المماليك لدمشق ايضا.

ثم جاء العثمانيون، واستولوا على مصر، وجعلوها تابعة لعاصمتهم الاستانة، ومنذ ذلك الحين تقلص دورها، ولم تستطع احياء دورهاالاسلامي الا بفضل الازهر احد انجازات الفاطميين..

حين تسلم الامام علي بن ابي طالب(ع) زمام الحكم عام 36ه، كان اول قرار اصدره هو عزل ولاة الامصار المعينين من قبل عثمان بن عفان..

وفي مقدمة الولاة الذين عزلهم الامام عبدالله بن سعد بن ابي سرح (ت 37ه 657م) الذي كان يلي امر مصر في تلك الاونة..

وكان ابن ابي سرح ومن سبقه الى ولاية مصر عمرو بن العاص (ت 43ه 664م) يرتعان في هذه البلاد الغنية من دون حسيب او رقيب، ولهذا لم يتوان عمرو بن العاص عن التحالف مع معاوية ضد الامام من اجل ان يعود الى مصر كنزه.

وكانت تلك اولى بركات آل البيت على مصر ان اراحوها الا ان مصركانت سيئة الحظ، اذ ادت التطورات التاريخية الى عودة عمرو بن العاص الى حكم مصر من جديد ((293)).

ومنذ ذلك الحين، وحتى العصر الاخشيدي، دخلت مصر دوامة الاستنزاف، حيث اصبحت ثرواتها ومقدراتها تذهب الى خزائن الخلفاء في المدينة ودمشق وبغداد، بالاضافة الى خزائن ولاتها..

روي: جبى عمرو بن العاص مصر، لعمر بن الخطاب، اثني عشر الف الف دينار، فصرفه عثمان وقلدها عبدالله بن ابي سرح، فجباها اربعة عشر الف الف.
فقال عثمان لعمرو: يا ابا عبدالله، اعلمت ان اللقحة بعدك درت؟
فقال: نعم. ولكنها اجاعت اولادها.. ((294)).
وقال محمد بن زياد الحارثي يصف مصر: ومصر خزانة امير المؤمنين التي يحمل عليها حمل مؤونة ثغوره واطرافه ويقوت بها عامة جنده ورعيته.. ((295)).

وقد اهتمت الدولة الاموية بجمع المال، وكان المصدر الرئيسي لها هومصر. فمن ثم زادت الضغوط على المصريين من اجل جباية الاموال حتى انه كان يحال بينهم وبين الدخول في الاسلام حتى لا يتاثر الخراج..((296)).

وجاء الخليفة عمر بن عبد العزيز، فرفع عن المصريين هذه الضغوط،رافعا شعاره الشهير: ان الله انما بعث محمدا(ص) هاديا ولم يبعثه جابيا..((297)).

وازدادت هذه الحال سوءا في ظل الحكم العباسي، وضوعف الخراج وكثرت المظالم وتفجرت الثورات..((298)).

ولقد حاول احمد بن طولون، الوالي التركي لمصر من قبل الخليفة العباسي المعتمد على الله، الاستقلال بمصر، وفرض نفسه حاكما عليها،وتسلم الحكم من بعده ولده خمارويه وزوج ابنته للخليفة المعتضد باللهفي بغداد..((299)).

وظهر، من بعد الطولونيين، حاكم قوي هو الاخشيد الذي حاول ان يتبع سنة ابن طولون ويستقل بمصر عن العباسيين الضعاف من المشرق، الاانه ما لبث ان ظهر له خصم قوي من المغرب اخذ يتجه ببصره نحو مصر، وهو الفاطميون..

الفاطميون ومصر

لم يصمد الاخشيديون كثيرا في مواجهة الفاطميين، فقد كانت الاوضاع في مصر غير مستقرة. وضعفت البلاد من كثرة تقلبها بين الدول والولاة..، من هنا كانت مصر مهياة لاستقبال الفاطميين الذين دخلوها وسط احتفال شعبي كبير، ليتخذوها قاعدة ومقرا لهم، ولتبدا مصر في البروزعلى الساحة الدولية دولة ذات وزن ودور ونفوذ..

وهذا هو اول المكاسب التي حققتها مصر بفضل الفاطميين الشيعة..، وقام الفاطميون ببناء مدينة القاهرة، لتكون عاصمة لهم، وبذلك تحقق لمصر الاستقلال والسيادة. وهذا هو ثاني المكاسب..

وتمكن الفاطميون من السيطرة على الشام وضمها الى مصر لتصبح تابعة لها.. وهذا ثالث المكاسب..

واصبح لمصر جيش قوي شارك فيه الكثير من ابنائها.. وهذا رابع المكاسب.

وشارك المصريون في الحكم والادارة، لاول مرة منذ الفتح العربي..، وهذا خامس المكاسب..

لقد عاشت مصر ازهر عصورها في ظل الفاطميين، اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، وعاش المسيحيون في جو من التسامح والحريات الدينية، وقد تحرروا من الضغوط وصور التضييق التي كانت تلاحقهم طوال العصرين: الاموي والعباسي..

وعاش اصحاب المذاهب الاخرى، من اهل السنة، في سعة وحرية..، وعاش افراد الشعب في سعة من العيش وعزة وكرامة، لم ينالوها في ظل حكم الولاة السابقين ولا حكم الايوبيين والمماليك والعثمانيين اللاحقين..

وتشهد المصادر التاريخية ان مصر كانت، في ظل الفاطميين، في عزة وقوة ومكانة لم تتحقق لها في اي مرحلة من مراحل التاريخ الاسلامي اوالتاريخ القديم..

يقول الدكتور عبد المنعم ماجد: «كانت الخلافة الفاطمية تستهدف الاهتمام بالتجارة والصناعة، وكان مجهودها في هذا المجال كبيرا، ممايدل على فهم واسع لمسائل الاقتصاد في عصرها. كما كان لبناء عاصمة جديدة، وهي القاهرة، بجوار مصر، او الفسطاط العاصمة القديمة، اثره في نهضة البلاد الاقتصادية في ايام الفاطميين، ونمت المدينتان معاواصبحتا مركزا اقتصاديا لامبراطورية واسعة، يشهد بذلك الرحالون وقتئذ: فيروي ناصر خسرو ان القاهرة كانت مدينة كبيرة قل نظيرها في المدن، فكان فيها اكثر من عشرين الف، وكان ملكا خاصا للخليفة كل منهايؤجر بعشرة دنانير وليس فيها من تقل اجرته عن دينارين. ويشير خسروالى مصر والفسطاط وتميزها بتوافر جميع وسائل الحياة فيها وجميع ماهو جيد وجميل، وان اسواقها مملوءة بكل ما في العالم من المنتجات حتى النادرة منها والثمينة، فهي تفيض بالبضائع التي تاتيها من جميع انحاء العالم..» ((300)).

الازهر

وضع حجر الاساس لجامع الازهر، في الرابع والعشرين من جمادى الاولى سنة 359ه، واقيمت اول صلاة فيه في رمضان عام 361ه. وقداختلف في سبب تسميته بالازهر.. ((301)).

وكان الهدف من انشاء هذا الجامع هو ان يكون مركزا لبث علوم آل البيت واعداد الدعاة، ولم يكن في القاهرة يومئذ مسجد سواه..((302)).

واتسع نشاط الازهر، في عصر الخلفاء الفاطميين، وجذب نحوه الكثيرمن طلاب العلم من مختلف اقطار المسلمين. وتم تزويده بجميع الكتب والموارد التي تعينه على اداء رسالته..

واصبح الازهر علامة من علامات مصر غير المسبوقة ورمزا من رموزهاالبارزة في ميدان الدين والدعوة، بداية من العصر الفاطمي وحتى اليوم..وهذا من فضل الشيعة على مصر ان اوجدوا هذه المنارة التي كانت، ولاتزال، تعكس وجه مصر الاسلامي، وتعلي مقامها بين العباد..، وليس من الممكن تصور مدى الخسارة الكبيرة التي كانت سوف تخسرها مصر، على المستوى الاسلامي، لو لم يكن للازهر وجود على ساحتها.. ان الدول السنية المتعصبة التي حكمت مصر، بعد اسقاط الفاطميين، وجعلت منها دولة تابعة بعد ان كانت في ظل الشيعة متبوعة، هذه الدول لم تستطع ان تعوض مصر عن فقدان الازهر او توجد بديلا له..((303)).

وبداية، من العصر المملوكي، اصبح الازهر مركزا للمذاهب الاربعة،واستقطب طلاب العلم من الترك والهنود والكرد والشوام والعرب وغيرهم.. ومع العصر التركي العثماني، ظهرت فكرة شيخ الاسلام الذي تولى امر تعيينه الوالي العثماني المعين من قبل الخليفة في الاستانة.

وكانت تحدث، على الدوام، صراعات وحوادث واضطرابات داخل الازهر بين اتباع المذاهب الاربعة بسبب التنافس على منصب المشيخة الذي كان لنفوذ الباشوات اثر كبير في الحصول عليه..

وكان منصب المشيخة يتقلب عادة بين اصحاب المذاهب الاربعة..

واول من تسلم مشيخة الازهر كان مالكيا، وهو الشيخ محمد الخرش (ت 1101هـ/ 1690م). ثم تلاه الشيخ ابراهيم البرقاوي الشافعي، من عام 1101هـ الى عام 1106هـ، وتلاه الشيخ محمد النشري المالكي من عام 1106هـ الى 1120هـ..

واستمر منصب المشيخة في قبضة المالكية حتى عام 1137هـ، حيث تولى امر المشيخة الشيخ عبدالله الشبراوي الشافعي، واستمرت في قبضة الشافعية حتى عام 1190هـ، وهو العام الذي عطلت فيه المشيخة بسبب الصدام الذي وقع بين الاحناف والشافعية. وعادت مرة اخرى الى الشافعية بعد عامين، واستمرت معهم حتى عام 1263هـ، حيث حدثت اضطرابات اخرى، فتعطل امر التعيين وبقي الازهر بلا شيخ.. ثم عادت المشيخة للاحناف حتى عام 1317هـ. وردت الى المالكية في العام نفسه، ثم استمرت المشيخة تتقلب بين اصحاب المذاهب حتى عصرنا الحاضر..

وقد انقطعت علاقة الازهر بالشيعة بعد سقوط الدولة الفاطمية، وفرضت المذاهب التي هيمنت عليه حالة من التعصب انعكست على موقفه تجاه الشيعة طوال العصرين: المملوكي والعثماني..

وحين وصل السيد جمال الدين الافغاني الى مصر احتفل به عدد من رجال الازهر وتلاميذه، فبث فيهم روح الوعي والنهضة والاصلاح..

وقاد تلميذه محمد عبده حركة الاصلاح التي بعثت الازهر من مرقده،واسهمت في تطويره.

المراقد

جذبت مصر الكثير من الرموز الشيعية، من ابناء الرسول(ص)، وغيرهم، بداية من عهد الامام علي بن ابي طالب(ع).

واصبحت لهذه الرموز مراقد شهيرة في مصر، تهفو اليها قلوب المصريين في كل مكان، وتعكف من حولها جموع الشعب وتحيي ذكراها..

ولقد اسهمت هذه المراقد، بدور كبير، في تحقيق السكينة والطمانينة والاستقرار العقدي للواقع المصري، ذلك الاستقرار الذي شكل حصانة لافراد الشعب ضد الافكار والعقائد الضالة الزائغة التي تحاول اختراق مصر.. ((304)).

ومن جهة اخرى، اسهمت هذه المراقد في تحقيق حركة انتعاش اقتصادي لافراد الشعب، حيث اقيمت احياء واسواق ومنافع للناس دائمة ببركات هذه المراقد التي لا تنقطع على المستويين الروحي والمادي..

ان هذه المراقد هي التي حفظت قيمة آل البيت ومكانتهم في نفوس المصريين، وحالت دون انحرافهم عن حبهم وموالاتهم، وافشلت مؤامرات الايوبيين وغيرهم التي حاولت طمس صورة آل البيت وعزل الناس عنهم.

وليس بعد هذا الفضل من فضل على مصر واهلها..

ويعد حي الحسين، في القاهرة، والذي قام واتسع واخذ قيمة معنوية واجتماعية واقتصادية كبيرة بفضل وجود راس الامام الحسين(ع)، من اشهر احياء القاهرة واشدها جذبا للمصريين من جميع المحافظات. فلايوجد فرد من افراد الشعب تطا قدمه ارض القاهرة الا ويهرع نحوالحسين، ليزور مرقده ملتمسا بركته، مستانسا به.

وفي مواجهة حي الحسين، يوجد حي الازهر الذي قام ونهض على اساس الجامع الازهر، واكتسب قيمة اقتصادية كبيرة بفضل حي الحسين..ثم حي السيدة زينب الذي نشا حول مرقدها، وتضخم واتسع واكتسب ايضا قيمة اقتصادية كبيرة لا تقل عن حي الازهر، لكنها تقل عن حي الحسين الذي اصبح الحي السياحي الاول في القاهرة الذي يجد المصريون متعة كبيرة في السياحة فيه والسمر في ظلاله والاستئناس الى جواره..

ويلي هذه الاحياء حي السيدة نفيسة وحي السيدة سكينة، ثم حي زينهم المنسوب لزين العابدين، والذي يحوي راس زيد بن علي..

وهذه الاحياء المتجاورة تشكل اساس القاهرة، وجميع الاحياء الاخرى هي طارئة عليها، فالقاهرة شيعية الاساس والمنبع والروح. وهذه الاحياءالتي تحقق المنافع للناس اليوم انما تدل على ان فضل الشيعة على مصرقائم وموصول بلا انقطاع..

واذا ما نظرنا الى هذه القرية الصغيرة المغمورة، في وسط الدلتا، بشمال مصر، التي لم يكن لها ذكر، وراينا كيف اصبحت بعد استقرار السيدالبدوي الحسيني فيها، لتبين لنا انها تحولت الى محافظة كبيرة، اسمهاالغربية عاصمتها مدينة طنطا التي تحوي مرقده، وتحولت الى مركزالدلتا وقاعدتها الاقتصادية..

وكذلك تحولت الكثير من مدن مصر وقراها اجتماعيا واقتصاديا بسبب ارتباطها برموز الشيعة من ابناء الرسول(ص).. ((305)).

الشافعي

وصل الشافعي الى مصر في عام 199هـ، واستقر فيها حتى وفاته عام 204هـ. وكان، طوال هذه المدة، على صلة وثيقة بالسيدة نفيسة، ينهل من علمها ويلتمس بركتها وقبولها، حتى انه حين وفاته جاؤوا بجثمانه اليهالتصلي عليه قبل ان يواروه التراب...((306))

وقد نقل الشافعي مصر نقلة كبيرة، في عالم الفقه والرواية، ولم يسبقه الى ذلك احد من الساحة المصرية، وذلك لما كان يتمتع به من عقل وعلم وخلق ونسب ايضا.. ((307)).

واصبحت مصر، على يد الشافعي، قبلة الفقهاء وطلاب العلم في زمانه،حيث بلغت شهرته الافاق، وقصده طلاب العلم من اليمن والشام والعراق وغيرها من اقطار المسلمين.. وطوال مسيرة الشافعي العلمية،تعرض لعدة مؤامرات.

روي، في احداث عام 184هـ، ان الشافعي حمل الى بغداد مكبلا بالاغلال مع تسعة من العلويين اتهموا بالتشيع، وحكم الرشيد بقتلهم جميعا عداالشافعي الذي ناظر الرشيد وتمكن من اقناعه بدفع التهمة عنه..((308)).

ويعد اصحاب السير الشافعي من اقارب الرسول(ص) ويصفونه بابن عم الرسول، فهو هاشمي مطلبي قرشي، ونسبه كاملا هو محمد بن ادريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيدبن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف...((309))

وتهمة التشيع التصقت بالشافعي طوال مسيرته، وكانت مسوغالخصومه والمتربصين به لمحاولة النيل منه وضربه عن طريق الايقاع بينه وبين الحكام..

من هنا رمي الشافعي بالرفض، ورد على ذلك شعرا بقوله:

فان كان رفضا حب آل محمد
ليشهد الثقلان اني رافضي
((310))

وقال الشافعي في الامام علي(ع): كان فيه اربع خصال، لا تكون خصلة واحدة للانسان الا يحق له الا يبالي باحد:

انه كان زاهدا، والزاهد لا يبالي بالدنيا واهلها.
وكان عالما، والعالم لا يبالي باحد..
وكان شجاعا، والشجاع لا يبالي باحد..
وكان شريفا، والشريف لا يبالي باحد..
((311)).

جمال الدين الافغاني

ومن فضل الشيعة على مصر ان تشرفت بزيارة السيد الافغاني واقامته فيها مدة من الزمن، وهو رمز من رموز الشيعة في عصره.. ((312)).

ولقد ادى الافغاني دورا بالغ الاهمية في الواقع المصري آنذاك، كانت له آثاره الواقعية والمستقبلية على جميع المستويات..، على المستوى الثقافي..، وعلى المستوى الاجتماعي..، وعلى المستوى السياسي..

ان المتامل، في حركة الافغاني، يكتشف الدور العظيم الذي اداه وآثاره على مصر والمصريين، فقد بعث العقل الاسلامي من رقدته، واحيا الامل في النفوس بعد ان سيطر الياس على الجميع، وتمكن من خلق كثير من الرموز التي اسهمت في نهضة مصر وتطورها على المستوى الثقافي والاجتماعي والسياسي، الامر الذي دفع بالسلطة واصحاب النفوذ والمصالح، من المصريين والاجانب، الى ان يقرروا ابعاده عن مصر..((313)) وعلى راس تلاميذ الافغاني والرموز الكبرى التي تاثرت بحركته الشيخ محمد عبده، احد كبار رجال الاصلاح والتجديد في مصر...((314)).

ان كثيرا مما تتمتع به مصر، من قيمة ووزن ودور، ولا تزال تتمتع به، انماهو من بركات الشيعة عليها.

قاتل الله السياسة التي دفعت بالحكام الى محاربة الشيعة واستئصالهم من مصر، وهم اهل فضل لا ينكر.

بديع الزمان سعيد النورسي
رائد المدرسة الاخلاقية التركية الحديثة

أ. د. حازم سليمان

من هو سعيد النورسي؟

هو بديع الزمان سعيد النورسي بن مرزا، واسم امه نورية، ولد عام 1294ه 1877م، في قرية نورس، ناحية اسباريت، قضاء خيزان، ولاية بتليس في تركيا، من اشهر علماء تركيا المصلحين في العصرالحديث.

عاش في اواخر الدولة العثمانية، وادرك عهد مصطفى آتاتورك، واتهم في عهد السلطان عبد الحميد الثاني بالجنون، وارسل الى مستشفى المجاذيب، لانه كان يطالب بحقوق وطنه وابناء شعبه التركي، ولاعتراضه على استبداد حكومة السلطان عبد الحميد الثاني ومطالبته باصلاح اوضاع شعبه. لما أعلنت «المشروطة»، كان من المؤيدين لها والداعين اليها، وكان يرى «ان الدولة العثمانية حامل بدولة اوروبية وستلدها في يوم ما»، وان اوروبا حامل بالاسلام وستلده في يوم ما، صرح بذلك اثناء لقاء حصل مع الشيخ بخيت، مفتي الديار المصرية.

وفي عام 1911، سافر الى الشام، والقى في الجامع الاموي خطبة مهمة عرفت بالخطبة الشامية، كان يسلك، في دعوته الاصلاحية، طريق السلم ولا يلجا الى العنف، ويهتم بتوعية الناس وتثقيفهم.

ولما شبت الحرب العالمية الاولى، تولى سعيد النورسي قيادة فرقة المتطوعين واندفع في مهاجمة الروس، وفي السنة الاولى من الحرب،وهو على خطوط النار الامامية كتب كتابه «اشارات الاعجاز» من غيرمصادر، اعتمادا على حفظه للنصوص، وبالرجوع الى هذا الكتاب المملوء علما يتبين رسوخ الرجل في العلم وعلو كعبه فيه.

وقع، في اثناء الحرب العالمية، في اسر الروس، في 2/3/1916، ثم تمكن من الهرب من الاسر، وعاد الى استنبول في 17/6/1918، وعندمااحتل الانجليز استنبول، في 18/3/1920م، حكموا عليه بالاعدام، ثم عدلوا عن ذلك ولم ينفذوا الحكم به.

وسقطت الخلافة العثمانية، وقامت الجمهورية التركية، وجاء مصطفى كمال اتاتورك للحكم، وتاسس المجلس النيابي في 23/4/1920، ودعي صاحبنا النورسي لالقاء كلمة في البرلمان التركي، فالقى خطابا مؤثرا،دعا النواب فيه الى اداء الصلاة، فاستجاب له ستون نائبا، فاستقاموا على الصلاة حتى ان المكان الذي كان مخصصا للصلاة صار لا يستوعبهم،فاتخذوا مكانا اوسع منه، والبيان محفوظ في سجلات المجلس النيابي،ولما لامه مصطفى كمال على خطابه الخطير صرخ في وجهه قائلا: «ان اعظم حقيقة في الاسلام، بعد الايمان، هي الصلاة، والذي لا يصلي خائن، وحكم الخائن معروف». ولما لم تنفع معه المغريات، بدات ملاحقته بالسجن تارة وبالابعاد تارة اخرى، وما تخلى عن دعوته الاصلاحية الى ان اسلم الروح الى بارئها، مبعدا في 23/3/1960م.

وقد قضى بديع الزمان سعيد النورسي اغلب عمره بين السجن والنفي والمرض ((315)).

وكان اذا كتب في السجن فمصدره القرآن وذاكرته، ويتولى طلابه نسخ رسائله، بايديهم تنسخ من تلك الرسائل العشرات ثم المئات ثم الالوف من النسخ، فتنتشر بين الناس ((316)). وكان طلابه يجدون في رسائله بلسما لامراضهم وآلامهم.

وفي منفى «بارلا»، من اعمال اسبارطة، كانت المدرسة النورية الاولى في منزله الصغير هناك، وفي منفى «قسطموني» سنة 1936 1943م، كانت المدرسة النورية الثانية مقابل مركز الشرطة الموقوف فيه في «قسطموني» ((317)).

منذ البداية ـ اثر الاءم

منذ ان ولد النورسي من رحم ام مؤمنة، تلقاه حضنها الطاهر، وسقته الاخلاق مع لبنها، وتعلم منها، فكانت مدرسته الاولى، وهو يصف ذلك بقوله: «اقسم بالله، ان ارسخ درس اخذته وكانه يتجدد علي، انما هوتلقينات والدتي - رحمها الله - ودروسها المعنوية حتى استقرت في اعماق فطرتي، واصبحت كالبذور في جسدي في غضون عمري الذي يناهز الثمانين، رغم انني قد اخذت دروسا من ثمانين الف شخص، بل ارى يقينا ان سائر الدروس تبنى على تلك البذور، بمعنى انني اشاهددروس والدتي - رحمها الله - وتلقيناتها لفطرتي وروحي، وانافي السنة الاولى من عمري، بذور اساس ضمن الحقائق العظيمة التي اراها الان، وانا في الثمانين من عمري» ((318)).

وهو يريد بقوله: «اخذت دروسا من ثمانين الف شخص» انه تعلم من جميع ما حوله من مخلوقات الله، من البشر وغيرهم، حتى انه تعلم من الذباب فهو يقول: «رايت نفسي مغرورة بمحاسنها فقلت لها: لاتملكين شيئا!

فقالت: فاذا لا اهتم بما ليس لي من البدن.

فقلت: لا بد من ان لا تكوني اقل من الذباب، انظري الى هذا الذباب، كيف ينظف جناحيه برجليه ويمسح عينيه وراسه بيديه، سبحان من الهمه هذا وصيره أستاذا لي وأفحم به نفسي»((319)).

وقد سئلت أمه: كيف ربيت اولادك جميعهم تربية ايمانية فانصرفوا الى العلم؟ فقالت: لانني ما تركت صلاة التهجد (صلاة الليل).

نسبه

نقل شهود كثيرون ان النورسي كان قد ذكر، في مجالسه الخاصة، ان نسبه ينتهي من جهة ابيه الى الامام الحسن بن علي(ع) ومن جهة امه الى الامام الحسين بن علي(ع) الا انه لم يصرح في رسائله بذلك حفاظا على الاخلاص، وتجنبا عن احراز مقام معنوي في نظر الناس، فقال لبعض تلاميذه: «ان المنتسب الى سيدنا علي - (رضي الله عنه) هو انا فما اتاني من شيء فهو من سبيله»، وقال: «انني سيد من اهل البيت، ولكن احذر ان تذكر ذلك لاحد، فوالدتي حسينية، ووالدي حسني» ((320)).

موقفه من اهل البيت(ع)

1 - المهدي
ولما قال خبراء محكمة «دنيزلي» اذا ادعى سعيد النورسي انه المهدي، فان جميع طلابه يصدقونه برحابة صدر، اجابهم النورسي قائلا: «انني لا استطيع ان اعد نفسي من آل البيت، حيث الانساب مختلطة في هذاالزمان بما لا يمكن تمييزها، بينما مهدي آخر الزمان سيكون من آل البيت، رغم انني بمثابة ابن معنوي لسيدنا علي كرم الله وجهه وتلقيت درس الحقيقة منه، وان معنى من معاني آل محمد(ص) يشمل طلاب النور الحقيقيين، فاء عد انا ايضا من آل البيت، الا ان هذا الزمان هوزمان الشخص المعنوي وليس في مسلك النور - باية جهة كانت - الرغبة في الانانية وحب الشخصية والتطلع الى المقامات والحصول على الشرف، وذيوع الصيت، وذلك كله مناف لسر الاخلاص تماما.

فانا اشكر ربي الجليل بما لا نهاية له من الشكر انه لم يجعلني أعجب بنفسي، لذا لا اتطلع الى مثل هذه المقامات الشخصية التي تفوق حدي بدرجات لاتعد ولاتحصى... فانني اجد نفسي مضطر اللتخلي عنها لئلا أخل بالاخلاص الذي في النور»((321)).

هذا درس كبير في الاخلاق يقدمه النورسي لطلابه ومريديه، ولقراء رسائل النور، انه يقدم لهم درسا في الورع والتقوى، فان ذلك يدل على ورعه وتقواه، فهو يخشى ان تكون الانساب قد اختلطت، وانه قديدعي ما ليس له، وهو الذي يقول: من يدعي انه سيد - من اهل البيت - وهو ليس منهم، ومن ينكر انتسابه اليهم، وهو سيد، كلاهما مذنب. ويروي ان الدخول في السادة والخروج منهم حرام كحرمة الزيادة والنقصان في القرآن الكريم ((322))، وهذا الشعور الذي يلازمه هو الذي يجعله يتحرز ويحتاط.

ويدل هذا، ايضا، على انه لا يريد ان يجعل لنفسه مقاما رفيعا يقدسه من اجله الناس، لان ذلك - كما يراه - يخل بالاخلاص، وهذا منتهى الزهد والتواضع الذي يريد من اتباعه وطلابه ان يتخذوه منهجا.

2 - الامام علي (ع) مثله الاعلى في الزهد
لقد اخذ النورسي الزهد الذي كان عليه، طوال حياته، والورع الذي التزم به من الامام علي(ع) فقد اتخذه استاذا له وجعل حب اهل البيت(ع) شعاراله فقال: «ان الامام عليا (رضي الله عنه) هو استاذ رسائل النور، وهو الذي يولي اهتماما بالغا برسائل النور... وهو استاذي الخاص في الحقائق الايمانية، وان محبة آل البيت قد نص عليها القرآن الكريم في قوله تعالى: (قل لا اساء لكم عليه اجرا الا المودة في القربى) ((323))، هذه المحبة اساس في مسلكه وفي رسائل النور... وان سيدنا علي - (رضي الله عنه) كان محقا وعلى صواب وخصومه ليس لهم حق» ((324)).

3 - دعوته الى التمسك باهل البيت(ع)
لقد كان النورسي يدعو طلابه واتباعه للاخذ عن اهل البيت(ع) والاقتداء بهم والتمسك بولائهم، ويروي كيف كان النبي محمد(ص) يهتم بالحسن والحسين(ع) ويوليهما عناية خاصة ويقبلهما، لان النبي محمدا(ص) كان يرى انهما من ورثة النبوة وان السلالة الكريمة من نسل الحسن(ع) تحمل اعلاما لهم منزلتهم عند الله وبين الناس، وكان يرى ان نسل الحسين بن علي(ع) النوراني سياتي منه ائمة هداة عظام هم ورثة النبوة الحقيقيون من امثال الامام زين العابدين والامام جعفر الصادق(ع) ومن سلالته الامام المهدي - (عجل الله فرجه)، ويؤكد النورسي لطلابه ان النبي(ص) كان يوصي بالتمسك بهم حيث يقول: «يا ايها الناس اني قد تركت فيكم ما ان اخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي اهل بيتي»((325)).

وكما اوصى النبي(ص) المسلمين بالتمسك بهم، فقد اوصى النورسي اتباعه وطلابه بالاخذ من اخلاقهم والسير على منهجهم، وان يقولوا في صلاتهم كما أمروا: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم في العالمين انك حميد مجيد»((326)).

المدرسة اليوسفية

لقد دخل النورسي السجن غير مرة فحوله الى «مدرسة يوسفية» لان يوسف(ع) هو قدوة المسجونين ورائدهم، وحيث ان عددا غفيرا من طلاب النور دخلوا السجن معه، اصبحوا بذلك من المنتسبين الى المدرسة اليوسفية فدرسوا المسائل الايمانية التي انبتتها رسائل النور،ولها مساس بالسجن للاسترشاد بها ولتعلم الاخلاق والسلوك في هذه المدرسة المفتوحة ولتلقي التربية ((327)).

ودخلت السجن معه طائفتان: طائفة من اهل الطرب والغناء، وشرب الخمر، واخرى من اهل الايمان والاخلاق الرفيعة واليقين، ويؤدي النورسي دوره في نصيحة هؤلاء وهؤلاء، ويهذب الجميع وينفعهم حتى وقف الجميع يصلون في السجن بانتشار رسائل النوربينهم، واذا بالليل يحيا بتلاوة القرآن وبتعلم معانيه وبقضاء ما فات من الصلاة المكتوبة، وبكسب الاخلاق الحميدة في السجن، وفيه غرسواالخير فاثمرت اشجاره حتى تحول السجانون والمشرفون على السجن الى أناس طيبين، وتحولوا من زبانية وجناة الى عناصر خير، فتمكن النورسي من ترويضهم وكسبهم الى مدارس النور بفضل «المدرسة اليوسفية» ((328)).

انه يدعو الناس الى الايمان بالاخرة حتى تتنور بيوتهم، لان علاقة القربى والرافة والمحبة تربطهم، ويشيع الاحترام بين الناس، وتشملهم محبة صافية فتتعالى الاخلاق وتسمو، وتبدو السعادة الانسانية الحقة. هكذا كان يدعو الناس ((329)).

مدرسته الاخلاقية

1 - الصبر
كان بديع الزمان، سعيد النورسي، يدعو طلابه الى الصبر، بعد ان وجدهم في قمة البذل والعطاء، فبذلوا اموالهم وارواحهم وجميع متع الدنيا، وبذلوا حياتهم في خدمة النور عندما استوجب الامر ذلك، فقال لهم: قولوا للموت المقبل: اهلا ومرحبا((330)).

2 - الايمان
لقد وجد النورسي ان خير وسيلة لنشر الاخلاق وترصينها، بين طلاب مدارس النور، هو العمل على ترسيخ الايمان فيهم ودراسة القرآن بتدبرواخلاص، فقال: «ان وظيفتنا العمل للايمان وللقرآن وللاخلاص».

3 - توظيف التكنولوجيا للخير
كان يدعو لتوظيف التكنولوجيا ووسائل الاعلام الحديثة، كالراديو مثلا،لنشر الكلم الطيب، من قرآن كريم وحقائق علمية ودروس ايمانية ونشرالاخلاق الفاضلة، وكل ما هو نافع وضروري للحياة البشرية، حتى يصبح الراديو مدرسة ايمانية . ((331)) وقد كان متفائلا، ولتفاؤله كان يرى ان النسيان الذي اصابه من جراء التسمم نعمة من الله ((332))، وهو يريد بذلك ان يجعل اتباعه ينظرون الى الحياة بكل ما فيها بتفاؤل وصبر عال.

4 - نسبية الفضائل والاخلاق
ويرى النورسي ان الفضائل والاخلاق، وكذلك الحسن والخير، امورنسبية تختلف كلما بدلت مكانها، فمثلا: الشجاعة والكرم في الرجل تدفعانه الى النخوة والتعاون، بينما تسوقان المراة الى النشوز والوقاحة وخرق حقوق الزوج.

وعزة النفس في الفقراء محمودة، ولكنها في الاقوياء والاغنياء تكبر،والتواضع في القوي محمود ولكنه في الضعيف ذل. وجدية ولي الامروقار، ولينه ضعف وذل، وجديته في بيته دليل التكبر، ولينه دليل التواضع ((333)).

وكان النورسي ياسف، لان غير المسلمين اخذوا السجايا الاسلامية الحميدة بينما اخذ المسلمون منهم الرذائل.((334))

5 - الحرية والاخلاق
وكان النورسي يرى ان الحرية لها حدود، فيقول لابناء وطنه: «يا ابناءالوطن، لا تفسروا الحرية تفسيرا سيئا كي لا تفلت من ايديكم... لان الحرية انما تزدهر بمراعاة الاحكام الشرعية وآدابها والتخلق بالاخلاق الفاضلة» ((335)).

ويؤكد لهم ان نسبة الاخلاق والعبادة وامور الاخرة والفضيلة في الشريعة هي تسعة وتسعون بالمئة، بينما السياسة لا تتجاوز الواحد بالمئة((336)).

6 - اقتلاع الخرافات وزرع المحبة ومكارم الاخلاق
وكان النورسي ينزع من طلاب مدرسة النور التفكير بالخرافات والاعتقادبها ((337))، ويغرس مكانها مكارم الاخلاق والمحبة فيقول: «ان مماتعلمته في الحياة الاجتماعية البشرية طوال حياتي، وما املته علي التتبعات والتحقيقات هو ان اجدر شيء بالمحبة هو المحبة نفسها، اي ان صفة المحبة التي هي ضمان الحياة الاجتماعية البشرية والتي تدفع الى تحقيق السعادة هي اليق للمحبة، وان صفة العداوة والبغضاء التي هي عامل تدمير الحياة الاجتماعية وهدمها هي اقبح صفة واضرها، لقد انتهى عهد العداوة والخصام، لقد اظهرت الحربان العالميتان مدى مافي العداوة من ظلم فظيع ودمار مريع وتبين ان لا فائدة منها البتة، وعليه فلا ينبغي ان تجلب سيئات اعدائنا عداوتنا، فحسبهم العذاب الالهي ونارجهنم» ((338)).

كان يربي اتباعه على المحبة، ويقول لهم: ان اسباب المحبة هي الايمان والاسلام والانسانية، وامثالها من السلاسل النورانية المتينة والحصون المعنوية المنيعة، لذا يدعو اتباعه الى ترك العداوة والبغضاء لانهما خطا جسيم واستخفاف بالمحبة.((339))

انه يدعوهم الى الاهتمام بالاخلاق والقيم، فمن كانت همته نفسه فليس من بني الانسان، فعليه ان يراعي ابناء جنسه، فان حياته الفردية يمكن ان تستمر بحياته الاجتماعية، ويقول: اذا انا مت فلتحيا امتي فان لي فيهاحياة باقية ((340)).

7 - الاخلاق التي ربى عليها طلابه
كان النورسي يربي طلابه على الاخلاق العالية، فيدعوهم الى التقوى والعمل الصالح، لانهما اعظم اساسين في نظر القرآن بعد الايمان،فالتقوى هي ترك المحظور واجتناب الذنوب والسيئات. والعمل الصالح هو فعل المامور به لكسب الخيرات ((341))، وكان يوصيهم بتوقيرالصغير الكبير ورحمة الكبير الصغير لان ذلك - كما يراه النورسي - اعظم ركيزة في الحياة الاجتماعية ((342))، وكان يطلب منهم الا يواجهوا معارضيهم بالحدة والتهور، وان يبتعدوا عن
الانانية((343))، كما كان ينهى طلابه عن انتقاد بعضهم بعضا، ويحذرهم من ذلك، ويطلب منهم عدم التكالب على الدنيا، فان رزق طالب العلم مضمون ((344)).

ومما درب عليه النورسي طلابه واتباعه انه كان يقول لهم: لا يجوزتخريب قرى النمل لبناء بيوتنا، وكان يطعم النمل.((345))

ومن دروس الاخلاق التي كان يمارسها عمليا انه كان يتعامل مع طلابه كصديق لهم ((346))، وكان يشارك طلابه العمل ولا يرضى بالقعود، وهم يعملون ((347))، ويحذرهم من الغرور، فانه كما كان يرى، مرض العصر،ويدعوهم الى المزيد من القراءة ((348))، ويعلمهم كيف يفكرون((349))، ويدعوهم الى قراءة كتاب الكون ((350))، لان الطبيعة كتاب مفتوح لمن وعى.

وكان يعلم طلابه التواضع والزهد بالشهرة، فكان لا يرضى بالاهتمام بشخصيته، ولذلك فقد منع تصميم كتابه الذي اشتمل على صورته((351))، بينما نرى بعض الناس مولعين بنشر صورهم هنا وهناك، مع انهم ليسوا من العظماء من امثال النورسي.

كان النورسي يطالب طلابه بالصدق والايمان ((352))، وما كان يقبل الهدايا من احد، فقد حمل له احد محبيه عندما زاره عام 1953م زوجامن الجوارب، وقال له: استاذي ارجو ان تقبلها مني هدية متواضعة، فاخذها بيده ثم قال له: لقد قبلت هديتك، واخذتها، ولكن البسها انت بدلا عني.

ترى اي خلق عال هذا، واي ادب جم يحمل هذا ((353)) الرجل!؟ انهادروس عملية لطلابه ومحبيه ومريديه.

وما كان النورسي يترك التبليغ في احلك الظروف، فقد سفر الى انقرة في احدى سيارات النقل العمومية في اواخر شهر رمضان المبارك، وفي يوم شديد الحر، وفي الطريق قال لحارسه: هل يمكن ان يقف السائق قليلالتسمعوا مني بعض النصائح. فاوقف السائق السيارة في الطريق. فقال سعيد النورسي للركاب: ان هذه الليلة هي ليلة القدر، على الاغلب. وان ثواب قراءة القرآن الكريم في الايام الاعتيادية هو عشر حسنات لكل حرف من القرآن، وفي ايام رمضان الف حسنة، وفي ليلة القدر ثلاثون الف حسنة، فلو عرض على احدكم خمس ليرات ذهبية لقاء عمل ما اماترغبون فيه؟ اجابه الركاب: بلى، نرغب في ذلك.

فقال لهم: اذا فليقرا كل واحد منكم الان سورة الفاتحة ثلاث مرات والاخلاص مرة واحدة، فانها ستكون ذخرا لكم في حياتكم الابدية، ولماحان وقت الافطار اوقف السيارة، ونزل لتناول الافطار وصلى بالناس((354)).

8 - العفو عن المسيء.
كان النورسي يقول لطلابه: لا تتفوهوا بكلام جارح ((355))، مع انه يعيش في السجن، وعومل بقسوة حتى سدت النوافذ عليه وعزل تماماعن سائر السجناء، فقابل ذلك كله بصبر جميل، مع تهدئة طلابه واتباعه،
طلاب مدرسة النور.

كان يحمل ايمانا راسخا ملا صدره، لقد خاف الله فصغر في عينه كل شيء، فلم يططى راسه لاحد من البشر، وكان يريد من طلابه ان يحذوحذوه.

لقد كان دفاعه في المحاكم التي سيق اليها دروسا في الاخلاق، ولم يكن دفاعا عن نفسه بقدر ما هو دفاع عن قضية.

كان سعيد النورسي يستصغر الحياة، فقد اقتيد من محكمة الى محكمة، ونقل من سجن الى سجن، ومن منفى الى منفى، ولكنه ظل شامخا على اعدائه عزيزا لم يذل ولم يركع، وهكذا اعطى طلابه درسا عمليا في الاخلاق سار عليه طلابه ومريدوه واتباعه وفيهم شوامخ لم تفل ارادتهم الضغوط، ولم ينل من عزيمتهم الجور عليهم.

ان النورسي لم يدع حتى على سجانيه، ولا على الحاكم الذي حكم عليه بالسجن ((356))، وهذه قمة الاخلاق.

9 - بدأ بنفسه
كان سعيد النورسي يوصي اخوانه وطلابه بالحفاظ على الترابط في مابينهم واتحادهم، ويحذرهم من الاختلاف لئلا يستغل اهل النفاق ذلك، فيلحقون الضرر بهم ((357)).

لقد بدا بتهذيب نفسه وتربيتها قبل تربية طلابه. فقال لنفسه: لقداخذت نصيبك من الاذواق على مدى ثلاث وسبعين سنة، وانت ترومين دوام الاذواق، كان يرى ان المصائب التي نزلت به دليل على عدالة القدر،ويقول لنفسه: عليك ان تؤمني بالقدر، ولا تلهثي كالطفل الغرير وراءلذائذ مؤقتة تافهة ((358))، وكان يطبق ذلك عمليا، ولو لم يكن كذلك لما سمع الناس وعظه وارشاده ونصحه وتعليمه، وقد اخذ ذلك عن الامام علي(ع) الذي عده استاذ «رسائل النور»، وهو استاذه الخاص في الحقائق الايمانية ((359))، علي(ع) يقول: «من نصب نفسه للناس اماما،فليبدا بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تاديبه بسيرته قبل تاديبه بلسانه، ومعلم نفسه ومؤدبها احق بالاجلال من معلم الناس ومؤدبهم»((360)).

10 - النصيحة للجميع
لقد قدم النورسي نصائحه للجميع، فما حجبها عن طبقة من الطبقات، فقد نصح الطبيب وعالجه من مرضه الذي اتعبه قبل تشخيصه، وتعيين علاجه والاهتداء الى رسائل النور، فيقول له: يا اخي اعلم ان الحياة اثمن شيء في عالم الموجودات، وان ما يخدم الحياة هو ارقى واجب من بين الواجبات جميعها، وان السعي لصرف الحياة الفانية الى الحياة الباقية هو اعلى وظيفة في الحياة، وان الحياة الفانية نواة الحياة الخالدة،فمن قبل بالحياة الدنيا فهو كمن يستبدل برقا خاطفا بشمس سرمدية.

ان الاطباء الغافلين عن الاخرة، والمنغمسين في اوحال المادة، هم في الحقيقة اسقم الناس واشدهم مرضا ((361)).

ولقد اوصى الصحفيين بالاخلاق فقال: لقد دابت الصحف على زعزعة الاخلاق الاسلامية، بما يوهن العزة، والاقدام، فتصديت لهم بمقالات نشرتها في الجرائد، وقلت لهم: يا ارباب الصحف، على الادباء ان يلتزموابالاداب، وعليهم ان يتادبوا بالاداب اللائقة بالاسلام، فينبغي ان تكون اقوالهم صادرة من صدور لا تحيد لجهة، ومن قلوب عموم الناس فيشترك معهم عموم الامة ، وهكذا راح يسقيهم الاخلاق ويغذيهم بها.((362))

لقد دعا النورسي سكرتير حزب الشعب الجمهوري ووزير الداخلية التركي السابق، الى تبني الحقائق القرآنية والايمانية، وحذره وانذره من تشتيت الامة ((363)).

واخبر النورسي وزير العدل بان طلاب النور ورسائل النور لا يبارزونه، اذليست مبارزته من وظيفتهم، وهو ينصحه بالا يشغل نفسه بهم، فان رسائل النور وطلابها يهتمون بالجيل القادم بعد خمسين سنة ((364)).وكذلك يجب ان يكون وزير العدل والا يتعرض لطلاب النور ولالرسائل النور بسوء.

كما دعا النورسي اعضاء المجلس النيابي الى اقرار قانون حرية المتدينين وتنفيذه فورا في المدارس لخدمة اربعين مليون من الناس في روسياواربعمئة مليون من المسلمين عامة، ويجعل تلك القوة ظهيرا لمسلمي تركيا ((365)).

رسائل النور

سما النورسي باتباعه، من طلاب مدرسة النور، نحو الذرى، وارتفع بهم الى اعلى مراتب الاخلاق في تلك الرسائل التي بدا بكتابتها بعد نفيه من مدينة «وان» في شرقي الاناضول في تركيا الى «بارلا» في غربي الاناضول،وذلك في 1/3/1927م، عقيب حركة الشيخ سعيد بيران، وكانت هذه المرحلة بداية اجراءات شديدة دامت ربع قرن ((366)).

وما ان وصل بديع الزمان، سعيد النورسي، الى منفاه في «بارلا» التي هي من اعمال اسبارطة، حتى تلقفته يد الشرطة، فحل ضيفا عليهم ليلة واحدة، ليخصص له بيت صغير تحت انظار الشرطة ومراقبتها، فكانوا يرصدون حركاته وسكناته، وكان يقضي اكثر وقته في البيت. اما في الربيع والصيف، فكان يخرج الى جبل هناك، يجلس على قمته او بين الاشجار متاملا متعبدا، من دون ان ينجو من المضايقات الامنية. وفي هذا الجو، ولدت «رسائل النور» التي انبعثت من نور القرآن الكريم، وقداطلق اسم النور على رسائله لان كلمة النور رافقته ((367))، فاسم قريته: نورس، واسم والدته: نورية، واستاذه في الطريقة النقشبندية: سيد نورمحمد، واستاذه في الطريقة القادرية: نور الدين، واستاذه في القرآن:نوري، واكثر من يلازمه من طلابه يسمون باسم نور، واول آية التمعت لعقله وفكره وقلبه وشغلت تفكيره هي: (الله نور السموات والارض مثل نوره كمشكاة...) ((368))، واكثر ما حل مشكلاته في الحقائق الالهية هو اسم النور من الاسماء الحسنى.

وقد الف رسائل النور في اشد اوقات المرض والضيق، وتم تاليفها في اسرع وقت، فبعض كتبه كتب خلال ايام، وبعضها كتب من غير اعتمادعلى مراجع ((369)).

ولان دعوة صاحبنا اصلاحية تسلك طريق السلم، كان يسعى الى تثقيف شعبه عبر رسائله «رسائل النور» الى اتباعه، وكان تلاميذه ومريدوه يكتبون هذه الرسائل باقلامهم وينشرونها بينهم ويتم تكثيرها وتوزيعهاكتابة خطية، وقد اشتملت هذه الرسائل على معارف شتى وتوجيه روحي واخلاقي. كانت الرسائل تشتمل على دروس عالية في الاخلاق، وكان مستمرا على كتابتها حتى في احلك الظروف، وبقيت هذه الرسائل يتداولها الناس خطية، حتى تم طبعها باهتمام من طلاب النور، وباشراف صاحبها وذلك عام 1956، فاحس بالنشوة عندما جاء اليوم الذي كان ينتظره بطبع رسائل النور، ثم اعيد طبعها في ثمانية اجزاء،وذلك في الاونة الممتدة من عام 1992م الى عام 1998م في استنبول والقاهرة، واشتمل الجزء التاسع على سيرته الذاتية.

قال النورسي لطلابه، بعد انتشار رسائل النور في كل مكان: «ابنائي، لاتخافوا ابدا فقد قصمت رسائل النور العمود الفقري للكفر»((370)).

وكان يطلب منهم عدم الخلاف في ما بينهم، وان يتواصلوا في ما بينهم، ولا يهجر بعضهم بعضا، وان ينبذوا الانانية ((371))، وقد خلع هذا على اتباعه اسمى درجات الاخلاق.

مراعاة المستوى الثقافي

كان النورسي يتكلم مع الناس حسب مستوياتهم الثقافية والاجتماعية، فللعوام حديث، ولخواص العلماء حديث، وللعمال حديث، وللفلاحين حديث، وللضباط حديث، وللطيارين منهم حديث وللجنود حديث،وهكذا. وهو يوصي جميع هذه الفصائل بالاخلاق الفاضلة الحميدة، انه يخاطب الشيوخ، ويخاطب الكهول، ويخاطب الشباب ويتحدث اليهم بما يناسب كل طبقة منهم، ويخصص لكل فئة حديثا، وكان يولي الاطفال اهتماما خاصا، وكان كثير الدعاء لهم، لانهم ابرياء ويدعو للنساءبطلات الشفقة والحنان.

كما كان النورسي على جانب كبير من العفة والاستقامة في جميع مراحل حياته ((372)).

مدارس الزهراء على غرار جامعة الازهر

لقد بذل النورسي جهده لنشر رسائل النور بين الناس، كما اسس جامعة اسلامية باسم مدارس الزهراء، لنشر رسائل النور، لتكون على غرارجامعة الازهر في مصر ((373))، فان نشر العلم كان وكده اينما حل وحيثما نزل في منفاه او في سجنه، فقد جعل من السجن مدرسة يوسفية تحقق اهداف مدارس الزهراء ((374)).

ولقد سره ان يرى الناس يدخلون دائرة رسائل النور زرافات ووحدانا بسبب الاخلاص الذي هو اساس مسلكه ومسلك طلاب مدارس النور، اذ لم يجعل الدين وسيلة لمكاسب دنيوية. ((375))

مدرسته الفكرية ودوره الاصلاحي

وجد النورسي ان المنظمات الالحادية تسعى الى طمس روح الاسلام في الشعب التركي، وهي تسعى الى ازالة القرآن ونزعه من القلوب ساعية الى ذلك بمختلف الوسائل، فالقضية اذا عامة ومهمة، لانها تتعلق بالايمان والاسلام.

وقد قامت مدرسة النورسي الفكرية على بعث الايمان في قلوب الاتراك، ليتمسكوا باسلامهم ويقفوا في وجه الدعوات الالحادية المادية، واذا كانت دعوته قد لاقت رواجا بين ابناء الشعب وتمسك بهااتباعه ومريدوه الى حد التفاني، وتكاثروا وما زالوا في ازدياد، فان ذلك ليس لشخص النورسي وانما لاهمية الرسالة التي نهض بها في خدمة القرآن، فقد اراد النورسي اعادة الثقة الى نفس الانسان المسلم وترسيخ الايمان في قلبه، وقد كلفه ذلك ثمنا غاليا، فقد نذر نفسه لهذه المهمة، وقضى حياته التي نيفت على الثمانين عاما في سبيل بث فكرته بين الناس.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية