|
وما كان دوره الاصلاحي مقتصرا على فئة من دون اخرى، بل
كان يسعى الى اصلاح جميع النواحي في شعبه، وهو يخاطب
العامل والفلاح والمثقف والصحفي والوزير واعضاء البرلمان
والحاكم، ويجد من الشجاعة ما يمكنه من مواجهة الجبارين
الطغاة والحكام القساة وفضح خططهم وسياساتهم الظالمة
ودعوتهم الى الحق الذي هو احق ان يتبع.
وقد لاقت دعوته الاصلاحية رواجا، فاستجاب لها الملايين من
ابناء
شعبه، وانتشرت رسائل النور بين الناس، وانضم اتباعه الى
المدارس النورية المنتشرة في تركيا وفي مختلف انحاء العالم،
وما كانت لتجد هذا
الرواج لو لم تكن الدعوة صحيحة سليمة،
ولو لم يكن الباعث لها ايمان صاحبها واخلاصه وقصده في كل
عمله وجه الله تعالى، فقد بارك الله
في مسعاه كما بارك في
عمره وفي عطائه، فبوركت امة منها بديع الزمان سعيد
النورسي. آخر المطاف
لقد بدا الاحساس بالموت لدى النورسي، وكان يرى ان مهمته
قد انتهت،
لذلك فقد قضى سنوات عمره الاخيرة بين طلابه
في «اسبارطة»، وكان احيانا يزور غيرها ((376)).
لقد بارك الله في عطاء بديع الزمان سعيد النورسي، فكانت
رسائل النورالتي تركها ثروة كبيرة، كما بارك الله في عمره،
فقد علت به السن حتى بلغ خمسة وثمانين عاما، وتعرض الى
محاولات الاغتيال عن طريق دس السم في طعامه عدة مرات،
ولذلك فقد قضى اواخر عمره مريضازيادة على الشيخوخة،
ولكنه كان يخفي مرضه عن طلابه، ولا يشكو من المرض
متحملا الالام والاوجاع.
ولما احس بان مهمته في الحياة الدنيا اوشكت ان تنتهي،
وشارفت حياته على النهاية، كان مطمئنا لان رسائل النور
ستؤدي وظيفته من بعده، ولانه اذا مات فان طلابه، سيكونون
آلاف «سعيد النورسي»،
وسيحظى ببركة دعائهم له الذي ما
كان يشك في استجابته ((377)).
كان سعيد النورسي يهتم بالاشهر الثلاثة المباركة: رجب،
وشعبان،ورمضان، ويحييها بالعبادة والدعاء وتلاوة القرآن، كما
كان يقوم الليل في النصف الاخير من شهر رمضان المبارك،
وكان يحث طلابه على ذلك ايضا، وكان يتفقدهم في اكثر
الاحيان فيوقظ من ينام منهم ويحثه على الصلاة وتلاوة القرآن،
فتعلموا منه السهر وقضاء الليل بالعبادة حتى صلاة الفجر، وكان
ينشغل باوراده طوال الليل ويخبر طلابه ان هذه الليالي،
وخصوصا العشر الاواخر من شهر رمضان، تشتمل على
ليلة القدر، وهي ليلة عظيمة تتضاعف فيها الاعمال ((378)).
لقد كان النورسي مدرسة في الاخلاق لم ينقطع حتى ايامه
الاخيرة، فقدكان يلقي دروسا عملية على طلابه، وتلك ابلغ
دروس.
وقد احس بقرب اجله، وزاد احساسه به بعد ان استفحل مرضه،
وبلغ من الكبر عتيا فقال لطلابه: اخواني ان المرض قد اشتد
علي كثيرا، ولعلي اموت قريبا، او اعجز عن الكلام كليا، لذا ارجو
ان تتجاوزوا عن اخطاءالاخرين، وعدها من قبيل «اهون
الشرين» وعليكم بالعمل الايجابي، لان العمل السلبي ليس من
وظيفتنا، اما انا فقد سامحت من اساؤوا الي ودعوت لهم، ثم
طالب اتباعه وطلابه ومحبيه بالتخلي عن الانانية والتزام
الاخلاص التام والتضحية والفداء ((379)). الرحيل
قضى سعيد النورسي ايامه الاخيرة مريضا مسجى في الغرفة 27
من فندق «ايبك بالاس» في مدينة «ارفة»، وكانت السلطة مصرة
على تسفيره منها، لكن صحته ما كانت تسمح له بالحركة، فقد
اجرى الطبيب الكشف عليه وقرر ذلك.
تقاطر عليه اهل المدينة لعيادته، وكان ذلك في شهر رمضان
من عام 1379ه، ومع انهيار حالته الصحية، فقد استقبل الناس،
وكان يضمهم الى صدره، ولم يرد منهم احدا مطلقا، وقد اوصى
باخفاء قبره اذا مات.
وفي يوم 23/3/1960م، سكت القلب الكبير، ومات بديع الزمان
سعيد
النورسي((380))، ورحل بجسمه عن احبابه وطلابه
ومريديه، ولكن روحه بقيت معهم كما بقيت آثاره تشير الى
عظمته وورعه وتقواه وعلمه واخلاقه، وبقيت مدارس النور
منتشرة في كل مكان من العالم.
لم يترك سعيد النورسي دارا ولا عقارا ولا رصيدا في المصارف،
بل ترك رصيدا في قلوب محبيه وطلابه ومريديه. فكانت تركته
ساعة وسجادة وجبة سلمت لاخيه عبد المجيد، فهو وارثه لانه
لم يتزوج في حياته.
وقف الالوف من اهالي اورفة لتوديعه، وحملوا نعشه على
رؤوسهم الى مسجد المدينة، وتركوه تلك الليلة في المسجد
يقرا اهل المدينة على روحه القرآن ويدعون له، ويلقون عليه
النظرة الاخيرة، ويبدو ان السماءشاركت الباكين عليه، فجادت
بالغيث تغسل به الارض ((381)).
وفي يوم الخميس 24/3/1960م، بعد صلاة العصر، صلى الناس
عليه صلاة الاموات والقوا عليه النظرة الاخيرة، ثم حملوه الى
مثواه الاخير في اورفة، وهكذا غاب جسده عن عيون احبابه
وبقيت اعماله وآثاره وذكراه تعطر المجالس والمدارس. نبش قبره بعد موته يبدو ان اعداءه كانوا يخافون منه حيا وميتا، فقد حاولوا قتله في حياته عن طريق دس السم له في طعامه عدة مرات، فنجاه الله، وان بقي يعاني من آثاره الى آخر حياته، وربما مات بسببه، ولما مات لم يتركوه يستريح في قبره فقد لاحقوه حيث استدعي اخوه عبد المجيد بعد موته بستة اشهر، وفي تموز 1960م، على وجه التحديد الى ديوان الوالي في «قونيا»، واخبروه ان جثمان سعيد النورسي يجب نقله من قبره الى مكان آخر، وعليه مرافقتهم الى «اورفة» بالطائرة بعد منتصف الليل، وفي الساعة الثالثة بعد منتصف الليل نبش قبره واستخرج جثمانه ونقل الى جهة مجهولة ((382)). وهكذا اخفي قبره وتحققت رغبته بعد موته كماتحققت قولته: انني ساركب الطائرة مجانا!!
تغمد الله بديع الزمان النورسي بواسع رحمته، فقد كان مدرسة
في الاخلاق.
الصراع البريطاني ـ العثماني بقلم: د. جودت القزويني
عند دخول القوات الانكليزية مدينة «البصرة»، في
22/11/1914م، استنفر علماء الشيعة العرب، وعلى راسهم
المجتهدون، السيد محمد سعيد الحبوبي (ت:
1333هـ/1915م)، والسيد مهدي الحيدري (ت:1336هـ/1917م)، والشيخ مهدي الخالصي (ت:
1343هـ/1924م). وساروا، بطلبة العلوم الدينية والقبائل
الفراتية الموالية لهم، لقتال القوات البريطانية، جنبا الى جنب،
مع القوات التركية النظامية، اعتقادا منهم بانهم يؤدون الواجب
الديني في جهاد القوات الغازية، او ربما كان اعتقادا منهم بعدم
تقهقر جبهتهم في مواجهتهم مع الانكليز.
وبالرغم من الحيف الذي لحق بالعشائر العراقية الشيعية، من
جراءمعاملة الاتراك في جباية الضرائب والقهر الاجتماعي، فان
الامر سوي بمصالحة الاطراف واقناع القبائل العراقية بوجوب
الجهاد والخضوع للجيش التركي.
لكن العلاقة بين الطرفين لم تدم طويلا بعد انتصار القوات
البريطانية في معركة الشعيبة، في 12/4/1915م، الامر الذي
سبب قيام تمرد شعبي ضدالاتراك في مناطق كثيرة، خصوصا
النجف وكربلاء والحلة، حيث نجح الاهالي في السيطرة على
بلدة النجف في نيسان 1915م، بعد مواجهة الحامية التركية
ثلاثة ايام من القتال، وبقيت تحت سلطتهم حتى بعددخول
الانكليز اليها. وكذلك اشتعلت شرارة التمرد في مدينة كربلاء
في حزيران سنة 1915م، ونجح اهالي البلدة في طرد
الموظفين الاتراك منها.الا ان مدينة الحلة، وبفضل خدعة
القائد التركي عاكف باشا، استبيحت في تشرين الاول (اكتوبر)
1916م، وقتل الاهالي شر قتلة، وهدمت المحلات الرئيسة،
ودمرت البلدة تدميرا عنيفا. وتعد هذه الواقعة التي اشتهرت
عند العراقيين بـ«دكة عاكف»، آخر المجازر التي ارتكبها
الاتراك في حق العراقيين قبل انطفاء توهجهم في العراق،
وجلائهم عنه.
وتذكرنا ردود الفعل على خسارة القوات التركية، وقيام انتفاضة
المدن الشيعية، بما حدث في ما يسمى بحرب الخليج عام
1991م، عقب تدمير القوات العراقية من قبل القوات الدولية
المتحالفة - من انتفاضة الاهالي ضد مراكز الدولة ومؤسساته - الا
ان قمع هذه التحركات جوبه باساليب حديثة لم تكن معروفة
في عهد الاحتلال التركي او البريطاني،ما ادى الى تدمير
المدن المقدسة تدميرا حقيقيا، ومقتل اعداد كبيرة من السكان.
وبعد احتلال القوات البريطانية مدينة بغداد، في 11/3/1917م،
اخذالبريطانيون يفتشون عن حلفاء لهم في المجتمع العراقي،
وقامت احصائيات دقيقة لدراسة الطبقات الاجتماعية ومراكز
نفوذها. وقد سجلت ذلك بعض «التقريرات» السرية التي تضمنت
معلومات واسعة عن شخصيات العراق ((383)).
اظهر الفاتحون الجدد استعدادهم لرفع الحيف الذي اصاب ابناء
الشيعة وعلماءهم في عصور الدولة العثمانية، التي كان شيعة
العراق فيه - غالب - ضحايا صراع سياسي بين ايران (في العهد
الصفوي اوالقاجاري)، والدولة التركية العثمانية.
وقد كتب جملة من المؤرخين عما جرى من احداث بعد
الحرب العالمية الاولى، عام 1914م، في العراق مؤلفات كثيرة،
وسجلوا الكثيرمن الوقائع التي تمكنوا من رصدها. وربما لا
نجانب الصواب اذا قلنا ان الحديث في ذلك كله يحتاج الى
تفصيلات لا يمكن الالمام باحداثها الابعد دراسة وتتبع
عميقين. وثيقة تاريخية
من هنا اشار السيد محمد هادي الخراساني الحائري
(ت: 1326هـ/1947م)، في وثيقة كتبها، الى ان السر برسي
كوكس
«Sir
Percy Cox»
اجتمع في مدينة الكاظمية مع
احد كبار مجتهدي الشيعة، وهوالشيخ محمد تقي الشيرازي
(ت: 1339هـ
/1920م). وحسبما تشير اليه هذه (الوثيقة)، فان
القائد البريطاني قدم الى الشيرازي استعداده
لقبول المجتهدين لادارة شؤون البلد الدينية.
ويبدو ان هذا اللقاء كان قد تم على اثر زيارة كوكس للشيرازي
في مدينة الكاظمية بعد هجرته من سامراء، خلال الاشهر الاولى
من دخول البريطانيين مدينة بغداد وقبل وفاة الجنرال مود
Maude
في شهر نوفمبر(تشرين الثاني) 1917م.
اللقاء كان لقاءا عاديا، ولكن الجديد في الامر، حسبما نقله
الخراساني، ان توجه التيار السني، الذي كان، في مجمله، كان
مواليا للتوجه العثماني،
بدا يبالغ في التقرب الى طبقات
المجتمع الشيعي تحسبا للنفوذ الذي ربما سيحظى به الشيعة
في مستقبل العراق السياسي.
الا ان شيئا من ذلك لم يحدث، بسبب الظروف الاجتماعية
والسياسية المعقدة التي عصفت بالبلاد، فنشبت ثورة النجف
ضد البريطانيين من قبل زعماء النجف المحليين سنة 1918م،
والتي كانت سببا من اسباب اندلاع الثورة العراقية الكبرى عام
1920م، التي قادها المجتهدون انفسهم، وعلى راسهم الشيخ
محمد تقي الشيرازي. داعي الرشاد الى سبيل الاتحاد
وفي عام 1930م، صدر، في بغداد، كتاب «داعي الرشاد الى
سبيل الاتحاد» للشيخ ابراهيم الراوي الرفاعي، وهو احد كبار
علماء السنة العراقيين (المتوفى سنة 1365ه/1946م)،
والكتاب، في محتواه، يدعوالى الاتحاد بين الطائفتين الشيعية
والسنية، او بعبارة اخرى يدعو الى اتحاد الطوائف الاسلامية
بشكل عام. والكتاب في مجمله مراسلات بين الراوي وعالم
ايراني هو السيد محمد مهدي العلوي السبزواري، حول موضوع
«الاتحاد» وطريقة تحقيقه بين المسلمين.
وبالرغم من المكانة التي يتصف بها الراوي، وعلاقاته الحميمة
مع كثيرمن علماء الشيعة، الا ان ذلك لم يثن الخراساني عن
ابداء ملاحظات على صدور الكتاب من جهة، واهداف
المتحاورين: الراوي والسبزواري من جهة ثانية. كما المح الى
ذلك في «الوثيقة» التي سجلها بخطه تعليقاعلى كتاب «داعي
الرشاد»، وذكر فيها انه كتب بعض التعليقات التاريخية التي
اثارت - اذا صح ذلك - الشيخ الراوي واحزنته.
يعتقد السيد محمد هادي الخراساني، ان ظاهرة التقريب بين
المذاهب،في حقيقتها، خاضعة لظروف موضوعية، خصوصا ان
صيحات التقريب تصدر عن اقلام «سنية» عندما يقوى تيار
النفوذ الشيعي، وبالعكس فان موجة التقريب تنحسر «وربما
تاخذ وجهها الاخر» عندما يضعف هذاالنفوذ عن الساحة
السياسية.
وعلى ذلك، فقد فسر الخراساني صدور «داعي الرشاد» نتيجة
لسقوط بغداد، وبواكير ظهور النفوذ الشيعي.
بيد ان الواقع التاريخي بخصوص «داعي الرشاد»، يكشف خلاف
هذا الراي، فقد تضمن الكتاب مراسلات بين مؤلفه الراوي،
ومهدي السبزواري في مسائل الوحدة والاتحاد، ومحاولة
الوصول الى جامع مشترك بين الطرفين، كتبت بين عامي
1347هـ/1928م و1348هـ/1929م، وليس هناك اشارة تدل
على انه كتب في مرحلة ما بعد سقوط بغداد.
وذكر الشيخ ابراهيم الراوي ان الغاية من تاليف كتابه هي ان
يكون «سبباللت آلف بين طائفتين من المسلمين، وذلك لما
حل بالمسلمين من التخاذل والتنافر والتقاطع، لاسيما بعد
الحرب العامة، الحرب العالمية الاولى عام 1914م، التي قضت
على الدولة العثمانية.
كما ذكر ان الموجة الثقافية الجديدة اخذت تنشر اجنحتها في
المدارس الرسمية، معتقدا بان ذلك بداية لنشر الافكار
اللادينية المدعمة بالجمعيات الاجنبية - كما يعبر عنها المؤلف -
التي انتشرت في البلادالاسلامية.
وقد دل الكتاب على اطلاع «المتحاورين» في قضايا المسائل الخلافية، وفي ادب الحوار،
والتجاوز عن الاخطاء التي قد يسيء
فيها طرف صغير، ويتحمل وزره ابناء الطائفتين. وحاول كل
منهما ان يضطلع بمهمة الاعتذار للاخر عما حفلت به كتب
الطرفين من «السباب» و«الشتائم»، وكان «المتحاورين» احسا
بالاحراج من جراء تلك الكتابات المثيرة للبغضاء، والتي عطلت
التحاور بين ابناء الدين الواحد طوال هذه القرون.
كتب السيد مهدي السبزواري مقالة في الدعوة الى «الاتحاد
بين الطوائف الاسلامية»، حمل فيها على الدول الاوروبية، ثم
ضمنها بعض المقترحات المثبتة ادناه كما هي، وباختصار، على
الشكل الاتي:
1 ـ ترك التعصب الجاهلي الذي كان سببا عظيما للنفاق المؤدي
الى انحطاط المسلمين وتقهقرهم وتاخرهم.
2 ـ ترك الطعن بصحابة الرسول(ص) والقدح فيهم.
3 ـ ترك المجادلات المذهبية والمكابرات الطائفية والمناظرات،
فهي من بواعث اختلاف الكلمة والنزاع.
4 ـ رفع الاسماء التي اوجبت الاختلاف كالسني والشيعي،
والزيدي،والوهابي وغيرها. فاذا سئل رجل عن مذهبه يكتفي
بالقول: «انا مسلم».وهذه الاسماء اوجبت الاختلاف في نظام
ابناء الدين الحنيف.
5 ـ عدم تعرض «قبيل» للمستحبات، والمندوبات الواردة عند
«قبيل» آخر. مثال ذلك ان الوهابيين لا يتعرضون للزيارات
المستحبة عند سائر المسلمين.
6 ـ احترام كل طائفة للطائفة الاخرى، وعدم التمييز بين طائفة
وطائفة. فلا يفرق احد ابناء الطوائف بين من على مذهبه وبين
من يخالف مذهبه.
تجدر الاشارة الى ان السيد محمد مهدي السبزواري توفي بعد
عام واحدمن نشر «داعي الرشاد»، وهو في عنفوان شبابه. كان
ذلك سنة 1350هـ/1931م. الشيخ ابراهيم الراوي
من علماء بغداد، ولد في مدينة راوه سنة 1276هـ/1859م،
ودرس فيها،ثم انتقل الى بغداد ولازم علماءها، وعلى راسهم
الشيخ داود النقشبندي والشيخ علي الخوجة، ثم رحل الى
الشام. ولما عاد لازم الشيخ عبدالوهاب النائب. كان مقربا الى
الشيخ ابو الهدى الصيادي (ت:1327هـ/1909م) ومبجلا عند
الساسة الاتراك. طبعت له بعض المؤلفات في الفقه والتاريخ،
وت وفي سنة 1365هـ/1946م، ودفن جوار مرقد معروف
الكرخي في جانب الكرخ من بغداد. السيد محمد هادي الخراساني
من فقهاء الامامية الذين تخرجوا على يد مجتهدي عصره في
النجف، امثال السيد محمد كاظم اليزدي، والشيخ محمد
كاظم الخراساني، وشيخ الشريعة الاصفهاني، ثم التحق بحلقة
بحث الامام محمد تقي الشيرازي في سامراء، وبعد هجرة
الشيرازي الى الكاظمية ثم كربلاء، كان الخراساني من مرافقيه،
والمتصدين للثورة العراقية الكبرى عام 1920م. له مؤلفات
غزيرة في الفقه والاصول والتاريخ والادب، نشر
بعضهاسبطه الشهيد السيد محمد تقي الجلالي (المقتول في
العراق عام 1402هـ/1982م). نص الوثيقة
قوله «لما حل بالمسلمين».
(اقول): صديقنا السيد ابراهيم الراوي بعث هذا التاليف الي داعي الرشادالى سبيل
الاتحاد، وكتبت جزوتين (اي كراستين) على مقدمته فقط، وبعثته اليه، فكان اثقل عليه من
الجبال الرواسي، فلم يتكلم بشيء بعد ذلك.
واخبرني (الواسطة) بانه الى شهرين كان متغيظا مختنقا.
وبالجملة: فانه انما الف هذه الرسالة بعد سقوط بغداد
واستيلاء «الانكليز»، وتوجههم الى علماء الشيعة لاكثرية التشيع
في العراق، وقوة العشائر. فانقطعت ايدي السنة والجماعة،
وعلمائهم من الدنيا، والمداخلة في الحكومة، فان القائد
السياسي «كوكس» الانكليزي - فاتح بغداد ((384))
- تشرف
بكمال الخضوع، ونهاية الاحترام بمحضراستاذنا التقي
الشيرازي (قدس الله روحه)، ونحن في «الكاظمية»، وقال: نحن لم نجيء، ولم نجيش الى «العراق» لتوسيع المملكة،
ومزيد السلطنة، بل انما جئنا لتخليصكم من مظالم الدولة
«التركية»، فاما الان فجميع الجهات الشرعية راجعة اليكم فانتم
تصرفوا في الاوقاف، وعينوا «القضاة» في الاطراف، وسائر الامور
المرتبطة بالديانة.
وهكذا اظهروا لسائر المراجع والمجتهدين، لكن هذا مع ما
شاهدوا من علماء الشيعة من جهادهم وقتالهم لهم حتى اسروا
منهم الوفا من عساكرهم بعد حصرهم «حصارهم» في كوت
(الكوت) ((385)) وعطلوهم ومنعوهم من سيرهم سنتين بين
البصرة وبغداد، مع ان القائد العسكري التزم بان لا يتعطل
«السير» بين «البصرة» و«بغداد» ازيد من اثني عشر يوم(يوما)،
لكن العلماء حضروا بانفسهم معركة القتال، واجتمعوا
(واجتمع) في شعيبة (الشعيبة) ماتا (مئة) الف من العشائر، لكن
الخيانات والجنايات هزمت المسلمين وكسرتهم.
وكيف كان (وكيفما كان) فارادت (اراد) الانكليز صرف قلوب
العلماء عن الدولة التركية فارجع (فارجعوا) جميع الشؤن
(الشؤون) الشرعية في القضاوة (القضاء) والاوقاف وغيرها اليهم،
وقطعت ايادي علماء السنة عنها بالكلية.
فمن هذه الجهات توجهت قلوب علماء السنة الينا، حتى ان
رؤسائهم(رؤساءهم) يحضرون مجالسنا ويقبلون ايادينا، مع
انهم كانوا في زمان الدولة العثمانية لا يعتنون بشؤننا
(بشؤوننا)، ولا ينظرون الينا الا بالحقارة.
ومن هذه الجهة الف صديقنا (الراوي) هذا الكتاب، وانت ترى
انه يمجدالسيد مهدي السبزواري، وهو شاب زكي، ومثله من
الطلاب، ويعبر(عنهم) بتعظيم وتكريم، لكن في ما قبل لم يكن
يجري بلسانه فضلا عن قلمه وبنانه اسم اكبر عالم منا.
هذا، ولكن علماء الشيعة لشدة ورعهم وتصلبهم في الديانة، لم
يعتنوابمواعيد (الانكليز)، ولا وافقوها في مقاصدها، بل صرحوا
بانا لا نريد الاالسلطان الاسلامي حتى وقعت الثورة العراقية،
فقتلوا اولا «مرشالا» في «النجف الاشرف» ((386))، ثم قامت
العشائر بعد المظاهرات في «بغداد» و«كربلا» حتى اخرجوا
الحاكم الانكليزي وقطعوا «ريل» البصرة وقامت الحرب على
ساق.
لكن الخيانات والجنايات ايضا خذلت المسلمين، وتوفي زعيم
الدين استاذنا الميرزا الشيرازي (قدس سره) ((387))، فرجع
الانكليز الى محالها(؟)، وانقلبت سياستها (سياستهم)، فارجع
(فارجعوا) جميع الامور الى علماء السنة، حيث انها نكثت (انهم
نكثوا) العهود، وخالفت (وخالفوا) الشيعة ووافقت (ووافقوا)
الانكليز.
وبالجملة علمت الدولة الانكليزية بان الشيعة لا توافقهم، وانما
السنة تطيعهم وتؤيدهم، فرجعت (فارجعت) الى علماء السنة ما
كان بيدهم ايام (الترك) وزيادة، حتى اصبحنا - نحن الشيعة - بين
مطحونة صفحتي الرحى، بين (السنة) و(الانكليز)، وحتى
سوقت علماء العراق الى ايران ((388))، وحبسوا باطنا (!) في
بلدة «قم» تسعة اشهر، حتى رجعوا الى العتبات.
ثم خربت وهدمت مشاهد الائمة، وقبور الاولياء في
«المدينة»((389)) و«مكة((390))»، وحتى عزلت
الدولة القاجارية ونفي السلطان احمد شاه الى اروبا
(اوروبا)((391))، وحتى سفرت النساء في ايران، وألقيت
العمائم، و - (العبا) وألبسوا (الشبقات) والبسة الكفرونبشت
المقابر، وغصبت الاوقاف، وهدمت المساجد ومنعت
التعازي والمنابر، وسائر شرائع الاسلام، فلم يتكلم احد من علماء
السنة.
الابداع الادبي العربي - قضايا واشكالات د. اميرة الحسيني تعريف الكتاب
كتاب «الابداع الادبي العربي - قضايا واشكالات، للاستاذ الدكتور
عبدالمجيد زراقط، الروائي والناقد والاستاذ الجامعي، كتاب
يحملنا على جناحي «طائر الشعر» الذي يراه الكاتب «مقيما
يتغير فضاؤه ولا يهاجر»،
فينقلنا هذا الطائر الى «الفرد والجماعة
في الشعر الجاهلي»، عابرا بنافصول الكتاب، فصلا في اثر فصل،
لياخذنا الى «تحولات»، فيعرفناب «الانموذج الشعري»،
و«الطللية»، متنقلا في فضاء الوزن والقافية/
الثابت في مسار
التحول»، ليحط رحاله عند حديقة «البلاغة العربية في اساس
نشاتها نظرية في الكشف والايصال»، ليبلغ «موقع المتلقي
ودوره في الظاهرة الادبية في النقد العربي القديم»، وليعرفنا
الى «التجريب/
الانبعاث/
الفقد» و«الفقد الانتظار»، ثم لا يلبث ان
ينتقل بنا الى «الحداثة الشعرية في خطاب «تجمع شعر»، طارحا
بعد ذلك «اشكالية قصيدة النثر»، ومن ثم فانه سيحلق في فضاء
«الرواية: تعريفها، وتميزها من الانواع القصصية الاخرى»، مطلا
على «القصة العربية الحديثة»، متسائلاهل هي «جديد طارى ام
قديم يتطور ويتجدد؟»، ثم لا يلبث ان يذهب بنا الى «نشاة
الرواية اللبنانية وتطورها»، منهيا رحلته الجميلة،
الشاقة، الممتعة، بـ«اقتراحات في منهج دراسة النص الروائي». ان كتاب «الابداع الادبي العربي - قضايا واشكالات»، كتاب قيم للغاية، يطرح العديد من القضايا والاشكالات التي لا يتسع المجال، في هذه القراءة، لتناولها جميعها بالعرض والنقاش، لذلك فقد وقع الاختيار على موضوع بعينه وجدنا ميلا في النفس نحو عرضه من دون غيره، رغم اهمية جميع المواضيع المطروحة، وذلك لما لهذه الاشكالية من اهمية بالغة في تجربة عاشتها الساحة الثقفافية اللبنانية في حقبة من حقب تاريخنا العربي - الثقافي والسياسي، ولما تركته تلك التجربة من آثارفي صوغ الكثير من الشعر والشعراء!
ان خيارنا هو قراءة، في دراسة الدكتور زراقط، ل «الحداثة
الشعرية في خطاب «تجمع شعر» في «المرحلة الاولى» ((392))، آملين المعذرة لعدم التمكن، في هذه القراءة، من
قراءة جميع الفصول، حيث اعتقد ان قراءات اخرى يمكن ان تتناول الفصول التي لم
نتناولها، فتغطي تلك القراءات
موضوعات مهمة واشكالات عديدة طرحها الناقد في
كتابه موضوع البحث. الحداثة الشعرية في خطاب «تجمع شرع» (المرحلة الاولى)
تحت عنوان «قراءة نقدية في المفهوم والاشكالات» يقوم عبد
المجيدزراقط بدراسة تهدف الى «تقديم معرفة نقدية بمفهوم
الحداثة الشعرية واشكالاتها»، كما تمثلت في خطاب «تجمع
شعر» في المرحلة الاولى،اي منذ تاسيس «مجلة شعر» في شتاء
العام 1957 الى حيث توقفها للمرة الاولى، في خريف عام 1964.
وبغية تقديم معرفة بخطاب «تجمع شعر» الحداثي، تعتمد هذه
الدراسة مجلة «شعر» بوصفها المصدر الاساس، وقد ورد فيها
خطاب الاعضاءالاساسيين في التجمع في اشكال كثيرة:
بيانات، افتتاحيات، حوارات منقولة عن الصحف، عروض
مناقشات «خميس شعر»، التعليقات المنشورة في زاوية «اخبار
وقضايا»، الدراسات والمقالات المنشورة في المجلة، نقد
المجموعات الشعرية الصادرة.
وقبل البدء بانجاز هدفه من الدراسة، يرى زراقط انه من
الضروري «ان نتبين ملامح المشهد الشعري اللبناني والعربي
الذي كان قائما ابان صدور المجلة، فيرسم ملامح المشهد
الشعري اللبناني والعربي هذا، منذاوائل القرن العشرين الى
زمن صدور مجلة «شعر»، وبايجاز يكتفي بالاثارات الدالة، وكما
ياتي:
«تتمثل ملامح هذا المشهد ((393)) في شعر تقليدي،
وتقليدي متجدد،بعضه رومانسي مشوب بالتقليدية، يمثله،
على سبيل المثال، خليل مطران، والاخطل الصغير...، شعر
رومانسي ويمثله الياس ابو شبكة والمهجريون وشعراء جماعة
الديوان وجماعة ابوللو، وشعر متاثربالرمزية الفرنسية، ويمثله
اديب مظهر وبشر فارس، وبرناسي تجويدي ويمثله امين نخلة
وسعيد عقل، وشعر «بين بين»، ويمثله يوسف غصوب وصلاح
لبكي».
وعن بناء القصيدة، في هذا الشعر، يقول زراقط انه «تنويع على
بناءالقصيدة التقليدية بمختلف الاشكال التي عرفها هذا البناء
طوال تاريخ نشوء هذه القصيدة وتطورها، وهي اشكال كثيرة
متنوعة عرفت الخروج على نظام الشطرين وعلى القافية
والوزن الخليلي وعلى عمود الشعر
العربي».
يتحدث الباحث عن «ظاهرة الشعر الحر»، فيقول: ان حركة
الشعر العربي،عرفت في عام 1947، هذه الظاهرة التيءطلق
عليها آنذاك اسم «الشعر
الحر»، والذي يسمى اليوم «شعر
التفعيلة»، على ايدي شعراء عراقيين هم بدر شاكر السياب،
ونازك الملائكة، وقد نشرت لهما قصائد في ذلك العام تنتمي
الى هذا الشعر الحر. كذلك فان عبد الوهاب البياني
وبلندالحيدري قد كتبا هذا النوع من الشعر، وبعدها «شاعت
هذه الظاهرة في الاقطار العربية الاخرى في مصر وسورية
ولبنان، وغدت مزية تلك الاونة» ((394)).
ويشير زراقط الى انه من «اللافت ان لبنان لم يعرف من
الشعراءالمسهمين في هذه الحركة، سوى خليل حاوي، على
الرغم من ان الشعراء العرب كانوا يجدون في صحفه متنفسا
لهم». «ومما يذكر ان بشر
فارس الذي كان يكتب في مصر لم
يكن يجد متنفسا لشعره في غيرالمجلات الادبية البيروتية، ما
يعني ان بيروت كانت فضاء يتيح للتجارب الشعرية الجديدة ان
تنشط بحرية».
وعن الحياة الشعرية في لبنان، قبل صدور مجلة شعر، يقول
الباحث:كانت هناك جملة وقائع ذات دلالة تشير الى ان الحياة
الشعرية في لبنان كانت مهياة لقيام حركة شعرية رائدة، وتلك
الوقائع تفيد ان الحياة الشعرية كانت تعد بتحول، ومن تلك
الوقائع «بروز ظاهرة النثر الشعري متاثرة بنتاج جبران خليل
جبران الذي تحدث عن اولية التجربة على الشكل، ومن كتاب
هذا النثر البارزين امين نخلة وفؤاد سليمان ومحمديوسف
حمود وخليل رامز سركيس، وصدور نماذج شعرية
مميزة باللهجة اللبنانية لعبد الله غانم وميشال طراد على سبيل
المثال وقيام تجمعات شعرية تسعى الى التجديد الشعري مثل
«عصبة الادب العاملي»، و«حلقة الثريا عام 1957، المؤلفة من
الشعراء الشباب: جورج غانم، جوزيف نجيم، شوقي ابي شقرا...
وصدور مجلات ادبية تعنى بقضية التجديد ونشر الشعر الجديد
(مجلة العروبة التي نشرت قصيدة «الكوليرا» لنازك الملائكة،
لصاحبها الشاعر محمد علي الحوماني، في كانون 1947)، وينوه
الباحث بدور مجلة الاديب على هذا الصعيد،والدور الرائد الذي
مثلته مجلتا الاداب والثقافة الوطنية، الصادرتان عام 1953،
حيث اصدرت الاداب عددا خاصا بالشعر الحديث عام 1955.
ويشير الباحث الى ان مجيء «تجمع شعر» الذي اعلن انه يكرس
نشاطه لقضية الشعر فحسب، قد اسهم في التطور الشعري
الجديد الذي كان قدبدا على شكل ظاهرة شائعة قبل نشوئه
بعشر سنوات، قد اثار جدلا لايزال قائما حتى الان حول مفهوم
الحداثة واشكالاتها ((395)).
ثم يقدم الباحث «تعريفا بتجمع شعر ومسار حركته الشعرية»،
مستعرضاالمقصود بالتجمع، مسميا مؤسسه والشعراء والنقاد
الذين نشطوا فيه،وصولا الى المراحل التي مر بها التجمع في
سعيه الى النهوض باداءمهماته، والمشكلات التي واجهها وعبر
عنها مجلة «شعر» على صفحاتها...
ثم يتحدث الباحث في: «خطاب «تجمع شعر» ((396))،
الحداثة رالمعاصرة، روح العصر، فيرى انه يفيد «ان الحداثة في
الشعر هي المحورالذي يدور عليه نقد الشعر المعاصر»، ويلاحظ
المتتبع ان خطاب هذاالتجمع يستخدم الحداثة والمعاصرة
والجدة بمعنى واحد هو «المعنى الاخير للنهضة الشعرية التي
يحاول انجازها».
ويشير الناقد الى ما تقوله هيئة تحرير شعر: «شرعنا في المسير
في ان يكون وجودنا معاصرا وحديثا، وهذا هو المعنى الاخير
لنهضتنا الشعرية الراهنة». والمعاصرة المعنية هنا تعني تمثل
قيم العصر روحه وتمثيلها
لغة شعرية جديدة. فالتجديد (حسب
مجلة شعر وشعراؤها هنا)، «ليس الكتابة عن مظاهر الحياة
الحديثة كالسيارة والطيارة والذرة الخ.. وانماتوثيق عرى
التجارب بين الشاعر ومضامين العصر الذي يعيش فيه بحيث
ياتي الشعر معبرا عن روح العصر اصدق تعبير». والمعاصرة
التي تقتصر على الزمن من دون تمثل قيمه وتمثيلها «قدامة».
يقول يوسف الخال: «فمعظم الذي يكتبون الشعر اليوم على انه
شعر حديث او جديدانما يكتبونه بعقلية قديمة لا حياة فيها ولا
جدة»، او «جاهلية معاصرة،
وفق تعبير انسي الحاج، وهذه تعني
قول الشاعر احساسا وتعبيرا في الماضي، وهذا المثول لا ينفك
يتواصل عبر شعراء اليوم كان شيئا لم يحدث في عالمهم...».
و«الشعر الحديث ليس ذلك الذي يكتفي بان يكون مرآة العصر
يعكسه ويصوره، فالشاعر قد يعيش بيننا ويكون مع ذلك قديما».
ويقول يوسف الخال، في محاضرته عن مستقبل الشعر في
لبنان((397)): «الشعر اللبناني الحاضر ليس شعرا حديثا الا في
الزمن، فهو اذاقيس بتطور الشعر الاوروبي كان متخلفا، او
قيس بالتراث العربي كان تقليديا.
وتمثل القيم الحديثة (المعاصرة، الجديدة) التجربة - المضمون.
وهذا،
اي المضمون هو الذي يحكم تمثلها لغة شعرية حديثة،
ولهذا فمن المؤكد ان التغيير الذي حدث في شكل البيت
وشكل القصيدة انما ينبع من التغيير الذي حدث في المضمون،
والشاعر الجديد يحاول استيعاب التاريخ كله من منظور عصره.
وان يكن هذا المفهوم واضحا ومتداولا منذ شيوع تنظيرات
الرومانسيين،
وبخاصة آراء جبران، فان الاشكالية تمثلت في
القيم المعاصرة، او «روح العصر» التي يتم تمثلها وتمثيلها، اي
تتمثل في علاقة الشاعر/
الذات بواقعه التاريخي وبالاخر، ويبدو
ان خطاب «تجمع شعر» يرى ان الشعوربالعقم واليباب عند
اليوت يعبر عن «روح العصر»، وان الشعور باضاعة الذات، هو،
منذ بودلير ورامبو، شعور الشاعر الحديث. ويعد بودليرنقطة
الانطلاق الحقة للشعر الحديث. ويفهم من حديث يوسف الخال
ان الشعر بدا بادغار الن بو وبودلير. ويناقش الباحث هذه الاراء، فيقول: ان يكن تمثل القيم الحديثة: «التجربة - المضمون» يفرض الشكل الحديث، وهذا صحيح، فاي شكل تفرض من «روح العصر» المتمثلة بالعقم واليباب واضاعة الذات؟ وهل «روح العصر» هذه هي «التجربة الشخصية» التي يتحدث عنها يوسف الخال عندما يقول: ان المفهوم الشعري الجديد «يتلخص في ان الشعر تجربة شخصية ينقلها الشاعر الى الاخرين بشكل فني يناسبها، وهو ينجح بقدرما تكون تجربته صادقة وبقدر ما يكون الشكل الذي ينقلها به مناسبابالعقل لها، ويقاس هذا النجاح بمدى وصول التجربة للاخرين او مدى مشاركتهم للشاعر بها»!؟
ويرى الباحث ان هذا الخطاب «يفصح عن ثنائية اختلاف تتمثل
في طرفين ((398)): اولهما روح العصر الحديث كما يتمثلها
ويمثلها ايليوت وبودلير الخ.. او النص الشعري الغربي، وثانيهما
التجربة الشخصية،
وهذان طرفان متغايران يراد لهما ان يكونا
شيئا واحدا، ما يفضي الى الغاء الطرف الثاني: التجربة الشخصية
الحياتية، وانتاج نص يحاكي الانموذج الغربي. وهذا يفسر الكلام
على شكل «مناسب» ينقل التجربة،فالشكل لا يكون مناسبا لنقل
التجربة وانما هو، وكما يفيد المفهوم،يصدر عن التجربة
- المضمون ليمثلها، وان يكن مقياس النجاح هومدى وصول
التجربة الى الاخرين، فان هذا الشكل كما هو معروف لم يصل،
ولعل السبب في عدم وصوله يعود الى هذه الاشكالية
التي حكمت خطاب تجمع شعر».
وقد نجد، يضيف الباحث، في تعريف ادونيس للحداثة، في رده
على د.زكي نجيب محمود، خير تعبير عن هذه الاشكالية. يقول
ادونيس((399)): «الحداثة، اذن،
وقبل كل شيء نوع من الرؤيا
يتيح النظر الى العالم وفهمه بشكل شخصي جديد، ومن ليس
له هذه الرؤيا التي ينفذ
بواسطتها الى اعماق العالم ويراه ويفهم
لا يستطيع ان يكون شاعراحديثا».
يربط ادونيس بين النظر الى العالم وفهمه بشكل شخصي
جديد وبين ان يكون الشاعر حديثا، فالاساس في الحداثة، اذا،
هو «الرؤيا الشخصية الجديدة» التي ينفذ الشاعر بوساطتها الى
اعماق العالم فيراه ويفهمه،وتتجسد رؤيته وفهمه لغة شعرية
خاصة بهذه الرؤيا. وان تكن الحداثة - المعاصرة الشعرية، في مفهوم ادونيس، رؤيا خاصة تنفذ الى اعماق العالم - العصر لتتمثل قيمه - روحه وتمثيلها لغة شعرية، فان الاسئلة التي يثيرها هذا المفهوم تتعلق بعناصره، وهي: الذات صاحبة الرؤيا، من هي؟ ما يتم تمثله، اي عالم هو؟ كيف يتم التمثل؟ ما علاقة الذات المتمثلة بعالمها، عصرها؟ كيف يتم التمثل لغة شعرية؟ وكيف يتم التعامل مع هذه اللغة وتراثها الشعري؟ ويتساءل الناقد: هل تكون عملية الابداع عملية امينة للمبدا التنظيري الحداثي ((400)) في حال كانت «روح العصر» هي ما يتمثله ويمثله اليوت وبودلير: العقم واليباب واضاعة الذات في عالم يتقولب، فان السؤال الذي سيطرح نفسه هو: هل هذا ما تتمثله الرؤيا الخاصة من نفاذها الى عالمها؟ وان يكن الجواب بالايجاب، هل تكون الرؤيا خاصة في هذه الحالة؟ وكيف يتم تمثيلها شعريا؟ وهل يبقى من اولية للتجربة في هذه الحالة؟
ويحاول الباحث تبيان اجابات خطاب «تجمع شعر» عن هذه
الاسئلة ومايتفرع عنها من اسئلة اخرى، فيكتب حول: جوهر
القضية ر اختبار الذات الشخصي للحياة، متناولا ما كتبه
ارشيبولد مكليش «الخبير الشعري الوافد»، في افتتاحية العدد
الاول من مجلة شعر، والذي حدد وبدقة جوهر القضية، وهو
حياة الانسان واختباره الشخصي المباشر لها،
الخاصان به، فهما
ما يكون حياته ونفسه والا فليست له حياة الا من طريق سواه.
ويتناول زراقط الازمة التي يتحدث عنها مكليش متسائلا عما
اذا كانت ازمة مكليش «التي هي مشكلة الانسان الفرد في عالم
يزداد تقولبا..» هي ازمة «... نا» الخاصة به ((401))، او هي ازمة
تمثل روح العصر الحديث،بوصفها الثاني هذا تصبح ازمة «نا»
عالمية يفترض بنا نحن ان نشارك فيها، ونصدر عنها، بعد ان
نعيها، شعرا يتمثلها، وبذلك نشارك في الحضارة العالمية؟
ولكننا، يتابع الباحث، اذ نفعل ذلك، نكون ذلك الانسان الذي
وصفه مكليش بقوله: «لا حياة له الا عن طريق سواه»..
فهل يمكن لهذا الانسان ان يسهم في الحضارة الانسانية بوصفه
صاحب رؤية خاصة؟ اننا اذ نصدر عن المدركات الخاصة بنا
والمتصلة باختبارناللحياة، تكون لنا حياتنا وخبرتنا والشعر
الذي يمثلها، وبذلك يمكن ان نسهم في الحضارة الانسانية.
يتمثل جوهر القضية، اذا، في اختبار الذات الفردي الخاص
لحياتها. اننانجد في خطاب «تجمع شعر»، وعيا لهذا الامر. يقول
يوسف الخال في هذا الصدد: «الازمة، كما في نواحي الوجود،
ازمة تلمس الذات الضائعة والبحث عنها... ونحن لن نجد ذاتنا
في الشكل والاطار بل في المحتوى..المحتوى العقلي والروحي
او قل الحضاري».
الازمة، اذا، هي ازمة تلمس الذات الضائعة والبحث عنها، لان
«تجربتهاالحياتة الصادقة - الرؤية الشعرية الجديدة، تنوجد في
وجدان الشاعرمع التعبير الصادق عنها».
ان يكن الامر على هذا النحو، يسال الباحث، فاين تلمس «تجمع
شعر»
الذات الضائعة؟ وهل تمثلت تجربتها الحياتية الصادقة في
وجدان الشاعر رؤية شعرية وتعبيرا صادقا عنها؟ ((402)).
يطرح الناقد هذه الاسئلة، ثم يقدم اجابات عنها تتعلق ب: وعي
الذات هويتها، وطبيعة التجربة الشعرية ر البحث عن اساليب
واعتمادهاوالتراث العربي ورؤية خطاب «تجمع شعر» اليه،
واختزال خطاب «تجمع شعر» الشعر العربي القديم الى مكون
من مكوناته، داعيا الى القطع مع هذا التراث، مسوغا ذلك
بالصدور عن التجربة الحياتية الشخصية الفريدة التي تلد
مضمونا يكون رؤيا تتمثل لغة شعرية جديدة، فيكون لدينا شعر
مختلف لحياة مختلفة. ويشير الباحث الى دعوة «تجمع شعر»
بالعودة الى جذور الحضارة المتوسطية، والبحث عن مفهوم
الشعر الحديث في هذه المظان، واقتباس اساليب
وخصائص كالحسية التوراتية من القديم المتوسطي، وحيث
اعيد انتاج الخطاب الشعري الغربي الحديث المتعدد المتنوع
المتباين في خطاب يحاول ان يقدم نظرية حديثة للشعر
العربي.
ويحاول الباحث، في دراسته، ان يصوغ اهم ما جاء في هذه
النظرية، في((403))
منظور منظري «تجمع شعر»: مكليش،
ادونيس، يوسف الخال،
انسي الحاج، خالدة سعيد. ويتوصل الناقد الى ان هذا المفهوم يتضمن العناصر الآتية:((404))
ـ
عيش الحياة المفضي الى الاختبار الفردي. يمتلك الشاعر رؤيا
ثاقبة تنفذ الى الجوهر في هذا العيش - الاختبار وتكشفه.
ـ
يؤدي الادراك الحدسي الكياني، الاحساس العفوي، هذا
الكشف، فيمثل الشعر ميتافيزياء الكيان الانساني، ويمثل الشاعر
العراف القادر على تقديم معرفة تسعى الفلسفة الى تحصيلها
ولا تدركها، ويعجز العلم عن ادائها.
تبدو الامور، في هذا المفهوم، مترابطة كما ياتي: حياة ـ اختبار
فردي رؤيا ـ كشف ـ حدس كاشف كشف العراف...
وتلي مرحلة هي مرحلة تمثل الحدس الكاشف لغة شعرية،
فكيف يتم هذا التمثل؟ في الصفحات التالية من الدراسة،
يستعرض زراقط آراء منظري «تجمع شعر» في الشكل
والمضمون وخصائص القصيدة الحديثة ووظيفة الشعر. وبعد
استعراضها وتناولها بالتحليل والنقد،يصل الباحث الى الحديث
عن: الخروج على المفهوم / اتباع قواعد جاهزة»، فيقول: انه وان
يكن «تجمع شعر» قد راى، من نحو اول، الى الشعر، مفهوما
وعملية خلق وخصائص ووظيفة، على هذا النحو، فانه من نحو
ثان، قد خرج على هذا الحكم، فتحدث عن قواعد جاهزة
ينبغي على الشاعر ان يتبعها ليكون حديثا.
ويشير الناقد الى ما دعا اليه ادونيس، في دراسته: «محاولة في
تعريف الشعر الحديث»، الى استعمال قواعد تتعلق باللغة
والمشاعر، والى ترك ما يتعلق بالحادثة والوقائع والجزئية
والرؤية الافقية والوصف.. والى الاستعاضة عن التشابيه
والاوصاف والاستعارات بالصورة التركيبية والصورة الرمز والصورة الشيء.
ويعود يوسف الخال، فيتحدث عن ان المفهوم يقرر كل شيء،
لانه في صناعة الشعر كل شيء، ومفهوم الشاعر الحديث
للقصيدة الحديثة ياخذبعين الاعتبار الخصائص الاتية ((405)):
1 ـ ان تتحاشى التجريد والتقرير.
واستنادا الى هذا المفهوم وخصائصه، استنتج يوسف الخال ان
الياس ابوشبكة ليس شاعرا حديثا لانه لم يصدر عن مفهوم
الشعر الحديث. ودعافؤاد رفقة الى اعتماد قواعد واسس - دعا
ادونيس الى ترك بعضها! -، ومنها على سبيل المثال: النفاذ الى
الحقائق الانسانية الكبرى من خلال الجزئيات، واستخدام
الصورة، وبذل الجهد المتواصل والعمل المرهق لصنع القصيدة
التي ليست فيضا تلقائيا.
وقدمت روز غريب، تعليقا على خطاب «تجمع شعر» وعلى
النماذج الشعرية التي تنشر في مجلة «شعر» على سبيل
السخرية، «وصفة» اذاطبقها الشاعر يصبح شاعرا حديثا. وتقرر
بعد ان تذكر احدى عشرة خصيصة، ان «الوصفة لا تصنع الشاعر
كما لا يصنع الثوب الراهب».
وفي سياق هذا البحث الجاد، المنطلق من المفهوم - النظرية
التي يمارسها رواد الشعر الحديث الغربيون، حدث ان فقد الشعر
طعمه وتشوه، هذا ما يقوله محرر مجلة شعر في العدد 21: «لقد
كان على الفكران يجد له مكانا في دنيا الشعر التي اتخمت من
اجترار العواطف، وكان على مجلة شعر خلال رغبتها الصادقة
في العمل ان تبحث عن الفكر لتصوغه شعرا. وفي هذا البحث
فقدت بعض القصائد طعمها وشاه شكلها، ولكن اهو خطا
النظرية ام هو خطا التطبيق؟».
وتحت عنوان: «في نقد الخطاب»، يكتب زراقط متحدثا عن:
اشكالية المضمون/ الشكل، التجربة/ البنية، قائلا ((406)):
«تتمثل اشكالية المضمون/ الشكل، او اولية التجربة/ البنية،
علاوة على ما سبق ذكره، في بيان يوسف الخال الذي اعلن فيه
توقف مجلة شعر في مرحلتها الاولى متذرعا بالوقوف امام جدار
اللغة، (اللغة العربية الفصحى كما مر في الدراسة هذه، بوصفها
وسيلة اتصال وتعبير وقلق، ولغة تراث وحضارة، تمثل المكون
الاساسي لهوية لم يكن «تجمع شعر» يراها هويته)، وقدبدا
واضحا منذ البداية ان «تجمع شعر»، «يصوب» الى هذه اللغة
ليصل الى مقتل، ولا يخفى الهدف من ذلك فهذه اللغة هي
ثابت اساس هوية من ثوابت لا يراها الخال هويته.
وراى يوسف الخال، في تقريره الى مؤتمر روما، ان اللغة
العربية الفصحى، وهي لغة الدين والقومية، تتطور، وان العرب
استفدوا امكانيات تطويع لغتهم الفصحى لحاجة التعبير.
وان يكن جبر ابراهيم جبرا قد دعا، في تقريره الى المؤتمر
نفسه، الى ماسماه «افصاح العامية»، فان ادونيس كان اميل الى
يوسف الخال، فقد قال في تقريره الى المؤتمر نفسه: «اللغة
العربية قواعد محددة قبل ان تكون انبثاقا من الحياة، او تطابقا
مع الواقع. انها لغة ثانية الى جانب اللغة اليومية الجارية».
ويستشهد بقول جاك بيرك: «ان اللغة العربية الفصحى هي لغة
هبوط على الحياة لا صدور عنها، ومن هنا ثبات
اشكالها وتراكيبها». ويضيف: «ان مسالة التعبير الشعري مسالة
انفعال وحساسية وتوتر لا مسالة نحو وقواعد، تبطل اللغة ان
تكون ثقافة الذهن لتصبح ثقافة الحياة».
ويشير الناقد الى تركيز يوسف الخال على «جدار اللغة» الذي
عده الخال سببا في توقف مجلة «شعر»، وقد صدر العدد الاخير
من المجلة ببيانه الاخير الذي جاء فيه: «بعد ثماني سنوات، تجد
الحركة الشعرية نفسها، وقد توطدت على ابواب «فتح جديد»
هي التي هيات اسبابه.
ويضيف الخال: «فبعد ان فرض مضمون حياتنا الحديثة تعديلا
على الاشكال الشعرية القديمة - لان المضمون والشكل لا
ينفصلان -، ادركت ان هذا التعديل الذي لم يصب الا البحور
الشعرية، لا موسيقاها، غير كاف لنقل التجربة الشعرية الى
الاخرين نقلا عفويا حياديا».
ويرى الخال ان «الحركة كانت تظن ان تحطيم الاوزان
التقليدية الرتيبة بالتلاعب بتفعيلاتها يحقق مثل هذا النقل
العفوي الحي الصادق، بل ان الاستغناء عن هذه الاوزان جملة
باعتماد الايقاع الشخصي.. يحرر الشاعر.. غير ان هذه الخطوة
الكبرى لم تحقق من الغاية الا بعضها».
وهكذا، يضيف الخال، «اصطدمت الحركة بجدار اللغة: فاما ان
تخترقه،او تقع صريعة امامه، شانها شان المحاولات التجديدية،
بما في ذلك التوشيح الاندلسي، وجدار اللغة هذا كونها تكتب
ولا تحكى، مما جعل الادب، وخصوصا الشعر، لانه الصق فنونه
باللغة، ادبا اكاديميا لا صلة له بالحياة» ويقدر: «ان ما حققته شعر
كان اساسيا للوقوف امام الجدارالحقيقي الفاصل بين الشعر
العربي القديم والشعر العربي الحديث». يناقش الباحث ما ذهب اليه يوسف الخال، استنادا الى مفهوم الشعرالحديث الذي تبناه صاحب مجلة «شعر»، فيسال: كيف يفرض مضمون الحياة التعديل، ثم لا يكون هذا الذي فرضته الحياة قادرا على نقل التجربة ((407))؟ ثم كيف تفرض التجربة شكلا، ثم يدرك الشاعر ان هذا الذي تفرضه التجربة غير كاف لنقل التجربة، والفعل الاول عفوي وصادق والثاني ذهني واع؟ ولعل الذي تم، يقول زراقط، هو ان الحياة لم تفرض هذا التعديل الذي طال «البحر» لا الموسيقى، وانما هو الظن من الرواد الذي قرر ذلك، ولاسيما اننا قرانا للخال نفسه قبل قليل شيئا من هذا. ونقرا له في البيان نفسه قوله: «لكن الحركة تظن...»، وهو قول يناقض، من دون شك، القول التالي: «بعد ان فرض مضمون حياتنا الحديثة تعديلا...»، ثم، يضيف زراقط، الا يشير الظن..، اي التجربة الذهنية القائمة على البحث عن اختيار شكل واختباره، هنا الى الجدار الحقيقي؟ والمازق الحقيقي؟
ويرى زراقط انه يمكن القول، في صدد ما جاء في بيان يوسف
الخال،عن «جدار اللغة» ما ياتي: ـ ليست هذه الرؤية جديدة ووليدة تجربة، وانما هي رؤية تنتظم في سياق منظومة وعي الذات هويتها، وقد انتظر يوسف الخال الفرصة المناسبة ليعلنها بوضوح بعد ان كان يشير الى ذلك ويتراجع، ثم يشير ويتراجع.. |