الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

ـ لا تتمثل اسباب «التقليدية الشعرية» في اللغة العامية نفسها، فيوسف الخال نفسه راى ان مجموعة ميشال طراد الشعرية، وهي بالعامية، تتصف بخصائص الشعر التقليدي، فالمشكلة ليست مشكلة اللغة اذا، وقد راى محرر شعر ان ما يسميه التخلف يجوس احيانا في اعمال شعراء معاصرين يكتبون ويقراون بالفرنسية.

ـ الكلام على جمود اللغة العربية الفصحى وعدم امكانية تطورها وتطويعها للتعبير عن مضامين الحياة المستجدة تاريخيا، وحديثا، يمليه موقف مسبق، وليس الواقع التاريخي، وادونيس نفسه، القائل: «ان اللغة العربية قواعد مجردة»، استخدم في ترجماته، وبخاصة لسان جون بيرس، لغة محكمة البناء من دون ان تعجز هذه اللغة عن الاداء.

ـ اللغة الشعرية تتكلم في الشاعر، كما يقول هايدغر، عندما يمتلكها، وهوالى حد ضئيل جدا خالقها وصاحبها.

ـ تستلزم اللغة توافر نظام صوتي ونظام نحوي ونظام معجمي، ونظام تواصل تاريخي... وهذه الانظمة تتكون تاريخيا، وان اريد استنبات لغة، انطلاقا من فكرة وليس من واقع تاريخي، فالمفروض ان توضع هذه الانظمة وان يتم تعلمها، وان تنتج مفردات واساليب وصيغ، فهل هذااسهل من الاسهام في تطوير الفصحى وتطويعها، وهذا يتم فعلا برفدالعامية للفصحى، فهي ليست نقيضا لها ولا بديلا منها.

ـ كيف يريد لشعر يستعصي فهمه على النخبة ان يكون «كالصرخة تنبعث من القلب»، ويفيد من بساطة الكلام المحكي!؟

(...) يمكن، يضيف زراقط، للشعر ان يكون «كالصرخة تنبعث من القلب»، لشاعر يعيش تجربة حياتية، ويصدر عنها، كييتس الذي انخرط في العمل على تحرير ايرلندا. ومن شعراء مجلة «شعر» نفسها، وباللغة العربية الفصحى، كالشاعر محمد الماغوط الذي كان يصدر في شعره عن معاناة الهم اليومي، فكانت لغته كالصرخة التي تنبعث من القلب... وقد وصفهامحرر «شعر» نفسه بقوله: «حريرية الكلمة العاصفة».

ويسال الباحث: كيف لشعر يصدر عن وعي ذهني، مركب من خليط مفاهيم متنوعة ومتباينة، ان يكون كالصرخة التي تنبعث من القلب؟، ويقرر: ينبعث الشعر من القلب في حالة واحدة هي عندما يكون القلب مصهر التجربة، وبلغة القلب: فصحى او عامية، وهو - اي القلب - ادرى بها، وقد اثبتت التجربة الشعرية العربية الحديثة، ولدى شعرائها الكبار، ان الفصحى لغة القلب كما هي لغة العقل.

ويصل زراقط الى استنتاج مفاده ان خطاب يوسف الخال كان خطابا تلفيقيا مضطربا متناقضا ((408))، ولكن شعره كان يصدر عن هذه التجربة الذهنية، فياتي مختلفا عن آرائه النظرية. لاحظ هذا زملاؤه في التجمع، فخاطبه ادونيس، في صدر حديثه عن مجموعته: «قصائد في الاربعين»: «تدعو الى الحسية.. لست اجد في مجموعتك غير التجريدية، غيرالواقعية المجردة». «وهي غير الواقعية الحسية التي تمتزج بنوع من البدائية العاقلة التي نراها في الشعر القديم وفي التوراة».

وقالت سلمى الجيوسي: «ومن قبل الاستاذ الخال، قابل عرب كثيرون بين اوروبا والشرق فرفضوا وطنهم، ولم تقبلهم اوروبا...».

وتساءل انسي الحاج: باي معنى يوسف الخال شاعر حديث؟ بعد ان نتجاوز ما فعله في نطاق الشكل، هل يستتب لنا منه شعر حديث؟ ويجيب: في شعره ادراك سلفي وميتافيزيقيا جاهزة واستخدام مباشرللرموز. في قصائده النثرية ازدادت الخطابة علاوة على وجود الثرثرة، في شعره محاولة مقصودة في تلهيث اللغة بغية رفع حرارتها... وتفضي هذه الاجابة الى تساؤل آخر اساسي، حيث نقول: ان المضمون الجديداقتضى شكلا جديدا، هل يعني هذا ان مضمون يوسف الخال المسيحي النظامي، او «الميتافيزيقيا الجاهزة»، لم يكن في حاجة الى شكل ثوري بل الى شكل محافظ ونظامي كبحور الفراهيدي مثلا؟

ويلحظ جبرا ابراهيم جبرا صنيع يوسف الخال الذهني، على مستوى اختيار الاطار واقتحام الرموز، لكنه وهو يقرر ذلك يدعوه الى محاولة استخدام رموز اخرى. وان يكن الشعر يصنع هكذا، فاين هي اولية التجربة؟ يقول جبرا عن قصيدة يوسف الخال: «النداء الاخير»: «وكنت اتمنى، اذ جعل الشاعر لهذه القصيدة اطارا اغريقيا، لو كف على الاقل هنا،عن الرموز العبرية التي اقحمها اقحاما لا سيما في المقطع الاول،«الدعاء»، وحاول رموزا اغريقية بدلا من غربة بابل والركوع للعجل وهابيل...».

ولادة في زمن المواجهة بين مشروعين

تحت عنوان الالتباس الايديولوجي السياسي، يرى زراقط ان هناك اشارات دالة على هذا الالتباس ((409)) ويذكر بعضها قائلا: ان مجلة «شعر» باشرت نشاطها، الداعي الى اعادة الاتصال بجذور متوسطية تجدتجليها في الحضارة الغربية الحديثة، في آونة عرفت نهوض المشروع القومي العربي وصراعه الحاد، وعلى مختلف الاصعدة، مع المشاريع المناهضة له، ومع القوى الغربية المرتبطة بها. وليس من دون دلالة ان تتاسس مجلة «شعر» في مرحلتها الاولى، في عام 1957، اي بعد عام 1956 الذي شهد مواجهة سياسية - عسكرية - اقتصادية.. بين المشروع القومي النهضوي والقوى الغربية المناوئة له، تمثلت بـ«العدوان الثلاثي». وليس من دون دلالة ايضا ان تستانف المجلة صدورهافي عام 1967، اي عام هزيمة حزيران. ولهذا لم يكن شعار «شعر للشعر وللشعر فقط» ليحجب عن رواد التحرر الوطني دلالات هذا النشاط ومراميه. ولهذا كثر حديث «شعر» عن سوء الفهم او التفاهم الذي احيطت به. وتحدث محي الدين محمد عن هذه المسالة، فقال: «واجه الناس هذاالتيار بكثير من القلق، راوا فيه ما يهدد ذواتهم وخصوصيتهم...»، وبدا لهم مرتبطا بسعي الاستعمار، وتحدث محرر «شعر» عن هذه المسالة، فراى ان «الاولى والافضل الاهتمام بالوجود العربي نفسه والمصير الذي نهدف جميعنا الى جعله حرا كريما».

ثم يتحدث الدكتور زراقط عن كيفية تاسيس المجلة ودار النشر التابعة لها، والامكانات التي كانت تتيحها للشعراء ولنشر نتاجهم في المجلة واصدار مجموعاتهم الشعرية، وعن انفضاض كثير من الشعراء من حولهابعد ما تبينت لهم طبيعة مشروعها، وكان خليل حاوي اول المنفضين.وهو القائل فيهم: «انهم باستثناء القلة منهم، يكتبون بلغة لا يحفلون بها،ولشعب انفضوا عن همومه، ويلتصقون من الخارج بحضارته التي يجهلونها، وهم في الوقت نفسه يذوبون صبوة الى الحضارة الغربية...».

ويلفت الباحث الى ما كتبه محمد الماغوط، احد شعراء «حركة مجلة شعر» البارزين، والذي كان شعره يعد اهم انجازات هذه الحركة، فقد كتب في «الانوار» متهما شعراء «شعر»: ب «الحقد على كل ما يمت الى هذه البلاد وتاريخها المشرف بصلة». ويقول: «قل لاحدهم ثلاث مرات:المتنبي... يسقط مغميا عليه، بينما قل له وعلى مسافة كيلو متر... جاك بريفر.. فينتصب، ويقفز عدة امتار عن الارض كانه شرب حليب السباع،لان هذا غربي وذاك عربي». ويشير الباحث الى ان السبحة قد «فرطت»،فغادر ادونيس التجمع، وراى يوسف الخال في انفراط العقد هذا، قابيل يقتل هابيل من جديد.

وعن الاعضاء المؤسسين «لتجمع شعر»، والاساسيين فيه، ممن انضموااليه لاحقا، يقول الباحث انهم نخبة ليبرالية، قومية سورية او لبنانية، ولاينتمون الى الاكثرية الدينية في الوطن العربي، وكثير منهم من اصل سوري، وقد غادرو سوريا، كما كانوا يقولون، الى جنسية وفضاء لبنانيين يتيحان لهم تلمس ذواتهم وتمثل هويتها وتمثيلها لغة شعرية «حديثة».

اشكالية الهوية

ويلفت الكاتب الى ان مجلة «شعر»، لم تكن الرائدة الاولى في الدعوة الى «الحداثة الشعرية»، مشيرا الى ان السبق كان للشعراء العراقيين، وان محاولات كثيرة جرت قبل ذلك وبعده، (جبران ومجلتان لبنانيتان صدرتا قبل «شعر» باربع سنوات، وهما الثقافة الوطنية و«الاداب..)» واللافت ان هذه المحاولات الرائدة لم تتهم بما اتهمت به مجلة «شعر»، او بما اتهم به «تجمع شعر» بعامة، ما يعني ان الاشكالية لم تتمثل في خطاب تحديث الشعر، وانما في امر آخر، فما هو؟

يرى زراقط ان اشكالية خطاب «تجمع شعر» تتمثل في خطاب الهوية.((410)) ويرى ان هذا الخطاب يتلمس هوية «متوسطية»، مثلت كما يرى دعاتها، «خيرة الحضارة الانسانية»، وتجد تجليها، اليوم، في الحضارة الغربية المعاصرة، ما يشير الى هوية «كونية» تندرج في «حركة الثقافة الكونية»، من دون خصوصية سوى اللغة = القواعد المجردة، والذات المنغلقة، المنفصلة عن واقعها. وقد حكمت هذه الرؤية المركزية في هذا الخطاب الرؤية الى عناصر الخطاب الاخرى. وهذا ما بينه الباحث في سياق دراسته، مضيفا ان الاسئلة التي تثار في هذا المقام كثيرة، ومنها:

هل هناك، في الواقع الملموس، مكونات تشكل هوية متوسطية، او انه ينبغي البحث عنها في مدونات التاريخ وبعثها؟ وهل هناك امكانية قيام حركة حداثة شعرية متوسطية، تنطلق من اولية التجربة الحياتية الشخصية المتمثلة بالاختبار الفردي الحياتي؟

وان كان التاريخ، يقول زراقط، يفيد بوجود هويات متوسطية، في مراحل قديمة منه، فالتاريخ نفسه يفيد، ان مكونات هذا الوجود تمثلت في مسار تاريخي طويل، يمتد حوالى اربعة عشر قرنا ونيف، في الهوية العربية - الاسلامية، وان كان من سعي الى اعادتها فهو سعي يلغي مااستجد خلال هذه القرون، لصالح الارتباط بما يسمى «التجلي المعاصر للحضارة المتوسطية»، ايالحضارة الغربية، ومما سيطوله الالغاء: التراث من طريق القول بمحدوديته واختزاله... والواقع المعيش من طريق الخروج منه الى مركزية الذات، ما يجعل التجربة ذهنية تبحث عن اشكال، لا تجربة حياتية تخلق الاشكال..،

وتبقى اللغة، فتم الكلام على «جدار» يتم تجاوزه باللغة المحكية، ولكن هذه تمثل لهجة محلية: «كسروانية»، ولا تمتلك مقومات اللغة على اي مستوى. والكلام على لغة محكية بديلة وعلى انتاج شعري جبل لبناني متوسطي، يشير الى نزوع باتجاه الدعوة الى قومية لبنانية تعود جذورها الى فينيقيا: الشراع الحضاري. وبهذا يفارق خطاب «تجمع شعر» خطاب الحزب القومي السوري الاجتماعي، ويحدث ما كان انطوان سعادة قدقرره، عندما قرا «بنت يفتاح» لسعيد عقل، وعندما لم يجد في «قدموس» للشاعر نفسه ما يتوقعه، اذ قال: «انها تنزع نزعة «محلية»، و«تخدم موضوعا غريبا عن المواضيع السورية...».

ويؤكد الباحث ان «تجمع شعر» تاثر بخطاب الحزب القومي السوري الاجتماعي، وبخاصة خطاب زعيمه انطوان سعادة، لكن هناك فروقااساسية بين الخطابين، ومما يشير اليه الباحث، ان سعادة يتحدث ليس عن هوية متوسطية، وانما عن هوية سورية تكونت في حيز محدد،واسست مدنية المتوسط واوروبا، ويسعى الى احياء - بعث توجهه نظرة عقدية جديدة الى الحياة والكون، ويتحقق هذا البعث، على المستوى الفني الادبي، بالعودة الى الجذور التاريخية، والى الوجود - الحياة، فمن هذا الوجود المعيشي ينبثق الشعر الجديد، والاساليب - الاشكال ليست، بحد ذاتها، سوى لهو، والاقتباس - الاكتساب، اياتكن طبيعته ومصدره، يفضي ان لم يكن الشعر صادرا من صميم الحياة الى النسخ والمسخ...

وان يكن الامر على هذا النحو نجد خطاب «تجمع شعر» في طرف آخرمن هذا الخطاب، وان يكن يتاثر به في العموميات... ويرى الباحث ان وعي الذات هويتها «المتوسطية» لم يكن نتيجة الاختبار الفردي للحياة،وللواقع التاريخي، بمعنى انه لم يكن متولدا من البنية المجتمعية، وانماكان صنيعة «فكرة»، او صنيعة العقل.

يقول يوسف الخال: «الفن كالادب يعبر عن الحياة التي هي وليدة العقل».وان يكن «العقل» يصنع هوية فرد من افراد النخبة المنفصلة عن واقعهاالتاريخي، فانه لا يمكن ان يصنع هوية امة، الا اذا جعل هذا الفرد من ذاته هذه الاءمة، وجعل تجربته الذهنية في البحث والاختيار والوعي تجربة هذه الامة الحياتية، وجعل نفسه صاحب التجربة الفريدة فيها.

تحديث الشعر يغدو اشكالية ايديولوجية سياسية

ويلفت زراقط النظر الى ان خطاب الهوية هذا قد جعل خطاب تحديث الشعر اشكالية ايديولوجية سياسية في المقام الاول، ويقول: ان من الاشارات الدالة على ذلك، علاوة على ما سبق بيانه، ان خليل حاوي اضاف في مجموعته الشعرية: «نهر الرماد»، في طبعتها الثانية، وكانت الطبعة الاولى قد صدرت عن «دار مجلة شعر» عام 1957، «الاردن والنيل»الى الارض التي يحييها تموز بانبعاثه، وقد اخذ عبد الوهاب البياتي على مجلة «شعر»، بعد ان ابدى اعجابه بمستواها الرفيع الاعلى، والارفع من مستوى مجلة «شعر» الاميركية، «المغطس السياسي الذي كانت المجلة واقعة فيه».

وتحت عنوان: خطاب الهوية يحكم التجربة الشعرية... اشكالية كيف يتم التحديث ((411))؟ يقول زراقط ان هذا الوعي الايديولوجي - السياسي قد حكم التجربة: طبيعة، وعملية تمثل للواقع وتمثيل له، فان يكن الاصل في التجربة لا في الشكل، كما يقول خطاب شعر، فان التجربة الشعرية لديه كانت ذهنية تبحث عن اساليب وتعتمدها لتمثل ما يبدوللذات، في انكفائها الى عالمها الداخلي المغلق، حدسا فيتم كشف مجهول تحدسه الرؤيا المنقطعة عن الواقع في تاريخيته وسيرورته.

ويشير الكاتب الى التاثير الذي كان لكتاب انطوان سعادة، «الصراع الفكري في الادب السوري»، في توجه شعراء مجلة «شعر»: مستشهدا بماقاله ادونيس في هذا الصدد: «ان سعادة كان صاحب الاثر الاول في افكاري وفي توجهي الشعري.. وكان الى ذلك ملهما لكثير من الافكاروالاراء الشعرية والنقدية في النقاش الذي دار حول مجلة شعروالمشكلات التي اثارتها».

كيف يتم التحديث؟

ويلفت زراقط الى انه، وان يكن من المتفق عليه ان يتم التجاوز والتخطي وانجاز الحديث، فالسؤال الذي يطرح هو: كيف يتم ذلك ووفاقا لاي مبدا؟

يتبين لنا، يقول الباحث، ان خطاب «تجمع شعر» يتضمن رؤيتين: تدعواولاهما الى القطع مع التراث الادبي، والرؤية الثانية تدعو الى الانطلاق مما تسميه «جوهر التراث» الحي، وترى ان الارتباط هو في حرية الخلق وليس في مادة الخلق، وقد مارس ذلك ابو نواس وابو تمام من قبل...

غير ان هذه الرؤية الثانية كثيرا ما كانت تبقى في الهامش لا ترقى الا في حالات الى المتن.

والحقيقة ان الرؤية التي تقول بمحدودية التراث العربي وتختزله تصدراما عن معرفة ناقصة تكتفي ب «السائر»، او عن وعي مسبق مسقط، وهي ليست وصفا لواقع تاريخي تعانيه.

يرى زراقط ان النهضة الشعرية ينبغي ان تبدا من معرفة الذات، معرفة اختبارها الفردي وتمثله وتمثيله لغة شعرية تمليها تجربة هذه الذات الشخصية. ما يقضي، على مستوى التراث، ان نعرفه معرفة شاملة عميقة، ووفاقا للمفهوم الحديث للشعر، وهو مفهوم لا يقول بان نحمل شعر رامبو وبودلير لنجعله مقياسا نختار وفاقا له الشعر العربي الجيد،فهذا يجعل الشعر الغربي ليس مرجعا لشعرنا الحديث وانما لشعرناالقديم ايضا، ولا يقول ايضا بان نجتزىء القصائد العربية ونختار منهاابياتا، كما فعلت مختارات مجلة «شعر»، فهذا الاجتزاء يناقض المفهوم الحديث للشعر، ويلغي بنية القصيدة، بوصفها نظاما تكونه جميع عناصره المنتظمة في علاقات...

وعلى مستوى الحداثة - المعاصرة، والقيم الحديثة - المعاصرة التي يتم تمثلها وتمثيلها فهي ليست ما يتمثله ويمثله اي شاعر آخر، وان كان اليوت او بودلير...، او اي اب للحداثة الشعرية الغربية، وانما هو ماتتمثله الرؤيا الخاصة من نفاذها الى عالمها وتمثله لغة شعرية تتغيربتغير هذا العالم...

وتحت عنوان: مفهوم الشعر وخصائصه، اعادة انتاج توفيقية لمفاهيم الشعر الغربية ((412)) يرى زراقط ان خطاب «تجمع شعر» يعيد انتاج مفاهيم الشعر الحديث الغربية، ويحاول التوفيق بينها، وهي مفاهيم متنوعة متعددة متباينة،متناقضة، وكانت تتغير، ولا تزال، نتيجة لتغير حياتي يحدث بشكل دائم في التاريخ، فقد تتابعت المدارس في الغرب: رومنسية فانطباعية فمابعد الانطباعية، فتعبيرية، فمستقبلية، فرمزية فتصويرية فدادائية فسريالية الخ.. وعرفت هذه المدارس تنوعا في كل منها، وقد يغادراحداها شاعر كان من روادها، فالاساس هو «الخبرة الحياتية الفردية»، اي خبرة «نا».

ويقرر زراقط ان الاشكالية التي عرفها خطاب «تجمع شعر» تمثلت في السعي الى القبض على خبرة هذه المدارس على مستوى المفهوم وخصائص الابداع والتوفيق بينها، في حين كان المفروض ان يكون السعي الى القبض على اللحظة الزمنية الراهنة التي تتكون الخبرة الشخصية في مسارها، ويكون دور الحداثة الشعرية الغربية، كما التراث العربي، والانساني بعامة، دور مكون من مكونات التجربة التي ينبثق منها الانتاج، وليس دور مكون الانتاج(...)

ومن نماذج اعادة انتاج خطاب الشعر الغربي الحديث ما نجده في احدى دراسات ادونيس، يقول: الشعر هو الكشف عن عالم يظل في حاجة الى الكشف، لرينيه شار، ويقول: الشعر مرآة سحرية تقبض على الوقائع الهاربة، لسارتر، ويقول: الشعر معرفة حدسية بالنفس، لمكليش وكروتشيه، ويقول: الشعر هو الكشف عن الحقيقة الفردية والعامة، لوردزورث، والشعر قائم في ما لا يكون، في ما يظل ينقصنا لبيير ريفردي والسؤال الذي يطرح هنا هو: كيف يتم التوفيق بين هذه الاراء المختلفة!؟

ان الفرق بين رواد الشعر الحديث العالميين، يقول الباحث، ورواد حركة التجديد في «تجمع شعر هو ان الاول، وهم متعددون متنوعون متباينون، يصدرون في عملية الخلق عن الحياة ـ الرؤيا ـ القصيدة ـ خصائصها، وان الاخرين يبحثون عن خصائص يعونها ويصدرون عن هذا الوعي.

ويمكن ان نجد اصدق مثال على ذلك في قصيدة النثر، فمن المعروف ان ادونيس وانسي الحاج اعتمدا، في شكل شبه حرفي على مقدمة اطروحة سوزان برنار: «قصيدة النثر منذ بودلير الى ايامنا» التي خلصت،بعد قراءة نصوص شعرية الى تبين خصائص قصيدة النثر، ومن هذه الخصائص: تصدر هذه القصيدة، بوصفها بناء فنيا متميزا، عن ارادة تنظيم واعية تراقب التجربة الشعرية وتقودها وتوجهها، فتكون كلا عضويامستقلا يتصف بالوحدة والكثافة والتركيب الاشراقي.

وان تكن برنار قد تبينت الخصائص من النصوص، فان ادونيس، وانسي الحاج دعوا الى اعتماد هذه الخصائص بوصفها قواعد واسسا لصناعة قصيدة النثر. واللافت ان ادونيس يقول في مقدمة دراسته عن قصيدة النثر: «لا نستطيع ان نحدد قصيدة النثر تحديدا مسبقا، فالشعر لا يخضع لمقاييس مفروضة بشكل قبلي او نهائي»، غير انه يقول في موضع آخر:يجب ان نحدد لقصيدة النثر الخصائص الاتية. ثم يحدد في دراسته تلك القصيدة وخصائصها معتمدا، كما صرح، على اطروحة برنار.

وقد اعطيت هذه القصيدة اهمية كبرى، فاعلنت «النهار»، في زاويتها الادبية، عن جائزة قدرها 500 ليرة لبنانية تمنح لافضل قصيدة نثر.

ويتضح لنا ذلك ايضا عندما نرى، من نحو اول، روزنتال وهو يتبين خصائص الشعر الحديث بالاستناد الى اشهر قصائد ييتس وباوندواليوت، ومن نحو ثان يوسف الخال وهو يتبنى هذه الخصائص التي تبينها روزنتال بوصفها خصائص ينبغي للشعر العربي الحديث ان يتصف بها ويدعو الى ذلك، وهي خصائص ان اجتمعت في شعر ما يكن هذا الشعر كائنا هجينا ملفق التاليف.

وهكذا يفقد هذا النوع من الشعر اهم ميزة تحدث عنها نقاده، وهي العضوية، وهذا النوع من الشعر، يكون، ان اعتمدنا تمييز هربرت ريد بين الشكل العضوي والشكل المجرد، شكلا مجردا ينشد اخضاع المحتوى لبنية محددة من قبل.

لقد راى خطاب «تجمع شعر»، ان كل شعر عظيم هو بالطبيعة شعر مجرداي شعر انساني شامل لا شعر وقائع يومية ((413))، لكن الشعر المتميزالذي نما في سياق حركة مجلة «شعر» هو شعر الوقائع اليومية الصغيرة، المتمثل في شعر محمد الماغوط. ان هذا الشعر يصدر عن تجربة مختلفة، ترى ليس الى عالم الذات المنكفئة الى وعيها والمكتفية به،وانما الى الواقع الحياتي باشيائه وقضاياه وحركته، وبهذا يكون الماغوط منسجما مع مبادى الحداثة الشعرية القائلة باولية التجربة الحياتية الشخصية الفريدة، فيكون الشعر الحديث مضمونا حديثا، انسانا حديثا..

ويرى زراقط ان محمد الماغوط قد فعل ما فعله بودلير وولت ويتمان، على سبيل المثال، فقد كان بودلير، كما قال لافورج، «اول من تحدث عن باريس متناولا مباذلها اليومية، المصابيح الغازية التي تذبذب لهيبها ريح الدعارة، وليس من الممكن فصل بودلير عن القرن التاسع عشر وعن باريس وعن امه...» وعن ظروف الحضارة الغربية التي كانت توشك على الغروب، وولت ويتمان، صدر، في ديوانه «اوراق العشب»، عن سيرة حياته.

وتحت عنوان: طريق الاسهام في الحضارة العالمية،يطرح زراقط السؤال الاساسي، وهو: ان كنت خارج الخاص بك، خارج اختبارك الفردي لحياتك، فكيف تقدم اسهامك الخاص؟ وان كانت حداثتك اومعاصرتك، هي حداثة ابي الحداثة فلان او معاصرته، فماذا تكون اضفت؟

وفي سياق حديثه عن تقليد شعراء «تجمع شعر»، في معظم نماذجهم الشعرية للنماذج الغربية وانبهارهم بها، يقول: ان هذا الانبهار يبلغ درجة التماهي. وظاهرة تعظيم الاخر و«تسفيل» الانا، والسعي الى تقليد هذا الاخر ملحوظة في العالم الثالث على غير مستوى.

اننا، اذ نلمس هذا التقليد، نعيد السؤال: كيف نسهم في الحضارة العالمية؟ وكيف يكون لنا وجود فاعل؟ يجيب د. شارل مالك، ونحن نقدم اجابته بوصفه مفكرا يمت الى «تجمع شعر» بغير صلة: ان ذلك يتم عندما نبدع ما يخصنا، فهذه المنطقة اعطت العالم الاديان والجنس، والشعر العربي سوى الشعر الغربي، انه شعر توق الى الخالق وشهوة، ان ابداع الخاص بنايحقق حضورنا الفاعل في العالم، والتقليد ينتج كائنا مرقعا هجينا لامكان له في العالم.

وحول اشكالية النقد، يقول زراقط: ان النقد لم يقم بمهمته التاريخية((414))، ولم ينهض بها، ولم يتم التمييز بين الجديد حقا وبين الزائف الذي يتزيا بزي الجديد. ولا تزال امام النقد المهمة التاريخية نفسها،وخصوصا بعد ان غزر الانتاج الذي لا يجمع بينه سوى الخروج على الوزن، ويسمى جميعه «قصيدة نثر» (...)، وقد اعطت «قصيدة النثر» في مابعد صفة القداسة، وغاب مفهومها، وصارت تطلق على اي كتابة، تتحررمن الوزن والقافية ونسق البيت الشعري، وهذا ما لم يقله منظرو «شعر»الذين كانوا وراء اطلاقها.

واللافت هنا ان الشاعر الانكليزي ستيفن سبندر يرى ان قصيدة النثرليست شعرا وان تكن قريبة منه، وتكاد تكون معدومة في انكلترالاسباب منها ان الشعر في انكلترا يبقى مرتبطا بحضارته مهما كان ثوريا،فان يكن الامر هكذا في انكلترا، فلم جعل هذه القصيدة، او الكتابة التي تنشر تحت اسمها، وثنا شعريا معاصرا، او حديثا، اليس من الممكن ان يبدع شعراؤنا اشكالهم الشعرية الخاصة!؟ فلم الاصرار على القول: ان هذه الاشكال هي «قصيدة نثر»؟

يرى زراقط ان الاشكالية، هنا، نقدية، فالمفروض ان ينهض النقد بمهماته التاريخية، فيدرس النصوص ويميزها ويتبين الخصائص ويبلورها، ويصنف..

ويختم زراقط دراسته بالحديث عن ريادة الترجمة في مجلة «شعر»، رغم اخفاقاتها احيانا، فقد اثمرت ترجمات شعر على غير مستوى: «تقديم معرفة بالشعر الغربي وشعرائه، وتقديم نماذج شعرية مغايرة للنسق الشعري العربي، ما اسهم في تجاوز هذا النسق...».

ان كتاب «الابداع الادبي العربي - قضايا واشكالات»، هو بحث متعمق في قضايا واشكالات ابداعنا الادبي العربي، كتاب جدي لا يحابي ولايجامل، ولا ينبهر بالاسماء... موسوعي المعرفة، علمي التناول، دليل الباحث والطالب، ممتع لكل قارى مهتم بقضايا ادبنا العربي، ليكون هذاالكتاب دليلا بين يديه، عونا على المعرفة الحقة.

منتدى المنهاج

دراسات قرآنية (2)

المشاركون
* د. فتح الله نجار
* أ. خلاف الغالبي
* الشيخ حيدر حب الله
* نعمة الله الصالحي
* أ. محمود حيدر

النص القرآني وتناقضات الخلاف المذهبي
التحريف انموذجا

د. فتح الله النجار

مدخل يحاول بعض الباحثين اتهام الشيعة بالقول بتحريف القرآن، وهذا اتهام - عندما يقع في جو مدافعة - لا يسفر لا عن تبرئة الشيعة ولا السنة، وانما فقط، وفقط، عن اتهام القرآن نفسه، وتقديم مستمسك غني للمستشرقين وامثالهم للطعن بسلامة هذا الكتاب الالهي المقدس، ومن ثم اسقاطه عن مكانته المعرفية والقيمية التي يمتلكها بجدارة.

وعلى هذا الاساس، نرى من واجبنا البحث في مختلف الاشكاليات التي تمس صيانة القرآن من التحريف والتلاعب، متعالين عن اي نزعة مذهبية محدودة او غرض طائفي بغيض، ومعتقدين بان ذلك هو السبيل الوحيدالذي يخدم التشيع والتسنن، ومن ثم الاسلام كله.

ومن هنا، سوف نتناول، في هذه المقالة، بالنقد والمناقشة الاشكاليات التي اثارها بعض العلماء المسلمين من الداخل الشيعي في هذا المجال،وهو المحدث حسين النوري (رحمه الله تعالى) في كتابه فصل الخطاب مع تقديرنا للجميع واحترامنا لهم، وعبر هذه الطريقة نكون قد اكدنا للجميع اننا لا نوافق على ما ذهب اليه بعض علمائنا من القول بتحريف القرآن، واننا نرى ان ذهاب بعض الباحثين، وعددهم قليل، من علماءالشيعة، الى هذا القول لا يعني اتهام هذا المذهب العظيم به، تماما كماهي الحال مع بقية الفرق الاسلامية.

فصل الخطاب في سطور

كتاب «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الارباب» من مؤلفات الميرزاحسين النوري (ت 1320ه.ق.)، وهو كتاب مرتب على ثلاث مقدمات وبابين، وقد تحدث النوري، في المقدمة الاولى، عن النصوص الواردة في جمع [تاليف]القرآن، وان هذا الجمع مخالف لتاليف مصحف الامام علي، كما تحدث في المقدمة الثانية عن انواع التغيير في القرآن، سواء في ذلك الممكن تحققه او الممتنع كذلك، اما المقدمة الثالثة فذكر الميرزاالنوري فيها جملة من اقوال علماء الشيعة الواردة في مسالة تغيير القرآن وعدمه.

وعقب المقدمات الثلاث، خصص النوري الباب الاول من كتابه لعرض الادلة - وهي اثنا عشر دليل - لاثبات ما توهمه من وقوع التغييروالنقصان في القرآن الكريم، فيما ركز، جهوده، في الباب الثاني، على مناقشة ادلة القائلين بسلامة القرآن من التحريف بعد ذكرها دليلا دليلا.

وقد اورد المحدث النوري، في كتابه، هذا نصوصا عديدة من كتب الفريقين الشيعة والسنة، ففيما ذكر جملة من الروايات المشتركة،كروايات تشابه الامم، ومصحف الامام علي و...، سجل، في هذا الكتاب، نصوصا اختصت بها مصادر اهل السنة كمصحف ابن مسعود، ومصحف ابي بن كعب، والنصوص المتعلقة بكيفية جمع القرآن بعد وفاة النبي(ص)، ونظرية نسخ التلاوة، وجمع عثمان، واختلاف القراءالسبعة او العشرة، والاخبار الدالة - وفاقا لظاهره - على وقوع التحريف... كما تعرض من جهة اخرى لمجموعة من النصوص التي اختصت بها، من ناحية اخرى، مصادر الشيعة من قبيل النصوص التي تذكر اسماء اوصياء خاتم النبيين في الكتب السالفة، والاخبار الدالة على وقوع النقصان والتبديل في القرآن، اما بعمومها او بدلالة نصية صريحة فيها تحدد الموضع الذي وقع فيه التحريف في القرآن الكريم.

وقد انتخب النوري، في كتابه، طريقا لم يسلكه غيره من العلماء،ولذلك، ولما راى انفراده بهذه المزعومات، قال:

«فالمتبع هو الدليل، وان لم يذهب اليه الا القليل... ولا يجب ان يوحش من المذهب قلة الذاهبين اليه، والعاثر عليه، بل ينبغي ان لا يوحش منه...» ((415)).

بيد ان هذا الكلام منه قابل للمناقشة، فكتابه محشو بالروايات الضعيفة، وبتلك المصادر التي لا اسناد لها في الغالب، ومن ثم فلا معنى لقوله «فالمتبع هو الدليل».

نعم، اذا بنينا على اتباع الدليل الواقعي، فالواجب علينا اتباع ادلة القائلين بعدم وقوع التحريف في القرآن، اي تلك الادلة التي ذكرها المحدث النوري نفسه ايضا في الباب الثاني من كتابه، ووقف عاجزا عن الاجابة عنها لقوتها ومتانتها، وكل ما قاله في نقد هذه الادلة المتينة ليس له وزن تحقيقي، بل ان كلامه يناقض بعضه بعضا كما سياتي توضيحه ان شاءالله تعالى في النقاط الاتية:

النقطة الاولى: نظرة اجمالية للاسئلة الاشكالية المثارة واجوبتها
سوف نسعى، في هذه النقطة، الى بيان تلك الاشكاليات التي اثارهاالمحدث النوري مردفينها بمناقشات واجابات موجزة ومقتضبة، مهيبين بالقراء الاعزاء الراغبين في المزيد من التفصيل والتعمق العودة الى الكتب العديدة المختصة بمعالجة قضية التحريف في القرآن الكريم،لا سيما منها تلك المعنية بالرد على كتاب فصل الخطاب نفسه، والتي سنشير الى فهرس بعضها في النقطة الرابعة الاتية ان شاء الله تعالى.

ففي المقدمة الاولى، تحدث الميرزا النوري عن مصحف الامام علي(ع)الذي ورثه الائمة المعصومون(ع)، وقد درسنا هذا المصحف في مكان آخر بشكل مفصل.

اما المقدمة الثانية، فقد تعرض فيها المحدث النوري لانواع التحريف واشكاله مميزا - حسب زعمه - بين اشكال التحريف التي تعرض لها القرآن الكريم وتلك التي كان مصونا منها، يقول الميرزا النوري، في هذا الصدد، ما نصه:

«ان زيادة السورة وتبديلها باخرى امر ممتنع، وزيادة آية على القرآن اوتبديل آية باخرى، هو ايضا منتف باجماع، اما زيادة كلمة، في القرآن، فامر ممكن كزيادة «عن» في قوله تعالى: (يسالونك عن الانفال...).

ونقصان كلمة في القرآن ككلمة «في علي» في كثير من الايات وتبديل الكلمات، مثل تبديل آل محمد، ب آل عمران وتبديل حرف وكنقصان «همزة» من قوله تعالى: (كنتم خير امة...)».((416))

اقول: ان زيادة كلمة «عن» في قوله تعالى: (يسالونك عن الانفال...)، قراءة واردة باجماع الفريقين ((417))، وليست من التحريف في شيء كما زعم النوري، كما انها ليست من وحي الشيطان كما ادعى الدكتورالقفاري وغيره((418))، وزيادة «في علي» او غيره - ان صحت اسانيد النصوص التي جاءت فيها هذه القضية - انما هي من باب الاقراء والتفسير، وبيان النزول، او مورده، كما ان الشواهد على هذا الامر من كتب الفريقين كثيرة هي الاخرى، وسوف نفصل القول ان شاء الله في قضية تبديل آل محمد ب آل عمران، وخير ائمة، بخير امة، وسيرى القارى الكريم ان هذه الحالات لا علاقة لها بما ادعاه المحدث النوري على الاطلاق، بل انها ليست سوى تفسير وبيان لاتم المصاديق، فالقرآن الموجود اليوم ما بين الدفتين هو الذي انزله الله تعالى على رسولنامحمد(ص)، لا يزيد على ذلك ولا ينقص، وذلك للادلة القطعية على سلامته من الدس والتحريف.

اما المقدمة الثالثة، فقد عقدها النوري لذكر اقوال علماء الطائفة في تغييرالقرآن وعدمه.

وقد تبين لنا، من استعراض اقوال علماء الشيعة بنصوصهم الحرفية، في هذا الموضوع، ان الامامية تجمع بعلمائها على القول بصيانة القرآن من التحريف والتزوير، والاشكالية التي وقع فيها المحدث النوري تكمن في نسبته القول بتحريف القرآن الى اصحاب الكتب الروائية والحديثية،وتلك التي تعنى بالتفسير بالماثور، والحال ان مهمة هؤلاء العلماء انماكانت تقتصر على جمع الاحاديث ليس الا، من دون ان تلج غمار البحث في فقه الروايات وعلاج التعارض الواقع في ما بينها و...

من امثال علي بن ابراهيم القمي، ومحمد بن يعقوب الكليني، ومحمد بن ابراهيم النعماني، ومحمد بن مسعود العياشي، وفرات الكوفي و... وبداهة، فان هذا الامر لا يختص بكتب التفسير بالماثور او بكتب الحديث عند الشيعة بخاصة.

وعلى اية حال، فقد تعرض المحدث النوري، في الباب الاول، لما اثاره من اشكاليات وادلة على اثبات ما توهمه من التحريف وهي:

الاشكالية الاولى: تشابه الامم
قال النوري: «ان اليهود والنصارى غيروا وحرفوا كتاب نبيهم بعده، فهذه الامة ايضا لا بد وان يغيروا القرآن بعد نبينا صلى الله عليه وآله، لان كل ماوقع في بني اسرائيل لا بد وان يقع في هذه الامة على ما اخبر به الصادق المصدق صلوات الله عليه...».((419))

والجواب عن ذلك:
اولا: ان هذا الدليل لو تم، لكان دالا على وقوع الزيادة في القرآن ايضا كماوقعت في التوراة والانجيل، ومن الواضح بطلان ذلك.

ثانيا: ان كثيرا من الوقائع التي حدثت، في الامم السابقة، لم يقع مثلها في هذه الامة، كعبادة العجل، وتيه بني اسرائيل اربعين سنة، ومسخ كثير من السابقين قردة وخنازير، وغير ذلك مما لا يسعنا احصاؤه، وهذا ادل دليل على عدم ارادة التشابه في جميع الجهات، فلا بد من ارادته في بعض الوجوه.

ثالثا: يكفي لتشابه هذه الامة في وقوع التحريف في كتابها، عدم اتباعهم لحدود القرآن، وان اقاموا حروفه، اي تفسيرهم له برايهم، كما كانت الحال في التحريف على مستوى العهدين، حيث تم تحريفهما تحريفا معنويا وتفسيرهما تفسيرا على غير وجهه.

رابعا: ان كان المقصود من المشابهة ارادة التشابه في تمام الجهات، اذا، فتلك الروايات مخالفة لادلة سلامة القرآن من التحريف، فلا بد من تاويلها او استثناء تحريف الفاظ القرآن منها .((420))

الاشكالية الثانية: كيفية جمع القرآن
قال النوري: «ان كيفية جمع القرآن وتاليفه [بعد وفاة النبي(ص)]مستلزمة عادة لوقوع التغيير والتحريف فيه...».((421))

ان هذه الشبهة مبنية على صحة الاحاديث الواردة في كيفية جمع القرآن بعد وفاة النبي(ص)، لكن يستفاد من الادلة القطعية والشواهد الكثيرة ان القرآن كان مجموعا ايام حياة النبي(ص) على ما هو عليه الان من الترتيب والتنسيق في آياته وكلماته وحروفه بلا زيادة ولا نقصان ولاتبديل ولا تغيير.

وقد بحث جملة من علماء الشيعة هذا الموضوع، قديما وحديثا، وحققوا ما يتعلق به من الروايات المختصة بجمع القرآن الكريم ايضا((422)).

ونحن نكتفي، هنا، بذكر ما اورده السيد الخوئي في المقام اجمالا،حيث ذكر(رحمه الله) احدى وعشرين رواية من روايات جمع القرآن من صحاح اهل السنة ومسانيدهم. وبعد التفقه فيها، وصل الى هذه النتيجة وهي: ان تلك الروايات متناقضة تناقضا داخليا في ما بينها، وسجل السيد الخوئي اثني عشر موردا من موارد التناقض هذا عند مقايسة بعضها مع بعض، كما لاحظ تعارضها مع الكتاب ومخالفتها حكم العقل والاجماع ((423))، وبعد الاستدلال وتفصيل الكلام في هذه الموارد جميعها، قال(قده) في نهاية المطاف:

«وخلاصة ما تقدم، ان اسناد جمع القرآن الى الخلفاء امر موهوم مخالف للكتاب والسنة والاجماع والعقل، فلا يمكن القائل بالتحريف ان يستدل به على دعواه، ولو سلمنا ان جامع القرآن هو ابو بكر في ايام خلافته، فلاينبغي الشك في ان كيفية الجمع المذكورة في الروايات المتقدمة مكذوبة وان جمع القرآن كان مستندا الى التواتر بين المسلمين، غاية الامر ان الجامع قد دون في المصحف ما كان محفوظا في الصدور على نحو التواتر».((424))

وعليه، تنتفي اشكالية النوري انتفاء موضوعيا بل - كما قال السيد الخوئي نفسه - ان هذه الروايات لو صحت وامكن الاستدلال بها على التحريف من جهة النقص، لكان اللازم على النوري ان يقول بالتحريف من جهة الزيادة ايضا، لان كيفية الجمع المذكور - على حد زعم النوري - تستلزم ذلك، والقول بالزيادة خلاف اجماع المسلمين، كمااعترف به النوري نفسه قائلا: زيادة الاية وتبديلها منتفيان بالاجماع((425))..

الاشكالية الثالثة: منسوخ التلاوة وبطلانها
قال النوري: «ان اكثر العامة وجماعة من الخاصة ذكروا، في اقسام الايات المنسوخة، ما نسخت تلاوتها دون حكمها وما نسخت تلاوتها وحكمهامعا... وحديث ان نسخ التلاوة غير واقع عندنا، فهذه الايات والكلمات لابد ان تكون مما سقطت او سقطوها من الكتاب جهلا او عمدا لا باذن الله ورسوله وهو المطلوب»((426)).

والجواب عن ذلك:
أولا: لا يوجد، في الروايات الخاصة (الامامية)، آية منسوخة التلاوة الاآية الرجم، وهي خبر واحد سندا، معارض للروايات الاخرى متنا.

ثانيا: ان نظرية نسخ التلاوة من دون الحكم، او مع الحكم، سراب لاواقعية له، كما اعترف به بعض علماء اهل السنة قديما وحديثا، وفندها هؤلاء بادلة قويمة، لكن هذا لا يعني ان تلك الايات والكلمات المنسوخة مما سقط او كان سقوطه من الكتاب جهلا او عمدا، بل ان الروايات التي حملت هذه المضامين نفسها ساقطة لا ينبغي الركون اليها، كما حقق في محله.

الاشكالية الرابعة: مصحف الامام علي(ع) ومخالفته لهذا القرآن
قال النوري: «انه كان لامير المؤمنين(ع) قرآنا مخصوصا جمعه بنفسه بعدوفاة رسول الله(ص)... وهو مخالف لهذا القرآن الموجود من حيث التاليف وترتيب السور... ووجود الزيادة فيه من نفس القرآن حقيقة لا من الاحاديث القدسية ولا من التفسير والتاويل...» ((427)).

وبدورنا، ونظرا للاهمية التي تحظى بها دراسة هذا المصحف، والاهتمام الزائد الذي ابداه ويبديه الاخرون ازاءه على صعيد نقد الشيعة وموقفهم منه، عالجنا هذا المصحف وبشكل مفصل في دراسة منفصلة، وخرجنا بنتائج اثبتنا من خلالها الامور الاتية:

أولا: ان اصل وجود هذا المصحف امر ثابت وفاقا لمستندات الطرفين السنة والشيعة ومصادرهما.
ثانيا: ان التفاوت الحاصل ما بين مصحف الامام علي(ع) والمصاحف الموجودة بين ايدينا انما يكمن في ترتيب السور وشرح الايات وتفسيرها.
ثالثا: ان الزيادة الواقعة في مصحف الامام علي(ع) انما هي من نوع التفسير والتاويل ليس الا.
رابعا: ان الشبهات والاتهامات التي اثارها ويثيرها الاخرون في شان هذاالمصحف ليست سوى جهل او عناد.

الاشكالية الخامسة: مصحف عبد الله بن مسعود ومخالفته للمصحف الموجود
قال النوري: «انه كان لعبد الله بن مسعود مصحف معتبر فيه ما ليس في القرآن الموجود مستلزم لعدم مطابقته لتمام ما نزل على النبي(ص) اعجازا...» ((428)).

ثم يذكر المحدث النوري موارد كانت موجودة في مصحف عبدالله بن مسعود، بيد انها غير موجودة اليوم في ما بايدينا من مصاحف، معقبا ذلك بالاقرار بـ: «ان تلك الاخبار اكثرها ضعاف وكون بعضها من طرق اهل السنة»((429)).

أولا: ان اختلاف مصحف ابن مسعود مع سائر المصاحف انما كان في قراءته الزيادة التفسيرية احيانا، وتبديله كلمات غير مالوفة الى نظيراتها المالوفة لغرض الايضاح، وهذه المسالة تصبح مستساغة حينما نرجع الى الابحاث التي تتعلق بمفردات من قبيل «اقراء»، «تنزيل» و«تاويل»، وكذلك حينما نراجع المستندات التي تحكي عن ان الصحابة كانوا يقومون بشرح الايات القرآنية في مصاحفهم - كما يشير اليه ابن الجوزي في قوله: «كانوا [اي الصحابة] ربما يدخلون التفسير في القراءة ايضاحا وبيانا لانهم محققون لما تلقوه عن النبي(ص) قرآنا، فهم آمنون من الالتباس، وربما كان بعضهم يكتبه معه» ((430)) - واذا لم يكن الامركما قلناه آنفا - بل كان الاختلاف على صعيد القرآن نفسه والايات القرآنية - فان هذا الاختلاف الحاصل بين مصحف ابن مسعود وبقية المصاحف يستدعي تجاهل مصحف ابن مسعود نفسه ورده، من دون الاخذ به نظرا الى كونه من اخبار الاحاد، فيما القرآن الذي بين ايدينا انمانقل لنا بالتواتر، وهذا يعني معارضة مصحف ابن مسعود مع الادلة القطعية التي دلت على سلامة القرآن من التحريف.

ثانيا: لقد انكر ابن مسعود - كما يزعم وفاقا لمصادر اهل السنة - قرآنية المعوذتين بزعم انهما معوذتان لا اكثر، ولم يثبت سورة الفاتحة في مصحفه نظرا لكونها عدل القرآن لا منه، لكن ذلك منه لا ينم عن قصدلتحريف الكتاب، بل ان الامامية متفقون على بطلان موقفه هذا على كل حال.

الاشكالية السادسة: مصحف ابي بن كعب ومخالفته للمصحف الموجود
قال النوري: «ان هذا المصحف الموجود غير شامل لتمام ما في مصحف أبي بن كعب، فيكون غير شامل لتمام ما نزل اعجازا لصحة ما في مصحف أبي واعتباره» ((431)).

حصيلة ما اثاره المحدث النوري، هنا، هو:
أ
ولا: ان هذا المصحف الموجود غير شامل لتمام ما في مصحف أبي بن كعب.
ثانيا: ان ما في مصحف أبي معتبر.

لقد اشتمل مصحف اءبي على دعاءي القنوت، وقد حسبهما سورتين، سورة الخلع وسورة الحفد، وكانت له زيادات تفسيرية وقراءات واردة على غرار زيادات مصحف ابن مسعود، وهذا معناه ان هذه الزيادات لاتشكل دليلا على ان ما في مصحفه من سنخ ما نزل اعجازا والا - كماقلنا في ما يتعلق بمصحف ابن مسعود - فاذا لم نتمكن من تقديم تاويل وتسويغ لهذا الاختلاف الموجود ما بين مصحف ابي والمصحف الموجود بين ايدينا اليوم، فان ذلك يشكل دليلا على بطلان مصحف ابي نفسه، ذلك انه مصحف ثبت بخبر الواحد، ومن ثم فهو يعارض الادلة القطعية الدالة على صيانة القرآن من التحريف والتزوير.

اما قول المحدث النوري بان ما في مصحف اءبي معتبر، فهو كلام قابل للمناقشة من حيث تعارضه مع المنقول عن اهل البيت(ع) من امرهم بالقراءة المشهورة المتداولة بين الناس، حيث قالوا: «... اقرا كما يقراالناس» ((432)) و«اقرءوا كما علمتم» ((433))، وعليه فلا حجة للنوري على ما ادعاه.

الاشكالية السابعة: جمع عثمان بن عفان وتمزيق سائر المصاحف
قال المحدث النوري: «ان ابن عفان، لما استولى على الامة، جمع المصاحف المتفرقة، واستخرج منها نسخة باعانة زيد بن ثابت... واحرق ومزق سائر المصاحف... مما لزم منه سقوط بعض الكلمات والايات...»((434)).

ان الروايات التي تحدثت عن جمع عثمان للمصاحف المتفرقة باعانة من زيد بن ثابت، وعن قيامه بتمزيق المصاحف الاخرى واحراقها، ومن ثم اسقاط بعض الاشياء منه، وقول عثمان بوجود الخطا واللحن في المصحف الموجود... جميعها روايات مدرجة في مصادر اهل السنة،وهي باجمعها لا اعتبار لها، وان اوردت في مصادر وكتب معتبرة في حدنفسها! كيف يمكن لعالم منصف واعتمادا على مثل هذه الروايات ان يحتمل وقوع التحريف من طرف عثمان، والحال كما يقول السيدالمرتضى (تر 436) احد قدماء الامامية:

«اذا جاز في ما اداه النبي(ص) نيفا وعشرين سنة وتداوله الناس ونشروه ان يتم فيه لعثمان النقص والحذف، جاز ذلك في ما جمعه عثمان نفسه،وهذا حد لا يبلغ اليه محصل» ((435)).

أو كما قال من المتاخرين السيد الخوئي(رحمه الله):
1 ـ «لان الاسلام انتشر في زمان عثمان، على نحو ليس من امكان عثمان ان ينقص من القرآن شيئا، ولا في امكان من هو اكبر شانا من عثمان.
2 ـ ولان تحريفه، ان كان للايات التي لا ترجع الى الولاية، ولا تمس زعامة سلفه بشيء، فهو بغير سبب موجب وان كان للايات التي ترجع الى شيء من ذلك فهو مقطوع بعدمه، لان القرآن لو اشتمل على شيء من ذلك وانتشر بين الناس لما وصلت الخلافة الى عثمان.
3 ـ ولانه لو كان محرفا للقرآن لكان في ذلك اوضح حجة واكبر عذر لقتلة عثمان في قتله علنا، ولما احتاجوا في الاحتجاج على ذلك الى مخالفته لسيرة الشيخين في بيت مال المسلمين والى ما سوى ذلك من الحجج.
4 ـ ولكان من الواجب على الامام علي(ع)، بعد عثمان، ان يرد القرآن الى اصله... ولكان ذلك ابلغ اثرا في مقصوره واظهر لحجته على الثائرين بدم عثمان ولا سيما انه(ع) قد امر بارجاع القطائع التي اقطعها عثمان((436)).

... هذا امر علي(ع) في الاموال، فكيف يكون امره في القرآن لو كان محرفا فيكون امضاؤه(ع) للقرآن الموجود في عصره دليلا على عدم وقوع التحريف فيه...» ((437)).

ثم قال السيد الخوئي في نهاية المطاف:
«نعم لا شك ان عثمان قد جمع القرآن في زمانه، [لكن] لا بمعنى انه جمع الايات والسور في مصحف، بل بمعنى انه جمع المسلمين على قراءة امام واحد واحرق المصاحف الاخرى التي تخالف ذلك المصحف» ((438)).

ومن وجهة نظرنا، فان الدافع الذي حدا بعثمان لتوحيد المصاحف، لم يكن اختلافا في متن آيات الوحي المنزل، اذ ان الايات كانت متواترة،وانما الاختلاف في تفسيرها، حيث سجل كل واحد من الصحابة في مصحفه احيانا ما سمعه في محضر رسول الله(ص) وما رزقه من التوفيق في السماع منه، وبناء عليه فما اقدم عليه عثمان لم يكن سوى طرح ما زاد على القراءات المعروفة عن النبي(ص) والقاء التاويلات التي كانت موجودة في المصاحف لا النص القرآني نفسه.

الاشكالية الثامنة: الاخبار الكثيرة التي رواها اهل السنة في كتبهم
قال النوري: «الاخبار الكثيرة التي رواها المخالفون زيادة على ما مر في المواضع السابقة، الدالة صريحا على وقوع التغيير والنقصان في المصحف الموجود...» ((439)).

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية