الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

خامسا: رغم جميع المحاولات التي بذلها البحراني، غير ان النتيجة التي خرج بها تكاد تكون غريبة وغير متوقعة، وهذه النتيجة هي التي سمحت لنا اعتبار البحراني بداية التراجع الاخباري هنا، لقد صرح البحراني بانه يتبنى تماما الموقف الذي كان الطوسي قد شاده في مقدمة التبيان، وهوالتقسيم الرباعي الذي اسلفنا الحديث عنه، فيراه «الصحيح والمذهب الحق».((637))

ورغم البداية الهجومية المندفعة للبحراني في قوله: ان نصوص المنع اكثر واصرح، ما يعني انها لا تجتمع وانما تريد من يحكم بينها لصالح احدها، الا انه يرى ان مقولة الطوسي هي القادرة على جمع الاخبارجميعها، بل هي عنده «وسط بين ذينك القولين، وخير الامور اوسطها»((638)).

ويطابق كلام البحراني كلام الشيخ الاخباري نعمة الله الجزائري،حيث يذهب - في كتابه منبع الحياة - الى تاييد كلام الطوسي وترجيح كلام الاصوليين على الاخباريين صراحة((639)).

واذا ما رجعنا بالذاكرة الى نظرية التبيان وجدناها قريبة بل مطابقة لما تقوله المدرسة الاصولية، وهذا معناه ان البحراني الذي كان قد عد موضوع الظهور القرآني اهم الفروق بين المدرستين عاد وطابق المدرسة الاصولية، ما يدفعنا الى التوقف والاستغراب قليلا.

هل كان البحراني متناقضا في بداية كلامه ونهايته؟ كيف يدافع عن مقولة الاخباري ثم يؤيدها بعد صفحات؟ ان مسلسل بحثه هذا متطابق في كتابيه «الدرر النجفية» و«الحدائق»، ما يبعد اي احتمال في السهو او الغفلة عنه، فكيف يمكننا فهم كلامه؟ هل كان الطوسي، وفاقا لتقسيمه الرباعي، اخباريا ام ان اصوليي العصر الحديث اقل افراطا في استخدام العقل من اتباع المدرسة الاصولية ما قبل الاخبارية؟!

اسئلة سوف نعود اليها في نهاية حديثنا عندما نجيب عن سؤال: هل كان هناك فرق حقيقة بين الاخباري والاصولي في موضوع مرجعية النص القرآني؟

وعلى اية حال، وبهذه المتابعة التاريخية، لاحظنا كيف تولدت فكرة هدم الظهور القرآني لصالح فكرة «السنة فقط»، وكيف تطورت ونمت لتبلغ، في نهاية المطاف، مرحلة توافقية في مدرسة الاصول العقلانية، ولن يكون بامكاننا مراجعة آثار هذا المشروع الاخباري حتى عصرنا الحاضر الا اذا رصدنا تطورات رد الفعل الاصولي على هذا المشروع، حينذاك يكون بالامكان الخروج بحصيلة عن المسار التاريخي لنظرية «السنة فقط»، ونقدر حينئذ على الجواب عن السؤال المذكور اعلاه.

التفسير الرمزي: التكون والنشوء
نظرة الى نفوذ الاسرائيليات في مصادر الحديث والتفسير

ا. نعمة الله الصالحي

تمهيد

انتشر التفسير الرمزي الذي اجراه كعب الاحبار في جميع الاصقاع، وذلك بفضل دعم الخلافة لافكاره وتبنيها الترويج لها على عهد عمر وعثمان ومعاوية. وقد كانت آراؤه تطرح في الاوساط العلمية، بوصفه شخصية علمية كبيرة ومرموقة، تتداول اسمه الالسنة، وتدون له الاراء.

وسوف نتعرض، في هذه المقالة، الى دراسة منهج كعب الاحبار في التفسير بالطريقة المشار اليها، ولكن قبل البدء بذلك نستعرض لمحة من حياته وسيرته للتعرف الى شخصيته:

من هو كعب الاحبار؟

1 ـ هو كعب بن مائع (او ماتع) الحميري، وكنيته ابو اسحاق. كان مسكنه في اليمن، ثم قدم المدينة على عهد ابي بكر او عمر، وقد كان آنذاك في الثمانين من عمره، فسكن المدينة، ثم توجه بعد ذلك الى الشام، فاقام في حمص الواقعة بين دمشق وحلب، وتوفي فيها سنة 32 او 34هجرية، عن عمر يزيد على المئة سنة ((640)).

2 ـ لقد استطاع كعب الاحبار، بوصفه احد علماء اليهود - ولتجربته الكبيرة والغنية بالاضافة الى تطوافه في البلاد وكثرة اسفاره - ان يعتمدعلى علمه وتجربته في استقطاب ثقة السلطة، وان ينال موقعا ممتازاومنزلة خاصة لدى الخلفاء، ما زاد في شهرته الاجتماعية.

3 ـ كان كعب يعلم ان مدحه للخليفة سوف يزيد من قربه اليه، ولذا نجده يروي للخليفة الثاني: انا قد وجدنا في كتبنا انك تستشهد ((641)). فكان لمثل هذا الكلام الذي يسنده الى كتب اليهود اثره في زيادة نفوذه لدى الخليفة وفي المجتمع الاسلامي.

4 ـ لقد بلغ استقطاب كعب الاحبار لثقة الخليفة الثاني حدا انه كان يستشيره في القضايا السياسية، حتى نجده يستشيره في تولية الامام علي(ع) من بعده للخلافة، فيجيبه كعب: انه لا يصلح، انه رجل متين الدين، لا يغضي على عورة، ولا يحلم على زلة.. وليس هذا من سياسة الرعية ((642)).
ولهذا ذكر المؤرخون ان كعب الاحبار كان منحرفا عن علي(ع) - ((643)).

5 ـ كما انه كان مقربا من الخليفة الثالث ايضا، وكان الخليفة هذا يقدم رايه على راي ابي ذر.
فقد سال عثمان يوما جماعة كان فيهم كعب الاحبار وابوذر: ايجوز للامام ان ياخذ من المال شيئا قرضا، فاذا ايسر قضى؟ فقال كعب الاحبار: لا باس بذلك، فرد عليه ابو ذر: يابن اليهوديين، اتعلمنا ديننا؟! فقال عثمان: قد كثر اذاك وتولعك باصحابي، الحق بالشام، فاخرجه اليها((644)).

6 ـ لقد كان معاوية - وهو والي الشام - داعما لكعب الاحباردعما مطلقا ساعيا في بث افكاره وامتداح شخصه، ومن جملة ثنائه عليه قوله: ان كعب الاحبار احد العلماء ((645)).

7 ـ لم يكن كعب يتورع عن الكذب ما اقتضت المصلحة ذلك، وقد كان كذبه ذائعا ومسلما به، حتى وصفه الامام علي(ع)بقوله: «انه لكذاب».((646))

8 ـ لقد كان موقف الحكومة - آنذاك - الداعم لاكاذيب كعب الاحبارسببا وراء انتشار هذه الاكاذيب بين المسلمين بشكل سريع وواسع. فمماحدث به كعب: «ان الكعبة تسجد في غداة كل يوم لبيت المقدس»،وذلك لتفضيل بيت المقدس، وهو قبلة اليهود - حيث كان كعب قدقضى اكثر عمره يهودي - على الكعبة. وقد اخذ هذا الحديث ماخذاجديا وصدقه المسلمون على ذلك، حتى ان شخصا - كما في حديث صحيح - جاء بعد سبعين سنة من وفاة كعب الى الامام الباقر(ع) لينقل له قول كعب هذا في الكعبة وبيت المقدس ويساله عنه، فقال له الامام الباقر(ع): «فما تقول في ما قال كعب؟».
فقال: صدق، القول ما قال كعب، فقال ابو جعفر(ع): «كذبت، وكذب كعب الاحبار معك»، وغضب ((647)).

9 ـ ان كذب كعب كان واضحا للعيان حتى قال عنه معاوية الذي كان يدعمه ويحميه: «كنا لنبلوا عليه الكذب» ((648)).
ومن هنا، فلا ينبغي الشك - عندما يذعن معاوية ويعترف بكذبه - في سقوط احاديثه وسقم نقوله التاريخية، خصوصا في تفسيره للقرآن الكريم، فالاصل في ذلك، سيما في ما يرتبط بتاريخ الانبياء، البناء على الكذب ما لم يشهد له دليل آخر بصدقه.

10 ـ كان كعب الاحبار يسعى الى بث المعتقدات اليهودية بين المسلمين، كالقول بامكان الرؤية الله سبحانه، فانه من الاعتقادات اليهودية التي دسها كعب في عقائد المسلمين، حيث انهم - اي اليهود - ينقلون ان الله سبحانه أصيب يوما بوجع في عينيه فعادته الملائكة((649)).

وقد شاعت فكرة رؤية الله بين المسلمين حتى قال كعب الاحبار: ان الله عز وجل قسم كلامه، ورؤيته، بين موسى ومحمد(ص)، فكان لموسى الكلام معه، وكان لمحمد(ص) رؤيته بعينيه ((650)). وعليه، فان فكرة التجسيم المنافية لروح الاسلام - التي قد ذهب اليها بعض المسلمين فقالوا: ان الله يدا ورجلا وجسما وعينا واءذنا - قد شاعت في الوسط الاسلامي عن طريق كعب الاحبار وامثاله.

كانت تلك لمحة عامة عن حياة عالم يهودي اسلم، او اعلن اسلامه، في الثمانين من عمره، ولانه كان مقربا من الخلافة، فقد اتيح له ان يبث طوال عشرين عاما كل ما يريد في تفسير القرآن الكريم وتاريخ الانبياء، ومن ذلك نقل الاحاديث الكاذبة وترويج العقائد الباطلة، فكان لنشاطه هذادور تخريبي في فكر المسلمين وعقائدهم وثقافتهم، ولا تزال كتب المسلمين لم تهذب من افكاره واكاذيبه.

شيوع التفسير الرمزي الذي اجراه كعب الاحبار في المجتمع الاسلامي

لقد كان تفسير كعب الرمزي عبارة عن تفسير «الباء» في (بسم الله) ببهاء الله، و«السين» بسنائه، و«الميم» بملكه. وقد كان من الطبيعي ان يعمل اعلام الخلافة لصالح آرائه ونشرها بعد ان استطاع كسب ودها وتاييدها له. ومن هنا فقد شاع تفسيره ل - (بسم الله) في المجتمع الاسلامي،بوصفه رايا مقبولا، يدرس في المدارس لمتعلمي القرآن وتفسيره.

وثمة عامل لا ينبغي الغفلة عنه ساعد في نشر افكاره وآرائه، الا وهوبساطة عامة الناس وتلقيهم لاراء كعب، في التفسير الرمزي والحروفي،على انها كشف علمي جديد.

ففي تلك المرحلة التي لم يحسن فيها الكتابة والقراءة الا قلة قليلة جدامن المسلمين - بل حتى المتعلمين منهم كانوا سطحيين ولم يكونواذوي درجة من العمق - عندما يبلغهم عن شيخ من علماء اليهود انه يفسر الباء في (بسم الله) بمعنى بهائه، والسين بسنائه، والميم بملكه،فان طراوة هذا الكلام وحداثته بالنسبة لهم تشكل سببا في انجذابهم اليه،وكانه كشف جديد، فيخيل اليهم ان مثل هذا العالم الخبير - وهو موضع ثقة الخلافة - وقد وجد ذلك في الكتب السماوية وفي كتب الانبياء السابقين.

فالبسطاء من الناس لا يلتفتون الى ان الحرف لو جاء وحده، وبمعزل عن تركيب الكلمة، فانه لا يدل على شيء، فحرف الباء - مثل - لم يوضع لمعنى لوحده، فهو مادة اولية اذا اجتمعت مع غيرها من الحروف اصبح لها معنى ما. فالباء لو اضيفت الى القاف واللام لوجد لها معنى وهوبقل، كما انها لو دخلت على زيد، في «مررت بزيد»، كان لها معنى متصل غير مستقل، وهو المعنى الحرفي الذي يقابل المعنى الاسمي، الا ان هذاالمعنى الربطي نفسه الحاصل للباء انما يتبلور في ما لو دخلت على الكلام لا فيما اذا كانت مجردة لوحدها. ففي كلمة «بسم الله» نفسها نرى ان لها معنى حرفيا رابطا له متعلق مقدر ولا معنى لها في نفسها.

فلو كان كعب الاحبار يريد من حرف الباء - في بسم الله في حالته المركبة - بهاء الله، ومن السين سنائه، ومن الميم ملكه، لم يكن تاما، وذلك لان حرف الباء اذا كان في حالته التركيبية، فان له معنى حرفيا رابطاوليس معنى اسميا، فلا يوجد للسين او الميم معنى مستقل.

وان كان يقصد بهذا التفسير امرا غير مطابق لقواعد اللغة العربية، كما لو كان يقصد به العلوم الغريبة والرموز الغيبية والملكوتية العالية، فهذا لايعدو ان يكون نسجا من الخيال لا يبعد صدوره من شخص كذاب مثل كعب الاحبار.

وعليه فتفسير (بسم الله)، بطريقة الرمز، لكعب الاحبار، مما لا يتفق والقواعد والمعايير العلمية والادبية والمنطقية، ولا يمكن الاخذ به وقبوله، ولا بد من تصنيفه في الاسرائيليات الداخلة في الثقافة الاسلامية التي يجب تهذيبها وتنقيتها منها.

الضحاك بن مزاحم والتفسير الرمزي لكعب الاحبار

تقدم ان ما يذكره كعب الاحبار، في تفسير القرآن، وتاريخ الانبياء، والعقائد وغير ذلك من المسائل، سرعان ما كان ينتشر ويذيع في الاوساط العلمية وبين المتعلمين، وذلك بفضل مساندة الخلافة وموقفهاالمؤيد له. فكان من الطبيعي ان يكتب لارائه البقاء بعد موته، وان تنتقل عن طريق التعليم الى الاجيال القادمة.

ففي الوقت الذي كان، فيه، اهل البيت(ع) في قمة الانزواء والعزلة، كان امثال كعب الاحبار، ووهب بن منبه، يتصديان لامر التعليم ونشر الثقافة الاسلامية في المجتمع، وكان من الطبيعي ان تنساب آراء كعب في القلوب والعقول، وتنتقل من قبل معلمي القرآن وتفسيره الى المتعلمين له في رقعة واسعة من بلاد الاسلام. ومن هنا نجد ان تفسيره الرمزي لـ(بسم الله) بقي متداولا بعد وفاته سنة (32 او 34 هجرية) لاعتماده في المنهج التعليمي لتفسير القرآن. ومن جملة اولئك المفسرين الضحاك بن مزاحم الخراساني، فقد كانت مدرسته واسعة جدا، تضم مايقارب ثلاثة آلاف شخص من المتعلمين لتفسير القرآن وقراءته، حتى قيل: انه كان يمتطي مركبه ليدور على حلقات الدرس في مدرسته((651)). وقد سعى الضحاك بن مزاحم - المفسر الذي تنقل مصادرالتفسير آراءه بكثرة - الى طرح تفسير كعب الاحبار ل(بسم الله)، بوصفه قولا مقبولا لدى تلامذته من دون ان يصرح بنسبته الى كعب((652)).

لقد تبنى كعب الاحبار هذا التفسير الرمزي ل(بسم الله) في القرن الاول الهجري، والقاه الضحاك بن مزاحم (المتوفى سنة 105 او 106 هجرية)((653)) على تلامذته في اواخر القرن الاول وبدايات القرن الثاني الهجري، وكتب ذلك واثبته بوصفه رايا له، وبذلك انتقل قول كعب الاحبار الى القرن الثاني عن طريق الضحاك بن مزاحم بوصفه رايا له.

تسرب التفسير الرمزي لكعب الاحبار الى المصادر الحديثية

ما ان دخل القرن الثاني الهجري، حتى اخذ الكذبة ما نسجه كعب الاحبارلينقلوه في صيغة الرواية، فاختلقوا سندا ينتهي الى النبي(ص) لياخذ طريقه الى كتب اهل السنة.

نقل الطبري، في تفسيره الكبير، جامع البيان، في هذا الشان، حديثا قال فيه: «... حدثنا اسماعيل بن الفضل، قال: حدثنا ابراهيم بن العلاء بن الضحاك، قال: حدثنا اسماعيل بن عياش، عن اسماعيل بن يحيى عن ابن ابي مليكة، عمن حدثه، عن ابن مسعود، ومسعر بن كدام، عن عطية،عن ابي سعيد - الخدري - قال: قال رسول الله(ص): «ان عيسى بن مريم اسلمته اءمه الى الكتاب ليعلمه، فقال له المعلم: اكتب بسم، فقال له عيسى: وما بسم؟ فقال له المعلم: ما ادري، فقال عيسى: الباء: بهاء الله، والسين: سناؤه، والميم: مملكته» ((654)).

وقد نقل السيوطي هذا الحديث في الدر المنثور ((655)) عن ستة من علماء اهل السنة هم: ابن جرير، وابن عدي، وابن مردويه، وابو نعيم،وابن عساكر، والثعلبي. ثم ذكر ان سنده ضعيف جدا.

وضعفه لوجود اسماعيل بن يحيى، وقد ذكر الذهبي نسبه قائلا:اسماعيل بن يحيى بن عبيد - الله بن طلحة بن عبدالله بن عبد الرحمن بن ابي بكر الصديق، ابو يحيى التيمي ((656)).

واسماعيل بن يحيى هذا، مجمع على كذبه ووضعه وسقوطه وعدم الاعتماد على نقله. وقد قال عنه علماء الرجال: انه كذاب مجمع على تركه وسقوط روايته ووضعه الحديث وان كل ما ينقله هو كذب، وانه ركن من اركان الكذب والوضع على السنة الثقات من الرواة، وانه يروي كذبا عن مالك وسفيان الثوري، وانه لا تجوز روايته.

وذكر الذهبي وابن حجر العسقلاني، في اسماعيل بن يحيى، انه يروي الاباطيل عن ابن جريج ومسعر، ثم نقلا عنه ما نقلناه سابقا - الذي رواه اسماعيل بن يحيى عن مسعر، ثم قالا عنه: انه حديث باطل((657)).

وهكذا نلاحظ كيف ان مثل هذا التفسير السقيم بالرمز لبسم الله قداخترعه ذهن كعب الاحبار، وهو تفسير اسرائيلي من دون شك، ثم كيف انتقل الى القرن الثاني الهجري عن طريق اسماعيل بن يحيى الكذاب - من نسل ابي بكر - ليلبسه لباس الخبر والحديث، بسند مختلق، ولكن هذه المرة على لسان نبي الله عيسى بن مريم(ع)، الامر الذي لم يتفوه به هذا النبي العظيم، ولكن ارادة الوضاعين شاءت ان تحكم وتثبت التفسير الرمزي الذي اخترعه كعب، فنسبوه الى نبي من اولي العزم.

وهنا لنتوقف - هنيهة - لنسال: من هو واضع هذا الحديث، مع ان عيسى بن مريم قد بلغ مرتبة النبوة وهو في المهد؟ فهل ارادت امه من ارساله للتعلم الانتقاص من ولدها، او انها ارادت اظهار عجز معلمه وجهله؟ وهل ان انتقاص عيسى او الخدشة بمعرفة المعلم ومنزلته امرسائغ ومشروع؟ قد يقال: انها لم تقصد لا هذا ولا ذاك، ولكنها ارادت التسلي بذلك، فكانت الاداة في تسليتها عيسى ومعلمه!

ولو قطعنا النظر عن ذلك، فان اللغة التي كان عيسى ينطق بها ليست العربية، بل هي اما العبرية او السريانية، فهل حاور معلمه وكلمه بالعربية او انه كلمه بلغته ولسانه، ولكن واضع الحديث ترجمه الى العربية ليكشف للاءمة الاسلامية سرا خفيا في تفسير (بسم الله)؟!

التفسير الرمزي لكعب الاحبار في احاديث الشيعة

ورد تفسير كعب الاحبار الرمزي لـ(بسم الله) - وللاسف - في كتب احاديث الشيعة بصورة الرواية، الا انه لم يرد في حديث صحيح السند،كما سنلاحظ ذلك عند ذكر هذه الاحاديث:

الحديث الاول: روي، في اصول الكافي، الحديث الاتي: عدة من اصحابنا عن احمد بن محمدبن خالد، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن عبدالله بن سنان، قال: سالت ابا عبدالله(ع) عن تفسير(بسم الله الرحمن الرحيم)؟ قال: «الباء: بهاء الله، والسين: سناء الله،والميم: مجد الله». وروى بعضهم الميم ملك الله.. ((658)).

وجاء هذا الحديث ايضا في توحيد الصدوق ((659))، وفي كتاب المحاسن للبرقي ((660))، وقد ذكر العلامة المجلسي في شرح هذاالحديث انه ضعيف السند((661))، ومراده انه ضعيف لوجود القاسم بن يحيى في السند.

وقال العلامة المامقاني انه قد ضعفه من علماء الرجال كل من ابن الغضائري، والعلامة الحلي، وابن داود ((662)).

وعليه، فعندما يضعف خمسة من علماء الرجال يحيى بن القاسم، في حين لم يوثقه حتى شخص واحد منهم، فمن البديهي الا يعتمد على حديثه. فانه من الممكن ان يضع الراوي الضعيف حديثا، ويخترع له سندا من الرواة ويسنده الى المعصوم، والقاسم بن يحيى بناء على ما ذكره علماء الرجال - هو من هذا القبيل.

نعم، ورد في معجم رجال الحديث، ان القاسم بن يحيى ثقة لوقوعه في سند الحديث الاول من كامل الزيارات، وحيث ان ابن قولويه قد ذكر، في مقدمة كتابه، انه يرويه عن ثقات اصحابنا (رحمهم الله)، فهذا في نفسه توثيق عام لجميع الرواة، فيكون القاسم بن يحيى مشمولا لهذا التوثيق العام، فهو من الثقات والمعتبرين ((663)).

ولكن ينبغي ان يعلم ان مراد ابن قولويه، من عبارة «ثقات اصحابنارحمهم الله» - في مقدمة كتابه (الصفحة 4) - مشايخه المباشرون الذين ينقل عنهم بلا واسطة، فان في من يروي عنه في هذا الكتاب من غير الثقات او من غير رواتنا. ومن الواضح ان غير رواتنا لا يمكن ان يعبرعنهم ابن قولويه بـ«اصحابنا»، كما انه لا يمكن ان يترحم على غيرالثقات من غير رواتنا. فاتضح ان ترحمه على خصوص مشايخه المباشرين في كتابه لا جميع رواته. والقاسم بن يحيى ليس من مشايخه المباشرين، فلا يشمله هذا التوثيق فيبقى التضعيف الصادر من علماءالرجال الخمسة المتقدمين بحاله ولا معارض له.

هذا، اضافة الى انه قد نقل عن السيد الخوئي (قده) انه قد عدل عن هذا الراي ((664))، وقد اشار اليه في المجلد (24) من المعجم.

الحديث الثاني: ما رواه الشيخ الصدوق في التوحيد بهذا النحو: حدثنا محمد بن الحسن بن احمد بن الوليد(رحمه الله) قال: حدثنامحمدبن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف، عن صفوان بن يحيى،عمن حدثه، عن ابي عبدالله(ع) انه سئل عن (بسم الله الرحمن الرحيم)، فقال: «الباء: بهاء الله، والسين: سناء الله، والميم: ملك الله»((665)).

وهو مرسل: لعدم العلم بمن يروي عنه صفوان بن يحيى، فالحديث ساقط لاحتمال الكذب في من يروي عنه، وذلك لان صفوان بن يحيى ينقل عن بعض الكذابين كابي جميلة((666)).

 وهكذا نلاحظ ان ما ذكره كعب الاحبار، من تفسير بالرمز للبسملة، قد ورد بصيغة الخبر المسند روايته الى الامام الصادق(ع)، فيكون هذا التفسيرالمخترع لكعب قد انتقل من محيط اهل السنة وكتبهم الى مصادر الشيعة ورواياتهم.

اختلاط احاديث اهل السنة باحاديث الشيعة

ثمة شواهد تدل على نقل رواة اهل السنة ورواة الشيعة، بعضهم عن بعض، بما يؤدي الى اختلاط الاحاديث وعدم تمايزها. فالحديث السني المصدر ينسب الى الشيعة، بحيث لا يمكن تشخيص انه من اهل السنة،وكذا العكس. فقد نقل الفضل بن شاذان ان اباه سال محمد بن ابي عميرقائلا: انك قد لقيت مشائخ العامة فكيف لم تسمع منهم؟ فقال: قدسمعت منهم، غير اني رايت كثيرا من اصحابنا قد سمعوا علم العامة وعلم الخاصة، فاختلط عليهم حتى كانوا يروون حديث العامة عن الخاصة وحديث الخاصة عن العامة، فكرهت ان يختلط علي، فتركت ذلك واقبلت على هذا ((667)).

وكلام ابن ابي عمير دال على كثرة استفحال هذه الظاهرة لدى الرواة، لا ان ذلك على نحو الندرة او الاستثناء. والذي نراه، في الحديثين السابقين،انهما من هذا القبيل، فالاصل فيهما هو حديث اهل السنة، وقد اخذوه من كعب الاحبار، وقد اختلط باحاديثنا عمدا او بغير عمد، ونسب الى رواتنا.

التلاعب باسم الجلالة (الله)

ورد، في ذيل الحديث الثاني المار الذكر: ... قال: قلت: الله؟ قال: «الالف: آلاء الله على خلقه من النعيم بولايتنا، واللام: الزام الله خلقه ولايتنا».قلت: فالهاء؟ قال: «هوان لمن خالف محمدا وآل محمد(ص)...»((668)).

والذي يبدو ان المنشى لهذه العبارات قد بدا، في مخيلته، ان يتلاعب باسم الجلالة، فسعى جاهدا الى الربط بين كل حرف من حروفه وولاية اهل البيت(ع). ومن هنا فقد ذكر: ان الالف اشارة الى نعم الله التي يراد بهاولاية اهل البيت(ع)، واللام فيه اشارة الى الزام الله خلقه ولاية اهل البيت(ع) ومراده ان اللام في «الله» اشارة الى اصل مادة الالزام اي اللزوم، ويقصد باللزوم الالزام، وهو الزام الخلق بولاية اهل البيت(ع)، والهاء اشارة الى هوان المخالفين.

فمخترع هذه الالفاظ وواضعها لم يجد لفظا مناسبا يبتدى بالالف بحيث ينسجم ويرتبط بولاية اهل البيت(ع)، فالتجا الى وضع لفظ «آلاء» وهي صيغة جمع للنعمة، ثم فسر صيغة الجمع هذه بالمفرد اي النعمة، ثم فسر النعمة بولاية اهل البيت(ع).

ثم بحث، فلم يجد لفظا يبتدى بالهاء يربطه بولاية اهل البيت(ع)، فاضطرالى وضع كلمة «الهوان» وربطها بشكل غير مباشر بولايتهم.

اننا نلاحظ مقدار التكلف في هذه العبارات العارية عن الفصاحة، ونلاحظ ايضا مقدار التكلف في تحميل هذه المعاني - التي تتحدث بلغة الرمز - على لفظ الجلالة مما يشمئز منها طبع كل قارى وذوقه.

اننا لو رجعنا الى وجداننا عندما نناجي الله سبحانه ونقول: يا الله... فهل تخطر في اذهاننا مثل هذه المعاني المخترعة، بحيث يطلب الانسان حاجته منها؟! فهل يعني هذا الاختراع للمعاني غير التلاعب باسم الجلالة، بل وحتى المساس به وتقليل الشان من حيث لا يعلم بذلك من يدعي مثل هذه المعاني؟

لا شك في ان مثل هذا الصنيع هو من وحي الخيال والوهم، وهو بعيدكل البعد عن الحقيقة والواقع، فهو اما من جهل الاصدقاء او مكيدة من مكائد الاعداء. وقد ورد في حديث عن الامام الرضا(ع)انه قال: «... ان مخالفينا وضعوا اخبارا في فضائلنا وجعلوها على ثلاثة اقسام: احدهاالغلو، وثانيها التقصير في امرنا، وثالثها التصريح بمثالب اعدائنا، فاذاسمع الناس الغلو فينا كفروا شيعتنا ونسبوهم الى القول بربوبيتنا، واذاسمعوا التقصير اعتقدوه فينا، واذا سمعوا مثالب اعدائنا باسمائهم ثلبونا باسمائنا...» ((669)).

ومن المحتمل قويا ان مثل هذا التلاعب بتفسير اسم الجلالة، تحت غطاء المدح لاهل البيت(ع)، هو من صنع اعدائهم ومن مصاديق الحديث السابق، وان من وراء ذلك هدفا سياسيا.

كما يحتمل ان يكون من وضع صديق ابله تصور انه اذا اخترع لكل حرف من حروف اسم الجلالة معنى، فانه قد جعل فضيلة لاهل البيت(ع)،ليصل الى ان كل شيء ينتهي الى ولاية اهل البيت ويرتبط بها حتى اسم الجلالة!

ومما ينبغي ان يعلم ان الاحاديث المعتبرة والموثقة في فضائل اهل البيت(ع) قد بلغت حدا من الكثرة تكفي المحبين والموالين لهم(ع)،وتغنيهم عن مثل هذه الموضوعات، فليراجع شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني، واثبات الهداة للشيخ الحر العاملي، واحقاق الحق للقاضي نور الله التستري، وغاية المرام للسيد هاشم البحراني، وغير ذلك من الكتب المشابهة لها.

مفهوم الحق
في القرآن والفكر الاسلامي

أ. محمود حيدر

الحق ومعانيه

يدخل مفهوم الحق في الاسلام بوصفه امرا تكوينيا للوجود. فالوجود حق، ولذلك كان وجودا بالحق. وامر الايجاد الذي صدر عن الحق سبحانه، وكان الوجود، هو فيضه الوجودي عينه. ذلك يعني ان كل موجود هو حق، لانه وجد، وان كل ما هو غير موجود هو باطل وعدم.ومن بديهيات العقل البشري انه في اللحظة التي تتناهى فيها اليه كلمة الحق تنصرف عنه كلمة الباطل. ثم يمضي ليصوغ وجوده على اساس الحق والحقانية في مقابل الباطل والبطلانية والعدم.

ولقد ذهب فكر الانسان في رحلة لا نهاية لها من التامل في هذه الكلمة الوجودية التي صارت مفهوما جاريا في حركة الحياة. ولان مفهوم الحق ملازم لمفهوم الانسان، فقد حمل هذا الاخير على البحث عما يبين المعنى مما هو لازم لطبعه وطبيعته. ومنذ ان بدا الانسان بالسؤال عن سرحضوره في العالم، تبوا الحق صدر هذا السؤال. هكذا بحث الحكماءوالفلاسفة عن المعنى، فوجدوا ما لا حصر له من المعاني والدلالات وجهات الاستعمال. ولدينا مما ذكروه في الحق منازل شتى الا انها تتسق على الاجمال ضمن منطق داخلي واحد. بعضهم راى ان الحق هو مطابقة الواقع للحكم. وهو يفترق عن الصدق الذي يعني مطابقة الحكم للواقع، ونقيضه الباطل. اي ان الواقع (الوجود) مقدم على الحكم وان الحكم متاخر عنه بوصفه امرا اعتباريا. وبهذا يكون الواقع هو الاصيل. واماالحكم عليه فهو من باب تعريف المعروف. يقول الجرجاني: الحق، في اصطلاح اهل المعاني، هو الحكم المطابق للواقع، حيث يطلق على الاقوال والعقائد والاديان والمذاهب. ويحدد ابن سينا الغاية من الفلسفة النظرية بانها معرفة الحق. والحق يفهم منه الوجود الدائم. اما في الفلسفة الحديثة فيطلق الحق على المعاني الاتية: مطابقة القول للواقع، وعلى الموجود حقيقة لا الموجود وهما، وعلى التصور السالم من التناقض،اي الممكن في العقل.

والحق، من وجهة النظر الحقوقية، له معنيان:

الاول، ما كان فعله مطابقا لقاعدة محكمة.. والثاني، ما تسمح القوانين الوضعية بفعله. وعادة ما يقترن الحق بالواجب. فاذا كان الفعل واجبا على احد الرجلين كان حقا للاخر، فالواجبات الملزمة هي الواجبات المقابلة للحقوق التي تستوجب التنفيذ.

وقد اجمع الحكماء على ان الحق واحد مهما تكثرت مظاهره واعيانه،وذلك على قاعدة ان الواحد لا يصدر عنه الا الواحد، الا انهم في مجال التكثر والكثرة العائدة الى حركة الانسان في الحياة فرقوا بين الحق الطبيعي، اي مجموع الحقوق التكوينية المتعلقة بالانسان من حيث هوانسان، والحقوق التدبيرية التشريعية، او «الوضعية»، وهي المتعلقة بمانصت عليه القوانين والشرائع.

وفي السياق الاجمالي لمعنى الحق يورد العلماء طائفة من المعاني على الشكل الاتي:

1 ـ الحق هو الثابت في الامر نفسه، وكل ما يثبت يقينا انه واقع او سيقع، وقد استعملت لفظة الحق ومشتقاتها المختلفة بهذا المعنى في القرآن الكريم كثيرا ((670)) (ما خلقنا السماوات والارض وما بينهما الا بالحق)[46/3]. وبمناسبة هذا المعنى، اءسند الحق الى الموت،والحساب، والعذاب، والثواب في يوم القيامة. حتى اذا ما طرا الوهم اوالشك او الغفلة من المخاطب ازاء واقعية هذه الامور، كان اسناد الحق اليها ووصفها به، بمنزلة التاكيد على واقعيتها وقطعيتها وحتميتها. كما انه، وللمناسبة نفسها، كان «الحق» اسما من اسماء الله تعالى((671)).

2 ـ الحق يعني صدق الخبر او الحكم ومطابقته للواقع. ولا شك في ان القضايا تختلف في انواعها من حيث ما هو «الامر نفسه» فيها. اي الوعاءالذي يلزم ان تتطابق معه ليكون شرط صدقها، لكننا نطلق على كل قضية منها انها حق كلما كان مضمونها مطابقا ل - «الامر نفسه» الخاص بها.

3 ـ الحق يعني الصواب، والمشروعية، والمعقولية، ومطابقة الشيء لمقتضى الحكمة (...). وقد يعبر بعض الباحثين عن هذا المعنى للحق بـ«وضع الشيء في موضعه الذي هو له»، بيد انهم، بلا شك، لايقصدون الجانب التكويني للمسالة: اي ان الشيء موجود وواقع في وضع ما، بل يعنون الجانب القيمي، وهو ان يكون الشيء في الوضع الذي ينبغي ان يكون فيه، وهذه في الحقيقة، عبارة اخرى، او كناية عن المعنى الاعتباري للمعقولية نفسها، وان يكون الشيء سائغا وصوابا،ومشروعا. قال تعالى: (ويمحو الله الباطل ويحق الحق بكلماته)[الشورى/24].

4 ـ الحق يعني الامتياز او النصيب (الحصة ر السهم) الملحوظ لشخص، والذي ينبغي للاخرين مراعاته والمحافظة عليه. والملاحظ هنا ان المعاني الثلاثة المتقدمة للحق تشترك في انها تقابل الباطل، اما المعنى الرابع فليس كذلك، ففي المعاني الثلاثة الاولى، كنا نبحث دائما عن تحقق مفهوم تصوري في الواقع، او مطابقة قضية تصديقية مع الواقع، اوكون القضية مقبولة اخلاقيا مثلا، لكي نقول: انها حق. اي اننا كنا نحمل كلمة «الحق» على تلك الموارد وبصورة حمل «هو هو» فنقول: «هذه القضية حق» او نسنده اليها على نحو الصفة، فنقول: «هذه قضية حقيقة»،اما في المعنى الرابع للحق فنحن، دائما، امام وجود متشخص نسميه «صاحب الحق»، او «ذا الحق»، فيكون اسناد الحق الى المورد بصورة حمل «ذو هو» ((672)).

وبما ان الجذر اللغوي لكلمة «الحق» يعني الثبوت، فقد لاحظنا ان بعض الباحثين يرجعون جميع المشتقات المستعملة منها الى هذا المعنى لادنى مناسبة، وبخاصة مع امكان الاستشهاد وبالاستعمالات القرآنية الكثيرة (...) يقول المحقق الاصفهاني: «لفظ الحق في اللغة هو بمعنى الثبوت. ولذا يصح اطلاقه على كل امر متقرر في وعائه المناسب له،سواء اكان هذا تقررا تكوينيا ام اعتباريا» ((673)).

الحق من حيث لزومه للانسان

لا حق خارج كينونة الانسان بوصفه مخلوقا اختاره الله، تعالى، ليكون سيد الموجودات. فالانسان وفاقا لشرع الاسلام، هو الاشرف رتبة في سلسلة الوجود المخلوق. والقرآن الكريم، بوصفه المصدر الاول للشريعة، منح الانسان حقانية وجوده مخلوقا سيدا بان جعله الله خليفة له في الارض: (واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليقة»،قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك. قال اني اعلم ما لا تعلمون)[البقرة/30].

وتاسيا على مبدا الاستخلاف الذي هو الدرجة القصوى من القرب بين الله والانسان، ظهر دين الاسلام ليكون الناظم الكامل والشامل لسيرورة الانسان في العالم. ومن خلال القرآن الذي تنزل على قلب الرسول(ص)، شكل الوحي الالهي الفضاء اللامتناهي الذي به يصان الكائن البشري بالعناية والهداية والتدبير. لكننا سنجد، عند البحث عن الحق البشري في الشرع الالهي، ان الانسان خلق ليكرم في عالمي الغيب والشهادة. ولعل قراءة النسق التاريخي لانتاج التراث الديني الاسلامي تفيد بواقع التمييز ما بين نوعين في الخطاب الالهي للناس:

ـ نوع تظهره الايات التكوينية المتعلقة بالخلق والاستخلاف والتشريف الخاص للانسان.

ـ ونوع تظهره الايات التدبيرية المتعلقة بنظام التشريع والاجتماع والاخلاق والمعاملات.

ولقد تعامل علماء المسلمين مع هذين النوعين، بوصفهما امرا واحدامتصلا، الا انهم حرصوا على الاخذ بنظر الاعتبار التمييز الوظيفي ما بين العناصر التكوينية التاريخية التي تعامل من خلالها الفكر الاسلامي مع النص الالهي والسنة النبوية، وما بين النص الالهي القرآني بوصفه وحيامطلقا يتعالى على تاريخانية الصدور الزماني والمكاني، ويستجيب، في الوقت نفسه، لتكوينية كل زمان ومكان عبر توسطات جدلية محدودة.

ومع حسبان ان السنة النبوية هي خارج التراث، لانها تستمد سلطتهاالمرجعية من النص الالهي القرآني المطلق في اشكالها الثلاثة، وهي:السنة القولية، والسنة الفعلية، والسنة الصامتة، صار واضحا ان ما سكتت عنه السنة، وما لم تفعله هو سنة في حد ذاته قياسا لما افترض القول اوالفعل. وعلى هذا النحو، فالسنة النبوية تتميز بالنسبية ازاء المطلق القرآني بحكم تعلقها بالزمان والمكان، ولكنها في الوقت نفسه، خارج التكونية التاريخانية للزمان والمكان، لانها ليست محض استجابة شرطية له. اذ تصدر السنة في قولها وفعلها وفي ما سكتت عنه، وفي سلطتهاالمرجعية، عن النص القرآني المطلق. فالسنة تتحرك في زمانها ومكانها،ولكن بمنطق الاستجابة والتعالي، او الاستيعاب والتجاوز فهي موازية - ولكن ضمن نسبيته - للقرآن. وهي ليست ناسخة له، ولا هو بناسخ لها ((674)). ولان القرآن والسنة يتكاملان في عالم الانسان لتحقيق مجالي التكوين والتدبير، فقد لحظ المفسرون التدرج التنزيلي للقرآن سواء في ما يتعلق بالتشريع ام بآيات الخلق.

وضمن كلية القرآن الكريم، وجد هؤلاء ان التحليل القرآني لاية الخلق مثلا يبين الوحدة الزمانية ر المكانية التي تمت فيها عملية الخلق (هوالذي خلقكم من طين. ثم قضى اجلا واجل مسمى عنده، ثم انتم تمترون)[الانعام/2] فالاية هنا تنص على «الاجل» بوصفه عنصرا توقيتيازمنيا يمتد من الطين الى التكوين البشري.

ثم (يا ايها الانسان ما غرك بربك الكريم. الذي خلقك - فسواك - فعدلك - في اي صورة ما شاء ركبك)[الانفطار/ 6 - 8]. فهناك اذن،«اجل مسمى» ما بين الطين والخلق البشري، وفي هذا الاجل المسمى تسوية ثم اعتدال. والتسوية تنصرف الى معنى التكوين، غير ان اقترانهابالاعتدال، يعني مضمون اللامكانية، اي السابق على الاعتدال. ثم تتعددالصور الانسانية بمؤثرات التكوين الطبيعي الموضوعي (ما شاء) - (مشيئة) وهكذا (...)، فالنتائج المراد بلوغها معرفيا من خلال التحليل القرآني لمسالة الخلق تقرر ان القرآن يوضح، عبر تفكيك المسالة الادمية، معنى التوسطات الجدلية في الفعل الالهي، بحيث تنتفي الافكاراللاهوتية الاحادية التي تستلب قوانين الوجود، الانسانية والطبيعية. فاللهاذا هو قادر على الاتيان بامره مطلقا الا انه - سبحانه - قد اختار ان ياتي امره عبر توسطات جدلية (...)، ثم ان هذه التوسطات الجدلية تفضي - كما يبين المفكر الاسلامي محمد ابو القاسم حاج حمد - الى منطق «الصيرورة»، حيث يتم التشيؤ داخل الزمان والمكان باتجاه «غائي».فالصيرورة هنا تتخذ دلالات زمانية ومكانية كما في قوله تعالى موجهاكلامه الى الملائكة اذ دهشوا، واحتجوا حين امرهم بالسجود لادم (الم اقل لكم اني اعلم غيب السموات والارض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) [البقرة/33]. والصيرورة القرآنية في الخلق انما هي نفي لاي «تعاقبية تكرارية» على مستوى الحدث، فكل تكرار تعاقبي انما يعبر عن «سكونية» على مستوى الحدث نفسه، المتكرر المتعاقب، وعلى مستوى النتائج التي تتكرر دوما. اما ان يكون هذا متغير في الامر فيعني ذلك قطعا ان هذه الصيرورة تحول باتجاه تغيير ما. فالسنة الالهية ليست «سكونية - تكرارية - تعاقبية»، وانما هي صيرورة، ومن خلالها يفهم منطق «الاطوار». وهي، بالتالي، صيرورة كونية وذات غايات كونية، خلافا للصيرورة الاحتمالية او منطق المصادفة.

واذا، فالمسالة الادمية تعطي، في حال تحليلها، محددات منهج يقوم على اساسين:
أ ـ التوسطات الجدلية في الفعل الالهي.
ب ـ الصيرورة الكونية الغائية.

فقصة آدم، وكذلك قصص القرآن جميعها، ليست «حكايات»، وانما هي دلالات على منهج وعلى محددات نظرية ((675)).

بناء على هذا، لا يمكن ان نفهم ما سمي بالتوسطات الجدلية في الخلق الالهي للانسان، وكذلك مفهوم التدرج في التشريع القرآني، الا ضمن منطوق التكريم الالهي للكائن البشري، حيث جعل الله المكان (الارض)والزمان (الليل والنهار وعدد الايام والسنين) ليكونا مطابقين لحكم وجود الانسان. من هنا، نستطيع ان نفهم مغزى التكريم بالتسخير. اي ان التكريم في مرتبته التالية (التسخير)، والذي جاء بعد مرتبة التكريم الخلقي الاول، انما يدخل في سلم المراتب التكميلية للانسان، لكي يتمكن من العروج نحو الكمال.

من هنا، فان التكريم بالتسخير هو حق الانسان بالامر الالهي التكويني،وفي عالم الخلق تنطبق قاعدة الحق نفسها انما باعتبارات الكثرة والشروط الزمانية المكانية المحيطة بالانسان كفرد او جماعة. في هذاالجانب، يتساءل العلامة مرتضى مطهري، في كتاب «الحكم والمواعظ»،عن الكيفية التي يمكن فيها تصور وجود حق للانسان على الله تعالى، ويسال: هل هذا الامر ملائم لعقائدنا المتعلقة بالله وبالتوحيد الربوبي؟

عموما، الجواب الذي يتبناه المتكلمون هو: ان الانسان ليس له على اللهحق على نحو الحقيقة، ولكن يمكن استخدام لفظة «حق»، في هذاالمجال، تسامحا ومجازا. العلامة مطهري له راي يقول: تثبت للذات المقدسة للباري، تعالى، وهو الغني الكامل والمالك المطلق، حقوق على مخلوقاته، والعباد مدينون لفضله ونعمه، ومسؤولون عن اوامره، وهو غير مدين لاي موجود (...)، ومع ذلك فان الله رغم ثبوت حق الطاعة له على الناس، تفضل على العباد بالرحمة والعناية. وقد عد ذلك حقا رسميا للناس عليه. يعني هذا انه، مع نعمة الوجود، ما من احد له حق المطالبة بالثواب على طاعة نفسه مدينا، ومع ذلك جعل الله ذلك اللطف والعناية منه حقا، وعد نفسه مدينا للبشر باعطاء الاجر والثواب».

لكن مطهري سيمضي الى ما هو اكثر تفصيلا حين يرى ان هناك نوعا من الارتباط الغائي بين ذي الحق (الانسان) ومورد الحق (الله)، اي حينما نرى في الطبيعة انسانا محتاجا لامر ما، وهو مستعد لتلقي كمالات خاصة ترفع عنه تلك الحاجة، ثم نرى ان يد مدبر عالم الخليقة خلقت شيئا يصلح وسيلة مناسبة لتامين الكمال الذي ينشده هذا الانسان، عندها نقول باستحقاقه لهذه الوسيلة (اي ان الانسان استحق بالحق ماامنه له مدبر العالم). من هنا يمكن القول: «ان الحق يثبت لذي الحق الذي له استحقاق القابل في مقابل المعطي. اي ان له قابلية تامة على عكس من ليس له هذا الحق، حيث لا يتمتع باللياقة والقابلية اللازمة، فيكون الفيض في مورده هدرا»((676)).

تلازمية العدل ـ الحق والتكليف

على قاعدة التشريع القائلة بتقابلية الحق والواجب، او الحقوق والواجبات، تنشا جدلية الاتصال والترابط بين العدل الالهي حيال الانسان في عالمي الامر والخلق. فثمة تلازم لا ينفصل بين الحق المعطى من مورد الحق (الله) الى ذي الحق (الانسان) وبين واجب العبادة التي فرضها الله على الانسان (وما خلقت الانس والجن الا ليعبدون). والعبادة، هنا، لا تعني قصر التزام الانسان على الشعائر والعبادات المعروفة، وانما تعني ايضا واساسا، السعي والمجاهدة لمعرفة الله بماهو مورد الحق. فالامر العبادي هنا هو امر معرفي في حقيقته، وبهذه الدلالة هو امر تكريمي للانسان وتشريف له. فالانسان هو الوحيد من بين المخلوقات الالهية الذي تطلب منه المعرفة من الحق الاعلى من خلال ادراكات النفس والعقل والقلب.

جاء، في الحديث القدسي المنقول على لسان الرسول الاكرم(ص):«كنت كنزا مخفيا، فاحببت ان اعرف، فخلقت الخلق ليعرفوني»...

ان اعطاء العبادة هذا المعنى المعرفي يعمق ابعاد هذه العلاقة بين الرب والعبد بوصفها اولا علاقة حرية، لان العبادة الحقيقية لا يمكن للانسان ان يحصلها على المعنى الذي يريده له الله من دون معرفة تجعلها عبادة يقينية منزهة من الاغراض.

وفي الفكر الاسلامي، ادركت الاجتهادات الفقهية والعلم - اصولية حقيقة مفادها ان الحرية العبادية في بعدها المعرفي انما هي شرط الصلة الحقيقية بين العابد والمعبود. وهناك من المفكرين المسلمين المعاصرين من مضى الى الاعتقاد بان الانسان محكوم بالحرية، بمعنى ان الانسان لا يمكن ان يكون انسانا، وفي الوقت نفسه ان لا يكون حرا. فبمجرد ان يكون انسانا فذلك يعني انه حر. ويعني انه امام معضلة الحرية، اي انه امام مسؤولية وجودية افاضها الله عليه ليكون اعز مخلوقاته واقربهم اليه. وبالتالي لا يمكن لهذه المعزة وهذا القرب ان يريافي عالم الخلق، الا من خلال ما يتجلى بحرية الانسان.

وحسب بعض هؤلاء المفكرين ان مصدر الحرية في الفكر الديني عموما هو الهيمنة الالهية على الكون والحياة والانسان. وما من فكر ديني يمكن اعتباره اصيلا وحقيقيا، ما لم يتضمن هذا الايمان الكامل بان الهيمنة على الكون، والانسان، والحياة والطبيعة والمستقبل، واما الغيب فهو الله سبحانه وتعالى، في حين عندما لا نرى هذه الهيمنة سوف نقع في اشكالية نقصان الحرية عند الانسان ((677)).

هاهنا تنهض قضية مركزية تقوم على ارتباط الحرية بالعدل الالهي في الخلق الادمي. فلولا الحرية المجعولة للانسان جعلا تكوينيا وتشريعيا لما بلغ التكريم اتمه، ليغدو الكائن البشري متمكنا من قسطه في اختيار السبيل الذي يشاء في رحلته في الحياة. غير ان الحق المتجلي بالحرية ليس منفصلا عن المسؤوليات المترتبة عليه. فثمة اقتران بين الحرية والمسؤولية، وتقرر الرؤية الاسلامية ان الحرية للانسان جاءت على خط التوازي والتعادل مع المهمة الموكولة اليه بوصفه خلفية الله في الارض.فهذا هو الذي يميز الانسان عن سائر المخلوقات والموجودات، بانه قادرعلى «عقل» الحدود الفاصلة بين الخير والشر وبان لديه الشعور بفضيلة التزام طريق الحق بوصفه جزءا من طبيعته يصدر منه ويعود اليه.

ان هذا هو سر التكليف والحكمة الالهية من ورائه. وهو ما يبينه العلماءالمسلمون في معرض الاشارة الى آية (انا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال فابين ان يحملنها واشفقن منها، وحملها الانسان، انه كان ظلوما جهولا)[الاحزاب/72]. فهذه الامانة التي امتنع الجميع عن حملها وقبلها الانسان وحده هي التكليف والمسؤولية، فكل موجود من الموجودات (غير الانسان) يطوي جميع مراحل كماله، ويصل الى مايصل اليه من دون ارادة واختيار، ولا يمكنه ان يبدل طريقه ويغيره بمحض رغبته وارادته. الانسان وحده هو القادر على تغيير حركته نحو اي هدف يريد وفي اي لحظة. وهو يطوي كثيرا من مراتب كماله ورقيه في ضوء التكليف والقانون والمسؤولية. انه لافتخار كبير للانسان ان يتمكن من الالتزام بالحق والنهوض بالتكليف، رغم ان كثيرا من الناس يريدون ان يتحرروا من قبل التكليف باسم الحرية. طبعا يتمكن الانسان من ان يعيش بحريته، ويجب ان يعيش بحريته، شريطة ان يحافظ على انسانيته، يمكنه ان يتحرر من كل قيد الا قيد الانسانية. الانسان الذي يريدان يتخلص من قيود تكليفه وحقوقه، عليه اولا ان يستقيل من انسانيته. والانسان بحكم هذا الاستعداد الفطري الذي يحصل من جهة على استحقاق كبير للاستفادة من مواهب الخلقة، ومن جهة اخرى، تلقى على عاتقه مسؤولية عظيمة تجاه جميع الموجودات المجعولة في خدمته من جماد ونبات وحيوان، فضلا عن المسؤوليات العظيمة تجاه ابناء نوعه ((678)).

على هذا النحو، لا تتاتى الحرية الممنوحة من الله تعالى للانسان، الاوهي مقرونة بالتكليف، اي بالمسؤولية المتجلية في التشريع عن طريق الامر والنهي اللذين حملهما الرسول(ص) المبعوث رحمة وهداية للناس. وهذه الحرية سيد ركها الانسان على وجه الحقيقة متى عرف بالهدى انها الوجه الاخر للايمان بالهيمنة الالهية على الكون. فهي اي هذه الحرية تمت له في اصل الحق، لكي يختار طريقه وحياته وسلوكه ومصيره، ولكي يصنع وجوده. وتلك حكمة الهية تتجلى في خلقه. ونحن لا يمكن ان نتصور، ولو للحظة، ان يكون الانسان كائنا غير مختار، وبالتالي ان يكون في الوقت نفسه معبرا عن الغاية الاسمى للخلق. واذاكان الانسان المختار هو الكائن الوحيد الذي يمكن ان يختار ضد (الله) سبحانه وتعالى، فهذا يعني ان ثمة حكمة الهية في خلق هذا الانسان مختارا، ويستطيع باختياره ان يتجاوز حتى ارادة الله التشريعية (من شاءفليؤمن ومن شاء فليكفر). وفي هذه النقطة بالذات، ميز الفقهاء هذا المصطلح الفقهي والكلامي، بين مصطلح الارادة التكوينية الالهية ومصطلح الارادة التشريعية. فالارادة التكوينية تصدر عن الباري، سبحانه وتعالى، بصيغة الخلق الامر: «كن»، فيقول للشيء كن فيكون، اي ان المرادهنا لا يتخلف عن الارادة. اما في شان الانسان واختياراته فلم تكن ارادة الله تعالى تكوينية. فحيث اراد الانسان ان يعمر الكون والحياة، وان يحقق الغايات الكبيرة من خلق الله له فقد كان امره تشريعيا، اي حين قال له «هاديا ومنبها»: ان الفضائل موجودة هنا والرذائل موجودة هنا، ولكن الله لم يجبره. اي لم يكرهه على ان يسير باتجاه طريق الفضائل والخير،وترك له الخيار. والانسان قادر على ان يختار، ولا يستطيع احد ان يتنباباختيار الانسان ما دام يملك هذه الحرية، ويملك الاصل الاساسي في تكوينه، وبالتالي فان حرية الانسان في المفهوم الديني هي اسبق بكثيرمن اي صفة او ميزة اخرى لهذا الانسان. ((679))

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية