|
10 ـ عدم التعامل بموضوعية مع المرجعية: ونعني بـ"عدم الموضوعية" هنا "الموضوعية" بحسب المصطلح المتداول
في الفقه والاصول، والذي يقابل "الطريقية". وكان الشهيد
يصطلح
على "التعامل الطريقي" مع المرجعية بالتعامل على نحو "المعنى الحرفي" مقابل "المعنى
الاسمي". فنحن كثيرا ما
نجدان الحاشية تنظر الى المرجعية نظرة شخصية ان صح
التعبير، وكانها تغفل عن كون المرجع طريقا الى الهدف الذي
يسعى الى تحقيقه الجميع. وفي هذا الصدد، يقرر الشهيد، في احدى رسائله انه "ليست
المرجعية الصالحة شخصا، و انما هي هدف وطريق، و كل مرجعية حققت ذلك الهدف و الطريق
فهي المرجعية الصالحة التي يجب العمل لها بكل اخلاص".
ومن أبرز الساحات التي تجلى فيها هذا النحو من التعامل،
ساحة تعاطيه مع انتصار الثورة الاسلامية في ايران
وقائدهاالامام الخميني(قدس سره)، فقد سارع الى ارسال بيان تبريكي الى الامام
الخميني، ثم تصدى لكتابة سلسلة "الاسلام يقودالحياة" تلبية للحاجات الفكرية للثورة الفتية على اثر
انشغالها بمهماتها الجديدة. وفي نص له، مطلع انتصار
الثورة الاسلامية، يكتب الصدر الى زعيم التجربة قائلا: "حضرة
آية الله العظمى الامام المجاهد الخميني دام ظله.. و
نحن... نضع جميع وجودنا و امكاناتنا في خدمة وجودكم العظيم و النهضة الاسلامية
المقدسة". هذه الروح الكبيرة حاول الصدر
ان ينفخها في طلابه والمحسوبين عليه، فكتب اليهم يوصيهم بان "الواجب على كل واحد منكم، وعلى كل فرد قدر له
حظه السعيد ان يعيش في كنف هذه التجربة الاسلامية الرائدة،
ان يبذل كل طاقاته، وكل ما لديه من امكانات، وخدمات،
ويضع ذلك كله في خدمة التجربة فلا توقف في البذل والبناء
والايثار لاجل الاسلام، ولا حد للبذل والقضية ترتفع رايتها
بقوة الاسلام وعملية البناء الجديد بحاجة الى طاقات كل فرد
مهما كانت ضئيلة. ويجب ان يكون واضحا ايضا ان مرجعية
السيد الخميني التي جسدت آمال الاسلام في ايران اليوم لابد
من الالتفاف حولها، والاخلاص لها وحماية مصالحها، والذوبان
في وجودها العظيم بقدر ذوبانها في هدفها العظيم وليست
المرجعية الصالحة شخصا، وانما هي هدف وطريق وكل
مرجعية حققت ذلك الهدف والطريق فهي المرجعية الصالحة.
التي يجب العمل لها بكل اخلاص، والميدان المرجعي او
الساحة المرجعية في ايران يجب الابتعاد بها عن اي شي من
شانه ان يضعف او لا يساهم في الحفاظ على المرجعية
الرشيدة القائدة". وكتب لهم ايضا : "يجب ان لا تتعاملوا مع هذه
المرجعية يعني مرجعيته بروح عاطفية و شخصية و ان لا
تجعلوا ارتباطكم بي حاجزا عن الموضوعية بل يجب ان يكون
المقياس هو مصلحة الاسلام، فاى مرجعية اخرى استطاعت
ان تخدم الاسلام و تحقق له اهدافه يجب ان تقفوا معها و
تدافعوا عنها و تذوبوا فيها، فلو ان مرجعية السيد الخميني
مثلا حققت ذلك، فلا يجوز ان يحول ارتباطكم بي عن الذوبان في مرجعيته". الى جانب
ذلك، كان يقول: "لو ان السيد
الخميني امرني ان اسكن في قرية من قرى ايران اخدم فيها
الاسلام، لما ترددت في ذلك، ان السيد الخميني حقق ما كنت
اسعى الى تحقيقه..". وبعد انتصار الثورة الاسلامية المباركة
باسبوع، ارسل احد طلابه لتقديم التهنئة الى الامام الخميني
وقال له:"ان العمل (هو) ما صنعه الامام الخميني، ويجب على
الجميع ان يكونوا في خدمة الامام ولا حاجة الى دعوة احد
الى تقليدي لان الهدف من الدراسة والمرجعية هو اقامة حكم
الله وقد حققه الامام الخميني.(و) الهدف من المرجعية ليس
هوقبض الحق الشرعي وتوزيعه او تدريس الفقه واصوله، بل
المسؤولية الكبيرة التي يجب ان نفكر فيها هي اقامة
حكم الله.."((51)).
11 ـ الغاء مرجعية الآخرين: وقد تغفل الحاشية عن الهدف
الحقيقي لمرجعيتها. وذلك اما نتيجة عدم وضوح هدف
المرجع،واما نتيجة عدم التفاعل السليم للحاشية مع الهدف
المذكور على تقدير وضوحه. وينجم عن ذلك اتسام نظرتها
الى المرجعيات الاخرى بشي من السلبية التي تتفاوت شدة
وضعفا، في حين ينبغي النظر اليها باعتبارها مكملا او عاملا
في الخندق نفسه. وقد حشدنا في ما سبق الكثير من الشواهد
الدالة على كيفية تعامل الشهيد مع هذا الموضوع في ما نقلناه
عنه حول موقفه ازاء مرجعية الامام الخميني(قدس سره). غير
انه لم يحصد من حواشي غيره الامر نفسه، بل تمت مجابهته
بقسوة اضطرته الى تعطيل درسه كما مر بنا. وبدل ان يعد عاملا في خدمة الاسلام، اعتبر
"مزاحما للمرجعية العلي"، وفي
احدى رسائله الخطية الى السيد الحائري، يوضح الشهيد بعض ملابسات الموضوع حيث يقول:
"ان السيد( ) كان يعترض
ويقول: كيف تتصدى للمرجعية في عهد السيد، وقد شرحت له
كل الظروف وكل سلبيات مرجعية السيد تجاهنا والتي
فرضت الاضطرار الى موقف من هذا القبيل. وبعد اخذ ورد
طويلين قلت
له: ماذا تريدون؟ قالوا: نريد ان تذكر بان مرجعيتك طولية،
قلت: نعم انا التزم بذلك. قالوا: نريد ان تؤكد لمحبيك ان
طبع الرسالة للمقلدين شي ومزاحمة المرجعية العليا وايجاد
التفاضل في الاعلمية والتعديل عن التقليد شي آخر، قلت:
وهذاايضا اني اراه منذ البداية، والان سوف اجدد التاكيد على
اصحابي في هذا المجال. وعلى هذا الاساس انا اريد يا عزيزي
ان تفهم كل اخوتك اني تعهدت عنهم جميعا بان يلتزموا بما
التزمت به، فلا يصدر من احد منهم دعوى اني اعلم من السيد(
)، ولا يصدر من احد منهم محاولة تعديل شخص من مقلدي
السيد( ) عن تقليده، ولا يطرح اسمي بنحو يوجب
الاستفزار. مثلا كان السيد(
)
ينقل انه حينما اراد ابا احمد وكانت
الجلسة عامرة فقال ابو احمد: ان السيد( ) الصدر استغنى في
المسالة الفلانية وافتى بكذا، وقال احد رفقائه: نعم والسيد( )
يوافق السيد الصدر: ان مثل هذه الكلمات لا يمكن ان اتحملها
هذا كلام السيد( ) وانتم ترون يا ولدي ان مثل هذا الكلام جانب
الاثارة فيه اكبر بكثير من الجوانب الاخرى. ان الجهة
يعني مرجعيته يا اولادي وصلت بعناية الله سبحانه الى مرحلة
جيدة، وقد تعتبر نوعا من الاعجاز مع اخذ كل
الظروف والاحوال بعين الاعتبار، ولهذا فانها احوج ما تكون الان
الى حل التعقيدات بقدر الامكان وتمييع منابع الاثارة حتى ولو
لم يحصل اي توسع عددي". ويكتب الى السيد الغروي: "فالحقيقة اني كنت باستمرار اكتب الى ابنائنا، حفظهم
الله،
اذكر عليهم المضامين التي تبعث على التريث والاحتياط
والعزوف عن تقديم المرجعية التي يؤمنون بها فعلا الى الامة
في بلادهم.. واكدت في كل هذه الرسائل عليهم ان لا ينعكس
في اقوالهم وافعالهم تقديمي الى الناس كمرجع فعلي في
عرض السيد( )، وحرمت عليهم ان يدخلوا في باب المقارنة
بيني وبينه او ان يشهدوا لاحد بمساواتي او اعلميتي على
السيد دام ظله، وقلت لهم: يجب ان يكون السلوك مبنيا على الطولية. هذا هو ما اقوم به
باستمرار..". ويكتب الى السيد الاردبيلي: "وقد ذكر دامت بركاته .. وهو يخاطبني ان
بعض اصحابكم في ايران يخرجون عن مقتضيات هذه الطولية، فذكرت له اني لا اقر
هذاالخروج بوجه..". وتوج الشهيد هذا
التعامل بسؤال مفترض عن علاقته باستاذه(قدس سره)، املاه على نفسه ليجيب عنه قائلا:"..هذا الاستاذ الذي ابصرت نور
العلم في حوزته وذقت طعم المعرفة على يده .. فلست الا ثمرة
من ثمرات وجوده وفيضه الشريف وولدا من اولاده
الروحيين...اني اتعامل مع السيد() دام ظله وساظل كذلك
كما يتعامل الابن مع ابيه والتلميذ مع استاذه والطالب مع
مرجعه وقد صرحت بذلك مرارا للناس وللطلبة وللمسؤولين،
ولا ارضى عن اي شخص الا ان يعترف بذلك ويتعامل معي
ومعه دام ظله على هذا الاساس، واذا اراد
شخص ان ينوه باسم هذا الجانب فليعلم ان مما يزعجني اشد
الازعاج ان يخرج هذا التنويه عن مقتضيات العلاقة الطولية بين
الابن وابيه والتلميذ واستاذه وكل خروج عن هذه المقتضيات
مناقض لسلوكي وتعاملي.. ولا يجوز مس مقام المرجعية العليا ولا يجوز اى عمل يقصد به
تفتيت الشمل المجتمع للمؤمنين على مرجعيتهم العليا وتمزيق كلمتهم..".
لكن على الرغم من ذلك كله، فان الشهيد لم يسلم من حملة
قد تبدو عنيفة استهدفت شخصه من ناحية، والخط الذي
يمثله في الحوزة من ناحية اخرى. لكنه(قدس سره) كان يرى ان هؤلاء اصحاب "شبهة
مصداقية" لا "مفهومية" بحسب تعبيره. وكان اضافة الى ذلك "يمارس على الصعيد الداخلي
(حوزويا ومرجعيا) درجة عالية من التفهم والصبر والتحمل
والاعتدال ورفض الانفعالية والسماح بظواهر التسيب والانفلات للامور"((52)).
وفي طيات رسائله نجده يصف نفسه قائلا:"ان مثلي مثل الشجرة جذرها منخور - مشيرا الى
ما يتعرض له - واغصانها وارفة الظلال مثمرة مشيرا الى ما حققه ". وكانت
بوادر هذه الحملة قد لاحت قبل تصديه للمرجعية، وينعكس
ذلك في رسالة كتبها الشهيد سنة 1960 يقول فيها: "لقد كان بعدك انباء وهنبثة وكلام
وضجيج وحملات متعددة جندت كلها ضد صاحبك يعني نفسه وبغية تحطيمه..". وحول ما تعر ض
له ابان مرجعيته، ننقل بعض النصوص:
نعم ذلك كان بعيدا عن شخص استاذه الذي كان يفتخر به من بين طلابه، ويقول عن تلميذه
"الفلتة"((53)) الذي "اعطاه الله مالم يعط احدا من
طلابه"((54)) : "السيد الصدر مظلوم لانه
ولد في الشرق، ولو كان مولودا في الغرب لعلمتم ماذا يقول
الغرب فيه"، وكان يقول: "ان النجف تفتخر بالسيد محمد باقر الصدر فمن عندكم في
قباله؟"((55)) .
لقد "مثل باقر الصدر انموذجا متميزا من منظري الساحة وعلما بارزا في سماء نهضتها
الفكرية وانبعاثها الحضاري"((56))
، و"شكل بالفعل ظاهرة فريدة واستثنائية في تاريخ الفكر
الاسلامي بشكل عام، ظاهرة قدمت الكثير على طريق
تاصيل الفكر الديني وتجديد الوعي الاسلامي والانساني، (و) لو
كتب للشهيد الصدر حياة اطول، لكانت، بالتاكيد، حياتنا
الفكرية والثقافية اكثر اضاءة وتالقا مما هي عليه الان.."((57)).
ويعكس عظمة جهوده وخطورة دوره المرجعي ما قاله في حقه السيدالقائد الخامنئي (دام
ظله): "لو بقي و لم تتطاول
اليه اليد الاثمة المجرمة لتخطفه من الحوزة العلمية، لشهد
المجتمع الشيعى خاصة والاسلامى عامة في المستقبل القريب تحليقا آخر في سماء
المرجعية والزعامة العلمية والدينية"((58)).
وفي ختام هذه الجولة لا يسعنا الا اكبار الجهود الجبارة
والخدمات الجليلة التي اسداها الشهيد الصدر(قدس سره) الى
الكيان المرجعي، والدعوة الى قراءة هذه التجربة قراءة شاملة
ومتانية، والوقوف عند مواطن ضعفها لتقويتها، والانطلاق من
مواطن قوتها نحو آفاق جديدة، نرفع فيها شمسنا الافلة لتشرق من جديد، فان المرجع
الشهيد الذي القى البذور الاولى في هذاالثرى، لم يسعفه عمره القصير في رؤية الثمار
التي عقد عليها آمالا عظيمة، وقد يكون "من الطبيعي ان المجددين
الكباريرحلون قبل ان يتموا مشاريعهم الكبرى لان مشاريعهم
الفكرية والحضارية هي دوما اكبر من اعمارهم، وتحتاج الى
اجيال عديدة تستوفي اغراضها على يديه"((59)).
خيارات الاجتماع السياسي الاسلامي ا.علي المؤمن* الاستبداد او الديمقراطية؟
ان تعطي النظام السياسي الاسلامي الحديث مع الافكار
والتجارب التي انجزها العقل البشري على مر التاريخ،
وتحديدافي مجال الاجتماع السياسي، تبقى بحاجة الى المزيد
من التوسع والعمق، لتكون بمستوى اهمية الموضوع، وما
يمثله من تحد كبير يواجه الفكر السياسي الاسلامي المعاصر
وتجربة التطبيق الحالية للنظام الاسلامي المتمثل
بالجمهورية الاسلامية الايرانية. ان البشرية، بالنظر لتنوع
مناخاتها الاجتماعية وخبراتها التاريخية، تمتلك الكثير من
الخيارات على مستوى النظام الاجتماعي السياسي الذي
ينسجم وتطلعاتها وطموحاتها، فهي ليست امام خيارين فقط لا
ثالث او رابع لهما: الديمقراطية(حكم الشعب)
والدكتاتورية(الاستبداد)، فان لم تحكمها الديمقراطية حكمتها
الدكتاتورية والشمولية والاستبداد، اي ان قبول الديمقراطية او
رفضها يعني الدعوة للدكتاتورية، كان الخيارات الاخرى غير
موجودة. هذه الحتمية غير صحيحة نظريا وواقعيا، لان البشرية
تمتلك كثيرا من الخيارات التي تتلاءم والبنية الفكرية
والعقيدية والثقافية لكل مجتمع. ولو تم حصر الخيارات امام
مجتمع ما، في الديمقراطية والاستبداد، فلا شك في ان
خيارها الافضل هوالديمقراطية. وهذا ينطبق بالنسبة الى
المسلمين على المجتمعات التي يشكل فيها المسلمون اقلية،
اي المجتمعات غيرالسياسية. ولكن المجتمعات المسلمة لديها
خيار النظام الاسلامي الذي يتوافق وتكوينها التاريخي وثقافتها
ومعتقداتها والتزامها الشرعي. * باحث في الفكر الإسلامي من العراق
ولعل من المناسب هنا الاشارة الى قضية نقد خيار
الديمقراطية بالنسبة الى المجتمعات المسلمة، فقد لا يكون
مستساغا في الوسط الذي يرى نفسه "مسلما متنور" ان يقوم
باحث
عرف بانفتاحه الفكري بنقد الديمقراطية فكرا وتجربة، والتوقف
عند نظام سياسي اسلامي، مؤصل عقيديا وفقهيا، الى مستوى
الاستقلالية في المصطلحات والمفاهيم وهياكل السلطة
وحركتها، مع الاستفادة من التجارب الانسانية،
المحايدة فكريا(اي التي لا تتعارض مع الشريعة الاسلامية
والنظرية السياسية الاسلامية) والمنسجمة مع ثقافة المجتمع
والناجحة.وكون ذلك النقد قد لا يكون مستساغا ينطلق من
اعتبار ان الديمقراطية فكر (وتجربة في الغالب) قد اصبحت
شيئا مقدسا، والمخلص الوحيد من عالم الفساد السياسي
والاستبداد والدكتاتورية، والوصفة السحرية لكل عذابات
البشرية.
والحقيقة ان تحول الديمقراطية الى ايديولوجية مقدسة في
اذهان بعض (المثقفين المسلمين) والى آلهة تقود حركة
الدولة،تجعل من المواطن ضحية اللعبة التي تمارسها الاحزاب
والجماعات باسم هذه الالهة، بهدف الامساك بحركة الدولة.
وهذايقود الى الحديث عن حقيقة اخرى تتعلق بالديمقراطية
المطبقة في معظم البلدان الاسلامية، فهذه الديمقراطية
صورية ولاتشبه الديمقراطيات التقليدية في مضامينها، وفي
اشكالها غالبا، بالنظر الى موقع الدين والشريعة في انظمة هذه
البلدان، وكذلك بالنظر الى ان المجتمعات المسلمة التي
تعيش تكوينا تاريخيا خاصا وارثا ثقافيا وبنية فكرية واعتقادية
مختلفة عن مجتمعات الديمقراطيات التقليدية، من الصعب
فرض الديمقراطية عليها قسرا، فالديمقراطية الحقيقية لا
يمكن تطبيقها الافي ظل انظمة ليبرالية راسمالية علمانية،
وهذا لا يشكل نقصا في الديمقراطية ولا في المجتمعات
المسلمة، وبالتالي ففرض الديمقراطية بروحها وفلسفتها،
ستكون ممارسة استبدادية مركبة، تحقق رغبة الاقلية
السياسية الحاكمة باسم الاكثرية الشعبية المحكومة. خيارات الاجتماع السياسي الاسلامي
ليس صحيحا مصادرة الديمقراطية بكل ما فيها من حسنات
وسيئات، او تعارض ولقاء مع الفكر السياسي الاسلامي، بل لابد
من تفكيك عملية النقد وفقا للمجتمع السياسي الذي طبقت
فيه او طبق جزء منها او يراد تطبيقها فيه. فهناك مجتمعات قد
تصلح فيها الديمقراطية، او نوع من انواعها بنسبة 90%، وحينها
ستكون سلبياتها خاضعة لمستوى التطبيق، اي ان
هذه السلبيات ستنخفض اذا ما احسن تطبيق ذلك النوع من
الديمقراطية. وهناك مجتمعات قد تصلح فيها الديمقراطية
بنسبة 10% فقط، تبعا لابنيتها وارثها، حينها ستكون
الديمقراطية كارثة على الدولة والمجتمع والمواطن، ولن
تكون المساوى حينها
مجرد سلبيات في التطبيق. وستكون الديمقراطية، في مثل
هذه الدول، وهما، ومفاهيم نخبوية يتشدق بها
المثقفون،وآليات تستثمرها العائلات السياسية والاقتصادية(
الاحزاب والشركات) لتحقيق مصالحها باسم الاكثرية الصامتة.
وحين نتحدث عن الخيارات امام المجتمعات المسلمة على
مستوى الانظمة الاجتماعية السياسية، فاننا ننطلق من
المقاييس البشرية نفسها، وليس من منطلق التكليف الشرعي
للانسان المسلم، اذ لا تتكافا الخيارات حينها، لان الانسان
المسلم مكلف باداء مهمته بوصفه خليفة الله تعالى على الارض،
وما يترتب على ذلك من مسؤوليات، وفي مقدمتها تطبيق
الشريعة التي ارادها الله تعالى للبشرية. وخيار النظام الاسلامي
يشتمل على صيغ تعبد للانسان طريقه في الدنيا الى
الاخرة، وبالتالي فهو نظام كامل يستوعب جميع مجالات
الحياة، ويرافق الانسان من ولادته وحتى موته وبعثه، ولا
يقتصر على كونه مذهبا او نظاما سياسيا، كما هي الحال مع
الانظمة الوضعية(الارضية).
ولا يمكن النظام السياسي الاسلامي ان يكون ديمقراطيا او
دكتاتوريا او ثيوقراطيا او اي نظام حكومي آخر، كما لا يمكن ان
يكون نظاما توفيقيا او توليفيا، ليس من منطلق مجافاة
الديمقراطية او معاداة الدكتاتورية والثيوقراطية، بل لان
النظام الاسلامي مستقل ومن نوع آخر، ولا يحمل تسمية اخرى غير تسمية "النظام
الاسلامي"، وان اشترك مع بعض
الانظمة الارضية في بعض المساحات. فلقاء النظام السياسي الاسلامي مع النظام
الثيوقرطي في فكرة المشروعية الالهية
لا تجعله نظاما ثيوقراطيا ولا قريبا منه، لان مفهوم النظام الاسلامي لهذه الفكرة
يختلف عن مفهوم النظام الثيوقرطي،
فضلا عن تعارض النظامين في مساحات كثيرة، كدور الامة
ودور علماء الدين وهيكل النظام السياسي وغير ذلك. كما ان
لقاء النظام السياسي الاسلامي مع النظام الديمقرطي في بعض التطلعات والاهداف
الانسانية العامة، وفي المفهوم العام للجمهورية،والحقوق والحريات العامة والسياسية،
وغيرها، لا يعني انه نظام ديمقرطي، اذ ان للنظام الاسلامي رؤى خاصة
في داخل هذه المساحات المشتركة، اضافة الى تعارضه مع
الديمقراطية في مساحات اخرى، كالقواعد النظرية والفكرية،
وموقع الدين، وعملية التشريع، ونظام الحكم وغيرها، وكون النظام الاسلامي ليس
ديمقراطيا لا يشكل نقيصة في النظام الاسلامي، وكون النظام الديمقرطي ليس اسلاميا لا
يعد نقيصة في النظام الديمقرطي، لانهما نظامان مستقلان في
فلسفتيهماوقواعدهما الفكرية وكثير من آلياتهما، ولانهما
ولادة بيئتين مختلفتين فكريا وثقافيا واجتماعيا.
ومحور السلطة في النظام الاسلامي الايراني، بوصفه انموذجا،
لا يشبه ذلك ايا من الانظمة الاخرى، وان اشترك مع النظامين الرئاسي والبرلماني في
بعض المساحات، فالقائد او الولي الفقيه او الامام هو محور السلطة في النظام
الاسلامي، ومن هنا عليه تسمية" النظام القيادي". وبذلك يشكل النظام الاسلامي، على
مستوى مناهج العلوم الاجتماعية والسياسية والقانونية اضافة جديدة لمواد "علم
الاجتماع السياسي" و " النظم السياسية" و "القانون الدستوري". التوفيق القسري بين مرجعية الشريعة والمرجعيات الوضعية
محاولات التوفيق القسري بين النظام السياسي الاسلامي
والانظمة الاخرى، والخروج بمسميات وانظمة هجينة،
كالنظام الاسلامي الديمقرطي والنظام الاسلامي الثيوقرطي،
او الثيوقراطية الاسلامية الديمقراطية، تعني منهجيا اقحام
عقيدة ورسالة سماوية ونظام ديني لتتواءم وتجارب تاريخية
وافكارا اجتماعية بشرية. وحتى لو استثمر النظام الاسلامي
بعض آليات تلك الانظمة( الديمقراطية تحديدا)، فلن يكون
ذلك مسوغا نظريا وواقعيا للتسمي باسماء تلك الانظمة او
اضافة اسمائها الى النظام الاسلامي. ومن ذلك تشبيه بعض المفكرين والباحثين نظام
ولاية الفقيه بالنظام الثيوقرطي
ونظام الشورى بالنظام الديمقرطي. والتشبيهان يجانبان
الحقائق. وعموما فان النظام الاسلامي هو الصيغة الالهية
للحكومة البشرية، او الشريعة في صورتها العملية كما ارادها
الله(تعالى) لاهل الارض، والله اعلم بمصالحهم، فهو الذي
خلقهم وحددلهم دورهم وشرع القوانين التي تنظم حياتهم.
والمعيار في قياس سلامة النظام الاسلامي، ليس ديمقراطيته
او مدى تمسكه بالمضامين والادوات الديمقراطية،
وليس المعيار في ذلك نجاحه المادي او عصريته بالمعنى الوضعي للعصرية، بل المعيار في
قياس سلامة النظام الاسلامي هومستوى تحقيقه للتكليف الرباني، وانطباق احكام الشريعة
الاسلامية على غاياته واهدافه وادائه وممارساته. اي ان الفكرالديمقرطي لا يمكن ان يكون معيارا لتقويم نظام ديني
في فكره وادائه، بل وفي تقويم
اي نظام اجتماعي بشري آخر، فالديمقراطية ليست نهاية
العقل الانساني لكي تكون خصما وحكما وميزانا. وحتى
في المقاييس البشرية، فان المعيار في تقويم اي نظام اجتماعي
وسياسي هو ما يضمنه للانسان من حقوق وحريات
وسعادة وامان، بالصورة التي تنسجم مع ثقافته وتطلعاته.
والنظام السياسي الاسلامي الحديث يجمع بين اصالة النظرية
والتشريع، وعصرية الاليات واساليب ممارسة السلطة، وهوتعبير
عملي عن امكانية الشريعة الاسلامية على استيعاب متطلبات
العصر، وعلى الاستجابة لحاجات الانسان الجديد،وضمان
النظام الاجتماعي الافضل له، والذي يمكن من خلاله ان يحقق
سعادة الدنيا والاخرة. وبذلك يحاول النظام السياسي الاسلامي
ان يكون في مضامينه، واساليبه، وتوازنه، ودور الامة فيه،
متفوقا على الديمقراطيات التقليدية، حتى بالمقاييس البشرية
السائدة((60)). وربما يتفرد هذا النظام، بمختلف مكوناته:
الفقيه والدستور والقادة والمسؤولين، ويكون في هذه
المجالات وغيرها، خيار الامة الحر، عبر الاستفتاءات
والانتخابات العامة.
اشكاليات الاجتماع السياسي الاسلامي:
لقد عمل النظام السياسي الاسلامي الحديث عبر نظريته
وفقهه آلياته، على معالجة اشكاليتين اساسيتين في الفكر
السياسي الاسلامي الموروث والمعاصر، تعبر كل منهما عن
ثنائية مهمة:
الاشكالية الاولى تتمثل بثنائية الشورى وولاية الفقيه، اذ قدم
دستور الجمهورية الاسلامية الايرانية حلولا نظرية
وعملية مستوعبة لطرفي الثنائية، اعطته صورة نظام ولاية
الفقيه القائم على الشورى، سواء المفهوم الموروث للشورى، اي
اعتمادآراء اهل الحل والعقد في ممارسة السلطة، ام المفهوم
المعاصر له، والذي يرتكز على مقولة الحقوق والحريات العامة
للامة، وفي مقدمها المشاركة السياسية((61)). وخلاصة صورة
هذا النظام هي انه نظام افرزته واقرته الشريعة الاسلامية،
فبات مجسدا لارادة الشريعة وتعاليمها ووكيلا عنها من جهة، ومجسدا لارادة الامة وتطلعاتها من جهة اخرى. ومن هنا
فان حكومة النظام الاسلامي، اذا اخطات فخطاها خطا التطبيق
والاداء وليس خطا الشريعة او النظرية. اما الحاكم(الفقيه)
فان الشريعة تعينه نوعيا وتشير الى مواصفاته ثم يكشف عنه
الناس ويختارونه، في اطار عملية مفاضلة بين الحائزين على
هذه المواصفات. وبالتالي فان النظام الاسلامي هو
وكيل الامة لدى الشريعة وليس وكيل الامة بالمطلق، كي
يكون التشريع في اطار الشريعة وضوابطها. كما ان ولاية
الفقيه تمثل مسؤولية الامة امام الشريعة. وفي الوقت نفسه فان
الولي الفقيه مسؤول عن ادائه، قبالة الشريعة والامة معا.
الاشكالية الثانية تتمثل بثنائية الفقه السياسي لمدرسة
الخلافة( اهل السنة) والفقه السياسي لمدرسة الامامة(
الشيعة). هنايمكن القول: ان التعبير الدستوري لنظرية ولاية
الفقيه والتي ترشح عنها النظام السياسي الاسلامي الحديث،
تمكن الى حدكبير من التقريب عمليا بين
المدرستين((62))، بصرف النظر عن الخلافات في المجالين:
الكلامي والفقهي. والحقيقة ان الموضوع الذي له مدخلية
كبيرة في الخلاف بين المدرستين يرتبط بالجانب الكلامي،
ويتمحور حول موضوع الامامة، الاان الصيغ التطبيقية التي
اعتمدها نظام الجمهورية الاسلامية في ايران لم تتاثر كثيرا
بهذا الموضوع، على اعتبار ان هذه الصيغ خاصة بعصر غيبة
الامام المهدي .#واشكالية كون الولي الفقيه امتدادا او نائبا
للامام المهدي، فهي اشكالية يترشح عنهاخلاف نظري في
الغالب، لا علاقة كبيرة له بالصلاحيات والاساليب والاليات التي
ثبتتها وثيقة الدستور وقوانين النظام الاسلامي. الحرية وقضايا الحوار في الراهن العربى أ. محمد محفوظ المقدمة
لا نعدو الصواب حين نقول: ان مشروعات التنمية، وانهيار عالم
السياسة الحضارية، يرجع بالدرجة الاولى الى غياب الحرية
وخضوع المجتمعات العربية والاسلامية الى تبعيات متعاظمة
في الاقتصاد والثقافة.
فالاستعباد والخضوع الاعمى لقوى السيطرة هو الذي يحول
دون الحيوية والفاعلية والانطلاق في رحاب مشروعات التنمية
الشاملة.
لذلك، فان تثبيت قواعد الحرية، في المحيط المجتمعي، لا
يتاتى الا بتاسيس علاقات ووقائع تكسر حواجز الاثرة ونوازع الانا
الضيقة وممارسات الشطب والالغاء والنفي والتكفير والتشريد،
وتؤسس لحسن الاستماع وقبول الاخر، واحترام وجوده وفكره
وقناعاته.
قال تعالى <الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه اولئك
الذين هداهم الله واولئك هم اولو الالباب>[الزمر/18].
وقال تعالى <قل يا اهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا
وبينكم الا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا
بعضااربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بانا
مسلمون> [آل عمران/64].
فالكلمة السواء لا تنجز الا بعقل حواري يثري مضمون الحرية
على المستويين: الانساني والحضاري.
فلا حرية حقيقية بلا حوار بين الافكار والثقافات والمجتمعات
السياسية والثقافية والحضارية، وذلك لان سبيل تعميم
قيم الحرية هو الحوار، ومن دونه تبقى الحرية شعارا يرفع من
دون ان تكون وقائع الراهن تجسيدا لها ولمثلها العليا. تجربة الحوار
وتجربة الحوار، بين الافكار والمجتمعات، هي التي تثري سؤال الحرية في الفكر
والواقع، وهي التي تعطي لمضمون
الحرية ابعادا تاريخية وآفاقا مستقبلية مشرعة لابداعات الانسان
ومبادراته، في سبيل. تحذير مفهوم الحرية وتجربتها في
الواقع الاسلامي المعاصر.
فالحوار ليس من اجل الغاء الخصم او ثنيه عن افكاره وقناعاته،
وانما من اجل الحرية وافقها الانساني والحضاري. والحرية لا
تعني، باي شكل من الاشكال، تجميد الاختلافات الفكرية
والسياسية، وانما تنظيمها وجعلها تسير في اتجاه توافقي
آبنائي. ويخطئ من يتعامل مع الحرية باعتبارها وسيلة تجميد
الخلافات الفكرية والسياسية.
ان الحرية والديمقراطية هما وسيلتا الانسان المتحضر في
تعامله مع الاختلافات الفكرية والسياسية. فهما توفران
آليات لتنظيم هذه الاختلافات ونشر اخلاقيات وآداب عامة،
توجه التباينات الفكرية والسياسية نحو البناء
والتجديدوالعمران.
ولان الحوار سبيل الحرية ومن اجلها، ينبغي ان تتركز قيمته
على مفاهيم مجتمعية وسياسية تثري مضمون الحرية،
وتحفزالقاعدة الاجتماعية على تبني خيار الحرية
والديمقراطية على مستوى الاقوال والافعال، وعلى مستوى
المعتقد والسلوك،وذلك من اجل خلق مجتمع الارادة
والاختيار. الحوار وآفاق الحرية
فحجر الاساس، في الحرية، هو انها لا تنجز الا على اساس
قوانين الحوار والاختيار لدى الفرد والجماعة:
والحرية،وفاقالهذا المنظور، هي مفتاح التقدم، وطريق تعبئة
الطاقات والامكانات ومشاركتها جميعا في البناء والعمران.
وكان الحوار وسيلة نشر الدعوة، لم تكن هناك وسيلة اخرى غير
الحوار والاقناع، لان الفتوحات لم تستمر اكثر من مئة عام، ولم
يتعدتاثيرها انشاء سلطة سياسية للعرب المسلمين. على كل
حال، ان معظم الجماعات الاسلامية
غير العربية، انضمت الى الاسلام بعد توقف الفتوحات. اما على
صعيد وحدة الامة، فقد كان الحوار قاعدة ضرورية للحفاظ على
هذه الوحدة التي استمرت حتى بعد انهيار سلطة الخلافة
المركزية وتعدد الدول السلطانية الحاكمة. ادى الحوارالداخلي
بين المسلمين الى انقسامهم الى مذاهب ومدارس فكرية
تعددت الاساليب المعتمدة لاستنباط افكار جديدة واكتشاف
حلول للمشاكل المطروحة. وتعددت العلوم التي استخدمت
من اجل تحقيق مستويات اعلى من المعرفة، ولم يكن لديهم
خوف من الخلافات المذهبية داخل صفوفهم، فكانهم كانوا
يدركون ان الحرية في الحوار والنقاش والتسامح ازاء آراء
الاخرين وازاء الخلافات وتعدد الاجتهادات هي الوسائل التي
تضمن وحدة الامة((63)). والحوار الذي لا يستند على قاعدة الحرية، هو حوار الطرشان، ويقع بعيدا عن المعنى الحقيقي للحوار الذي يسمح للمتحاورين بالانفتاح على جميع الاراء والبوح بجميع القناعات والمواقف من دون خوف ووجل. فالحوار يرتكز على الحرية الفكرية في الساحة الحوارية، لان الانسان الذي لا يمتلك حريته في طرح ما يريد من سؤال او اعتراض او مناقشة، لا يستطيع الوصول الى الحق اذا لم يجد الفرصة للاجابة عن سؤاله، ومناقشة وجهة نظره. ولذلك فان الاسلام يتقبل اي سؤال في اي موضوع، ولكنه يضع شرطا مهما، وهو ان يكون المحاور مثقفا بالفكرة التي يخوض الحوار حولها من موقع الموقف المضاد، او منفتحا على آفاق المعرفة في ما يريد ان يسال عنه، وهذا هو مضمون الاية الكريمة: <ها انتم هؤلاءحاججتم في ما لكم به علم فلم تحاجون في ما ليس لكم به علم> [آل عمران /66].
والمحيط الذي يحارب الحوار هو محيط مستبد وقمعي، حتى لو رفع راية الحرية، لانه
لا يمكننا ان نتصور حرية بلاحوار. فهو قرين الحرية، ووسيلتها في تعميم القيم
ونشر القناعات والمبادئ. و" عملية الحوار تتنافر بطبيعتها مع
الاجابات الجامدة، والمسلمات المتحجرة، والانساق المطلقة...،
وكهنوت الاباء المقدسين، فان هذه العملية تنفي نقائضها التي
تكبح حركتها، وتقاوم ما يحد من قدرتها بما تؤسسه من وعي
ضدي، يرفض صفات الاطلاق والتسليم والتقليد،
الخنوع والاذعان، وكل الوان التسلط والارهاب"((64)).
وفي المقابل نستطيع القول: "بقدر غياب الحرية في المجتمع
يغيب الحوار، وتسود لغة الصوت الواحد التي هي
المقدمة الطبيعية للغة الارهاب. واذا كان الارهاب الغاء لوجود
الاخر، ونفيا لحضور العقل، او فعل اختيار المعرفة، فانه يبدا
من حيث ينقطع الحوار، ومن
حيث تشيع مخدرات التسليم والتصديق، ومسكنات الاذعان
والاستسلام، ومبررات بطريركية الفكر او مطريكية الثقافة.ان
الارهاب يتولد من رفض لغة الحوار وشروطه، اي تسلطية
الصوت الواحد، من الايمان بان ما تقوله وحدك هو الحق،وان
الحق ملك خاص لك، ومن التسليم بان فردا ما، فكرا ما، زعيما
ما، يمتلك ما يجعل منه الاعلى ويهبط بالاخرين الى الدرك
الادنى، كاننا ازاء مجلى النبي الملهم، او الصورة البشرية
للحقيقة الكلية((65)). الحرية ومعنى الاختلاف
فالحوار والتواصل الفكري الدائم، من المداخل الاساسية
لتجذير مفهوم الحرية في الواقع المجتمعي. اذ من خلال
هذاالحوار الجاد والمتواصل تتاسس شروط التحول الفكري
والاجتماعي. وبالحوار يتم تجديد مفهوم الحرية وتطويرها
على المستويين النظري والعملي، ويتم اكتشاف آليات جديدة
ومبدعة للنهوض بالحرية في الواقع المجتمعي.
ولا يمكن مقاربة مفهوم الحرية، في الفكر الاسلامي المعاصر،
بمعزل عن مفهوم الاختلاف، وحق الانسان الطبيعي في
هذا الاختلاف.
وجذر حق الاختلاف، في المنظور الاسلامي، هو ان البشر
بنسبيتهم وقصورهم لا يمكنهم ان يدركوا جميع حقائق
التشريع ومقاصده البعيدة، وانما هم يجتهدون ويستفرغون
جهدهم في سبيل الادراك والفهم، وعلى قاعدة الاجتهاد
بضوابطه الشرعية والعلمية، يتاسس الاختلاف في فهم الاحكام
والحقائق الشرعية، ويبقى هذا الحق مكفولا للجميع.
فالاختلاف مظهر طبيعي في الاجتماع الانساني، وهو الوجه
الاخر والنتيجة الحتمية لواقع التعدد. اعني ان التعدد لا بد
من ان يستدعي الاختلاف ويقتضيه. فالاختلاف من هذه
الزاوية، قبل ان يكون حقا، هو امر واقع ومظهر طبيعي من
مظاهرالحياة البشرية والاجتماع البشري، وكما تتجلى هذه
الظاهرة الطبيعية بين الافراد تتجلى بين الجماعات ايضا.
لذلك فلامجال لانكار ظاهرة الاختلاف بما هي وجود متحقق،
سواء من حيث الوجود المادي للانسان ام من حيث الفكر
والسلوك وانماط الاستجابة.
وفقا لهذا المنظور، لا يشكل الاختلاف نقصا او عيبا بشريا يحول
دون انجاز المفاهيم والتطلعات الكبرى للانسان عبرالتاريخ.
وانما هو حق اصيل من حقوق الانسان، ويجد منبعه الرئيسي
من قيمة الحرية والقدرة على الاختيار. واجماع الامة، تاريخيا،
على قضايا فكرية او
سياسية وما شابه ذلك، ليس وليد الراي الواحد، وانما يتحقق
الاجماع عن طريق الاختلاف الفكري والثقافي، الذي
يثري الواقع، ويجعل الاراء المتعددة تتفاعل مع بعضها وتتراكم
حتى وتصل الامة الى مستوى الاجماع.
وسيادة الراي الواحد تؤدي الى التخشب واليباس، والى توقف
العقل عن التفكير في القضايا الجادة، وضمور حالات التجديد،
والاستسلام لقوالب ونماذج ثقافية وفكرية جاهزة.
والبيئة الاجتماعية التي تقمع الاراء، وتنظر الى الاختلافات
والاجتهادات الثقافية والفكرية نظرة شائنة، هي البيئة
التي تزدهر فيها حالات الجمود واللامبالاة، وتعشعش فيها
جميع الهوامش والطفيليات.
فالعقل قرين الحرية، فلا عقل فعالا من دون حرية، ولا حرية
مستديمة من دون عقل يمارس التفكير والسؤال
والمساءلة،ويتحرك دائما نحو تجديد افق المعارف والتصورات،
وحرية تؤسس للشروط اللازمة لممارسة العقل سلطته
ووظيفته الجوهرية.
ومن خلال الصلة الوثيقة بين العقل والحرية، تتجدد ادوات
المعرفة، وتتطور انماط الانتاج العقلي والمعرفي. ووفاقا
لهذا السياق، نتمكن من القول: ان الخرافة والتقليد الاعمى
للاخرين من مضادات الحرية..، بمعنى ان سيادة الخرافة يعني
تراجع مستوى الحرية، كما ان شيوع حالات التقليد الاعمى
يعني ضمور مجالات الحرية. فلا يمكن ان تلتقي الحرية مع
الخرافة،كما انه لا يمكن ان تنسجم حالات التقليد الاعمى مع
متطلبات الحرية.
والاسلام الذي كفل حق الاختلاف وعده من النواميس الطبيعية، جعل التسامح والعفو سبيل
التعطي والتعامل
بين المختلفين. فحق الاختلاف لا يعني التشريع للفوضى او
الفردية الضيقة، وانما يعني ان تمارس حريتك على صعيد
الفكروالراي والتعبير، وتتعامل مع الاخرين وفاقا لنهج التسامح
والعفو. وبهذا لا يخرج الاختلاف عن اطاره المشروع،
وفي الوقت نفسه يمارس دوره الحضاري في حفز الهمم والبحث عن الحقيقة، والتعطي مع جميع الاراء والتعبيرات
بعقلية حضارية تنشد استيعاب الاراء، وتستفيد منها جميعها في
بناء واقعها ومسارها.
فالاختلاف لا يساوي الرذيلة والاثم والخلل، وانما هو ناموس
كوني وجبلة انسانية. الخلاف والتشرذم والتفرقة، هي
التي تساوي الاثم والخلل. وعلى هذا ينبغي ان نجدد رؤيتنا
للاختلاف، ونتعامل معه وفاقا لعقلية جديدة، لا ترى فيه
اثماومعصية، وانما قدرة انسانية
مفتوحة ومتواصلة لاثراء الواقع والحقيقة.
فالاختلاف هو الوجه الاخر لضرورة الاجتهاد واعمال العقل
والفكر، كما ان الخلاف والتشرذم هما الوجه الاخر
للخضوع للاهواء والغرائز والنزعات الشيطانية، التي تتمرد على
القيم والاخلاق، وتؤسس لصراعات وفتن دائمة، وتدخل
الجميع في اتون النزاعات التي لا طائل من ورائها.
فالحرية لا تعني الانفلات من الضوابط الاخلاقية والانسانية،
وانما تعني امتلاك القدرة على التعرف والاختيار وفاقا
لقواعدعقلية او ضوابط شرعية.
فهي تتجه الى الكمال وليس الى التخريب، والى الانسجام
ونواميس الكون والمجتمع وليس للخروج عنهما. نحو عقد سياسي جديد
في ظل الخلافات والنزاعات السياسية والاقتصادية
والاجتماعية التي تنتاب العديد من مناطق العالم الانساني،
من الضروري ان نتساءل: كيف لنا في هذا الجو المحموم، ان
نبدع ثقافة حوارية، تسهم في تطورنا الروحي
والانساني والحضاري؟ كيف لنا ان نطور ثقافة البناء والاصلاح
في عالم يمور بالخلافات والنزاعات والحروب.
ونحن، حينما نطرح هذه الاسئلة المحورية، لا نجنح الى
الخيال والتمني، ولا نتجاوز المعطيات الواقعية، وانما نرى
ان الخروج من نفق الحروب والنزاعات ومتوالياتهما النفسية
والاجتماعية والسياسية، لا يتم الا بتوطيد اركان ثقافة
الاصلاح والحوار والتوازن. ولا بد من ادراك ان هذه الثقافة،
ليست حلا سحريا للمشكلات والازمات، وانما هي الخطوة
الاولى لعلاج المشكلات بشكل صحيح وسليم.
فالعنف المستشري، في حياتنا السياسية والاجتماعية
والثقافية، لا يمكن مقابلته بالعنف، لان هذا يدخل الجميع في
اتون العنف ونتائجه الخطيرة، ولكن نقابله بالمزيد من الحوار
والاصلاح في اوضاعنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية،
بمعنى العمل على تطوير الحالة السياسية والاجتماعية
والاقتصادية، وتحسينها، وهي الحالة التي تسهم بشكل او بخر،
في تغذية قوافل العنف والقتل والتطرف بالمزيد من الافكار
والمسوغات.
ان طبيعة التطورات الاستراتيجية والاحداث السياسية التي
تمر بها المنطقة، تتجه الى تاكيد حقيقة اساسية في
المشهدالسياسي للمنطقة، وهي: ان النخبة، او الفئة، سواء
كانت حاكمة ام محكومة التي تربط مصيرها بخارج حدود
الوطن لن يفضي عملها الا الى المزيد من الارباك والتدهور، اذ
ان الارتباط الهيكلي بخارج الحدود، سيزيد من فرص استخدام
القهر والقوة لفرض الخيارات وجبر النقص في العلاقات
الداخلية من جراء الارتهان للاجنبي. وهذا يقود الى تنامي مشاعر العداء والخيبة لكل ما يجري في الساحة العربية، وستشهد المنطقة من جراء ذلك حالة من عدم الاستقرار والقلق والخوف، كما سيتفاقم العنف الرمزي والمادي، لان القهر والظلم والاذلال ينبوع دائم للارهاب والعنف وعدم الاستقرار.
وهذا يدفعنا الى الاعتقاد الجازم بان الاستقرار السياسي
الحقيقي والدائم في فضائنا العربي والاسلامي لا يتاتى من
حالة الارتهان للاجنبي، او الانسجام المطلق مع استراتيجياته
وخياراته الاقليمية والدولية، بل ان هذه الحالة تزيد من
فرص انهيار الاستقرار وتفاقم من حالات اختراق الامن الوطني
والقومي.
لذلك فانه يخطئ من يتصور ان بوابة الاستقرار السياسي
والاقتصادي والاجتماعي في مجتمعاتنا تتمثل في
الخضوع لرهانات الاجنبي وخياراته في الغطرسة والهيمنة.
فالتجارب السياسية تثبت ان الارتهان للاجنبي لا يجلب الا
المزيد من الصعوبات وسخط المجتمعات وفقدان ثقتها
وايمانهابنخبتها السياسية والاقتصادية.
وفي ظل الاوضاع الراهنة، تزداد مخاطر الارتهان للاجنبي على
مختلف المستويات. ويبقى في تقديرنا خيار تنمية مشروع
المصالحة الداخلية في الفضاء السياسي والاجتماعي العربي. اذ
اننا لا يمكن ان نحقق الامن والاستقرار الا على قاعدة
المصالحة الداخلية في المجتمعات العربية بين مختلف
المكونات والتعبيرات.
مصالحة بين السلطة والمجتمع، بين النخب السياسية
والثقافية والاقتصادية، بين المكونات والتوجهات الدينية
والقومية، بحيث يتوافر مناخ جديد يزيد من فرص الوفاق
والتوافق، ويقلل من امكانية الصدام والصراع المفتوح بين
الخيارات المتوافرة في الساحة..
اننا جميعا، نخبا ومجتمعات، لا نمتلك القدرة الحقيقية لانجاز
حلول جذرية لازماتنا ومشكلاتنا. واستمرار اوضاعناواحوالنا
على حالها سيفاقم من الازمات وسيوصلنا جميعا
الى شفير الهاوية.
لذلك، وفي ظل احوالنا المتردية والتحديات والمخاطر الكبرى
التي تواجهنا من مختلف المواقع، وغياب القدرة الحقيقية لدينا
جميعا للانعتاق الجذري من هذه الاختناقات، لذلك كله لا
يبقى امامنا كحكومات وشعوب يلتفت بعضنا الى بعض، ونعمل
بوعي واحساس عميق بالمسؤولية لاطلاق مشروع مصالحة
سياسية واجتماعية بين مختلف مكونات المجتمع، حنى
نتمكن من الخروج من هذه الدائرة الجهنمية التي تراكم
المخاطر وتكثف من التحديات وتزيدنا ضعفا وتراجعا وانتكاسا.
فالتطورات السياسية الاخيرة، في العراق وفلسطين، تؤكد ان
المجال العربي باسره عاجز عن حماية ذاته والدفاع عن
امنه الوطني والقومي وان المشروع الصهيوني "يتغول"
ويتضخم ويصل الى اهدافه الخطيرة من جراء عجزنا وضعفنا.
ولن تستطيع الخطب الرنانة، او الشعارات الصارخة، ان تغير من
احوالنا واوضاعنا وتزيل عن كاهلنا حالة العجز المطبق
التي كلفتنا ولا تزال تكلفنا الكثير من الخسائر والانكسارات. كما
ان استمرار الاوضاع الداخلية في البلدان العربية على
حالها، يعني استمرار الاخطار والخسائر. وهذا ينذر بحدوث
كوارث سياسية واقتصادية واجتماعية في العديد من
المناطق والبلدان.
لذلك لا خيار حقيقيا امامنا الا مصالحة انفسنا واعادة بناء عقد
سياسي واجتماعي جديد على المستويين الوطني
والقومي،حتى نتمكن من توفير شروط الخروج والانعتاق من
هذه الازمات الخانقة التي تهدد وجودنا ومستقبلنا كله.
فلا احد في العالم العربي كله يتحمل اليوم الانتقال من خسارة
الى اخرى، ومن نكسة الى نكسة اخرى اشد منها وطاة وخطرا
وتاثيرا على الحاضر والمستقبل. ففي ظل الاوضاع الحالية،
ازدادت الامة معاناة وتراجعا، وفي ظل النظام العربي الرسمي
القائم توسع المشروع الصهيوني، واصبح يهدد الجميع امنيا
وسياسيا واقتصاديا، وازددنا تفككا وتفتتا على ضوء الموقف من
مشروع السلام والتطبيع.
وفي ظل هذه الظروف والاوضاع، حدثت حروب ومصادمات
عربية عربية ارهقت الجميع، وادت الى اضرار فادحة في جسم
الامة.
وخلاصة الامر: ان جميع الوقائع والتطورات الداخلية
والخارجية، تثبت بشكل لا لبس فيه حاجتنا جميعا الى نظام
وعقدسياسيين جديدين يضعان الامة من جديد في الطريق
الصحيح من
اجل تحقيق اهدافها وتطلعاتها التاريخية.
اننا احوج ما نكون اليوم الى عقد جديد ينظم العلاقات الداخلية
بين قوى الوطن المتعددة وبين الدول العربية بعضها مع بعض.
وينمي طاقاتنا ويصقل مواهبنا ويعزز قدراتنا الذاتية
والموضوعية ويحرر ارادتنا من العجز او الارتهان
والتبعية،ويشحذ جميع طاقات الامة وقدراتها من اجل استعادة
حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة والتاريخية، ودحر
المشروع الصهيوني من فضائنا ومجالنا السياسي والحضاري.
فثغرات واقعنا العربي عديدة وعظيمة، والتحديات والمخاطر
التي تهددنا متواصلة، ولا خيار امامنا الا اعادة ترتيب اوضاعنا
واحوالنا على اسس جديدة تاخذ بعين الاعتبار جميع
التطورات والتطلعات الداخلية، من دون ان تغفل
حاجتناجميعا الى الائتلاف والوحدة.
وهذا يتطلب من النخب السياسية، في المجال العربي، اتخاذ
اجراءات وخطوات عملية ملموسة لوقف الانهيار والانطلاق في
بناء حياة سياسية جديدة، تؤسس لمشروع عربي جديد، يحقق
نهضتنا، ويوفر لنا القدرة النوعية لمجابهة التحديات الكبرى
التي تفرضها قوى الهيمنة والغطرسة في المجال العربي. |