الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

وان الخطوة الاولى، في مشروع وقف الانهيار واعادة التوازن الى المجال العربي، هي اصلاح العلاقة بين السلطة والمجتمع في الاطار الوطني والعربي وتطويرها. فهي مدخل وقف التراجع والتقهقر، وهي التي تمكننا من التغلب على المصاعب الاقتصادية والسياسية التي تواجه دول العالم العربي لاسباب وعوامل مختلفة. وان هذه المصالحة، بما تتضمن من رؤية ونمط جديدين للعلاقة والتعامل، هي اليوم اكثر من ضرورة.. انها خيارنا المتاح للدخول في حركة التاريخ من جديد وتجاوز جميع المعضلات والعقبات التي تحول دون تقدمنا وانطلاقتنا من جديد. وما لم تقم دول العالم العربي بمشروع المصالحة مع شعوبها ومجتمعاتها، فسيكون مستقبل المجتمع العربي باسره قاتما وخطيرا على مختلف المستويات. فلا تقدم من دون اصلاح، ومن ينشد التطور والتقدم من دون القيام بخطوات اصلاحية حقيقية، يراكم الكثير من الازمات في اغلب الخطوات التي يقوم بها، ويكثف من حالات الاحباط والفشل. فالارتباط بين الاصلاح والتقدم هو ارتباط النتيجة بالسبب.

وهذا العقد الاجتماعي - السياسي هو الذي يصالح الجميع، وهو المرجعية العليا لكلا الطرفين. فمفتاح الخلاص للعديد من التوترات والازمات، هو وجود عقد ينظم طبيعة العلاقة بين قوى الامة ومؤسساتها المتعددة. ويحدد الاهداف المرحلية والاستراتيجية التي تسعى اليها قوى الامة، وتبلور حقوق كل طرف وواجباته. ومن المؤكد ان تنظيم العلاقة بين مختلف مكونات الامة، بحاجة الى العديد من الجهود والامكانات، والى ثقافة سياسية جديدة، تاخذ على عاتقها تعبئة المجال العربي وفاقاء لاهداف واضحة واساليب ممكنة وحضارية، والى اعادة تشكيل الخارطة السياسية والثقافية، بحيث نصل الى مستوى حضاري يحكم علاقة السياسي بالثقافي والعكس.

وجماع القول: ان بوابة خلق الاجماع الوطني والقومي الجديد، هي تجديد الحياة السياسية، وتوسيع مستوى المشاركة فيها، وتنظيم قواعد التنافس والصراع فيها ايضا. والعقد السياسي الاجتماعي الجديد، هو الذي يوفر الارضية المناسبة لتطوير مؤسسة الدولة وتحديث هياكلها الدستورية،وبناء الاقتصاد الوطني ووضع برامج النهوض في مختلف الميادين والمجالات.

الشعارات والشعائر
الوظيفة والتوظيف

أ. مختار الاسدي*

* كاتب وناقد من العراق

مقدمة

درج عموم الناس على الدمج بين مصطلحي الشعارات والشعائر، وتساهل بعض العلماء في تفسيرهما، فتغبشت الرؤية لدى الجميع، وفقدوا القدرة على التفكيك بينهما، حتى آل الامر الى البسطاء من الصنفين، ان عجزوا حتى عن التمييز بينهما وبين الشعر او المشاعر احيانا.

فلم يعد غريبا ان نقرا مثلا: "نرجو حضوركم الى الحفل التابيني اوالفاتحة الفلانية او احياء المناسبة الكذائية"، واختتامها بعبارة: "ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب"، ولم يعد مثيرا للاستغراب ان توصف مجالس الذكر وتكايا التطبير،وربما امسيات الدروشة والدرباشة، وضرب السلاسل ورفع المشاعل((66)) بانها من الشعائر.

وبسبب هذا التداخل، لم يعد الكثيرون يميزون بين شعائر الله التي ورد فيها نص كريم في قرآن او حديث او قول ماثور،وبين الشعارات والمشاعر التي تاتي متناغمة احيانا مع هذه الحقبة الزمنية او تلك، او منسجمة مع هذا الموقف او العرف السياسي او الاجتماعي او ذاك.

وفيما لم يتجاوز عدد مصاديق كلمة "الشعائر"، في القرآن الكريم، اصابع اليد او اكثر من ذلك بقليل، تجاوزت مصاديق "الشعارات" في الواقع الى ما لا حصر له ولا عد، وغطت من العناوين والواجهات ما لا عين رات ولا اذن سمعت ولا خطرعلى قلب بشر...

يقول القرآن الكريم في هذا السياق:
<ان الصفا والمروة من شعئر الله...> [البقرة/158]
<يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام...> [المائدة/2]
<ذلك ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب...> [الحج/32]
<والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير...> [الحج/36]
لا اكثر من ذلك ولا اقل، وفي عموم القرآن الكريم وعلى امتدات آيات الله البينات.

نقول: جاءت مصاديق الشعائر هذه في مواطن ومواقف محدودة في القرآن الكريم والاحاديث النبوية والسيرة المطهرة،وجاءت تعبيرا صريحا عن اعمال عبادية واضحة لا افراط فيها ولا تفريط، كما حددت احكامها واصولها من قبل الفقهاءوعلماء الدين في دوائر معروفة لا تطويل فيها ولا تعريض. الا بما تسمح به دوائر الاجتهاد الكريم لهذا الفقيه او ذاك، او تراه هذه الفتوى الشرعية المحترمة او تلك...

ما حدث، بمرور السنين والايام، ان عوام الناس سحبوا كلمة الشعارات على الشعائر او بالعكس فترسخت بعض الشعارات في بعض الاذهان لتصبح "شعائر"، اي شعائر عبادية يجري تنفيذها او ممارستها بنية العبادة والتقرب الى الله تعالى، مع ان الكثير منها "لم يرد فيها نص شرعي" لا من قريب ولا من بعيد، "ولم يثبت التعبد بها لا بخصوصها ولا بعنوانها العام"((67)) .الذي جاءت او جيئت به او وضعت لاجله او من اجله...

وهذا يعني ان الشعارات جاءت في مواطن وضمن مناطات او ملاكات لا علاقة لها بالفقه والتعبد وانما اءخضعت لهذا الحكم"الشرعي" او ذاك، بالعناوين الثانوية المعروفة كالطاعة والالتزام واحترام الذوق العام وتوحيد الصف وما الى ذلك، اي كماجاء شعار اصحاب رسول الله غ مثلا في يوم بدر: "يا منصور امت"، او شعار اصحاب القائم(ع) الذي سيكون "يا لثارات الحسين"((68)) كما تقول بعض الروايات التاريخية وهكذا شعار بعض الثوار في مراحل زمنية متباينة من تاريخ الاسلام المجيد، مثل شعار المسلمين يوم احد: "يا نصر الله اقترب"، او شعارهم في يوم بني النضير: "يا روح القدس ارح"، وفي يوم الحديبية: "الا لعنة الله على الظالمين"، او يوم خيبر: "يا علي آتهم من عل او (انهض) من عل"، ويوم تبوك: "يا احد يا صمد"((69)) وهكذا...

وبعد ان اخذت "الشعارات" ماخذها في الذهنية العامة للمسلمين، وسورت بقدسية خاصة بمرور الزمن، صارت من الموضوعات الحساسة التي ينبغي معالجتها في جو خاص من الهدوء والتروي، بعيدا عن الاستفزازات والاشارات التي يضيع الصواب فيها اذا ازدحم الجواب كما يقول اميرالمؤمنين(ع) فيشتبك الوعي مع العاطفة، والفكرة مع السكرة، والمندوب مع الواجب،والقطعي مع الظني، والمحكم مع المتشابه، والثابت مع المتغير، و"الناسخ مع المنسوخ" وهلم جرا...

وبما ان الشعارات ممارسات اعلامية تضطلع بها الجماهير العريضة في التعبير عن موقف خاص واعلان مطلب معين، فهي بالتالي ليست مسالة فقهية ليجري ادراجها تحت المظلة الشرعية، ومن ثم الاستدلال عليها او محاكمتها فقهيا على ضوءالنصوص الواردة في بعض الشعائر، سواء الواجبة منها كالصوم والصلاة والهدي والسعي بين الصفا والمروة، ام المستحبة منها كالاذان والجماعة والمتم ومراسم التشييع وذكريات احياء المناسبات الدينية كليلة القدر والاسراء والمعراج وزيارة الائمة والصالحين والتزود منهم، وامثال ذلك...

ومهما عظمت هذه الشعارات او تقدست، فلا ينبغي ان توضع في عرض الشعائر، وان وضعت في طولها، بخاصة اذا ثبتت في الوجدان الشعبي العام، وترسخت بوصفها قناعة ايمانية مسلم بها وعرف ديني موروث ربما يروح السواد الاعظم من بسطاء عباد الله يتعبدون به بمرور الايام، الامر الذي قد يقود او يؤدي تدريجيا والعياذ بالله الى حقول البدعة اوالابتداع التي لم يات بها نص، ولم يوص بها امام، ولم يمارسها عالم او مرجع وما انزل الله بها من سلطان...

اما التسامح في الشعارات ومسايرة العوام، مجاراة او استرسالا، وتحول هذه الشعارات في الذهنية العامة، الى "شعائر"وحشرها في دائرة المظلة الشرعية المذكورة، او تركها على عواهنها في دائرة التسامح الكريم للدين، فان ذلك لا يخلو من مخاطر قد تضع المسؤولين والعلماء والمفكرين والفقهاء في احراجات كثيرة ربما يكثر العثار فيها والاعتذار منها، بمرور الايام...

ومن هنا تاتي الضرورة العقلائية في التعطي المسؤول مع الشعائر بالعنوان الثانوي طبعا لئلا تتحول الى "مقدسات"يجري استخدامها هراوة تقرع كل طائفة بها اختها، او حكما شرعيا يقصف به فصيل فصيلا وتكفر به جماعة جماعة، وربماتكون من الانتماء المذهبي او العقدي نفسه في بعض الاحيان، مع الاسف الشديد... ((70)).

ومن هنا ايضا، ولاجل الحفاظ على قداسة هذه "الشعائر" او الشعارات وليس تقديسها طبعا، يجب ان تلحظ مستويات الجماعة المؤمنة التي تمارسها، وقيمها وتقاليدها ودرجة وعيها واعرافها وخصوصياتها من دون التجاوز على ذلك،استفزازااو استخفافا ، والتركيز فقط وفقط على الهية الهدف الذي تقام من اجله، والهية المحتوى الذي تنوي تحقيقه، كان يكون دعوة بر وخير، او براءة من كفروانحراف. وكذلك الهية الشكل الذي يطهر حضيرة الاطار الذي تؤدى فيه، او يفترض هكذا من خلال طرح هذا الشعار اواقصاء ذاك...

ولسنا هنا في صدد احصاء محافل الذكر والدروشة و"الدرباشة" مثلا، التي تقام في هذا البلد الاسلامي او ذاك او ترقيمها اووصفها، ولسنا في صدد عرض مناسبات او احتفالات ذكرى ولادة النبي الاكرم غ وطرق احيائها "النقشبندية او القادرية اوالكيلانية"، ولا في صدد عرض احياء ليالي القدر او ليالي الجمع والاعياد والموالد والوفيات في البلدان الاسلامية على امتداد الوطن الاسلامي الكبير او تقويمها او نقدها، وانما في صدد التوقف في اطار الدائرة الشيعية الخاصة وطريقة احياءذكرى سيد الشهداء الامام الحسين(ع) وذكرى وفاة سيدة النساء الزهراء (عليها السلام) وما وصلت او اوصلت اليه هاتان المناسبتان العظيمتان في الوجدان المسلم عموما، والوجدان الشيعي على وجه الخصوص، لا سيما ان مراسم احياء هاتين المناسبتين صارت تتطلب شعورا عاليا بالمسؤولية يتناسب مع ما دخل او اءدخل من جديد فيهما، يرتفع وحجم التحديات التي باتت تستهدف الصحوة الاسلامية عموما، وتسعى للاجهاز على المشروع النهضوي الاسلامي المعاصر بشكل خاص.

ولعل اول ما تعنيه هذه الاثارة، او الاشارة، هو تحديد القواسم المشتركة التي ينبغي ان يتوقف عندها المعنيون باحياء هاتين الذكريين العظيمتين، وذلك بتقديم الخطاب التعبوي على التوجيه الفكري او بالعكس، اي تقديم الفكر على العاطفة اوبالعكس، وعدم ترك المسالة للدهماء واعداء الدين، حيث تضيع الاهداف العظيمة للاسلام بين قصور الصنف الاول اوتقصيره ، وخبث الصنف الثاني او مكره. وهذه اول خطوة او محاولة لاغتيال العقل الشيعي او تصفيته والاجهاز عليه، ومن خلال هاتين المناسبتين الخالدتين في الوجدان الشعبي الشيعي المرهف الحساس.

كلمة البدء سيدة النساء(عليها السلام)

لا نريد التوقف كثيرا مع ذكرى سيدة النساء(ع) لئلا يطول بنا المقام وتاخذنا الشجون وتغمرنا الزفرات والالام، لان هذاخارج اطار المقصود من هذا البحث المقتضب، وانما وددنا الاشارة العابرة فقط الى هذه الذكرى الاليمة لكي نجعل من استحضار صاحبتها او استذكارها (سلام الله عليها) محطة استنهاض عظيمة لبنات الاسلام في الاقتداء بهذه الزوجة العظيمة والام الكريمة والثائرة الطاهرة، فكرا وسلوكا، عبادة وزهدا، تضحية وجهادا، وكيف انها (رضوان الله عليها) "استقت بالقربة حتى اثرت في صدرها، وطحنت بالرحى حتى مجلت يدها، وكنست البيت حتى غبرت ثيابها، واوقدت النار حتى دكنت ملابسها..."((71))، وكيف انها كانت ترتدي عباءة "مخيطة من اثني عشر مكان" ((72)) وهي بضعة المصطفى وزوجة المرتضى التي كان زوجها يعرف الطريق بل الطرق الى "كنوز الذهب ومنابع العسل المصفى"((73)) كما روي عنه (سلام الله عليه) ولكنه ابى لها ولنفسه ذلك، وكان بامكانه ان يفرش تحت قدميها ما فرش لغيرها من بنات كسرى وقيصر، بل ان يضع بين يديها اكداس الذهب والفضة، ويجعلها بمستوى زوجات كسرى ونساء قيصر بلا حسيب او رقيب، او اكثر من ذلك لوشاءت وشاء...

نعم، لا نريد التوقف عند مظلوميتها فقط، ونرفع هذه المظلومية شعارا للمزايدة على اخوتنا في الدين والمذهب ولا ان نحاسب الماضين منهم او نعاتب الحاضرين، فنهشم ذات بيننا وننبش مادفنته السنون الاليمة الخالية التي جرحت قلب الزهراء، وكيف رحلت تبث حزنها وهمها الى الله ضد من آذاها وغصب حقها وهدد بحرق بيتها، ولكننا نتوقف مع عظمة هذه المراة الخالدة في سلوكها واخلاقها وكيف انها اطعمت عابر سبيل طعام طفليها وتركتهما يبكيان، وهي تقول: "كيف اردالخير وقد نزل ببابي"((74))، وكذلك كيف اختارت النوم على جلد كبش او حصير، وكيف لم يزد مهرها عن درع بثمن زهيد، وكيف اطعمت الطعام على حبه مسكينا ويتيما واسيرا، ودعت للجار قبل الدار، وهي تقول: "نعم يا ولدي.. الجار قبل الدار"، وكيف تبرعت بعقدها الوحيد في عتق رقبة، وفهمت اشارة ابيها في قلادة او عقد استعارته وتزينت به يوم عيدهافخلعته وبعثته اليه(ع) وهو على المنبر حتى راح(ع) يقول فيها: "الله ابوها.. فداها ابوها..." وغير ذلك الكثير الكثير مما لايتسع المجال لبحثه او الاستطراد فيه، ومما يدعونا لان نقف اجلالا واكبارا لهذه المراة العظيمة والام العظيمة التي قال ابوهافيها ايضا: انها "ام ابيها... يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبه"، سلام الله عليها وعلى ابيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها...

نقول: يجب ان يكون احياء ذكرى سيدة النساء وفاقا لهذه القيم العظيمة، والا يقتصر على محور المظلومية التاريخية رغم ان مظلوميتها كانت موجعة فعلا، وان الجراة على بيتها كانت صارخة لحد الكارثة، وان التجاسر بل الجسارة على دارها كانت جسيمة، ونؤكد انه يجب الا تستدر الدموع فقط على "الضلع" وقصة "الضلع" وحكاية "الضلع" ويجري او يجرى الاحتراب حولها وداخلها وفيها، بين ابناء البيت الواحد والانتماءالواحد، وان لا يجري توظيف هذه الرواية وسيدتها الى ما يبعد الناس عن واقعهم وهمومهم ويسحبهم الى متاهات التاريخ واقوال البطالين من المؤرخين والمؤرخات((75))، وانما ان تستنزف الدموع على عظمة هذه المراة الانموذج في حركتهاعلى ارض الواقع، اي حسن تبعلها وصبرها وجهادها "وعباءته"((76)) وعبادتها وتضحيتها وكفاحها وايثارها "للجار على الدار" ومواساتها لبنات جيلها في جشوبة العيش ومكاره الدهر، حتى صارت بحق سيدة لنساء العالمين واما للمؤمنين، وقدوة واسوة لاهل الارض اجمعين..

سلام على الزهراء،مرة اخرى، يوم ولدت في اجواء الوحي وحضن الرسالة، ويوم عاشت مفجوعة مظلومة، مهضومة الحق مضيعة القدر، وسلام عليها يوم توفيت شاهدة شهيدة حيث اضحت آهة مكلومة ودمعة ساخنة ومصداقا صارخا في العطاء والتضحية، يسخر من كل ادعياء "الشانية" المعطوبة او دعياتها، ممن لم يستطعن او لم يجهدن انفسهن ان يقتدين بهاوان ادعين ذلك زورا وافكا...

نعم، ان مظلومية الزهراء (سلام الله عليها) في هذا السياق كانت مرة وكبيرة، ولكن فجيعتنا بها اصبحت اكبر واشد، حين صارت هذه الحوراء الخالدة بل صيرت شعارا صاخبا للحزن المزيف، وعنوانا مفجعا للتوظيف المخطط، ولافتة دامية اومدماة للاستهلاك الاعلامي او السياسي المدروس اللئيم...((77)) نعم...

ان كان قد كسر الخليفة ضلعها
فاليوم قد كسرت لفاطم اضلع
افترتضي الزهراء فتنة مفتن
هو باسمها يبغي ولا يتورع
فيصيب قلب بناتها بسهامه
ويقول عن حق البتول ادافع
((78))
ولقد تكلم شاهد من اهلها
ان القضية خلفها من يدفع
فبدت خفايا ما يشاع فانما
هي ضجة من خلفها متبرع
حاقت بنا كالنار ناكل بعضنا
وعدونا بخصامنا يتمتع
((79))

الشعائر الحسينية

ومن هذه المحطة السامية، ننطلق سريعا الى شعائر الحسين وذكرى سيد الشهداء ابي عبدالله(ع)، وكيف داب الشيعة تحديدا على احياء هذه الذكرى العظيمة، وتعلقوا بل صهروا بعشق رائدها وعنفوانه وشموخه وعظمته، واحتفظوا بها اثرا بعداثر وجيلا بعد جيل...

نعم، تحولت هذه الذكرى في الوجدان الشيعي الى ما يشبه "التعبد"، وتحولت شعاراتها العظيمة في هذا الوجدان الى ما يشبه القداسة، بل التقديس في بعض الاحيان..

ولعل اهم اسباب هذا التحويل او التحول هو بشاعة المصيبة التي المت بسبط النبي واهل بيته في يوم الطفوف، وكذلك اباءصاحبها وفدائيته الفريدة في الدفاع عن الاسلام وفضح الشرعية المزيفة التي تلفع بها يزيد وبنو امية، وكيف كان موقف ابى الضيم...

وحيث سنابك خيل الطغاة
جالت عليه ولم يخشع
وعفرت خدي بحيث استرا
حَ خدّ تفرى ولم يضرع

وكيف كان موقف اصحابه وابنائه الذين قال قائلهم:

قوم اذا نودوا لدفع ملمة
والخيل بين مدعس ومكردس
لبسوا القلوب على الدروع واقبلوا
يتهافتون على ذهاب الانفس

والنتيجة، كيف داست خيل الطغاة صدر ابن الزهراء وهشمت ضلوع حفيد المصطفى وسيد شباب اهل الجنة، وكيف احتزراسه الشريف وطيف به محمولا على الرماح من كربلاء الى بلاد الشام...

هذه الهزة العنيفة، وهذه التضحية الفريدة التي لم يحدث التاريخ الاسلامي بنظير لها على امتداد التضحيات والملاحم، بعثث القداسة في نفوس المؤمنين الشيعة، وجعلت منها محطة انطلاق لهم ومنار هدى لتعميق جميع قيم الاباء والرجولة في النفوس، واصبحت اداة استنهاض صارخة لجميع الشعارات الخالدة في التاريخ.. بخاصة تلك التي تؤكد على الثورة في وجه الطغاة، وتنتصر للقيم الحقة المسحوقة والحدود المضيعة، لا سيما بعد ترهل مواقف الرجال، وشحة رجال المواقف او انعدامهم.

وحين يمتزج الفكر مع العاطفة، والقلب مع العقل، يكون التفكيك بين التوجيه الفكري والخطاب التعبوي عسيرا جدا،وبخاصة اذا تداخل هذان العنصران في الضمير المسلم، وراح عبق الدم يعصف بكل الحدود "المعقولة" لتطويق العاطفة الثائرة، وصارت مشاهد الاوصال المقطعة والاوداج الشاخبة تهزا بكل محاولات الاحتواء الباردة، او مساعي التطويق لهذا الانفجار بل الانحباس المشاعري المتدفق..

وحين تاكد الناس ان ذكرى الحسين تعمقت في نفوس عشاقه فاستولى حبه عليها لحد "التعبد" بل "العبادة" او "التقديس"كما قلنا، ولم يعد بالامكان ترويض هذا الحب او "عقلنته"، فصار "كالدين" في امتزاجه بالفطرة البشرية، حاول اعداءالحسين او اعداء الدين الالتفاف على هذه الذكرى العظيمة والسعي لتفريغها من محتواها الحقيقي وجر الجمهور الحسيني الى بعد واحدمن بعديها العظيمين - وهما الفكر والعاطفة - وتضخيم جانب على حساب آخر، سعيا محموما لاجتثاث كلا البعدين في نفوس المحبين والعشاق والثوار.

تسطيح الوعي

ففي محاولة لتسطيح المفاهيم في عقول الثوار الذين جعلوا من شعارات هذه الثورة منطلقا لثوراتهم، وجعلوا من تضحيات رجالها رموزا خالدة لقضاياهم العادلة في التصدي للحكام الظلمة الذين يتلفعون بشعارات الاسلام ويتشدقون بالشرعية المزيفة، وبعد ان ادرك الثوار مكر هؤلاء الحكام في "الضحك على ذقون الناس" برداء الدين وشعارات تجاره ومقاوليه،جاءت المرحلة اللاحقة ودور الحكام الماكر في اجتثاث بعديها الفكري والعقدي، وحبسها في ملف القضايا التاريخية الموروثة او المحسوبة على التراث.

وليس هناك ادل على قيام السلطات الظالمة بتفريغ المحتوى الحقيقي لهذه الثورة العظيمة من جرها الى جانبها العاطفي الماساوي الحزين فقط وقصرها على شعارات العبرة دون العبرة، والحيلولة دون اطلاق بعدها الرسالي العظيم الذي يدعوللثورة ضد الظالمين، والتصدي للطواغيت واعداء الدين في كل زمان ومكان..

واذا اردنا ذكر بعض الشواهد على مساعي الحكام الظلمة في تضخيم العاطفة على حساب العقل، نجد مسلسلامدروساومخططا لتنفيذ هذه المساعي ينتهي في آخر حلقة له حين يطلب من الخطيب الحسيني، مثلا، ان يقتصر في حديثه على ذكر المصيبة في بعدها التاريخي فقط والا ينفتح على الواقع السياسي من قريب او بعيد، وان يصار الى فصلها عن الحياة تماما وحصرها في قمقم البكاء والتباكي،وزوايا اللطم والحزن وطلب الثواب الاخروي فقط، وذلك بعد اشاعة مفاهيم "الزهد المتماوت" طبعا حسب تعبير الشهيد المطهري((80)) وليس الزهد الحقيقي الفاعل الذي يدعو الى الثورة ضد المترفين والمزيفين واعداء الدين.

وبكلمة اخرى، تكريس الحرص على الثواب فقط من دون الالتفات الى الدنيا، وعبر قصص وشعارات ولافتات تبدا بعنوان: "حب اهل البيت حسنة لا تضر معها سيئة"، من دون ذكر شرائط هذا الحب وشروطه، وفي مسعى خبيث لتسويغ جميع السيئات والموبقات والاثام، وتنتهي بان النار ترفض جسما تعلق بثياب صاحبه "غبار زوار الحسين"، حتى لوارتكب هؤلاء "الزوار" جميع الوان المعاصي والنواهي والمحرمات، اي كما قال الشاعر متوهما:

فان شئت النجاة فزر حسينا
لكي تلقى الاله قرير عين
فان النار ليس تمس جسما
عليه غبار زوار الحسين

وبكلمة اكثر صراحة، حصر هذه الذكرى العظيمة في جانبها الماساوي وبكائياتها المؤثرة، وتحويل منبرها الخالد الى اداة تجارية لاستدرار الدموع الباردة فقط، من دون التطرق او الاشارة لواقع الامة ومصائبها واستهتار حكامها، بل ابعاد هذاالمنبر بالكامل عن مشروعها التغييري الثوري وحتى التربوي والفكري، بحيث تحولت بعض هذه المنابر مع الاسف الشديدالى مناحات تخدير ومجالس نواح وبكاء ودموع، وامتصاص غضب فقط،وهو بالضبط ما اراده الامويون ويريده كل الحك ام الظلمة لترسيخ منهج خبيث يهدف لابعاد الناس عن همومهم وآلامهم، وتحويل مساجدهم الثائرة المربية الى "دورخاوية" حسينية الشكل والاطار ولكنها "يزيدية" المحتوى والمضمون، اي التركيز على "حب" الحسين فقط، من دون الالتفات الى "معرفته" وانتهاج خطه وتضحيته وفدائيته حسب تعبير المرحوم علي شريعتي في كتابه الشهير "التشيع العلوي والتشيع الصفوي" وانتزاع ذلك من الفهم السطحي او التفسير السطحي للعبارة الخالدة "كل يوم عاشوراء وكل ارض كربلاء" في الوقت الذي يفترض ان تكون فلسطين هي عاشوراء اليوم مثلا كما قال الشهيد المطهري واضاف: "لو كان الامام علي والامام الحسين (عليهما السلام) موجودين الان لما بكيا لعاشوراء، بل سيبكيان لفلسطين وضياعها بيد اليهود، بل سيجاهدان في سبيله" ((81)).

الا ان المؤسف، مثلا، ان مرجعا دينيا عندما طلبوا منه مساعدات للفلسطينيين قبل 25 او 26 عاما تقريبا، كان يقول: "ان هؤلاء سنة، وهم اسوا حالا من اليهود، فلماذا نساعدهم؟!"((82))

استدراك

وهنا لابد من القول: اننا لم نقصد بهذا الكلام الاستهانة بالجانب العاطفي في احياء هذه الذكرى الخالدة، ولا بالبكاء اوالتباكي على هذه الماساة الفظيعة التي يستنهض استحضارها جميع معاني النبل والمروءة والشهامة في قلوب الاحراروالشرفاء، ولكننا نقصد عدم تحويل هذا البعد العاطفي الى حالة تقليدية فولكلورية((83)) ينتهي مفعولها بعد لحظات من انفجارها من مرجل الغضب الحسيني، اي اننا نسعى الى تحويل هذه الفورة العاطفية الغاضبة الى غضب مقدس دائم الاعتمال ضد الظالمين مغتصبي حقوق الناس، او الى بركان ثائر حاضر الانفجار ولكن ليس على "يزيد" التاريخ وعصابته اللعينة فقط، او الامة التي شايعت وبايعت على قتل ابن بنت رسول الله غ، وانما على جميع الطغاة وحكام الجور بجميع اشكالهم والوانهم وفي كل عصر وزمان... وهذا يعني ان المسافة شاسعة بين البكاء والتباكي، كما هو الحزن شاسع بين النائحة والثكلى.

نعم، اننا نريده بكاء وجدانيا صادقا نابعا من نبل المشاعر واعماق النفوس، وليس تباكيا ساذجا نعتصر فيه الدموع اعتصاراكاذبا للرياء او المباهاة والعياذ بالله. اننا يجب ان نعيش الماساة غضبا مقدسا وثورة حقيقية، واستعدادانبيلاللتضحية في سبيل المبادئ والقيم التي استشهد من اجل تحقيقها ابو عبدالله (ع)، وليس فقط لاستحصال الثواب الاخروي والفوز بالجنة والحور العين... ((84)).

وباختصار شديد:

تبكيك عيني لا لاجل مثوبة
لكنما عيني لاجلك باكية

او كما قال المتنبي:

واذا اشتبكت دموع في خدود
تبين من بكى ممن تباكى

وبعبارة اكثر صراحة ووضوحا، نريد بكاء رساليا يعبر عن عمق التصميم وعظمة الارادة وفروسية الاقدام الذي يتعمد الثار للقيم المنتهكة والدين المضيع، وعلى حد تعبير الشاعر الثائر الآخر:

ابكيك بالبيض الصفاح وبالقنا
فان به ما يطلب الطالب الوترا
ولست كمن يبكي اخاه بعبرة
يعصرها من بين اجفانه عصرا

وانا اناس لا تسيل دموعنا
على هالك منا وان قصم الظهرا
((85))

نعم، ان البكاء، بمعنى الغضب المقدس، ينبغي ان يوجه ضد الطغاة والظالمين، وليس ضد الذات وحدها او جلدها والدوران داخلها او حولها فقط، اللهم الا اذا كان هذا "الدوران" للمراجعة والتوبة والانابة وبنية تفعيل هذا الغضب لقيادة مشروع ثورة او خلق ارادة تغيير او القيام ضد حاكم جائر... اي عدم جعل البكاء محطة سهلة لاستحصال الثواب وطلب المغفرة والدعاءبالنصر او تعجيله فقط، لان النصر، كما يقول السيد الشهيد الصدر (رضي الله عنه)، ليس حقا "الهي" للناس وانما حق طبيعي لهم بمقدار ما يوفر هؤلاء الناس من الشروط الموضوعية لتحقيق هذا النصر... ((86)).

اما اذا كان البكاء او التباكي لاجل الهدف الاول فقط، فربما ياتي مقرونا بالرياء الذي يثير سخط الرب وغضبه، ولعله في احسن احواله، ياتي "الله حدوثا ولكنه للشيطان بقاء" على حد تعبير الامام الخميني(قدس سره)((87)) .

الانكى من ذلك ان تتحول بعض مواكب الذكرى الى احتفالات استعراضية بين رجال هذا الموكب او ذاك، و"ايها يجب ان يجتاز المفرق اولا؟ موكب عزاء قرية (محمد آباد) ام موكب عزاء قرية (بهمن آباد)، الامر الذي قد تسفك بسببه الدماء" ،وهذا ما ذكره الشهيد الدكتور علي شريعتي في كتابه المعروف: "الانسان والاسلام" واضاف:

"ان هدف بعض اصحاب المواكب لم يكن اكثر من تجميع عدد من الشباب يرتدون السواد ويحمل كل منهم فانوسامخرماوعددا من السلاسل والصناجات، بعد ان ادخلوا في المواكب اشياء عجيبة وغريبة كالناقة والبعير والحصان و..."((88)).

اي ان هدف هؤلاء هو جمع الاموال، او استحصال المجد الشخصي والوجاهة الاجتماعية، علما بان بعض الشباب الذين يتم "الاستعراض" بهم كان يهددهم الجوع والمرض - على حد تعبيره -.

وهكذا، في بعض مواكب اللطم الاستعراضية التي تخرج عن دائرة الذوق احيانا، وتتحول الى مهرجانات صاخبة يتناغم روادها مع اللحن والايقاع للرادود الحسيني، ولا يفقهون ما يقوله حتى لو كان كلامه باهتا او متهافتا، وهذا ما لا نريد توثيقه او الاستدلال عليه هنا لانه يستفز المشاعر، ويهبط بجلال الذكرى وعظمتها وهيبتهافي نفوس المخلصين والصادقين واصحاب النوايا الطيبة.

واذا كان لا بد من اشارة، واشارة فقط في هذا السياق، ومع كامل احترامنا واعتزازنا بالشاعر الحسيني المعروف عبدالحسين الشرع مثلا، فان بعض ما جاء في قصائده لم يخل من هذا الشطط او التهافت، وبخاصة حين يتكرر المطلع التالي في قصيدته اكثر من اثنتي عشرة مرة:

چوچب طلع (اي كوكب طلع) من برج صيوانه
بصهوة حصانه
صلطان چنة عرش سلطانه
بصهوة حصانه

والاخرى القائلة:

سكنة تنادي والعطش ماذيها
موش انت عمي برايتك تحميها
والسهم بطهة (اي ثقبها) الجربتك
وانت عفتها الخيتك (اي اختك)
وانت يعمي نايم ابشاطيها (اي قتيلا على شطى الفرات).

كما يمكن المقارنة بين الخطاب السطحي المنكسر والخطاب التعبوي الثائر عبر المقاطع المعاصرة الآتية:

لو ردنا الظلم ينزاح
نبذل للعقيدة ارواح
كرامتنا بشهادتنا
نبذل للعقيدة ارواح

والاخرى المنكسرة القائلة (وعلى لسان ام البنين):

يحادي ارحم ونيني
لا تاخذ بني
شيظل عندي
عكب ولدي
لا تاخذ بنيني

تقابلها المقطوعة الثائرة الاخرى على لسان ام القاسم ، تقول:

لجل الشريعة
عمرك تبيعه
حسين وتطيعه
عمك يجسام
يوليدي آنه لربيتك
واليوم العاشر ضميتك
المواقف بالشدايد
تنكتب تذكار
كر عيني بجهادك يا بني يا مغوار
لجل الشريعة
عمرك تبيع

في ما ياتي الخطاب المنكسر الاخر بلسان الحال، وعلى لسان الام نفسها لشاعر آخر يقول:

تمنيتك يمة
تبقه الذخر
تعوضلي يا بني
تعب العمر
تالي ايست
مني رحت
تمنيتك آنه
تبقه الذخر
((89))

وامثال ذلك مما ينبغي الالتفات اليه والتحذير منه وعدم التساهل معه، وفي زمن لم تعد "صهوة الحصان" ولا "الجربة" ول"الياس" ولا "الانين" مدارات بحث، ولا مناط دلالة في هذه الثورة العظيمة، او هذه الذكرى الخالدة وصاحبها الثائر العظيم.

توظيف الشعائر

وكما هو الدين سيف ذو حدين، ويمكن توظيفه مخدرا او افيونا كما يقول الشهيد المطهري((90)) ، حيث تنفذ خلاله اطروحات التواكل بدل التوكل، والتقليد الاعمى بدل الحرية والالتزام، وفكر "الطاعة" بدل ثقافة "النصيحة والرقابة"، وافكارالانتظار السلبي بدل الايجابي، ونظريات "التقية" و"الشانية" المبتورة التفسير الموظفة الهدف، يمكن ان يكون بالعكس تماما سببا لاستنهاض الناس وتفعيل ارادتهم وتغيير محتواهم الداخلي وتوجهاتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية عبراستشعار الرقابة غير المنظورة الله تعالى ووعده ووعيده، وكذلك عبر تصعيد صبر الامة وجهادها وتضحياتها من خلال ترويج ثقافة الثواب الاخروي والجنة الموعودة والتاكيد على عظمة العطاء الالهي وتفاهة الدنيا الفانية مقابل الاخرى الباقية، وحطام الاولى الزائل قبال نعيم الاخرة الدائم.. وهكذا، اذا ضاقت الخيارات او حوصرت، بخاصة في المفترقات الصعبة والايام العصيبة.

نقول، كما هو الدين هكذا، فان ذكرى الامام الحسين(ع) هي الاخرى يمكن ان تكون سيفا ذا حدين ايضا...

حد ماكر يستخدمه تجار الدين والادعياء (المقاولون)، ويقومون من خلاله بتوظيف كافة مشاريعهم السياسية والتجارية وتمريرها، عبر اقدس شعارات الذكرى او شعائرها، كالاطعام المندوب مثلا الذي يحوله بعض هؤلاء الى محطات تعبئة ماجورة لحشد الناس وانتزاع قرار سياسي معد سلفا باسمهم ودفعهم باتجاه ترويجه والدعوة اليه وتسويقه كان يتحول،وبالاحرى يحول، ويصبح العدو الحقيقي في مجالس ابي عبدالله هم الاخوة ابناء السنة مثلا ويجري الترويج لعداوتهم اواستعدائهم من دون الاشارة الى الخلط الحاصل بين المذهب والدين او ضرورات المذهب واصول الدين.

وكذلك توظيف بعض المناسبات او مواكب "التطبير"، حيث تقوم بعض سفارات الدول الاجنبية بتمويلها لتشويه الذكرى ومشاغلة بعض اصحاب النوايا الطيبة بمسيرات استعراضية صاخبة، كثيرا ما تجنح او تبتعد عن الذوق السليم والهدف الرسالي الكبير... ((91)).

وهكذا في تضخيم الشعارات العاطفية البكائية المؤلمة على حساب الشعارات السياسية الرسالية الهادفة، وتحريك عناصرالحزن والدموع والاسى بدل عناصر الغيرة والمروءة والغضب المقدس. ومثال ذلك ما يتناقله بعض الخطباء او "الرواديد"الحسينيين البسطاء وعلى نواياهم البريئة وسجاياهم الطيبة التي تنداح مع الدموع والفاجعة والالم، متناسين الشجاعة والغيرة والشمم لدى ابطال كربلاء، فيروحون ينقلون مقاطع حزينة محبطة على لسان الحوراء البطلة زينب مثلا، وكانهاتخاطب اخاها الحسين قائلة:

انا اتبعتك على ريحة الخوة
ذبيتني عل العدو ياخوية كوة
شوف الشمر بيه شسوة
يا خوية وين العهد وين المروة
((92))

ناسين مواقف بطلة الطف هذه، وهي تخاطب يزيد في مجلسه قائلة:
"يا يزيد كد كيدك، واسع سعيك وانصب جهدك، فوالله لا تميت وحينا ولا تمحو ذكرنا، وهل رايك الا فند وايامك الا عدد وجمعك الا بدد".

وناسين شعار صاحب الذكرى الخالدة:

سامضي وما بالموت عار على الفتى
اذا ما نوى حقا وجاهد مسلما
وواسى الرجال الصالحين بنفسه
وفارق مثبورا وخالف مجرما
اقدم نفسي لا اريد بقاءها
لتلقى خميسا في الهياج عرمرما
فان عشت لم اندم وان مت لم ألم
كفى بك ذلا ان تعيش وترغما

فضلا عما كنا نلاحظه في العراق، في بعض الردات الحسينية التي كان يجري تدويرها بعيدا عن المساس بالسلطة الظالمة او التذكير بظلمها، ان لم نقل تدوير هذه الشعارات او الردات لصالح هذه السلطة نفسها وتسويغ ظلمها وترقيع واجهاتهاالبشعة او رموزها البائسة. مثال ذلك ما رفعته مواكب اهالي الشامية الغيارى يوما هناك، حيث كانت تقول:

رايات الشامية وياك
والراية حرة
كل الغيارى وياك
والراية حرة
يشهد بفضلك يحسين
حتى الاجانب
كل النشامى وياك
وعزة الواهب
والراية حرة

وكيف حشرت السلطة رموزها في تلك المواكب، فرفعوا شعارا آخر قبال هذا الشعار يقول:

رايات الشامية وياك
والراية حرة
وحدة وحرية الاهداف
واشتراكية
شوف المكاسب هل يوم
كلها ثورية
نرفع شكرنا التام..
للبكر والـ صدام
والراية حرة

وهكذا في عزاء "طويريج" المعروف في العراق ايضا، وحيث انطلق الجمهور الحسيني العراقي الثائر صوب كربلاء المقدسة، وهو يهتف غاضبا: "ابد والله ما ننسى حسيناه، ابد والله ما ننسى حسيناه"، وكيف حشر رموز السلطة انفسهم ايضا وسط الجماهير وحرفوا هتافهم هذا برفع شعار آخر معروف عند البسطاء يقول: "يعباس جيب الماي لسكينة"، وسكينة هذه هي طفلة الامام الحسين التي آذاها الظما يوم عاشوراء. فاندفع العقل الجمعي مع الهتاف الثاني ونسي الهتاف الثائر الاول..وهكذا الكثير الكثير من امثال هذا التوظيف المتعمد لشعارات سيد الشهداء في هذه الذكريات العظيمة وعلى امتداد السنين والاعوام.

هذا هو الحد الاول، اما الحد الثاني فهو الذي وظفت فيه، او يمكن ان توظف شعاراته لتعبئة جماهير الامة رساليا، وتحريك طاقاتها العظيمة باتجاه الاهداف النبيلة التي استشهد الامام الحسين(ع) من اجل تحقيقها، ولعل اوضحها ما رفعه ( سلام الله عليه) من شعارات خالدة جاء فيها:

"اني لم اخرج اشرا ولا بطرا ولا ظالما ولا مفسدا، وانما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي، اريد ان آمر بالمعروف وانهى عن المنكر...".

و"لقد ركز الدعي ابن الدعي بين السلة والذلة.. وهيهات منا الذلة".

و"والله لا اعطيكم بيدي اعطاء الذليل ولا اقر اقرار العبيد".

و"الموت اولى من ركوب العار، والعار اولى من دخول النار".

و"من راى منكم سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ولم يغير (او يغر) عليه بقول او فعل كان حقا الله ان يدخله مدخله".

واخيرا وليس آخرا:
"اني لا ارى الموت الا سعادة والحياة مع الظالمين الا برما".

وغير ذلك الكثير من الشعارات العظيمة والنداءات التعبوية الاستنهاضية التي ستبقى خالدة ما بقي الدهر، وتبقى حية ماتعاقبت الاجيال والامم والعظماء...

الامر المهم او الاهم

الامر المهم، او الاهم، اذا، هو حفظ الموازنة بين الفكر والعاطفة اثناء التوجيه الفكري او الخطاب التعبوي وعدم التفريط باحدهما على حساب الاخر، او تضخيم بعد بتضعيف آخر.. لان الانسان السوى او الذي يراد له ان يكون سويا هو الذي يختزن الفكر والعاطفة معا، والعقل والقلب معا، وهو الذي تحركه العبرة والعبرة، الاهزوجة والحكمة، والشعار والشعور.

وهذا يعني ان احترام الشعائر يمكن انتزاعه من الهية اهدافها، والهية شكلها، والهية محتواها.

والذي يراد له ان يصاغ في مدرسة الامام الحسين(ع) هو ذلك الشخص المتوازن الذي لا نريد له ان يتضخم عقله على حساب عاطفته، او حكمته على حساب شاعريته، فيتحول الى خشبة يابسة او صحراء جرداء بحيث لا يقدم على فعل ساخن، ولا يقتحم ساحة موت زؤام، ولا ينفعل مع حق مهضوم.

ومثله او نظيره ذاك الذي لا نتمنى له ان تتضخم عاطفته على حساب وعيه، او شاعريته على حساب حكمته فيستغفل اويستهبل او يستحلب، ان لم نقل يمتطى او يركب من قبل محترفي السياسة وتجار الدين، وفي زمن الفتن واشتباك الاراء والاجتهادات والاطروحات.

نعم، العاطفة مطلوبة لتفعيل العقل وتحريك القلب، والشاعرية مطلوبة لاذكاء الوعي وشحذ الهمة والمروءة والحمية. اماالوعي فمطلوب ايضا لكبح العاطفة المراهقة وتطويقها، والحكمة مطلوبة لعقل العاطفة الفائرة احيانا او عقلنتها.

فـ:

ـ اذا لم يكن من الموت ب
فمن العار ان تموت جبانا
و ـ اذا كانت الابدان للموت انشئت
فقتل امرى بالسيف في الله افضل
و ـ اذا كانت الدنيا تعد نفيسة
فدار ثواب الله اغلى وانبل
و ـ ان البطولة ان تموت من الظما
ليس البطولة ان تعب الماءا

وفي الوقت نفسه، وان يكن التعبير هذا مطلوبا في الانشودة الحسينية الماثورة:

ـ فلا الصبر محمود بقتل ابن فاطم
وليس لمن لم يجر مدمعه عذر

فان السياسة مطلوبة هي الاخرى في الردة الشعبية الماثورة ايضا:

نفطنا والكمارك والمواني
تمرنا والضرايب ربح ثان
هذي فلوسها وين (اي اين)
تخلي بالكلب ون (اي تخلي بالقلب انين)
خبزك يا عراق اكلوه نهيبة.. وين ابن الزچيه؟
((93))

او تلك الاخرى المشهورة ايضا:

عدمن صارت فلوس الضريبة ـ (اي عند من صارت)
واموال الشعب صارت نهيبة ـ (اي منهوبة)
ارباح النفط وين؟ واحنه مستفلسين ـ (اي مفلسين)
العاقل يفتهم ياهو لخذاها ـ (اي يفهم من اخذها او استحوذ عليها) اكصد للنجف واسمع صداها....

اي اقصد النجف الاشرف وتحسس الاخبار، وهناك سوف تعرف الاسرار وتسمع الاصداء باعتبار النجف مركز الحوزة العلمية ومركز الاشعاع الديني والوعي الاسلامي آنذاك.

اما المحافظة على هذه الموازنة الدقيقة، وتقديم التوجيه الفكري على الخطاب التعبوي او بالعكس، وتقديم هذا الشعار على ذاك او تاخير ذاك على حساب هذا، فهذا من شؤون الفقهاء والمفكرين وقادة الامة واصحاب الراي فيها، وضمن مسؤولية الادباء والخطباء والمثقفين، وكلهم مع بعض، ومن دون استقطابات او كانتونات ربما تضيع الهدف وتمزق الصف. ويدا بيدوبلا افراط او تفريط، وبلا الغاء لحليف، او مصادرة لصديق، او اجحاف بخر، وبلا مزايدات او تداخل ادوار او ادعاء عريض، يبقى الجميع يرددون ويؤكدون شعار سيد الشهداء: "لقد ركز الدعى ابن الدعى بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة".

نعم، ومن خلال هذه الموازنة ايضا وعبر التحكم بمكبح الانجرار الذي يقود الى التسطيح من جانب، وربما يقود الى التخشب واليبس العاطفي من جانب آخر، يمكن الاحتفاظ بالعقل الشيعي وانسانه الثائر في دائرة اتزانه المطلوب وعاطفته المرغوبة، وبذلك يقطع الطريق امام كل محاولات اغتياله المقصودة وغير المقصودة، وتحت الشعار الحسيني الشيعي الخالد:

سيظل ذكرك يا حسين
يهز منا القلب هزا
وكذا ندانا يا حسين
يزيدنا شرفا وعزا
((94))

اخلاقية السياسة في فكر الامام الخميني(قدس سره)

د. محمد صادقي

داب الامام الخميني(قدس سره)، ومن خلال وصاياه المتكررة للمسؤلين، على ان يقدم طابعا حسنا عن السياسة الاخلاقية اوالسياسة الاسلامية، وذلك لما لمفهوم الاخلاق من اولوية، وايمانا منه بوحدوية الاخلاق والسياسة. فلطالما تمحورت خطاباته على مسالة الاخلاق وضرورتها في السياسة، خصوصا في العقد الاول لانتصار الثورة الاسلامية في ايران.

وهذاالداب في الحقيقة مواصلة لما تبناه في كتابه:"شرح الاربعين حديث"، من فكرة الاصلاح في المجتمع، وانحصارهابالاصلاح الباطني وتهذيب النفس والرقابة المستمرة عليها، بغية تاسيس مجتمع صالح وارساء لدعائم السياسة الحقيقية((95)).

وكثيرا ما اسر سماحته لرجال الدولة، في مختلف الاجتماعات والمناسبات،ان كل انسان يوجد في داخله فرعون ودكتاتورما، لكن يجب على الانسان ان يكون حذرا خشية استفحال فرعونه او تغلب ديكتاتوره عليه. وحتى تاكيد الامام ان الانسان دائما في حالة مثول امام الله تعالى، فانه نابع عن وجهة نطره القائلة بمكانة الاخلاق الرفيعة. وكان سماحته يشيد بصفات وخصائص اخلاقية عديدة للساسة، يعدها من ضرورات السياسة الاخلاقية، نختار ثلاثا منها، لنتناولهابالبحث والتحليل، كي نتوصل الى مراد الامام من ذلك ونظرته اليه. طبعا هذا لا يعني تجاهلنا لاهمية الصفات الاخلاقية الاخرى، لكنه مجرد اختيار من سائر الاختيارات، اما هذه الخصائص الثلاث فهي:

ا الصدق و الاخلاص.

ب  تقبل الانتقاد ووجهات نظر الاخرين.

ج  بساطة العيش.

باحث من ايران. ترجمة ا. محمد حسين عبد الرازق # ا الصدق و الاخلاص تعد هذه الفضيلة الاخلاقية من الصفات الحميدة والمستحسنة، عند جميع الشعوب طوال التاريخ.

وقلما ذكرت بسوء . وقد ذكرها القرآن الكريم، في صدد قصص احد الانبياء، على انها من خصائص ذلك النبي: ×××واذكرفي الكتاب اسماعيل انه كان صادق الوعد$$$ [مريم/54].وكذلك فقد جعل القرآن الكريم الصديقين بموازاة الانبياء. لكن ما هو الصدق؟ معنى هذا المفهوم هو الصدق في الكلام، لكنه اوسع من ذلك، فصحيح ان الصدق يقابل الكذب، لكنه يقابل الخيانة ايضا.

في الحقيقة، ان الصدق والخيانة متقابلان، ولذلك فان الصدق، بهذا المعنى، يكون مرادفا للامانة وصيانتها. اذن، فمعنى الصدق في السياسة هو صدق الحديث، بان يكون الفرد صادقا مع الناس. وايضا التعهد والالتزام بالوعود والوفاء بها،فالسياسي الصادق هو من يتخذ طريقه نحو الحق والحقيقة، وذلك لان الصدق ملازم للحق دائما((96)) والسياسي هو الملتزم بتعهداته، وظاهره ينم عن باطنه لدى الناس، ويكون متجنبا الخداع((97)) .

فكل من ينمي هذه الصفة الاخلاقية في ذاته، لن تهتز ثقة الناس به، ولن يخشى الاعتراف بالخطا ابدا. فليس الاعتراف بالخطا نقيصة بل انه كاشف عن ثقة عالية بالنفس.

وتنطوي، تحت مفهوم الصدق، معان كثيرة، كالصلاح، وقوة العزم، والثقة، فهي اوسع بكثير من مجرد الصدق في الحديث والكلام.

يقول "تشورهي او تشوتسو"، في شرح هذا المصطلح: "تتضمن كلمة الصدق معاني عديدة، كالصراحة، وقوة العزم،والسلامة والامانة، وعلى ذلك فنحن نواجه استخدامات كثيرة لمفهوم الصدق في القرآن الكريم، لا يمكن لمجرد الصدق في الكلام ان يفي بها جميعه".((98)) فان لمفهوم "الصادق" دلالة واسعة في الثقافة القرآنية، بحيث انها قد تقابل "المنافق" و"الكافر" ايضا((99)) .

والامر باختصار هو ان المراد من الصدق في السياسة هو الصدق بمعناه العام. فالسياسي الصادق هو من توافرت فيه هذه الصفات جميعها، لكي يكون السياسي المتخلق. اما في مرحلة التطبيق، فان التحلي بالصدق يفرض عليه التفاني في خدمة الناس لا ان يكون قيما عليهم  وان يعترف بالخطا حيثما صدر منه وبكل شجاعة.

"فاذا كنا قد ارتكبنا خطا في السابق، يتحتم علينا ان نقول: انا قد اخطانا، وهذا هو نفس معنى عدول الفقهاء من فتوى الى اخرى. وهكذا يجب ان يكون فقهاء مجلس صيانة الدستور واعضاء مجلس القضاء الاعلى. بحيث لو انهم اخطاوا في مسالة ما، يجب عليهم ان يقروا بخطئهم، ويسحبوا كلامهم، فلسنا معصومين. كنت اتصور قبل الثورة بان هناك رجالاصالحين بعد انتصار الثورة ليعملوا وفق احكام الاسلام، لكنه قد ظهر لي خلاف ذلك، فان اكثرهم ليسوا من الصالحين، فوجدت نفسي مخطئا في كلامي السابق، فاعلنت بصريح العبارة اني اخطات"((100)) .

ففي نظر الامام: ان الاعتراف بالخطا ليس نقصا، بل هو فضيلة وتجسيد لصدق نوايا رجل الدولة مع نفسه والاخرين.

"كارل بوبر"، الديمقرطي، ابان خوضه معركة الانتخابات مع منافسه، اعلن بدل ان يعدد محاسنه وافعاله الحميدة،وبصراحة، انه قد ارتكب 31 خطاء في العام الماضي، وحاول الاصلاح في 13 منها فقط. في حين ان منافسه في الانتخابات كان قد اعلن عن 27 خطاء فقط ((101)).

فهذه هي المنزلة الرفيعة لكل سياسي، فقبل ان يكشف الاخرون اخطاءه، يجب عليه المبادرة بعدها خطاء تلو الاخر.

فالامام يرى ان الديكتاتورية تبدا من مرحلة الخطا والاصرار عليه، وتجنب الاعتراف به واصلاحه.

"هل ان احدكم مستعد للاعتراف بخطئه اذا ما كشف ذلك في متبنياته، او انه سيحاول المضي فيها، فان من هفوات الديكتاتور انه لا يمتلك القدرة على الاعتراف بخطئه ان شعر به بعد ارتكابه له، او ان يتراجع عن متبنياته وان ظهر له مخالفتها للمصلحة العامة. وهذه اخطر انواع الديكتاتورية التي المت بالانسانية"((102)) .

وعليه، فان الاعتراف بالخطا ليس ضعفا او نقصا، بل انه يعد من علامات القوة والسيطرة على النفس ومن دواعي الاكباروالتقدير.

"اعترفوا باخطائكم ان وقعتم بمخالفة ما، فان اعترافكم هذا يرفع من منزلتكم لدى الجماهير، ولا يؤثر على مكانتكم، بل الذي يحط من المنزلة هو الاصرار على الخط"((103)) .

فان هذا الاعتراف الناشى من الصدق وحسن النية، يعد من فضائل التكامل الانساني

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية