|
المحيط السياسي، ايضا، من هذا القبيل. فالذي كثرت ميوله
المالية والعاطفية والاقتصادية، سيكون مركبه اقل توازنا
فيالماء، وتصعب السيطرة عليه. زد على ذلك، ان الميول
ستكون عاملا في استدراج اصحابها وانخداعهم.
ليست العبارات النارية وحدها هي التي تهدد الساسة، بل
هنالك عبارات معسولة اكثر تهديدا لكيانهم. ومطالعة التاريخ
خيردليل على ذلك، فما اكثر من خدعتهم السبائك واودى
بهم جنون العظمة، ممن خان المبادئ والقيم والوطن.
والتاريخ نفسهايضا الذي يروي لنا قصص اولئك الذين نجحوا
في حكوماتهم ممن تميزوا ببساطة العيش، متخذين ذلك
دعامة واقية.وابرز النماذج الدالة، في هذا الصدد، الامام
علي(ع) الذي كان ولا يزال محط انظار الشعوب كافة. ومن
المعاصرين، تجدرالاشارة الى غاندي. الرجل الذي ارعب
الاستعمار البريطاني وحقق استقلال الهند، ذلك كله بثياب
من الخز، وعجلة نسيجيدوية، وعنزة للحلب.
اما في تاريخ ايران الحديث، فيمكننا الاشارة الى المرحوم آية
اللّه السيد حسن المدرس. الرجل الذي اخضع رضا
خانلمطالبه، فقال له: ما الذي تريده مني يا سيد؟
فاجابه: اريد ان لا اراك. هذا المدرس لم تستطع المناصب
السياسية خداعه، لصلابة ايمانه
وزهده في الحياة. ولم يتخل عن اهدافه السامية. يقول الامام
الخميني واصفا ثقة هذا الرجل بنفسه وقوة عزيمته: ;ژرسز÷قد
رايتمتاريخ المدرس، ذلك الرجل النحيف بثيابه الخز (هذا من
جملة ما وسمه به احد الشعراء، اهذا الذي يرتدي سروالا
منالخز) هكذا انسان في مقابل ذلك المتغطرس، فكل من
عاصره، يعرف ان رضا شاه، غير محمد رضا، فهو طاغية قل
نظيرهافي تاريخنا، فحدث مرة ان ساله الملك في البرلمان: ما
الذي تريده مني يا سيد؟ فقال له: اريد ان لا اراك. وعندما كان
هذاالرجل ياتي لمدرسة سبهسالار لالقاء الدروس ذهبت يوما
لدرسه، فرايته وكانه ليس لديه عمل غير التدريس، هكذاعزيمة
كان يملك هذا الرجل.. وعندما كان يذهب الى البرلمان، كان
ممن يعول عليه هناك، فكان الجميع ينتظر قدومه،
فمعاستيائهم منه الا انهم كانوا يشعرون بفراغ في غياب
المدرس. وعند قدومه يشعر الجميع بان شيئا جديدا قد حصل،
لماذاهذا كله؟ ذلك لانه كان لا يعبا بالمناصب والاموال
وغيرها. ولم يستهوه منصب ابدا.. لماذا؟ لانه كان ورعا، لا
تجذبهاهواؤه النفسية.. ولا يخشى انسانا على الاطلاق، لذلك
تحرر من ذلك كله;ژرسز÷((161)) .
اذن، تتجلى قيم الشجاعة السياسية، واستقلالية الراي،
ومعالجة المشاكل بدراية، عندما يكون السياسي ورعا، غير
متعلقبشي، وهذا هو معنى الزهد. فليس الزهد عدم الاكل
والشرب بشكل عام.
اما على صعيد السياسة ومناصبها، فالزهد هو ذلك التحرر
نفسه، النابع من التنازل الفردي عن هوى النفس. الرسول
الاكرمغ ايضا استطاع تطهير الجزيرة العربية من الشرك
والالحاد، لانه اضافة للتسديد الرباني تخلى عن اهواء النفس،
وكانورعا شديد العزم. ومع انه كان ;ژرسز÷خليفة اللّه في ارضه
باجماع الامة، الا انه اذا جلس في المسجد لم يميزه احد عن
سواه منالقادمين عليه، لانه لم تكن هنالك طبقية في
الموضوع;ژرسز÷((162)) .
كانت البساطة في العيش والزهد فيه، من منظار الامام، تقيم
على انها من الاركان السياسية في الحكم. يقول سماحته
بعدالتعريج على بساطة الحياة لدى الامام علي(ع) والاقتداء
بها: ;ژرسز÷هذا هو ما نريده نحن في ايران.. بحيث لو فرض ان
رئيسالجمهورية، او رئيس الوزراء، نزل بين الناس، لا يجعل
بينه وبين الحاضرين فرقا، ولا يحدث اي تململ من
ذلك;ژرسز÷((163)).
ففي نظر الامام، ان رسول اللّهغ، الذي كان افضل افراد
المجتمع المسلم كان ;ژرسز÷وضعه المعيشي اقل مستوى من سائر
الناسفي المدينة)((164)) .
ويرى الامام، ان بساطة العيش ليست باعثا على استقلالية
الراي لدى المسؤولين فحسب، بل هي ضمان
لمستقبلهمالسياسي ايضا، واذا خرج المسؤولون يوما عن ذلك،
ستستبعدهم الجماهير وتزيلهم عن مناصبهم. وقد خاطب
رجال الدينقائلا: ;ژرسز÷بحمد اللّه لم تعد ممارسة السياسة منقصة.
لكن اعلموا ان الجميع يراقبونكم، لذا حافظوا على منزلة ذي
الدينلديكم، وكالعلماء السابقين، تحلوا ببساطة العيش.. ولو ان
يوما ارتفع مستوى معيشتكم عن سائر الناس، فاعلموا
اننهايتكم الى الزوال;ژرسز÷((165)) ، وقد حارب بشدة مظاهر الترف
والرفاهية لما فيها من عواقب وخيمة، كالتعلق
بالماديات،واستنفار الناس، والابتعاد عن المعنويات، الامر الذي
يحط من المكانة ومستوى الشخصية. ويجب على
المسؤولينايضاالايقبلوا على بعض مراسم الترف بذرائع امنية
;ژرسز÷اولئك الذين يريدون الحفاظ على حياتهم، يجب عليهم ايضا
ان يعلمواان ذلك ممكن تحقيقه بموضوعات من الصنع
المحلي افضل من غيرها;ژرسز÷((166)) .
ويزعم بعضهم ان مظاهر القدرة تتناسب طرديا مع مظاهر
الترف، ازددنا ترفا ازددنا قدرة، وهذا هو التوهم الباعث
علىبروز ظاهرة الاسراف في الدبلوماسيةاو بعبارة اخرى:
;ژرسز÷مظاهر القدرة;ژرسز÷. فان الشخص الذي يعد مظاهر الترف من
لوازمالسياسة والادارة، ليس سوى رجل يحاول استحواذ على
مظاهر القدرة تلك: كالطاولة والكرسي باسعار
باهظة،وكالسيارات المجللة والقصورة العالية، لاستعراض
عضلاته الفردية او الوطنية. وهنالك اشخاص ايضا يخادعون
انفسهمبتلك الذرائع للتعتيم على اهوائهم الدفينة، وثمة
مسالة مهمة في الموضوع، وهي ان اغلب اولئك الذين اشتركوا
في هذهاللعبة ومظاهرها، قد تاثروا بها بمرور الزمن، فاضافة الى
انعدام الفائدة في تلك السبل الوهمية، فهي تسيطر على
الروحالانسانية وتسخرها لها((167)) .
وفي الحقيقة ان الرجل السياسي الزاهد في الدنيا، لن يحزن او
يصاب بخيبة امل، اذا ما فقد منصبه: ;ژرسز÷يجب علينا ان
نكونبمستوى من المعيشة بحيث لا نتحسر عليها لو سلبنا
اياها;ژرسز÷((168)) .
وللزهد وبساطة العيش مكانة رفيعة في دائرة الاخلاق لدى
الامام(قدسسره)، على اعتبار انه المحور الاساسي في
الحركةنحو الاستقلالية والاعتزاز بالنفس، وعلى من اراد
تخطي طريق السياسة الملتهب بنجاح، ان يكون زاهدا ومتحليا
ببساطةالعيش، فان الشجر الصحراوي اكثر صلابة وان قل
احتياجه للماء، وكان الامام (قدسسره) قد استوحى ذلك من
كلام الامامعلي(ع) حيث قال: ;ژرسز÷الا وان الشجرة البرية اصلب
عودا والرواتع الخضرة ارق جلودا والنباتات العذية اقوى وقودا
وابطاخمودا;ژرسز÷((169)) .
ومن هنا قد عد الامام الخميني(قدسسره)، بساطة العيش، سر
النجاح في المجال السياسي وسبب التوفيق في الدنياوالاخرة
فقال: ;ژرسز÷ان اردتم الوقوف بوجه الباطل للدفاع عن الحق وان لا
تخشوا القوى العظمى واسلحتها المتطورة، اوالشياطين
ومؤامراتهم وحتى لا تقعوا في مكايدهم، فعليكم ان تتحلوا
بالزهد والبساطة، وتجتنبوا التشبث القلبي بالمالوالمنصب.
فان اكثر الذين قدموا خدمات جمة لشعوبهم، كانوا بسطاء في
حياتهم لا علاقة لهم بزخارف الدنيا. اما الذينكانوا عبيدا
لاهوائهم وميولهم الحيوانية فسيحاولون بذل كل ما بوسعهم
من اجل نيلها وان استلزم ذلك انحطاطهم وذلهموهم ضعفاء
امام القوى الشيطانية، ومتغطرسين امام الجماهير الضعيفة، اما
المتقون فعلى خلاف ذلك، اذ لا يمكن الحفاظعلى القيم
الانسانية والاسلامية الى جانب الاسراف الطبقي;ژرسز÷((170)) .
فان الامام(قدسسره)يعد الزهد واحدا من اخلاقيات السياسة
الثلاث، والذي يتمكن من تخطي هذه الطريق، من كان
كيعقوببن ليث، ان يطبع نفسه على رغيف، ويتخذ من حياة
الزهد شعارا له ليشكل تهديدا خطيرا على الخلافة العباسية.
خاتمة
ابتدا البحث من موضوع الاخلاق، وتوصل الى البحث في
السياسة واتحادها مع الجانب الاخلاقي، وبعد ذلك عرج
علىمسالة الاخلاق ومكانتها المرموقة في صميم السياسة.
وراى ان نظرة الامام الخميني(قدسسره)، للسياسة ترتكز على
مبادئاخلاقية، باعتبار شمول دائرة الاخلاق لمجالات اوسع
من دائرتها الضيقة بكثير. ومن هنا يتعذر وضع قواعد
اخلاقيةخاصة بمعزل عن القواعد الاسلامية العامة. فان جميع
محاولات فصل السياسة عن الاخلاق، لن تفضي الى الغاء
الدورالاخلاقي وحسب، بل سيؤدي ذلك الى احقاق السياسة
نفسها.
ويرى الامام(قدسسره) انه ليست المصالح الاخروية هي
وحدها التي تقتضي التزام رجل السياسة بالاخلاق، بل هذا
مايفرضه العقل العملي والسياسي ايضا. لهذا اوصى
الامام(قدسسره) مقنني اللجان الاجتماعية في المجتمع
الاسلامي قائلا:;ژرسز÷كونوا معلمي اخلاق في المجتمع، لكي يصبح
جميع افراده سندا لكم... ولو حدث انحراف او بروز مرب
شخصية.. فانهذا اولا غاية في الانحطاط الاخلاقي وخروج عن
طاعة اللّه تعالى. وثانيا يخشى ان تعجزوا عن ايصال الامانة
الىاهلها;ژرسز÷((171)) .
وعليه، فان السلوك الاخلاقي من لوازم الرقي الروحي
والمعنوي للانسان في مختلف المجالات، وخصوصا في
السياسةكما انه من المقتضيات العقلية ايضا. وبما ان من اهم
واجبات رجال السياسة في المجتمع الاسلامي اشاعة القيم
الاخلاقيةوالشعائر الاسلامية وصيانتها فان من افضل السبل في
تحقيق ذلك هو التزام الساسة انفسهم بالمبادئ والقيم
المذكورةلاصلاح الذات وصياغتها: ;ژرسز÷اليوم، هو يوم حفاظكم
على كيان الاسلام وصيانته وذلك باصلاح عملكم، ومعاملتكم
الحسنةللناس، فكونوا اخوة لهم، نعم هكذا عاملوهم;ژرسز÷((172)) .
المرجعية القرآنية
والاتجاه الاخباري في الفكر الشيعي(2)
الشيخ حيدر حب اللّه
في القسم الاول، من هذه الدراسة، المنشورة في العدد السابق،
تم البحث في مرجعية النص القرآني، وفي اشكالية
هذهالمرجعية في التراث القديم، وفي القسم الثاني والاخير يتم
استكمال البحث.
مرجعية النص القرآني والصدمة الاخبارية
بعد تسليط الامين الاسترآبادي معاول النقد على اعمدة
المدرسة الاصولية ورمزها القديم العلامة الحلي، سيطر
الاتجاهالاخباري على الحياة الفكرية الشيعية سيطرة تامة
لاكثر من قرن ونصف، وقد اءحكم الخناق، في هذه الحقبة
الزمنية، علىعلم اصول الفقه، ففتر، ولم يظهر فيها افذاذ من
الاصوليين كما يرى الشيخ محمد رضا المظفر ((173))، او
على الاقل لم نجدنتاجا جديدا مهما سوى محاولة قام بها
المولى عبداللّه بن محمد، المعروف بالفاضل التوني (1071ه)،
والا فان كبارعلماء الاصول في تلك الحقبة لم تصدر منهم
محاولات تكسر ذلك الحصار الذي ضربه الاخباريون عليهم،
ولم نجدخطوات نشطة في الرد على الاخباريين، وان وجدنا
معطيات متفرقة كان لها دورها المحدود بعد ذلك في علم
اصولالفقه، واذا اردنا اخذ عينات امكننا ملاحظة تجربة
الحسين بن ميرزا رفيع الدين المشهور بسلطان العلماء، صهر
الشاه عباسالصفوي (1064ه)، فقد كتب حاشية على ;ژرسز÷معالم
الدين;ژرسز÷ للشيخ حسن ابن الشهيد الثاني، كما كتب شرحا على
;ژرسز÷زبدةالاصول;ژرسز÷ للشيخ البهائي، وقد كتب المولى صالح
المازندراني (1081ه) ايضا حاشية وشرحا على الكتابين، وشرح
الملاخليل القزويني (1089ه) كتاب ;ژرسز÷عدة الاصول;ژرسز÷ للشيخ
الطوسي (460ه)، وترك لنا الاقا حسين الخوانساري
(1101ه)حاشية على المعالم، وحاشية على شرح مختصر
الاصول للعضدي، ولم يترك لنا على ما يبدو الاقا جمال
الخوانساري(1125ه) في الاصول سوى حاشية على شرح
مختصر الاصول
للعضدي، وحاشية على المعالم تنسب اليه من دون تاكد من
ذلك ((174)).
ورغم معطيات مهمة ضمن الداخل الاصولي قدمها هؤلا
العلماء، نذكر مثالا لذلك ما ذكره سلطان العلماء في حاشيته
علىالمعالم من ان اسماء الاجناس يستفاد منها الاطلاق
بمقدمات الحكمة المعروفة لا بالوضع، حيث شكل هذا القول
الذي لميسبق اليه، في ما نعلم، بداية تحول في مباحث
الاطلاق والتقييد خالف فيه سلطان العلماء مشهور من تقدمه
منالباحثين((175)) ... ولا يبدو، على الرغم من ذلك، ان
هناك معطيات مهمة على صعيد الجدل الاخباري
الاصولي،خصوصامسالة مرجعية النص القرآني، وهذا ما دفعنا
الى تسمية تلك المرحلة بالصدمة الاخبارية التي افقدت
مدرسةالاصول توازنها واستمراريتها
لكن وسط الصدمة، ثمة محاولة تستحق التقدير المضاعف،
وهي محاولة الفاضل التوني (1071ه) في اعادة ترتيب
نظمعلم اصول الفقه، وقد ظهرت ابداعات التوني في كتابه
الشهير: ;ژرسز÷الوافية في اصول الفقه;ژرسز÷، وربما كانت له في حاشيته
على;ژرسز÷معالم الدين;ژرسز÷ ابداعات، الا ان هذه الحاشية لم تصل الينا
مع الاسف، وقد تمحورت ابداعات التوني على موضوعات
ثارحولها الجدل بين الاخباري والاصولي، مثل شرعية الاجتهاد
والتقليد، ومباحث الظنون، وخبر الواحد، وحجية
الظواهروغيرها((176)) .
ولسنا في صدد دراسة تجربة التوني، بل نهدف الى تحليل
موقفه من مسالة مرجعية النص القرآني فقط.
لكن تجدر الاشارة قبل دراسة التوني الى ان الفائدة الثامنة
والاربعين من الفوائد الطوسية، تبين ان الحر العاملي كان
فيصدد الرد على دراسة اصولية معاصرة له تبحث في
موضوعنا، ولم نعرف من هو كاتب هذه الدراسة، لكن بالتاكيد
هذاالكاتب معاصر للفاضل التوني وللحر معا، وتحليل رسالته
يجعلنا على يقين من وجود رد نقدي جيد جدا بمستوى
تلكالمرحلة على الفكرة الاخبارية هنا، يدركها القارئ حينما
يطالع الفائدة المذكورة.
الفاضل التوني والبدايات المترجحة في الرد على ;ژرسز÷السنة فقط;ژرسز÷
يتخذ الفاضل التوني، في دراسته لتخصيص عمومات القرآن
باخبار الاحاد، موقفا سلبيا، بمعنى التوقف والتردد في
تجويزهذا التخصيص او رفضه، ويرجع التوني توقفه هذا الى
سببين: احدهما ما يراه الشك في وجوب اتباع ما يفهم من
ظاهرالقرآن على الاطلاق، وثانيهما: الشك
في حجية خبر الواحد وقيمته على الاطلاق((177)) .
ويعنينا هنا شكه الاول، لماذا هذا الشك عند التوني في الرجوع
على ظواهر القرآن مطلقا؟!
يقدم لنا التوني مسوغات ثلاثة هي:
1 الروايات التي دلت على حصر علم القرآن بهم (عليهم
السلام)((178)) ، والتوني بهذا المسوغ تاثر على ما يبدو
بمعاصرهالاخباري الحسين بن شهاب الدين الكركي، كما
اسلفنا، ولم يرض التوني برد هذا الكلام بان نصوص الحصر
بهم(عليهمالسلام) تعني حصر فهم القرآن كله، وهي المقولة
التي راجت بين الاصوليين في ما بعد ولا تزال نافذة حتى
اليوم((179)) ، بلكانت مقبولة حتى عند بعض الاخباريين
كالفيض في الاصول الاصيلة((180)) ، وسبب عدم رضا التوني
بهذا التفسير لهذهالنصوص انه يراه مخالفا لما فهمه العلماء
الاولون منها((181)) .
ولم ندر من هم هؤلاء العلماء الذين قصدهم التوني بعد ان قرانا
نص الطوسي في التبيان
2 ان الاخذ بظاهر القرآن على الاطلاق يلزم منه طرح اكثر
الاخبار التفسيرية، لان اغلبها مخالف لظاهر القرآن
بحسبالوضع اللغوي، كتفسير الشمس بالنبي غ((182)) .
وهذا المسوغ يحتاج الى تشريح، فاذا قصد من الروايات
التفسيرية ما يشمل مثل النصوص المخصصة او المقيدة...
للقرآن،فلعل كلامه يغدو متوقعا، لان حذف هذه النصوص،
فضلا عن غيرها، يؤدي بالتاكيد الى تنحية عدد هائل من
نصوصالسنة. اما اذا قصد ما هو غير ذلك، وفقا للمثال الذي اتى
على ذكره، فان طرح هذه النصوص على تقدير عدم
تبنيموقف آخر منها لا حذر فيه ميدانيا وفقا لكمه ونوعيته
ولنا ان نضيف: اذا كان التوني يريد بمقولته هذه اقصاء النص
القرآني عامة، ولو في آيات الاحكام فقط (وان كان
مثالهيتعداها) فهذا غير مفهوم، لان مرجعية السنة على وزن
مرجعية الكتاب فلماذا هذا التقديم وما هو مسوغه؟! واذا كان
يريدهدم جزء من تلك المرجعية فهذا ما يخالف عرض الحديث
على الكتاب الا اذا اراد من روايات التفسير ما يشملالتخصيص
والتقييد، واذا كان قصده مجرد التوقف وعدم بت في الموضوع
فهو امر راجع اليه، ناتج عن حالاته النفسيةالمنبعثة من موازنة
دور نصي الكتاب والسنة معرفيا وعملانيا.
3 يشير التوني، في مسوغه الثالث، الى التوقف الى ما يمكن
القول: انه اول بداية سمحت للميرزا القمي (1321ه) في مابعد
بتحديد قيمة دلالة النصوص بمن حضرها عندما
صدرت، اي لذلك الذي شوفه بها، لا لمن عاش العصور
اللاحقة، وهذه الفكرة وغيرها كانت سببا لتكون نظرية
الانسدادفي العقل الشيعي((183)) ، وتلتقي فكرة التوني مع
مقولات الهرمنيوطيقا الحديثة ايضا، حيث يذهب الى ان
العمومات القرآنيةلعلها كانت حين صدورها مقترنة بما يجعل
معناها واضحا عند اولئك المخاطبين الذين كانوا حضروا
ملابسات الصدوروظروفه الموضوعية، ومن ثم لما استطال
الزمان وتمادى وضاعت علينا تلك الملابسات الحافة بالنص لم
يعد بامكانناالاعتماد على فهمنا له اليوم((184)) .
وقد حاولت المدرسة الاصولية، في ما بعد، التملص من هذه
الاشكاليات باساليب وطرق متعددة، ليست مجال بحثنا،ولعل
اكمل صياغة للرد الاصولي على هذا الكلام هو ما ذكره السيد
باقر الصدر (1400م) في مقولات اصالة الثبات فياللغة رغم
تحولها الواقعي، والظهور الذاتي والموضوعي، والظهور
الموضوعي لعصر الفهم وعصر صدور النص، ولسنافعلافي صدد
هذا الموضوع فلا نبت فيه((185)) .
بهذه المسوغات الثلاثة اقترب التوني بعض الشي من الموقف
الاخباري، او فلنقل ترجح بين الاخبارية والاصولية منحيث لا
يقصد، وربما لبعض التقارب هذا او الترجح نعته الخوانساري
في ;ژرسز÷روضات الجنات;ژرسز÷ بانه اخباري معتدل((186)) ، معانه
اصولي بالتاكيد
لكن التوني في دراسة لاحقة من كتابه عينه: ;ژرسز÷الوافية;ژرسز÷ عما
يحتاجه المجتهد من العلوم، وتموضع في الجبهة
الاصولية،ليحصر ذاك التردد في اصل مقولة تخصيص الكتاب
باخبار الاحاد، لا بما يوجد اشكالية في مبدا فهم الكتاب نفسه.
وفي هذه الدراسة اللاحقة، يحاول التوني الاجابة عن تلك
النصوص التي ذكرت انحصار فهم القرآن بهم (عليهم
السلام)،لكنه هذه المرة يغير جوابه، فيعتقد بان المراد منها ما
كان من حمل الكلام على خلاف المدلولات الظاهرة، اما
الظواهر فلاشك في جواز اعتمادنا عليها((187))
ويدعم التوني موقفه بثلاثة مدعمات هي:
ا ان الطبرسي في مجمع البيان كما تقدم معنا يرى ان
التفسير هو كشف المراد عن اللفظ المشكل، اي
ليسشرحالظواهر الكتاب.
ب سيرة السلف من العلماء الذين استدلوا بالكتاب في
مؤلفاتهم، بما في ذلك كتاب زعيم المدرسة الاخبارية
القديمةالشيخ الصدوق، حيث نجد استدلالا بالقرآن في مواضع
عديدة من ;ژرسز÷كتاب من لا يحضره الفقيه;ژرسز÷، خصوصا مبحث
المواريث، وما يقوله التوني هنا، يناقض ما اسلفناه عن
معاصرهالكركي في الاعتماد على سيرة السلف في عدم تفسير
القرآن الا بالنصوص الروائية، وكانه اي التوني يريد
انيحتجعليه بذلك، خصوصا من كتب تى ار الحديث نفسه،
وقد قام بالمحاولة نفسها، في ما بعد، السيد عبداللّه
شبر((188)) .
ج ان الائمة انفسهم استخدموا منهج الاستدلال بالكتاب،
ونقلوه لاصحابهم ما يدل على شرعيته((189)) .
والتوني في ;ژرسز÷ا;ژرسز÷ و ;ژرسز÷ج;ژرسز÷ يفتح الطريق على دليلين اساسيين
تبنتهما مدرسة الاصول حتى عصرنا الحاضر((190)) .
لكن التوني لا يقف عند هذا المعنى للانحصار، بل يعود لتبني
ما كان رده من قبل، فيرى ان معنى الانحصار هو انحصارتمام
علم القرآن بهم (عليهم السلام)، وما يؤيد هذا التفسير عنده
ان الكليني (329ه) روى ان كلمة ;ژرسز÷القرآن;ژرسز÷ اسمللمجموع، لا
لكل آية آية، فحينما يقال: هم فقط يعرفون القرآن، عنى ذلك
انهم يعرفون مجموعه، ولا يعني ان غيرهم لايعرف
بعضه((191)) .
ويواصل التوني سرده وهنا اهمية التوني للادلة التي تشيد
مرجعية القرآن وتتكرس، في ما بعد، اهم ادلة مدرسةالاصول،
فيذكر ان الروايات التي تدل على لزوم عرض الاحاديث على
الكتاب لا معنى لها اذا لم يكن فهم الكتاب آبمعزل عن
الاحاديثممكنا، وهو ما اسلفنا ان البحراني والعاملي حاولا
رده بمحاولة سبق ان ناقشناها، وليؤكد التونيدليله المهم هذا
يراه متواترا بما يرفعه الى حد اليقين بصدوره عن اهل
البيت(عليهم السلام)((192)) .
ويواصل التوني نقد ادلة الاخباري وتشييد ادلة جديدة
للاصولي بالرد ولو لم يذكر بالاسم على معاصره
الفيضالكاشاني الذي سبق ان اشرنا الى ضلوعه في اثارة فكرة
التحريف، فيرى المقولة مرفوضة عند الاكثر، ولو لم تكن
كذلكلامكن العمل بهذا الكتاب، لان ذلك مبرئ للذمة، وهي
المقولة نفسها التي اختارها الفيض، في ما بعد،
وطورهاالبحراني((193)) .
ان الفاضل التوني شيد اهم ادلة للمدرسة الاصولية في موضوع
بحثنا، وهي ادلة اخذها في ما بعد، الوحيد البهبهاني(1205ه)
وراكمها وزاد عليها، لكن التوني جاء في عصر انطلاقة
الاخبارية فلم تكن ردوده بمسموعة، لكنها سرعان ما حازت
على اهمية بعد مضي العصر الذهبي للاتجاه الاخباري،وسوف
نرى ان نتاجات الاصوليين الذين تلوا الفاضل والوحيد في هذا
الموضوع كانت في الغالب مكررة باستثناء تجربةواحدة كانت
اكثر عمقا وابسط تحليلا، وستاتي.
الوحيد البهبهاني وانتصار المرجعية القرآنية
بعد الفاضل التوني الذي يناظر عمله في هدم الاخبارية عمل
الاسترآبادي في تشييدها، جاء الوحيد البهبهاني ليطورنظرية
الظهورات القرآنية، ويسقط نظرية ;ژرسز÷السنة فقط;ژرسز÷، ويركز الوحيد
البهبهاني نقده للاخبارية في هذا الموضوع بالخصوصفي
كتابه ;ژرسز÷الفوائد الحائرية;ژرسز÷، فيدخل البحث ناسبا الى الاخباريين
المنع مطلقا عن حجية القرآن، واصفا مقولتهم هذه بانهافي
غاية الغرابة((194)) .
لكن الوحيد البهبهاني، في اطلاقه هذا، لايبدو لنا مصيبا، فقد
اسلفنا ان الفيض الكاشاني وبعده المحدثين
البحرانيوالجزائري كانوا معتدلين في هذا الموقف، فلم يذهبوا
للمنع مطلقا، وهم من اكابر رجالات الاخبارية، علاوة على
انالبحراني ايضا قد صرح بوجود اتجاهات متعددة داخل التيار
الاخباري، وهذان الامران من شانهما ان يجعلانا نتحفظ
عننسبة هذه المقولة بشكلها المفرط الذي تبناه الاسترآبادي
الى رجالات الاخبارية جميعهم، وهذه الملاحظة نسجلها
علىغير باحث متضلع اطلق هذه النسبة من دون ان يدقق في
تيارات الاخبارية واطيافها اعتدالا وتطرفا ان صح التعبير،
ومنبينهم الشيخ جعفر كاشف الغطاء في رسالته ;ژرسز÷الحق
المبين;ژرسز÷((195)) و...
ومسالة انقسام الاخبارية الى فريقين: معتدل ومتطرف تكاد
تكون حقيقة يقر بها غير باحث ومتابع((196)) ،
فالاسترآباديوالميرزا الاخباري المقتول والمحدث الجزائري
من متصلبي الاخبارية، بل صرح المحدث النوري بان الحر
العاملي كاناصلب من الجزائري((197)) ، اما المحدث
البحراني فهو معتدل، تماما كما قيل عن العلامة المجلسي: انه
من معتدليالاخبارية((198)) ، اما الفيض فاختلف فيه بين
الدارسين((199)) ، وانما ركزنا في هذه الملاحظة على كلام
البهبهاني وغيره،لكونها سوف تساعدنا في الخروج بتصور نهائي
عن المسار التاريخي العام لموضوع بحثنا.
وقد اضاف الوحيد البهبهاني كثيرا من المطالب على ما وضعه
اسلافه، خصوصا الفاضل
التوني في هذا الموضوع، فرغم احتجاجه بسيرة السلف وعلماء
الامامية على العمل بالقرآن، ما كان التوني قد ذكره((200))
،قدم البهبهاني جملة معطيات ارى انه من المهم معرفتها،
وابرزها:
اولا: جعل الوحيد البهبهاني مدخله الى هذا الموضوع عقلانيا لا
نصيا نقليا، فقد حاول الاستفادة من المقولة القاضية بانالحجة
هو قول اللّه، اما قول رسوله واهل بيته(عليهم السلام) فان
حجيته انما تتمثل في انه يكشف لنا عن قول اللّه تعالى،ومعه
فلا معنى للتوقف في قول اللّه سبحانه((201)) .
وبهذا اضفى الوحيد على قول الرسول غ واهل البيت(عليهم
السلام) طابعا اداتيا، وبحسب التعبير الاصولي المتداول
اليوماءخذهما على نحو الطريقية لكلام اللّه سبحانه، فاشاد
الاصالة لقول اللّه تعالى، وهذا ما جعله يرفض النصوص التي
توهمانها تدعو لعدم العمل بقول اللّه سبحانه، بل يصر الوحيد
على رفضه هذا حتى لو كانت هذه النصوص المانعة صريحة
فيمنعها انطلاقا مما اسلفنا((202)) ، وهو ما اقتدى به فيه في
ما بعد، الميرزا القمي في ;ژرسز÷القوانين;ژرسز÷ وغيره((203)) ، وبهذا
ظهر اولردفعل عقلاني من التيار الاصولي ينسجم مع مبدا
تقديم العقل على النقل، والا فكيف سوغ الوحيد لنفسه
الاطاحةبالنصوص الصريحة بناء على مقولة لا يبدو في
منطلقها انه استقاها من مصادر تشريعية نقلية؟!
ورغم اهمية هذا التطور في معالجة الموضوع، الا اننا لا نجده
سليما، بل فيه نوع من المصادرة او حتى المغالطة
بالنسبةللاخباري، فان قول الرسول غ واهل بيته(عليهم
السلام)طريق لمعرفة حكم اللّه، لا لمعرفة قول اللّه حتى نتخذ
قول اللّه هذامجددا سبيلا لمعرفة حكمه، فتكون شرعية قول
الرسول متفرعة على شرعية القول الالهي. وبعبارة ثانية: ان
كلام الوحيديغدو سليما حينما ينقل لنا الرسول غ نص كلام اللّه
تعالى، فنغدو بدورنا مضطرين لفهم الكلام الالهي لبلوغ المراد
عندهسبحانه، اما اذا كان نص كلام الرسول غ ليس حكاية عن
قول اللّه فهو لا يمررنا بنص الهي حتى نعبره الى الحكم
الشرعي،بل يربطنا مباشرة بهذا الحكم، فاذا ادعى الاخباري ان
بين النص القرآني والنص الروائي اختلافا بنائيا ما فلا يغدو
تسويغالاعتماد على النص الروائي مسوغا لشرعنة الاعتماد
على النص القرآني، فالمدخل العقلاني للوحيد كان ضرورة
لتطويرآليات قراءة هذا الموضوع الشائك، وللخروج من الازقة
الفرعية التي تريد الاخبارية ان تدفع خصومها للمرور فيها،
لكنمع ذلك لا تعني موافقتنا على تحويل المدخل من نصى
الى عقلاني يحاكم على اساسه النصوص ان مفردات المدخل
التياختارها الوحيد كانت سليمة، ولهذا لا نجد مسوغا
لقوله في رد روايات الاخباري: ;ژرسز÷وحاشاهم(عليهم
السلام)الامر بعدم اطاعة قول اللّه;ژرسز÷((204)) .
ثانيا: عبر محاولة عقلانية اخرى اثار البهبهاني اشكالية جديدة
على التيار الاخباري، فقد حاول الارتداد على المقولةالاخبارية
بالتشكيك في صدور نصوص السنة، اذ كيف يمكن تسويغ
الظنون الناتجة عن الروايات وشرعنتها رغم الشكفي اصل
صدور الروايات، ولا يكون تسويغنا هذا شاملا لنصوص القرآن
مع العلم بانها يقينية الصدور، فالسنة لا يعلم هلهي من كلام
الشارع او لا؟ بينما يعلم حال القرآن، فكيف ناخذ بظن دلالي
في السنة من فوقه ظن سندي ولا ناخذ بظندلالي من القرآن
لا ظن فيه غيره؟! مع ان دليل شرعية الظن يشمل الطرفين
معا((205)) !
ويبدو ان الوحيد كان يريد فتح ثغرة في المنظومة الاخبارية
عبر التعرض لظنية السنة، لكننا نرى محاولته هذه غير
مجديةولا موفقة وذلك:
ا ان تيارا عظيما في الاخبارية يرى ان نصوص الكتب الاربعة
جميعها يقينية الصدور((206)) ، فهذا الكلام لا يعنيها، ومنثم
يغدو اشكالا مترتبا على حل تلك المقولة في مرحلة سابقة.
ب قد اشرنا الى ان الاخباري يرى فرقا جوهريا في بنية
النصين: القرآني والروائي، وهذا الفرق الجوهري يمنع عنده
عناصل امكانية فهم القرآن او ان نصوص السنة منعته من
الاخذ بفهمه للنص القرآني، فيقينية الصدور او عدم يقينيته لا
تؤدياي دور في حسم الخلاف هنا، ولعل الوحيد تعاطى مع
الموضوع من زاوية منطلقاته هو، وهي منطلقات لا تميز بين
بنائيالنص القرآني والروائي من حيث ان فهم مداليل النصوص
فيهما يخضع لنسق واحد، اذن فهذه الخطوة العقلانية الثانية
التياعتمدها الوحيد، وان كانت تمثل تقدما في المنهجة
والمعالجة، لكنها لا تحسم النزاع هنا لصالح المدرسة
الاصولية.
ثالثا: المحاولة العقلانية الثالثة التي قام بها الوحيد تمثلت في
دمجه بين النص والظاهر من حيث طبيعة التعامل
معهما،فبعدما عد اقرار الاخباري بالعمل بالنص القرآني الصريح
ماخذا عليه، انتقد محاولة بعضهم التمييز بين الصريح
والظاهر،معتبرا انهما ضمن سياق واحد وفقا لما تفيد الادلة
والاخبار((207))
ان الوحيد يحاول هنا التعامل مع النص القرآني بوصفه وحدة
متكاملة غير قابلة للتشطير او الانشطار، تبعا لانواع
منالدلالات، فاما ان نقر بمرجعية النص القرآني او نلغيها على
الاطلاق.
ومحاولة الوحيد هذه جديرة بالاهتمام في سياقها العقلاني،
لانها تؤكد استخدام مبدا واحد في منهاج التعامل مع
القرآن،لكن مع ذلك، يبدو لنا ان الوحيد بمقولته هذه يقع في
مفارقة حتى وفاقا للمبادئ الاصولية.
ان القاعدة الاساسية التي ارساها الاسترآبادي في العقل
الاخباري تقضي بعدم جواز الاعتماد على الظنون ابدا،
ولهذهالقاعدة سعى الامين الاسترآبادي لتاكيد يقينية المصادر
الحديثية، بل سعى لتاكيد يقينية الدلالة الحديثية
ايضا((208)) ، ولماذهب هو او غيره الى كون دلالات النص
النبوي او القرآني غير يقينية انسجم مع ذاته برفضها اطلاقا،
وهذا معناه انعنصري اليقين والظن هما الميزان الذي حاولت
الاخبارية ان تهتم به على الصعيد العقلاني، حتى لو صرفنا
نظرنا تلقاءالمدرسة الاصولية لوجدنا التمييز راسخا بين اليقين
والظن، فاليقين في العقل الاصولي لا يحتاج الى من يمنحه
القيمةوالاعتبار، بل هو الذي يمنح ذاته بذاته، اما الظن فهو
دائم الافتقار الى من يعطيه قيمة ما في مجال ما
كالتشريع((209)) .
واذا فهمنا ان مصطلحي الصريح والظاهر هما مصطلحان
يرادفان، في عالم الدلالة عند علماء المسلمين، اليقين والظن،
صاربالامكان وفقا للاسس المعرفية نفسها تسويغ التمييز
بينهما، ومن ثم الاقرار بان شطرا من الدلالات القرآنية
يمكنالاخذ به والعمل وفقه، في ما يلزم للاخذ بالشطر الاخر
الحصول على مجوز ما بدليل معين.
ان تشطير دلالات النص القرآني واقع لا مفر منه وفقا للبناءات
الاصولية وغيرها.
لقد كان المفترض بالوحيد البهبهاني، وهو يشيد البناء العقلاني
لمرجعية النص القرآني ويتقدم خطوة الى الامام في
المنهجةوالمداخل.. ان يحلل بناء النص القرآني وبناء النص
الروائي ليتاكد من ان ايا من البنائين لا يتميز عن الاخر، وان
محاولاتالتمييز مجرد احتمالات لا يقبلها العقل ولا المنحى
العقلاني، ليتفرغ بعد ذلك للرد على نصوص الاخباريين
الروائية، ولربمانجح الوحيد حينها في قلب المعادلة باثارة
زوبعة تثير الغبار حول دلالات النص الروائي انطلاقا من
معطيات ليست مجالبحثنا، ولا ندعي انها تعطل تماما الاخذ
بمثل هذا النص، لقد حاول الوحيد مثلا ان يجر النار التي
اشعلها الاخباري فيالنص القرآني الى نص السنة ليستخدم
منهجاجدليا نقديا عبر القول بان نص السنة كذلك لا تعرف
الشواهد والقرائن التيكانت حافة به لحظة صدوره((210)) ،
ولو انه حاول نقل النار بدل تسريتها الى الطرف الاخر لربما
نجى النص القرآني وفق منهج برهاني لا جدلي.
وعلى اية حال، فقد حاولنا رصد تجربة الوحيد لنتاكد من
حصول تحول في مسار الموضوع، واخذه طابعا اكثر
عقلانيةعلى صعيد المعالجات، بل وطابعا يجمع احيانا بين
الجدلية والبرهانية عند قراءة بنية النص، وسوف نلاحظ ان
الاتجاهالاصولي بعد ذلك اصبح يرى النص القرآني داخلا في
مجال القاعدة العامة للدلالة والاستعمال والفهم اللغوي، وان
مهمةالاصولي ليست تقديم شهادة تشر ع الاعتماد على هذا
النص، بل رد ما يحاول التشكيك في بنية النص نفسه وتزييفه،
فقدغدا الاصوليون يقصرون جهودهم على الرد على
الاخباريين، اما اساس نظريتهم في النص القرآني فهم
يدمجونها فينظريتهم العامة في الدلالات عموما ليوحوا بذلك
الى وحدة البناءات النصية عقلانيا.
كاشف الغطاء واوسع عملية تصفية حساب
ترك لنا الشيخ جعفر كاشف الغطاء (1228ه) ثلاثة كتب كانت
له فيها معالجات اصولية شاملة هي:
1 كشف الغطاء (المقدمة).
2 الحق المبين في تصويب راي المجتهدين وتخطئة
الاخباريين.
3 غاية المامول، وهو كتاب لم يصلنا مع الاسف، وله ايضا
كتاب ;ژرسز÷كشف الغطاء عن معايب الميرزا الاخباريعدوالعلماء;ژرسز÷.
وقد اشتملت مقدمة كتابه الشهير ;ژرسز÷كشف الغطاء عن مبهمات
الشريعة الغراء;ژرسز÷ على موضوعات كلامية واصولية معا،
لكنمعالجاته فيها، في ما يتعلق بموضوع بحثنا، جاءت مقتضبة
نسبيا، في ما كانت رسالة ;ژرسز÷الحق المبين;ژرسز÷ اكثر عطاء وغنى.
وقد تعامل كاشف الغطاء مع الموضوع تعاملا يشبه تعامله مع
البديهيات، بل قد صرح بان ;ژرسز÷العمل بالقرآن في الجملة،
وفهممعانيه كذلك يكاد يلحق بالضروريات، وبالمتواترات
معنى، لمن اطلع على النصوص وحوارات الائمة وسيرهم
(عليهمالسلام);ژرسز÷ ((211))، ولهذا وجدنا السيد المجاهد
الطباطبائي (1242ه) يذكر دعوى الاجماع على العمل
بظواهر القرآن((212)) ،وكانه صارت لدى الاصوليين حالة
استخفاف بمقولة الاخباريين.
وتمتاز مواجهة كاشف الغطاء بغزارة نيرانها وكثافة الشواهد
المدرجة فيها بما يسد على الطرف الاخر الابواب
والمنافذ،خصوصا مع سيل من التقزيم لمقولات الاخر الى حد
القول: انه ;ژرسز÷من الاقوال العجيبة والاراء الشنيعة الغريبة;ژرسز÷((213))
.
1 وقد استعرض من ادلة القرآن ثلاثة واربعين دليلا لدعم
موقفه من نوع ×××لو انزلناه على بعض الاعجمين
×××و×××لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ×××و ×××تقشعر منه قلوب
الذين يخشون ربهم ××× و ×××استمع نفر من الجن فقالوا انا
سمعناقرآنا عجبا ××× و...
2 وذكر ثلاثة ادلة من الروايات هي:
ا وجوب الرجوع اليه كحديث الثقلين
ب ان ما وجدتم في الكتاب والسنة لزمكم العمل به.
ج اخبار العرض.
3 السيرة الواضحة بين المسلمين والائمة(عليهم
السلام)لمن تتبع احتجاجاتهم(عليهم السلام)، ثم سرد كاشف
الغطاءعشرة احتجاجات للائمة(عليهم السلام)، مضاعفا اياها
باحتجاجات الصحابة والمتشرعة والعلماء والخطباء والوعاظ،
بلسرى الامر الى عوام الناس عند آيات الوعد والوعيد و... وفق
رايه((214)) .
4 وقد طور كاشف الغطاء من شناعة قول الاخباريين مؤسسا
لبناء عقلاني جديد حين ربط نظريتهم بموضوع
الاعجازالقرآني، فرغم ان الحر العاملي كما سبق ان نقلنا عنه
في الفوائد الطوسية يقر بان الاعجاز فائدة من فوائد النص
القرآنيبمعزل عن السنة، فان كاشف الغطاء يرى ان مقولة
الاخباريين تفرغ النص القرآني من سمة الاعجاز، ذلك ان
النص القرآنياذا لم يكن مفهوما، فقد قيمته في التحدي، اذ ما
معنى تحدي العرب بان ياتوا بمثل القرآن وهم لا يفهمونه،
وانما هو بالنسبةاليهم مجرد طلاسم ورموز مبهمة؟!((215)) .
وقد فتح كاشف الغطاء بهذا المنفذ العقلاني الذي اضافه الى
تجربة شيخه الوحيد البهبهاني، فتح الطريق للعلماء
اللاحقينلتطوير هذا الدليل، حيث قام باستخدام الفكرة نفسها
الميرزا القمي في كتابه ;ژرسز÷القوانين المحكمة;ژرسز÷ وغيره((216)) ،
كما قام امثالالسيد ابى القاسم الخوئي (1413ه) باعطاء صيغة
اوضح واجلى له، وفقا لما ذكره في كتابيه: ;ژرسز÷البيان;ژرسز÷ و
;ژرسز÷مصباحالاصول;ژرسز÷((217))
وهذا الربط بين فهم القرآن واعجازه لا مخلص منه عند الفريق
المتطرف من الاخبارية الذي كان يرفض الاخذ
بمطلقالنصوص القرآنية والنبوية، اذ لا معنى للتحدي مع
الابهام المطلق، لكن فرقاء آخرين في الوسط الاخباري ربما
حاولواالتملص من هذه الاشكالية وان لم ياتوا على ذكرها في
ما بحثنا عنه، فاذا انطلق الاخباري لمبدا هدم الدلالات
القرآنيةمن اشكالية فقدان الشواهد المحيطة بالنصوص كان
موضوع التحدي حينئذ بمعزل عنه، لانه لا يرفض الاخذ
بالنصالقرآني وفهمه مع وعي القرائن المحيطة بصدوره، الامر
الذي كان متوافرا لعرب الجزيرة عصر الرسالة، وكذلك الحال
معامثال الحر العاملي الذي يذهب الى تنويع الدلالات بين
الصريح والظاهر مع اعتقاده بوجود الكثير من النصوص
الصريحة،فان اشتمال بعض القرآن على شي من الغموض ربما
لا ينافي الاعجاز اذا كانت الحالة الغالبة عليه النصوص
الصريحة، وقدذهب بعض الاصوليين المعاصرين الى رفض
وجود ظهورات قرآنية تقريبا، مصرا على ان نصوص الكتاب
صريحة علىالدوام((218)) ، وهذا يعني انه كما تنافي الاعجاز
الاحرف المقطعة، كذلك لا تنافيه الدلالات المبهمة كما يقول
الاخباري،خصوصا اذا حصرها بيات الاحكام التي كانت قليلة
في المرحلة المكية.
لكن، ومهما استطاع الاخباري التخلص من فكرة الاعجاز، الا
ان كاشف الغطاء قد فتح بذلك طريقا مهما للتاسيس
لفهمالقرآن، بعيدا عن السنة، الفكرة نفسها اثارها كاشف الغطاء
حول موضوع ;ژرسز÷الا بلسان قومه;ژرسز÷ في الموضع نفسه((219))
5 كان ما تقدم خلاصة المساهمات التاسيسية التي قام بها
كاشف الغطاء، لكنه لم يغض الطرف عن ادلة الطرف
الاخر،فتناولها كعادة بعض الاصوليين بشي من الاختصار،
لكن الجديد في رد كاشف الغطاء تمثل هذه المرة في ادعائه
انالنصوص المتكاثرة بزعم الاخباري التي تحصر التفسير
باهل البيت(عليهم السلام) لا دلالة لها على ذلك، اي ان
كاشفالغطاء لم يقبل بالتراجع الاصولي امام الاخبارية
والتملص عن نصوصهم بادعاء ان اختصاص فهم القرآن
بهم(عليهم السلام)انما يراد به فهمه برمته كما درجت عليه
كلمة الاصوليين، او انه خاص بغير الظاهر منه كبعض
المبهمات، بل حاول اضافةالى ذكره هذين الوجهين ادعاء
عدم وجود دلالة روائية على اصل هذا الموضوع((220)) ، وهو
رد فعل متقدم من جانبالاصوليين، لم نعهده الا عند بعض
المعاصرين كما سياتي.
ومع ذلك كله، يقبل كاشف الغطاء كبقية الاصوليين وجود
درجات في الدلالة
القرآنية، فبعض من الايات يفهمه الجميع، وبعض آخر لا يفهمه
الا العلماء، وبعض ثالث لا يعرفه الا هم(عليهم السلام)كفواتح
السور((221)) .
الاتجاه الاصولي وتكميل نظرية الفهم القرآني
ما كاد الشيخ جعفر كاشف الغطاء ينهي مساهمته في هذا
الموضوع، حتى جاء السيد عبداللّه شبر (1242ه)
ليضيفمساهمة نصية اساسية شكلت حصيلة ما قدمه
الاصوليون في دعم نظريتهم، فكانت تجربته في ;ژرسز÷الاصول
الاصلية والقواعدالشرعية;ژرسز÷ بمثابة اكتمال نصي لنظرية
الاصولي، فقد جمع شبر مئة واحدى عشرة رواية لدعم نظرية
الاصوليين((222)) ، وهوجهد اسهم في انجاح الدعم النقلي
لها، كما ساعد على الاقل في ايجاد توازن نصي بين الطرفين،
حاول الاصولي معه فيما بعد التركيز على ادعاء وجود تضارب
بين النصوص، بما يسمح بالاعتماد على المداخل العقلانية
التي شرع بها الوحيدواستمر بها كاشف الغطاء.
اولا: لكننا لا نجد اسهاما رئيسيا بعد كاشف الغطاء في التشييد
لنظرية مرجعية القرآن، بقدر ما لاحظناجهدا بليغا لرد
ادلةالاخباري، حتى ادرجت ادلة الاصولي على مرجعية القرآن
في خدمة معارضة دليل النهي عن التفسير بالراي كما
فعلالخراساني((223)) .
وهذه ملاحظة جديرة بالدرس، ربما يكون سببها شعور
الاصولي بان عدم القول بحجية الدلالة القرآنية ليس ذا بال،
وانماشبهة في مقابل بديهة تقتضيها النظرية العامة التي ركزها
علم اصول الفقه في مجال الدلالة، الا وهي حجية الظهور،
ولاجلوضوح حجية الظهور هذه ذهب احد كبار الاصوليين
وهو السيد الخوئي الى القول بعدم كون هذا البحث اي
حجيةالظهور بحثا اصوليا اصلا، والسبب الذي دفعه لقوله هذا
هو ادعاؤه بلوغ هذا المبدا في الحياة الانسانية حدا من
الوضوحخرج به عن حيز الجدل العلمي، وبهذا شعر الاصولي
بان نظرية الظهور بكل عمقه او ابعادها راسخة رسوخا
بالغا،((224)) ماجعله غير معنى كثيرا بالبرهنة عليها، ولهذا
وجدنا ان البرهنة عليها جاء في سياق اختصار شديد عندهم،
الامر الذي جعلهمفي موضوع بحثنا يكتفون برد مقولة
الاخباري بدل البرهنة على مقولتهم، بل لقد اعرض بعض
الاصوليين عن خوضالجدل مع الاخباري استخفافا بمقولته،
تماما كما فعل الامام الخميني (قده) في دراساته الاصولية،
ومثله لبروجردي، حيثاكتفى اي الخميني(قده) بالاشارة
الى موضوع التحريف، مسجلا حملة عنيفة على المحدث
النوري((225))
ثانيا: في محاولة منهم لمنهجة البحث، عمد الاصوليون الى
ضغط ادلة الطرف الاخر، ليحولوها الى عناصر محددة، اي
انالطريقة التي اتبعها الحر العاملي في سرد عشرات الادلة لم
تكن ممكنة للاصولي، لانه سوف يضطر الى التشعب
والتشتت،كما ان غزارة النصوص التي قدمها الاخباري سيما
في ;ژرسز÷وسائل الشيعة;ژرسز÷ او قدمها الاصولي سيما في ;ژرسز÷الاصول
الاصلية;ژرسز÷،كانت ترهق الاصولي عند متابعتها سندا ودلالة، ولهذا
حاول الاصولي فرز هذه الاعداد الكبيرة من النصوص
والادلةالاخبارية ايضا داخل مجموعات محددة ليعطي كل
مجموعة عنوانا او محورا تدور حوله، وبذلك ضبط الاصولي
البحثوزاده منهجة واتزانا، فلم نجد في ;ژرسز÷كفاية الاصول;ژرسز÷
وغيرها سوى ادلة خمسة او اقل او اكثر بقليل في
غيرها((226)) ، وهذاتطور منهجي جيد.
ثالثا: الا ان اختزال الاصولي هذا، تسبب في تغييب عناصر
اساسية كان الاخباري قد قدمها من قبل، وهي عناصر لا
تخلوعن اهمية، ولكي نؤكد عملية التغييب هذه نذكر عينات
دالة:
1 رغم ان حديث الثقلين وامثاله اول ادلة الاسترآبادي
واهمها، الا ان الاصوليين غيبوه اطلاقا، بل استعاضوا عن
ذلكبجعله دليلا لهم((227)) ، ما يوحي بانه لصالحهم ولا
احتمال فيه ان يكون لصالح الطرف الاخر، رغم ان اول من
ادخل هذاالحديث في الصراع كان الاخباريون انفسهم.
2 ندر ان كشف لنا الاصولي عن عينات من النصوص التي اتى
بها الاخباري، وكانت اكثر العينات رواجا الروايتان اللتانينهى
فيهما الامام(ع) ابو حنيفة وقتادة عن التفسير ليحصره بمن
خوطب به، والحال ان هناك روايات اكثر دلالة كان ينبغي
انيشار اليها لتقديم عرض اكثر سعة ووضوحا وموضوعية وامانة
لنظرية الاخباري.
3 لم يقم الاصوليون بدراسة نصوص الاخباريين الحديثية
دراسة نقدية، وبخاصة على صعيد الدلالة والسند معا،
اذااستثنينا تجربة السيد محمد باقر الصدر، فلم تكتب ابحاث
خاصة لتشريح هذه النصوص برمتها بما يفكك الصورة
المجملةالماخوذة منها، ولعل الاصولي كان يتجنب الاطالة، الا
ان قرنين من الزمان كانا كافيين لتقديم دراسات خاصة بهذه
القضية،والسبب الذي يحدونا الى المطالبة بذلك هو ان
الاجيال الاصولية اللاحقة غضت النظر عادة عن مفردات تلك
النصوصواكتفت بعناوين تجمعها، الا ان مطالعة مفردات
النصوص كان بامكانها ان تعمق اكثر من فهم دلالاتها وابعادها.
والامر نفسه فعله الاصوليون في موضوع التحريف، بل فعله
الكثير من
الدارسين القرآنيين، فلم تفكك احاديث ;ژرسز÷فصل الخطاب;ژرسز÷
للمحدث النوري لتعالج بعمق سندا ودلالة الا في
بعضالمحاولات القرآنية المحدودة((228)) ، في ما اوحت
طبيعة الردود العامة وكان نصوص التحريف لا تتعدى اصابع
اليد من حيث الكم او الدلالة الضعيفة الهزيلة جدا من
حيثالكيف والنوعية في عملية تعتيم ما، ولسنا ندافع عن
نصوص التحريف بل نزعم ان دراسات غير مبتسرة هي
الاضمنلتفكيك الافكار ونقدها.
لكن مع ذلك يسجل لصالح الاصولي تغييبه السليم لادلة
اخبارية كشف التطور الدرسي عن خوارها التام، والعلوم
الدينيةمطالبة، في كل مرحلة، بنفض الغبار عنها بما يزيل الى
الابد وجهات نظر عفى عليها الزمان ومضى.
رابعا: رغم ان مقولة التفسير بالراي كانت من اهم ما اثار الجدل
في هذا الموضوع، الا ان كلمة الاصوليين تكاد تتفق علىان
المراد بالراي هو الاستحسانات والاعتبارات العقلية الظنية
والترجيحات او اتباع الاهواء و...من دون ان يقدم لناالاصولي
دراسة مفصلة لهذا الموضوع يبرهن فيها على صدق مدعاه،
وهو موضوع شائك طرحت فيه آراء كثيرة منذالطبري ومن
قبله وحتى عصرنا الحاضر نعرض عنها لخروجها عن مجال
بحثنا، وقد اشرنا الى بعضها في هامش سابق،وقد كان ينبغي
على الاصولي ان يركز على هذا الموضوع اكثر ليعطيه حقه،
كونه يلامس جانبا حساسا من مصادر المعرفةالدينية. خامسا: رغم ان مقولة اتباع المتشابه كانت من ادلة الاخباري، الا ان البحث الاصولي تلقاها بنوع من البساطة، وكان ينبغيان تدرس قضية آية المتشابه والمحكم بعمق اكثر من مجرد القول بان المتشابه هو المجمل لا الظاهر، ليس لاجل غموضالموضوع، فنحن نسلم بوضوح ان ليس المراد بالمتشابه الظاهر بل خصوص المجمل، وانما لطبيعة حساسية البحثوتشعبه |
|---|