الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

سادسا: اسهم الاصوليون في خطوة موضوعية في مساعدة الاخباريين على اختراع ادلة جديدة، وكما اشرنا، فقد كانت‏محاولة توظيف فكرة التحريف محاولة اصولية بحتة، ولم يقم البحراني ولا الفيض من قبله باخذ الفكرة مساندا لهدم‏المرجعية القرآنية، كما كانت فكرة العلم الاجمالي بوجود تعديلات دلالية او في حجية الدلالات القرآنية من نوع‏التخصيص والتقييد و... فكرة اساسية كان الاسهام الاكبر في تطويرها على يد الاصوليين الذين طوروا مجمل نظرية العلم‏الاجمالي.. ويعبر ذلك عن امانة علمية رفيعة، ونزاهة كذلك، وقد قام الاصوليون برد تلك الادلة ردا محكما، وفقا لاخرتطورات علم الاصول وابحاثه.

على اية حال، تكررت الافكار في علم الاصول في موضوعنا منذ القمي صاحب القوانين، مرورا بالاصفهانيين الاخوين‏صاحبي الفصول وهداية المسترشدين والانصاري والخراساني والنائيني والعراقي والكمض‏اني، وصولا الى الحكيم‏والخوئي والخميني وغيرهم.

لكن تحولا معينا حدث مع المفكر الاصولي السيد محمد باقر الصدر يجب درسه، وهو وان لم يكن تحولا شاملا وبنيويا،الا اننا لاحظنا مؤيدين لبعض الباحثين المعاصرين((229)) عناصر تسمح بدرس تجربة الصدر على حدة هنا.

محمد باقر الصدر واعادة قراءة الظهور القرآني يحاول السيد محمد باقر الصدر (1400ه) في دراساته الاصولية كغيره من الاصوليين الرد على ادلة الاخباريين‏فيعالج موضوعات متعددة امتاز بها:

1 يخوض الشهيد الصدر ببحث موسع على الصعيد الاصولي في مسالة المحكم والمتشابه، لم يسبق اليه في الدرس‏الاصولي، وان عالجه علماء التفسير والقرآنيات، ويخرج الصدر في تحليله بنتيجة مهمة هي: ان الاية لا تنهى عن العمل‏بالمتشابهات وانما تنهى عن توظيفها ابتغاء الفتنة، وهذا معناه ان اصل الرجوع الى المتشابه مسوغ، وانما انحصر النهي‏بالغاية التي يراد الرجوع الى المتشابه من ورائها. وبعد ان يقرر الصدر مبدا الرجوع الى المتشابه، يعود فيؤسس لعلاقة‏حتمية بين المتشابه والمحكم عندما يرى ان ذكرهما في الاية جاء على نحو التخصيص بعد القسمة، وهذا ما يعني ان الذين‏رجعوا الى المتشابهات تركوا المحكمات، وبهذا تكون النتيجة صحة الرجوع الى المحكمات مطلقا والرجوع الى‏المتشابهات مع المحكمات.

هذه هي عصارة رؤية السيد الصدر في دراسة موسعة، وهي، كما اشرنا، تشكل امتيازا له((230)) .

وبهذا خرج الصدر عن السياق الاصولي الذي استمر قرابة قرنين من الزمن، فليكن المتشابه ما كان، فالمسالة ليست في‏هذا، وانما في ابتغاء الفتنة والتدبير لها 2 وفي خطوة اخرى غير مسبوقة، يحلل الصدر النصوص التي تحصر فهم القرآن بهم(عليهم السلام) تحليلا سنديا يضعهافي خانة الوضع والجعل او ايكال علمها الى اللّه تعالى، ويقيم الصدر عملية نقده الجذري لهذه النصوص على‏امرين:

الاول: وجود قاسم مشترك بين الروايات جميعها، وهو وجود رجال الباطنية في اسانيدها من امثال سعد بن طريف، وجابر بن يزيد، ولما كانت هذه النصوص تخدم الافكار الباطنية التي تحول دون التعاط‏ي‏العادي مع النصوص والامور جميعها كان وجود مثل هؤلاء مدعاة للريبة والشك الشديدين، فكيف اجتمع في هذه الاسانيدجميع هؤلاء الرجال المنتمين الى المذهب الباطني الذي يحصر الامور جميعها بالمعصوم(ع) ويسد مجال العقل والتفكير؟ان هذا يعني ان مصادر الحديث قد تسربت اليها هذه النصوص المجعولة ((231)).

الثاني: يحاول الصدر في خطوة لافتة ان يدرس المناخ المسيطر على الوضع آنذاك، حين يذهب الى ان هذا الموضوع‏كان مثار جدل في اوساط اهل السنة في تلك الحقبة، وهذا معناه ان علامات استفهام كبيرة سوف توضع على تلك‏الروايات القليلة الحاصرة، اذ كيف صدرت نصوص محدودة عبر رواة من الدرجات اللاحقة ولم يتفوه بها راو من الدرجة‏الاولى كزرارة بن اعين او محمد بن مسلم الطائفي او..

في مناخ ضاج بالجدل، ما كان يستدعي وفق طبيعة الاشياء ان‏تكثر الاسئلة والاجوبة حوله؟!((232)) .

ان الخطوة النقدية لاسانيد هذه المجموعة من نصوص الاخباري كانت مهمة ومفقودة.

3 يفيض الصدر في الحديث عن مسالة التفسير بالراي داخل البحث الاصولي، فبعد ان يهدم مقولة سادت مدة طويلة‏وتحولت الى جواب نمط‏ي، وهي ان العمل بالظهورات ليس فيه كشف قناع في ما التفسير هو كشف القناع((233)) ، مجيبا بان‏اكتشاف الظهور يحتاج احيانا الى ممارسة تحليل وتجميعها شواهد ومراكمة عناصر دخيلة، ولذا يحصل اختلاف فيه نفسه،فكيف لا يكون فيه كشف قناع((234)) ؟! يقرا الصدر، بعد هدمه هذه المقولة، التفسير بالراي بشكل آخر، يحاول التماس ما فيه من عناصر ابداعية، وهي تتلخص في‏نقاط ثلاث:

الاولى: ان كلمة ;ژرس‏ز÷الراي;ژرس‏ز÷ لا يصح التعامل معها بشكل لغوي بحت وفقط، بل لابد من دراسة سياقها التاريخي، فقد تحولت‏هذه الكلمة الى دال تاريخي على تيار كبير في الثقافة الاسلامية عرف بمدرسة الراي، واذا فهمنا هذا السياق التاريخي‏امكننا ان نعرف ان النهي عن التفسير بالراي يراد به النهي عن ذلك المنهج المتبع في اوساط مدرسة الراي، اي الاعتماد على‏العقل فقط حتى لو كان ظنيا من دون رجوع ابدا الى المعصوم(ع) ((235)).

الثانية: ان موضوعا كهذا في غاية الاهمية وعام البلوى، ومقتضى طبيعة الاشياء وما يترقب حصوله على صعيده هو ان تعمل الناس بفهمها للنص القرآني، فاذا ارادت الشريعة ان تنهى عن ظاهرة كهذه لم يكن يكفي‏في ذلك مجرد بعض النصوص العامة، بل كان لابد من الردع بما يتناسب وحجم الظاهرة، فكان هناك تناسبا طرديا بين‏النهي والظاهرة، فكلما عمت الظاهرة ورسخت كلما كانت الحاجة الى نصوص ابلغ واكثر واكبر واعظم((236)) ، واذا رجعنا آعلى سبيل المثال الى نصوص النهي عن القياس لوجدنا على ما قيل حوالى خمسمئة رواية، فكيف يمكن لمقولة‏التفسير بالراي وهي اعظم خطرا من القياس ان تحظ‏ى فقط بعدد قليل جدا من الروايات، قال عنه جماعة من الباحثين‏القرآنيين:

انه لا يبلغ حتما حد التواتر ولا يزيد على المستفيض واصابع اليد، وان رواياته ضعيفة الا واحدة؟!((237)).

الثالثة: ان الشيوع العملي لتفسير القرآن في الحقب الماضية يشكل مانعا عن فهم نصوص النهي على نحو الاطلاق،فالموضوع انما اثير في الحقب المتاخرة، فكيف لم يلتفت احد الى هذا الموضوع قبل الاسترآبادي((238)) ؟! هكذا يخرج الصدر بتصور جيد حول موضوع التفسير بالراي يشكل خطوة تجديدية داخل المناخ الاصولي، وان وجدنانقطته الثانية موجودة عند الميرزا موسى التبريزي في كتابه ;ژرس‏ز÷اوثق الوسائل;ژرس‏ز÷((239)) .

ورغم ان دراستنا هذه قائمة على العرض والتحليل والمقارنة، الا اننا نفسح المجال لانفسنا لبعض التعليق حيث يتطلب‏الامر، وهنا نلاحظ على السيد الصدر عدة ملاحظات رغم احترامنا الكامل لجدة فكرته:

الملاحظة الاولى: ان ربطه ما بين نصوص النهي وظاهرة الراي في التاريخ ربط ممتاز ينفع في فهم هذه النصوص، لكن‏شريطة ان تصدر في هذا المناخ، الا ان الملاحظ هو ان بعض هذه الروايات كان قد صدر في القرن الهجري الاول، بل‏الرواية الصحيحة الوحيدة، هي رواية منقولة عن النبي غ ، اي صدرت في زمان لم تكن فيه كلمة الراي قد دخلت هذاالمخاض العسير، ومن ثم فالفهم التاريخاني للسيد الصدر غير موفق على صعيد هذه النصوص برمتها الملاحظة الثانية: ان القول بان الظاهرة العامة يتطلب الردع عنها كما كبيرا من النصوص قول سليم، لكن الاخباري لا يواجه‏هنا اية مشكلة، لانه ليس المطلوب من المعصوم(ع) ان يصوغ اخباره جميعها على شكل النهي عن التفسير بالراي، بل‏يمكنه ان يقدم اطروحته في صيغ متعددة، وقد قال الاخباري بان اكثر من ثمانين رواية تدل وتشترك في النهي عن تفسيرالقرآن، وهذا مقدار كاف وجيد جدا، خصوصا وان الاخباري يرى مثل حديث الثقلين داعما لرايه وهو حديث متواتر، اضافة الى‏ان الاخباري يزعم دلالة بعض الايات على رايه، اذن فان يرد الاخباري بان نصوصه قليلة رد غير تام، ولو لم تكن في يده‏عدا نصوص التفسير بالراي لامكن الرد عليه بما قاله السيد الصدر، لكن الحال ليست كذلك.

الملاحظة الثالثة: كان يفترض بالسيد الصدر ان يبرهن على شيوع منهج آخر في التفسير غير المنهج الاثري، وان لايمرعلى الموضوع سريعا كما فعل بعض الاصولى ين بادعاء الوضوح، سيما وان الاخباري نفسه زعم كما اسلفنا ذلك‏عن الاسترآبادي والكركي وغيرهما ان الشائع كان خلاف ذلك فالحق ان تدرس هذه المسالة، فان المستشرقين اكدواغياب اي منهج غير المنهج الروائي في الحقب الاولى، سيما واننا لم نعثر على تفسير غير التفاسير الروائية مثل تفسيرالعياشي، وعلي بن ابراهيم، وقد كنا اكدنا في دراسة اءخرى اءن المنهج التفسيري غير الروائي كان موجودا في القرون‏الاولى، خلافالما ذكره غولدتسيهر في كتابه ;ژرس‏ز÷مذاهب التفسير الاسلامي;ژرس‏ز÷، وما ذكره جوادي آملي في كتابه ;ژرس‏ز÷سرچ‏شمه‏انديشه;ژرس‏ز÷((240)) .

4 ينطلق السيد الصدر في معالجته للفكرة القائلة بتعمد الاجمال في النص القرآني بغية ارجاع الناس الى اهل البيت(عليهم‏السلام) كما لاحظنا هذه الفكرة من قبل مع النباط‏ي الفتوني في مقدمة تفسير البرهان، ينطلق بمعالجة منطقية عقلانية، اذيربط بين الهدف من نزول القرآن وبين الظواهر القرآنية، كيف يرسل شخص بكتاب للاحتجاج به على الناس وهم لايفهمونه؟ انه عمل غير حكيم، ولو اراد الاخباري ان يحل القضية بالرجوع الى الامام لطاله هذا الاشكال: ان مبدا ثبوت‏الامامة فرع النبوة، ومن ثم كان القرآن مرجعا قبل اثبات الامامة، فكيف يمكن هذا التشطير في مرجعية القرآن((241))؟! ويختم الصدر دراسته في ;ژرس‏ز÷مباحث الاصول;ژرس‏ز÷ بالقول: ;ژرس‏ز÷ومن المؤسف ان يوجد في علمائنا جماعة تنكر حجية ظهور القرآن‏الكريم الذي هو كتاب الاسلام، وعزنا وشرفنا، وعليه اساس ديننا...;ژرس‏ز÷ ((242)) تكوين الصورة التاريخية من خلال ما اسلفنا يتضح ما ياتي:

اولا: لم تكن فكرة ظواهر القرآن مسرحا للجدل في الوسط الشيعي، وان كان لها درجة محدودة من الحضور، الى زمن المحدث الاسترآبادي، وقد ظهرت في عصره، الى ان قضى عليها وعلى الاخبارية الوحيدالبهبهاني وكاشف الغطاء، وغدت اليوم نظريا فكرة مهجورة.

ثانيا: كون المحدث الاسترآبادي نظرية ;ژرس‏ز÷السنة فقط;ژرس‏ز÷ بمداخل عقلانية نصية معا، وسرعان ما كانت مساهمة الكركي‏والحرتحو لا في الاتجاه نحو مرتكزات نصية غالبا، وكادت هذه المرتكزات تسيطر نهائيا، لولا نقد التوني والوحيد.

ثالثا: اسهم الحر في الرد الواسع على مقولات الاصوليين، في ما شكل الفيض الكاشاني اختراقا واضحا في الجبهة‏الاخبارية، رغم انه القى بفكرة التحريف، التي دخلت في ما بعد مجال نقد الظهورات القرآنية.

رابعا: نجح المحدث البحراني في رتق الفتق الذي احدثه الفيض، ليمثل منحى اخباريا خالصا، بعيدا عن التحالف غير المعلن‏الذي قام بين الاخبارية والصوفية عصر الصفوية، ورغم ذلك، ورغم الجهود الاخبارية للمجلسي، شكل البحراني بداية‏التراجع نتيجة عناصر اخلاقية وعلمية وظروف خارجية تمثلت في ضعف الدولة الصفوية.

خامسا: من جملة تحليلاتنا السابقة نتاكد من ان الاخبارية لم تكن ذات موقف واحد من هذا الموضوع، فقد عارض‏بعضهم مطلق الرجوع الى القرآن كالاسترآبادي، في ما سمح بعض آخر بالنصوص، وقال: انها ذات عدد جيدكالحرالعاملي، وذهب فريق الى حد التماهي تقريبا مع النظرية الاصولية كالمحدث البحراني، والمحدث الجزائري، كما انناوجدنا ان هذا الانقسام الثلاثي كان تاريخيا ايضا، فكانت بداية الاخبارية بالغة التطرف، ومرحلتها الوسط‏ى معتدلة متوازنة،ونهايتها اقرب الى الاصولية من غيرها، وقد اتضح معنا ان الخلاف الاصولي الاخباري خلاف حقيقي في موضوعنا هذا،وان من قال بانه خلاف شكلي((243)) لم يقرا جيدا الاتجاه الاخباري المتطرف مع الاسترآبادي وغيره، وقرا فقط كلام‏البحراني والفيض والجزائري... كما ان هذا الانقسام الاخباري يفسر لنا نسبة المنع عن كل القرآن الى جميع الاخباريين‏ونسبة المنع عن الظواهر خاصة اليهم كما ذكره صاحب القوانين((244)) ، كما يفسر اشكال وحالات التردد في النسبة‏عموماوخصوصا ايضا كما يفيده كلام المحقق الرشتي((245)) .

سادسا: ادت سيطرة المنحى الاخباري الى ضعف الدراسات القرآنية ونمو الدراسات الحديثية وبلغت حدا فرض على امثال‏الملا صدرا (1050ه) الفيلسوف العقلي المتمرس، ان يخوض غمار الاحاديث فيشرح اصول الكافي، وادى هذا الوضع‏الى ضمور الدرس الاصولي الا من شذرات ابرزها الفاضل التوني، ومحاربة النزعة الفلسفية بما تمثل في تكفير الملا صدرا وانصاره...

سابعا: اتصفت بداية عودة مرجعية القرآن بتكوين الوحيد البهبهاني مداخل عقلانية، اي كانت العودة على اساس بناءات‏منهجية جديدة تقصي عمدا البناء النصي في الحكم على هذا الموضوع، وقد واصل كاشف الغطاء الخطوة نفسها في‏استخدامه فكرة الاعجاز و... بهذا عاد الخطاب العقلاني للظهور من جديد.

ثامنا: كان للحدة والطابع الضيق الذي اتسم به انصار الاخبارية دور في ضمورها، اذ شعر المناخ العلمي بان الامور خرجت‏عن حدها الطبيعي المعقول، فدفع ذلك البحراني للاعتزال، ولم تكن ردة الفعل الاصولية بهذا العنف سوى بعض المحاولات‏التي عاصرت مرحلة الاخبارية كرد العاملي في ;ژرس‏ز÷السهام المارقة;ژرس‏ز÷ او بعض ردود الخوانساري في ;ژرس‏ز÷روضات الجنات;ژرس‏ز÷و...

تاسعا: طور الدرس الاصولي الموضوع من جوانب كثيرة، لكن الخارطة العامة بقيت كما خطها الوحيد البهبهاني، الا محاولة‏السيد الصدر التي وجدنا فيها خطوات تطويرية جيدة.

عاشرا: رغم انتصار الاصولي على الاخباري في موضوع مرجعية القرآن الا ان المناخ العملي ما زال متاثرا بمقولة‏الاخباريين الى حد معين رغم نفوذ مدرسة العلامة الطباطبائي الفلسفية والقرآنية، ما يحوجنا الى تطوير نظري اكبر، والى‏ممارسة تطبيق عملي اكثر.

### الادب الاسلامي: ازمة معرفة وابداع ا. حسين علاوي لم يعد الادب ذلك الفن الذي يصرف عن الانسان الهموم والمشاغل... وقوامه اللفظ المهذب، والعبارة الجميلة..

فالادب،سواء كان شعرا ام نثرا، مقالة ام قصة، اصبح موضوعه الرئيسي الانسان، وقضاياه المعاصرة... فقد تغيرت الحساسية الادبية،وطرا تبدل عميق على الاستعداد العقلي للقارئ والكاتب، وعلى حاجاتهما واهتماماتهما، بل ان الانقلاب شمل موضوع‏الادب وقصده وهدفه العام.

الابدا الابداع شرط من شروط الادب الناجح، ولست اقصد بالابداع هنا ايجاد شي على غير مثال سابق، فان لكل اديب‏مثالايحتذيه، او انموذجا يهتدي به، وانما المقصود بالابداع تناول الشي نفسه بروح مطبوعة على التجديد، تمكن صاحبهامن حسن التصرف في مجال القول، وتجنبه الوقوع في الابتذال والاسفاف والتكرار، وترقى به وبالقارئ عن مالوف الكلام‏الذي يتداوله الناس في سعيهم ومعاشهم، وتحلق بهما في سماء الخير والجمال، ذلك ان لكل اديب ناجح اسلوبا يميزه،وطريقة تعرب عن ذاته. وقد قال احد رجال الغرب: ;ژرس‏ز÷ان الاسلوب ليس حلية، ولكنه انعكاس مباشر للفكر نفسه، وهو الذي‏عليه ان يمنحه الحركة والوضوح، بل ان الاسلوب هو الرجل نفسه;ژرس‏ز÷((246)) .

ان الادب نتاج انساني قبل ان يكون اى شي آخر، بمعنى انه يعكس آمال الناس ويستوعب افراحهم وآلامهم ويعبر عن‏احلامهم، وهذا يحتاج الى معرفة واعية لكثير من العلوم والفنون والاداب...

فالنفس الانسانية واحدة في طينتها ومعدنها، وهي مورد الطمانينة والقلق والبهجة والحزن، تتطلع الى السعادة، وتعاني‏الشقاء وتستحسن الحسن وتستقبح القبيح، فهي معدن الحب والكراهة، والعدل والجور، والامن والخوف.

وهذه العناصر جميعها هي موضوع الادب وساحة جولاته، وان كان الامر كذلك صار من المتعذر ان يحيط بالادب تعريف‏جامع يحده او يتفق عليه الجميع، ولاسيما ان اغراضه متعددة والوانه متباينة، ومناهجه مختلفة، ومدارسه متضاربة..

;ژرس‏ز÷ولانستطيع ان نفهم الابداع الادبي فهما صحيحا الا في اطار المعرفة الانسانية;ژرس‏ز÷((247)) .

وللمعرفة وجهان: وجه تطبيقي تمثله العلوم الطبيعية (الفيزياء والكيمياء والطب)، ووجه نظري تمثله الفلسفة والفنون، ومنهاالادب، ;ژرس‏ز÷لكن المعرفة لم تكن دائما بهذا الثراء والتنوع، بل كانت في المراحل الاولى من تطور الانسان تقتصر، الى حد كبير،على الطقوس والاساطير واشكال التعبير الاخرى التي تكشف عن علاقة الانسان مع الوجود المطلق ومع محيطه الطبيعي‏والبشري، وفي تلك المراحل من التطور لم يكن من الممكن الفصل بين المعرفة والابداع الادبي;ژرس‏ز÷((248)) .

فالمعرفة تتشكل عموما من علاقة الانسان مع الوجود، لكنها لا تتشكل بمعزل عن وعي الانسان، بل هي تتابع علاقات‏هذا النوع مع المحيط الاجتماعي ممثلا بالافراد والهياكل الاجتماعية.. من جهة، ومن جهة اخرى فالوعي الانساني يبني‏المعرفة بالتعبير عن علاقاته مع هذه المواضيع ومع المحيط الاجتماعي، وهذا التعبير الذي يبني المعرفة غالبا ما يكون‏تعبيرا باللغة، والتعبير باللغة لا يبني المعرفة الا اذا جاء بجديد، وان كان هذا الجديد جميلا فهو ابداع ادبي..;ژرس‏ز÷((249)) .

وهناك من يحاول تعريف الابداع بانه الاتيان بجديد، لكن مثل هذا التعريف لا يفي بالغرض، وان اعط‏ى الابداع‏حقه.

فمفهوم الجديد موجود في الابداع الادبي، غير ان الجديد قد ياتي في اشياء لا تمت للابداع الادبي بصلة فتخلو من‏الجمال، والابداع الفني عموما ومنه الادب لا يقوم من دون جمال، اما الابداع فهو نتيجة لنشاطات الملكات الارقى في‏النفس، وتلك الملكات التي تميز الانسان من سواه من الكائنات هي المشاعر والاحاسيس المرهفة والعاطفة والعقل.ويحدث الابداع بتعامل هذه الملكات مع مادة الابداع او ميزته الاولية، وميزة الابداع هي الاشياء في وجودهاالمطلق.

وعليه فالاتيان بجديد لا يكون ابداعا فنيا الا اذا كان جميلا، وبهذا فان الابداع الفني يكون بالاتيان بجديد جميل عبر الملكات الواعية، اما الابداع الادبي فهو الاتيان عبر هذه الملكات بجديد جميل بوساطة التعبيراللغوي.

ولهذا، فان الادب اكثر الفنون والعلوم والمعارف تعبيرا عن الانسان، لانه يحقق وجوده غير الحيواني بمستويي الوعي، وهمامستوى العقل المجرد ومستوى العواطف والاحاسيس والمشاعر، والادب يتجه الى هذين المستويين معا، وهو لهذا السبب‏يعد الاداة الاكثر فاعلية في بناء المعرفة، لان العلاقة بين المعرفة والابداع الادبي تلك، كانت اوضح المراحل الاولى في‏تطور الوعي.

الادب الاسلامي والحديث المتكرر عن مصطلح ;ژرس‏ز÷الادب الاسلامي;ژرس‏ز÷ ومفهومه ودلالته، يوحي بان وجود الادب الاسلامي حالة جديدة‏غامضة تفتقر الى التوصيف والتوضيح، وهو ما يخالف الواقع.

فالاسلام قد نشا في بيئة يشكل الادب عنصرا اساسيا في تكوينها الثقافي، وهي بيئة جزيرة العرب، فليس معقولا ان‏يكون الادب قد بقي بعيدا عن ذلك الانقلاب الكبير الذي احدثه الاسلام في حياة العرب الفكرية والاجتماعية والسياسية،والواقع التاريخي يذكر ان هذا الانقلاب قد انعكس على مرآة الادب بالصورة التي تتناسب مع معطيات العصر الثقافية‏والفنية، ولكن الذي حصل بعد ذلك ان الادب بحكم طبيعته كان شديد التاثر بالتجاوزات التي وقعت في المجتمع‏الاسلامي على حساب الصورة المثالية للفكرة الاسلامية والواقع الاسلامي وفي الجانب السياسي على الخصوص، وظهرهذا التاثر في مشاعر الشعراء والادباء وعواطفهم وقرائحهم، ونتج عنه ادب منحرف عن التصور الاسلامي والمعرفة‏الاسلامية، واستمر هذا الانحراف وتعمق في المجتمعات الاسلامية على مدى قرون طويلة، وزاد وطفح في عصرنا هذابظهور نظريات وافكار جعلت من نفسها بديلا عن الاسلام، وعكس هذا الادب الانحراف في صورة ادبية زائغة، ومع ذلك‏فان سلسلة الادب الاسلامي لم تقطع صلة هذه القرون... ;ژرس‏ز÷فمع وجود الادب الزائغ المنحرف فثمة ادب اسلامي انتجته‏قرائح صافية استلهمت الاسلام وتفاعلت مع تصوراته وافكاره، غير ان كتب تاريخ الادب العربي التي تناولت آداب اللغة‏العربية، حسب عصور التاريخ، لم تهتم بهذا الادب واتجاهاته، بل ان بعضها حاول طمس المعاني الاسلامية في الادب‏العربي او تحجيمها في اغراض محدودة مثل الزهد او الوعظ...;ژرس‏ز÷((250)) .

ازمة الادب الاسلامي المعاصر اما ازمة الادب الاسلامي المعاصر فهي مختلفة الى حد كبير عن المراحل التاريخية السابقة، فهي اليوم جزء من ازمة‏حضارية شاملة تعيش فيها المجتمعات الاسلامية بعد ان اخذ الغرب بزمام الحضارة البشرية وقفز بها قفزة هائلة، تركت‏هوة واسعة بين غرب العالم وشرقه الذي منه عالمنا الاسلامي، وكان للاداب والفنون نصيب من التفوق الحضاري الغربي،حيث ظهرت مدارس ادبية وفنية استطاعت ان ترتقي بالادب واشكاله ووسائله التعبيرية، في حين عمدت الاتجاهات‏التغريبية في بلادنا الى الاقتباس بلا حرج من ثقافة الغرب وافكاره وآدابه وفنونه.

وقف الحرج بالاتجاه الاسلامي دون التمييز بن الهوية الفكرية للادب الاسلامي وبين التقنية الفنية للادب في اطاره العام،اي بين ما يمكن الاخذ به من اشكال الفن ووسائله وهو ما اخذنا بمثله في مجالات اخرى عديدة وبين ما لا يجوز لناالاخذ به من نظريات وافكار، ونتيجة لذلك فقد سبق الادب الاسلامي مرة اخرى في بيئته.. ووجد نفسه امام هوة اخرى‏تحول بينه وبين اللحاق بركب الحركة الادبية التغريبية في المجتمعات الاسلامية الخاضعة للغزو الفعلي المباشر او الغزوالفكري المباشر، وظل الادب الاسلامي يجتر الاساليب والاشكال الادبية القديمة التي تعوزها روح الابداع في كثير من‏الاحيان هذا الهبوط في مستوى الابداع الادبي كان من اسبابه الاساسية غلبة الاتجاه الفكري على الجانب الفني الاكاديمي، وذلك‏نتيجة لتصدي الدعاة والفقهاء الاسلاميين لشؤون الادب بدل النقاد والادباء، لذا وجد من يكتب ان فن القصة حرام في‏الاسلام لقيامه على الاختلاق والكذب، لان الكاتب الذي افتى بذلك لم يميز بين الصدق بمفهومه الاخلاقي كما يعرف في‏مجاله الدعوي وبين الصدق الشعوري الذي تعارف عليه الادباء في ميدان الادب والنقد وضمن هذا الاطار، يصنف كتاب محمد قطب ;ژرس‏ز÷منهج الفن الاسلامي;ژرس‏ز÷ الذي صرح فيه بانه اهتم بالجانب الفكري او التصورالاسلامي للادب والفن، ما جعله يصادر هوية الادب الاسلامي، باستشهاده بنصوص لادباء غير مسلمين بوصفها نماذج‏للادب الاسلامي في بعض المذاهب الفكرية، ولا ينبغي باي حال انتحال اعمال الاخرين، لان الافكار ليست كل شي في‏تكوين النص الادبي، بل هي عنصر من عناصره العديدة، ولو اخذ الجميع بهذا المبدا لتداخلت الميادين، ولوجدنا الاديب‏المسلم بالمقابل محشورا بين ماديين او غيرهم لتعبيره عن افكار اسلامية تقترب من الماركسية او غيرها من الافكار التي تتبناها مذاهب فكرية معينة. وفي تراثنا الادبي قول الجاحظ‏الشهير:

;ژرس‏ز÷المعاني مطروحة على قارعة الطريق;ژرس‏ز÷ وهو قول يعبر عن اهتمام بالغ بصنعة الادب.

ان رهافة الحس الجمالي عند محمد قطب هي التي دفعته للاستشهاد بقصيدة طاغور ;ژرس‏ز÷رحلة الشرق;ژرس‏ز÷ التي تعبر عن القناعة‏والتفاؤل ببساطة موحية لم يجد مثلها في نصوص الشعر الاسلامي التي تعمد الى اسلوب الخطاب التقريري المباشر في‏الغالب للتعبير عن مثل هذه المعاني، وهكذا بالنسبة لمسرحية ;ژرس‏ز÷الراكبون الى البحر;ژرس‏ز÷ للاديب الايرلندي ;ژرس‏ز÷سينج;ژرس‏ز÷ التي تدورحول جانب من الموقف الايماني من القدر.

وربما اثر هذا الاتجاه الفكري في دراسة الادب على تصورات بعض الادباء الاسلاميين امثال ;ژرس‏ز÷نجيب الكيلاني;ژرس‏ز÷ الذي وضع‏الادب الاسلامي في مقابل او في صف المدارس الفنية للادب الغربي مثل ;ژرس‏ز÷الكلاسيكية;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷الرومانسية;ژرس‏ز÷ وغيرهما في كتابه;ژرس‏ز÷الاسلامية والمذاهب الادبية;ژرس‏ز÷، فموقفه هذا يتفق مع حالة الحساسية المفرطة التي يبديها المهتمون بالادب الاسلامي تجاه‏الادب الغربي من دون تمييز بين منطلقاته واهدافه الفكرية وصيغه ومعطياته الفنية البحتة، وهذا يعني قطع صلة الادب‏الاسلامي بهذه المدارس الفنية وعدم استخدامه لاشكالها وادواتها التعبيرية، ويعني كذلك تحجيم مفهوم الادب الاسلامي‏بوضعه في قالب فني محدود واعتباره مجرد مدرسة فنية، ما يحول دون استيعابه لتجارب الابداع الادبي في اطارهاالانساني ودون الاستفادة من تطورها.

فالادب الاسلامي تتجدد هويته بمضامينه الفكرية وابعاده الانسانية، لا بوسائله الفنية، وبما ان المضامين الفكرية‏والانسانية للاسلام واضحة المعالم واسعة الميادين، فان الاديب الاسلامي لا يحتاج الى جهد كبير من اجل توضيح مفهومه‏وحدود دلالته بقدر ما يحتاج الى نقل هذه المضامين الى تجارب شعورية ذات ابعاد انسانية عالمية واخراجها الى عالم‏الوجود في صور اعمال ادبية خالدة مبدعة تتجاوز اساليب الخطاب الفكري المباشر والوعظية المسطحة، ولا يكون ذلك‏الا بالانفتاح على الحركة الادبية العالمية والاستفادة من تجاربها، فرسالة الادب الاسلامي هي تقديم الاسلام في صورة‏تجارب انسانية متنوعة تتجلى فيها الفكرة الاسلامية بوشاح الحضارة وروح العصر.

شمولية الادب الاسلامي يظن كثير من الدارسين ان اسلامية الاديب تعني انقطاعه عن الحياة العامة، واعتقاله نفسه وفكره وقلمه داخل سجن البيئة‏الاسلامية، بما يفرض على ادبه الخصوصية والمحدودية في الموضوع المتناول، وان كان الحوار العقلي الجاد والمناقشة‏التنظيرية المحايدة تبطل هذا الظن وتجعله وهما لا يمت الى الحقيقة باية صلة، لان الاسلام هو دين الانسانية في شمولهاوعمومها الذي يتناول الانسان ويتعامل معه في جميع ابعاده ومستوياته، وفي جميع بيئاته الزمانية والمكانية، من غيراستثناء ولا تجاوز.

اقول: اذا كان الحوار العقلي والتنظيري يبطل هذا الظن، فان الواقع الادبي للادباء الاسلاميين يجعل هذا الظن تجنيا على‏الحقيقة، وتجاوزا للصواب، واغراقا في متاهات الضلال، لان هذا الواقع الادبي الاسلامي يقدم الدليل الواضح الحاسم على‏ان اسلامية الاديب تفتح امامه جميع المجالات الممكنة، وتهيى له الانطلاق في ارجاء الكون الرحيبة، سمائه وارضه ومافيهما، من دون معوق من ظروف شخصية او رؤية فردية، او تفكير خاص، او انفعالات طارئة..! ;ژرس‏ز÷ان من نوافل القول وبديهياته ان نقول: ان الاسلام جاء لكل البشر، ولكافة شؤون الحياة، اصلاحا لها وارشادا لاقوم السبل‏المؤدية بالانسان الى افضل احواله، سواء في عيشه ام في فكره وعقله ام في وجدانه وخفقات قلبه.

هذا فضلا عن كل ما يتعلق بامور الغيب والاخرة، التي تؤرق الانسان بدورها وتؤثر في سير حياته، فكرا واقتصادا;ژرس‏ز÷.

والناظر الفاحص سيجد ان ;ژرس‏ز÷القرآن الكريم قد عالج كل جوانب الانسان، فتحدث عن الروح واسرارها والنفس وخصائصهاوالعقل ومكنوناته، وتكلم عن احاسيس الانسان ومشاعره، وتنازعه بين الحزن والسرور، والجزع والفزع، وتكلم عنه‏شاعرا واديبا ومفكرا، ومتشيطنا، ووديعا هادئ البال، وعبوسا قمطريرا، ولاهثا ثرثارا، وآكل ربا، وتقيا برا نقيا، وسخياجوادا كريما، وبخيلا مقترا شحيحا، وامينا نصوحا، وخوانا اثيما... الخ ما هو مبثوت في القرآن الكريم والسنة الشريفة...;ژرس‏ز÷((251)) .

واذا كان الادب الاسلامي وسيلة لغاية اسمى في حدود مفاهيمنا، فمن الخطا الا يكون الاديب الذي يترجم عن تلك الوسيلة في حالة من اللياقة الفكرية والنفسية والفنية تؤهله لاداء هذه الرسالة، ومن الصعب‏ان نتصور ان المعتلين نفسيا يستطيعون ان يوجهوا البشرية الى شاطئ السلام، او ان يبدعوا في بناء ابنية فكرية ومادية‏لصرح حضاري، او ان يبشروا بنمط معين لاحياء قيم الخير والعدل والجمال، والمعوقون عقليا يستدرون العطف والرثاء،وقد ياتون من الاقوال والافعال ما يثير الدهشة والغرابة، او يدعو الى الضحك، لكنه من السخرية المرة ان يكونوامثلايحتذى، او مصدرا من مصادر الاصلاح والهداية واستقامة الحياة..

ان الادب لا يكشف عن خبايا الحياة فحسب، ولكنه ينتقدها بتسليط ضوء قوي عليها.

;ژرس‏ز÷والنفس الانسانية هي المجال الاخصب للفنون والاداب، والرؤية النفسية لدى الاديب تنبع اساسا من منطلقين:

الاول: هو تجاربه الذاتية حيث يتعرض في حياته لانفعالات وعواطف ومواقف، ويتعرض لمشاكل، وتكون لديه ردودافعال خاصة به، وتتكون لديه بعض المفاهيم والقناعات الشخصية، ومن ثم يترجم ذلك كله في ادبه قصصا او شعرا اومسرحا.

اما المنطلق الثاني فهو ما يجري امامه من وقائع واحداث في خضم الحياة، فيتابعه بوعي، ويحاول ان يبحث عن الدوافع‏والمؤثرات والنتائج وفق منهجه وتصوراته، وقد يتناول ذلك بموضوعية على قدر استعداده.

والاديب بين هذا المنطلق وذاك يستلهم خبراته ومعتقداته، ويخضع تفسيراته الخاصة التي تتعلق بواقع الاعراف والتقاليد،لمؤثرات سياسية اجتماعية او اقتصادية;ژرس‏ز÷((252)) .

ان المقاربة النقدية الواعية لاي نص ادبي تؤكد ان الادب لم ينشا عبثا، وان له وظيفة صميمية في الحياة التاريخية‏والاجتماعية.

وظيفة الكشف والشهادة على جميع القضايا المتفاعلة والمتداخلة في رحم الوجود الحياتي للامة، وظيفة الادانة الصريحة‏والتبشير المتفائل بما هو افضل، وهي وظيفة يشهد له بها النقد الادبي قديما وحديثا رغم سائر الدعاوى الواهية.

فالاديب، كما يقول عماد الدين خليل: ;ژرس‏ز÷هو واحد من المدعوين للمارسة الخطيرة بفنه القادر على التاثير والتحصين، بل انه‏مدعو اكثر من هذا الى دعوة المجتمعات الاسلامية لاستعادة ممارساتها الاصلية وقيمها المفقودة وتكاملها الضائع،وتقاليدها الطيبة واحساسها المتوحد وصيغتها الايمانية التي ابهتتها رياح التشريق والتغريب;ژرس‏ز÷((253)) .

وهذا لا يعني التقوقع في احضان الماضي، والدوران في الموضوعات التاريخية.

فالادب الاسلامي لا يستطيع ان ينطلق الى آفاق الابداع الواسع، ويجوب تصور المستقبل، لالتزامه بقيم ثابتة لها من‏القداسة ما يجعل الخروج عليها امرا مستعصيا، وترتبت على هذه الاوهام والظنون نظرة ظالمة الى الادب الاسلامي ودوره‏وطبيعته وتاثيره وقيمه الجمالية، فعزلوا هذا الادب جهلا عن واقع الحياة والمجتمع، وعن قضايا العصر ومشاكله، وعن‏اشواق الانسان الجديد واحلامه وآماله وآلامه...

;ژرس‏ز÷وهناك فئة حسنة النية من الكتاب الاسلاميين حسبوا ان الادب الاسلامي لا يكون بهذه الصفة الا اذا ترددت كلمة ;ژرس‏ز÷اسلام‏واسلامي;ژرس‏ز÷ صراحة في ثناياه، والا اذا كانت نبرة الكاتب بالتوجيه عالية واضحة صاخبة، متناسين ان ذلك قد يضر بالادب‏ضررا بالغا، ويمحو الفواصل بين الوان الادب المتعارف عليها، وبين فنون اخرى تتعلق بالخطبة والحديث والوعظ،والاخطر من ذلك ان اخوة لنا قد فرضوا حظرا تاما على بعض الموضوعات، كالمراة وعواطفها، والعلاقات الجنسية وغيرذلك من الامور التي تشكل حرجا، بالاضافة الى الحظر المفروض على بعض العبارات او الكلمات.. واتسع نطاق الحظرعند بعض العلماء حتى كاد يعطل وظيفة ادبية هامة في رسم بعض الشخصيات ودلالة اللفظ عند هذه النماذج وارتباطه‏بنوعيتها وتصنيفها الى جانب الشر والرذيلة والمروق...;ژرس‏ز÷((254)) .

;ژرس‏ز÷ان تضحية الاديب المسلم بقيم الصورة الفنية والقيم الجمالية من اجل المضمون خطر كبير، فالى جانب اهدار مواصفات‏الفن، وخروجه الصارخ عن نسقه، تاتي مشكلة اخرى اعم اثرا وهي عدم قدرته على ايصال رسالته بالطريقة الفنية‏الصحيحة، وخروجه عن دائرة (الفن) الى دائرة اخرى قد تكون (الابحاث)، او الموعظة المجردة، وهذه وتلك ساحات‏يشغلها غير الاديب، ويقوم بدوره فيها خير قيام;ژرس‏ز÷((255)) الاديب الاسلامي لا يستطيع ان يخاصم العصر او يهرب منه الى عصور قديمة، والادب الاسلامي حينما يتناول‏موضوعاتاريخيا (قديما) لا يهرب في الواقع من مجابهة المجتمع او الحياة الحديثة، انه يتناول التاريخ وعينه على الحاضر،ففي التاريخ كنوز ثمينة من التجارب الانسانية العامة الشاملة التي لا تموت بمرور السنين، انها قضايا الماضي والحاضروالمستقبل، فاذا قدم الاديب المسلم انموذجا او مثلا نابضا عريقا يرمز الى قيمة من قيم الحق او الخير او الفضيلة وغيرها، او صور صراعا بين‏الخير والشر، او بين العدل والظلم، او برز صورة ناصعة للايثار واثرة، كان لمثل هذا العمل الادبي تاثير ايجابي، لما يتضمنه‏من جمال ومتعة وفائدة. والتاريخ واقع الامس، وفيه قضايا متجددة هي قضايا كل عصر، ومن قال: ان الحرب والسلام،والخير والشر، والحب والكره قضايا عصر بعينه؟! ان المضمون لا يختلف، وان اختلف اسلوب التناول.

بل قد يختلف او يتحور المضمون ايضا من منظور آني من دون اخلال بقواعد التصور والثبات في الاسلام.

;ژرس‏ز÷ولهذا نقرا اسطورة ;ژرس‏ز÷اوديب;ژرس‏ز÷ في اصلها، فنجد ان لها منحى او مضمونا عاما، كما نجد فيها تفاوتا في الهدف والاسلوب عندسارتر والحكيم او باكثير او غيرهم من كتاب الشرق والغرب، وكل واحد من هؤلاء يوظف الحدث بطريقة خاصة ليعبر عن‏قيمة من القيم تتفق وفلسفته او عقيدته;ژرس‏ز÷((256)) .

حتى الانحراف عند المراة لم يكن ينظر اليه على انه لعنة ابدية، ولكن ينظر بوصفه امرا عارضا او لحظة ضعف تحتاج الى‏من ينهض بها او يقويها، حتى تبرا من آثاره ومضاعفاته، فاية امور تخص المراة يمكن الحظر عليها في الادب‏الاسلامي؟ ان منطقة الحظر ليست كما يظن بعضهم، فهي محدودة جدا...

الادب الاسلامي يستطيع ان يتناول المراة من مختلف جوانب حياتها، شريطة الا ينزع بالقارئ او المتلقي منازع الفتنة‏والاثارة والاغراء بارتكاب الموبقات.

والواقع ان هذا الكلام قد يبدو مقبولا في اجماله، لكن الصعوبة قد تاتي عند التطبيق، ومن ثم فهي تتراوح في مدى امكانية‏النجاح من كاتب لاخر. لكن الامر الذي يجب الا نغفله هو الى اي شي ترمز شخصية المراة في اي عمل ادبي؟ قد ترمزهذه المراة في قصة من القصص مثلا الى الطهر والنقاء، ومن ثم فان الكاتب يصورها وهي تقاوم الاغراء، وتتجنب السقوط،حتى تظل متمسكة بطهرها ونقائها، وتكتمل الصورة كلما حاول الكاتب القاء الضوء على شخصيات ;ژرس‏ز÷الشياطين;ژرس‏ز÷ الذين‏يحيطون بهذه المراة، ويزينون لها الاثم، ويفلسفون الرذيلة، وهي تقف بين نداء ضميرها ودينها وبين وسوسة الشهوة‏والاغراء، لكن في النهاية يتحقق لها النصر على الضعف والهوى والفساد.

وقد ترمز شخصية المراة في قصة مسرحية الى بيئة منحطة، وسلوكيات متهتكة، وتسيب اخلاقي لسبب او لاخر، والكاتب‏هنا لا يستطيع ان يرسم الصورة المعبرة بدقة الا اذا انتخب الاحداث والحوار المناسب لهذه الشخصية المبتذلة، فلن يكون‏رداء مثل تلك المراة الا تعبير عن فساد ممارساتها وتكوينها، ولن تتسم تصرفاتها الا بما يثير الاشمئزاز والضيق‏والنفور.

ولا تكون هذه الصورة دائما دعوة الى الاقتداء بها، والنسج على منوالها، ووظيفة الكاتب المسلم هنا ان يختار ما يثيرالرفض والادانة لهذا المسلك المعيب، لا ما يسوغ الانطلاق في دنيا الحرية الاثمة.

ويرى بعض النقاد الاسلاميين ان على الادب الاسلامي الاختصار في مثل تلك الصور والمشاهد، وهذا راي يحتاج الى‏نظر، لان الامر ليس امر ;ژرس‏ز÷الكم;ژرس‏ز÷ ولكن ;ژرس‏ز÷الكيف;ژرس‏ز÷، فقد يكون الاستطراد والاطالة ضروريين لبسط الصورة، وتوضيح الفكرة،وتشريح السلوك المنحل، حتى يكون انطباع التنوع قويا شاملا، وحتى يستطيع الاديب ان يوصل رسالته الى المتلقي‏بوضوح وايجابية، اما الايجاز في ما يقتضي التفصيل، او الاطالة في ما يحتاج الى اختصار وتركيز، فكلاهما يضر بالعمل‏الفني، ويؤثر في النتيجة النهائية، او في بلوغ الهدف النبيل الذي يطمح اليه الكاتب المسلم.

ان ;ژرس‏ز÷وضعية;ژرس‏ز÷ المراة في المجتمع وما يلابسها من محاذير وحرج وسلبيات، لا يمكن تناولها الا بالتواجد المباشر للمراة.

اذا كانت الخمرة محرمة، وهي ام الخبائث، فهل هذا يمنع من طرح مشكلتها وآثارها النفسية والاجتماعية والاخلاقية من‏خلال شخصية سكير عربيد، تتجسد فيه ماساة الخمر؟ واذا كان قطع الطريق، وقتل البري جريمة بشعة ممقوتة، افلا يجب‏ان نتناول هؤلاء القتلة والطغاة والمنحرفين من خلال اعمال ادبية، تهدي المتلقي الى المواقف الانسانية النبيلة، حيث تحترم‏حرية الانسان وحقه في الحياة، فلا يعتدي عليها معتد؟ واذا كان الزنا صورة الجنس المنحرف المحرم وباء خطيرا، افلا يمكن تناوله بما يستحقه من تقبيح وتنفير، وما يصاحبه‏من مقدمات واغراءات وسقوط؟ والجنس في الاسلام له احكامه وآدابه، وقد تناوله الكثير من علماء المسلمين، بالدراسات الدقيقة..، كذلك وردت بعض‏الاحاديث عن رسول اللّه غ، امثال ذلك الحديث الذي يوصي المسلم بالا يرتمي على زوجته كالبهيمة، ولكن يقبلها ويداعبها.

ان تصورنا لموضوع الجنس يجب ان يكون واضحا من دون تعقيد او غموض، لان القرآن الكريم كتابنا المقدس عرضه‏في قصة طويلة، حيث تحتدم الشهوة في جسد امراة جريئة، تتحدى القيم والاعراف الاجتماعية، وتلهث وراء نبي اللّهيوسف(ع) لتطفئ شعلة شهوتها وهياجها، وتعلن في تبجح امام نسوة المدينة اصرارها على الاثم.

يقول اللّه في كتابه العزيز: ×××وقال نسوة في المدينة امراءة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا انا لنراها في‏ضلال‏مبين # فلما سمعت بمكرهن اءرسلت اليهن واءعتدت لهن متكاء وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن‏فلما راءينه اءكبرنه وقطعن اءيديهن وقلن حاش للّه ما هذا بشرا ان هذا الا ملك كريم # قالت فذلكن الذي لمتنني فيه‏ولقدراودته عن نف سه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين # قال رب السجن اءحب الي ممايدعونني اليه والا تصرف عني كيدهن اءصب اليهن واءكن من الجاهلين # فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن انه‏ه‏والسميع‏الع ليم # ثم بدا لهم من بعد ما راءوا الايات ليسجننه حتى حين‏$$$ [يوسف/ 30 35] ولم يترك القرآن الكريم جانبا من جوانب الحياة الاجتماعية، او مسلكا من مسالك النفس الانسانية، او البنية السياسية‏والاقتصادية، الا وتناولها بمنهج رباني، واسلوب متميز.. والاديب حين يتاثر بالمجتمع انما يعكس فهمه هو على هذاالمجتمع، والادب تصوير لهذا الفهم ونقل له، اما ان ينقل الاديب حياة المجتمع، ويكون المرآة العاكسة لحياة هذا المجتمع،ليتلقاها او يراها المجتمع نفسه، فعبث ليس من الادب في شي.

فالاديب يتخذ لنفسه دائما موقفا فكريا من مجتمعه، ومن هنا فقط تاتي الفرصة لان نقول: ان الاديب يؤثر في مجتمعه، انه‏يعيش في مجتمعه، ولكنه لا ينتج ادبه الا في الحالة التي تستقل فيها ذاته عن هذا المجتمع، متخذة موقفا فكريا خاصا به‏منسجما مع مبادئ الاسلام الحقيقية.

ولن يتحقق مجتمع اسلامي بمجرد تغيير هذا ;ژرس‏ز÷النظام;ژرس‏ز÷ بذاك، ومع ذلك فان اي تامل فيه يجب ان يفضي الى مشاكل عديدة‏مثل تضخم دافع الربح الى حد ان يصبح مثلا اجتماعيا اعلى، او التمايز بين استخدام الموارد الطبيعية واستغلالها،والاستفادة من العمل واستغلاله بالاضافة الى المزايا التي تتجمع بغير عدل للمالك وللتاجر على حساب الفقير والمنتج‏الاسلامي.. وسوء توجيه النظام المالي وظلم الربا الفادح وغيرها من قسمات مجتمع يقوم على اساس تجاري، والذي يجب فحصه بدقة على اساس المبادئ الاسلامية..

وهكذا لكي يتضح ان التجربة الادبية نوع من الاعداد لتجربة‏عامة: وتعد من الناحية الجوهرية تدريبا على هذه المقدرة من اجل خلق نظام، هو استجابة الانسان المسلم الوحيدة‏المثمرة لظروفه المتغيرة والخطيرة.

فهناك في الوقت الحاضر مسائل اساسية معينة، ومن ناحية اخرى ;ژرس‏ز÷سرمدية;ژرس‏ز÷ لا تزال متداولة في اوساط ادبية عالمية،;ژرس‏ز÷فالحجج القائمة الى جانب الواقعية او ضدها كطريقة لاعادة خلق العالم وتصويره، الى جانب الصورة الفنية او ضدهابوصفها دعامة للقصص التخيلي، الى جانب او ضد التزام الانسانية الداخلي بقوى طبقية واجتماعية، تصبح (هذه الحجج)الان سارية المفعول مرة اخرى ويسعى المزيد من الكتاب والنظريين الى اعادة النظر في العلاقة الكلاسيكية بين الانسان‏وقدره، محاولين تفسيرها آخذين بنظر الاعتبار ليس فقط آخر الانجازات الحاصلة في التكنيك، بل وآخر التغيرات‏الايديولوجية ايضا، مدافعين عن برامج واهتمامات سياسية محددة، ولذلك ترى حوار الاراء يتحول الى معركة في الاراء..وليس في هذا ما يدهش الا قليلا ونحن نتذكر الحدة الاستثنائية لعصرنا، عصر الثورات والحروب، عصر الولادة‏والافول;ژرس‏ز÷((257)) وهنا ينبغي القول: ان اتساع الحقائق والاحداث المدركة نادرا ما يتفقان وعمق الشعور، فخبرة الكاتب الروحية ليست‏دائمامناسبة على نحو مباشر لعدد الاحداث والوقائع المهمة التي عاشها.

ولهذا يبدو القول: ان ;ژرس‏ز÷الكاتب العظيم انسان ذو قصة حياة عظيمة;ژرس‏ز÷ امرا صعب القبول، فانه احيانا هكذا، ولكنه في احيان‏اخرى ليس كذلك.

فحياة الكثير من المبدعين لم تكن الاحداث الخارجية فيها هي التي حددت الجوانب الروحية الثرة لكل منهم، بل ان‏احساسهم العميق بالواقع هو الذي مكن هؤلاء الفنانين الموهوبين من رؤية العظيم وغير الاعتيادي في الاشياء الصغيرة‏والعادية.

وغني عن القول: ان الحياة تؤثر في شخصية الكاتب بطرق معقدة وغير متوقعة.. ولكن الثقافة العامة هي التي تصقل‏وتشذب وتنفي الكثير من الاشياء التي عاشها واختزنها الكاتب.. لقد راى الكثير ان عملية الاستكشاف الفني للحياة لمدة‏طويلة مجمع للتفاصيل والسمات المفردة، بل واسوا من ذلك، هي نوع من ;ژرس‏ز÷الاستنساخ;ژرس‏ز÷.

مع انه من المعروف للجميع ان العمل الابداعي لا يملك ما يفعله بالاستنساخ.

كما انه ليس مجرد ;ژرس‏ز÷استنساخ;ژرس‏ز÷ ان يكون بوسع الجامع المجتهد ان يختزن وفرة من المادة، ولكن اذا لم يكن هناك مخطط‏معماري، يصور تفاصيل البناء وحجمه، واذا لم يكن هناك مشروع المهندس الذي يتضمن حسابات الركائز السائدة، فلن‏تكون المادة ذات جدوى، وفي التخطيط لعمل من الاعمال الادبية فان للتخيل الابداعي دوره الاساس في اكتشافات‏الكاتب الابداعية والادب الاسلامي المعاصر ;ژرس‏ز÷هذا الباحث عن ارضه ومهاده، لم يتحقق بعد بالصميمية والتلاحم الذي يؤشره ويحدده ماهية‏ووجودا داخل التباين الهائل للمنجزات الفنية والادبية المطروحة في ميادين الشان الثقافي والحضاري، والتي لها في كل‏يوم اطلالة متجددة واشراقة وليدة لا يدركها بعضهم ممن يستبقون حتى القوانين والسنن المتدرجة في الكون. هذا البعض‏ممن كتب في مواضيع اسلامية فظن انه حقق ادبا اسلاميا معاصرا، حيث الادب الاسلامي عندهم هو ان تنظم قصيدة تعيدبها ما قيل في محاضرة او مجلس، او حتى ان تستشهد بنص قرآني او حديث شريف، مع تحوير يلائم طريقة النظم في‏بحر من بحوره العروضية، او ان تتمثل نصا شعريا سابقا فتعيد انتاجه برداءة واضحة للمتلقي..;ژرس‏ز÷((258)) .

ونسي هؤلاء ان الادب يعط‏ي مساحة كافية للتامل في الحدث من خلال تجميده والتبصر بابعاده وتحريكه في مجال‏تخيلي، له زمنه الخاص وابعاده غير المحدودة.. يشابه الاديب في ذلك نظيره العالم الذي يجري في مختبره عددا من‏التجارب، بعد ان يمهد لها بالفرضيات، ويراقب تصرفها خلال ظروف التجربة، وما يحدث لها من تطورات وما تؤدي اليه‏من نتائج تطابق الفرضيات او تختلف عنها والاديب الحاذق، ذو النظرة النافذة، لا يتوقف عند سطح الاشياء، ولا يقبل بظاهر الاشياء، ويكثر من مداولة الافكاروتمحيصها، بهدف التعرف على الوجه الحقيقي لها. وما اشبهه بعالم النفس الذي يقوم بالاختبارات الكافية لفحص مريضه‏واكتشاف عقده الدفينة وعوامل الاعتلال في شخصيته ورسم خارطة لتصرفاته وردود فعله. كما انه اشد شبها بالفيلسوف‏الذي يضطلع بالتساؤل عن اسس الاخلاق وطبيعة النفس الانسانية ومقدار الحرية المتاحة للارادة;ژرس‏ز÷.

والاديب باختصار شديد، ملخص ذلك كله، وعمله محصلة فنون وعلوم كثيرة.

طموح الادب الاسلامي ان ادبنا الاسلامي المعاصر كما نريده، يعايش غربة الانسان المعاصر، وتازمات المدنية المعاصرة، ويشق طريقه القيادي‏في مسارات الطلائع الاسلامية التي تهدف الى استقاء الزخم وطاقات الدفع الى الامام من منابعها الاصيلة الصافية، وبالتالي‏انتفاء الاحراش من طريق الانسانية، وحمل المشعل في متاهات التمزق الفكري والصراع اللاواعي الذي تعاني منه امتناالاسلامية بخاصة والانسان في المجتمعات الاخرى بعامة.

ان الادب الاسلامي المعاصر، كما نريده، انما يحتاج لعنصر الزمن الذي يتيح له فرصة الهضم والتمثيل لترجمة معاناة‏التجارب ترجمة صادقة، ثم طرح النماذج التي تتوافر فيها الاصالة والابداع امام شعرائنا الرواد وادبائنا، ولعل مدرسة ادبية‏جديدة في ادبنا المعاصر تتبلور محاولاتها، لياخذ ادبنا مكانته بين آداب الامم الاخرى، ويقوم بدوره، عاكسا طموحاتناالانسانية وكاشفا عن مثلنا وقيمنا الاسلامية، وبذلك نستطيع توصيل معطياتنا الفكرية والادبية والفنية بكل ما تملك من‏نبل وابداع الى المجتمعات الاخرى.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية