الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

و مهما يكن من امر، فقد قدم لنا الصابوني، في مقدمته للكتاب، شيئا عن النحاس ونسبه، ولقبه، ومولده ونشاته، والحياة‏العلمية في عصره، وذكر شيوخه وتلامذته، وشواهد من آرائه العلمية، وقائمة بمؤلفاته، وحادثة وفاته، وثناء العلماء عليه،وختم ذلك ببعض المصادر التي ترجمت له.

المحور الاول: مخطوط الكتاب وعنوانه تفتقر مكتبات العالم لمخطوط الكتاب كاملا، وما وجد منه عبارة عن جزئين ملفقين يختلف احدهما عن الاخر في الهيئة‏والمكان، فالجزء الاول منهما تابع لدار الكتب المصرية في القاهرة تحت رقم(385) تفسير، والجزء الثاني من مصورات‏مكتبة كوبريلي في تركيا تحت رقم(350) تفسير، الجزء الاول من المخطوط، يختلف في نوع الخط ووضوحه، عن الجزءالثاني الذي جاء بخط نفيس واضح، ذكر المحقق انه كتب في عهد الخلفاء والسلاطين العثمانيين، ولا يعلم من اين استقى‏المحقق هذه المعلومة فلم يذكر لنا ما يؤكد ذلك.

((372)) وتحقيق كتاب، في بابه ك;ژرس‏ز÷معاني القرآن;ژرس‏ز÷ وسط معوق كبير يتمثل بوجود مخطوط ملفق، ناقص، مختلف الاجزاء،يتطلب دقة ومسؤولية تحتم على المحقق تفحص كل ما يحيط بالمخطوط، والافادة منه قدر الامكان في توثيق العلاقة بين‏المخطوطين ،وبيان كل جزء منه يكمل في نهج المؤلف واسلوبه، وانهما( اي الجزئين) قد نقلا عن الاصل المنسوب‏للنحاس، لكننا نجد المحقق اهمل امورا كثيرة تعينه على عمله وتيسر المهمة عليه، فضلا عن ذلك، فانه ترك التعريف‏بقياس جزئي المخطوط، وعدد الاسطر في كل لوحة، ومتوسط عدد الكلمات بالنسبة للمخطوط الثاني، واهمل الاشارة الى‏الممتلكات((373)) والختوم((374)) الموجودة على صور المخطوط((375)) . وكل ما فات المحقق ذكره يمثل منهجا علميا في‏التحقيق تتوجب الافادة منه.

ومما زاد اهمية هذه المعلومات وغيرها خلو المخطوط الملفق من ذكر زمن النسخ، فضلا عن اسم الناسخ، ولم يقدم‏الصابوني لنا ما يشير الى وقت كتابة المخطوط الملفق سوى ما قاله عن الجزء الاول: ان خطه قديم، وعن الاخر: انه كتب‏في عهد الخلفاء والسلاطين العثمانيين، ولم يدعم رايه هذا بدليل، فهل اكتفى بالتخمين والظن في تحديد زمن النسخ، اوسار على منهج علمي يصف لنا فيه هذا الزعم؟ واعتقد بان المحقق قنع بالنظر المجرد للخط وابدى فيه رايه.

فهو قد ترك التعريف والدراسة في ما يتعلق بنوع الخط ونوع‏المداد ولونه، ونوع الورق ولونه، فهذه المعلومات تعينه بعد اختبارها على تحديد زمن المخطوط الملفق، فضلا عن وصف‏اوجه التقارب والتباعد بين اجزائه، لكننا نلحظ ان المحقق اكتفى بما يشير الى كون المخطوط الملفق يرجع الى النحاس،ولو تجاوزنا معه عقبة التوثيق الزمني للمخطوط افما كان يجب على المحقق ان يكون اكثر حرصا على ما اثبته النساخ من‏معلومات جانبية او هامشية على لوحات المخطوط، وترك الاستهانة بالمعلومات‏ المبعثرة‏ بشكل او بخر على المخطوط، وتعامل بجدية مع ذلك كله؟ وهذا من صميم عمله وباهماله له‏يضيع على نفسه وعلى القارئ ما يصبو اليه. واليك شاهد على ذلك.

ترك الشيخ الصابوني الاشارة الواضحة، في مقدمته الى‏ان المخطوط الملفق مقسم الى اجزاء او مجلدات في اصل تاليفه، او ان ذلك من عمل النساخ، وهذا ما استقيناه، من صورالمخطوط التي اثبتها في الكتاب((376)) ، ففي صورة اللوحة الاخيرة من مخطوط دار الكتب تجد عبارة: ;ژرس‏ز÷ تم الجزء الاول;ژرس‏ز÷((377)) ولم يثبت المحقق هذه العبارة في المتن وانما ساقها في الهامش((378)) على حين ان التحقيق يفرض عليه اثباتها في‏المتن والاشارة في الهامش الى ان الكتاب مقسم الى اجزاء. ويؤيد ذلك ما كتب على اللوحة الاخيرة من مخطوط كوبريلي‏في نهاية سورة الفتح:;ژرس‏ز÷ وهو آخر المجلد الثالث ويتلوه في الذي يليه ان شاء اللّه وبه العون والقوة سورة الحجرات وصلى‏اللّه على سيدنا محمد رسوله وعلى آله وصحبه وسلم;ژرس‏ز÷((379)) ، وقد تبدو هذه المعلومة غير جديرة بالاهتمام من المحقق‏فاهملها، ولم يثبتها في كتابه، لكن اهمالها اوقعه في وهم، وجعله يظن ان الكتاب غير مكتمل التاليف، فقال في نهاية تحقيقه‏للكتاب:;ژرس‏ز÷الى نهاية سورة الفتح تنتهي المخطوطة التي بين ايدينا، وهي المخطوطة الوحيدة كما اسلفنا، وبذلك ينتهي الكتاب،ولا ندري هل اكمل المصنف تفسير السور ام اكتفى بهذا القدر من الكتاب العزيز;ژرس‏ز÷((380)) . وهذا الكلام يناقض القول في آخرالمخطوط، ولو ادام المحقق النظر في هذه المعلومات الجانبية او في آخر لوحات المخطوط لما قال ذلك. ولو كان الصابوني‏جادا في البحث عن نهاية الكتاب واكماله من المؤلف لوجد ذلك في احد المصادر التي اثبتها في ترجمة‏النحاس((381)) وعلى اية حال، فقد اعتقد المحقق بما يشير الى كون المخطوط الملفق يرجع للنحاس وان عنوانه:;ژرس‏ز÷ معاني القرآن الكريم;ژرس‏ز÷،والحق ان هذا العنوان قد نسبه بعض المترجمين للنحاس، كما نسب بعضهم له تفسير القرآن((382)) وجمع ابن خلكان نسبة‏الكتابين له معا((383)) . ولو راجعنا صور المخطوط لوجدنا ان الجزء الاول منه يحمل على غلافه بعض عنوان الكتاب، وقداصاب اوله الطمس وتعدى على آخره المداد، واعتقد بان ما يظهر من ذلك كله هو ;ژرس‏ز÷تفسير القرآن، وتاليف ابي جعفر احمدبن اسماعيل النحوي النحاس;ژرس‏ز÷((384)) . وفي الجزء الاخر تجد في اعلى اللوحة الثانية((385)) منه بخط مغاير ما نصه :;ژرس‏ز÷تفسيرالنحاس هو ابو جعفر بن محمد المقرئ، المتوفى سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، قصد فيه الاعراب لكن ذكر القراءات التي‏يحتاج ان يبين اعرابها والعلل فيها وما يحتاج فيه من معان;ژرس‏ز÷. وبعده كتب ;ژرس‏ز÷من اسامي الكتب;ژرس‏ز÷.

ويبدو ان هذا نص مقتبس من‏كشف الظنون((386)) استعان به المفهرسون في مكتبة كوبريلي او غيرها لتحديد عنوان الكتاب. اذن فما هو موجود على المخطوط الملفق لا يوحي بعنوان الكتاب المثبت، ولا نعلم من اين انتخب‏الصابوني هذا العنوان:;ژرس‏ز÷ معاني القرآن الكريم، ;ژرس‏ز÷ امن الكتب التي ترجمت للنحاس ام من مادة الكتاب وفيها ما يدل على‏ذلك؟ لم يظهر لنا المحقق اي جهد في تحقيق عنوان الكتاب، وهذا من اصول مهماته وهو ميسر له وامام عينيه فكيف ذاك‏واين؟.اشار الصابوني الى ان مخطوط كبريلي يحمل رواية الكتاب((387)) ، ولو تقصينا عنها لوجدنا للكتاب روايتين نص‏عليهما ابن خير في فهرسه مع عنوان الكتاب;ژرس‏ز÷ العالم والمتعلم في معاني القرآن;ژرس‏ز÷((388)) ورواية المخطوط التي ذكرها المحقق‏جزء من رواية ابن خير، ومن العجيب ان الصابوني يضع كتاب ابن خير ضمن المصادر التي ترجمت للنحاس في‏مقدمته((389)) ، ما يدل على تطابق روايتي الكتاب(رواية المخطوط ورواية ابن خير) ان بعض العنوان الذي ذكره ابن خيرجاء في مقدمة النحاس التي بين فيها منهجه فقال:;ژرس‏ز÷قصدت في هذا الكتاب تفسير المعاني والغريب،...، واشرح ذلك حتى‏يبينه المتعلم وينتفع به كما ينتفع العالم بتوفيق اللّه وتسديده;ژرس‏ز÷ ((390)).

ومعلوم ان اكثر المؤلفين يذكرون جزءا من عنوان‏مؤلفاتهم في مقدماتهم، وهذا ما فعله ابو جعفر النحاس. واذا كان عنوان الكتاب، في ما اثبته الصابوني، يدل على مادة‏الكتاب، وهو على شق من الصواب، الا ان الامانة العلمية تفرض عليه اعطاء الكتاب اسمه كما اراد المؤلف لا كما انتخب‏الصابوني. اخلص من ذلك الى ان المحقق اهمل ذكر معلومات مفيدة عن المخطوط، كما ترك التحقيق والتثبت من زمنه،واغفل التحقيق في عنوان الكتاب المحور الثاني: العناية بالنص والاقتباس من المبادئ العامة والمهمة في عمل المحقق العناية بالنص، وتصحيح الكلمات التي يصيبها التصحيف والتحريف، فضلا عن‏اقامة الالفاظ التي يكتنفها الطمس، والتوفيق بين السياقات التي يعدو عليها سقط الالفاظ بما يتناسب وهدف المؤلف‏ومراده من كتابه، وفاء لشرائط التحقيق العلمي. ولقد حاول الصابوني ان يقدم لنا نصا مقبولا للقراءة مؤلف السياق، وان كان‏على حساب متن المخطوط، لكنه نسي ان ما يفعله تجاوز على النص، والتوفيق بين سياقات الكلام من دون ان يكون ذلك‏كلام المؤلف( النحاس) او مراده لا يكون تحقيقا، وانما هو شي آخر، والتحقيق اخراج النص كما اراده مؤلفه او بصورة‏اقرب الى ذلك، لا نزيد على النص او مما ليس منه، فيكون حينها افضل من نص المؤلف، او احسن في عين القارئ، ففي‏هذا تجاوز واضح لشرائط العمل العلمي الرصين وخيانة للامانة العلمية، وهي اصل عمل المحقق.

وفي كتاب ;ژرس‏ز÷معاني القرآن;ژرس‏ز÷، نجد هذا، ولنا في قوله عز وعلا شاهد:×××انك لا تهدي من احببت ولكن اللّه يهدي من يشاءوهو اعلم بالمهتدين‏$$$ [القصص/56]، يثبت المحقق في الهامش ما ياتي :;ژرس‏ز÷سقط تفسير الاية من الاصل واثبتناه من تفسيرابن كثير، وهو ما بين الحاصرتين;ژرس‏ز÷ ((391)) ويضع في متن الكتاب بين قوسين نص ابن كثير(774ه) قال:;ژرس‏ز÷ اي اللّه اعلم بمن‏يستحق الهداية ممن يستحق الغواية، وللّه الحكمة البالغة;ژرس‏ز÷ ((392)). نقف عند عمل المحقق هذا ونتساءل: هل يجوز ان ينقل‏كلام مفسر آخر لم يشر الى راي النحاس، او لم ياخذ عنه لا من قريب ولا من بعيد، ثم يوافق بينه وبين نص النحاس ومابين المفسرين اكثر من ثلاثة قرون؟ واذا تجاوزنا ذلك فهل يعقل من الصابوني وضع نص ابن كثير في متن الكتاب وكانه‏جزء من كلام النحاس؟ ولو ارتضينا ذلك منه ايضا، هل يجوز ان يتلاعب المحقق بالنص المقتبس زيادة ونقصا حسبمايريد؟ ولو رجعنا الى نص ابن كثير في تفسيره لوجدنا .

;ژرس‏ز÷اي هو اعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية;ژرس‏ز÷((393)) ،وليس فيه بعد ذلك مما اضافه المحقق الى النص، اليس ذلك استهانة بالامانة العلمية وخرق لقاعدتها.

ويبقى ان نشير الى ان هذه الاية تقع ضمن الجزء الثاني من المخطوط(كوبريلي) وهي كما قال المحقق:;ژرس‏ز÷ كتبت بخط نفيس‏ممتاز، في غاية الوضوح والجمال تدل على عناية فائقة بكتاب اللّه العزيز، في عهد السلاطين والخلفاء العثمانيين)((394)) ،ولم يشر المحقق الى وقوع اي سقط او طمس فيها، وهي في ما تبدو ومن صور لوحاتها جيدة الحال، فاذا كان بعض‏السقطات والعيوب فلم اهمل ذكرها؟ واذا تحريت عن عمل المحقق في مكان آخر من الكتاب تجد انه يكرر ما فعله سابقا، ولكن هذه المرة مع نص تفسيرالطبري(310ه) عوض به سقطا آخر اصاب المخطوط في تفسير قوله سبحانه:×××ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولاكبيرة الا احصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك احدا$$$ [الكهف/49].وضع الصابوني، في الكتاب، بين قوسين‏كبيرين ما ياتي :;ژرس‏ز÷اي تراهم خائفين وجلين مما فيه من اعمالهم السيئة، ويقولون. ما شان هذا الكتاب لا يبقي صغيرة من‏ذنوبنا ولا كبيرة الا لفظها وضبطها;ژرس‏ز÷((395)) ثم يثبت في الهامش الاتي:

;ژرس‏ز÷ ما بين الحاصرتين سقط من المخطوط، وهو تفسيرللاية الكريمة التي اوردها المصنف وقد اثبتناها من تفسير الطبري;ژرس‏ز÷((396)) . ثم يهمل الاشارة الى موضع الاقتباس من‏التفسير فلا رقم للجزء او الصفحة.

وفي هذا المكان يخط‏ى المحقق اذ ينقل الكلام عمن هو سابق عن المؤلف( النحاس) ويضعه في متن الكتاب، فما الذي‏سوغ له ذلك؟ هل نقل النحاس شيئا عن الطبري حتى يعوض به هذا النص الساقط؟ وهل تاثر النحاس في كتابه هذا تفسيرالطبري فيعوض المحقق من النص ما يشاء؟ لا هذا ولا ذاك، انما اراد الصابوني ان يقدم للقارى نصا مفسرا كاملا كيفما ارادمن دون مراعاة لمقام التحقيق العلمي، ولو استحسن ذلك القارى والباحث فرضا فهل يرتضي ان يشوه النص المقتبس من‏تفسير الطبري تقديما وتاخيرا وزيادة وحذفا، واليك النص في ;ژرس‏ز÷جامع البيان;ژرس‏ز÷ لتقارنه مع ما اثبته المحقق، يقول الطبري في‏تفسيره للاية الكريمة: ;ژرس‏ز÷فترى المجرمين المشركين باللّه مشفقين، يقول: خائفين مما فيه مكتوب من اعمالهم السيئة التي‏عملوها في الدنيا في ذلك ان يؤخذوا بها;ژرس‏ز÷ ((397)). وبعد سبعة عشر سطرا يعلق الطبري على قوله تعالى×××يا ويلنا مالهذاالكتاب...

×××بقوله:;ژرس‏ز÷يقول لا يبقي صغيرة من ذنوبنا واعمالنا ولا كبيرة منها( الا احصاها) يقول: الا حفظها) ((398)). يظهر ان‏هذا النص في متن الكتاب نص الصابوني، وهو نتاج تلاعبه لا نص الطبري، وهو في هذا يبتعد;ژرس‏ز÷ عن الدقة والموضوعية في‏اقتباس النصوص، فضلا عن روح الامانة العلمية التي تقتضيها طبيعة التحقيق العلمي الرصين;ژرس‏ز÷((399)) .

اعود فاكرر ان الذي حدا بالصابوني الى ذلك جهله بالخطا التحقيقي في نقل النصوص من مصادر سبقت النحاس او تلته من‏دون ان يكون للمؤلف ادنى اشارة او ذكر لها، وقد تكرر ذلك مرارا في الكتاب، ولعل تعليل هذا الخطا في الاقتباس، في‏ذهن المحقق، انه اراد ان يتم المعنى او يكمل السقطات من تفسير النحاس، ما جعله ينقل النصوص من كتب القرطبي‏والنحاس في;ژرس‏ز÷ اعراب القرآن;ژرس‏ز÷ وهذا كله في نظر الباحث غير صحيح، وقد سوغ المحقق نقله عن الطبري مثلا انه كثير النقل‏عن ابي جعفر النحاس، وهذا لا يعط‏ي الصابوني العذر في نقله، اذ ان كتاب القرطبي جامع لاراء ثلة من العلماء واصحاب‏المصنفات، ولم ينقل فيه عن النحاس وحده، نعم يصح النقل عنه اذا كان الموضع المشار اليه فيه نص النحاس، وهو جزءمن كتابه معاني القرآن، ولا سيما ان القرطبي قد ذكر معاني القرآن للنحاس في بعض المواضع((400)) ولكننا لا نستطيع ان‏ننقل في كل موضع سقطت فيها الايات من المخطوط عن القرطبي ونذهب الى انه اعتمد كثيرا على النحاس من دون اية‏اشارة لذلك، فلربما اخذ عن مصنفات النحاس الاخرى غير معاني القرآن، فهل يعقل ان نضعها في معاني القرآن ونشير الى‏انه كثيرا ما ينقل عنه؟! وكذا الحال في بقية المصادر ولا سيما ما يتعلق منها بكتب النحاس الاخرى((401)) ، لان فعل ذلك‏فيه تجاوز على النص في معاني القرآن، ولا اعلم كيف يتدارك المحقق ذلك ان وجدت في يوم ما نسخة كاملة لمعاني القرآن او نجد من ينقل بعض الفقرات الضائعة بالسقط في كتب اخرى مقتبسة من معاني القرآن ونحن‏قد عوضنا عنها من مصادر مختلفة واثبتناها في المتن.

واذا كان لا بد من الاقتباس من المصادر التي ذكرها المحقق خطافيكون الهامش المكان المناسب لها، والراي عندي الا ضرورة لذلك في جميع الاحوال.

المحور الثالث: التحقيق وموضوعية المحقق التحقيق عمل موضوعي مسؤول يحتم على الباحث السمو فوق نوازعه الذاتية، وعلاقاته المذهبية او الطائفية، وصفة‏المحقق الباحث الامين الالتزام بقواعد التحقيق وشرائطه، واخراج المخطوط كما اراده صاحبه او بصورة اقرب لذلك، وعدم‏اطلاق الاحكام جزافا والقاء الكلام هذرا من دون ان يكون لكل قول دليل، ولكل حكم برهان، فاساس التحقيق التوثيق،واذا انتقض شرط التوثيق هزل عمل المحقق وضعف.

وفي;ژرس‏ز÷ معاني القرآن;ژرس‏ز÷ نلحظ المحقق يقف عند اسباب نزول الايات‏ويشير الى تاريخها ورجالها، لكنه لم يكن في ذلك موفقا لاسباب تبدو للقارى من خلال مسيرته في مطالعة اجزاء الكتاب،وعلى اية حال فقد وقف الصابوني عند الاية الكريم ×××ان الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان انما استزلهم الشيطان ببعض‏ما كسبوا ولقد عفا اللّه عنهم... /155) ×××آل عمران)، وقد همش المحقق على كلام النحاس في الاية بما ياتي;ژرس‏ز÷... ان الصحابة‏الكبار فروا يوم احد، كعثمان وعلي، والفرار من الزحف كبيرة من الكبائر...;ژرس‏ز÷((402)) .

والحق ان كلام المحقق يجب ان يسند ويوثق بوصفه عملا علميا، وهو مسؤول عنه لانه جزء من وثيقة تاريخية، لكنك‏تجد الصابوني اطلق القول اطلاقا من دون سند صحيح له في ذلك، فقد اضاف من عنده الامام علي(عليه السلام) الى من‏فريوم احد، وهذا في حد ذاته مناقض لجميع النصوص التاريخية، والاحاديث النبوية، وما عرف عن الامام علي(عليه‏السلام) من خصال لا تخفى على البعيد والقريب من ثبات في الحروب، والمبادرة في التضحية من اجل دين اللّه ورسوله‏صلوات اللّه عليه، واذا فات المحقق ذلك فان له في ما اخرجه الحاكم عن ابن عباس(رضي اللّه عنه) من خصال الامام‏علي خير تذكير اذ قال: ;ژرس‏ز÷لعلي اربع خصال ليست لاحد، هو اول عربي واعجمي صلى مع رسول اللّه;ژرس‏ز÷ صلى اللّه عليه وآله;ژرس‏ز÷وهو الذي كان لواؤه معه في كل زحف، والذي صبر معه يوم المهراس‏#وهو الذي غسله وادخله قبره;ژرس‏ز÷((403)) .

واذا احسنا الظن بالمحقق وقلنا: ان ذلك كان سهو قلم، او غفلة فكر، فلا اظن انني قادر على اقناع القارى طويلا بذلك، ففي بعض حديث النحاس يروي عن الامام علي(عليه السلام) حديثا ويعقب عليه يقوله:(صلوات اللّه عليه)((404)) فيضع المحقق هامشا في اسفل الصفحة;ژرس‏ز÷لا ينبغي ان يقال عن علي صلوات اللّه عليه لان هذاخاص بالانبياء وانما يقال: رضي اللّه عنه، كما يقال لسائر الصحابة الكرام;ژرس‏ز÷ ((405)). واتساءل عن فائدة كلام المحقق هناوصحة ما ذهب اليه؟ فلا اجده قد اضاف شيئا مفيدا لمتن الكتاب، بل عارض موقف المؤلف واراد نقض كلامه فابدى بعض‏ما في نفسه، واشغل القارى عن غاية الكتاب، وهو في كلا الحالتين غير محق، وقد سمع بالصلاة التامة على اهل البيت‏وعلي منهم(عليه السلام) وهو بنفسه يسند هذه الصلاة في معاني القرآن((406)) ، واذا كان الصابوني موضوعيا في ما ادعاه‏في عدم جواز الصلاة على احد من الصحابة، فلم ارتضى قول النحاس عن حمزة(عليه السلام) عم النبي(صلى اللّه عليه‏آله):

;ژرس‏ز÷صلوات اللّه على حمزة;ژرس‏ز÷ في الجزء نفسه في موضع سبق ذلك، ولا اعلم من اين جاء الصابوني بهذه الخصوصية‏للصلاة على الانبياء فقط، واللّه تعالى ذكره جعلها في كتابه المجيد تختص بالصابرين، قال تعالى: ×××الذين اذا اصابتهم‏مصيبة قالوا انا للّه وانا اليه راجعون‏# اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة واولئك هم المهتدون‏156$$$ [و 157 البقرة]،فاين الموضوعية في التحقيق؟ وكيف تتلاءم مع انتخاب التعليقات واطلاق الاراء جزافا؟ وعلى الرغم من ذلك، فقد اتخذالصابوني من ;ژرس‏ز÷معاني القرآن;ژرس‏ز÷ مكانا للشتم وسباب المذاهب التي تخالفه وقاد حملة للطائفية فيه((407)) وكان الكتاب يخص‏المحقق ومن هو على عقيدته، لا كما اراد مؤلفه منه خدمة كتاب اللّه المجيد ولغته الكريمة. واذا كان الصابوني ممن يختص‏بالمنازعات والخلافات‏ وما كنت اظنه كذلك‏ فليس في كتب الدراسات القرآنية مكان له، فالقرآن يدعو للوحدة، وكتاب‏النحاس على ما فيه من حشد للاراء المختلفة ولعلماء الاسلام باجمعهم لم يكن يوحي على ما فيه من آراء عديدة الابوحدة الكلمة وغايته معرفة مراد كلام اللّه العزيز، واذا بالصابوني( المحقق) يناى به عن هدفه ويشغل القارى بما يثير من‏نعرات، وهذا بعيد عن عمل المحقق بل يناقض امانته وموضوعيته. وما وقف الصابوني وقفاته من بعض الصحابة‏المنتجبين( رضي اللّه عنهم) الا ليرضي هوى في نفسه، ويثير اسباب التفرقة والخلافات، وفي هذا استهتار بجميع التقاليدالعلمية، والاعراف الادبية في التاليف، ولولا رغبة البحث عن التنزه عن نقل سبابه وشتائمه لتحدث عن ذلك بالتفصيل لكنه‏آثر الاشارة التي تغني عن التصريح((408)) .

منتدى الدين والعلم المشاركون: ا. علي رضا شجاعي زند د. ابو الفضل ساجدي الشيخ محمد حسن زراقط الشيخ علي رباني الكلبيكاني المنهاج العقل والايمان في التعاليم الاسلامية علاقة جدلية او اقصاء مزيف اك.علي رضا شجاعي زند# مدخل يشارك البشر، عادة، لدى مواجهتهم مقولة الدين، بجميع ابعادهم الوجودية، والتي يشكل كل بعد منها نافذة مطلة على‏شطر من حياتهم، فيضعون في ظل علاقة انجذاب وتعلق جميع عواطفهم في تنور الايمان الملتهب من جهة، في مايفتحون دفائن عقولهم وطاقاتهم الذهنية على التعاليم الدينية من جهة اخرى، ليضعوا في نهاية المطاف كل ارادتهم‏وسلوكياتهم تحت تصرف الاوامر الدينية، لتحركهم في الوجهة والمسير.

لقد اشار الباحثون الدينيون الى هذه الابعاد الثلاثة (العواطف الفكر السلوك) في اطار سعيهم الى عرض حقيقة الدين‏بصورة اكثر جلاء عن طريق منهج التجزئة وعمليات الفصل بين الابعاد المختلفة له (الدين)، والقائمة على اساس المديات‏الوجودية للانسان المتدين وقد كانت اشارتهم هذه غير خالية من التاكيد في سياق بيانهم مصاديق هذه الابعاد الثلاثة‏ على ان اسباب التنوع القائم‏في الاعتراف بالدين وكيفية تبنيه تعود الى الدور الذي تؤديه مكانة كل بعد من هذه الابعاد المكونة له في المكون النهائي‏للدين نفسه.

والامر الذي يبدو بديهيا هو هذه الحقيقة المنادية بانه حتى في الاديان الاحادية البعد لا تبلغ الابعاد الاخرى درجة الصفرابدا، وبالتالي فلا يمكن الاقرار بهذا الوهم القاضي باحث من ايران. ترجمة: الشيخ حيدر حب اللّه بنقص الاديان ذات البعد الواحد حتى ما كان منها على صورة بدائية جدا او في عزلة واقصاء، وما يمايز بين دين وآخر، اوبين مرحلة واخرى، او بين ظروف وثانية، وما يقبل التنو ع، ليس ضعف الابعاد الوجودية للانسان وقوتها الذي يواجه‏انشدادا دينيا، وانما في القوة والضعف الحاصلين في تلك الابعاد بسبب حجم الحاجات الفردية والاجتماعية الانسانية‏والاستعدادات الكامنة في ذلك الدين.

ومن هنا، فعندما يقول نيتشه: ان المسيحية دين العمل لا العقيدة((409)) ، او عندما يرهن بولس الرسول نجاة المتدين‏المسيحي بالايمان الصرف، ليحرره من بوتقة العمل الاعم من العمل الخير الحسن او العمل بالشرائع((410)) فانه لايعني آباي وجه من الوجوه النفي الشامل لبعد الفكر او السلوك الموجودين في الدين، وانما يدل على التاكيد الاكبر من جانب‏الديانة المسيحية وطبقا لتصور هذا القائل على احد اضلاع هذا المثلث الثلاثي (البعد) لا اكثر.

ولعل وجود المنحى العملاني المسيحي، او عدم وجوده على اساس المدعيين المتقدمين المتعارضين بحسب الظاهر، موردللاختلاف والنقاش، كما هي الحال في الكتاب المقدس نفسه، حيث يلاحظ اختلاف في هذا الصدد بين كلمات بولس‏ويعقوب((411)) ، بيد ان نوعا من التوافق والاجماع قائم على الاهتمام المحدود في الديانة المسيحية بالبعد العقلاني والنظري‏للايمان، بل ان الاهتمام الذي ابدته الكنيسة في بعض مراحل تاريخها، تجاه الفلسفة وتقوية البعد العقدي واللاهوتي‏للمسيحية عن طريق السماح بممارسة تاملات عقلية ونظرية في مضمون الايمان المسيحي... هذا التوجه لم يشكل‏باعثاللشك في هذه الصورة الماخوذة عن المسيحية، بل ولا على شيوعها واشتهارها وقد اخذ الباحثون الدينيون ودارسو المسيحية تصوراتهم هذه انطلاقا من القراءة المباشرة لنصوص الكتاب المقدس،وكذلك دراسات آباء الكنيسة واستنتاجاتهم، بوصفهم اول من تلقى الرسالة المسيحية الى الاجيال اللاحقة وفهمها ونقلها،وايضا عن طريق مواصلة السعي في المسارات التاريخية والحقبات الزمنية التي استوعبت المواجهات التي حصلت ما بين‏الكنيسة ومقولات الفكر والمعرفة((412)) ... وقد وصل هؤلاء الباحثون الى اعتقادهم هذا مشكلين نوعا من الاجماع، رغم‏اختلافات وقعت بينهم في الاستنتاجات النهائية، وفي تحديد ميزان الدليل على بقاء عنصر الوعي والتفكير مغفولا عنه في‏الديانة المسيحية على صعيد تحكيم الايمان.

ولم تكن الاختلافات، في اوساط الاتجاهات السائدة في الديانة المسيحية، حول العلاقة ما بين ;ژرس‏ز÷العقل;ژرس‏ز÷ و ;ژرس‏ز÷الايمان;ژرس‏ز÷، لتشمل ابدا الالغاء الكامل والاقصاء الشامل لدور الوعي والتفكير في بلورة ظاهرة الايمان‏وترسيخها، وانما تركزت على تحول واحد من هذين الركنين اي العقل والايمان الى عدل او بديل عن الاخر، او لتكون‏هناك علاقة اصل وفرع بينهما، او ليكتفى باحدهما عن الاخر وما شابه ذلك.

وعلى حد تعبير الكتاب المسهمين في تدوين كتاب ;ژرس‏ز÷العقل والاعتقاد الديني;ژرس‏ز÷، فان البحث لم يتركز على دور العقل في‏الدين او سلبه عنه، وانما حول الاجابة عن السؤال القائل: ما هو دور العقل في الدين، وما هي علاقته بالايمان؟!((413)).

وبدورنا، نهدف في هذه المقالة للقيام بجولة سريعة ومختصرة على مكانة العقل في الايمان الاسلامي ودوره على هذاالصعيد، وللدلالة على بعض السمات المميزة لذلك، وتعتمد جولتنا هذه على فرضية يختزلها التساؤل الاتي:

هل يمكن لعلاقة التفاهم والانسجام القائمة مابين العقل والايمان في التعاليم الاسلامية، التاثير في تكوين دنيوية هذاالدين، ليقدم انموذجا مختلفا عما قدمته التجربة المسيحية؟ وفي هذا الصدد، يمكن اثارة موضوعة الوعي والمعرفة في الدين على مستويات اربعة على الاقل، ومن ثم دراستها على‏هذه المستويات ايضا، كما ان دراسة رؤية الاسلام لهذا الموضوع بصعده الاربعة سيرشدنا الى كيفية حماية الموقف‏الاسلامي الايجابي من اهم شواخص العصر الجديد اي العقلانية قبال امواج العلمنة وظواهر المنحى الدنيوي.

1 بناء الايمان على الوعي / الوعي الايمان قدم ;ژرس‏ز÷بترسون;ژرس‏ز÷ وآخرون تعريفا للاتجاهين الاكثر اهمية في اوساط المتدينين، وفقا لقراءة مدى امكانية قيام الايمان على‏البعد المعرفي او عدم امكانية ذلك، فمن جهة كان الاتجاه العقلي بحده الاعلى ( (ذژخدچذرخژچث خ‏ذرزژث معتقدا بان التعاليم‏والاخبارات الدينية كافة تخضع لمديات النشاط العقلي ولتجوال الذهن البشري، ومن ثم، فليس هناك من اقرار بحد اوحدود لهذا الاعتراف بالعقل وانطلاقا من ذلك، تغدو المعرفة والتصديقات العقلانية ركنا اساسيا للايمان لدى هذا الاتجاه.

وفي النقطة المقابلة، تستقر النزعة الايمانية البحتة ((حزس‏ت ذژخححخب ، والتي تذهب الى الاعتقاد بان المنظومات الدينية لا تدع‏مجالا للتقييمات العقلانية والجهود الفكرية، ومن ثم فالايمان الديني لا يمكن، بل لا يجوز، ان يقوم على البراهين والحجج‏العقلية.

فليس مصادفة ان ينتمي ممثلو هذين الاتجاهين المتعاكسين اي ابن رشد((414)) ، وكيركغارد((415)) ، الى منازع داخلية في‏الاسلام والمسيحية((416)) ، بل ان ذلك ينبئ عن وجود ارضيات مساعدة لبروز هذا النوع من الميول والاتجاهات رغم‏افراطها في الديانتين معا.

وحتى لو تخطينا هذه الاتجاهات الافراطية في هاتين الديانتين الكبيرتين، وتحولنا في مسارنا ناحية الميول الوسطية‏والغالبة، لراينا ايضا تمايزات مهمة بين الاسلام والمسيحية حول مقولة ;ژرس‏ز÷الايمان;ژرس‏ز÷ وعلاقتها ب ;ژرس‏ز÷المعرفة;ژرس‏ز÷، فهناك على الاقل‏ ثلاث خصائص تميز الايمان المسيحي عن الايمان الاسلامي، ترتبط واحدة منها فقط بمقولة العقل والمعرفة والوعي.

1 1: الايمان منحة او اكتساب ترى المسيحية ان الايمان فيض بحت يقدمه الرب لعبيده المنتجبين، ومن ثم لا يناط هذا الاصطفاء وهذا العطاء باي‏شرط من الشروط، كما لا يستدعي له اية مقدمات مكتسبة او مراحل يلزم طيها.

اما الايمان، في التصور الاسلامي، فيعني تموضع الفرد في محل شمول الفيض، منوطا ذلك بتحقق جملة شرائط وحصول‏اللياقات المطلوبة له، وهي شروط يجري اكتسابها من جانب الانسان المسلم الجاد السالك سبيل الجهاد.

ويقول الشيخ محمد مجتهد شبستري في هذا الصدد: ;ژرس‏ز÷ان الايمان، في القراءة الاسلامية، نتاج بشري مكتسب تصاحبه رؤية‏تفاؤلية للطبيعة الانسانية القادرة على كسب موهبة كهذه، اما الاعتقاد المسيحي بالتلوث الانساني في ذاته فهو يحيل‏الايمان الى تقدير غير قابل للتغيير، وعطاء الهى خاص;ژرس‏ز÷((417)) .

2 1: العلم والايمان معارضة او انسجام يرى الدكتور مهدي بازركان ان كلمة ;ژرس‏ز÷الايمان;ژرس‏ز÷ في التصور الاسلامي تختزن نوعا من اليقين، في ما تصاحب نوعا من الظن في الرؤية المسيحية((418)) .

وهذا التصوير العام يشرح مدى اهتمام الايمان الاسلامي بعنصر الوعي والمعرفة والتزامه بهما، الامر المفقود في الديانة‏المسيحية، حيث لا يستدعي الايمان ولا تحكيمه اي مبادئ او مؤيدات عقلانية((419)) .

بل يمكن القول، بعبارة اكثر صراحة: ان الايمان المسيحي يرى الوعي والمعرفة عنصرين مخلين به ومعارضين له، في ماينظر الايمان الاسلامي اليهما بوصفهما من العناصر المساعدة التي توافقه وتسانده.

3 1: الايمان المحض او الايمان الداعي للعمل تكسو مجمل التعاليم التي اطلقها بولس الرسول، والقراءات المعادة التي مارسها على تعاليم بولس كل من مارتن لوثروكالون وبقية المتالهين المنتسبين الى المذهب البروتستانتي... تكسوها بشارة تنادي بان المسيح رفع عن كاهل البشر عب‏التكاليف الشاقة التي تستدعيها الشرائع، ليغدو الايمان الصرف بعد ذلك الطريق الوحيد للنجاة، من دون ذاك المزين بالعمل‏الصالح، ذلك ان اي عمل يهدف الى التعويض مقابل تلك المحبة والعطية الابوية لا نتيجة له عدا اسقاط الايمان الالهي الى‏مستوى تجارة قليلة المردود.

وفي مقابل الاصرار المسيحي على احداث القطيعة الكاملة ما بين الايمان والعمل (الشرعي والاخلاقي)...، اكد الاسلام آبقوة وثبات على النتائج العملية للايمان، وقد بلغ هذا التاكيد الاسلامي حدا قلما نجد معه ذكرا لايمان المؤمنين دونماتركيز على العمل الصالح الى جانبه((420)) ، فالعمل الصالح نتيجة حتمية وعلامة لصيقة لا تنفك عن الايمان، واعادة ذكره‏مرة اخرى انما يرشد الى مدى ضرورته وانه جزء لا يتجزا من الايمان، لا انه اضافة زائدة او تفضل، كما يصرح القرآن‏الكريم بان المؤمنين فاعلون للصالحات بالتاكيد((421)) .

ويحتوي الايمان الاسلامي، في صورته المتعارف عليها ووضعه العادي، على جوانب ثلاثة على الاقل، الا وهي الجوانب;ژرس‏ز÷المعرفية;ژرس‏ز÷ و ;ژرس‏ز÷العاطفية;ژرس‏ز÷ و ;ژرس‏ز÷الارادية;ژرس‏ز÷، اي انه مبني بالدرجة الاولى او منبثق عن المعرفة حتى لو كانت اجمالية في موردها،ومن ثم ليخطو الخطوة الثانية التي تتخط‏ى المعرفة الصرفة عندما يتماهى بعدا عاطفيا، ليصل في نهاية المطاف الى بلورة‏تعهد والتزام وارادة شديدة لتحمله، وقد اشار الشهيد المطهري الى البعدين الاولين للايمان ;ژرس‏ز÷الاقناع;ژرس‏ز÷ و ;ژرس‏ز÷العشق;ژرس‏ز÷ بعبارة مقتضبة مليئة بالاحكام((422)) .

انه يلقي بهذا البيان الموجز الفكرة الاتية: ان الايمان الاسلامي، ورغم كل الصلة الوثيقة التي تربطه بالوعي والمعرفة، يعبرعن امر يتخط‏ى مجرد المعرفة العقلانية البحتة والمعتقدات الناجمة عنها.

اما العلامة الطباطبائي، فيشير من جانبه الى بعدين آخرين للايمان، هما: ;ژرس‏ز÷العلم;ژرس‏ز÷ و ;ژرس‏ز÷الالتزام;ژرس‏ز÷((423)) .

ويذهب الحكيميون في ;ژرس‏ز÷الحياة;ژرس‏ز÷ الى اعتبار الايمان كالهرم الذي تمثل العقيدة القلبية قاعدته، في ما يحتل العمل مكانة‏الراس منه((424)) .

وهكذا يذهب الدكتور سروش الى نفي معادلة الايمان للاعتقاد المحض، ذلك ان في الايمان علاوة على العنصر العقدي آتوكلا، واعتمادا ومحبة وطاعة، ويرى الدكتور سروش ان وجود مفاهيم في القرآن الكريم من نوع الرجاء، والظن، والامل‏والتوكل يؤيد ان الايمان لا يتاتى بمجرد اليقين، وانما يكتمل بصورة تدريجية مع اليقين نفسه.

ومع تصنيف الدكتور سروش عقد القلب والاحساس بالامل والانخراط في سياق القلب... الاجزاء الاكثر اهمية في‏الايمان، بيد انه يعتقد بان وجود الحد الادنى من الاعتقادات شرط اساسي لحلول الايمان، معتبرا اياه مولدا للارادة المنبعثة‏ناحية العمل، وهو اي سروش يرى فرقا على صعيد المقدمات والمستلزمات الضرورية للايمان بين الخواص والعوام،معتقدا بان الايمان الاصيل للانبياء، وهو الصورة الايمانية الاكمل، امر ايجابي فاعل، اختياري وواع((425)) .

وياتي احمد النراقي على ذكر انواع ثلاثة للايمان هي ;ژرس‏ز÷الايمان الفلسفي;ژرس‏ز÷ و ;ژرس‏ز÷الايمان العرفاني;ژرس‏ز÷ و ;ژرس‏ز÷الايمان الجامع;ژرس‏ز÷، حيث‏يعبر الاخير عن تلفيق بين عنصري ;ژرس‏ز÷ العشق;ژرس‏ز÷ و ;ژرس‏ز÷الاعتقاد;ژرس‏ز÷، وهما عنصران اءغفلا في الايمانين الاولين.

ومن دون ان يفرق، ذهب النراقي الى القول بارتكاز الاديان الابراهيمية على ما اسماه ;ژرس‏ز÷الايمان الجامع;ژرس‏ز÷، ومع تاكيده على‏الدور المحدد للارادة والمشاعر والاحاسيس، اي رجحان البعد العملي والعرفاني الايماني على نظيره المعرفي، بيد انه يقيم‏الايمان على اعمدة ثلاثة هي التجربة الدينية، والمعرفة الدينية، والعمل الديني((426)) .

ويشير ابو القاسم فنائي في مقالته ;ژرس‏ز÷سلم السماء;ژرس‏ز÷ الى ما يسميه التركيب القرآني البديع ;ژرس‏ز÷الشهود العقلاني;ژرس‏ز÷، مميزا بينه وبين‏مختلف المناهج السائدة في الاستدلالات القياسية الفلسفية والعلمية التجربية((427)) ، ومذكرا بدوره الرئيس في بعث‏الاعتقاد والايمان وايجادهما في عقل المؤمن وقلبه((428)) .

نواجه مع هذه التعريفات والاستنتاجات المتنوعة للايمان الاسلامي، رغم ما بينها من اختلاف في اللغة والبيان والاسلوب،خصوصية مشتركة، وهي خصوصية تضعها جميعها في خانة الاطار الكلامي الاسلامي رغم جميع التمايزات، وهذه‏الخصوصية هي التجسير والوصل القائم بين الايمان والعقل.

وما يكفي هنا لموضوعنا الرئيس، هو عدم رؤية تعارض ما بين الايمان والعقل، وهذا الامر كما يساعد على كشف الحدودالفاصلة بين الاسلام والمسيحية، يسهم ايضا في تحديد المواقف المتباينة بين هاتين الديانتين ازاء الميل العقلاني للعصرالحديث، ومن هنا لا يحظ‏ى موضوع معيار اعتماد الايمان على الوعي، وشكل تعاضدهما واختلاف الرؤى والنظريات في‏هذا المجال... لا يحظ‏ى باهمية خاصة((429)) .

وعلى اية حال، تتفق الصياغات المختلفة المطروحة حول الايمان بمجملها على تاييد هذه الحقيقة، وهي انه رغم الاعتمادالكامل للايمان على العقل والمعرفة، وما يتركه ذلك من آثار ونتائج على شخصية الانسان وفكره وسلوكه... فانه ليس‏نتاجا معرفيا صرفا، وليس متمظهرا بالكامل في الاعمال الظاهرية، وانما هو امر يتجاوز كلا هذين، ومن هنا نجد في‏نصوص القرآن والسنة ما يعد الايمان مستقرا في قلب المؤمن لا في عقله ولا جوارحه((430)) .

علاوة على ذلك، يرتكز الايمان الاسلامي على ارادة المؤمن كما يتكئ على جملة مقدمات معرفية ونتائج عملية خارجية،اي انه يستدعي مسلسلا من الجهود والمجاهدات الباطنية والظاهرية الواقعة في سياق كسب الفضائل اللازمة لحلول‏الايمان وهبوطه((431)) ، فالعقل والفطرة البشرية، من المقدمات والمستلزمات لحلول الايمان، كما يمثل الاقرار والعمل آثاره‏ونتائجه الظاهرية.

الى جانب هذه العناصر، لابد من الاشارة الى الدور المتزايد للعاطفة والمشاعر والاحاسيس، وكذلك للجذبات الباطنية‏التي تكون بواعث لتبلور الارادة في كافة مراحل تكوين الايمان وتجليه وتقويته، وكذلك النتائج الباطنية للايمان في ادراك‏معنى الوجود والاتصال بالمعبود المطلق.

وخلافا لبعض التوجهات الكلامية في القرون الهجرية الاولى، والتي ذهبت الى التشكيك بدور العمل الصالح في الايمان‏الاسلامي نتيجة اوضاع سياسية اجتماعية احاطت البلاد الاسلامية((432)) ، وقعت التشكيكات الحداثية الاخيرة في‏الاوساط الاسلامية متاثرة الى حد معين باللاهوت البروتستانتي الجديد في سياق البعد المعرفي.

وليس ثمة ما يلزم بتطابق الايمان الاسلامي والانموذج المسيحي نتيجة الاصرار الذي ابداه الدكتور سروش((433)) ،ومجتهد شبستري((434)) ، ومصطفى ملكيان((435)) في السنوات الاخيرة على مفهوم ;ژرس‏ز÷التجربة الدينية;ژرس‏ز÷، بل سوف يقلص ذلك الى حد كبير من اهم الاثار الوجودية للايمان اي‏الوعي ويفتح الباب على مصراعيه لتعارض مرئى بين العقل والايمان.

2 تضامن العقل والوحي يبدو العقل والوحي، احيانا، ظاهرتين متمايزتين تاسيسا على المرجعية المختلفة التي يؤولا اليها بشريا والهيا، كما يبدوان‏كذلك في لغتهما وخطابهما، كما في محتواهما وتعاليمهما، ورغم هذه النواحي الثلاث، لا تزال علامات الفصل والتحديدبين العقل والايمان محاطة باللبس والابهام الى حد معين، اي انه رغم الاختلاف الموجود بينهما، في ما يتعلق بموقع هاتين‏المرجعيتين، ورغم الامتيازات اللغوية والمضمونية لما يصدر عنهما، الا ان الخطاب التكليفي الامر ليس من مختصات‏الوحي، كما ليس الخطاب الاقناعي ومنهج التفهيم والتفهم سمة حصرية للعقل، كما ان قضايا الوحي ليست فاقدة بمجملهاللبعد العقلاني، كما ان العطاءات العقلية لا تخلو من الهامات ماورائية، بل على العكس من ذلك تماما، ثمة شواهد كثيرة‏على التبادل بين العقل والوحي والتمازج، كما ان هناك ما يؤكد تعاونا مشتركا بينهما ايضا.

اما السر في هذا الاخذ والعطاء، وفي هذا التقارب المتبادل، فلابد من التفتيش عنه في الحقيقة الاتية: ان مخاطبهما معا هوذاك الانسان العاقل الواعي، المتمتع بمزايا واستعدادات وجودية محددة، ولعل هذا هو السبب في تنزل الرسالة الالهية الى‏هذا الحد من اجل البشرية كلها، ولهذا كان الانبياء موظفين وملزمين بمخاطبة الناس على قدر عقولهم ((436))، فرسالة‏الانبياء الالهيين كانت مع تزامنها والوحي الالهي قائمة على توسعة المديات الوجودية للانسان، وتعميق قدرات الوعي‏والادراك عنده بغية تمكنه من كسب الوحي الرباني النازل، ف ;ژرس‏ز÷نزول الوحي الالهي;ژرس‏ز÷ و ;ژرس‏ز÷ تسامي العقل الانساني;ژرس‏ز÷ جهدان‏متنوعان ادتهما الارض والسماء، وكانت الغاية من وراء ذلك تقليص الهوة واختصار المسافة ما بين الوحي والعقل.

ورغم ذلك كله، لا يزال جوهر الاختلاف باقيا، ليبدو في كل حين مظهر من مظاهره، فمن جملة المواقف التي لا يمكن‏غض الطرف عنها رغم كل الانسجام القائم، مسالة حجية قضايا الوحي والعقلانية واعتبارها، وكذلك ما يتصل بالمنهج‏والادوات التي يجري توظيفها لدى الطرفين بغية اقناع المخاطب، ذلك كله رغم ما يؤديه وجود قضايا عقلانية في رسالة‏الوحي، والاستفادة في المقابل من الاحتجاجات والاساليب الدينية من قبل العقل... في تحطيم الحدود وايجاد علاقات‏تواشج متبادلة من الطرفين معا، وكذلك فان هذه الخصوصية تعد من اكثر المميزات شخوصا في هذين المجالين المعرفيين،ذلك انه في هذا النوع من التداخل والاختلاط يمكن ارجاع المدعيات الى مبادئها الاصلية، وتحديد الدائرة الجغرافية‏للكلام.

فالمضامين الدينية المستكنة في الوحي وكذلك اللغة تكتسب اعتبارها وقيمتها نوعا من مصدرها الذي اتت منه، ومن‏ثم فهي لا تنفصل عنه في الحالات كافة، اما المعطيات العقلانية فهي ترتكز اساسا على المنطق والبرهان الداخلي المختزن‏فيها، ووفقا لذلك لا يحق لها اخذ اعتبارها من مصدرها ما دامت استنتاجا منطقيا وسالما من حيث المادة والصورة، كماانها لا تتقبل اي تغيير مهما كان بسيطا نتيجة تاثيرات خارجية.

وقد ادت ملاحظة هذه التباينات والمقارنات ما بين الوحي والعقل، الى اتخاذ اهل النظر والمعرفة مواقف تتسم بالتباين‏والاختلاف، ولم تكن الموائز الموجودة في النصوص المقدسة للاديان بعيدة في تاثيرها عن هذه الاستنتاجات.

لقد عد بعضهم الوحي على تقدير الاعتراف به رشحا من آثار العصر الطفولي للبشر، ومن ثم فقد بلغ النهاية بمجرد بلوغ‏العقل البشري ونضوجه، وهذا الانطباع عن الوحي بلغ درجة اكثر افراطا لدى اعلان عدم حاجة الانسان الى الوحي الالهي‏في عصر العقل والعقلانية((437)) .

وقد اختار فريق آخر الحديث عن الحدود الفاصلة بين العقل والوحي على صعيد الدوائر والمجالات، مستفيضا بذلك في‏الحديث عن تصنيفات زمانية قائمة على منح العقل والوحي حقبات منفصلة، وقد سعى هذا الفريق جاهدا الى الحيلولة‏دون اي تداخل او امتزاج وحتى تعاضد ما بين العقل والوحي في مجاليهما.

والتمظهر المفرط لهذا التيار، تمثل في الغاء الحدود الفاصلة على صعيد المجالات ودوائر العمل بين العقل والوحي، ليخرج في النهاية الى الاعتقاد بان نطاق الوحي آخذ بالانحسار لتتسع في المقابل دائرة الفعل‏العقلي، وذلك بمرور الزمان وتكامل البشرية اكثر فاكثر . ((438)) انطلاقا من مضامين الوحي القرآني، ومن المكانة السامية التي يمنحها القرآن الكريم للعقل الانساني، ورفضه اي نوع من‏انواع التحديد ما بين العقل والوحي، سواء كان تحديدا قائما على اساس التحقيب الزماني ام على تحديد المجالات،انطلاقامن ذلك كله، نجد انفسنا امام نوع جديد ومختلف تماما لعلاقة الوحي بالعقل، علاقة يكسوها ما يمكننا القول انه اهم‏سمة فيها، الا وهو التضامن.

ومقصودنا من حالة التضامن والمعاضدة المثارة في الاسلام بين العقل والوحي امران:

احدهما: ان كل واحد منهما يؤيد الاخر ويكمله ويعضده وثانيهما: انهما معا يستبطنان الكمال الانساني.

ان الرؤية التضامنية بين العقل والوحي، تنبعث من سمة الدمج الاسلامي، ذلك انها تستعيض عن التعارض، ومن ثم عن‏تعطيل احدهما لصالح الاخر وفقا لتحقيب زماني او فرز دائري...، بالاستفادة منهما معا في مختلف الازمنة وعلى الصعدكافة، وهي حقيقة يمكننا لمسها باليد استنادا الى شواهد خارجية وداخلية.

فعلى سبيل المثال، المعجزة المحمدية، اذ كانت بنفسها نصا موحى به (القرآن الكريم) خلافا لمعجزات الانبياءالسابقين((439)) ، فالقرآن الكريم اعجاز ليس فقط لم يخضع عقول الناس، بل انه زاد من اهمية العقل واحكم مكانته بينهم،فلم ينشر الاسلام بين اتباعه ثقافة سوء الظن ازاء العقل والتفكير الانسانيين، ولم يجعل من اشاعة الوحي عاملا من عوامل‏تعطيل العقل او احتقاره وتقزيمه، بل على العكس من ذلك تماما ضاعف من قوته بين المؤمنين وزاد من رفعته‏ومكانته.

ولم يحد القرآن الكريم في سياق استعراضه الوظائف التعليمية للانبياء من دورهم بحصره في انزال الكتب وابلاغهاالناس، وانما جعلهم ملزمين بتعليم الانسان ;ژرس‏ز÷الحكمة;ژرس‏ز÷ ايضا((440)) .

فقد بلغت وصايا القرآن وتعاليمه للمؤمنين في التدبر في الكلام والوحي الالهي، والتعقل وممارسة التفكير في الانفس‏والافاق، والتامل في خالق الكون وناظم الوجود، وكذلك في التفكير في نظام الخلقة والقوانين السارية في العالم، والسنن‏الاجتماعية والتاريخية المسيطرة على الحياة..

بلغ ذلك مبلغا عظيماحتى افقد كل صاحب عذر من المؤمنين عذره في‏تقصيره عن ذلك، ذلك كله مع فتح القرآن الباب على مصراعيه امام الايمان والوحي، من دون ان يجعل دائرة من الدوائر حكرا على‏العقل والتفكير.

فالعقل والفكر في الاسلام ليسا تلك الفاكهة الشيطانية المحظورة التي اتاها الانسان فالتهمها عصيانا وتجرؤا، لتهبطه من‏جنته وتكون سببا في بلائه وشقاوته((441)) ، وانما هما الجوهر الالهي الاكثر اصالة والاغلى ثمنا، الذي استودعه اللّهالانسان، ليبلغ طريقه التكاملي في سيره الى ربه عن طريقه، فيسير به ويقطعه بيسر وسهولة.

ان الاسلام يعتقد بان بذور الايمان ومعرفة اللّه سبحانه تعط‏ي ثمارها في ارض العقل والمعرفة الافضل((442)) .

من هنا يظهر لنا ان مكانة العقل في الاسلام تتسامى وتعلو الى حد يستخدم في حق اللّه تعالى تعابير من قبيل: ;ژرس‏ز÷العقل‏الفعال;ژرس‏ز÷، ويطلق على النبي تعبير ;ژرس‏ز÷العقل الاول;ژرس‏ز÷، ويؤتى على ذكر القوة العاقلة الانسانية بوصفها: ;ژرس‏ز÷النبي الباطني;ژرس‏ز÷((443)) ، وهي‏تعابير بمجملها تقطع الطريق على مختلف محاولات الفصل والتجزي والتشطير والمقابلة التي يمكن ان تمارس بين الوحي‏والعقل.

وهكذا تنطلق آليات الاستنتاج الاصولية بين علماء الكلام على اساس الادعاء الذي يقول: ان العقل الانساني لما كان هومهبط نزول الوحي، وكان الاشخاص السامعون والعاملون بالرسالة الالهية اصحاب عقل وتفكير.. فلا يمكن للوحي الا ان‏ينبني على ملاكات العقل السليم الكاشف عن حقائق الاشياء والامور . ((444)) ان العقيدة الاسلامية، او على الاقل بحسب وجهة نظر فريق كبير من المسلمين المعتقدين بنفوذ مبدا الحسن والقبح العقليين‏في المفاهيم الدينية والوحيية، وقيام الاوامر والنواهي الدينية على اصول عقلانية قبلية.. تحول دون ادنى اشكال المصادمة‏والتزاحم ما بين هذين النبيين الظاهر والباطن، العقل والوحي.

وقد حالت الروح العقلانية المنسابة في النص الموحى به دون تبلور تيار مناهض للفلاسفة وذا منحى اشعري في الفكرالاسلامي على غرار الاتجاه الايماني المحض الذي عرفته المسيحية، رغم كل ما نالته هذه الاتجاهات الاشعرية من‏حفاوة بالغة ودعم سياسي اجتماعي فائق، وارضية فكرية روحية مساعدة، فلم يحصل في التراث الاسلامي ان تواءم‏الاتجاه الاشعري مع النزعة الانسانية والدنيوية في الثقافة الاسلامية، رغم كل ما تمتعت به التيارات ذات الصبغة الاشعرية من قوة وسلطان ونفوذ، الامر الذي ادى بهذا الخط الى الاصطدام على الصعيد العملي والاجتماعي للحياة‏بتناقضات واشكاليات معقدة وثقيلة ((445)).

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية