النصوص الدينية الموجودة، بل هي على العكس تحاول ان‏تعط‏ي هذا الانطباع، وهو انك على مختلف مستويات الفهم للكتب المقدسة وكيفما فسرت النصوص الدينية لا تصطدم‏بالعلم ولا بمعطياته.

ان مثل هذه النظرية، بدلا من ان تحل لنا مشكلة التعارض، تقوم بمصادرة قيمة العلم بالمرة. وبالتالي فهي تقف بوجه جميع‏المحاولات والاليات التي تسعى لاقرار انماط صحيحة وسوية للتعامل بين العلم والدين. وعليه فان هذه النظرية لا يمكن‏ان تحظ‏ى بتاييد الاسلام ومباركته، اذ من الواضح بمكان ان الاسلام يهتم بالعلم ودوره اهتماما بالغا. وهذا لا يتفق مع النظرة‏التي تلغي قيمة العلم وتسعى الى تجاهل اهمية الكشف عن الواقع.

ان الفهم الذي تتوفر عليه الوضعية المنطقية، في ما يرتبط بالقضايا الدينية، حيث تعد مثل هذه القضايا قضايا مبهمة لا معنى‏لها، هذا الفهم يعاني من ثغرات ومشاكل عديدة، ولعل ابرزها واهمها هي تلك التي تطال الاسس والركائز الفلسفية التي‏تبتني عليها الوضعية المنطقية، والحديث في هذا الخصوص يتطلب مجالا آخر خاصا به.

تجدر الاشارة الى ان الوضعية المنطقية هي مدرسة فكرية ظهرت في النصف الاول من القرن العشرين، وسرعان ما واجهت‏نقودا كثيرة من قبل مفكري ذلك القرن وعلمائه.

وكانت حملات النقد بدرجة من الشدة، بحيث ان بعض المفكرين، ممن‏اسهم في التنظير لهذه المدرسة، سلم بوجود مشكلات وثغرات في البناء الفكري لها.

ومن الملفت للنظر ان شخصية بارزة من قبيل ;ژرس‏ز÷آير;ژرس‏ز÷ الذي يعد المؤسس الاول لهذه المدرسة، وممن اسهم في الدفاع عنهامن خلال تاليفه لاهم كتاب في الوضعية المنطقية((512)) قد اعترف بان هذا الاتجاه الفكري يعاني من نقاط ضعف اساسية.ولذا نجده قد اعاد النظر في كتابه في ما بعد وضمنه ملحقا بحث فيه الملاكات التي تجعل من قضية ما قضية ذات معنى‏ومضمون، او تتسمى بموجب تلك الملاكات بالقضية العلمية.

وبذا يكون قد احدث جملة من التعديلات في آرائه وافكاره السابقة، وبالتالي لم تستطع هذه المدرسة الوقوف على‏قدميها، واخذت تؤول الى الافول بالتدريج. وقد اقر ;ژرس‏ز÷آير;ژرس‏ز÷ قبيل وفاته بانه خسر الجولة وان ما قام به من جهد تنظيري لايمكن الركون اليه.

ففي مقابلة اجريت معه في اواخر عمره قال: ان آماله ذهبت ادراج الرياح، وان طموحاته التي كرسها للدفاع عن الوضعية‏المنطقية قد تبددت.

وبالرغم من ان ترسبات المدرسة الوضعية لاتزال عالقة في بعض الذهنيات، وتجد لها بعض الاصداء في بعض المؤلفات‏الدينية والفلسفية وغيرها، الا انها على كل حال قد تصرم اوان رواجها وسيادتها على الاراء الفكرية، اذ قلما تجد اليوم‏مفكرا يتبناها او يدافع عن آرائها.

وفي هذا الصدد يكتب ;ژرس‏ز÷بترسون;ژرس‏ز÷ قائلا: ;ژرس‏ز÷في الوقت الراهن، فان الاسس التي تبتني عليها الوضعية المنطقية ليست مرفوضة‏من قبل الدين فحسب، بل ان العلم ايضالم يعد يتفق مع تلك الاسس، ولذا فانت لا تجد فيلسوفا معتدا به((513)) يسمح بان‏يقال عنه انه فيلسوف وضعي;ژرس‏ز÷((514)) .

ان الطريق الذي تقترحه الوضعية المنطقية في معالجتها لاشكالية التعارض بين العلم والدين يكمن في افراغ الدين من‏كل‏معنى ومضمون، وتاسيسا على ذلك تضحي القضايا الاخلاقية والدينية، على حد قولها، سخافات يهجس بها النائم في‏نومه، لا تفيد معنى محصلا ولا تتضمن اخبارا عن الواقع الخارجي. وطبيعي ان مثل هذا الطريق يؤدي الى تضعيف الدين‏بل يجهز عليه بالكامل، لتصير المعارف الدينية سلسلة قضايا خاوية وفارغة. كما ان هذا الطريق يخرج حتى التعاليم الدينية‏التي لا تقع في دائرة التعارض مع العلم، يخرجها من عالم المعاني فتعود قضايا خالية من المضمون والمعنى.

وبالتالي‏فان‏مثل هذا التلق ي سيجرد الاخلاق والفلسفة من قيمتهما العلمية، بالاضافة الى الدين.

مع بقية المعالجات المقترحة في ضوء اشكالية التعارض قبل الاسترسال في تقييم الحلول والمعالجات الاخرى، نرى من الضروري تحرير الاجابة من هذا التساؤل المشروع،وهو: هل هناك ثمة الزامات تحتم علينا اقتفاء اثر المتكلمين المسيحيين الجدد في حل اشكالية التعارض بين العلم والدين‏بالنسبة الى الدين الاسلامي؟ وهل المنطق السليم يساعد على مثل هذا المنهج؟ وفي الاجابة عن هذا التساؤل نقول: ان الاستقلال الفكري والثقافي يحتم علينا ان نتوفر على قراءة واعية لديننا، نقف من‏خلالها على اوجه التمايز بين الاسلام وبين سائر الاديان الالهية الاخرى، ومن ثم القيام بدراسة متانية للموروث الغربي في‏ما يرتبط باللاهوت المسيحي وفلسفة الدين، لنرى مدى امكانية الافادة من هذا المعنى في حل الاشكاليات المطروقة في‏دائرة الفكر الاسلامي، ومنها اشكالية التعارض بين العلم والدين.

وطبيعي ان هذا اللون من التعاط‏ي مع الموروث الاخر قد يزج بالانسان في مهاوي الافراط او التفريط، اذ على الرغم من‏صحة ما يقال من ان الاطلاع على الموروث الكلامي والتفسيري والفلسفي للاديان الالهية يسهم في انتاج رؤية‏اكثرعمقاعن الدين الاسلامي، الا انه من الصحيح ايضا القول: ان عدم توخي الدقة بالقدر الكافي في تعميق ما يحمله‏التراث الاخر من معطيات وافكار الى الاسلام وتسريبه قد يلقي بنا من حيث لا ندري في جملة من المغالطات‏والتناقضات.

من هنا بالذات نعتقد بانه للوصول الى رؤية واضحة وسليمة عن اي من الاراء والنظريات الكلامية المسيحية، لا بد من‏دراسة الظرف التاريخي الذي احاط بذلك الراي او تلك النظرية في مجال اللاهوت المسيحي. ولا ريب في ان الاهتمام‏بهذه النقطة بالذات في تحليل المعالجات المقترحة في الغرب لحل مسالة التعارض بين العلم والدين بامكانه ان يعيننا في‏تحديد مدى امكانية الافادة من هذه التنظيرات في معالجة هذه الاشكالية في اطار المضمون الاسلامي.

واذا القينا نظرة الى الخلفية التاريخية التي اسهمت في بلورة الاراء والنظريات الكلامية في اللاهوت المسيحي، سنجد ان ماحمل فلاسفة الدين ومتكلمي المسيحية على انتاج هذه الافكار، هو وجود موارد صدام وتعارض شديدة بين تعاليم‏الانجيل والتوراة من جهة، وبين العلوم التجريبية والعقل الانساني من جهة اخرى. ولم يكن في البين طريقا لحل هذه‏التعارضات سوى هذه الافكار والمعالجات، اذ كيف يمكن للانسان المتعلم بالعلوم العصرية والمزود بمعطيات العلوم‏التجريبية ان يستسيغ او يوافق على ما تحمله المسيحية المحرفة من عقائد موهومة من قبيل: فكرة الاقانيم الثلاثة (الاب‏والابن وروح القدس)، وفكرة التجسيم او حلول اللّه في المسيح، وصك الغفران، وهبوط الرب الى الارض وتصارعه مع‏النبي يعقوب وبالتالي هزيمته امام يعقوب، ومركزية الارض ودوران الشمس حولها، الى غير ذلك من عقائد مناوئه للعقل‏والتجربة؟ اما بالنسبة الى الاسلام، فانك لا تجد اثرا لمثل هذه الافكار والمقولات.

ومن الملاحظ ان رسالة الاسلام، اي القرآن الكريم، بقي مصونا من عادية التحريف، ولم يختلط بخرافات وعقائد مخالفة‏للعلم والعقل. واذا كانت هناك ثمة تعاليم تبدو متعارضة مع العلم، فان هذا التعارض انما هو تعارض بدوي، وهناك طرق‏وآليات يرتضيها العقل لرفع مثل هذا التعارض.

ومما لا شك فيه ان المسيحية لو كانت ديانة كاملة خالية من النقص والتحريف، لما اقتضت الضرورة لان يبعث اللّه عزوجل‏دينا جديدا ورسولا آخر الى البشرية، اذ ان التحريف الذي يطال الدين ايا كان المتمثل بتسلل جملة من العقائد الباطلة‏والسقيمة الى حظيرته، يجعل الدفاع عنه والتماس المبررات والذرائع لسد الثغرات الموجودة فيه امرا صعبا بل‏متعذر.

تجدر الاشارة هنا الى ان الدفاع عن العقائد المسيحية والسعي الى اخراجها بشكل مقبول ومنطقي، ذلك كله اسهم في بلورة‏عدة بحوث عميقة ودقيقة ومتشعبة في ما يرتبط بلغة الدين والتحليل الفلسفي للمعتقدات الدينية وغير الدينية.

والملاحظة التاريخية، في تقييم هذه الافكار والاتجاهات، تدل بوضوح على ان الغرب يشكل الارضية المناسبة لنشاة‏جميع تلك الاتجاهات وتبلورها. والسبب في ذلك يعود الى التعارض الجاد بين العقائد الدينية وبين معطيات العلم‏والفلسفة، والذي كان يسود الاجواء الفكرية في ظل رغبة اكيدة وجادة تسعى للحفاظ على الدين والتدين مهما امكن، اذان‏الكثير ممن اسهم في تاسيس هذه الافكار والنظريات، او روج لها، كان يهدف بالاساس الى حل التعارض بين العلم‏والدين، وصيانة حظيرة الدين. فمعالجاتهم وتنظيراتهم هذه تاتي في اطار السعي لمنع الناس من ان ينفضوا عن الدين‏بالكامل.

وبالتامل في المسالك المتبعة في معالجة اشكالية التعارض نجد انها اي المسالك تفرض مسبقا وجود خصائص ذات‏طابع اشكالي ومثير. وهذا يعني اننا لا يسعنا الافادة من هذه المسالك في حل اشكالية التعارض داخل دائرة الدين‏الاسلامي، اذ من الواضح ان الافادة من هذه المسالك في دائرة الاسلام لا تخدمنا في رفع التعارض المتطور، كما انه لايتفق مع اساسيات الاسلام ومبانيه.

وبما ان جملة من هذه الخصائص جاءت مشتركة في العديد من المسالك التي عرضت لحل التعارض، لذا راينا من المناسب ان نبحث هذه الخصائص التي وصفناها بانها تحمل طابعا اشكاليا، بدلا من الخوض في‏التيارات والمدارس التي استعرضنا منذ قليل معالجاتها وحلولها في ما يرتبط باشكالية التعارض.

1 تفريغ النصوص الدينية من مضامينها الحقيقية ومحتواها الاصلي الملاحظ ان اغلب النظريات التي عرضناها وتحدثنا عنها يلزم منها رفع اليد عن الكثير من عبارات الكتاب المقدس.فمثلا يذهب ;ژرس‏ز÷اوغسطين;ژرس‏ز÷ الى ان جميع ما ورد في الانجيل، في ما يرتبط بالعلوم، قابل للتاويل. كما ان الكنيسة الكاثوليكية‏في روما وكثيرا من الفرق البروتستانية الرئيسية ايضا لا ترى ضرورة في حمل عبارات الانجيل على معانيهاالحقيقية.

وكذا الحال بالنسبة الى الارثوذوكسية الجديدة واللاهوتية الليبرالية (الكلام الليبرالي او التحرري)، حيث تعتقد بانه ينبغي‏الا نتعاط‏ى مع المعاني الحقيقية للنصوص المقدسة بجد. حيث يسلم اتباع هاتين المدرستين بمعطيات العلم الحديث‏بالكامل،ولا يرون ثمة تناقص بين النظريات العلمية والمعتقدات الدينية. وحتى اللاهوتي الوجودي ;ژرس‏ز÷بولتمن;ژرس‏ز÷، تجده‏يحل‏التعارض الموجود من خلال تجاوز المعاني الحقيقية لعبارات الكتاب المقدس، فيذهب الى ان الكثير من عبارات‏الانجيل تحمل طابعا اسطوريا، ولذا تراه يحاول جاهدا ان يترجم تلك العبارات الى لغة الامال والهواجس والاعمال.

فمثلايكتب ;ژرس‏ز÷بولتمن;ژرس‏ز÷ قائلا: ان قضية رجوع المسيح الى الحياة الدنيا((515)) ليس حدثا واقعيا، بل هو بمعنى تجديد العهدبالمسيح(ع). فمثل هذه الحادثة العودة الى الحياة بعد الموت وقعت للرواد الاوائل من اصحاب المسيح ورسله، واليوم‏بامكان هذه الحادثة ان تتكرر في حياة الانسان المؤمن، وذلك عندما يغمره الاحساس بانه قد غفر له بوساطة‏المسيح((516)) .

وكذا الامر بالنسبة الى ما تحدث به الانجيل في خصوص خلق العالم ومبدئه، اذ يجب ان لا نحمل هذا الكلام على معناه‏الحقيقي، بل هو كلام رمزي يدل على جمالية العالم وارتباطه الوثيق باللّه تعالى في كل لحظة وآن.

ان الوجودية المسيحية لدى ;ژرس‏ز÷بولتمن;ژرس‏ز÷ لا تريد منه تجاوز عبارات الانجيل المعارضة للعلم فحسب، بل تدعوه الى التصرف‏في الكثير من المعاني الحقيقية الاخرى التي يتضمنها الكتاب المقدس.

ولا ريب في ان ما يترتب على اغلب الاراء التي استعرضناها هنا في دراساتنا هذه، من لزوم رفع اليد عن المعاني‏الظاهرية والحقيقية لعبارات الكتاب المقدس، لا يمكن الالتزام به بالنسبة الى الاسلام.

ولعل هناك من يتصور ان هذا الحل رفع اليد عن المعاني الحقيقية والظاهرية للنص يخدم كلا من العلم والدين، ويحمي‏ساحة الدين من الوقوع في محذور التعارض مع العلم.

ولكن بالتامل يبدو ان هذا الطرح لا يعد حلا لموارد التعارض، وانمايعد تكريسا لسيادة العلوم الانسانية والتجريبية على الدين في موارد التعارض، والحكم بلزوم تقديم هذه العلوم على الدين‏دائما وابدا، ما يؤدي بالتالي الى تضييق دائرة الدين ومصادرة كل قيمة معرفية للدين.

والواقع ان هذا اللون من التعاط‏ي يؤدي الى تفريغ التعاليم القرآنية والروايات من مضامينها. وبذا لا يبقى للدين اي دورعملي في المجتمع، وقد حمل هذا التفكير المتكلم المسيحي الشهير ;ژرس‏ز÷بريث ويت;ژرس‏ز÷ على القول: ان الرؤى الدينية لا يمكن ان‏نعتقد بصدقها وصحتها.

2 تعميم المعالجات وما يترتب عليها من نتائج الى غير موارد التعارض من الملاحظ ان النظريات المطروحة كانت في صدد رفع التعارض، الا ان الحلول المقترحة من قبل اصحاب هذه‏النظريات لم تختص بموارد التعارض، فمثلا ما يذهب اليه ;ژرس‏ز÷اوغسطين;ژرس‏ز÷ من ان روح القدس لم يشا ان يزج بالناس في امورلا علاقة لها بمسالة الخلاص والفوز في خاتمة المطاف، يكشف عن وجود ارتكاز ذهني لديه مفاده ان ما يتعلق بالعلوم‏الطبيعية من امور خارج عن دائرة الكتاب المقدس.

اذ من المتوقع من هذا الكتاب هو بيان معالم طرق الخلاص والنجاة في الاخرة. وبذا يخلص ;ژرس‏ز÷اوغسطين;ژرس‏ز÷ الى هذه الكبرى،وهي: ;ژرس‏ز÷ان كل القضايا المرتبطة بالعلوم التجريبية والتي وردت في الانجيل يمكن ان نتاولها الى معان مجازية، بحيث ان رفع‏اليد عن معانيها الحقيقية يضحي امرا طبيعيا وممكنا في الوقت نفسه;ژرس‏ز÷.

ونحن بدورنا نسلم بصحة النقطة التي انطلق منها ;ژرس‏ز÷اوغسطين;ژرس‏ز÷ في معالجته هذه، وهي ان الهدف من ارسال الكتب السماوية‏هو هداية البشرية. الا ان النتيجة التي خلص اليها تصادر قيمة الكتاب المقدس وشانه واعتباره بالكامل. فلو كانت القضية‏بهذه الدرجة من السهولة، بحيث يمكننا تاويل جميع النصوص المتضمنة لمعلومات ترتبط بالعلوم الطبيعية ببساطة استنادا الى قاعدة كلية، فسوف نكون امام جملة من التساؤلات المشروعة، وهي: لماذا زود اللّه تعالى البشرية بقضايا ترتبط‏بالعلوم التجريبية هي في واقعها باطلة، حتى يضطر بعض منا الى التاويل ولو قدر للبشرية الا تعي بطلان مثل هذه العقائد ببركة العلم، فهل كان على البشرية ان تبقى في ظلماء الجهل المركب‏وتصر على عقائدها الخاطئة بسبب التعاليم المسيحية؟ واذا كان علينا ان نقصي القضايا التي لا ترتبط بمسالة الخلاص والفوز في الاخرة ونتجنبها، فلماذا جاء اللّه تعالى بمثل هذه‏القضايا في التوراة والانجيل؟ اما ما تقترحه الكنيسة الكاثوليكية في روما، ويوافقها في ذلك العديد من فرق البروتستانت التي استحدثت في القرن‏العشرين، من انه يجب الا نتعامل مع عبارات الانجيل ونصوصه بجد، اذ لا توجد ثمة ضرورة تستدعي حمل عبارات‏الانجيل على معانيها الحقيقية، فهو يعاني من ثغرات ومشكلات اكبر قياسا بما طرحه ;ژرس‏ز÷اوغسطين;ژرس‏ز÷ من نظرية في المقام. فاذاكان ;ژرس‏ز÷اوغسطين;ژرس‏ز÷ يتعامل مع نصوص الكتاب المقدس وعباراته المرتبطة بالعلوم التجريبية بروح تسامحية، وعدم اكتراث،فان الكتاب الكاثوليك الجدد يجعلون موقف ;ژرس‏ز÷اوغسطين;ژرس‏ز÷ هذا يشمل جميع مضامين الانجيل.

اما بالنسبة الى التيارات والمذاهب الاخرى، من قبيل: ;ژرس‏ز÷الكلام الليبرالي;ژرس‏ز÷، و;ژرس‏ز÷الارثوذوكسية الجديدة;ژرس‏ز÷، و;ژرس‏ز÷الوجودية;ژرس‏ز÷،و;ژرس‏ز÷مدرسة التحليل اللغوي;ژرس‏ز÷، فقد اصدرت هي الاخرى حكما عاما يطال جميع مضامين الانجيل ومحتوياته. حيث تقترح‏هذه المذاهب ان يتم التفكيك الكامل بين حظيرة (دائرة)، العلم وحظيرة (دائرة) الدين. وهذا يعني ان القضايا الدينية برمتهاليس لها اي قيمة علمية او معرفية، سواء منها القضايا التي تتعارض مع العلم، ام التي لا تتعارض معه.

ولا شك في ان القبول بهذه المقترحات لا يدع مجالا لتطبيق اى من التعاليم الدينية، حتى التعاليم التي لا تعارض معطيات‏العلوم التجريبية. اذا ما اقترحته المذاهب الغربية في معالجة اشكالية التعارض بين العلم والدين، هو في الواقع مصادرة‏جميع المعاني الحقيقية التي تتضمنها الكتب المقدسة، او الحكم بفصل دائرة العلم عن دائرة الدين. في حين اننا اذا توصلناالى حل في خصوص موارد التعارض، فلا معنى لان ننقل المشكلة الى كل الكتاب المقدس بجميع نصوصه.

لنفرض ان كتابا ما دينيا او غير ديني يتعارض مع معطيات العلم الحديث في جميع نصوصه، ومملوء بالخرافات‏بدرجة لا تجد فيه ولا جملة واحدة تتسم بالعقلانية، مع ذلك كله فان المقترحات التي طرحتها المسالك والتيارات التي‏استعرضناها في هذه الدراسة لا تكفي لرفع التعارض القائم، وذلك لاننا اذا صادرنا جميع ما ورد في الكتاب من‏معان‏ومضامين حقيقية، واعتبرناها قضايا وعبارات رمزية، ورحنا نحملها على ما شئنا من معان نستهويها نحن، ففي مثل‏هذه الصورة، لا يبقى هناك تعارض بين مضامين الكتاب وبين العلم والمنطق البشريين.

والواقع ان كتابا مليئا بقضايامعارضة للعلم الحديث، ويحتم علينا حلول ومقترحات من هذا القبيل لرفع مافيه من التعارض، يحملنا على ان نقدم‏اقتراحا بالغاء الكتاب والاستغناء عنه الى الابد.

3 الاصرار على القول: ان نصوص الكتاب المقدس ليست مصونة عن الخطا، والتاسيس لتفسير جديد لظاهرة‏الوحي تذهب اغلب المسالك التي اشرنا اليها، في دراستنا هذه، الى عدم صون نصوص الكتاب المقدس عن الخطا. كما ان الكثيرمن التقليديين واغلب الفرق البروتستانتية هم ايضا يؤكدون هذا الراي. اضف الى ذلك ان منظري الارثوذوكسية الجديدة‏واللاهوت الليبرالي (الكلام الليبرالي) لا يعدون الكتاب المقدس وحيا مباشرا من اللّه، بل يعدونه كتابا خط بيد بشرية،وبالتالي فهو يحتمل الخطا كما يحتمل الصواب. وعليه لا توجد هناك ضرورة تستدعي ان تحمل المعاني الحقيقية لعباراته‏على محمل الجد.

فالارثوذوكسية الجديدة لا تعد الانجيل وحيا الهيا، بل تعده مجموعة تفاسير مختلفة لوقائع ترتبط بالوحي دارت احداثهافي عهد بني اسرائيل والانبياء عليهم السلام والسيد المسيح(ع) والرواد الاوائل ممن لبوا نداء المسيح في اول كنيسة ظهرت‏على مسرح التاريخ.

فنصوص الكتاب المقدس تتضمن في الواقع تفاسير مختلفة لتلك الاحداث. من هنا يبدو ان التوفر على تفسير جديدللوحي هو الذي يبرر ظهور هذه المقترحات والمحاولات لرفع التعارض. فعندما يتم التعاط‏ي مع الوحي على انه جهدبشري مكتوب، يحتمل الخطا والصواب معا، فحينئذ لا تبقى هناك ثمة ضرورة للتعامل مع المعاني الحقيقية لعبارات‏الكتاب المقدس على نحو الجد.

والملاحظ ان محاولات من قبيل التاكيد على عدم صون الكتاب المقدس عن الخطا وصياغة تفسير جديد للوحي لايمكن ان تحظ‏ى بتاييد الاسلام ومباركته، فليست القضية هي قضية كتاب سماوي يدعى الانجيل، نزل من قبل اللّه تعالى‏على السيد المسيح، والمسيح بدوره بلغه الى الناس، والمسيحيون اليوم يوجد لديهم اصل الكتاب المقدس كما توجد لديهم‏تفاسير متعددة له، وانما القضية التي يطرحها اصحاب هذه المدارس هي ان النص الاصلي للكتاب المقدس ليس بايدينا.وما هو متعارف بيننا باسم الانجيل هو في الواقع عبارة عن تفسير للوقائع المتعلقة بالوحي، والتي حدثت في حياة‏المسيح(ع).

من هنا يتبين ان قياس القرآن بالانجيل، والسعي لتعميم طرائق المتكلمين المسيحيين في حل التعارض المدعى بين‏الاسلام والعلم هو قياس مع الفارق، وهو خطا عظيم وخطل كبير. فلو اريد ان تكون هناك مقارنة بين الاسلام والمسيحية‏في خصوص اشكالية التعارض بين العلم والدين، فلا بد من ان تكون بالصيغة الاتية:

ان تدرس مسالة تعارض الانجيل مع العلم من جهة، والتعارض بين العلم وبعض التفاسير التي دونها اناس يحتمل في حقهم‏الخطا من جهة اخرى. ثم يصار الى المقارنة بين الحصيلتين.

ولا ريب في ان ما يكتب بيد بشرية غير معصومة يحتمل حدوث الخطا فيه، ولكن السؤال المطروح هو: ما مدى صحة‏انطباق التفسير الذي يتوفر عليه اتباع المذاهب المسيحية في حل اشكالية التعارض في الاسلام؟ او قل: ما هي علاقة هذاالتفسير للوحي بوجهة نظر الاسلام؟ فهل القرآن كتاب بشري يحتمل الخطا كما هي الكتب البشرية الاخرى؟ ان الاعتقاد بان القرآن يحتمل الخطا لا يتفق مع موقف الاسلام ازاء القرآن، كما يخالف اصول هذا الدين ومرتكزاته، اذالقرآن ليس تفسيرا للوحي النازل على قلب الرسول محمدغ، بل هو الوحي الالهي نفسه. والوحي في الاسلام هو الكلام‏الالهي عينه نزل به جبرئيل على الرسول محمدغ من دون اي زيادة او نقصان، او تفسير يضاف الى نص القرآن.

ويشكل العقل والنقل مصدرين اساسيين في الاسلام، بحيث ان النيل من احدهما يعد مصادرة لاهم مصادر التعرف وطرقه‏على الاسلام. في حين ان هذين الاثنين العقل والنقل قد فقدا مكانتهما في الكلام الليبرالي (اللاهوت الليبرالي).

4 حصر الدين في الجانب الفردي والغاء المدلول الاجتماعي له يترتب على الكثير من التصورات التي اوردناها، في ما يرتبط باشكالية التعارض بين العلم والدين، ان الايمان امر فردى‏وقلبى، ومن ثم فلا علاقة له بالمجتمع والقضايا الاجتماعية. ولا شك في ان مثل هذه النظرة الى الدين تتضمن مصادرة‏الكثير من التعاليم القرآنية ونسفها، وهذا ما لا يرتضيه الاسلام ابدا.

ويشارك بعض المفكرين الغربيين المسلمين في رفضهم لهذه النظرة للدين، من امثال ;ژرس‏ز÷ايان باربور;ژرس‏ز÷ الذي ابدى تحفظه عن‏هذا الموقف من الدين وانتقاده له((517)) .

ان نظرة عابرة لحجم الايات القرآنية والروايات الواردة عن الائمة المعصومين عليهم السلام والتي تعنى بالابعاد الاجتماعية‏في حياة البشرية، ومقارنة هذا الحجم الكبير بالايات والروايات الواردة في خصوص المجال الفردي للحياة، تبين بما لامزيد عليه بطلان هذه النظرة وتهافتها.

5 الحيلولة دون قيام تعامل بناء بين العلم والدين ما طرحه المفكرون الغربيون من حلول ومقترحات في خصوص اشكالية التعارض، سواء منها تلك التي فككت بين‏دائرتي العلم والدين، ام التي تدعو الى اهمال المضامين الحقيقية للكتب المقدسة وعدم التعاط‏ي معها على نحو الجد،باعتبارها غير مرادة جدا من قبل مرسلها، وجميعها تسهم في قطع سبل التواصل والتعامل بين العلم والدين، وتوسيع الهوة‏بينهما، اذ من الواضح ان الحديث عن التواصل بين العلم والدين انما يتجه اذا سلمنا سلفا بهذه الحقيقة، وهي ان الدين كماهو العلم يرتكز على اسس معرفية رصينة، ورؤية للكون والانسان ذات قيمة معرفية. ولكي نبحث عن آلية معينة تكفل لنااقامة علاقة تعاملية بين العلم والدين، لا بد من ان نكون قد انتهينا في مرحلة سابقة‏من البحث الى ان كلا من العلم والدين‏بامكانه ان يزودنا برؤية معرفية اي رؤية مولدة للمعرفة عن اللّه والانسان. ولا بد لهذه الرؤية من ان تكون واقعية بمعنى‏انها تحكي الواقع وتكشف عنه. اما اذا لم نتعامل مع المضامين الحقيقية للنصوص القرآنية والتراث الاسلامي على نحوالجد، وغضضنا الطرف عنها، او قلنا بمقولة ;ژرس‏ز÷بريث ويت;ژرس‏ز÷ من ان القضايا الدينية لا تقبل الحكم عليها بالصدق او الكذب ولاتوجد ضرورة لان ندين بها او نعتقد بها، فبالتالي لا يبقى هناك مجال للحديث عن اوجه التواصل بين العلم والدين.

وقد التزم اغلب المتكلمين الذين استعرضنا نظرياتهم توا بهذا اللازم، وهو نفي امكانية التعامل بين العلم والدين وصرحوابذلك. فعلى سبيل المثال يرى مفكرو الارثوذوكسية الجديدة وبعض منظري الوجودية الدينية ان العلم والدين احدهمامنفك عن الاخر انفكاكا تاما، كما ان مجال عمل كل واحد منهما مستقل عن الاخر ومتميز عنه بالكامل، مستدلين بذلك‏على عدم امكانية ايجاد اي لون من الوان التعامل بين العلم والدين.

ما يؤكده هؤلاء من عدم وجود علاقة بين الدين والعلم بدعوى اختلافهما في المنهج لا يمكن القبول به بحال. صحيح ان‏العلم والدين لا يشتركان معا من حيث المنهج والموضوع والغاية والمجالات التي يرتادها كل واحد منهما، لكن الصحيح‏ايضا ان هذين العاملين ليسا خلوا من نقاط الالتقاء والتقارب.

فالى جانب المجالات التي يستقل فيها كل واحد منهما عن الاخر، هناك مجالات اخرى تبرز فيها موارد التقاء وتقارب‏عديدة بين هذين الاثنين.

لا شك في ان منهج البحث الذي يختاره العلم يختلف عن منهج البحث في المجال الديني، كما ان الغاية التي ينشدها الدين‏لا تتفق مع ما يرمي اليه العلم من اهداف اهمها بيان القوانين والمرتكزات التجريبية التي تحكم الطبيعة والمادة، اذ من‏الواضح ان الهدف الذي يتوخاه الدين هو هداية الانسان في المجال الفردي والاجتماعي، الا انه في الوقت نفسه لا بد من‏التاكيد على وجود العديد من المسائل المشتركة بين الاثنين في جملة‏من الموارد، فمثلا في العلوم التجريبية يتمركز البحث‏العلمي على الطبيعة المادية، اما في العلوم الانسانية فان البحث العلمي موضوعه الانسان.

اما الاسلام فهو، وان كان يختلف بطبعه عن العلم، يحتفظ لنفسه برؤية خاصة ازاء الكون والانسان. من هنا نخلص الى‏القول بوجود محاور مشتركة للحوار بين الدين والعلم خصوصا في ما يرتبط بالعلوم الانسانية بامكانها ان تمهدالارضية المناسبة للتواصل بين الاثنين وبالتالي يمكن القول: ان الاختلاف في المنهج وطبيعة البحث لا يحول دون امكانية‏تحقق تعامل بناء بين العلم والدين، كما لا يؤثر هذا الاختلاف سلبا على المحاور المشتركة بين الطرفين.

بقي هنا ان نشير الى هذه النقطة، وهي ان ما نقصده هنا من مفردة الدين هو الاسلام بمعناه الخاص ;ژرس‏ز÷اي دين النبي محمد غ;ژرس‏ز÷وليس المقصود الاديان الالهية الاخرى. كما لا نقصد به ما يصطلح عليه في عصرنا الحاضر دينا، في مذاهب كالبوذية،والشنتو، والزرادشتية، والطائوية.

وبالطبع فان القول بانفصال العلم عن الدين وتعذر امكانية التعامل بينهما نتيجة افراز طبيعي للمناهج التي تبناها الغربيون‏في معالجتهم لاشكالية التعارض بين العلم والدين يشكل بنفسه مؤشرا قويا على ان تلك الحلول والمقترحات التي ذكرناهاآنفا لا يمكن تطبيقها او اسقاطها على الاسلام، حيث يؤكد الاسلام على وجود تعامل وترابط وثيقين بين العلم والدين،وبالتالي فهو يرفض جميع الحلول التي تسعى الى الاجابة عن اشكالية التعارض بينهما من خلال الغاء اوجه الترابط بينهماومصادرتها. اضف الى ذلك، ان تفكيك اواصر الارتباط بين العلم والدين سيعود بالضرر على الجانبين، في حين ان التواصل‏بينهما سيخدمهما معا.

فالنظرية العلمية، اذا سلم بصحتها، يمكنها ان تكون منبها يفاد منه في تصحيح بعض النظرات او الرؤى الدينية. والعكس‏ايضا صحيح، فقد يطرح الدين رؤى او تعاليم يمكنها ان تفتح امام البحث العلمي آفاقا فكرية جديدة، وتسهم في تبلورنظريات علمية جديدة، خصوصا في المجال الانساني، وبالتالي تبين عظمة المعطيات العلمية التي تتوافر عليها تعاليم‏الوحي، اذ لا شك في ان الايات والروايات تتضمن الكثير من الامور والاشارات العلمية، اكتشفها العلم الحديث مؤخرا وبعدان مر على صدورها مئات السنين من الزمن.

في ضوء هذه التجربة التي شهدها تاريخ العلم، من المناسب الدعوة الى تبني مشروع علمي يهدف الى بحث النظريات‏المنبثة في القرآن الكريم والروايات الموثقة في مجال العلوم التجريبية والانسانية، والتي لم يتوصل اليها العلماء بعدواستكشافها. ان مثل هذا المشروع البحثي لربما يرشد العلم الى نتائج وانجازات جديدة.

الحل المقترح لرفع دعوى التعارض بين العلم والدين اتضح مما سبق ان الحلول التي ادلى بها المتكلمون الغربيون لحل اشكالية التعارض بين المسيحية والعلم لا تجري بالنسبة‏الى الاسلام، وذلك لما يترتب عليهامن لوازم باطلة لا يمكن الالتزام بها.

اضف الى ذلك ان الحلول المقترحة انما جاءت لمعالجة عقائد باطلة تضمنها كل من الانجيل والتوراة الحاليين. وهذا يعودالى وجود فارق جوهري بين الاسلام والمسيحية، وكذا بين القرآن الكريم وبين كل من الانجيل والتوراة. كما ان وجودفوارق اخرى بين الاسلام والمسيحية تجعل المقارنة بين هاتين الديانتين، في ما يخص التعارض مع العلم، وكذلك الحلول المطروحة لدفع التعارض، امرا صعبا.

من هنا كان لا بد من التذكير باختصار بعدة نقاط قبل ان نتحدث عن الحل الذي نتبناه في حل اشكالية التعارض هذه.واليك النقاط كالاتي:

1 ان الافكار والرؤى التي تؤكد على التعارض بين العلم والدين، والتي حفل بها الغرب على مر تاريخه، انتقلت الى‏المجتمعات الاسلامية بحيث وجد هناك من يعتقد بان الاسلام كالمسيحية، هو الاخر يعاني من تعارض جاد بينه وبين‏العلم، في حين ان التعارض الموجود بين تعاليم العهدين من جهة، وبين معطيات العلوم التجريبية من جهة اخرى والذي‏قد يصل الى درجة التكاذب والتنافي لا نجد له اثرا في الاسلام. واذا كنا نتحدث عن الاساليب الممكنة لرفع التعارض‏بين العلم والاسلام فهذا لا يعني ان هناك موارد تعارض وتصادم بين الطرفين يسلم بها، ونحن نريد ان نجرب حظنا في‏معالجة هذه الموارد. والمقصود هو الاجابة عن هذا السؤال المقدر: اذا واجهتنا بعض الموارد التي قد توهم بوجود ثمة‏تعارض بين تعاليم الاسلام وبين معطيات العلوم التجريية، ماذا نعمل حينئذ؟ وكيف علينا ان نتعامل مع هذه المشكلة؟اذاالحديث عن التعارض بين العلم والدين بالنسبة الى المسيحية هو في الواقع حديث عن تعارض موجود ومستقر وقائم‏بالفعل.

اما عندما نتطرق الى هذا البحث في خصوص الاسلام، فاننا نتحدث عن تعارض محتمل وظاهر وغير مستقر قد يبدوللوهلة الاولى.

2 بعض الموارد التي تطرح على بساط البحث، بوصفها اوجها من وجوه التعارض بين الانجيل والعلم لا يمكنها بحال ان‏تصدق على القرآن، بل لا يمكن التسليم بها بالنسبة الى الانجيل نفسه ايضا.

فمثلا من الموضوعات التي طرحت في الغرب وبحثت باسهاب، دور اللّه والملائكة والعوامل الغيبية في ادارة هذا العالم.ففي كل يوم يطرح فيه العلم الحديث نظرية جديدة لتفسير ظاهرة من ظواهر الكون والحياة يعد ذلك تراجعا لدور اللّهوالدين على الارض، في حين ان هذا التلقي يعود بالاساس الى افتقاد الغرب لصياغة نظرية ميتافيزيقية متكاملة كالتي‏يتوافر عليها الاسلام. من هنا نجد ان اغلب المتكلمين الغربيين ليس لديهم بيان فلسفي متماسك لتفسير فاعلية اللّه ودوره‏في العالم، في حين ان الفلاسفة المسلمين استطاعوا ان يجتازوا هذه المشكلة بنجاح.

3 تتمركز جل الدراسات الغربية التي تعنى ببحث اشكالية التعارض بين العلم والدين حول تعارض العلوم التجريبية مع‏الدين. في حين ان وجهة نظر الاسلام لا تتقاطع اساسا مع النظريات والاكتشافات التي ثبتت صحتها. وقد قام ;ژرس‏ز÷وايت;ژرس‏ز÷بتاليف كتاب ضمنه دراسة مفصلة لتاريخ العلم والدين في المسيحية. وبالرغم من ان الكتاب صدر منذ زمن بعيد الا انه لايزال حتى الان يصنف ضمن المصادر التراثية المهمة((518)) .

في كتابه هذا قام ;ژرس‏ز÷وايت;ژرس‏ز÷ باستقصاء موارد التعارض بين المسيحية والعلم. ويلاحظ ان 99 بالمئة من المواد المذكورة ترتبط‏بالعلوم التجريبية. واذا راجعنا سائر المصادر الغربية الاخرى، في ما يرتبط بالعلم والدين، فسنحصل على مؤيدات وشواهدكثيرة تقرر هذه النقطة بالذات.

4 ان ثمة مقارنة بين الاسلام والاديان الاخرى تؤكد لنا نقطة مهمة، وهي ان الدين الاسلامي يتمتع بقدرات اكبر لانتاج‏رؤى مهمة وذات جدارة عالية في مجال العلوم الانسانية قياسا بالاديان والمذاهب الاخرى، بالرغم من انه قد تبدو هناك‏بعض التعارضات بين معطيات العلوم الانسانية، وبين التعاليم الاسلامية. لكنا نؤكد هنا مرة اخرى انه في خصوص العلوم‏الانسانية لا يوجد هناك تعارض بين الاسلام والمعطيات التجريبية. فمثلا عندما يكتشف علماء النفس من خلال المشاهدة‏والتجربة وجود مقاطع زمنية خاصة في عمر الطفل ينمو فيها نموا حسيا وحركيا، فان الاسلام لا يعارض مثل هذه‏الاكتشافات والدراسات. واذا كانت هناك موارد تعارض فهي تختص بالنظريات التي تستند الى استنتاجات عقلية واسس‏فلسفية اكثر من استنادها الى المشاهدة والتجربة.

ملخص القول: ان ما يطرحه المتكلمون الغربيون من تعارض بين العلم والدين يرتبط بالعلوم الانسانية ويختص بالنظريات‏التي تبتني على اسس نظرية وفلسفية مادية والحادية، بعيدا عن المنطق التجريبي الذي يعتمد آليات التجربة والمشاهدة.

5 من الملاحظ ان اشكالية التعارض بين الدين والعلوم الانسانية تختلف عن اشكالية التعارض بين الدين والعلوم‏التجريبية.

ويعود هذا الاختلاف في جوهره الى ان العلوم الانسانية في معطياتها ونتائجها لا ترقى الى مستوى معطيات العلوم‏التجريبية من حيث دقتها ومدى وثاقتها، اذ ان احتمال حدوث الخطا في العلوم الانسانية ومعطياتها اكثر منه في العلوم‏التجريبية، هذا من جهة، ومن جهة اخرى فان وجهات النظر الاسلامية في هذا المجال لم تنقح بعد، كما انها قابلة للتطويروالتعميق، وذلك لانها لم تول القدر الكافي من البحث والدرس قياسا بسائر البحوث والدراسات الاسلامية الاخرى.

6 علينا الا نتخوف من التعارضات الظاهرية التي تبدو للوهلة الاولى، بل بالعكس ينبغي ان نرحب بها ونشجع عليهاباعتبار ان الاهتمام بها يعيننا على بلورة رؤية دينية صائبة وفهم علمي صحيح، اذ ان هذه التعارضات الظاهرية هي التي‏تفيدنا في التوصل الى فهم دقيق لنظرية من النظريات.

اذا يجب ان نتعامل مع هذه التعارضات، بوصفها فرصة استثنائية لا بد من اقتناصها والاستفادة منها بافضل صورة.

واذاكانت هناك ثمة اخطاء نحتمل وقوعها في فهمنا لبعض القضايا العلمية لزمنا ان نعيد النظر في فهمنا بمنهجية مناسبة‏وسليمة.

واذا كنا نعتقد بان للاسلام كلمته وموقفه في مجال العلوم الانسانية والقضايا الاجتماعية، فان الادراك السليم لهذه النظريات‏وترشيدها وتعميقها وتنميتها لا يمكن الا من خلال التعامل الجاد بين العلم والدين. وفي اطار هذا التعامل لابد لكل من‏الطرفين العلم والدين من ان يكون على استعداد للتطوير والتصحيح، اذ من الواضح ان القابلية للتطوير والتصحيح هي‏من اوليات التعامل ومستلزماته. على ان موقف الاسلام في خصوص اصول الدين الاسلامي وضرورياته واضح وثابت الى‏حد كبير، اما في مجال العلوم الانسانية الاخرى فان امكانية التطوير واعادة النظر متاحة ومتوافرة بلا اشكال.

7 خلافا لما يبدو للوهلة الاولى، فان الالمام بموارد التعارض بين الاسلام والعلوم الانسانية ليس بالامر الهين، اذ من‏الواضح ان التعارض بين العلم والدين انما يتم في الموارد الذي يصدر كل من العلم والدين حكما يضاد به الاخر في‏موضوع واحد ومن جهة واحدة، لا في المورد الذي يحكم فيه احدهما ويسكت الاخر، او الذي يكون فيه احدهماحاكماعلى الاخر ومبينا لموضوعه. ولا في الموارد التي تتعدد فيها الاحكام تبعا لتعدد جهة الحكم في الاسلام والعلم. ففي‏بعض الموارد التي يتراءى فيها ان هناك تعارضا بين الاسلام والعلم، نجد بعد التحقيق انه ليس هناك تعارض جاد او حقيقي‏بين الاثنين.

بعبارة اخرى: بعض موارد التعارض الظاهري بين الاسلام والعلوم الانسانية انما ينشا من التاكيد على عوامل اخرى قداغفلها العلم.

فمثلا في ما يرتبط بفنون التدريس نجد ان بعض الخبراء التربويين يؤكد ان زج البنين والبنات في فصول دراسية مختلطة وايجاد فرق ومجاميع مختلطة من الجنسين، يسهم في تنمية اللغة الاجنبية لدى‏الطلاب وتعلمهم لها بسرعة. وعليه ينصحون بان تكون الفصول الدراسية مختلطة، لان الاختلاط بين الجنسين يوفر فرصة‏افضل للالتقاء والتحاور بما يخلقه من اجواء عاطفية مثيرة. وبالتالي فان ذلك سيعود بالايجاب على اللغة الاجنبية‏تعلماوممارسة. في المقابل نجد ان الاسلام يوصي بخلاف ما يرتئيه الخبراء التربويون ويشدد على منع اقامة دروس‏مختلطة. وهذا لا يعني ان الاسلام قد اغفل ما تنطوي عليه الطريقة المذكورة من فوائد على مستوى تعلم اللغة، لكنه اي‏الاسلام شخص ان ما يتحصل من مجموع الفوائد والمضار المترتبة على هذه الطريقة لا يصب في مصلحة الافراد. بل‏على العكس تماما يضر بسعادتهم الدنيوية والاخروية. فالاسلام في تشخيصه هذا يكون قد اخذ بنظر الاعتبار عوامل‏اءخرى اءغفلتها العلوم التربوية المعاصرة.

ونحن اذا اخذنا بالمسالك التي اقترحها المتكلمون المسيحيون في حل اشكالية التعارض بين العلم والدين، فانه لا توجدهناك ثمة الزامات تضطرنا الى الانتهاء عن ارتكاب عمل محرم بامكانه ان يعود بربح مادي خاص، وينسجم مع بعض‏النظريات العلمية.

اذا اذا كنا ممن يعتقد بالمذهب الواقعي، وان القضايا الدينية قضايا ليست فارغة، بل لها معانيها ومؤداها، فالسؤال المطروح‏هنا هو: كيف نعالج اشكالية التعارض بين العلم والدين في موارد التعارض؟ ويمكن حصر موارد التعارض الظاهري بين‏العلم والدين في الموارد الاتية:

ا تعارض الاصل العلمي الثابت مع النظرة الدينية القطعية.

ب تعارض النظرية العلمية الظنية مع النظرية الدينية الظنية.

ج تعارض النظرية العلمية القطعية مع النظرية الدينية الظنية.

ج تعارض النظرية العلمية الظنية مع النظرية الدينية القطعية.

يتبين من خلال الموارد التي استقراناها ان التعارض الاكيد والحقيقي بين العلم والدين هو التعارض من النوع الاول.

واماالموارد الاخرى فان التعارض لا يعدو ان يكون محتملا ومشكوكا فيه. وبدهي ان التعارض المحتمل لا يسمى تعارضاالامسامحة وتنزلا. وفي مثل هذه الموارد قد لا يكون تعارضا موجودا حقيقة.

كل ما هنالك اننا لقلة باعنا العلمي وعدم احاطتنا بالحكم الواقعي الديني والعلمي يخيل الينا ان هناك تعارضا بين العلم والدين. وعلى العموم في خصوص التعارض من النوع الاول نقول: ان الاعتقاد بان الدين‏والعلم يخبران عن الواقع ويكشفان عنه، لازمه عدم امكان تحقق هذا اللون من التعارض. ونسوق هنا دليلين لاثبات هذاالموضوع:

الدليل الاول: ويتركب من المقدمات الاتية:

ا ان المراد من النظرية العلمية القطعية هو تلك النظرية التي لا يشك في مطابقة مفادها للواقع، وتحكي لنا الواقع بشكل‏صحيح. والدين، هو الاخر، يتضمن قضايا اخبارية تكشف لنا عن الواقع في ما يرتبط بالعالم والانسان. اذا العلم والدين في‏جملة من الموارد يتوفران على قضايا معرفية تشترك في موضوع واحد.

ب صدقية القضايا الاخبارية وكونها قضايا حقيقية، تعني انها مطابقة للواقع.

ج ان لكل قضية واقع مطابقي واحد لا يتعدد.

د القول بامكانية تعارض النظرية العلمية القطعية مع النظرية الدينية القطعية، يلزم التسليم بان تكون القضية الواحدة صادقة‏وكاذبة في الوقت نفسه وفي الظروف نفسها.

تتمخض هذه المقدمات عن نتيجة مهمة مفادها ان قضيتين قطعيتين دينية وعلمية يستحيل ان تتعارضا في مابينهما.

الدليل الثاني: يمتاز الاسلام، بالقياس الى الاديان الاخرى، بحرصه على الافادة من العلم والعقلانية. وهذه نقطة اقر بهاالكثير من العلماء الغربيين فضلا عن العلماء المسلمين.

فعلى سبيل المثال يكتب ;ژرس‏ز÷ايان باربور;ژرس‏ز÷، في كتاب له عن العلم والدين قائلا: ;ژرس‏ز÷الملاحظ ان العلم شهد تقدما كبيرا عند العرب‏ابان القرون الوسط‏ى، في الوقت الذي تكبد العلم خسائر فادحة في ظل تعاليم المسيحية التي ما فتئت تمنع عن تقدم العلم‏من خلال تاكيدها على الاخرة;ژرس‏ز÷((519)) .

ان دينا كالاسلام بما يؤكد عليه من دور للعقل والعلم في تقدم الحياة البشرية وازدهارها من المستحيل ان تتصادم رؤاه‏ومعطياته مع معطيات العلم والعقل البشريين.

وعليه اذا امرنا القرآن باتباع مصدر خبري معين او نهانا عن اتباع مصدر خبري آخر، فان هذا الامر او ذاك النهي يشكل‏مرجعية عليا تثبت الاعتبار والقيمة للمصدر الذي تعلق به الامر وتسلب الاعتبار من المصدر المنهي عنه. فالقرآن يامرنا بالتبين والفحص في ما اذا جاءنا فاسق بنبا لاستعلام صحة‏الخبر الواصل او كذبه. ومن جهة اخرى، يامرنا القرآن الكريم بالانقياد التام لتعاليم الرسول الاكرم محمد غ والتاسي به في‏كافة مناحي الحياة وينتج عن ذلك ان يكون بالامكان الاعتماد على اعمال الرسول غ واقواله والوثوق بها.

ومن ضمن الامور التي دعا القرآن الكريم والروايات الى اتباعها وجعلها من مصادر المعرفة هي العقل والعلم والتجربة‏البشرية.

وبالرغم من ان مفردة ;ژرس‏ز÷العلم;ژرس‏ز÷ التي وردت في القرآن الكريم لا ترادف العلم التجريبي، الا ان المعطيات القطعية‏للعلوم هي من مصاديق العلم.ولا ريب في ان تاكيد الاسلام على اهمية هذه العلوم وقيمتها بصورة عامة يشكل دليلا على‏ان ما يفيده كل من العقل والعلم من معطيات قطعية هي معطيات معتبرة ومقبولة، كما يدل في الوقت نفسه على استحالة‏تعارضها مع التعاليم الاسلامية.

من هنا يمكن القول: انه متى بدا لنا ثمة تعارض بين الدليلين الديني والعلمي القطعيين فان هذا التعارض بدوى وسيرتفع‏موضوع التعارض بالدرس والتامل. ولربما يكون التعارض قد نشا من خلال افتراض احد طرفي التعارض امرا قطعياويقينيا على نحو الخطا والاشتباه.

كل ما بيناه حتى الان هو لاثبات نقطة مهمة، وهي: عدم وجود تعارض بين الدين الحقيقي والحقائق العلمية الواقعية. لكن‏بقي ان نقول: ان فهمنا للدين في غير الضروريات الدينية ليس بالضرورة ان ياتي منطبقا مع واقع الدين، فربما جانب‏الحقيقة في بعض الموارد. وعليه فان التوصل الى نظريات علمية قطعية ومطابقة للواقع خصوصا في ما يرتبط بالعلوم‏الانسانية نادرا ما يتحقق.

والملاحظ ان الجدول البياني لتطور النظريات العلمية والدينية على مر التاريخ شهد تحولات ومنعطفات كبيرة.

فهناك‏الكثير من النظريات ظهرت لكن سرعان ما آل امرها الى الافول لتحل محلها نظريات اخرى. ولا ريب في ان ظهورنظريات جديدة تساعد على تقدم العلم كما انها قد تسهم في تضعيف النظريات السابقة. وهذا كله انما ينشا من الصعوبة‏الكبيرة التي يواجهها العلماء في التوصل الى نظريات مطابقة للواقع. وقد تؤدي هذه الصعوبة الى بروز نظريات علمية‏ودينية ظنية لربما تسهم في ايجاد التعارضات.

في خصوص التعارض الثالث والرابع، يمكننا الافادة من اسلوب مماثل لما اتبعناه توا لرفع التعارض هذا. بمعنى اننا اولا ناخذ بنظر الاعتبار هذه النقطة وهي ان كلا من الدين والعلم يعملان على تقريب الواقع‏للافهام. وعليه اذا بدا هناك شيئ من التعارض بينهما فبالامكان ان نعالج الموقف كما لو كان هناك نظريتان علميتان‏متعارضتان، او مفهومان دينيان متعارضان. ففي مقام تحليل النظريات العلمية، اذا تعارضت نظريتان، وكانت احدى‏النظريتين قطعية او قريبة من القطع وتلقى قبولا لدى المجامع العلمية، هنا ناخذ بهذه النظرية ونحاول ان نعيد النظر في‏خصوص النظرية الاخرى المشكوك بها. ويعد هذا اللون من التعامل تعاملا عقلانيا يبتني على اساس عقلاني مؤداه تقدم‏القطع على الظن. فالدليل القطعي يوجد درجة اكبر من الوثاقة والاعتماد عليه لدى العقلاء من الدليل الظني.

تجدر الاشارة هنا الى ان هذا الاسلوب نفسه يجري في بحث التعارض بين الادلة الشرعية ايضا، فلو تعارض حديثان‏احدهما ظني الدلالة والاخر قطعي الدلالة، قدم الدليل القطعي.

تاسيسا على ذلك، يمكننا تعميم اسلوب معالجة التعارض‏ليشمل الفرض التالي، وهو: اذا تعارضت نظرية علمية قطعية مع نظرية دينية ظنية او بالعكس: نظرية دينية قطعية مع نظرية‏علمية ظنية، هنا بالنسبة الى الشق الاول من الفرض نقدم العلم، واما النظرية الدينية فنخضعها للدرس والتقويم من جديدونعيد النظر في تفسيرها، ولربما احتاج الامر الى ان نتاولها. واما في خصوص الشق الثاني من الفرض فناخذ بالنظرية‏الدينية ونعيد النظر في النظرية العلمية.

وهنا يطرح هذا السؤال مرة اخرى وهو: الا يؤدي تقديم النظرية الدينية القطعية على النظرية العلمية الظنية الى تسخيف‏العلم وتضعيف السياقات العلمية في مقابل الدين.

ولا شك في ان الاجابة عن هذا السؤال تكون ب ;ژرس‏ز÷كلا;ژرس‏ز÷، وذلك للاعتبارات الاتية: