الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

ا عن عبد الحميد بن سعيد قال: ;ژرس‏ز÷بعث ابو الحسن(ع) غلاما يشتري له بيضا، فاخذ الغلام بيضة او بيضتين فقامر بها فلما اتى‏به اكله. فقال له مولى له: ان فيه من القمار قال: فدعا بطشت فتقيا فقاءه;ژرس‏ز÷((583)) . وهذا ما فعله الشيخ الانصاري بناء على‏احد الاحتمالات في الرواية((584)) .

ب‏ عن عبد اللّه بن سنان عن ابي عبد اللّه(ع) قال: ;ژرس‏ز÷اغتسل ابي من الجنابة، فقيل له: قد ابقيت لمعة في ظهرك لم يصبهاالماء.

فقال له: ما كان عليك لو سكت ثم مسح تلك اللمعة بيده;ژرس‏ز÷((585)) .

هذا، وفي علم الكلام كثير من القواعد الكلية التي تركت اثرها في علم الفقه عندما تسربت الى علم اصول الفقه، ويكفي‏دليلا على ذلك ان نرى بعض الاصوليين يفردون في كتبهم الاصولية فصولا وابوابا للبحث في قاعدة التحسين والتقبيح‏العقليين وغيرها من القواعد الكلامية الاخرى((586)) . ومن العلماء من يرى ان دخول علم الكلام او الفلسفة الى الفقه خلل‏منهجي، حيث انه من باب الخلط بين الامور الحقيقية والامور الاعتبارية، وفي هذا الكلام شي كبير من الصحة، فاننا نرى‏بعض الفقهاء او الاصوليين يحكمون باستحالة بعض الاحكام تبعا لقواعد فلسفية. وهذان النصان لعلمين معاصرين يكشفان‏في هذا التصور عن الدور الذي ادته الفلسفة في علم الاصول:

ا ;ژرس‏ز÷...فان قلت: ما ذكرت من التحقيق امر مسلم لا غبار عليه، لكن اسراءه الى المقام خلط بين الحقايق والاعتباريات، وقدقرع اسماعنا مرارا ان العلوم الاعتبارية لا تتحمل احكام التكوين كما مر ان التمييز بين احكام المقامين هو الحجر الاساس لحل معضلات العلوم لا سيما الاعتباريات. قلت:

نعم‏لكان الاضافة الى...;ژرس‏ز÷((587)) .

ب‏ ;ژرس‏ز÷من اهم نتائج تاثر الاصول بالفلسفة وقوع الخلط بين القوانين التكوينية والاعتبارية وامثلتنا على ذلك كثيرة، منها:القول بامتناع الشرط المتاخر لاستحالة تقدم المعلول على علته زمانا مع ان الشرط المتاخر من الاعتباريات لا من‏التكوينيات;ژرس‏ز÷((588)) .

خاتمة واستنتاج هذه نماذج يوجد غيرها كثير في ابواب الفقه تمثل باجمعها موارد للتواصل بين الفقه والعلوم الاخرى، واستقصاء مواردهاجميعا خارج عن نطاق الحدود المرسومة لهذه المقالة.

ولا بد من ضوابط تنظم حدود العلاقة، وتبين موارد صحة الاستفادة‏من العلم للحكم على رواية ما بالصحة او البطلان، للاخذ بالصحيحة ورد الباطلة لمنافاتها للعلم، واقوال العلماء.

واقترح بعض الضوابط، ولا ادعي انحصارها ولا لزوم صحتها، وانما هو مجرد اقتراح قد يضاف عليه او ينقص منه، وهذه‏الضوابط هي:

1 ان تكون القضية المطروحة في العلم قضية يقينية تمثل حقيقة علمية مقطوعا بها لا ان تكون مجرد نظرية، وذلك ان‏العلم في بعض الاحيان يحيط بجميع جوانب القضية مورد البحث ويعط‏ي رايه فيها، كما في كثير من الحقائق العلمية التي لم‏تعد تقبل النقاش لوضوحها مثل كروية الارض، واخرى يكون ما يقدمه العلم مجرد نظرية مدعومة بعدد كبير من قرائن‏الاثبات وقادرة على الاجابة عن كثير من الاسئلة التي تطرح في وجهها، وتحمل في الوقت نفسه قرائن لتكذيب النظريات‏المقابلة. وهذا ما يسمى باصطلاحهم موديل دححرذ ، وامثلة ذلك كثيرة، منها النظرية القائلة بكون الارض قطعة منفصلة عن‏الشمس، والاطروحة الاصوب هنا هي الاقدر على تعليل اكبر مجموعة من الظواهر وان كان من الممكن وجود ظواهراخرى من المجموعة نفسها تعجز هذه النظرية عن تفسيرها. وهذه الخصوصية موجودة في كثير من النظريات العلمية،كالنظرية ;ژرس‏ز÷الداروينيية;ژرس‏ز÷ مثلا التي لا تدعي القدرة على تفسير جميع خصائص الكائنات الحية وتوجد كثير من الاستفهامات‏التي تواجهها، ورغم ذلك يؤخذ بها ولا تزال مقبولة في بعض الاوساط العلمية الى يومنا هذا. حتى ان كارل ض‏وض‏رالمولع بالداروينية يعدها نظرية غير علمية باعتبار انها عاجزة عن التنبؤ للمستقبل، الامر الذي يعده من اهم خصائص‏النظريات العلمية((589)) .

2 ان يكون الموضوع في كل من الادلة الشرعية والنتائج العلمية واحدا، بحيث لا يكون بينهما تباين او عموم وخصوص‏من وجه، وذلك كما في مثال الحيض واجتماعه مع الحمل، فالحيض في علم الطب هو الدم الخارج من الرحم مع البويضة‏التي لم تلقح ولا يشترط فيه ان يكون مدة معينة، وان كان الغالب فيه ان يكون لمدة سبعة ايام عند المراة الطبيعية، بينما قديكون عند الشارع عبارة عن الدم الخارج من الرحم بصفات معينة لمدة ثلاثة ايام بالحد الادنى سواء كان مرافقا لبويضة‏غير ملقحة ام لم يكن، فاذا افترضنا صحة تحديد شرعي للحيض يختلف عن التحديد الطبي له، فلا مانع من نزول دم مع‏الحمل يكون نزفا مرضيا يحتاج الى علاج عند الاطباء، ولكن تترتب عليه احكام الحيض عند الفقهاء، وحسم الموضوع‏لمصلحة احد الرايين يحتاج الى استقصاء الادلة الشرعية وان كان القول بوحدتهما ليس ببعيد، وبخاصة اذا لاحظنا بعض‏الروايات الواردة في المقام. ومنها رواية تسال امراة فيها الامام(ع) عن احكام الحيض وعلاماته فعندما يجيبها، تبدي تعجبهاقائلة: ;ژرس‏ز÷واللّه ان لو كان امراة ما زاد على هذا;ژرس‏ز÷((590)) . وفي رواية اخرى تقول: ;ژرس‏ز÷اتراه كان امراة مرة;ژرس‏ز÷((591)) ، فهاتان المراتان لوكانتا تتوقعان من الامام(ع) ان يبين لهما علامات شرعية خاصة لما كان من مسوغ لتعجبهما، حيث ان الطبيعي ان يكون اعلم‏من النساء بالاحكام الشرعية، واما اذا كان في صدد الحديث عن علامات عادية للحيض، فيكون تعجبهما مسوغا، لانهماتستغربان كون الامام(ع) عالما بتفاصيل احكام النساء، بخاصة ان مفهوم علم الامام (عليه السلام ) بالموضوعات لم يكن‏واضحا في اذهان كثير من الناس في ذلك العصر.

3 ان لا يكون الموضوع من المخترعات الشرعية التعبدية كعنوان الصلاة او غيرها من العناوين التي اخترعها الشارع‏وجعلها موضوعا لاحكامه او متعلقا، فاذا ثبت في العلم ان الخصوصيات التي تترتب على الصلاة تترتب على موضوع آخركالدعاء او التامل، فلا يمكن اثبات الوجوب لذلك العنوان الجديد الذي اكتشفه العلم.

4 ان لا يكون الموضوع للحكم الشرعي ماخوذا بما له من معنى عرفي بسيط، ففي هذه الحالة لا يجوز الرجوع الى اهل‏الخبرة واعمال تدقيقاتهم في تشخيص موضوع الحكم، ومثاله ان الماء اخذ كموضوع في بعض الاحكام الشرعية، فهنا لايمكن الرجوع الى تحليلات الكيمياء لمعرفة ان هذا السائل ماء او ليس ماء بل ينبغي الاكتفاء بنظر العرف والقول: ان هذاالمائع الفلاني ماء، حتى لو كان محتويا على عناصر اخرى غير الاوكسجين والهيدروجين من المعادن التي لا يخلو منها الماء عادة.

هذا بعض ما تراءى لنا من ضوابط للتحكم في مجرى الاستفادة من اقوال العلوم الاخرى ونتائجها في عملية استنباط‏الاحكام الشرعية، ولكن ربما تواجه اصل الفكرة بعض الصعوبات.

بعض الاعتراضات على اعتماد اقوال اهل الخبرة الاعتراض الاول: ما ذكر في موارد تجويز الفقهاء للرجوع الى اهل الخبرة في موضوعات الاحكام ليس امرا مقبولا عندالجميع، فضلا عن الرجوع اليهم في تحديد مدلول الدليل الشرعي او الموازنة بين الادلة، ففي موارد جواز الافطار لاجل‏خوف الضرر يعلق بعض الفقهاء جواز الافطار على خوف الضرر ولا يجوزون الافطار بمجرد اخبار الطبيب في ما اذا لم‏يولد اخباره خوفا عند المكلف((592)) . وهذا يعني عدم الاعتراف بحجية قوله والا لوجب ترتيب الاثر عليه حتى لو لم ينشاعنه خوف، فلو كان حجة لوجب العمل به مطلقا بغض النظر عما يولد في نفس المكلف.

الاعتراض الثاني: ان الاصل في كل ما يمكن العمل به لاستنباط الاحكام الشرعية ان يكون غير حجة الى ان يثبت‏العكس، فالسؤال الاول الذي يوجه الى هذه الفكرة وما شابهها هو: ما الدليل على حجية قول الطبيب او غيره من العلماءفي مقابل رواية رواها ثقة عن النبي(ص) او الامام(ع)؟((593)) .

اما الاعتراض الاول، فيمكن الجواب عنه بامور:

الاول: يمكن دعوى ان ذلك خاص بباب الصوم باعتبار انه اءخذ في موضوع جواز الافطار خوف الضرر. وبعبارة اءخرى:الموضوع لجواز الافطار هو خوف الضرر لا قول الطبيب، وليس المقصود من هذا التقييد نفي حجية قول الطبيب.

الثاني: ان عدم جواز الافطار بقول الطبيب ليس امرا مسلما به ايضا عند الجميع، فبعض الفقهاء كالسيد الخوئي(قدس‏سره)جوز الافطار بناء على قول الطبيب: ;ژرس‏ز÷قول الطبيب اذا كان يوجب الظن بالضرر او خوفه وجب لاجله الافطار، وكذلك اذاكان حاذقا وثقة اذا لم يكن المكلف مطمئنا بخطاه...;ژرس‏ز÷((594)) .

الثالث: لو لم يكن الاعتماد على قول الطبيب جائزا لم يجز الافطار حتى لو اثر قوله الخوف باعتبار انه يكون ناشئا عن امرغير مرضي عند الشارع، كما انهم لا يجوزون الافطار في حالات الخوف ذي المناشئ غير العقلائية. وبعبارة اخرى:

ترتيب‏الاثر الشرعي عند هؤلاء الفقهاء على الخوف الناشئ من قول الطبيب يمثل اعترافا بخبرته وجواز الاعتماد عليها في‏موضوعات الحكم الشرعي.

اما الاعتراض الثاني، فيجاب عنه بامرين:

الاول: بالتدقيق في الامثلة التي ذكرت نجد ان اكثرها وارد لتشخيص موضوعات الاحكام، فيكون الرجوع الى العلوم‏المختلفة في تلك الابواب من باب الرجوع الى اهل الخبرة في الموضوعات وداخلا في دائرة الامضاء الشرعي‏المذكور.

الثاني: اننا لا نحتاج الى امضاء خاص هنا، وذلك لاننا ذكرنا في الضوابط ان يكون قول اهل الخبرة يقينيا وقطعيا. ومن هنانقول: ان ما ذكر في حجية القطع يجري هنا حرفا بحرف، بل على بعض المباني الاصولية يسقط الخبر عن الحجية في مالو كان مخالفا لراي علمي راجح، وذلك عند الاصوليين الذين يرون ان حجية الخبر مقيدة بالوثوق به.

جدل العلم والدين في التاريخ المسيحي ا. علي رباني الكلبيكاني مدخل لم يكن النصارى اول الامر محبين للفلسفة والعلم، واعتقدوا بانهم يمتلكون الحقيقة في ظل تعاليم المسيحية، بينما ليس‏ثمة هدف آخر من البحث العلمي سوى اكتشاف الحقيقة.

هكذا تصوروا انه من الافضل لهم ان ينهمكوا في العبادة والتدبرفي كلمات المسيح.

كان اليهود اول قوم اعتنقوا النصرانية، غير ان هذا الدين خرج من دائرة اليهود في ما بعد، ووجد له اتباعا بين الاقوام‏الاخرى، وحينئذ اخذ الجدل الديني يثار تدريجيا بين انصار الدين ومعارضيه، فانكب علماء النصارى على مطالعة الفلسفة‏وكلمات الحكماء للدفاع عن العقائد الدينية، فاستوعبوا المكانة الرفيعة التي يحتلها الفلاسفة، وراحوا يتعلمون الحكمة‏ملتزمين بتعاليم التوراة والانجيل. في سياق كهذا ظهرت الفلسفة اللاهوتية المسيحية او علم معرفة اللّه (ثيولوجيا)،فطرحت موضوعات التوحيد والخلق والتثليث بوصفها اصول العقيدة في الكلام المسيحي، وظهر القول بان اللّه هو ثلاث‏كيانات رغم انه واحد في الوقت نفسه، اي الاقانيم الثلاثة: الاب والابن وروح القدس. فالاب وجود مطلق وهو مصدرالقدرة، والابن كلمة الاب وهو الواسطة في خلق العالم، اما روح القدس فهو واسطة بين الاب والابن وجانب تتجسد فيه‏المحبة الالهية.

وبنحو تدريجي، راحت الخلافات تظهر بين علماء النصارى عن العقيدة الدينية كالتثليث والحلول وغيرها، فعمدوا الى‏تشكيل لجنة تتولى معالجة الخلافات تلك، وصاغوا اصول العقيدة المسيحية من خلال التصويت بالاغلبية، بينما شجبوا سواها من الاراء وعدوها تصورات باطلة. لقد عرف الاشخاص الذين‏ادوا الدور الرئيسي في العملية هذه، ب ;ژرس‏ز÷آباء المسيحية;ژرس‏ز÷، واشهرهم القديس اوغسطين (354430م). كان اوغسطين من ام‏نصرانية واعتنق في شبابه الديانة المانوية، ثم انصرف الى فلسفة افلاطون ومدرسة افلوطين، فتاثر بنحو كبير بهذا الاتجاه،كي يعتنق المذهب الكاثوليكي في نهاية الامر. اخذ اوغسطين بدراسة اصول العقيدة النصرانية مستثمرا الفكر الفلسفي،فترك كتبا عديدة عن التوحيد والتثليث والخلق وحقيقة النفس وخلودها، اضافة الى موضوع الخطيئة والثواب ومصيرالانسان ونحو ذلك. وفي اعماله هذه قام اوغسطين بالتوفيق بين فلسفة افلاطون والمعتقد المسيحي ضمن منهج معين، وقددرس برتراند راسل فلسفة اوغسطين وآراءه في اللاهوت بشكل تفصيلي، ما لسنا في صدده هنا((595)) .

العصور المظلمة شهد القرن الخامس الميلادي هجوم الهمج الذين دمروا امبراطورية الغرب، وكان هؤلاء شعبا غير متحضر عاش في شمال‏اوروبا وشرقها وشمال آسيا، وفي مواجهة هجوم هؤلاء انقسمت امبراطورية الرومان الى قسمين: شرقي وغربي، فاصبحت‏المدينة القديمة روما مركز الامبراطورية الغربية بينما اتخذت الامبراطورية الشرقية مدينة القسطنطينية ;ژرس‏ز÷اسطنبول;ژرس‏ز÷مركزالها. غير ان ذلك لم يجد نفعا ، اذ انهارت الامبراطورية الغربية في القرن الخامس على يد قبائل الهمج.

نلاحظ، بعد وفاة اوغسطين عام 430 للميلاد، انه لا تكاد توجد ثمة اي فرصة للفلسفة، وخلال حقبة الفوضى هذه كانت‏الكنيسة تعاني خلافا حادا عن قضية ;ژرس‏ز÷الحلول;ژرس‏ز÷، وتمثل طرفا الصراع بالقسيسين سبريل ونسطوريوس، ثم انضم الاول الى‏القديسين بينما عد الاخر ملحدا مهرطقا. ظل سبريل القديس اسقف الاسكندرية حتى وفاته (412444 تقريبا) بينما كان‏نسطوريوس اسقف القسطنطينية. لقد دار الخلاف عن العلاقة بين الجانبين الالهي والبشري في المسيح، واعتقدنسطوريوس ان ثمة شخصيتين احداهما لاهوتية والاخرى ناسوتية. اما من لم يقولوا بالاثنينية فانقسموا الى اتجاهين‏يؤمن احدهما بوجود ماهية واحدة في المسيح بينما يرى الاخر ان هنالك طبيعتين لاهوتية وبشرية في شخص واحد.مثلت هذه القضية محور الصراع الفكري خلال القرن الخامس، حيث كان القديس سبريل من انصار الوحدة. ورغم ان‏مجمع الاساقفة عد نسطوريوس ملحدا مهرطقا غير ان الاخير لم يتخل عن عقيدته، فاسس المذهب النسطوري الذي وجدانصارا في سوريا والمناطق الشرقية.

يقول فروغي في كتابه: ;ژرس‏ز÷مسار الفلسفة في اوروبا;ژرس‏ز÷: ;ژرس‏ز÷بعد انهيار امبراطورية الروم الغربية في القرن الخامس الميلادي، على‏ايدي قبائل الهمج، وخلال الحقبة التي يسميها المؤرخون الاوروبيون بالعصور الوسط‏ى كسدت سوق العلم والحكمة، وشاع‏الجهل حتى شمل الزعامات الدينية. ففي القرن الثامن الميلادي، لم يكن في اوروبا سوى رجل واحد عرف بالعلم والفضل،وهو ;ژرس‏ز÷سكوت اورجين;ژرس‏ز÷ الفيلسوف والمتاله الانجليزي، اما في القرن العاشر فلم يكن ثمة من يستحق الذكر سوى ;ژرس‏ز÷جيربر;ژرس‏ز÷الفرنسي الذي نال منصب البابوية في نهاية عمره، وهو من اوائل الذين درسوا عند المسلمين، حيث ذهب الى اسبانيا التي‏كانت آنذاك بلدا اسلاميا واخذ العلوم على يد المسلمين، ثم عاد الى فرنسا وتفرغ لنشر ما تعلمه في اسبانيا;ژرس‏ز÷((596)) .

يذكر براترند رسل ان هذه الحقبة تدعى ;ژرس‏ز÷الحقبة المظلمة;ژرس‏ز÷، ويشير الى الحضارة الاسلامية قائلا: ;ژرس‏ز÷ان مصطلح الحقبة المظلمة‏الذي نستخدمه (6001000 للميلاد)((597)) يوجه انظارنا الى اوروبا الغربية اكثر مما ينبغي. بينما شهد ذلك العصر حكم‏سلالة تانغ في الصين وهي اكثر مراحل الشعر الصيني ازدهارا، كما امتدت الحضارة الاسلامية المزدهرة من الهند حتى‏اسبانيا، ان ما خسره العالم المسيحي خلال تلك الحقبة لم تخسره الحضارة وظلت محتفظة به، لكننا نختزل الحضارة في‏حضارة اوروبا الغربية، وهو تصور يعبر عن ضيق الافق. لقد اقتبسنا القسم الاكبر من المضمون الثقافي لحضارتنا من الشرق‏الاوسط واليونان واليهود;ژرس‏ز÷((598)) .

العصر السكولاستيكي تعني ;ژرس‏ز÷سكولا;ژرس‏ز÷ في اللغة اللاتينية ;ژرس‏ز÷المدرسة;ژرس‏ز÷ وقد انحصر تدريس الفلسفة والعلوم، في تلك الحقبة، في المدارس التي‏اسسها رجال الدين النصارى في الكنيسة والدير، كما كانت العملية التعليمية مقيدة بتقاليد المدارس هذه وتعاليم القديسين.وعلى هذا الاساس يوصف العلم والحكمة اللذين شاعا خلال الحقبة تلك بانه ;ژرس‏ز÷سكولا;ژرس‏ز÷، ويطلق عليه اسم ;ژرس‏ز÷سكولاستيك;ژرس‏ز÷اي المدرسي. يتميز هذا النظام الفلسفي بخصوصيات من قبيل:

ا ان ذلك البحث العلمي لم يكن يهدف الى اكتشاف الحقائق بل سعى الى البرهنة على اصول الدين وتكريس المعتقد.

ب‏ لم تتوافر استقلالية الفكر وحرية الراي، وكان على الباحثين ان يمارسوا انشطتهم العلمية في اطار مضامين الكتاب‏المقدس وتعليمات القديسين، ولو اتفق احيانا ان احدهم توصل الى نتيجة علمية لا تنسجم مع التعاليم تلك، فان عليه ان يعترف بالخطيئة ويتوب عن ذلك ويستغفر.

ج‏ لم تكن ابحاث العلماء والفلاسفة لتتجاوز ما طرحه القدماء من فلاسفة اليونان، لا سيما وان آراء ارسطو وافلاطون‏كانت هي محور الجدل.

د انهمك الجدل الكلامي في لون من الموضوعات عديمة الجدوى، ولا تتوافر فيها اي قيمة دينية او علمية، فطرحوا اسئلة‏من قبيل: بعد ان جرى قتل المسيح وجرح في اطرافه، ماذا حصل لجراحه بعد ان عاد الى الحياة ثانية، وهل بقيت على‏جسده او التامت واختفت؟ كم كان طول آدم حين هبط من الجنة؟...الخ.

ه التعويل بدرجة غير مسوغة على المنهج النظري القياسي واهمال الحقائق العلمية، واعتماد منهج القياس المنطقي في‏الموضوعات التي لا يمكن معالجتها الا عن طريق الحس والملاحظة الحسية((599)) .

ومن مشاهير الفلاسفة في تلك الحقبة، القديس انسلم (10341109م) الذي عد لدى الكاثوليك، من الاولياء واكتسب‏لقب القديس. قال انسلم: ان على المرء ان يؤمن بالحقيقة الدينية اولا كي يحق له ان يتعقلها بعد ذلك. انصبت جهود هذاالحكيم على التوفيق بين العقل والايمان، اي ان منهجه شبيه بمنهج اوغسطين حتى لقب ب ;ژرس‏ز÷ اوغسطين الثاني;ژرس‏ز÷، ونقلت عنه‏براهين عن وجود اللّه منها ;ژرس‏ز÷البرهان الوجودي;ژرس‏ز÷ المعروف الفيلسوف المسيحي الاخر الذي ظهر في هذه الحقبة، وبات الاكثر شهرة هو توما الاكويني (12251274) الذي آمن‏براء ارسطو جملة وتفصيلا، وفسر في ضوئها المعتقدات المسيحية.

يقول برتراند راسل عن ذلك: ;ژرس‏ز÷ان القديس توما ليس‏ملفتا للنظر على المستوى التاريخي وحسب، بل انه يمتلك سطوة حية كما هي الحال مع ارسطو وافلاطون وكانت وهيغل،بل ان سطوته تفوق ما اتيح لكانت وهيغل في واقع الامر. ويتابع توما ارسطو بشكل حرفي في معظم القضايا على نحوجعل من ارسطو لدى الكاثوليك بمثابة واحد من آباء الكنيسة، فاصبح نقد ارسطو في الموضوعات الفلسفية البحتة لونا من‏الكفر تقريبا;ژرس‏ز÷((600)) . ومن اهم كتب الاكويني ;ژرس‏ز÷الخلاصة ضد الكفار;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷خلاصة اللاهوت;ژرس‏ز÷، اضافة الى ما يشيع في كتب‏الفلسفة من براهين الاكويني الخمسة على وجود اللّه.

يمكن الاشارة كذلك الى روجر بيكون (12141294) بوصفه واحدا من علماء الحقبة تلك، وكان يؤمن بان البرهان‏والاستدلال الارسطيان لا يكفيان في البحث العلمي، فاولى اهمية كبيرة للملاحظة والتجربة، لكنه لم يحظ بمكانة آنذاك‏بينما استقطب الاهتمام في عصر النهضة وحظ‏ي بالثناء.

لكن بيكون تعرض الى معاملة قاسية واتهم بالالحاد والخروج عن‏الدين، وبقي مدة في باريس خاضعا للرقابة ومنع من نشر اعماله، كما حكم عليه بالسجن مدة اربعة عشر عاما لانه لم‏يتخل عن منهجه، وراح يواجه رجال الكنيسة بنحو متواصل ويمارس نقدا لافكار السلف. يكن بيكون احتراماوافرالارسطو، لكنه يعتقد ايضا بانه لم يبلغ منتهى الحكمة الانسانية، وهو ينقل آراء عدد من الفلاسفة والعلماء المسلمين‏مثل ابن سينا وابن رشد والفارابي وابي معشر البلخي وغيرهم.

ومن فلاسفة هذا العصر وعلمائه ويليم الاكامي (توفي عام 1349 او 1350)، وهو يعد اكبر الفلاسفة في الحقبة الاخيرة من‏العصور الوسط‏ى بعد توما الاكويني. غير انه يتقاطع منهجيا مع الاكويني، اذ واصل مهاجمة الكنيسة حتى اتهمته بالكفروالهرطقة. لم يكن موقفه من الكنيسة يحمل طابعا دينيا مجردا، فهو يثير عددا من الجوانب السياسية، كذلك وانحاز الى‏الامبراطور في المواجهة التي قامت بين السلطة والبابا.

وعلى اي حال فانه طرح مناقشات واسعة في ما يتصل بمقولات‏الفلسفة واللاهوت، وعملت كتبه على تشجيع البحث العلمي وتحفيزه من خلال اصراه على ان في وسع المرء ان يدرس‏المنطق والمعرفة البشرية من دون الرجوع الى ما بعد الطبيعة. وتاثر بمنهج الاكامي عدد من الباحثين منهم نيكولا اورسمي;ژرس‏ز÷توفي عام 1382;ژرس‏ز÷ الذي اخضع نظرية الافلاك السيارة الى البحث والدراسة، وطرح النظرية التي تقرر مركزية الارض‏وتلك التي تقول بمركزية الشمس، معلنا ان كلا منهما يسوغ المعطيات العلمية المتوافرة آنذاك.

لم يظهر بعد الاكامي فيلسوف كبير في الاتجاه السكولاستيكي، ويبدا العصر التالي لكبار الفلاسفة في نهاية عصرالنهضة((601)) .

محاكم التفتى في النصف الاول من القرن الثالث عشر الميلادي((602)) ، امر البابا بتاسيس محكمة تلاحق اولئك المتهمين بالالحادوالخروج عن الدين. كانت الفظائع التي ارتكبتها هذه المحكمة من ابشع التجارب التاريخية في الديانة النصرانية، كما انها اثارت حفيظة المفكرين والعلماء بشدة وعباتهم ضد الدين‏والمدافعين عنه (اللاهوتيون). اذ ان هذه المحكمة قامت بمعاقبة مئات المفكرين والعلماء بل الالاف منهم باقسى العقوبات،فاحرقت بعضهم احياء واعدمت غيرهم بالتنكيل والتعذيب، كما اودعت الاخرين في المعتقلات. ومن المعروف ما تعرض‏له غاليليو من محاكمة جراء اعلانه نظرية دوران الارض حول الشمس((603)) .

مجريات الاحداث ان للصراع بين الكنيسة والمفكرين والعلماء تاريخا طويلا، غير انه شهد تصعيدا في القرون الوسط‏ى وقبل عصر النهضة.وقد تمكنت سلطة البابا من اقصاء العلماء والمفكرين والتغلب عليهم بفضل ما اتيح لها من نفوذ اقتصادي وسياسي،فضلاعن السطوة الدينية، وقد كانت في الحقيقة خصما قويا لا ينافسه احد.

تقدم ان الصراع هذا لم يكن محصورا في المواجهة بين سلطة البابا والباحثين الذين اقبلوا على تعاط‏ي العلوم الطبيعية، بل‏شمل الفلاسفة والمتكلمين الذين راحوا يمارسون التفكير الحر، اذ لم يجر استثناؤهم من تهم الالحاد والهرطقة وعقوبات‏الملحدين، اضافة الى ان دخول فلسفة ارسطو في اللاهوت المسيحي واختلاطهما اديا الى اعتبار من يخالف اراد ارسطوخارجا عن المعتقد المسيحي او اتهامه احيانا بالكفر.

تفيد حصيلة المعطيات هذه ان المواجهة بين الدين (المسيحية) والعلم، في هذه الحقبة، كانت في حقيقة الامر صراعا بين‏سلطة البابا والعلم والفكر، ولا يقتصر ذلك على العلم بمفهومه المعاصر (العلم التجربي)، بل يشمل مطلق التفكير المستقل‏المتحرر، ولذلك فقد تعرض الفلاسفة والعلماء على حد سواء الى اضطهاد الكنيسة.

عصر النهضة العلمية اخذ الضعف يدب الى سلطة الكنيسة والبابا منذ القرن الرابع عشر، وثمة عوامل كثيرة ادت الى ذلك، فمن جهة تغيرت‏موازين السلطة السياسية بين البابا والسلطة السياسية لصالح الحكومة، ومن جهة اخرى، تزايد اقبال الناس على التجارة‏والبحث العلمي وشاعت بينهم نزعة الاستقلال والتحرر. ان سلوك رجال الدين المسيحي ادى الى زعزعة‏مرجعيتهم الاخلاقية بسبب ما تفشى بينهم من جشع مادي وانكباب على الدنيا، فقد اثيرت حفيظة الراي العام جراء المبالغ الكبيرة‏التي كان رجال الدين ياخذونها من الناس بذريعة صكوك الغفران ونحوها. وطوال القرن الخامس عشر، اسهمت عوامل‏اخرى في زعزعة سلطة البابا وتجريده من نفوذه واهميته، الامر الذي اسهم في خلق التحول السريع على المستويين‏الثقافي والسياسي. ان اختراع البارود ساعد على تكريس الحكومات المركزية ومدها بالقوة، وقد تحالف لويس الحادي‏عشر في فرنسا وادوارد الرابع في بريطانيا مع البرجوازية الثرية للوقوف في وجه النبلاء الذين سعوا الى خلق الفوضى.كانت الثقافة الجديدة تجد مرجعيتها الاساسية في حضارة ما قبل المسيحية، اي انها كانت تمجد ثقافة اليونان والرومان‏بينما تزدري ثقافة القرون الوسط‏ى((604)) .

هكذا بدا عصر الثورة العلمية، ويقول ويليم هول: ;ژرس‏ز÷في النصف الثاني من القرن الخامس عشر، شاع في ايطاليا اولا تمجيدلفكر ما قبل المسيحية، ثم سرعان ما انتشر ذلك في انحاء الغرب.

نلاحظ ان دراسة الاعمال والموروث الكلاسيكي كانت‏تعد ارفع نشاط فكري حتى آونة قريبة. ان حقبة الحماس والغليان شهدت احياء الافكار الكلاسيكية، وهي الحقبة التي‏تبدا بعد احداث 1453 للميلاد (اي سقوط القسطنطينية)، وتتزامن مع الكشوفات الجغرافية الكبرى واختراع الطباعة، وهذه‏الحقبة لا تعد بداية لعصر النهضة بل هي تمثل ذروة هذا العصر.

تتمثل المواصفات الاساسية للنهضة في شيوع رؤية كونية محددة بدرجة منقطعة النظير، وفي رواج العلم الدنيوي الذي لم‏يكن حكرا على رجال الدين كما انه لا يقتصر في موضوعاته على القضايا التي تصادق عليها الكنيسة. كان رجال عصرالنهضة على استعداد للخوض في مختلف الموضوعات النظرية الانسانية ابتداء من المثلثات وحتى ما يتصل بالشعوذة، من‏دون ان يخشوا ما قد يؤدي اليه ذلك من التعاط‏ي مع الشان الدنيوي. انهم لم يكونوا ليعيروا اهمية لذلك على حد تعبيرالقديس بولس، وراحوا يفخرون بالانسان علنيا. في ضوء ذلك لا يمكن اختزال عصر النهضة بحركة علمية او فنية او ادبية،ذلك ان الاتجاهات التي اسست النهضة كانت تاخذ بعين الاعتبار مختلف المجالات. انهم يعدون ليوناردو دافنشي(14521519) فنانا، غير انه كان ايضا مهندسا فيزيائيا عالما بالتشريح وخبيرا عظيما في الرياضيات.

ويذكرون‏كوبرنيكوس (14731543) بوصفه عالما بالفلك، بيد انه كان متخصصا في تدريس ست لغات، ويقال: انه كان‏متبحرابنحو او آخر في الرياضيات والفيزياء والطب والقانون والجغرافيا، الى جانب الفلسفة والادب والتاريخ والتراجم،وفقه اللغة والهندسة والرسم وغيرها;ژرس‏ز÷((605)) .

ويرى ويليم هول، في نص آخر: ان عصر النهضة العلمية يتمثل في القرنين السادس عشر والسابع عشر، يقول: ;ژرس‏ز÷تتحددالملامح الاساسية للنهضة العلمية في العصر الذي بدا مع كوبرنيكوس وانتهى بنيوتن، او منذ اواسط القرن السادس عشرحتى نهايات القرن السابع عشر، وقد اكتسبت هذه الحقبة اسم الثورة العلمية;ژرس‏ز÷((606)) يرى ايان باربور ان القرن السابع عشر هو الذي شهد ولادة العلم الحديث، ويقول: ;ژرس‏ز÷ان القرن السابع عشر هو الحقبة التي‏شهدت ذلك التحول السريع في رؤية الانسان الكونية، بنحو يسوغ لنا الحديث عن ولادة علم جديد في قرن تنامى في‏اطاره النبوغ البشري. كان ثمة منعطفان مهمان في تطور العلم الحديث، اعني استجواب غاليليو (1632) ومبادئ نيوتن(1687).

وكلاهما في القرن السابع عشر;ژرس‏ز÷((607)) .

واصل البابا بالطبع مواجهة الحركة العلمية خلال هذه الحقبة كذلك، ومن نماذج هذه المواجهة محاكمة غاليليو وادانته، لكن‏سطوة الكنيسة لم تكن في عصر غاليليو على نحو يتيح لها الحؤول دون تطور العلم والعودة به الى الماضي. راح رجال من‏طراز غاليليو وديكارت يتجنبون كتابة اعمالهم باللغة اللاتينية، فاعتمدوا لغاتهم الام في ذلك وراجت افكارهم بسرعة. امافي البلدان البروتستانتية فان المفكرين اللادينيين كانوا في مامن من الملاحقة والقمع طالما لم يدخلوا في مواجهة مع‏الكنيسة.

تمتع الناس بحرية اعتناق ما يشاؤون من آراء علمية في بريطانيا وهولندا، ولم يواجهوا اي منع في عصر اليزابث وخلال‏القرن السابع عشر، وحتى المعوقات التي ربما كانت تظهر احيانافانها ظلت محدودة وقليلة، فقد آمن جماعة من العلماء في‏عهد اليزابيث بنظرية كوبرنيكوس، ومن اهمهم ويليم غلبريت طبيب اليزابيث ومؤسس علم المغناطيس. لقد ترسخت‏افكار كوبرنيكوس وكبلر وغاليليو تدريجيا وحازت على ترحيب الاعضاء الاوائل في الجمعية الملكية البريطانية في‏نهايات القرن السابع عشر. وبين هؤلاء العلماء تكونت نظرية الجذب العام، ولعلها اهم مكاسب الثورة العلمية.

وفي السياق نفسه، ظل الفكر الاوروبي خاضعا لتاثيرات ديكارت العميقة، كما ان الرياضيات راحت تحقق تقدما بفضل ماتركه ديكارت من اثر عليها;ژرس‏ز÷((608)) .

حركة الاصلاح الديني تزامنا مع النهضة او بعدها بقليل، قامت حركة الاصلاح الديني على يد مارتن لوثر المصلح الالماني (14831546)،الامر الذي انتهى بتاسيس مذهب البروتستانت في العالم المسيحي ( حژژحژرزت تعني الاحتجاج)، رغم ان اراسموس، وهوقسيس فاضل عالم، تحدث قبل ذلك، وفي اواخر القرن الخامس عشر، عن ضرورة الاصلاح الديني في قوانين الكنيسة،بيد ان اصرار لوثر وكفاحه قد جسدا ذلك الهدف عمليا.

ادرك لوثر بعد ان بلغ مرتبة قسيس، خلال دراساته المعمقة في العهدين القديم والجديد (التوراة والانجيل)، ان ثمة‏تبايناشديدا بين ما وضعته الكنيسة والبابوات من تعاليم، وما تضمنته التوراة والانجيل، وقد تالم لوثر كثيرا في سفره الى‏روما بعد ان شاهد الثروات الطائلة التي يجمعها البابوات.

جاء مبعوث من البابا يدعى تتسل الى ويتنبرغ بالمانيا عام‏1517، كي يبيع صكوك الغفران الى نصارى تلك المنطقة، غير ان لوثر شجب ذلك وراح يهاجمه علنا، ثم عمد مع جماعة‏من رفاقه بتاريخ 31 تشرين الاول (اكتوبر) الى كتابة وثيقة تضمنت خمسا وتسعين مادة اكتسبت شهرة في تاريخ‏الكنيسة، وادان فيها بنحو تفصيلي بيع صكوك الغفران التي كانت بالنسبة الى القساوسة مصدرا للدخل والثروة.

تناهى ذلك الى البابا فامر باحضار لوثر الى روما، لكن الاخير تمرد على ذلك الامر، ولم ينفذه وقدم الى المجمع العام‏شكوى ضد البابا، ثم قام البابا لويس العاشر بتكفير لوثر رسميا عام 1520، غير ان لوثر احرق وثيقة التكفير على مراى‏من الناس فصدر حكم ارتداده بعد ذلك، الا ان الغالبية العظمى من السكان في شمال المانيا شجبت حكم الارتداد هذاوايدت لوثر واتبعته، ثم بات لوثر شهيرا في مختلف انحاء اوروبا بشكل تدريجي.

لم يزعم لوثر انه اتى بدين جديد، كما انه لم يهدف الى شق الصف المسيحي، بل انه استهدف تخليص التعاليم النصرانية من‏الخرافات والعقائد والتقاليد المزيفة ووضع حد لما تمارسه الكنيسة من استغلال للدين. لقد عارض هذا الاتجاه الطقوس‏المقدسة اجمع باستثناء التعميد والعشاء الرباني اللذين صرح بهما الكتاب المقدس، كما رفض لوثر ما كان سائدا من اعتقادبعصمة البابا.

ثمة شخصية اخرى اسهمت في تاسيس المذهب البروتستانتي وتعد من قيادات الاصلاح الديني، وهي جون كالفن(15091565) الذي تركز خلافه الرئيسي مع مارتن لوثر على العلاقة بين الدين والسياسة، حيث اعتقد لوثر بالفصل بينهما داعيا الى ان تكون الكنيسة تابعة الى الحكومة، بينما كان كالفن‏من انصار الحكومة الدينية ((609)). كما لا يتفق كالفن مع لوثر في رفضه لجميع الطقوس المقدسة لدى الكاثوليك((610)) .

ان واحدة من القيم التي افرزتها الحركة الاصلاحية تتمثل بالقداسة التي منحتها للنشاط العلمي والممارسة الدنيوية التي‏تستهدف تحقيق مصالح الدين والناس، حيث عارض الاصلاح الديني الفكرة التي كانت تقرر ان الرهبانية هي الطريق‏الوحيد للفلاح، وهي ما يحظ‏ى بالقداسة وحسب. يقول ايان باربور عن ذلك: اعتقد كل من لوثر وكالفن بان المرء لا يتقرب‏الى اللّه من خلال اللجوء الى حياة الرهبنة، وانما عبر ممارسته لاي عمل شريف ومفيد ينهمك فيه بروحه وقلبه.

هذه‏القداسة التي اكتسبها العمل هي من معطيات واحدة من تعاليم الاصلاح الديني التي تقرر: ;ژرس‏ز÷رغم ان المرء يحظ‏ى بالعفووالغفران بفضل الرحمة الالهية لا بفضل اعماله، غير ان في وسعه ان يلبي نداء الحب الالهي من خلال سعيه في امور معاشه‏في هذه الدنيا;ژرس‏ز÷.

لقد كانت الكالفنية متحمسة اكثر من المذهب اللوثري الى تحفيز العمل الدنيوي، ذلك انها آمنت بان العمل كلما تمتع بقدراكبر من التنظيم والعقلانية، فانه سيوجب رضا اللّه من جهة، وسيؤدي الى تعزيز مستوى الرفاه العام. على كل مؤمن‏مسيحي ان يجتهد في تعظيم شان اللّه من خلال عمل جيد ومفيد((611)) .

العلماء والدين في القرن السابع عشر كان موقف العلماء جميعهم في القرن السابع عشر ايجابيا منحازا للدين، حيث اقبلوا على الدين الطبيعي، وحاولوا ان‏يبرهنوا على وجود اللّه عبر توظيف قوانين الطبيعة ونواميسها العجيبة التي توصلوا اليها في نطاق العلوم الطبيعية.

كان غاليليو كاثوليكيا، ولم يكن يرى اي تعارض بين قناعاته العلمية ومعتقده الديني، وكان يؤمن باهمية الكتاب المقدس‏غير انه يعتقد بان هذا الكتاب لا يتحدث عن حقائق علمية بل يتناول معطيات معنوية روحية تتصل بالتقوى واستقامة‏الانسان. وهي حقائق تتفوق على العقل والبرهان، ولا يمكن اكتشافها بوساطة الحس، ولا يمكن ان يتقاطع مصدرا المعرفة‏هذين، لان اللّه هو صاحب كتاب التكوين (الطبيعة)، وهو الذي اوحى كتاب التدوين. يقول غاليليو: ان الطبيعة هي المصدرالوحيد للمعرفة العلمية، كما في وسعها ان تكون مصدرا لبحوث اللاهوت وطريقا الى معرفة اللّه((612)) .

كان الكيميائي الانجليزي روبرت بويل (16271691) يقول: ان العلم رسالة دينية تتمثل باكتشاف اسرار الخلق البديع‏الذي اوجده اللّه.

وكان نيوتن (16421727) يعتقد بان عالم الكون يدل على وجود خالق قادر مطلق. وهو يقول في كتاب الضوء: ;ژرس‏ز÷ما هومصدر هذا النظام والجمال اللذين نشاهدهما في الكون؟ وكيف اتيح لجسم الكائن الحي كل هذا البناء الذي يعكس الفن‏والمهارة، بحيث ان كل عضو فيه قد اخذ موقعه بشكل جميل متناسق؟ ترى هل خلقت العين دون احاطة بعلم الضوءوالمرايا؟... الا تدل آيات الطبيعة وآثارها على وجود كائن غير مادي يتمتع بالحياة والحكمة؟;ژرس‏ز÷.

تاسس المجمع الملكي البريطاني عام 1662 على يد مجموعة من العلماء، وكان هذا المجمع يوصي اعضاءه بان يجعلوامن دراساتهم اداة لتعظيم اللّه والدلالة على شانه وتحقيق ما فيه خير الانسان. وكان توماس سبيرت (16531713) وهوالذي دون تاريخ المجمع الملكي، يعتقد بان العلم عامل جدير بمساعدة الدين.

رغم ان توماس هوبز (15881679) يرى ان العالم حصيلة لاجتماع الذرات وتركيبها بالمصادفة، ورغم ذلك فان علماءالمجمع الملكي كانوا يؤكدون انهم يتبنون الاتجاه الذري ;ژرس‏ز÷القائل باصالة الذرة;ژرس‏ز÷، غير انهم ليسوا ماديين، وهم يحاولون بذلك‏ان يتفادوا اتهامهم باللادينية، اي انهم يقولون بان الاتجاه الذري لا يؤدي بالضرورة الى الالحاد.

لم يكن لدى هؤلاء العلماء طبعا تصور واضح عن دور الارادة الالهية في خلق الكون وتواصله وبقائه. كان بعضهم يرى ان‏ارادة اللّه تعني علمه وتخطيطه المسبق، اي ان اللّه ياخذ مسبقا بنظر الاعتبار مجموعة من العوامل والاسباب ويجعلهاتتطابق بنحو قبلي مسبق مع ما يطرا على الكون من احداث في المستقبل، بنحو يتيح الحفاظ على نظام الكون من جهة،ويجسد ارادته عمليا من جهة اخرى. غير ان النظرية الاكثر شيوعا هي التفسير العام للارادة الالهية، اي ان اللّه وضع جميع‏الاشياء في مسار محدد تتحرك فيه من خلال منهج متناسق، ووضع نظام الكون على نحو يحفظ خلقه وصنيعته، اما حركة‏الطبيعة التي جرى وضعها في مسار محدد، فهي تتبع قوانين ثابتة وتتحرك الاسباب المادية في ضوء ما تقتضيه طبيعتهاوضروراتها. وفي ضوء ذلك يجري تقليص الدور الذي يؤديه اللّه حاليا ويقتصر على صيانة النظام الكوني، ويكون العالم‏بمثابة ساعة قام اللّه بتوقيتها مسبقا ثم تركها تعمل. من الواضح ان تفسيرا كهذا لا ينسجم مع الايمان بان ارادة اللّه تتدخل‏على الدوام في حوادث العالم((613)) .

العلم والدين في القرن الثامن عشر اطلق الباحثون على القرن الثامن عشر اسم ;ژرس‏ز÷عصر العقل;ژرس‏ز÷، وسميت الحركة الفكرية التي شهدها بحركة التنوير.

والسمة‏التي تميز رواد التنوير هي مذهب العقل (او دين العقلانية)، ما يمكن ان نتتبع، في ثلاث مراحل، تطوره وتنامي نفوذه‏وافوله.

في المرحلة الاولى، كان الباحثون يعدون مذهب العقل ودين الوحي منهجين متبادلين يؤدي كل منهما الى حقائق اساسية،وتتضمن النواة المشتركة لتلك الحقائق ثلاثة مفاهيم رئيسية هي: اللّه، والفعل الاخلاقي، وخلود الروح. صدر كتاب;ژرس‏ز÷المسيحية دين قديم بقدم العالم;ژرس‏ز÷ عام 1730 للاهوتي ماثيوتيندل (16571733)، وهو من الاتجاه الديني الطبيعي(((614))ژژخحا وجاء فيه: ;ژرس‏ز÷ان الكتاب المقدس يعيد قراءة هذه المفاهيم والمسلمات العامة نفسها، لا انه مجرد وحي;ژرس‏ز÷. لقد شاع‏كثيرافي تلك الحقبة الحديث عن الخالق والبراهين التي تطرح لاثبات وجود اللّه، وقد الف عالم النبات جون ري(1627170;ژرس‏ز÷ كتابا تحت عنوان: ;ژرس‏ز÷حكمة الخالق;ژرس‏ز÷ تناول فيه آيات الخلق وسلط الضوء على الاتقان والكمال في خلق‏النباتات والكائنات الحية، حتى بات كتابه مرجعا مهما آنذاك.

وفي المرحلة الثانية، شاع بنحو اكبر الدين الطبيعي ((ژژخحا ، وراح يعد بديلا للوحي، فلم يكن ثمة ادنى شك في مؤهلات‏العقل وقدراته، الامر الذي ادى الى منح الكتاب المقدس دوراثانويا تابعا للعقل. وهكذا اخذ اللاهوت القائم على الوحي‏موقف الدفاع، واخذ اتباع الدين الطبيعي يهاجمون الكنيسة وهيمنتها، فاصبحت المسيحية التقليدية تعد عدوا لمذهب‏العقل. وبشكل متزايد، تعرضت المعجزات الى نقد حاد يساويها بالخرافة، وطال التشكيك والطعن المعتقدات والطقوس‏الدينية بذريعة انها لا تنسجم مع روح العصر الجديد.

لقد جرى كبح جماح هذا الهجوم في بريطانيا بينما ظلت الهجمة تحتدوتتصاعد في فرنسا لتحمل طابعا عدائيا. نجد ان الكاتب والمؤرخ الفرنسي فولتير (16961778) الذي يمثل واحدا من‏اهم رموز حركة التنوير، وظف جميع طاقاته للهجوم على المسيحية، رغم انه ظل حتى آخر حياته مؤمنا باللّه على طريقة‏الدين الطبيعي. واصدر الكاتب الامريكي والخبير في الشؤون السياسية توماس بين (17371809) كتابا حمل عنوان: ;ژرس‏ز÷عصر العقل;ژرس‏ز÷ القى فيه الضوء على المفارقات التي عثر عليها في الكتاب المقدس،واعرب عن سروره لما حققه العقل من انتصار على الخرافات، غير انه دافع في الوقت نفسه عن اللّه والقضايا الاخلاقية.

اما المرحلة الثالثة، فقد اكتسبت طابعا تشكيكيا الحاديا، فجرى رفض الدين بمختلف انماطه (ما كان قائما على الوحي، ومااستند الى العقل)، كما هي الحال مع هولباخ الالماني (17231789) الذي انكر اللّه وحرية الانسان وخلود الروح، واعتقدبان المادة قائمة بذاتها، وكان يقول: ان الطبيعة هي الكائن الوحيد الذي يستحق العبادة. اما الفيلسوف المادي الفرنسي‏ديدرو (17131784)، وهو من رموز عصر التنوير، فقد كان مسوغه في معاداة الكنيسة هو اتجاهها المحافظ اجتماعيا،والذي كان يعده خصما لمختلف مستويات التقدمية والحرية ان الانجليزي ديفيد هيوم (17111776) واحد من ممثلي اتجاه الشك في ذلك العصر، وهو يرفض تعويل حركة التنويرعلى مؤهلات العقل في مختلف مجالات الفكر، ويشكك في امكانية البرهان العقلي في مجال اكتشاف قوانين الطبيعة.

كان‏يرى ان العلم لا يؤدي ابدا الى الايمان بصرة حتمية مطلقة بين الاشياء والاسباب والمسببات، وليس هنالك اكثر من ان‏نتوقع تعاقبا واقترانا بين العلل والمعلولات وتداعيا في المعاني وحسب. وهكذا فان العلية او السببية ليست سوى عادة‏ذهنية تتمثل بتوقع التقارن بين الاشياء، وبالتالي فان البرهان على وجود الخالق بوصفه العلة الاولى، يفقد اساسه المنطقي.وفي ضوء ذلك، فان اي علة ناخذها بعين الاعتبار هي بدروها معلول لعلة اخرى، وبذلك فان القول بوجود سلسلة‏ومجموعة غير متناهية من الحوادث، هو امر اكثر منطقية من الايمان بوجود علة اولى ضرورية بذاتها ولا تكون معلولة‏لغيرها. كما انتقد هيوم برهان النظم واتقان الصنع، وكحصيلة نهائية من مجمل تصوراته، نستنتج ان هيوم يتخذ موقفاشكاكالاادريا ( (ح‏خژژرذخ‏آ حيال موضوع الخالق، فيرى انه من الافضل ان لا نصدر حكما حيال هذه القضية، اذ ليس في‏وسعنا وضع برهان منطقي على وجود اللّه، كما ليس في وسعنا التدليل على عدم وجوده منطقيا.

لا بد من الانتباه، في السياق هذا، الى ان موقف هيوم يتاسس على نظريته في المعرفة التي تقول بمحورية الحس والتجربة‏واصالتهما، وانه لا يؤمن باي لون من المعرفة العقلية المسبقة او القبلية، باستثناء مفاهيم الرياضيات واحكامها. كما انه لايرى في مبدا السببية او العلية سوى ظاهرة ذهنية لا علاقة لها بحقائق الكون.

وعلى هذا الاساس، فان نقد نظرية هيوم لا بد من ان يسبقه نقد لموقفه الابستمولوجي، ما يخرج عن هدف دراستناهذه.

الفيلسوف الالماني الشهير عمانوئيل كانط (17241804) هو الشخصية الاخرى التي عارضت الدين الطبيعي، غير ان‏ذلك لم يؤد به الى السفسطة او الالحاد. بل ان كانط جعل التجربة الاخلاقية اساسا رصينا للالهيات معترفا بعجز العقل في‏هذا المجال. يعتقد كانط ان الدين يبدا من شعور الانسان بالالزام الاخلاقي لا في مستوى القضايا النظرية في الميتافيزيقيا،وهو يمضي قدما في ذلك حتى انه يرى ان اللّه يمثل مبداء ثابتا في النظام الاخلاقي، كما ان المعتقد الديني هو في حقيقته‏ثوابت يوجبها وعينا بالالزام الاخلاقي. وحين يقوم عملنا على رغبة في انجاز الواجب فذلك ما يدعم بشكل غير مباشرايماننا بان الكون نظام اخلاقي، اما وجود قوانين الاخلاق فيعني ان ثمة مشرعا قانونيا هو مصدر تلك القوانين والضمانة‏لتطبيقها. كما ان الممارسة الاخلاقية تتطلب وجود لون من التوافق بين الفضيلة وحسن العاقبة، وهو ما يرشدنا بالطبع الى‏موجود يرسي العدل من خلال ضمانه لثواب عادل في الحياة الاخرة جزاء للفضيلة.

يقول كانط: ان التجربة الاخلاقية تسوغ فكرة وجود اللّه، غير انها لا تؤسس مرتكزا لسوى ذلك من مزاعم المعرفة الدينية‏او الفكر الديني. غالبا ما يكون اليقين بوجود اللّه امرا عمليا اكثر منه نظريا، فلا بد لنا من ان نعمل مفترضين صحة‏المعتقدات تلك حتى لو عجزنا عن اثباتها نظريا. ان كانط لا يحسن الظن بالميتافيزيقيا، كما هي الحال مع هيوم وسائرالاتجاه التجربي، وهو يحاول ان يتجنب الاقتراب من القضايا ذات الصلة بالحقيقة والامر نفسه والاشياء في حد ذاتها،ويصر على تحديد دور العقل النظري في دائرة تفسير الظواهر الحسية.

وهكذا، فان فلسفة كانط تمثل اجابة حيال العلم والدين تمتعت بتعقيد معرفي جعلها اوسع من الاجابة التي سبق ان قدمهاالدين الطبيعي. يقول في احدى كلماته المعمقة: ;ژرس‏ز÷ثمة امران كلما تامل المرء فيهما اكثر امتلا قلبه بالمزيد من الاعجاب...السماء التي تزخر بالنجوم في الخارج، والقانون الاخلاقي في الباطن;ژرس‏ز÷. كما ان كانط يكن احتراما جما للعلم النيوتني،ويصر على ضرورة ان تتقيد المزاعم المعرفية بالعلاقات بين الظواهر الطبيعية ما يقوم على التجربة. ويولي كانط اهمية‏كبيرة للنوايا في العمل الاخلاقي والحسن والقبيح والخطيئة والعمل الصحيح وتمييز الحق من الباطل. وحيث انه ابن عصرالعقلانية فانه كان يفسر الاخلاق في اطار المبادئ العقلية العامة، وهو يرى ان كلا من نظام الطبيعة ونظام الاخلاق، يتمتع‏بالعقلانية غير ان هنالك تباينا في مجالاتهما.

ومن خلال ذلك، قام كانط ثانية بالتوفيق بين العلم والدين بشكل مؤقت. فلكل منهما مجاله ودوره بنحو لا يدفعه الى‏مواجهة الاخر او التقاطع معه. وفي دائرة الظواهر ليس ثمة ما ينافس العلم، اذ ان العقائد الدينية ليس من شانها توسيع نطاق‏التفسيرات العلمية، بل يتمثل دورها في منح الجانب الاخلاقي من الانسان المزيد من الوضوح والرسوخ عبر اقامة آصرة‏تجمعها بالحقيقة النهائية((615)) .

العلم والدين في القرن التاسع عشر اكتسبت علاقة العلم والدين في هذا القرن طابعا صداميا متوترا بالدرجة الاولى، رغم ان عددا من العلماء حاولوا التدليل‏على الانسجام بينهما. يمكن ايجاز المحاور الرئيسة لذلك التعارض كما ياتي:

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية