|
ولما ملك الامين ;ژرسز÷وجه الى جميع البلدان في طلب الملهين
وضمهم اليه، واجرى لهم الارزاق، ونافس في ابتياع افرزة
الدواب، واخذالوحوش والسباع والطير وغير ذلك... وقسم ما
في بيوت الاموال وما بحضرته من الجواهر في خصيانه
وجلسائه ومحدثيه، وحمل اليهما بالرقة من الجواهر والخزائن
والسلاح، وامر ببناء مجالس لمتنزهاته ومواضع لهوه ولعبه،
بقصر الخير والخيزرانية وبستان موسى.وقصر عبد ربه وقصر
المعلى ورقة بكلواذي وباب الانبار زنبارى والهوب، وامر بعمل
خمس حراقات (مراكب) في دجلة على خلقة الاسدوالفيل
والعقاب والحية والفرس، وانفق في عملها مالا عظيما... وابتنى
سفينة
عظيمة انفق عليها ثلاثة آلاف الف واتخذ اخرى على خلقة شي
يكون في البحر يقال له الدلفين;ژرسز÷ ((415)).
اما المغنون فلم يحرموا من عطائه، فقد غناه ابراهيم بن
المهدي فطرب فقال: ;ژرسز÷اوقروا زروقه ذهبا;ژرسز÷ ((416)) . وغناه ليلة
اخرى، فاعطاهثلاثماية الف دينار، وقال له ابراهيم: يا امير
المؤمنين قد اجزتني الى هذه الغاية بعشرين الف الف درهم
((417)) . وبذل ثمن جاريةلجعفر بن موسى عشرين الف الف
درهم((418)) واعطى عبداللّه بن ايوب التيمي الذي غناه وهو
مغموم، حمل ثلاثة بغال دراهم((419)).
اما المامون فلم يكن اقل كرما ، فقد وعظه العباس بن العباس
العلوي، بعد قتله ابن عائشة، فامر له بثلاثماية الف
درهم((420)).
واستطاب المامون اكلة فمنح الطباخ اربعة آلاف دينار
. ((421))
كما اعطى شخصا شاميا استقدمه لمنادمته خلعة وخمسين
الف درهم ((422)) .
ولم يبخل المامون على المغنين، فقد غناه علوية لحنا لابراهيم
الموصلي، وكان في زورق، فوهبه له بما فيه، فباعه بمايتين
وخمسين الفدرهم((423)) . كما غناه علوية مرة اخرى
فاعجب به واعطاه عشرة آلاف وخلعه ثلاثة اثواب، ثم امره
بالاعادة وهكذا في كل مرة يعطيهعشرة آلاف وثلاثة اثواب،
حتى بلغ مائة الف درهم وثلاثين ثوبا ((424)) .
واتاه وفد من الكوفة، فاعرض عنهم، فاعتذر شيخ منهم بلسان
فصيح، فقال;ژرسز÷ يا عمرو، نعم الخطيب خطيبهم اقض حوائجهم،
فقضيت;ژرسز÷((425)).
وانشده احد الشعراء، ويدعى ابن وهيب، خمسين بيتا فاعطاه
الف درهم بكل بيت ((426)) . ومدحه رجل من تميم بارجوزة،
فاعطاهثلاثة آلاف دينار ((427)) ، ويعطي ابا العتاهية على
قصائد عشرة آلاف وعشرين الفا ويخصص له راتبا مقداره
عشرون الفا ((428)) .وانشد النصر بن شميل اشعارا له
بخمسين الف درهم، كتب له بها الى الفضل بن سهل، فاعطاه
الفضل اياها وثلاثين الفا من عنده ((429)).
اما المعتصم فقد توج ;ژرسز÷الافشين والبسه وشاحين بالجوهر،
وصله بعشرين الف الف درهم، منها عشرة آلاف الف صلة
وعشرة آلاف الفدرهم يوزعها في اصل عسكره،
وعقد له على السند، وادخل عليه الشعراء يمدحونه، وامر
للشعراء بصلات ((430)) .
ويتشارط المعتصم مع اسحاق الموصلي فيقول له: ان اصبت
فلك مائة الف، مائتا الف، ثلاثماية الف ((431)) . ويكاتب
الحسين بنالضحاك فياتيه وينشده شعرا، فيملا فمه جواهر
((432)) ، وفي مرة اخرى، اقطعه دارا في سامراء والف دينار
لنفقتها ((433)) .
اما المغنون فلم يبخسوا نصيبهم، فاسحاق الموصلي يغني
المعتصم من شعر ابي العتاهية، فيامر له بثلاثين الفا ولابي
العتاهية بعشرين((434)) . ويكف اسحاق عن الغناء، لكن
المعتصم يسقيه فيغنيه ، فيامر له بمائة الف درهم ((435)) .
ويطلب ابو دلف من احد المغنين انيغني المعتصم، فيطربه،
فيعطي ابا دلف عشرين الف دينار ((436)) . واخيرا يغنيه
ابراهيم بن المهدي ;ژرسز÷ثلاثة اصوات;ژرسز÷ فيعطيه بكل صوتجاما من
الدنانير ودراهم، ثم قوارير عنبر ((437)) .
والواثق لا يقصر عن اسلافه، فقد امتدحه عمارة بن عقيل
الخطفي بقصيدة، فامر له بثلاثين الف درهم وبعير((438)) .
غير ان نصيبالمغنين كان الاوفر، فقد غناه اسحق الموصلي
مرات كان يعطيه في كل منها مائة الف ((439)) . وغناه مرة
ثلاثة اصوات اشاد به فيها، فامرله بثلاثماية الف درهم ((440))
، واعطاه مرة اخرى، كان يشرب، على غنائه ثلاثماية الف ايضا.
حتى قال اسحاق: ;ژرسز÷ما وصلني احد منالخلفاء بمثل ما وصلني
به الواثق، وما كان احد منهم يكرمني اكرامه...;ژرسز÷ ((441))
واشترى الواثق جارية مغنية من صالح بن عبد الوهاببعشرة
آلاف دينار ((442)) .
اما ارقام المتوكل فلم تكن معقولة، ;ژرسز÷فقد كانت له اربعة آلاف
سرية وطئهن كلهن;ژرسز÷ ((443)).
وكان انفاقه على المهرجين يفوق الخيال، فقد انفق على
الهاروني والجوسق الجعفري اكثر من مائة مليون درهم
((444)). وعندما بنىالماحوزة ;ژرسز÷وحضر اصحاب الملاهي،
فوهب لهم الفي الف درهم;ژرسز÷ ((445)).
وعقد المتوكل لولاة العهد من ولده... واذن للناس فدخلوا اليه،
فلما تكاملوا بين يديه، مثل ابراهيم بن العباس... فقال (شعرا)
فامر لهالمتوكل بمائةوعشرين الف درهم، وامر له ولاة العهد
بمثلها ((446)) كما مدحه ابو السمط مروان الاصغر ومدح ولاة
عهده فامر لهبمائة وعشرين الف درهم وخمسين ثوبا وفرسا
وبغلة وحمارا وقبله (ضمنه) ضيعة باليمامة بدرهم سنويا
واقطعه ضياعا ((447)) . وكان
امر له مقابل قصيدة بوفاء دين كان عليه بستة آلاف دينار.
ومدحه مرة وهجا الشيعة ( الرافضة!) فعقد له على البحرين
واليمامة وخلع عليه اربع خلع، وامر له بثلاثة آلاف دينار ونثر
على راسهعشرة آلاف درهم ((448)) .
ويخون احد العمال المال فيسترضي مسؤوله المتوكل بشعر
فيه فيسامحه ((449)) .
ويستمر الكرم العباسي بعد ضعف الخلافة، فالمعتز يامر لرئيس
دير بخمسماية الف درهم مقابل خدمته له ((450)) والمعتمد
تغنيهشارية المغنية فيامر لها بالف ثوب من الثياب الفاخرة
. ((451))
اما الراضي فكان جالسا على آجرة (لبنة) واتاه رجال فطاب
اليهم الجلوس فجلس كل على آجرة، فصدف ان وجد احدهم
آجرتينملتصقتين، فلما اراد الانصراف، امر لكل منهم بوزن
آجرته دنانير او دراهم (الشك من الراوي)، فكان نصيب
صاحبي الاجرتينمضاعفا((452)) .
واخيرا كان الخليفة المنتصر باللّه يامر ب;ژرسز÷ ان يفرش له بفرش
ديباج مثقل بالذهب;ژرسز÷ ((453)) .
على ان في الوان الطعام التي كانت تقدم للخلفاء ما يكمل
الصورة ربما، فقد ;ژرسز÷تقشف;ژرسز÷ القاهر (320 322)، واكتفى ;ژرسز÷بفواكه
بدينار، وكانيؤتى بفواكه بثلاثين دينارا، ومن الطعام، باثني
عشر صنفا، وكان يؤتى الخلفاء ثلاثين صنفا;ژرسز÷ ((454)).
تبذير كبار رجال الدولة: واذا كان الناس على دين ملوكهم، فان
كبار رجالات العصور العباسية كانوا يبذرون كخلفائهم.
فالفضل بن يحيى البرمكي يمدحه مروان بن ابي حفصة فيامر
له بمائة الف درهم ((455)) . كما يهب لابراهيم بن جبريل
خراج سجستانبعد ان جباه ويزيده خمسماية الف ((456)) .
ويترك لابراهيم نفسه سبعة ملايين قيمة غنائم حصل عليها
من كابل، واربعة آلاف منالخراج ((457)) . ولما قدم من
خراسان الى بغداد، استقبله الرشيد وبنو هاشم، فراح يصل
الواحد بالالف الف
والخمسماية الف، وكان يعطي البدر (وفي كل منها عشرة
آلاف) مختومة ((458)) .
وطلحة بن طاهر بن الحسين يهب، بعد توليته، لاحمد بن ابي
خالد ثلاثة (ملايين) درهم وعروضا بالفي الف، كما وهب
لابراهيم بنالعباس، كاتب احمد بن ابي خالد، خمسماية الف
درهم((459)).
ولما تزوج المامون بوران بنت الحسن بن سهل، اقام عنده
;ژرسز÷سبعة عشر يوما يعد له كل يوم ولجميع من معه (من القواد
والكتاب والوجوهوالجنود، وحتى المكارين والحمالين
والملاحين وسائر المرتزقة) كل ما يحتاجون اليه، وان الحسن
خلع على القواد على مراتبهمووصلهم. وكان مبلغ النفقة
عليهم خمسين الف الف درهم، وقد نثر الحسن على سائر
الناس الدنانير والدراهم ونوافج المسك وبيضالعنبر، وكانوا
يتحدثون ;ژرسز÷ان الحسن بن سهل كتب رقاعا فيها اسماء ضياعه
ونثرها على القواد وعلى بني هاشم، فمن وقعت في يده
رقعةمنها فيها آسم ضيعة بعث فتسلمها. فامر المامون بمجمل
خراج فارس وكور الاهواز الى (الحسن) سنة (كاملة);ژرسز÷ ((460)).
وفي عهد المامون، سار اسحق الموصلي خلف جارية تركب
حمارا وعليها الحلل. فاذا هو في بيت، فغنت واصلح لها وعرف
عن نفسه،فطلب اليه صاحب البيت ان يقيم عنده شهرا يغنيه،
ثم ياخذ الجارية والحمار، بما عليها وعليه ففعل ((461)).
واستمر تبذير الخلفاء والسلاطين والامراء حتى بعد ضعف
الدولة والخلافة، الى ان ضاق الناس ذرعا فثاروا. ففي سنة 320
ابان خلافةالمقتدر ووزارة الفضل بن جعفر بن الفرات، في
جمادى الاولى، اجتمع اهل الثغور والجبال الى دار السلطان،
واستنفر الناس ببغداد،وذكروا لهم ما ينالهم من الديلم والروم.
وان الخراج انما يؤخذ منهم، وساروا الى الجامع بمدينة
المنصور، واقتحموه ومنعوا من الخطبة،ورجموا الخطيب،
حتى ادموه وسلخوا وجهه، وجروا برجله. وقالوا: يا فاجر، تدعو
لرجل لا ينظر في امور المسلمين، قد اشتغل بالغناءوالزنى، عن
النظر في امور الحرمين والثغور، يفرق مال اللّه في اعداء اللّه ولا
يخاف عقابا ولا ينتظر معادا ((462)) .
لقد كانت تلك دعوة حق، كان يجب ان تطلق منذ قيام الدولة،
حيث كانت تنزع الغنائم من المغلوبين ويجمع الخراج والجزية
والصدقاتوغيرها بالاكراه غالبا، لتوزع على جيوش
الغزو، او على الاقارب والمحاسيب والازلام، او على المتملقين
من الشعراء والمداحين، او على المغنين او على الجواري
اللواتي كنيعاملن غالبا معاملة الدمى.
عربدة الخلفاء: انتشرت معاقرة الخمرة والسكر على اوسع نطاق
في العصر العباسي، ورافق ذلك معاشرة الجواري بالجملة،
وكذلك اللواطعند اكابر الدولة. وفي ما ياتي نماذج من ذلك:
فالمهدي كان لا يستسيغ شرب الخمر، ومع ذلك كان يضطر
الى الشراب مع اصحابه، كان يشرب تحرجا ولا يشتهيه، ويشرب
بمراى منهوعنده اصحابه: عمر بن بزيع والمعلى مولاه
والمفضل و(سائر) مواليه، ثم تاب ((463)).
وا لهادي، عندما قدم الى بغداد لتسلم الخلافة، دخل على
جاريته ;ژرسز÷فاقام عندها يومه وليلته، قبل ان يظهر لاحد
منالناس;ژرسز÷((464)).
والمامون يشرب وسط بحر من الجواري، اذ دعا اسحاق
الموصلي المغني وعنده ابراهيم بن المهدي وفي مجلسه
عشرون جارية، قداجلس عشرا عن يمينه وعشرا عن
يساره((465)).
وقاضي المامون يحيى بن اكثم يشرب ويسكر، ويعمل له شبه
القبر من الرياحين ويدفن فيه الى ان افاق. ويغازل هذا القاضي
الحسن بنوهب وكان غلاما، فيقول فيه الشعر، ويعيره المامون
باللواط، بقوله: ;ژرسز÷قاض يرى الحد في الزنا ولا يرى على من يلوط
من باس;ژرسز÷ ((466)).
والخليفة المعتمد ;ژرسز÷توفي... وكان شرب على الشط في الحسني
يوم الاحد شرابا كثيرا، وتعشى فاكثر فمات ليلا;ژرسز÷ ((467)) ، وكنا
مررنا علىنماذج من مماليك المعتصم ومن جواري المتوكل،
فلن نعيد.
حق الناس في الحياة الخاصة: لقد شدد الاسلام على حرمة
الحياة الخاصة بشكل استثنائي كما عرفنا. الا ان هذه الحرمة قد
انتهكت فيالعصر العباسي على نطاق واسع، بواسطة استقصاء
اخبار الناس في بيوتهم، واقتحامها وغير ذلك من الاساليب.
فالمنصور يعلن: ;ژرسز÷اذكيت العيون (الجواسيس) على الناس حتى
اتتني اخبارهم وهم في منازلهم;ژرسز÷((468)). ولم يكن الوحيد
الذي يفعلذلك، بل هو سن سنة لمن سيخلفه.
والهادي يتحدث عن جاريتين كلف من يتجسس له عليهما
فيقول: ;ژرسز÷بلغنا انهما تتحابان، قد اجتمعتا على الفاحشة، فوكلت
هذا الخادمبهما، ينهي الي اخبارهما...;ژرسز÷ وانتهى الامر
بمقتلهما((469)).
اما ;ژرسز÷كبس البيوت;ژرسز÷ وترويع الناس فكان سياسة ثابتة في كل
عصور الدولة العباسية، فاثناء حصار بغداد، امر الامين ;ژرسز÷زريحا
غلامه بتتبعالاموال... وامر الهرش بطاعته، فكان يهجم على
الناس في منازلهم، ويبيتهم ليلا، وياخذ بالظنة ((470)) .
واستمر هذا الاسلوب حتى آخرالدولة العباسية. ففي سنة 290
في خلافة المكتفي اختفى كاتب الحسين بن عمرو... فطلب
وكبست منازل جيرانه... ((471)) . وكان هذاديدن الاتراك
والبويهيين وسائر قواد الدولة وامرائها، ولا ضرورة للتوقف اكثر
عند حوادث بعينها خوف التكرار الممل.
الحقوق الاجتماعية والاقتصادية: لم تحمل المصادر الكثير عن
هذه المسالة، التي اهتم بها الاسلام، وقد راينا كيف كانت تجبى
الاموالمن الناس وتبذر، فهل كان هناك فضل للاهتمام بهذا
الامر. قد يكون بعض المسؤولين اولوا هذه المسالة شيئا من
عنايتهم، عندما كانوايجدون فائضا، بعد نهب الاموال العامة من
قبل الكبار. الا ان مسالة، ربما كانت وحيدة حملتها كتب
التاريخ، هي ان المهدي امر سنة 162بان يجرى على
المجذمين واهل السجون في جميع الافاق (اي يعطون حدا
ادنى)((472))واذا كان الانفاق على المرضى المزمنين
مسالةعرفها التاريخ الاسلامي، فان الانفاق على السجون، بما
يتجاوز الماكل والمشرب، مسالة ربما كانت جديدة.
القانون الانساني: كان القانون الانساني، كما اوضح احكامه
الامام علي بن ابي طالب(ع)، معروفا في العصر العباسي. وقد
ذكر ذلك احد قادةبني العباس، وهو اسماعيل بن علي. بعد ان
قاتل مهلهلا الحروري في بلاد فارس ;ژرسز÷ وهزم عسكره واسر من
اصحابه اربعمائة، واقترح عليهاخوه عبد الصمد ان يضرب
اعناقهم، فاجاب: ان اول من علم قتال اهل القبلة، علي بن ابي
طالب، ولم يكن يقتل اسيرا، ولا يتبع منهزماولايجهز على
جريح;ژرسز÷ ((473)).
وقد تمسك بهذه الاحكام بعض الثائرين كمحمد وابراهيم ابني
عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب. فقد
اوصى ابراهيممقاتلين ارسلهم الى بعض العباسيين،
ابان ثورته، قائلا: ;ژرسز÷اياكما ان تبداهما بقتال ;ژرسز÷ ((474)) وهذا مبدا
لشد ما تمسك به علي بن ابي طالب(ع);ژرسز÷.
وابان القتال مع جيش المنصور، قال احد معاوني ابراهيم له: ان
هؤلاء القوم من مصبحوك بما يسد عليك مغرب الشمس من
السلاحالكراع وان ما معك رجال عراة من اهل البصرة. فدعني
ابيته (افاجئه ليلا)، فواللّه لاشتتن جموعه، فقال: ;ژرسز÷اني اكره
القتل، فقال المعاون،تريد الملك وتكره القتل!;ژرسز÷ ((475)) وقال:
اني اكره البيات. وقد اشار عليه احد اصحابه الا يظهر دعوته في
الكوفة، كيلا يرسل اليهم ابوجعفر خيلا فيطا البري والنطف
والصغير الكبير((476)) فتكون قد تعرضت لماثم ذلك، ولم
تبلغ منه ما املت، فقبل مشورته((477)).
فعندما انهزمت جيوش العباسيين بقيادة عيسى بن موسى امام
جند ابراهيم بن عبداللّه، وتبعتهم رايات ابراهيم، فنادى منادي
ابراهيم: ;ژرسز÷الالا تتبعوا مدبرا، فكرت الربات راجعة، ورآها اصحاب
عيسى، فخالوهم انهزموا فكروا في آثارهم، فكانت الهزيمة.
اضافة الى هذا كان محمد وابراهيم يمتنعان عن اخذ المال من
دون وجه حق. فقد ترك محمد بن محمد العقيلي صفوف
محمد بن عبداللّهليلحق بالجيش العباسي، فاخذ محمد بن
عبداللّه مركوبهم. ;ژرسز÷فاتاه عمر بن محمد فقال: انت تدعو الى
العدل ونفي الجور، فما بال ابليتؤخذ، فانما اعددتها لحج او
عمرة، فدفعها اليه، فخرجوا من تحت ليلتهم فلقوا عيسى;ژرسز÷
. ((478))
اما ابراهيم فقد اتاه ;ژرسز÷قوم من الدهجرانية اصحاب الضياع، فقالوا:
يا بن رسول اللّه، انا قوم لسنا من العرب وليس لاحد علينا عقد
ولا ولاء،وقد اتيناك بمال، فاستعن به. فقال: من كان عنده مال
فليعن به اخاه،، فاما ان آخذه، فلا. ثم قال: هل هي الا سيرة
علي بن ابي طالب;ژرسز÷((479)) .
اما العباسيون، فربما كان المامون هو من تذكر، ولو لمرة،
مبادئ الامام علي بن ابي طالب(ع)، اذ كان يقول: ;ژرسز÷اخر الحرب
ما استطعت، فانلم تجد منها بدا، فاجعلها في آخر النهار;ژرسز÷
. ((480))
وفي مقابل ذلك، ضرب العباسيون عرض الحائط بكل هذه
الاحكام، فغدروا وقتلوا الاسرى وقتلوا النساء والاطفال ودمروا.
ففي سنة 128 وقبل قيام دولة العباسيين، يامر ابراهيم بن
محمد ابا مسلم الخراساني بقوله: ;ژرسز÷... فايما غلام بلغ خمسة
اشبار تتهمه فاقتله;ژرسز÷((481)) . وفي سنة 134 احرق خازم بن
خزيمة (من قادة المنصور) بيوت اصحاب الجنيدي (من
الخوارج الاباضية)، وفيها نساؤهمواولادهم، فلما انشغلوا، امعن
فيهم قتلا، فقتل عشرة آلاف بعث برؤوسهم الى المنصور
((482)) . وفي سنة 151 هاجم عقبة بن مسلمالبحرين فقتل
سليمان بن الحكم العبدي وسبى اهل البحرين وبعث ببعض
من سبى منهم واسارى الى ابي جعفر، فقتل منهم
عدة....((483)) . وفي سنة 153 غزا الصائفة (غزوة الصيف)
معيوف بن يحيى، فصار الى حصن من حصون الروم ليلا واهله
نيام، فسبى واسر منكان فيه من المقاتلة، ثم صار الى اللاذقية
ففتحها واخرج منها ستة آلاف راس من السبي الرجال البالغين
. ((484))
وفي عهد المنصور نفسه سنة 150، اسر خازم بن خزيمة من
اهالي سجستان اربعة عشر الفا، فضرب اعناقهم((485)) كما
غزا الاهوازفاستولى عليها واباحها ثلاثة ايام ((486)) .
وبعد قتل محمد بن عبداللّه بن الحسن، قبضت اموال بني
حسن كلها، فاجاز ذاك ابو جعفر ((487)) .
اما المامون فقد قطع قائده طاهر الغذاء والماء عن بغداد حيث
اعداؤه، وانتزع ضياع من بقي مع الامين ((488)) . وفي عهد
المامون اخذبعض القادة عيال آذين، احد قواد بابك الخرمي،
ووصلوا ببعض النساء الى الافشين ((489)) . وفي ايام المعتز،
كان يبذل الامانللمتمردين، وعندما يستسلمون تضرب
اعناقهم، فعل ذلك بغطيف القلبي ((490)) وباشوط بن حمزة
. ((491))
اما في ايام المستعين، فقد اسر جماعة من اصحاب يحيى بن
عمر و;ژرسز÷لم يكن في ما روي، قبل ذلك من الاسارى احد لحقه ما
لحقهم منالعسف وسوء الحال. وكانوا يساقون وهم حفاة، سوقا
عنيفا، فمن تاخر ضربت عنقه... ((492)) .
اما الزنج، فقد لحقهم من سوء المعاملة ما لم يلحق اي فئة
قبلهم، فقد قاتلهم ابو احمد الموفق 14 سنة و4 اشهر ;ژرسز÷يقتل
الصغير والكبيروالذكر والانثى، ويحرق ويخرب. وقد كان ياتي
بالبصرة، في وقعة واحدة، على قتل ثلاثماية الف من الناس
، وكان الاسرىدائماتضرب اعناقهم ((494)). ((493))
وقد داهم رشيق، من قادة احمد بن المتوكل، جماعة من
الاعراب، سنة 268، من تميم، كانت تحمل طعاما الى الزنج
فقتل اكثرهم واسرجماعة منهم، وهم تجار... فحمل الاسرى
والرؤوس... فامر الموفق، فعلقت الرؤوس في (المراكب) وصلب
الاسارى هناك .
ولم يكن ما نال القرامطة اقل فظاعة، فقد ((495)) قاتلهم سنة
316، هارون بن غريب، فقتل منهم في واسط خلقا كثيرا وحمل
مايتي اسيرالى بغداد حيث قتلوا او صلبوا ((496)) .
اما القاسم بن سليمان، فقد ادعى ان بني العليص ومواليهم
سيهاجمون الناس في الرحبة يوم عيد الفطر، لذلك كتب
يقول: ;ژرسز÷فاني اوقعتعليهم الحيلة، حتى قتلت منهم واسرت
خمسين ومائة نفس، سوى من غرق منهم في الفرات واني
قادم بالاسرى... وبرؤوس من قتلمنهم ((497)).
وفي سنة 318، في خلافة المقتدر، امن علي بن يلبق اسحق
الكردي، ولما تمكن منه قتله وهاجم جماعته فقتل منهم خلقا
كثيرا واسرجماعة ((498)).
وفي ايام المقتفي، سنة 541 اغتال السلطان مسعود السلجوقي
عباسا صاحب الري. وكان عباس قتل خلقا كثيرا من ;ژرسز÷الباطنية;ژرسز÷
وبنىبرؤوسهم منارة بالري وحصر قلعة الموت، ودخل قرية من
قراهم ;ژرسز÷فالقى فيها النار، فاحرق كل من فيها من رجل وامراة
وصبي وغير ذلك;ژرسز÷((499)).
التمثيل: عرف التمثيل في الدولة العباسية منذ بداية تاسيسها،
لاسيما في عصر المنصور، واستمر حتى نهاية الدولة، فابو جعفر
يوفد اباسويد الخراساني الى اسد بن المرزبان، احد قادته، وكان
شك به، فقطع اطرافه ثم قتله ((500)).
ويامر بنصب راس ابراهيم بن عبداللّه في السوق ((501)) . كما
يامر بقطع يدي ورجلي عبد الجبار بن عبد الرحمن الازدي،
عامله علىخراسان، ثم يقتله ((502)) . كما امر ;ژرسز÷موسى بن
دينار، حاجب ابي العباس الطوسي، بقطع ايدي بني اخي ابي
ايوب (المورياني) وارجلهموضرب اعناقهم ((503)) . كما قبض
عامل المنصور على البصرة على عمرو بن شداد عامل ابراهيم
بن عبداللّه على فارس، فقطع يديهورجليه وضرب عنقه وصلبه
في مربد البصرة ((504)) .
وعيسى بن موسى، ولي عهد المنصور المفترض، سمع قصيدة
ابي نخيلة في تاييد بيعة
المهدي... فوجه عيسى في طلبه، فلحق في طريقه، فذبح
وسلخ وجهه;ژرسز÷ ((505)) .
وفي ايام المهدي، وكان يعد خليفة عادلا، خرج يوسف بن
ابراهيم في خراسان، فلما ظفر به، ادخل عليه ووجهه الى ذنب
البعير، فامرالمهدي هرثمة بن اعين، فقطع يدي يوسف
ورجليه، وضرب عنقه واعناق اصحابه، وصلبهم على جسر
دجلة الاعلى;ژرسز÷ ((506)).
وخرج بشير بن الليث على الرشيد، فقال انه سيقتله شر قتلة.
;ژرسز÷ثم امر ففصل عضوا عضوا;ژرسز÷ ((507)) . وقتل الرشيد جعفر بن
يحيىالبرمكي، وصادر جميع امواله، وقطع جثته، وصلب كل
قطعة على حدة من دون ذكر لذنب ارتكبه ((508)) .
اما المامون، فقد قطع قادته راس اخيه الامين وارسلوه اليه مع
محمد بن الحسن بن مصعب ;ژرسز÷فامر له بالف الف;ژرسز÷ ((509)) . وفي
عهدالمعتصم، قبض على بابك الخرمي، بعد ان دوخ الجيوش
العباسية، فامر المعتصم بتجريده ;ژرسز÷ فسلبه الخدام ما عليه من
الزينة، وقطعتيمينه، وضرب بها وجهه ، وفعل مثل ذلك
بيساره، وثلث برجليه، وهو يتمرغ في النطع بدمه... واقبل
يضرب ما بقي من زنديه وجهه...وامر المعتصم السياف ان
يدخل السيف بين ضلعين من اضلاعه، اسفل من القلب، ليكون
اطول لعذابه، ففعل، ثم امر بحز لسانه، وصلباطرافه مع جسده
، ثم حمل الراس الى مدينة السلام (بغداد) ونصب على الجسر
وحمل الى خراسان بعد ذلك... وحمل اخوه عبداللّه معالراس
الى مدينة السلام ففعل به اسحق بن ابراهيم اميرها، ما فعل
باخيه بابك في سامراء ((510)) .
وفي عهدي المعتصم والواثق اتخذ الوزير محمد بن عبد الملك
الزيات ;ژرسز÷للمصادرين والمغضوب عليهم تنورا من الحديد،
رؤوسمساميره الى داخل قائمة مثل رؤوس المسال... فكان
يعذب الناس فيه. فامر المتوكل بادخاله في ذلك التنور;ژرسز÷
. ((511))
وفي ايام المستعين ثار اهل حمص بواليهم. فاحتلها موسى بن
بغا ;ژرسز÷واباحها ثلاثة ايام، فانتهبت وطرحت النار في منازلها،
وانتهبت اموالالتجار;ژرسز÷ ((512)) .
ولقد كان المعتضد اشد الناس وحشية. ففي نهاية خلافة
المعتمد وبداية خلافة المعتضد ;ژرسز÷لم يزل اسماعيل بن بلبل
يعذب بانواع العذاب،وجعل في عنقه غل فيه رمانة حديد،
والغل والرمانة مائة وعشرون رطلا، والبس جبة صوف
(مغموسة في مرق) الاكارع، وعلق معه راسميت، ولم يزل
على ذلك حتى مات ((513)) .
وكان المعتضد اذا غضب على القائد، امر ان تحفر له حفيرة
بحضرته، ثم يدلى على راسه فيها، ويطرح التراب عليه، ونصفه
الاسفل ظاهر(فوق) التراب، ويداس التراب، حتى يموت، و;ژرسز÷كان
ياخذ الرجل فيكتف، ويقيد ويؤخذ القطن فيحشى في اذنه
وخيشومه وفمه، وتوضعالمنافخ في دبره، حتى ينتفخ، ويعظم
جسمه ثم يسد الدبر بشي من القطن، ثم يفصد... وربما كان
يقام الرجل في اعلى القصر مجرداموثقا، ويرمى بالنشاب حتى
يموت... ((514)) وقبض في ايام المعتضد، سنة 289، على ابن
ابي الفوارس، رئيس القرامطة، فامر به المعتضدفقلعت
اضراسه، ثم خلعت احدى يديه، في ما ذكر، وعلقت في الاخرى
صخرة، وترك على حاله تلك من نصف النهار الى المغرب،
ثمقطعت يداه ورجلاه من غد ذلك اليوم، وضربت عنقه،
وصلب بالجانب الشرقي، ثم حملت جثته بعد ايام، الى الياسرية
فصلب ((515)).كما عذب اسرى من القرامطة، قدم اربعة
وثلاثون منهم. و;ژرسز÷كان يؤخذ الرجل، فيبطح على وجهه، فتقطع
يمنى يديه، (ويرمى بها) الىاسفل ليراها الناس، ثم تقطع رجله
اليسرى ثم يسرى يديه، ثم يمنى رجليه، ويرمى بما قطع منه
الى اسفل... ثم قدم (قائد) فضرب مايتيسوط، ثم قطعت يداه
ورجلاه، وكوي فغشي عليه، ثم اخذ خشب، فاضرمت فيه النار،
ووضع في خواصره وبطنه، فجعل يفتح عينيه ثميغمضها، فلما
خافوا ان يموت، ضربت عنقه، ورفع راسه على خشبة...;ژرسز÷
. ((516))
وفي ايام الراضي، سنة326، يعذب بجكم التركي اهل الاهواز
لانتزاع المال، فيضع طشتا فيه نار على بطون بعضهم((517))
. وفي السنةنفسها قطعت يدا الوزير ابن مقلة، ثم قطع لسانه
. ((518))
وفي عهد الخليفة المتقي، بدات تتردد اخبار سمل الاعين، من
قبل الحمدانيين وغيرهم، وقد اعمى ابن توزون المتقي نفسه .
((519))
وفي عهد المقتدي، سنة 475، كان لدى السلطان ملكشاه،
رجل فكاهي يدعى جعفرك، يحاكي الملك ويذكره في خلواته
مع السلطان،فبلغ ذلك جمال الملك (ابنه)... فامر بالقبض
على جعفرك، وامر باخراج لسانه من قفاه وقطعه فمات...;ژرسز÷
. ((520))
وفي عهد المستظهر، سنة 507 ;ژرسز÷توفي الملك رضوان بن تاج
الدولة... وكان قتل اخويه ابا طالب وبهرام;ژرسز÷ ((521)) . كما قبض
ارسلانشاهملك غزنة على اخوته سنة 508 وقتل بعضا
منهم واعمى آخرين، دون خروج منهم على الطاعة;ژرسز÷ ((522)) .
وفي سنة 510 احتل السلطان جاولي كازرون، وحاصر ابا السعد
محمد بن مما في قلعته... وراسله جاولي في الصلح، فقتل
الرسول،فارسل اليه قوما من الصوفية، فاطعمهم الهريسة
والقطايف (من الحلوى) ثم امر بهم، فخيطت ادبارهم والقوا
في الشمس فهكلوا;ژرسز÷((523)).
الغدر ونكث العهود: لم يكن معظم الخلفاء العباسيين وقادتهم،
يقيمون وزنا للعهود التي يقطعونها على انفسهم، فكثيرا ما
امنوا وغدروا،لا يستثنى من ذلك الا خليفة او خليفتان في
حالات معينة. واذا كان بعضهم، يبحث عن مبررات لنكثه، كما
فعل الرشيد في موضوع امانهليحيى بن عبداللّه بن الحسن
((524)) حين جمع الفقهاء، وحصل من ابي البختري على
ذلك التبرير، فاعطاه مليون وستماية الف درهموولاه القضاء،
فان العادة درجت منذ بداية الدولة على الا يقام اي وزن للكلام
المعطى. وقد وقعنا في هذا البحث على نماذج متفرقة
عنذلك. ولا بد من امثلة مركزة اكثر.
ولعل اخطر الامثلة ما عرفه عهد ابي جعفر المنصور. فقد ثار
عبداللّه بن علي ايام السفاح ثم عفي عنه ايام المنصور، وكتب
المنصور الىابنيه، سليمان وعيسى ابني عبداللّه، وبذل لهما
من الامان ما ارضاهما، فلما قدم عليه عبداللّه، قتل بعض
اصحابه وحبسه وحبس الاخرين((525)) . كما امر المنصور
عيسى بن موسى، وكان يريد ا زاحته كيلا يتولى الخلافة، ان
يقتل عبداللّه بن علي، (وهوعم المنصور)، فيقتلهبعدها به
فتظاهر عيسى بن موسى انه فعل. ثم حرك المنصور اعمامه
ضد عيسى بن موسى، وادعى انه طلب منه حبس عبداللّه
فقتله.ولما ارادوا قتل عيسى بن موسى انباهم انه حي، واعاده
الى المنصور فاغتاله ((526)).
كما كان المنصور حنث بوعده للسفاح الذي عهد اليه والى
عيسى بن موسى من بعده، فخلعه من ولاية العهد وعهد الى
ابنه المهدي((527)).
وموسى الهادي، اراد النكث في امر تولية الرشيد ليولي ابنه
جعفرا، لولا ان يدرك الامر هرثمة بن اعين الذي اخرج الرشيد
في الليلة التيتوفي فيها موسى الهادي، واجلسه للخلافة، فدعا
هارون يحيى بن خالد البرمكي وكان محبوسا وقد عزم موسى
الهادي على قتله وقتلهارون الرشيد في تلك الليلة ((528)) .
والرشيد خدع الهادي، الذي كان وعده بتقديم اولاده على
الامين والمامون، فلما تولى
الخلافة، عهد الى الامين ثم المامون ثم القاسم.
والامين، نكث بما عهد به ابوه الرشيد من ان يكون المامون ولي
عهده وحاول خلعه ليجعل العهد لابنه وانتهى الامر بقتله
وتولى المامون((529)).
اما المستعين، فيخلع نفسه للمعتز، بعد ان يستوثق لنفسه،
وينتهي الامر بقطع راسه وحمله الى سامراء ((530)). والمعتز
وجه محمد بنالوليد الى فلسطين، فلما صار فى حمص، وكان
تغلب عليها غطيف الكلبي، دعاه الى الطاعة واعطاه الامان،
فاستجاب له. فلما صار فييده، ضرب عنقه ((531)). ولو اردنا
استقصاء كل عمليات نكث الخلفاء، لطال الموضوع. لكن لا بد
من الاشارة الى ان القادة والامراء كاندينهم كما الخلفاء، الغدر
والنكث على اوسع نطاق. فقد كان نجاح بن سلمة على ديوان
للمتوكل، فاتهم عاملين، هما الحسن بن مخلدوموسى من عبد
الملك، بخيانة المال وكتب الى المتوكل ;ژرسز÷ان ياخذهما باربعين
الف الف درهم;ژرسز÷ ولكن وزير المتوكل دبر مكيدة ضد نجاحبن
سلمة لينقذ العاملين بان نصحه ان يتراجع عن اتهامه، ،
فتراجع، فصادر المتوكل عندها املاكه وتسبب بقتله ((532)) .
وفي سنة 334، خرج الى نوح بن نصر الساماني، عمه ابراهيم
واخوه محمد، مستامنين، مظهرين الندم، بعدما تحركا ضده.
فقبلهماوقربهما ووعدهما، وكان حينها في سمرقند، وعاد الى
بخارى في رمضان، فقتل طغان الحاجب، وسمل عمه ابراهيم
واخويه محمدواحمد ((533)).
وفي سنة 369، في خلافة الطائع، ;ژرسز÷سير عضد الدولة (البويهي)
جيشا الى الاكراد الهكارية، من اعمال الموصل فاوقع بهم،
وحصرقلاعهم... فارسلوا يطلبون الامان، فاجيبوا الى ذلك،
وسلموا قلاعهم ونزلوا مع العسكر الى الموصل... (غير) ان مقدم
الجيش غدر بهموصلبهم على جانبي الطريق، من معلثايا الى
الموصل نحو خمسة فراسخ، وكف اللّه شرهم عن الناس;ژرسز÷
. ((534))
وفي سنة469، كان ورد، من قادة الروم، اقتتل مع حكام بلاده،
وهرب الى ديار بكر، واستنجد بعضد الدولة المستولي على
العراق. فاجابهالى ذلك، ووعده بالنصر. الا ان الملكيين (ورثة
عرش الملك ارمانوس)، راسلا عضد الدولة، واستمالاه;ژرسز÷. فكاتب
ابا علي التميمي وهوحينئذ ينوب عنه بديار بكر بالقبض
على ورد واصحابه فشرع يدبر الحيلة
عليه وانفض اصحاب ورد لشكوكهم، بموقف عضد الدولة،
فطمع به ابو علي التميمي، وراسله في الاجتماع، فاجابه الى
ذلك. فلمااجتمع به، قبض عليه وعلى ولده وجماعة من
اصحابه، واعتقلهم بميافارقين ثم حملهم الى بغداد;ژرسز÷ ((535)) .
بين حقوق الناس وحلم الخليفة: يتبين مما تقدم ان خلفاء بني
العباس لم يكونوا، في الاعم الاغلب، يعترفون للناس بحقوق،
لان الحكمحق من حقوقهم، منحهم اياه اللّه، بقرابتهم من
الرسول، الا اننا لاحظنا احيانا ان الخليفة يتحمل النقد ويعفو
احيانا اخرى، وهناك امثلةعلى عفو المهدي وعفو المامون.
فقد مر ملاح في دجلة والمامون على الشاطئ، وكان يقول
باعلى صوته: اتظنون ان هذا المامون نبيل في عيني وقد قتل
اخاه، فما زادالمامون على ان تبسم وقال: ما الحيلة عندكم
حتى انبل في عيني هذا الرجل الجليل ((536)) .
وكان الفضل بن الربيع، وقف مع الامين، وهرب عندما قدم
المامون الى بغداد، فصادر املاكه، لكنه عاد الى بابه طالبا
الامان، فاعطاه الامانواحضره ليلة وساله قائلا: ;ژرسز÷هبك تعتذر
في محمد (الامين) بانه كانت له بيعة في عنقك من الرشيد،
فما عذرك في ابن شكلة (وهومدعللخلافة ايده الربيع)... على
ما خرج اليه من خلعي بعد ان صارت بيعتي في عنقك (فاعتذر
اعتذارا شديدا) فامسك عنه، ورد عليهضيعة من ضياعه تكفي
لقوته وقوت عياله ((537)) .
وقد تحرك ضد المامون بشر بن داود المهلبي، فارسل المامون
اليه الجيش ومعه قريب للمهلبي، فضمنه ثم اعطى الطاعة،
ولما قدم الىالمامون ومن معه من آل المهلب، اطلقهم جميعا
واحسن اليهم ((538)).
كما اسر حماد الخادم، من قادة المامون، الثائر محمد بن محمد
العلوي وابا السرايا، فقتل المامون ابا السرايا وعفا عن
محمد((539)).
لقد كان الخلفاء في هذه الحالات وما اشبهها، يعدون هذا حلما
وتفضلا، لا حقوقا للناس.
الوحدة الاسلامية واسئلة النهضة
قراءة في البعدين: المذهبي والقومي
ا. نبيل علي صالح
تمهيد عام
تواجه امتنا العربية والاسلامية في العصر الراهن تحديات
مصيرية جمة تختزن - في جميع مضمونها وحركتها الداخلية -
مجموعة منالابعاد والغايات التخريبية العنصرية التي تتحرك
في حسابات الواقع من خلال مخطط استكباري وامبريالي
عالمي ينظم حركتها، وينسقمواقفها، ويجسد مطامعها في
تحقيق مزيد من حالات السيطرة والتبعية والاستغلال
للشعوب المستضعفة، عبر اساليب همجية بعيدةجميع البعد
عن ادنى حالات التخلق بالقيم الانسانية، ومبادئ حقوق
الانسان التي ما فتئت مواقع النفوذ والقرار العالمي تتحدث
عنها،وتنادي بها، وترفع راياتها هنا وهناك.
ويمكننا - في هذا المجال - ملاحقة هذه التوجهات العامة،
ودراسة ارهاصاتها واهدافها في الواقع العالمي الجديد، من
خلال معرفةكيفية تحرك مساراتها في داخل حياتنا، ونسيجنا
السياسي والاجتماعي العام، حيث يصر منتجوها - كما يظهر -
على تكريس حاكميةالاستعمار الحديث بوسائل وادوات
مستحدثة، وذلك بهدف فرض سيطرته النهائية على حركة
الشعوب الانسانية المستضعفة فيمختلف بقاع المعمورة، وفي
جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية
وحتى الفكرية والاعلامية.
#باحث من سوريا
ونحن، في هذا المجال، لا نريد ان نتهم بالتجني على الغرب او
الدخول معه - ومع غيره - في متاهات العقدة النفسية،
والفكرية تجاهالسلوكية الغربية، كما يحلو لبعضهم ان ينسب
الينا ذلك، لان المسالة ترتبط ارتباطا مباشرا ووثيقا بالواقع
المتعثر والمفكك الذي خلقنافيه، ونتحرك ضمنه، ونتنفس
هواءه، ونعايشه بجميع معطياته، وعناصره، ومقومات وجوده
الداخلية والخارجية التي تتصل بقضاياواشكاليات مهمة
وخطيرة على مستوى علاقة الانسان بحركة التحولات والابعاد
الفكرية، والسياسية، والاجتماعية السائدة في ضمناجواء
ومناخات العمل الحضاري الراهن.
ويكاد هذا الواقع العالمي الجديد يجمع بجميعيته - من خلال
اداء اصحابه والمتحكمين بمفاصلة وقراراته الحيوية - على ان
هناكتحركات وفعاليات منظمة ودقيقة يقوم بها الاستكبار
العالمي، لتاكيد خطوطه الحضارية التي تتوافق مع مصالحه
الحيوية في استمراريةجعل المنطقة العربية والاسلامية دائرة
لنفوذه وسيطرته، ومجالا حيويا لتنفيذ مخططاته ومؤامراته
بما يؤدي الى تطويق الامة، ومواجهةاسلامها الحركي الفاعل
الذي يشعرون بانه اصبح يشجميع خطرا داهما على مواقع
نفوذهم ومصالحهم في عالمنا الاسلامي، ولهذا فانهميواجهونه
بجميع الوسائل التعسفية والقمعية على جميع المستويات
والاصعدة. ونستطيع ان نتلمس - واقعيا - آثار هذه
المخططات،وامتداداتها العملية من خلال متابعة الاحداث
التي جرت وتجري الان في العالم الاسلامي الذي حولوه الى
بؤرة دائمة للتوتر والانفجار((540)).
انها اذا مشاكلنا - نحن العرب والمسلمين - التي انطلقت في
واقعنا السياسي والاجتماعي، حيث حوربنا في وجودنا الفكري
والعقدي،وفقدنا شعورنا الواعي والاصيل بهويتنا وانتمائنا
الديني الحضاري، وتغربنا عن واقعنا تائهين في سراديب العالم
وانفاقه المظلمة، نلتقطفكرة هنا واخرى هناك عسى ان تسهم
في حل مشاكلنا التي استعصت علينا، والحل كائن اصلا بين
ظهرانينا، وفي داخل وجودنا الثقافيوالحضاري الاسلامي.
اجل لقد اصبحنا فرقا وشيعا يكفر بعضنا بعضا، وينافق بعضنا
على بعضنا الاخر، ويحاول كل فريق منا ان يبحث عن عقد
الفريق الاخروسلبياته- وهو يحمل في ذاته اكثر من عقدة - من
اجل النيل منه، او تسجيل نقطة لصالح هذا الطرف او ذاك.
وهذا ما جعلنا نتحرك بسرعة نحو الزوايا المظلمة والضيقة،
خصوصا بعد ان ابتعدنا - في سلوكنا الذاتي والاجتماعي،
واساليبممارستنا لاجواء الواقع المختلفة وابعاده - عن ساحة
اللقاء والتواصل، والحوار الهادئ والواعي، المنفتح على اللّه
والحياة بقلوب صافية،وعقول واعية من اجل بناء هذه الحياة
على مبادئ انسانية عادلة.
ولعل الامر الذي يدعونا - اكثر من اي وقت مضى - الى تعميق
اواصر الوحدة، والمحبة، والتعاون، والتضامن، ورص الصفوف،
هووجود جميع تلك المشاجميع والعقبات المتاصلة في نفوسنا
وواقعنا، التي نعتقد انها تعوق مسار حركتنا باتجاه اللّه اولا، ومن
ثم باتجاهوحدتنا وتوحدنا ثانيا، لاننا - حقيقة - معنيون
ومستهدفون بها اولا واخيرا، وهي وجدت وانطلقت في
عاطفتنا وفكرنا وواقعنا، ولا نجدان هناك امكانية لحلها
والتخلص من اجوائها السلبية الضاغطة حاليا، الا بتعميق
الشعور النفسي بالتقريب الروحي والفكري بينالمسلمين عربا
وغيرهم، ومن ثم السعي الصادق والمخلص والدؤوب على
طريق تحقيق الاولويات الاساسية وانجازها، والضروريةلقضية
الوحدة والتضامن والتنسيق بين مختلف دوائر العمل العربي
والاسلامي الراهن.. ولكن الاسئلة التي يمكن ان تطرح هنا هي:
ما هيهذه الوحدة؟! وما هو هذا التضامن؟! وكيف السبيل الى
تمثل هذا الهدف السامي والعظيم؟! ومن ثم كيف يمكننا تفهم
حقيقة بواعثتلك الوحدة ونتائجها في ضوء القرآن الكريم
والسنة الشريفة؟! وما علاقتها بقضية النهضة العربية
والاسلامية المنشودة؟! هل هي مجرددعوات وصيحات
حماسية انفعالية نطلقها في الهواء ليحلم بها الانسان في عالمنا
الاسلامي، ويفر الى نعيم جنتها هاربا من تعقيداتالواقع،
ومشجميعاته الحياتية الصعبة، وضبابية الاهداف فيه؟! ام انها
مخدر روحي يبعث في النفس راحة وطمانينة آنية، ويلوذ
اليهمجتمعنا وانساننا ليعيش بعد ذلك ازدواجية الشخصية
الروحية والسلوكية؟!
ان العناوين القادمة تحاول رصد اجابات ت-زعم انها اجابات
واقعية هادئة وعقلانية عن ذلك، من خلال متابعة ذلك الهدف
الكبير، فياطار الواقع الحي.. في مواقع السمو والرفعة، بطريقة
متوازنة بعيدة عن اجواء العاطفة الانفعالية، والحماس
اللاعقلاني المنطلق من خلالحركة رد الفعل على واقع
التخلف والتجزئة، الذي لا نزال نعيش تحت وطاته في معظم
مواقع العمل العربي والاسلامي الراهنومجالاته.
هدف الوحدة الاسلامية في ضوء القرآن الكريم والسنة الشريفة
ابدى القرآن الكريم اهتماما بالغا وملحوظا بقضية الوحدة
واشكالية التقريب بين مذاهب المسلمين، ودعا الى بذل جميع
الطاقاتوالجهود الممكنة على هذه الطريق من اجل الوصول
الى الواقع الوحدوي الاسلامي، في ما يعطيه ذلك من عومل
دفع متعددة، تتحرك -في مفردات الحياة - من موقع القوة
الحركية في الفكر والوجدان والعاطفة، بهدف تحصين الامة
العربية والاسلامية من عوامل الانهياروالانقسام والتفكك
الاجتماعي والسياسي والاخلاقي والفكري، واعادة حضارتها
الشاملة، وثقافتها الانسانية الرسالية الغنية الى الساحةالعالمية.
ويمكن ان نقرا في القرآن الكريم الايات الاتية، التي تشجميع -
بحد ذاتها - عناصر وحدوية منتجة، وركائز توحيدية فعالة في
عمليةالدعوة الى بناء وحدة الامة في عاطفتها وفكرها
وحركتها:
ا - قوله تعالى:[واعتصموا بحبل اللّه جميعا ولا تفرقوا واذكروا
نعمة اللّه عليكم اذ كنتم اءعداء فاءلف بين قلوبكم فاءصبحتم
بنعمته اخوانا[]آل عمران: 103].
تحدثنا الاية الكريمة عن عمق هدف الوحدة من خلال اظهارها
لنتائج الوحدة، وآثار التفكك والتفرقة. فالمجتمع الجاهلي
المتخلف -الذي ابتعد فيه الانسان عن اللّه - كان يحمل في
داخله عوامل الضياع والانقسام والتشرذم والانحلال الى
عصبيات قبلية، وعقد طائفيةمليئة بالحقد والعداوة والبغضاء.
بينما كانت الحالة مختلفة تماما تحت ظل الدولة الاسلامية
الواحدة، التي عملت على تجسيد القيمالاخلاقية، وضمان
تحقيق اهداف الوحدة، وتمثلت - بعمق ووعي وثقة - دعوتها
الوحدوية المبنية على المحبة والمودة، وبث روحالتعاون
والوفاق، والاخوة والالفة بين افراد الامة جميعهم، في ما هي
الوحدة في العاطفة والوجدان، وفي ما هي الوحدة في
الفكروالحركة. والواضح ان دعوة الاسلام الى ضرورة الت-زام
قضية الوحدة قد نجحت في استنهاض المسلمين آنذاك،
وتحفيز وعيهموارادتهم، بعد اءن قامت بنسف جميع الجذور
الجاهلية، والقيم البالية الرثة التي كانت متاصلة في المجتمع
الجاهلي. ونستطيع اءن نفهم منخلال جميعمة ;ژرسز÷الاعتصام;ژرسز÷
بحبل اللّه تعالى معنى الالتزام بنهج القرآن، بوصفه قاعدة صلبة
متماسكة للوحدة المنطلقة من
عوامل الوحدة الفكرية والعملية بعيدا عن جميع الاثارات
العائلية، والقومية، والاقليمية المصطنعة والمستغرقة في
الذاتية والانفعاليةوالانانية.
يقول الشيخ محمد عبده في تفسير المنار، معلقا على الاية
السابقة: ;ژرسز÷.. في كلمة الاعتصام المشتقة من جميعمة العصمة،
توجد نكتة مهمةوجميلة جدا، وهي انه سبحانه كانما يريد ان
يقول: ان اساس هذا الاعتصام يتهيا عن طريق التمسك (بحبل
اللّه) وهو نفسه الشريعةالالهية، وبعبارة اخرى الكتاب السماوي;ژرسز÷
. ((541))
اذا يمثل الاعتصام بحبل اللّه القاعدة الصلبة التي يمكن
للمسلمين ان يرتكزوا عليها في قضية توحيد المسيرة، ولم
الشمل، وتوحيدالهدف في نطاق توحيد الامة، وذلك في اطار
التخطيط الواعي الذي يتجاوز السلبيات الى الايجابيات، ويقف
مع السلبيات وقفة فكر لاعاطفة، ويرى ان وضوح الرؤية لدى
اية جهة لا يعني وضوحها لدى الاخرين، ما يستدعي مزيدا من
العمل والصبر والتحمل في سبيلالوصول الى وحدة الرؤية
للاشياء والمواقف في اتجاه وحدة الهدف الكبير، وذلك هو ما
يبعدنا عن متاهات النظرات والتحليلات التييثيرها الاخرون
في اجواء غير اسلامية، مما استحدثوه واستنتجوه من تجارب
ذاتية او اهواء منحرفة ((542)) .
ب - قوله تعالى: [ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم
في شي انما اءمرهم الى اللّه ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون]
[الانعام:159.]
تستنكر هذه الاية اثارة الخلافات والن-زاعات والخصومات
المنحرفة، وتدين- في الوقت نفسه - عناصر الضعف والتباعد
والتفرقة فيجميع زمان. ويظهر
النبيغ فيها متبرئا من اولئك الذين حملوا راية الفتنة، وحاولوا
تحجيم دور الاسلام الرسالي في الحياة من خلال اضعاف
وحدته، وبثالفتن والاضطرابات بين ابنائه، وزرع الاحقاد
داخل المجتمع الواحد.
ج- قوله تعالى: [ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم [ ]لانفال:
46].
يامرنا اللّه تعالى في هذه الاية المباركة بلزوم الوحدة، والابتعاد
عن الاجواء الخانقة والضيقة التي تثير الخصومات، وتؤجج
الصراعاتوالمنازعات بين افراد المجتمع، لانها تنطلق من
الافكار الذاتية المنحرفة الخاضعة لسلوكية النوازع الشخصية،
الامر الذي يؤدي الىاضعاف حركة الانسان والرسالة في الواقع
في خط وحدة الجميعمة والصف والموقع.
د - قوله تعالى:
شان هذه امتكم امة واحدة واءنا ربكم فاعبدون] [الانبياء: 92].
شوان هذه امتكم امة واحدة واءنا ربكم فاتقون] [المؤمنون: 52].
في هذه الحالة الانسانية النفسية الرائعة، ومن خلال هذا المناخ
الروحي المنفتح، تنطلق الايتان على طريق الانسانية الموحدة
من اجلاثارة تفكيرنا العملي بقضية الوحدة من خلال ضرورة
العمل على وحدتنا في عبودية الخالق الواحد العظيم.. لنتحرك
في الدائرة الانسانية- بعد توحدنا في الدائرة الاسلامية - على
طريق التوحيد والشريعة، بعيدا عن الانغلاق والتقوقع
والتعصب، وبالتالي الانفتاح على الافاقالانسانية الرحبة من
موقع رسالتنا وفكرنا ومبادئنا الاسلامية الرفيعة.
فالوحدة الاسلامية اذا امر الهي علينا ان نصدع به بالانفتاح على
بعضنا بعضا في مواقع جميع منا في الاسلام، وتعميق اواصر
الاخوةواللحمة بيننا، لتشرق من جديد شمس الامة الاسلامية
الواحدة فكرا وروحا، وذلك بالابتعاد عن مواطن الفرقة، وتجاوز
العقد الذاتية منخلال العمل على ترسيخ النظرة الجميعية
الواعية المنبعثة في وعينا على اساس القواسم المشتركة
الكبيرة القائمة - بالدرجة الاولى -على وحدة الخالق، والشعور
بعظمته.
وهذا ما نحس به من قوله تعالى:[كنتم خير امة اخرجت للناس
تاءمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر] [آل عمران: 110].
ونحن نتصور ان التحرك المطلوب من قبل الانسان المسلم -
على طريق تمثل قيم القدوة الحسنة ومبادئها وتجسيد ذلك-
لا يتمالابالتاسيس لعناصرها القاعدية الاساسية في مختلف
الحقول والميادين الاجتماعية والسياسية، ومن بديهيات ذلك،
الالت-زام بقضيةالوحدة العملية.. وهذا ما بداه عمليا رسول
اللّهغوالائمة الاطهار(ع) من خلال السعي الى تقوية ركائزها،
وتوثيق عراها واركانها بينالمسلمين جميعا.
اولا - رسول اللّهغ داعية وحدة
يمثل الرسولغ المحور المركزي الواعي - اذا جاز التعبير - في
داخل حركة الرسالة الاسلامية، وفي ذهنية الامة الاسلامية،
بغض النظرعن طريقة الارتباط بهذه ;ژرسز÷الشخصية - الرمز;ژرسز÷ التي
سعت منذ البداية - من خلال قوة فكرها الرسالي وعنفوانه
ووعيه
- الى مواجهة واسقاط مواقع المجتمع الجاهلي المنحرف الذي
كان يتحرك ابناؤه في دائرة العصبيات القبلية، والعشائرية،
والنعراتالطائفية المعقدة.. يقولغ: ;ژرسز÷ان اللّه تعالى تبارك قد
اذهب بالاسلام نخوة الجاهلية وتفاخرها ببائها.. الا ان الناس من
آدم، وآدم من تراب،واكرمهم عند اللّه اتقاهم;ژرسز÷ ((543)) .
|