الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

وقد اراد الرسول من خلال ذلك ان يؤسس لبناء فكري جديد في وعيه، وحركته، وسعة آفاقه، ومنطلقاته.. اراد ان يبني في وعي الناس‏فكرا اسلاميا وحدويا رساليا يرتبط باللّه الخالق الواحد، والقرآن الواحد، ويذوب في الرسالة الاسلامية، ليرتفع بهم جميعا الى مستوى‏القيادة الحكيمة للانسانية جمعاء في خط العدل والتقوى والاستقامة.. يقول‏غ: ;ژرس‏ز÷المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا;ژرس‏ز÷((544)) .

;ژرس‏ز÷مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالسهر الحمى;ژرس‏ز÷ ((545));ژرس‏ز÷..المسلمون اخوة تتكافا دماؤهم ويسعى بذمتهم ادناهم، وهم يد على من سواهم;ژرس‏ز÷ ((546)) .

ثانيا - اهل البيت(ع).. وحدة الاسلام في حركية الهدف.

حرص اهل البيت(ع) جميعا على وحدة الامة وعزتها، ودعوا الى ازالة عوامل التناقض والتباعد بين افرادها اعلاء لراية الحق والاسلام‏وجميعمة اللّه. وهذا ما يمكن متابعته في حركة الدعوة في خط الامام علي(ع)، ومواقفه الايجابية التي لا تنسى مع الخلفاء الذين سبقوه‏في الحكم..

قوله(ع) يوم السقيفة: ;ژرس‏ز÷سلامة الدين احب الينا;ژرس‏ز÷.

وقوله(ع): ;ژرس‏ز÷واللّه لاسلمن ما سلمت امور المسلمين..;ژرس‏ز÷.

وقوله(ع)، ايضا، في خطاب تحذيري الى قوم من اهل العراق كانوا يسبون اهل الشام: ;ژرس‏ز÷اني اكره لكم ان تكونوا سبابين، ولكن لو وصفتم‏افعالهم، وذكرتم حالهم لكان اصوب في القول، واصدق في الحجة، وقلتم مكان سبكم اياهم: ربنا احقن دماءنا ودماءهم، واصلح ذات‏بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به..;ژرس‏ز÷.

اما الامام الحسين(ع) فقد نهض في عاشوراء الاسلام، وانطلق بوعي وثبات - من موقع الايمان بضرورة الحفاظ على وحدة الصف‏الاسلامي، وتحصينه من الطائفية العشائرية والعصبيات القبلية - محاولا اعادة الامة الى حالة الوعي والنقاء التي كانت عليها زمن‏الرسول‏غ، ومصححا مسيرتها نحو النهج الاسلامي الاصيل، والرافض لقيم الجاهلية والطغيان والاستكبار والتمرد على قيم اللّه ومبادئ‏الاسلام.

يقول(ع): ;ژرس‏ز÷اني لم اخرج اشرا ولا بطرا ولا ظالما ولا مفسدا، وانما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي، اريد ان آمر بالمعروف وانهى عن‏المنكر واسير بسيرة جدي‏غ...;ژرس‏ز÷ ((547)).

لقد كانت كربلاء محطة وحدوية اسلامية في وعي الامة، وضعت وحدة المجتمع والامة الاسلامية هدفا لها، كما كانت - في الوقت نفسه- قفزة نوعية رائدة في الفكر والوجدان، حاولت - وقد نجحت في محاولتها تلك - التاسيس لقواعد راسخة للحياة الحرة الكريمة في‏خط العدالة الانسانية، ولولا هذه ;ژرس‏ز÷النهضة - الثورة;ژرس‏ز÷ لما كان بامكاننا ان نشهد تلك التغيرات الكمية والكيفية المتنوعة التي ظهرت على‏مسرح الاحداث في العصور اللاحقة، ومنها الحدث الابرز (انتصار الثورة الاسلامية الايرانية).

اما الامام جعفر الصادق(ع) فيقول، في حديث معبر له، عن معاملة الشيعة لبقية المسلمين: ;ژرس‏ز÷صلوا في جماعتهم، وعودوا مرضاهم،واحضروا جنائزهم او موتاهم، حتى يقولوا: رحم اللّه جعفر بن محمد فقد ادب اصحابه. كونوا زينا لنا، ولا تكونوا شينا علينا..;ژرس‏ز÷.

الوحدة الاسلامية.. واقعها... تحدياتها... سبل انجازها لا شك في ان للوحدة الاسلامية دورا كبيرا في الحفاظ على المقدسات الاسلامية، وممارسة الشعائر المرتبطة بها والمعبرة عن امتدادمعاييرها وقيمها الى ساحة الحياة جميعها. ومن الطبيعي ان يكون العامل الوحدوي - في هذا السياق - عامل قوة ووقاية وامن للاسلام‏ببعديه الروحي والمفاهيمي، ومدى ارتباط - جميعا البعدين - بالمقدسات الاسلامية، على اساس فهم معنى الوحدة، ودراسة سبل‏انجازها، ووعيها في واقع المسلمين حاضرا ومستقبلا.

ومن المهم جدا - بالنسبة لقضية الوحدة الاسلامية، في اطار وعي معنى الدفاع والجهاد - ان نعي حقيقة اساسية مفادها ان هذه المقدسات، التي تمثل عنوانا اسلاميا بارزا، هي في الاساس من اهم العوامل الوحدوية القوية‏التي يجب ممارستها والسعي لانجازها، والعمل على اطلاق سراحها من السجون الطائفية والمذهبية التاريخية المختنقة والمغلقة الى‏ساحة الحياة الواسعة، لتتنفس الهواء الطلق، ولتكون عملية الت-زامها - في اطار الحياة - واعية وعاقلة وصلبة في وجه متغيرات الواقع‏الصعبة، وتحدياته المصيرية التي تواجهها امتنا في الوقت الحاضر.

لذلك، فان من واجب المثقفين والدعاة الاسلاميين ان يتحركوا بوعي وثقة وثبات على الطريق الذي يبرز اهمية الوحدة العملية (وليس‏الفكرية فقط)، وضرورة تعميقها في الذهنية الاسلامية عموما، لانها تشجميع وسيلتنا الوحيدة للحفاظ على مقدساتنا وقيمنا والتزاماتناالتي يحاك ضدها - خصوصا عندما يتم تفسيرها، كما هي في واقعها الاصيل، في خط العدالة والقوة والمساواة، ورفض الظلم والتبعية‏والاستلاب والذوبان في الاخر - مخطط استكباري همجي، تمثل اولا بولادة الغدة السرطانية ;ژرس‏ز÷اسرائيل;ژرس‏ز÷ في قلب العالم الاسلامي، من‏اجل ابتلاع اولى القبلتين وثالث الحرمين (مبتدا المعراج ومنتهى الاسراء - القدس الشريف) وخلق اجواء التوتر، وتفجير الخلافات في‏هذه المنطقة بالذات من اجل السيطرة على الطاقات، والامكانيات، والثروات الطبيعية والبشرية الهائلة الموجودة في العالم العربي‏والاسلامي.

من هنا نؤكد مرة اخرى على اهمية التحرك الفعال المتجه على طريق انجاز سبل وحدتنا في هذا الظرف العصيب من تاريخ امتنا الذي يرادل-ه ان يكون ظرفا تاريخا استكباريا بامتياز. وقد لاحظنا مدى القدرة التي تمتلكها مواقع النفوذ العالمي في الوصول الى مطامعهم‏ومصالحهم عن طريق بث التفرقة، والضعف، والشقاق في الصف الاسلامي مرات كثيرة جدا بالرغم من السلبيات ونقاط الضعف‏الموجودة في داخله (في داخل قوى الاستكبار).

لذلك يجب علينا ان ندرس التطورات العالمية ;ژرس‏ز÷الجديدة - القديمة;ژرس‏ز÷ ونستوعبها، ونتفهم واقعنا جيدا، وندرك تمام الادراك ان الاستعمار -الذي جزا امتنا العربية والاسلامية الواحدة، وفكك قوتها، وحولها الى شراذم وعشائر وقبائل متناحرة، وسيطر على معظم مقدراتها في‏الارض والفضاء.. في السياسة والاقتصاد، وربطها معه باتفاقيات ومعاهدات منفصلة ووثيقة - يريد الان ان يضمن استمرارية تحكمه بوجودنا وحريتنا وطاقاتنا، وزيادة هيمنته علينا من خلال قيامه بمسخ‏الشخصية العربية الاسلامية، والغاء الانتماء الرسالي الاسلامي بالالتفاف على المقدسات والمبادئ والشعائر الاسلامية في جميع مكان،وتفسيرها بما يتناسب مع تحقيق تلك المصالح. ونحن نعتقد - بالنظر الى ذلك - بانه لا حل في مواجهة الهجمة الاستكبارية الجديدة‏الابالوحدة، وزرع ركائزها ومقوماتها في النفوس قبل النصوص، لانها تشك ل الضمانة الحقيقية للاطار القيمي الاسلامي، وانساقه‏الحضارية التي نحفظ من خلالها حرمة مقدساتنا، ونامن لشعائرنا الالهية ان تنطلق في الخط العام قوة وحركة مستمرة.

وقد آمنت الجمهورية الاسلامية الايرانية - منذ بداية تفجر ثورتها الاسلامية العالمية بقيادة الامام الخميني الراحل(قدس‏سره)- بالحل‏الاسلامي لجميع قضايا المسلمين في العالم، وبخاصة القضية الاساس (فلسطين - القدس) من خلال دعوتها الى وحدة اسلامية‏مدروسة وواعية. وقد عبر الامام الخميني(قدس‏سره) عن هذا الموقف العملي، وصرح به في جميع مواقفه وافعاله الشجاعة والجريئة‏والحكيمة.. من خلال ما ياتي:

ا - تقوية العلاقات واواصر الاخوة الاسلامية بين جميع المسلمين، وتوثيق الصف الداخلي عبر انفتاح جميع فريق (السنة والشيعة) على‏الفريق الاخر.. ونحن عندما نقرا الامام الخميني(قدس‏سره) في واقع النهضة الاسلامية في ايران، لا نرى فيه الا قائدا اسلاميا عاما نذر نفسه‏لخدمة الاسلام، ووضع طاقاته ومواهبه جميعها تحت تصرف المسلمين جميعا.. فها هو يقول - وقد حول قوله هذا الى فعل واقعي -عند افتتاحه اجتماعا لطلاب المدارس العالية: ;ژرس‏ز÷لقد جئت الى هذا المكان لاعرض خدمتي عليكم، فانا خادمكم جيمعا مادمت حيا، انا في‏خدمة الشعوب الاسلامية;ژرس‏ز÷ ((548)) .

ويقول(قدس‏سره) : ;ژرس‏ز÷جميعنا اخوة، وجميعنا نعيش قلبا واحدا، غاية الامر ان الحنفي يعمل بفتاوى علمائه، وهكذا الشافعي، وثمة‏مجموعة اخرى هي الشيعة تعمل بفتاوى الامام الصادق(ع)، وهذا لا يبرر وجود الاختلافات.. لا ينبغي ان نختلف مع بعضنا، او ان يكون‏بيننا تناقض، جميعنا اخوة.. على الاخوة الشيعة والسنة اجتناب جميع اختلاف، فالاختلاف بيننا اليوم هو لصالح الذين لا يؤمنون بالسنة‏ولا بالشيعة، ولا بالمذهب الحنفي، ولا بسائر الفرق الاسلامية، وهؤلاء يريدون القضاء على هذا وذاك.. فهدفهم بث الفرقة بينكم. عليكم ان تنتبهوا جميعا. اننا جميعا مسلمون واتباع القرآن واهل التوحيد;ژرس‏ز÷ ((549)).

ب - الدعوة الى الوحدة الاسلامية في مستوى الخارج (الاخوة الاسلامية) من اجل الدفاع عن القيم والمقدسات الاسلامية في وجه‏الدسائس والمؤامرات والفتن التي تحاك هنا وهناك.

يقول الامام الراحل: ;ژرس‏ز÷ان الدعوة الى الاسلام تعتبر في الحقيقة دعوة الى الوحدة، وهي تعني ان يكون المسلمون مجتمعين معا حول‏جميعمة الاسلام..;ژرس‏ز÷ ((550)) .

واضح ان هذا الخطاب الوحدوي الخميني لم يتغير بعد تسلم الاسلام لمواقع الحكم ومسؤوليات السلطة السياسية في ايران، ولا نجد -بالنظر الى ذلك - تمييزا في التوجه بالعطاء والدعم الى عموم المسلمين المستضعفين، بين مرحلتي الثورة والدولة. فمن مرحلة الثورة‏يمكن ان نستذكر النص الاتي الذي يوجه فيه الامام(قدس‏سره) الحديث الى حكام ايران آنذاك: ;ژرس‏ز÷ليعلم حكام ايران بان منهجنا هو الاسلام، وان رائدنا هو وحدة جميعمة المسلمين في‏ارجاء العالم، وارساء اسس تحالف رصين مع جميع البلدان الاسلامية للوقوف صفا واحدا بوجه الصهيونية واسرائيل وجميع الدول‏الاستعمارية;ژرس‏ز÷ ((551)).

اما عندما اصبح الاسلام قائدا للدولة والمجتمع، وتحول منطق الثورة الى منطق الدولة، فاننا نسجل للامام الخميني(قدس‏سره) قوله الاتي‏الذي يعلن فيه - وبوضوح تام - وقوف الجمهورية الاسلامية الايرانية بجميع امكانياتها ومقدراتها الى جانب المسلمين في جميع مكان:;ژرس‏ز÷انني اعلنها صراحة ان الجمهورية الاسلامية في ايران توقف امكانياتها وجميع جهودها لاجل احياء الشخصية الاسلامية للمسلمين في‏كافة ارجاء المعمورة;ژرس‏ز÷ ((552)) .

لقد كان التطبيق العملي لكلمات الامام الراحل واقواله هو الاصل الثابت في الموقف الشعبي والرسمي للجمهورية الاسلامية، وهو ماتحكيه عناصر هذا الخط ومكوناته، بحيث اصبحت مصداقية تجربة التطبيق في سياسة الجمهورية الاسلامية الايرانية تقاس بمدى‏التزامها (مجتمعا ودولة) بنهج الخط الخميني ومحتواه، وثوابته الروحية والفكرية والوحدوية الاسلامية.

ويمكن ملاحظة ذلك من خلال مجموعة الاجراءات العملية التي اتبعها الامام(قدس‏سره) فور انتصار الثورة سنة 1979، والتي تدل على وعي ايماني عميق وراسخ بقضية الوحدة الاسلامية:

-1 مقاطعة الكيان الصهيوني، وتحويل سفارته في طهران الى سفارة لفلسطين، ومن ثم الى موقع اساسي لعمل المجاهدين الفلسطينيين‏بعد استسلام عرفات واتباعه من منظمة التحرير الفلسطينية.

-2 تجديد الحصار وتضييق الخناق على الكيان الصهيوني من خلال اقفال انابيب البترول التي كانت تضخ النفط الى فلسطين المحتلة، مع‏نسف جميع المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الموقعة مع العدو الصهيوني في عهد الشاه البائد.

-3 رفع درجة المواجهة مع اسرائيل الى حالتها القصوى من خلال دعوته الى تشكيل جيش العشرين مليون مسلم لتحرير القدس وجميع‏الاراضي الاسلامية المغتصبة.

-4 الدعم المادي والمعنوي الكبيرين للانتفاضة الباسلة سابقا، ولجميع الحركات الاسلامية - وغير الاسلامية - الثورية التحررية العاملة‏ضد الكيان الصهيوني وعملائه في جميع مكان.

-5 اعلان الامام(قدس‏سره) ليوم القدس العالمي في آخر جمعة من شهر رمضان المبارك ونقرا قوله: ;ژرس‏ز÷ان يوم القدس ليس يوم فلسطين‏فحسب.. بل هو يوم احياء الاسلام..;ژرس‏ز÷.

ج - البعد الانساني للوحدة الاسلامية، ويتجلى ذلك من خلال النظرة الانسانية العالمية التي انطلقت في خط العدل والحق.

ويمكننا، في‏هذا المجال، قراءة عناوين انسانية بارزة في خطابات الامام الراحل(قدس‏سره): ;ژرس‏ز÷ان ثورتنا اسلامية قبل ان تكون ايرانية.. انها ثورة‏المستضعفين في جميع انحاء العالم قبل ان تتعلق بمنطقة خاصة;ژرس‏ز÷ ((553)).

هذا وقد ترسخ الدور الوحدوي الاسلامي الرائد للجمهورية الاسلامية الايرانية في الوقت الراهن من خلال اقامة المؤتمرات الفكرية‏الاسلامية، وتنظيم الاحتفالات الوحدوية المختلفة، وتشجيع المبادرات الثقافية ذات الطابع الوحدوي، وتنسيق المواقف والادواروالاراء، واعلان اسبوع خاص للوحدة الاسلامية يتزامن مع ولادة رسول اللّهغ، وذلك كعمل اولي (تمهيدي) يهدف الى تعميق الوحدة في‏داخل ذهنية الامة. وقد جاء تاسيس مجمع التقريب بين المذاهب الاسلامية - ضمن الاتجاه نفسه - بوصفه لبنة اساسية للعمل الوحدوي‏المشترك، حيث تم وضعه موضع التنفيذ الفعلي، والسعي الجدي المسؤول نحو بناء وحدة فكرية وثقافية، ثم سياسية فاقتصادية. والواقع ان الامال المعقودة على هذا المجمع كبيرة ولاشك، وهذا الامر يفترض‏تحركاواعيا ومنسقا من كافة الدول الاسلامية المستقلة، في اكثر من ستين دولة من اجل دعم هذا المشروع الوحدوي المتكامل، بوصفه‏خطوة اساسية على طريق الوحدة الاسلامية الكبرى، التي تشجميع بحد ذاتها هدف المسلمين جميعا على هذه البسيطة. والواضح ان هذاالمجمع يحتاج الى دعم كبير، باعتباره باعثا حيويا لنصرة جميع قضايا المسلمين العادلة، التي تحتاج الى جهود مضنية وحثيثة على‏صعيد الدعوة العملية لالت-زام قضية الوحدة في عالم اليوم، الذي يتميز بوجود تكتلات سياسية واقتصادية وعسكرية جديدة قامت‏على انقاض التكتلات والاحلاف السابقة.

ازاء هذه التحولات والمواقف والادوار التي انطلقت بعد حدوث متغيرات سياسية وامنية واجتماعية واسعة في عالمنا الاسلامي، نجداننا لا نزال نعيش - في لحظتنا الراهنة - ضمن حالة من القلق، والتوتر، والشعور النفسي والعملي غير المتوازن في طبيعة وعينا لقضاياواشكاليات العلاقة مع ايران. انها حالة عدم الاستفادة العملية من الفرصة القائمة - المتاحة حاليا - التي شهدتها ولا تزال تشهدهاايران.

انها فرصة (وقضية) الانفتاح العميق على معطيات النهضة الاسلامية الخمينية، خطابا، وفكرا، ورسالة، وانجازا، ومشروعا اسلامياوحدوياعاما ، وهذا النقد نوجهه اساسا لمعظم مثقفينا وسياسيينا العرب الذين كرسوا، وما زالوا يكرسون، مساحات واسعة من اعلامهم‏وسياستهم للحديث السلبي - البعيد عن معاني النقد العلمي والموضوعي الذي يمثل مطلبا حيويا وحاجة ضرورية ملحة - عن‏طموحات الجمهورية الاسلامية وانجازاتها ومشاريعها التي هي - بتعبير الايرانيين انفسهم - انجازات حقيقية للمسلمين جميعا،وان‏بدت تلوح في الافق اخيرا بعض الملامح الايجابية الجديدة في طبيعة العلاقات بينهم وبين ايران.

من الواضح بالنسبة للجميع ان الثورة الاسلامية في ايران تمر حاليا في مرحلة جديدة، مكملة للمرحلتين السابقتين (مرحلة الاستنفاروالغليان الثوري، ومرحلة بناء الدولة بمؤسساتها وهياجميعها وتنظيماتها المختلفة)، وهي مرحلة الانفتاح والتواصل مع الخارج بعلاقات‏عقلانية واعية ومتوازنة تقوم على اساس الاحترام المتبادل، وعدم التدخل - المباشر وغير المباشر - في الشؤون الداخلية للبلدان‏المجاورة، والحفاظ على ثوابت الدعم الكامل والمطلق للقضايا العربية والاسلامية، خصوصا ما يتعلق منها بالصراع ;ژرس‏ز÷العربي (الاسلامي) - الصهيوني;ژرس‏ز÷ الذي يشجميع‏بالنسبة للسياسة الايرانية - الداخلية والخارجية - اساس القضايا الاستراتيجية عقديا، وسياسيا، وامنيا، وعسكريا.

وقد حددت ايران‏اليوم - على لسان كبار قياداتها السياسية والعسكرية ونخبها الفكرية - ثلاثة اهداف رئيسة((554)) تريد تحقيقها بعد اختبار الحرب;ژرس‏ز÷العراقية - الايرانية;ژرس‏ز÷، وبعد المشاجميع والتعقيدات والتوترات التي كانت قائمة بين اطراف المنطقة:

الهدف الاول: الحفاظ على حرية العبور وسهولته في مضيق هرمز. لذلك يجب ان تكون مهمة ايران ودول الخليج عموما في اتقاءالمشاجميع، ودرء الاخطار، ووعي المصالح المشتركة، وتجاوز السلبيات والهموم الصغيرة وليس البحث عنها او التفتيش عليها في‏الزوايا والدهاليز المظلمة المنتشرة بكثرة هنا وهناك، لكي تتم المحافظة على حرية الملاحة، لان المصلحة المشتركة لجميعا الطرفين(العربي - الايراني) تكمن في تامين حرية الملاحة النفطية وغير النفطية.

الهدف الثاني: الاستمرار في عملية التنمية ومشاريعها الضخمة الداخلية، التي لا يمكن ان تتحقق الا مع توافر شرط استقرار سوق النفط،ولا يمكن ان تستقر سوق النفط الا اذا وجدت حرية الملاحة في الخليج. وهذا ما يتطلب علاقات عربية وايرانية اسلامية واعية‏وهادئة.

الهدف الثالث: تعميق العلاقات السياسية والاقتصادية مع دول شرق آسيا وشمالها، حيث ظهرت - بعد انهيار الاتحاد السوفيتي - خمس‏عشرة جمهورية جديدة على الحدود الشمالية لايران، فيها كميات هائلة من النفط والغاز، وفيها مصالح كثيرة وقوة نووية هي‏كازاخستان.

في مقابل هذه التطورات والمتغيرات السريعة - وعلى طريق مشروعية تحقيق علاقات سياسية واقتصادية وثقافية مدروسة وطموحة‏ومتوازنة بين ايران والعرب - ناتي الان للاشارة الى بعض المعوقات والحواجز التي تقف حائلا بين قيام علاقات تنسيقية وحدوية‏واخوية سليمة بين الجمهورية الاسلامية والدول العربية:

اولا - المعو ق اللغوي: ان احد اهم اسباب الانغلاق العربي على الثقافة الاسلامية هو عدم وجود جمهور عربي كبير هنا يتحدث اللغة‏الفارسية، وعدم وجود جمهور ايراني يتحدث باللغة العربية هناك، بالرغم من ان تدريس اللغة العربية معمول به قانونيا ورسميا في جميع المراحل الدراسية الاولى‏والمتوسطة والجامعية في ايران((555)) (على عكس ما فعلت بعض الدول الاسلامية الاخرى كتركيا مثلا التي عمدت الى محو اللغة‏العربية، او كباكستان التي اهملتها جميعيا).

ولكن للاسف لم تبادر الحكومات العربية رسميا بالشجميع المطلوب لحل هذا المشجميع‏القائم، الذي تسبب في تعميق حاجز الوهم، والفراغ الروحي والثقافي بين المسلمين (على الضفتين العربية والاسلامية)، الذي‏عمدت‏الدوائر الغربية المعادية لهما على ملئه بالاحقاد والاوهام، وبث الفتن والقلق السلبي ;ژرس‏ز÷المتبادل;ژرس‏ز÷ بين الطرفين.

ثانيا - السياسات الاعلامية الغربية: لقد اصبح الاعلام الغربي الحالي طاغيا ومهيمنا على الساحة العربية والدولية. ووصل به الامر الى‏حد ممارسة دور الوسيط الاعلامي، وحتى الثقافي الوحيد بين مختلف الدول والتيارات. وهذا الاعلام يغلف لنا - كما يظهر ذلك في‏مفرداته وعناوينه وتفاصيل تحركاته - الاشياء بصورة نفعية غير اخلاقية تتناسب ومصالحه الخاصة في المنطقة. من هنا نؤكد على حقيقة‏موضوعية مفادها اننا اذا لم نتحرر من هذا الاستلحاق، والتبعية الاعلامية والثقافية للمفردات الاعلامية الغربية، واذا لم نبدا باختراق‏جدارها الكبير، ومواجهتها في نقاط ضعفها، فسوف نبقى اسرى ورهائن للالة الاعلامية والدعائية الغربية التي توجهنا كيفما تشاء وحيثماتريد.

الخطاب الوحدوي الخميني تدفعنا الامكانات الوحدوية النفسية والشعورية، والطاقات العملية الذاتية الهائلة - التي تخت-زنها امتنا الاسلامية في داخل ذاتهاالحضارية، ومنظومتها العقدية التاريخية، وفي داخل ارضها الطبيعية - الى اثارة الاسئلة الملحة الراهنة عن واقع المسلمين ومواجهتهاومعرفة اسباب ما هم فيه من تخلف وتبعية وانقسام. ونبدا من الاسئلة الاساسية الاتية:

لماذا لا يزال المسلمون في مواقع كثيرة من عالمنا الاسلامي خاضعين لسيطرة القوى الاستكبارية والامبريالية الكبرى؟! ما هو الحل‏الموضوعي لهذه ;ژرس‏ز÷المشلكة - العقدة;ژرس‏ز÷ التي لا تزال تفعل فعلها في جميع مواقعنا واوضاعنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية؟! واين‏يكمن سر قدرة المسلمين في التغلب على هذه المشاجميع المستعصية؟! ثم ان هناك واقعا عالميا جديدا - بدا بالتشجميع بعد سقوط‏الشيوعية - يلزمنا ان نبحث عن دور لنا في خضم صراعاته، ودوائر عمله السياسي والثقافي الحضاري الان وفي المستقبل.. فهل نبقى في عزلة وتباعد قسري من خلال تفشي اجواءالتفكك والتفرقة المسيطرة على واقعنا، على اساس ان لجميع واحد منا مشاكله وهمومه الخاصة؟، او ان هناك آفاقا ومنافذ وامكانات‏حقيقة يمكننا الالتقاء عليها (كمسلمين نطمح الى مشاركة فعالة في المسيرة الحضارية العالمية)، وممارسة دور رسالي ودعوي تبليغي‏رائد بين امم العالم جميعه؟! اننا نعتقد ان تلك الاسئلة الخطيرة تعكس هاجس امة بقيت تعيش - طوال اجيال متعاقبة - على هامش الفعل والانتاج والحياة الحضارية‏الانسانية، وهي تبذل الان قصارى جهدها، وتحاول توظيف جميع طاقاتها ومواردها واستثمارها على طريق اعادة الوعي الذاتي بالاسلام،وصياغة الفعل الابداعي الهادف الخاص بالحضارة الاسلامية، وبالتالي الاسهام الفاعل في توليد مجتمع انساني تسوده قيم العدالة‏والمحبة والسلام.

وقد حاول رواد النهضة العربية والاسلامية تقديم بعض الاجابات الفكرية والعملية عن اسئلة النهضة واشكالياتها منذ نحو قرنين من‏الزمن.. ولكنها قلة تلك الطروحات والمشاريع الاستنهاضية التي اشارت الى موضع الخلل، وسبب المعاناة، واساس الازمة.

ولعل الطرح الفكري الاسلامي الاصيل للامام الخميني(قدس‏سره) - المبني على قاعدة الوحدة الاسلامية، ومحاولة بعثها وايقاظها من‏جديد بين مذاهب المسلمين جميعا - كان من ابرز التحليلات المعمقة التي ربطت بين الوحدة وبين النهضة.

لقد ركز النص الوحدوي الخميني - في سياق وعيه لاشكاليات المشروع النهضوي الاسلامي وهمومه - على ان هناك مشاجميع اساسية‏لم تاخذ بعد موقعها الصحيح المميز في الوعي الاسلامي المعاصر، تقف امام مسيرة الحركة الوحدوية والنهضوية الاسلامية، وتتجلى‏في النقاط الاتية:

-1 انطفاء الطاقة الروحية الكامنة في الذات الاسلامية وركودها.

-2 تمركز عقدة الخوف المصطنع الاخر)) في نفوس المسلمين.

-3 التبعية والاستلاب وفقدان الشعور العملي الملتهب بالهوية الروحية والثقافية.

لقد ادت تلك المعوقات مجتمعة الى اصابة المسلمين بعقدة ;ژرس‏ز÷الاحساس بالحقارة والدونية بين امم العالم;ژرس‏ز÷، الامر الذي اسهم لاحقا في‏تكبيل ارادتهم، ورهن امكاناتهم، وشلهم عن الحركة والعطاء، وبالتالي انكفاء الامة عن الانتاج والابداع، بل وحتى عن مجرد التامل‏والتفكير بتغيير الاوضاع المتردية القائمة، لان بناء الانسان معنويا، وتقوية ارادته ووعيه الذاتي بالاسلام، وشعوره العميق بهويته المفقودة - مع وجود مشروع هادف ومتكامل البنى والعناصر والامكانات - هو الذي يشجميع القاعدة الصلبة، والمرتكز التكويني‏الحقيقي لاطلاق القدرات الكامنة للانسان المسلم، وتركيز طاقاته باتجاه الفعل الخارجي المبدع، بعد تحريره من قيود الخوف الوهمي‏المصطنع والمضخم في الدوائر الظالمة، وهذا ما يؤكد عليه امامنا الخميني(قدس‏سره) في نصوص كثيرة تفيض بمعاني النهضة الواعية، وتكشف النقاب عن اهمية الطاقة الروحية الانسانية ودورها في‏مواجهة تعقيدات الواقع وازمات الحياة الاسلامية الراهنة، يقول(قدس‏سره): ;ژرس‏ز÷ان من اعظم الخيانات ان يجعلوا طاقتنا الانسانية متخلفة،ويحولوا دون اصلاحها ونموها;ژرس‏ز÷، وهذه هي مهمة الاسلام الاساسية المتمثلة في انه ;ژرس‏ز÷يربي الانسان ليكون انسانا في جميع الحالات;ژرس‏ز÷، لان‏بناء الانسان الصالح والواعي من الداخل هو الركيزة الحقيقية لبناء العالم الخارجي..

;ژرس‏ز÷يمكن لانسان صالح واحد ان يربي عالما باكمله، ويمكن ان يجر انسان فاسق طالح العالم الى الفساد;ژرس‏ز÷ ((556)).

والواضح ان اكتمال الانسان السليم لا يتم الا بالقضاء التام على الشعور المرضي بالخوف من الاخر، هذا الخوف الذي لا يزال يتحكم‏بنفسية الانسان المسلم ويسيطر علها، ويؤثر سلبا على سلوكه الذاتي والموضوعي. ونحن نعتقد - في هذا الاطار - بان الانظمة السياسية‏القائمة - التي توزعت في منطقتنا اثر خريطة سايكس بيكو ومعاهدات الاستقلال - تسهم اسهاما فاعلا في ممارسة النهج النفسي‏الضاغط نفسه الذي مارسه الاستعمار قبلها، واراد من خلاله تحطيم التكوينات والبنى النفسية والمعنوية للشعوب المستضعفة، وقتل‏ارادة النهوض والاستقلال والحرية لديها عبر ممارسة اساليب القمع والكبت والقهر، واتباع سياسة كم الافواه، وكتم الانفاس، وملاحقة‏الصلحاء والمعارضين للظلم والاستبداد، وانتهاك كرامات الناس بطريقة منهجية وقانونية منظمة.

من هنا جاء تركيز الامام الخميني في نهضته الوحدوية الرائدة على ضرورة تحرير الانسان، وتطهير الشعوب من هواجس الخوف،وتاكيده على ان تتجه جهود المخلصين في اي بلد صوب الشعوب وعموم الناس، لتهديم مرتكزات الهيبة الزائفة للقوى السلطوية‏الظالمة المحلية والعالمية، واعادة الثقة بالذات الاسلامية الحضارية ((557)).

يقول الامام الخميني(قدس‏سره): ;ژرس‏ز÷عليكم ان توقظوا ابناء الامة الذين ركزوا في ذهنها خلال سنوات متطاولة عدم امكان معارضة امريكااو الاتحاد السوفيتي (السابق) ولازالت هذه الدعاية راسخة في الاذهان.. عليكم ان تفهموا الجماهير ان هذا الامر ممكن، وخير دليل على‏ذلك ما وقع في ايران;ژرس‏ز÷.

والامر لا يقف عند حد الخوف من الاخر، بل يتكرس بشجميع اكبر واوسع من خلال عقدة الانبهار الاعمى بجميع ما هو اجنبي اوبالتحديد ;ژرس‏ز÷غربي;ژرس‏ز÷، والاستهانة - الى درجة الاستهزاء المستفز - بجميع ما هو شرقي وعربي او بالتحديد ;ژرس‏ز÷اسلامي;ژرس‏ز÷.

وقد تاطرت هذه العقدة في الواقع الاسلامي المعاصر من خلال تاثيراتها السلبية على الوعي، وفي السلوك الاجتماعي والسياسي العربي‏والاسلامي ايضا، حيث ادت الى ايجاد فصل حاد وخطير بين القدرة والطاقة التي توافرت عند المسلمين، وبين واقعهم المنقسم‏والمفكك من خلال قعود المسلمين انفسهم عن العمل، وانتظارهم السلبي لجميع شي من عالم الغرب، كما اشاعت - تلك العقدة - بعض‏المفاهيم الاستلابية التي عطلت ممكنات الحركة والنهوض، وعمقت الاحساس الجامد بالامر الواقع الراهن الذي انغرزت فيه بقوة‏الانظمة السياسية التغريبية بمختلف اتجاهاتها، وتياراتها، ومرجعياتها الفكرية التي اوصلت مسيرة الامة الى الغايات والاهداف نفسهاالتي رغبت في تحقيقها الادارات السياسية الغربية في واقعنا الاسلامي.

وهنا يعبر الامام الخميني عن هذه العقدة - ويتابع آثارها النفسية والسلوكية - في نصوص كثيرة نختار منها النص الاتي:

;ژرس‏ز÷نسي المسلمون‏الشرقيون مفاخرهم جميعها ودفنوها.. نسبوا كل شي الى الغرب.. نقلوا جميع موضوع من الغرب.. لقد نسينا انفسنا حقا وجلسنامخلوقاغريبا في مكاننا!;ژرس‏ز÷.

ونقرا في نص آخر للامام الراحل(قدس‏سره) رؤيته الموضوعية الخاصة بضرورة العمل على تجاوز تلك العقدة، والسعي العملي باتجاه‏تحرير المسلم من نتائجها وتراكماتها التاريخية السلبية التي لا تزال تتكدس فوق بعضها بعضا حتى الان وذلك من خلال:

ا - تحقيق الانتماء الرسالي الفعال الى الدائرة الاسلامية (العودة الى الذات الاصلية بمعنى الحوار والانفتاح وليس بمعنى التقوقع‏والانغلاق).

ب - التمرد على الضغوطات الغربية، ووجوب مواجهتها ومقارعتها (بحسب الواقع والامكانات) ((558)) .

ت - تحقيق الحسم السياسي والاجتماعي الداخلي (تغيير انظمة التبعية والتغريب والاستلاب).

ث - البدء الفوري باجراءات احلال النظام الاسلامي بوصفه بديلا للانظمة القائمة.

يقول(قدس‏سره): ;ژرس‏ز÷يتوجب على الاشخاص المتواجدين في البلاد الاسلامية، من اولئك المعتقدين بالاسلام، الذين تنبض قلوبهم من‏اجل شعوبهم ويريدون خدمة الاسلام، يجب ان ينهض جميع واحد منهم ببعث شعبه من الداخل لكي تعثر شعوبهم على ذاتها التي‏افتقدتها، ذلك ان الشعوب التي فقدت ذواتها فقدت في الحقيقة بلادها;ژرس‏ز÷.

ويبدو ان تحقيق الاستقلال الروحي والفكري اولا، بوصفه شرطا مسبقا لتحقيق الاستقلال السياسي والتنموي والحضاري من خلال‏العودة الى الذات، ووعي طبيعة متغيرات الحياة وتحولات الواقع الداخلي الذاتي والموضوعي - يشكل عند امامنا الراحل(قدس‏سره)المعادل النفسي البديل الذي يقضي على المحتوى النفسي للعقدة، ويجهز عليها ليحل محله . اي يحل الاعتزاز بالانتماء والهوية مكان‏الاعتزاز بالغرب والشوق اليه والى حمل هويته ((559)) . على اننا نلاحظ - بطبيعة الحال - ان استعادة الا مة لذاتها وحضارتها لا تقوم -في اطروحة الامام(قدس‏سره) - على بدائل مفتوحة على نهايات غير محسوسة لا عد لها ولا حصر، وانما شرط الاستعادة ان تتم بالاسلام‏المحمدي الاصيل، الذي يعده امامنا النظام العقلاني الموضوعي البديل عن انظمة القهر والظلم والتبعية التي اسهمت - بحكم تبعيتهاواستلابها وتماهيها مع الذات الاستعمارية الغربية - في زيادة حالة الاخفاق والافلاس لمشاريعها السياسية والتنموية، وذوبان الهوية،وترسيخ الانماط التبعية للمركز والمحور الغربي، الامر الذي جعل هذه الظواهر (وغيرها) مجتمعة تسهم في تعميق احساس الشعوب‏الاسلامية المستضعفة بالعجز عن التغيير المنشود، وتض اعف من شعورها بضرورة الالتحاق والذوبان الكامل بالغرب بوصفه‏مشروعاانقاذيا وحيدا. وبالنظر الى ذلك استطاع الامام الخميني(قدس‏سره) تحقيق نهضة اسلامية راشدة وناضجة، اكسبت الاسلام‏المعاصر قوى محركة ودافعة باتجاه تجسيد قيم الرسالة الاسلامية ومبادئها على ارض الواقع، في محاولة جادة ومسؤولة لاعادة الحياة‏اليه، وبث الروح في طروحاته الرسالية التي كاد الزمن يضعها ط‏ي الكتمان والنسيان. كما اثبت - في الوقت نفسه - ان الفكر الاجتماعي الاسلامي قادر - بل هو المؤهل حصرا - على قيادة السفينة الى شاطئ الامان وبره، لانه يمتلك ديناميكية الحركة والتحول الذاتي الخاص‏بالدوافع الروحية والعملية لمشاعر جميع العرب والمسلمين واراداتهم على طريق التحرير والتنمية((560)) والتحديث.

بنية المجتمع العربي قبل الاسلام قريش والمجتمع المكي، من قصي الى عبد المطلب ا. صائب عبد الحميد# تمهيد هاجر واسماعيل هما اول سكان مكة الذين عرفهم التاريخ، وبهما يبتدئ تاريخ مكة بعد الطوفان.

كان ذلك بعد سنة 2200ق.م. اي في السنة التي هاجر فيها ابراهيم من اور بالعراق الى بلاد الشام ((561)) ، ليرحل بعد ذلك بسنين، قد لاتبلغ العقدين، بزوجه هاجر وولده اسماعيل الى ارض مكة: [ربنا اني اسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيمواالصلاة فاجعل افئدة من الناس تهوي اليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون. ((562)) ] نص تاريخي متقدم يتضمن غير فائدة: فلمكة تاريخ اقدم من هذا شعند بيتك المحرم .].غير انها في ذلك العهد لم تكن عامرة، ولايسكنها من البشر احد [بواد غير ذي زرع.. فاجعل افئدة من الناس تهوي اليهم وارزقهم من الثمرات].

فاقام اسماعيل وهاجر عند ماء زمزم، وبعد زمن نزل بهم بعض من قبيلة جرهم العربية اليمانية، اما لنزوحهم بحثا عن ماء يستوطنون‏حوله بعد جدب اصاب بلادهم ((563)) ، او انهم جاءوا قافلين من الشام فمروا بهذا المكان فاستوطنوه ((564)) .

تزوج اسماعيل من جرهم، واخذ عنهم لغتهم العربية، ولذلك سمي بنو اسماعيل ب #باحث من العراق ;ژرس‏ز÷العرب المستعربة;ژرس‏ز÷، واخذوا هم عنه ديانته، ديانة ابراهيم الخليل(عليه السلام). فكانت السيادة في مكة لاسماعيل، ومن بعده لابنه‏نابت، فلما توفي غلبت جرهم على ابناء اسماعيل، واصبحت لها السيادة على مكة زمنا طويلا، حتى نزوح القبائل اليمانية على اثر انهيارسد مارب وخراب البلاد، وذلك بعد ملك سليمان الذي امتد بين سنتي (974 و937 ق.م)((565)) ، اذ كانت بلقيس ملكة سبا قد تركت‏بلادها واستسلمت لسليمان واقامت عنده، فدب في بلادها الضعف الذي انتهى بخرابها وتفرق اهلها في البلاد، وفيهم المثل المضروب‏في الفرقة:

«تفرقوا ايادي سبا».

والذي يهمنا من تاريخ جرهم انهم، على الرغم من النزاع الذي كان يدور بينهم وبين ابناء اسماعيل على السيادة على مكة، ورغم الفسادالديني والاجتماعي الذي استشرى فيهم حتى كان سببا في جلائهم عنها، ثم فنائهم تماما ليدخلوا قائمة قبائل ;ژرس‏ز÷العرب البائدة;ژرس‏ز÷ ((566))،رغم ذلك فانهم حافظوا على اصول الديانة الابراهيمية، او ان بني اسماعيل استطاعوا الابقاء على هيمنتها ديانة وحيدة في المجتمع‏المكي آنذاك، وانما ابتدا انحسار الديانة الابراهيمية بعد هيمنة خزاعة على مكة، والتي كانت قد رحلت مع من رحل من قبائل اليمن بعدخراب مملكة سبا، فنزلت عند مكة.

اما كيف بسطت خزاعة نفوذها على مكة، فهنا خبران لا يترجح احدهما على الاخر بمرجح، غير كونه معتمدا لدى عدد اكبر من‏المؤرخين:

الاول يقول: ان ولد اسماعيل هم الذي ازاحوا جرهم عن مكة بعد ان كثر فيهم الفساد وانتهكوا حرمة البيت الحرام، واستقلوا بمكة، غير ان‏نزاعا دب بعد ذلك بين مضر واياد، ابنا نزار بن معد، انتهى بجلاء اياد وولده صوب العراق وتفرد مضر وولده بمكة، في ذلك الوقت كانت‏خزاعة مقيمة في اطراف مكة، وكانت امراة منهم قد شهدت وقت نزوح بني اياد حدثا مهما، ذلك انهم لم يخرجوا من مكة حتى اخذواالحجر الاسود فغيبوه في بعض جبالها، فاخبرت بذلك قومها، وانشغل اولاد مضر في هذا الامر كثيرا، فاستغلت خزاعة حاجتهم اليه‏ففاوضتهم على رد الحجر، شريطة ان تكون لخزاعة ولاية البيت، فقبلوا الشرط، ووليت خزاعة امر البيت ومكة ((567)) .

اما الخبر الثاني، والذي عليه اكثر المؤرخين، فيفيد بان السيادة ظلت لجرهم حتى انتزعتها منها خزاعة بعد نزولها اطراف مكة، بعد حرب دارت بينهما، لم يشارك فيها بنو اسماعيل ((568)).

تولى الزعامة بمكة عمرو بن لحى، سيد خزاعة المعاصر لخزيمة بن مدركة، وكان عمرو سيدا مطاعا لا يعصى له امر، وهو اول من ادخل‏الاصنام في مكة، جلبها من العراق والشام، فنصب بعضها في البيت، وقسم بعضها على بيوت اهل مكة، فعبدت الاوثان بمكة منذ زمنه،وليس من الممكن ان تنقرض الحنيفية تماما بهذه السرعة، بل ستبقى ديانة خفية يدين بها بعض الناس، وقد تظهر على ايدي بعض‏المجددين والمصلحين والاقوياء، كما حدث في عهد كعب بن لؤي، الذي عاش بعد عمرو بسبعة اجيال، ما يدل على انه قد ورث هذه‏الديانة عن آبائه.

وفي تحديد تاريخ عمرو بن لحي يقول الشهرستاني: انه كان في زمن سابور، ولابد من ان يكون هذا هو سابور بن اردشير بن بابك، الذي‏ملك في حدود 400 سنة قبل الاسلام، اي في حدود سنة 200 بعد ميلاد المسيح، وقد يكون قبل هذا التاريخ ولو بخمسين عاما.

سيادة قصي قصى اول رجل من ولد اسماعيل حمل عزيمة الملوك، فانتزع السيادة من خزاعة باهلية عالية وبتدبير قوي، وكان قد تزوج قبل ذلك من‏حبى بنت حليل، آخر اسياد مكة الخزاعيين، فلما استحوذ على ميراث ابيها في السيادة استنكرت ذلك خزاعة، فجمع قصي ابناء اسماعيل‏وقادهم بصلابة في المواجهة التي انتهت بنزوح خزاعة من مكة، وعودتها الى ابناء اسماعيل، تحت سيادة قصي الذي اظهر قدرة عالية‏وحكمة سياسية كبيرة، فكان ملكا مطاعا مهيبا، استطاع ان ينجز اصلاحات مهمة، دخل المجتمع المكي خلالها عهدا حضارياجديدا.

انزل قريش الى السكنى في بطن مكة، حول البيت، وكانت مكتظة بشجر صحراوي غير مثمر، وكانت قريش تهاب قطعه تقديسا للحرم،فامرهم قصي بقطعه، وقال: «انما تقطعونه لمنازلكم ولخططكم، بهلة اللّه على من اراد فسادا»، اي لعنة اللّه على من اراد فسادا، وقطع هوبيده، فقطعوا، واقاموا بيوتهم هناك.

وابتنى عند البيت دار الندوة، وهو مؤسس هذه الدار في تاريخ العرب، وهي مؤسسة سياسية- اجتماعية خاصة تتولى الاشراف على جميع الشؤون السياسية والاجتماعية في مكة، وبرئاسة قصى.. ففيها تدار الشورى في‏جميع شؤون البلاد، وفيها تعقد الوية الحرب، يعقدها قصي بنفسه.. وقوافل التجارة لا تغادر مكة حتى تحضر دار الندوة لتستمع الى كلام‏سيدها وتودعه، واذا عادت ابتدات بزيارته في الدار نفسها.. بل حتى امور التزويج لا تعقد الا فيها، وادق من ذلك فقد رعت دار الندوة مالم ترعه اي مؤسسة اجتماعية اخرى، فاذا دخلت الفتاة سن البلوغ، اتى بها اهلها دار الندوة ليقطع لها قصي كساء خاصا تتدرع به لتعود به‏الى اهلها، والولائم العامة في اختتان الاولاد تكون فيها.

عاشت قريش في ظل تلك السياسة تماسكا اجتماعيا وامنا داخليا كبيرين..

وقصي اول من جدد بناء الكعبة، واحدث السقاية والرفادة لحجاج البيت الحرام، وكان ذلك بيده، يصنع الطعام للحجاج ايام حجهم، ويصنع حياضا للماء يستقون منها.. كما احدث للحجاج وقود الناربالمزدلفة لكي يروها وهم يقصدونها ليلا من عرفة..

وعظم شان قصى حتى صار امره دينا متبعا، لا يعمل بغيره حتى بعد وفاته، ووجدت‏قريش منذ ايامه عزها ومكانتها، وفيه قال متاخرهم:

ابونا قصى كان يدعى مجمعا به جمع اللّه القبائل من فهر ((569)) ولعظمة شانه نسجت حوله العرب اساطير كثيرة، كادت تصنع منه بطلا اسطوريا، حتى توهم بعض المستشرقين انه كان شخصية‏اسطورية لا وجود لها في الواقع!((570)) وتزامن ملك قصي مع ايام المنذر بن النعمان ملك الحيرة، وايام بهرام جور ملك الفرس‏الساسانيين الذي حكم من سنة 420م الى سنة 438 .((571)) فيكون بينه وبين مولد النبي(صلى اللّه عليه وآله وسلم)نحو 150 عاما،توارث خلالها المجد في قريش اولاده: عبدمناف بن قصي، ثم هاشم بن عبدمناف، ثم عبدالمطلب بن هاشم، جد النبي(صلى اللّه عليه‏وآله وسلم) وقد ادرك من حياته ثماني سنين.

عبد مناف شرف عبد مناف في زمان ابيه، وذهب كل مذهب ،((572)) وجمع اضافة الى جنب ذلك جمالا وبهاء مميزين، فلقب بالقمر، وقمرالبطحاء، وفيه قال مطرود بن كعب الخزاعي:

كانت قريش بيضة فتفلقت فالمح خالصة لعبد مناف اسمه المغيرة، دفعته اءمه وهي حبى بنت حليل الخزاعية اءيام طفولته الى مناف، اءعظم اءصنام مكة، تدينا منها بذلك، فغلب عليه‏عبدمناف. قالوا: مناف هو مناة المعروف نفسه، ولعل الادق قول البرقي والزبير بن بكار ان الصنم مناة وهو الذي غلب على المغيرة اولا،فعرف بعبد مناة، ثم غيره ابوه قصي فجعله عبدمناف ((573)).

وحين قسم قصى ميراثه بين بنيه الاربعة (عبدمناف، وعبد العزى، وعبدقصي، وعبدالدار) كانت قسمته سببا لنزاع احدث في وحدة‏قريش شقا كبيرا من بعده.. ذلك انه خص ميراثه كله ولده عبدالدار، ليرفع من شانه بين اخوته الذين تغلبوا عليه جميعا في ما حازوه من‏المجد ايام ابيهم، وكان هو خامل الذكر من بينهم.. فذهب بالميراث كله، السيادة على مكة، ودار الندوة، والسقاية والرفادة، ومضى على‏ذلك مدة حياته واخوانه لا يغيرون شيئا من وصية ابيهم، فامره فيهم نافذ حتى بعد وفاته، ولكن الجيل الثاني، بالاخص ولد عبد مناف(هاشم، وعبدشمس، ونوفل، والمطلب) راوا انفسهم اولى من ولد عبدالدار بمقاليد الحكم والسيادة، لما ورثوه عن ابيهم من شان‏اجتماعي وكفاءات خاصة لم يحظ بها بنو عبد الدار رغم ما كان في ايديهم، وابتدا النزاع، فانشرخت قريش، طائفة مع بني عبد مناف‏تحالفوا في ما بينهم، وجعلوا لحلفهم، رمزا، جفنة ملؤوها طيبا وغمسوا فيها ايديهم، فسموا ب «المطيبين‏».

وتحالفت طائفة مع بني عبدالدار، فسموا ب «الاحلاف‏». ثم ان الاحلاف وضعوا لهم جفنة من دم، غمسوا فيها ايديهم، فسموا «لعقة الدم‏»،وكان اصل هذه التسمية لبني عدي بن كعب الذين حالفوا بني عبدالدار اولا، فلعقوا الدم، تعبيرا عن تفانيهم في الحلف.

واوشكت قبائل قريش ان تتطاحن حتى يفنى احد الفريقين، الا انهم مالوا الى التصالح على ان تكون لبني عبدمناف السقاية والرفادة،،ويبقى لبني عبدالدار: الندوة، واللواء، والحجابة.

وبقيت قبائل قريش على احلافها حتى جاء الاسلام، وامور مكة على هذا التقسيم ((574)).

وحظ‏ي بنو عبدمناف الاربعة بمجد زائد، اذ جبروا امر قريش، وفتحوا لها طريق التجارة مع سائر الممالك المحيطة بمكة..

فكان هاشم‏اول من نظم معاهدة للامان والسلم بين قريش وبين ملوك الروم والغساسنة في الشام، ثم عقد عبدشمس مثل ذلك مع ملك الحبشة ، وعقد نوفل مثل ذلك مع ملوك فارس في العراق وبلاد الفرس، وعقد مثله المطلب مع ملوك حمير. من هنا سمي بنو عبدمناف‏ب «المجبرين‏» ((575)).

وعلى اثر المعاهدة التي نظمها هاشم لاول مرة سن لقريش رحلتيها في التجارة: رحلة الشتاء ورحلة الصيف.

ورحلة الشتاء كانت الى اليمن، والى الحبشة، فيدخل هاشم على النجاشي، فيكرمه ويحبوه. ورحلة الصيف الى الشام و الى غزة، وربمابلغ انقرة، فيدخل على قيصر فيكرمه ويحبوه . ((576)) وهكذا اتخذت قريش موقعا تجاريا وسياسيا مهما يزيد في قوة موقعها الديني.

هاشم يتولى الرفادة والسقاية النصيب الذي انتزعه بنو عبدمناف من بني عبدالدار، حازه هاشم لوحده، لفضله فيهم وليسر حاله، فقام بالامرين على احسن حال حتى‏وفاته، كان جوادا سخى الطبع، عرف بهاشم لشهرته في هشم الخبز لقومه في اوقات العسر، اما اسمه الحقيقي فهو عمرو.

قال ابن الزبعرى يمدحه:

عمرو الذي هشم الثريد لقومه قوم بمكة مسنتين عجاف سنت اليه الرحلتان كلاهما سفر الشتاء ورحلة الايلاف ((577)) وورث ذلك بعده اخوه المطلب بن عبدمناف، حتى توفي، ثم ورثها عبدالمطلب بن هاشم ثم الزبير بن عبدالمطلب، ثم ابو طالب، ولم‏يكن ثريا، فاقترض من العباس عاما بعد عام، فاشترط عليه العباس انه ان لم يدفع جميع ديونه في العام القادم اخذ منه الرفادة والسقاية،فتوافقا على ذلك، ولم يتمكن ابو طالب من الوفاء، فصارت للعباس، وبقيت السقاية في بني العباس بعد الاسلام، فكان عبداللّه بن عباس‏يقوم بها مدة حياته((578)) .

نصيب عبد شمس تولى عبدشمس القيادة، قيادة الوية قريش في السرايا والحروب، و ورثها عنه امية بن عبدشمس، ثم حرب بن امية، فحمل لواء قومه يوم‏عكاظ في حرب قريش وقيس عيلان، وبذات نكيف في حرب قريش وبني بكر بن عبد مناة بن كنانة، وكان القائد الفعلي عبدالمطلب ((579)) ، وورثها ابو سفيان بعد ابيه، فكان يقود قريش في حروبها، فكان آخرها يوم الاحزاب (الخندق)، فكانت هي آخرحروبهم حتى فتح مكة، وانتهاء توارث هذه المهمة.

هاشم وعبدشمس قالوا: ان عبدشمس وهاشما توامان، سبق عبدشمس هاشما، واصبع له ملتصقة بجبهة هاشم، ففصلت عنها فسال من ذلك دم، فتطيروامن ذلك، وقالوا: تكون بينهما دماء! ((580)).

ولما عظم شان هاشم في قريش لنجاحه الكبير في السقاية والرفادة والاطعام، حسده امية بن عبد شمس، وكان ثريا، فتكلف ان يحاكي‏هاشما في فعله، فعجز، فشمت به ناس من قريش، فغضب، ونال من هاشم، ودعاه الى المنافرة ((581)) .

فكره هاشم ذلك لسنه وقدره،لكن قريش اصرت عليه واهاجته، فقال: فاني انافرك على خمسين ناقة، سود الحدق، تنحرها ببطن مكة، والجلاء عن مكة عشر سنين،فرضي امية بذلك، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي، فنفر هاشما عليه، فاخذ هاشم الابل فنحرها واطعمها من حضره، وخرج امية الى الشام‏فاقام بها عشر سنين.. فكانت هذه اول عداوة وقعت بين هاشم وامية . ((582)) هكذا كانت سلطة العرف حاكمة في المجتمع العربي.

ولما مات هاشم اوصى بميراثه الى اخيه المطلب، وهو اكبر ولد عبدمناف، فبقي بنو هاشم وبنو المطلب يدا واحدة حتى بعد الاسلام،وبقي بنو عبدشمس وبنو نوفل يدا واحدة ((583)).

ومثل هذه المنافسة حصلت بين حرب بن امية وعبد المطلب بن هاشم وهو سيد مكة ووجهها، فكانت الغلبة له، فانشد نفيل بن‏عبدالعزى، جد عمر بن الخطاب، يهجو حرب ويمدح عبدالمطلب:

ابوك معاهر وابوه عف وذاد الفيل عن بلد الحرام ((584)) قال المقريزي: صنع اءمية في الجاهلية مالم يصنعه اءحد من العرب، فقد زوج ابنه اءبا عمرو بن اءمية امراءته في حياته! بينما كان اءنكر اءنواع‏الزواج في الجاهلية زواج «المقت‏»، وهو ان يتزوج الابن امراة ابيه بعد وفاته، اما ان يتزوجها في حياة ابيه فهذا ما لم يصنعه احد غير ابي‏عمرو بن امية بفعل ابيه . ((585))

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية