الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

فقال احدهما للاخر: لا نرى به باسا، فلما قتلاه، جاءا الى داره، واخبرا ابنتيه بهلاك ابيهما، وانه رغب الينا ان نخبركما بهذا البيت.. فلماسمعاه، خرجت الصغرى فاستدعت رجال قومها وقالت: هذان قتلا ابي يا معشر العرب! قالوا: وما الدليل عليه؟ قالت: مصراعان من شعر لايليق احدهما بالاخر، كل منهما يحتاج الى ثان.

قالوا: فما ينبغي ان يكون؟ قالت: ينبغي ان يكون:

من مخبر بنتى ان اباكما امسى قتيلا بالفلاة مجندلا للّه دركما ودر ابيكما لن يبرح العبدان حتى يقتلا فاستخبروهما، فوجدوا الامر كما ذكرت البنت! ((625)) وتمتاز اللغة العربية بدقة التعبير بالفاظها وتراكيبها.. ومن امثلة دقة التعبير فيها وجود الالفاظ لتادية فروع المعاني او جزئياتها، فعندهم‏لكل ساعة من ساعات النهار اسم خاص، ولكل ليلة من ليالي القمر اسم خاص، وللمعنى الواحد عندما يتنوع الى انواع كثيرة الفاظ يعبركل واحد منها عن نوع من تلك الانواع، فمعايب العين، مثلا، على التقارب الكبير بين بعضها، لكل منها اسم يدل عليه، منها: الحوص،والخوص، والشتر، والعمش، والكمش، والغطس، والجهر، وغيرها، وهكذا في سائر انواع الشي الواحد وتقسيماته وجزئياته، مما لامثيل له في ارقى لغات البشر قديما وحديثا.

وفي المترادفات دليل مشرق على غناء اللغة وتمكن اهلها من معانيها، وقد فاقوا في ذلك سائر امم الارض، فعندهم: للسنة 24 اسما،وللشمس 29، وللنور 21، وللسحاب 50، وللظلام 52، وللبئر 88، وللخمر والحية والجمل، لكل منها 100 اسم، وللماء 170، وللناقة‏255، وللاسد 350 اسما، وقس على ذلك ما سواها مما يكثر استخدامه عندهم ((626)).

وهذا كله دليل على الرقي، لا سيما اذا اضيف اليه ما تمتعوا به من حدة ذكاء وفطنة عالية.

يضاف الى ذلك كله كثرة الحكماء وانتشار الحكمة، بما لا يقل عن المعروف عن حكماء الامم المتمدنة في ذلك العصر، وفي المحفوظ‏من كلام الموحدين فيهم كثير مما يدل على ذلك، سنورد بعضه عند الحديث عن الديانات، ونكتفي هنا ببعض ابيات حكمية رائعة من‏معلقة زهير بن ابي سلمى، فهو يقول في بعض ابياته:

فلا تكتمن اللّه ما في نفوسكم يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر واعلم ما في اليوم والامس قبله رايت المنايا خبط عشواء، من تصب ومن هاب اسباب المنايا ينلنه ومهما تكن عند امرئ من خليقة لسان الفتى نصف، ونصف فؤاده ليخفى، ومهما يكتم اللّه يعلم ليوم الحساب، او يعجل فينقم ولكنني عن علم ما في غد عم تمته، ومن تخطئ يعمر، فيهرم وان يرق اسباب السماء بسلم وان خالها تخفى على الناس تعلم فلم يبق الا صورة اللحم والدم ((627)) هذا الواقع الثري بالادب والفطنة والحكمة، لهو الارضية الامثل لاثبات معجزة القرآن في البلاغة وفي البيان وفي الحكمة، فاصحاب هذه‏الثروة الهائلة في فنون اللغة وآدابها هم الذين ستذهلهم لغة القرآن، وهم الذين سيتحداهم القرآن بان ياتوا بسورة من مثله! ثم هم الذين‏سيقراون القرآن، ويحملونه، ويبلغونه.

ديانات العرب عرفنا ان اهل مكة، منذ عهد اسماعيل وحتى سيادة عمرو بن لحي الخزاعي على مكة، كانوا على الحنيفية الابراهيمية، موحدين، يؤمنون‏بالنبوة وباليوم الاخر، ويتمسكون بسنن ابراهيم واسماعيل، مع ما ينبغي ان نتوقعه من تغير يطرا على هذه السنن واختفاء بعضها على‏الاقل، على امتداد زمن طويل، حيث كانت سيادة عمرو بن لحى حدود سنة 100 بعد ميلاد المسيح، فبينه وبين اسماعيل نحو 2200عام، تتغير فيها امم، وتتبدل ثقافات، لا سيما مع عدم توافر الكتابة طوال هذا الزمن.

وعن هذه المدة تحدث الامام محمد الباقر، فقال: فطال عليهم الامد فقست قلوبهم، وافسدوا واحدثوا في دينهم، واخرج بعضهم بعضا،فمنهم من خرج في طلب المعيشة، ومن خرج كراهية القتال، وفي ايديهم اشياء كثيرة من الحنيفية، من تحريم الامهات والبنات وما حرم‏اللّه في النكاح، الا انهم كانوا يستحلون نكاح امراة الاب وابنة الاخت، والجمع بين الاختين، وكان في ايديهم الحج والتلبية، والغسل من‏الجنابة..((628)).

ويمكن ان يكون هذا النص كاشفا عن استقراء تاريخي واف لهذه المرحلة، وهو حديث طويل تضمن في فقرات اخرى اختصارا مهما لادوار مكة حتى سيادة قصي.

وبقاء العرب على الحنيفية باطارها العام هو الثابت عند كافة المؤرخين العرب، وقد ايده مؤرخون مستشرقون ايضا، منهم:

رينان، الذي‏راى ان العرب كسائر الساميين موحدين بطبعهم، وان ديانتهم ديانة التوحيد. وقد اقام نظريته هذه من خلال دراسته للالهة التي تعبد لهاالساميون، حيث اكتشف ثبات كلمة (ال) او (ايل) في لهجاتهم، التي تدل على تعبدهم لاله واحد.

ومنهم: ويليم شميد، الذي درس احوال القبائل البدائية وانواع معتقداتها، فراى انها ترجع الى عقيدة اساسية قائمة على الاعتقاد بوجود(القديم الكل) الذي هو في نظرها العلة الاساس، فهو اله واحد، واطلق على هذه الديانة اصطلاح ;ژرس‏ز÷التوحيد القديم;ژرس‏ز÷ ((629)) .

ولا يمكن ان نتوقع ان عمرو بن لحى قد تمكن من محو آثار الابراهيمية، الحنيفية، بالكامل، فهذا ما لا يمكن توقعه في شان عقيدة دينية‏تقوم على الايمان باللّه والنبوة واليوم الاخر، ولا يمكن ان نتوقع ان شعبا كاملا كان يخلو من افراد استطاعوا الاحتفاظ بديانتهم في مقابل‏وثنية طارئة ليس لها جذور في المجتمع.

لذلك نجد، خلال هذه المدة، التي تبلغ نحو 450 سنة، منذ ظهور الاصنام وعبادتها وحتى مولد النبي(صلى اللّه عليه وآله وسلم)، بل‏حتى المبعث الشريف، ظهور دعاة للتوحيد كبار، نكتشف من اخبارهم انهم كانوا زعماء الموحدين، اما من كان دونهم من اهل التوحيدفيصعب عليه الجهر بعقيدته التي يتحدى بها امة ترسخت فيها عبادة الاصنام على مر الاعوام.

ولعل ابرز زعماء التوحيد الذين عرفناهم خلال هذه المدة، هو:

كعب بن لؤي، الذي عاش في حدود سنة 350 للميلاد، قبل النبي(صلى‏اللّه عليه وآله وسلم) بسبعة اجيال، وقد تقدم خبره، ومنهم:

- عامر بن الحارث الجرهمي الذي عاش بعد جلاء قومه من مكة وسيطرة عمرو بن لحي عليها، كان متعبدا على دين ابراهيم، يحث على‏العمل للاخرة، فيقول:

يا ايها الناس سيروا، ان قصركم ان تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا كنا اناسا كما كنتم، فغيرنا دهر، فانتم كما كنا تكونونا حثوا المط‏ى واءرخوا من اءزمتها قبل الممات وقضوا ما تقضونا ((630)) ووكيع بن سلمة الايادي: وكان علماء العرب يرون انه صديق من الصديقين، ويحفظون عنه اشياء، منها قوله: «زعم ربكم ليجزين‏بالخيرالثوابا، وبالشر العقابا.. ان من في الارض عبد لمن في السماء.. هلكت جرهم، وربلت اياد، وكذلك الصلاح والفساد».

وكان قد اتخذ في اسفل مكة صرحا وجعل له سل ما، فكان يرقاه ويناجي اللّه تعالى، وفيه يقول بشير بن الحجير الايادي:

ونحن اياد عباد الاله ورهط مناجيه في سلم ((631)) وعمير بن جندب الجهني: كان موحدا لا يشرك بربه احدا ((632)) وعامر بن الظرب العدواني: الحكيم الذي سبق المتكلمين الى منهجهم في اثبات الصانع، في وصيته الحكمية الرائعة، التي يقول فيها:«اني ما رايت شيئا قط خلق نفسه، ولا رايت موضوعا الا مصنوعا، ولا جائيا الا ذاهبا.. ولو كان يميت الناس الداء، لاحياهم الدواء.. اني‏ارى امورا شتى، وحتى!».

قالوا: وما حتى؟ قال: «حتى يرجع الميت حيا، ويعود اللاشي شيا، ولذلك خلقت السموات والارض‏»، فتفرقوا عنه وانصرفوا..

فقال:«ويلمها نصيحة لو كان من يقبلها» ((633)).

ومما يساعد على بقاء اصول هذه الديانة في هذه المدة ان قبائل مضر الذين كانوا قبل على الابراهيمية، قد احتفظوا بوظائف دينية‏اساسية في مكة، وهذا يعني انهم لم يبلغوا في هذه المدة القدر من الاستضعاف الذي يجردهم من القدرة على مزاولة بعض عباداتهم‏وشعائرهم، ناهيك عن الاحتفاظ بها سرا.. فقد بقيت بايديهم طوال ايام الحكم الخزاعي ثلاث وظائف دينية تحفظ لهم على الدوام مكانة‏اجتماعية مرموقة، وهي: الاجازة بالحج للناس من عرفة، والافاضة بالناس الى منى، والنسي للشهور الحرم ((634)) . وفي النسي، اوالنسا، يجتمع العرب بعد فراغهم من الحج عند صاحب النسا، فيقوم فيهم داعيا، فيقول: «اللهم انى قد احللت احد الصفرين، الصفر الاول آاي محرم وانسات الاخر للعام المقبل!;ژرس‏ز÷.

ومع كون النسي مخالفا لسنة ابراهيم، الا انه يحتاج حتما الى سلطة دينية تبرره، فالسلطة الدينية وحدها قادرة على التحايل على الدين‏والتلاعب باحكامه! اما السلطة اللادينية فانها تعطل الاحكام من دون اللجوء الى اللعب بالدين والتحايل عليه.

من كبار الموحدين من ادرك النبي(صلى اللّه عليه وآله وسلم) ومات قبل البعثة، واشهرهم: قس بن ساعدة الايادي، وزيد بن عمرو بن‏نفيل، وعبدالمطلب بن هاشم.

ويبدو ان قس بن ساعدة كان ذا سلطة روحية عالية في قومه، تؤكد هذا الاساطير التي نسجت حوله! والثابت عنه يكفي في التحقق من‏منزلته، وهو خطبته الشهيرة بسوق عكاظ، وكان النبي شاهدها قبل مبعثه بسنين، فلما وفد عليه وفد اياد، سالهم عنه، فقالوا: هلك. فذكرلهم موقفه بعكاظ، فقام بعضهم فاورد تلك الخطبة الوجيزة البليغة في حضرة النبي(صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وفيها: «ايها الناس،اسمعوا وعوا، كل من عاش مات، وكل من مات فات، وكل ما هو آت آت.. ليل داج، وسماء ذات ابراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر،وجبال مرسية، وانهار مجرية، ان في السماء لخبرا، وان في الارض لعبرا.. ارى الناس يموتون ولا يرجعون،اءرضوا بالاقامة فاقاموا، اءم‏تركوا فناموا! اقسم قس قسما باللّه لا اثم فيه، ان للّه دينا هو ارضى مما انتم عليه‏».

ثم انشا يقول:

في الذاهبين الاولين من القرون لنا بصائر الابيات ((635)) .

وزيد بن عمرو بن نفيل: توفي قبل البعثة، وكان يؤنب قريشا لتركهم دين ابراهيم، وكان يهتف: الهي اله ابراهيم، وديني دين ابراهيم، وكان‏يصلي الى الكعبة مجتهدا في ذلك لانه كان يجهل دين ابراهيم، وكان يحيي الموؤودة، ويقول للرجل اذا اراد ان يقتل ابنته: لا تقتلها، ادفعهاالى اكفلها، فاذا ترعرعت فان شئت فخذها، وان شئت فادفعها ((636)).

ومنهم رجال تركوا الاوثان وبحثوا عن ديانة التوحيد، فتنصروا، كورقة بن نوفل، وعبداللّه بن جحش ((637)) .

ومنهم: سويد بن عامر: من بني المصطلق، استنشد النبي شعره، ثم قال: «لو ادركته لاسلم‏» ((638)) .

وعلاف بن شهاب التميمي، القائل:

وعلمت ان اللّه جاز عبده يوم الحساب باحسن الاعمال ((639)) وزهير بن ابي سلمى: صاحب المعلقة، وادرك ابنه كعب النبي(صلى اللّه عليه وآله وسلم) واسلم وانشد في حضرته «بانت سعاد»المشهورة بالبردة، وزهير هو القائل في معلقته:

فلا تكتمن اللّه ما في نفوسكم ليخفى، ومهما يكتم اللّه يعل‏م يؤخره فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب، او يعجل فينقم ((640)) والمتلمس بن امية الكناني، خطب بفناء الكعبة يقول:

«اطيعوني، ترشدوا».

قالوا: وما ذاك؟ قال: «انكم قد تفردتم بلهة شتى، واني لاعلم ما اللّه راض به، وان اللّه تعالى رب هذه الالهة، وانه ليحب ان يعبد وحده‏»، فتفرقوا عنه،واعتزله بعض قومه ((641)) .

وغير هؤلاء كثير، منهم: الحكيم المتاله عبداللّه بن تغلب القضاعي، والشاعر الفحل عبيد بن الابرص الاسدي، وآخرون . ((642)) ابو قيس البخاري: وعلى خلاف امية بن ابي الصلت كان امر صرمة بن ابي انس، من بني النجار، الذي فارق الاوثان، واوشك ان يتنصر،ثم توقف عن النصرانية، وقال: اعبد رب ابراهيم..

واتخذ له مسجدا لا يدخله جنب ولا امراة طامث.

فلما قدم رسول اللّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) المدينة اسلم ابو قيس وحسن اسلامه، وانشد في استقبال رسول اللّه ونصرته ابياتا هي‏من اجمل ما قيل من شعر المدينيين في استقباله، اولها:

ثوى في قريش بضع عشرة حجة بمكة لا يلقى صديقا مواتيا ((643)) اليهودية والنصرانية كانت اليهودية في اليمن وفي حمير خاصة، وفي يثرب، والنصرانية في نجران خاصة، اما قريش فلم يتهود منهم احد، ولكن دخل بعض‏رجالها النصرانية، ولا سيما قبيل البعثة، وهم:

ورقة بن نوفل بن اسد بن عبدالعزى، وعثمان بن الحويرث بن اسد بن عبدالعزى، وعبداللّهبن جحش بن رياب الاسدي، امه اميمة بنت عبدالمطلب، ولم يعرف من دان بالنصرانية غير هؤلاء من قريش.

وكانت النصرانية منتشرة في ربيعة وغسان وقضاعة والحيرة، اخذوها من الشام، وقد بقي بعضهم على النصرانية حتى بعد وفاة‏النبي(صلى اللّه عليه وآله وسلم).

وقس بن ساعدة الايادي، المتقدم ذكره، نسبه بعضهم الى النصرانية، وعليها جماعة من قومه وفدوا على النبي(صلى اللّه عليه وآله وسلم) على راسهم الجارود بن عبداللّه، فاسلموا، ومنهم رئاب الشني((644)) ، او ارباب‏بن رئاب ((645)).

عبادة الكواكب عبادة الكواكب ديانة قديمة عند البابليين، والاصل فيها عبادة الشمس والقمر والزهرة، والشمس هي الاله الاكبر عندهم، يليها القمر، وكل‏ما لديهم من اصنام قد اشتقوا اسماءها من اسماء هذه الكواكب الثلاثة، وهي الكواكب التي نكل بها ابراهيم، واحدا بعد الاخر، لينتهي الى‏التوحيد الخالص، كما جاء في القرآن الكريم ((646)).

وقد عرف العرب عبادة هذه الكواكب، وانتشرت بينهم، واضافوا عليها كواكب اخرى، اهمها «الشعرى‏» و «الثريا» وعبد الشعرى طائفة من‏العرب في الجاهلية، ويسمونها ايضا: المرزم، والعبور، وفي ذلك انزل اللّه تعالى: [وانه هو رب الشعرى ((647)) ] اي التي تعبدونها((648)) . وعبد بعضهم الزهرة وطائفة من كنانة عبدوا القمر، وطائفة من ط‏ي عبدوا الثريا ((649)) ، ويدل على عبادة بعضهم الشمس‏تسميتهم بعبد شمس، وقد نقض القرآن ذلك كله، قال تعالى: [ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمرواسجدوا للّه الذي خلقهن ان كنتم اياه تعبدون((650)) ] .

عبدة الاصنام هم سائر اهل مكة منذ زمن عمرو بن لحى، في حدود سنة 100م، واكثر عرب الجزيرة الذين اخذوها من اهل مكة، قالوا: ان عمرو بن‏لحى اتى بها من العراق، وكان قد حمل معه: هبل، وهو هبعل او بعل، واللات، وهي اللاتو، ومناة وهي مماتو، والعزى وهي عشتار،الموروثة من ايام البابليين القدامى، وحمل معها اصناما اخرى، فقسمها على بيوتات قريش فاعط‏ى لكل بيت صنما، وجعل هبل، وهواكبرها، في جوف الكعبة، وهو الذي يستقسمون عنده بالازلام، واختلفت المصادر في الذي وضعه في جوف الكعبة، هل هو خزيمة بن‏مدركة بن الياس بن مضر ((651)) ، او عمرو بن لحى نفسه ((652))، وهو الراجح لكون خزاعة هي التي وليت البيت واحتكرت السيادة‏عليه((653)) .

وكان عبدة الاصنام من العرب قاطبة يؤمنون باللّه وانه الخالق، ولكنهم انكروا البعث وانكروا الرسل، اما عبادتهم الاصنام فلانها، في‏فلسفتهم، الوسائط التي تقربهم الى اللّه، فقد اعتقدوا بانهم لا يستطيعون ان يعبدوا اللّه مباشرة، او يدعوه من دون وساطة، وقد حكى القرآن قولهم عن عقيدتهم هذه: [ما نعبدهم‏الا ليقربونا الى اللّه زلفى]((654)) !لكنها عندهم آلهة تضر وتنفع، فيعكفون عليها، ويذبحون لها ، ويستنصرون ويستمطرون بها، لذلك‏استنكروا عبادة اله واحد، وترك هذه الالهة المتعددة، كما جاء في القرآن الكريم: [اءجعل الالهة الها واحدا ان هذا لشي عجاب ((655)) !]ثم كان التركيز على عبادة الاله الواحد في القرآن من الكثرة بدرجة تكشف عن مدى تجذر الاشراك في الالوهية في‏معتقداتهم.

واستمرت عبادة الاصنام عند اهل مكة، ولم تنته حتى فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة، وكان زوالها نهائيا في يثرب قبل ذلك بثماني‏سنين، على اثر الهجرة النبوية المباركة. قالوا:

دخل النبي(صلى اللّه عليه وآله وسلم) مكة يوم الفتح، وفيها 360 صنما ((656)).

وكان غير هؤلاء جميعهم اناس يعبدون الملائكة، لتشفع لهم عند اللّه، واعتقدوا بانها بنات اللّه، وفيهم كان قوله تعالى:

[ويجعلون‏للّهالبنات سبحانه ولهم ما يشتهون((657)) ! ] ومنهم الدهريون، نسبة الى الدهر، انكروا النبوات والبعث، وقالوا ما حكاه القرآن عنهم: [ما هي الا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكناالا الدهر.((658)) ] في مجتمع يعج بهذه الا راء والديانات، وتلك الطبائع الثابتة، والنظم الاجتماعية الكثيرة التناقض والتعقيد، سيبعث النبي الذي سيقلب‏هذا الضجيج الى وحدة ونسيج متماسك، هو الانموذج الامثل في تاريخ البشرية على امتداده، ويصنع من هذا الشتات القوة العجيبة التي‏غيرت مسار التاريخ كله على وجه الارض.

العلامة السيد عبد الحسين نور الدين قراءة في سيرته ;ژرس‏ز÷وكلماته الثلاث;ژرس‏ز÷ ا . د. ابراهيم بيضون‏# مدخل على مدى القرون، كانت المدرسة عنوانا كبيرا في الجبل العاملي، وكان الفقهاء والادباء والقراء.. لم ينقطع ذلك، ولم ينثن النهر المتدفق‏عن المسير، والارض الطيبة لم تتوقف يوما عن العطاء. فاذا قلبت في الاوراق القديمة تراءت لك اسماء لم تتناه من قبل اليك، وصادفت‏اعلاما ما زالوا مجهولين، واعمالهم ما انفكت مطوية، يسكنها الغبار والنسيان. وليس ذلك سوى القليل من تراث اتت على كثيره النيران‏والاحقاد، فماذا لو كانت الاوراق كاملة وظلت محفوظة عبر القرون، ولكن القليل الذي بقي كان كافيا لاعطاء جبل عامل وجهه الاشعاعي،وتكريسه مدرسة متميزة، لها نهجها وفكرها واسلوبها، مما لا يختلف عن المدارس الكبرى في التاريخ العربي الاسلامي. ولكن الاخيرة‏تفوقت شهرة لانطلاقها من الحواضر الكبرى، حيث مراكز الضوء، وحيث المصنفون الذين جمعوا ما تناهى اليهم من الاخبار والروايات‏والاشعار، من دون ان تاخذ باهتمامهم الاطراف المهمشة النائية عن الحدث السياسي.

هل كانت العزلة ما دفع بجبل عامل الى التمرد والسير في الطريق الصعب؟ سؤال نواجهه في محاولة البحث عن اسباب تلك الظاهرة التي‏جعلته مختلفا عن اقاليم كثيرة في ما مضى من الازمنة من دون ان ينقطع عن الزمن الحالي. ولكن جبل عامل المنفى، كمن فيه ايضا سر التحول نحو المدرسة التي اسست‏لنهضة مبكرة فيه، على يد اولئك المبعدين اليه، وهم في جميع الاحوال، ليسوا مجرد شخصيات عادية، بقدر ما كانت السلطة تخشى‏مواقفهم العلمية ويقلقها تاثيرهم في الجماعة.. واذا كانت السواحل او معظمها مما شهد نفيا عسكريا في المنطقة الشامية، فان جبل عامل‏كان نصيبه على الارجح من النفي الثقافي، متمثلا في جماعات او افراد، افاضوا في مجال العلم وتالقوا فيه، وربما كانوا اكثر اقلاقا للسلطة،لما يملكون من قوة التاثير على شرائح في المجتمع رفضت الاستبداد والسياسات المنحرفة. فلم تدخر فرصة في احتوائهم، موفرة لهم‏من الوسائل ما يشدهم الى الموالاة، حتى غدا الفقهاء، او معظمهم، منافسين لشعراء البلاط، بل اكثر حظوة لدى الحاكم، لما اظهروه من‏تحزب له، وتسويغ لشرعيته المسخرة لمصلحة اقلية حظيت مثلها بالرغد والرفاه. اما الذين اخفقت السلطة في احتوائهم، فكانواهدفاللظلم بمختلف انواعه، وبعضهم دفع حياته ثمنا لموقفه الجري في محاولة تصويب المسيرة المنحرفة، بدءا من الائمة الاوائل حتى‏العلماء الشهداء في جبل عامل، من دون استثناء المثقفين الذين قضوا بسيف ;ژرس‏ز÷صاحب العذاب;ژرس‏ز÷ في العهد الاموي، او بسيف ;ژرس‏ز÷صاحب‏التنور;ژرس‏ز÷ في العهد العباسي، او بسيوف الاجهزة المتربصة بهم في عهود كثيرة.

وعلى عكس ما توخت السلطة من تكريس هذه البقعة الطرفية التي عرفت بجبل عامل، منفى لاهل العلم والثقافة، او هامشا تدفع المعاناة‏باهله الى الرضوخ للامر الواقع، فقد قلب هؤلاء معادلة اقتران الفقر بالجهل، الى ان يصبح الاول مقرونا بالعلم، مؤسسين لنهضة ظلت‏متوهجة عبر العصور. ولعل من اسباب هذا التوهج الدائم، ان العلماء لم ينكفئوا الى محاربهم، منصرفين فقط الى العبادة وشرح اصول‏الدين وفروعه، وانما كانوا في دورهم القيادي يعكسون معاناة المجتمع، ويعبرون عن تطلعات الامة، ويجسدون رسالة الاسلام.

ولو عدنا الى الخطاب السياسي لهؤلاء العلماء، لوجدناه ينبض بالوحدة، ولم يكن بالمطلق خطابا فئويا كما يتبادر الى اذهان غيرالمتصلين بتراثهم الفكري، العاصف بالثورة والمتسم بالنبرة الشمولية.

ومن جيل الى جيل، كان الجبل العاملي لا يزال على هذه المساحة العابقة بالضوء، ومعادلة الفقر - العلم لا تعوقها حركة التاريخ المضطربة بالتحديات، بل كانت حافزا الى قهر الواقع الصعب، انطلاقا من المدرسة التي‏عرفت طريقها مبكرا الى هذا الجبل، فاضحى متسلحا بالعلم، مفعما بالثورة. واذا بالمعادلة يتسع مداها، لتصبح المقاومة ركنها الثالث‏المعبر عن الوعي المتجذر بالتاريخ والمسكون بتداعيات اللحظة الصاخبة. ومن هذا المنظور، من دون سواه، نقرا الدور الرسالي للعلماءالعامليين، مهتديا ب ;ژرس‏ز÷السيرة;ژرس‏ز÷، ومفعما ب ;ژرس‏ز÷النهج;ژرس‏ز÷، وعابقا بالدم الكربلائي، ومقتبسا انموذج الامام الصادق، عالما منظرا ورائد مدرسة في‏الفكر السياسي، كان تحذير الفقهاء من ;ژرس‏ز÷الركوب الى السلاطين;ژرس‏ز÷، مما عبرت عنه، وتاسست عليه في ما بعد، المقولة المتداولة في جبل‏عامل: ;ژرس‏ز÷اذا رايت العلماء على ابواب الزعماء، فقل بئس العلماء وبئس الزعماء..;ژرس‏ز÷. هذه المقولة التي كان يطيب لسماحة العلامة السيد عبدالحسين نور الدين تردادها، منتقدا على طريقته الهادئة تهافت العلماء على ابواب الحاكمين متخلين طوعا - بوصفهم طليعة نخبوية - عن‏دورهم المرجعي، ليصبحوا ملحقين بطبقة الزعماء، بدل ان يكونوا - وهم ;ژرس‏ز÷امناء الرسل;ژرس‏ز÷، على حد تعبير الصادق- اداة الترشيدلسياساتهم، والتصويب لاساليبهم في الحكم.. فمن هو هذا العالم الجليل، المتحوط في ;ژرس‏ز÷الركوب;ژرس‏ز÷ الى الزعماء؟ قراءة في سيرته انه العلامة السيد عبد الحسين نور الدين، المولود في النبطية الفوقا، في الربع الاخير من القرن التاسع عشر (1874)، وثمة ما يستوقفنامن الظواهر في ذلك الوقت، ما لا ينفصل عن تلك الولادة المواكبة لمتغيرات غير عادية في جبل عامل وبلاد الشام في آن.

1 - الظاهرة الاولى، تعبر عنها المدرسة، حيث كانت بلدة السيد نور الدين بين عديد من المراكز العلمية التي انتشرت في جبل عامل،انطلاقا من ذلك الموروث المتراكم عبر قرون كثيرة من تاريخه.

2 - الظاهرة الثانية، ان ولادته تزامنت تقريبا مع تاسيس الجمعية السرية في بيروت، والتي قيل: ان اليازجي ابراهيم كان من اعضائها،عاكسا المنحى القومي الذي سارت فيه، والدعوة الى وحدة العرب، بوصفها سبيلا الى الاستقلال والتحرر من الاستبداد العثماني.

3 - الظاهرة الثالثة، وهي متصلة بما سلف من ان السيد واكب - شان العامليين- عن كثب الثورة العربية (1916)، وتاثر بها فكرا والتزاما ومصطلحات، الامر الذي نجده واضحا في كتابه الذي سنعرض له في هذه‏الدراسة.

واذا كانت المدرسة قد اكسبت جبل عامل شخصيته التراثية الثقافية، حيث انتشرت المدارس في ربوعه، فقد ترافق ذلك تلقائيا مع ظهورعدد من الاسر التي توارثت العلم، ما يوازي المراكز الكبيرة او يتفوق عليها في هذا المجال. ومن هذه الاسر العريقة: الامين، فضل اللّه،شرف الدين، مغنية، صادق، سبيتي، عز الدين، ابراهيم، خاتون، فضلا عن نور الدين، المعبرة لفظا عن موقعها في هذا الاطار والتي تحدرمنها السيد عبد الحسين، وغيرها من الاسر التي لا يزال معظمها محافظا على هذا التقليد، ناقلا راية العلم من الاباء الى الابناء.

وفي ضوء هذا الواقع، كانت العادة ان يكون ابن الفقيه فقيها، وان تكون النجف - مرجعية العلم - محط انظار الناشئة لدى عدد من تلك‏الاسرة العاملية، من دون ان يحول دون ذلك سوى الفقر الذي ما انفك ملازما للبيئة العاملية وحاضرا في بيوت علمائها، ومن ثم‏متربصابطموح الشباب التائقين الى السير في هذا الطريق ومتابعة الرسالة المشعة. ولم يكن عبد الحسين نور الدين سوى واحد من‏هؤلاء، وهو يتلقى مبادئ اللغة والحساب، ويصيب ما يمكن الوصول اليه من المعرفة في مدرسة الاسرة (النورية)، طامحا ، وبصورة‏تلقائية، الى الاقتداء بابيه العالم، فشخص بانظاره الى النجف، حالما بجامعتها العريقة التي تعدى تاثيرها مجال العلوم الدينية، الى ان‏تصبح حاضرة في الحياة الثقافية لجبل عامل بشكل عام.

ولكن الشاب عبد الحسين، كانت دون طموحه، العقبة عينها التي حالت دون وصول الكثيرين الى النجف، فلم يكن لدى الاب المرهق‏باعباء الحياة، ما يوفره لابنه من مال يسير، يجعل الحلم الصعب قابلا للتنفيذ. فالازمة الاقتصادية المتفاقمة حينذاك، نتيجة التدهور الذي‏اصاب السلطنة العثمانية، انعكست خصوصا على جبل عامل الذي عانى ممارسات ولاتها وملتزمي الضرائب، في وقت تراجعت فيه‏الزراعة وركدت التجارة، لم ينج احد من وطاة تلك الازمة التي امتدت الى نهايات حكم السلطنة.

ولكن يبدو ان الارادة الالهية لها كلمتها الحاسمة في مصير طلاب العلم، فلا يعدمون وسيلة لتحقيق اصلاحهم، فيجدوا انفسهم، وقدوقذتهم الحماسة، في الطريق الى العراق.

يذكرنا ذلك بحالات مماثلة، تدخلت فيها هذه الارادة على نحو ما حدث للعلامة الكبير السيد محسن الامين الذي حالت، لسنين،صعوبات دون تحقيق غايته السامية قبل ان يتغلب عليه متحديا الفقر وجميع المعوقات في هذا السبيل. والمقارنة تاخذ حدا من التماثل‏في تدخل الام لدى الاثنين، حينا بالدعاء وآخر بالالحاح على الاب الاكثر حماسة لما يتوق له ابنه الظامئ الى العلم، لولا الفاقة الشديدة‏والفقر المقيم في المكان.

وهكذا سار الفتى عبد الحسين الى النجف، وكان عمره لا يتجاوز الرابعة عشرة، قضى مثلها في الحاضرة العلمية الشهيرة، منكبا خلالهاعلى الدراسة، اذ ليس في الوقت متسع لتبديده في غير الهدف الذي سعى بصعوبة اليه، على الرغم من رحابة الزمن في الحاضرة‏المتوهجة مجالس ومنتديات وشعراء كبار، وغير ذلك مما يجذب الطلاب على حساب الدراسة بمناهجها القديمة وطرائقها الصعبة‏وماديتها الجافة. خلافا لذلك كانت حياة الطالب عبد الحسين، متسمة بالجدية والاصرار على اختزال الوقت، والعودة مجازا بالرتبة‏العلمية العالية الى الوطن.

وفي لبنان، حيث استقر في بلدته، لم يعد دوره مغلقا على هدف محدد كما كانت الحال في العراق، فثمة تحديات وجد نفسه في خضمها،ولم يكن بد، وهو في موقع قيادي، من المواجهة معها. ويمكن التعرف على ملمحين في حياته، يعبران ايضا عن النمط العلمائي في ذلك‏الوقت، والذي ربما اخذ في الانقراض:

1 - الاول، هو الاعتماد على نفسه في تامين اعباء العيش. فكان له مورد من الزراعة يفي بجزء منه الحاجة، ويوفر له قدرا من الاستقرار،الامر الذي مكنه من القيام بدوره الارشادي، من دون الارتهان لموارد متذبذبة او غير صافية.

2 - الثاني، يتمثل في مفهومه للفقيه ودوره، غير المحصور في الشان الديني، وانما المتفاعل مع حركة المجتمع، وكل ما يؤدي الى‏النهوض به، محررا من الجهل والتخلف والفقر، والى الانخراط في قضيته القومية في سبيل الوحدة والاستقلال.

كان ذلك ما يختصر دور ;ژرس‏ز÷السيد حينذاك، رجل دين متنور، وصاحب موقف مما يدور حوله من تغيرات المرحلة الخطرة.

وكان مؤتمرالحجير (24 نيسان 1920)، تعبيرا عن القلق الذي اخذ بالعامليين ازاء الاطماع الفرنسية في جزء من بلاد الشام، حيث شارك فيه الى جانب‏العلامة السيد عبد الحسين شرف الدين، وشخصيات اخرى، فضلا عن الزعيم الوائلي كامل الاسعد. واذ رشح عن المؤتمر اتخاذ قرار بانضمام جبل عامل الى الحكومة العربية في دمشق، فان لبسا كبيرا ما زال يحيط‏بهذا المؤتمر، وغموضا في المواقف خلف الابواب المغلقة على اسرار لم تنكشف تماما منذ ذلك الزمن. اما السيد نور الدين الذي قيل انه‏انتدب عضوا في الوفد الذاهب الى دمشق لابلاغ الملك فيصل بن الحسين بقرار المؤتمر، فقد قبضت عليه السلطات الفرنسية، ونفته الى‏فلسطين حيث قضى عامين فيها.

وبعد عودته، تابع السيد دوره الاصلاحي، وكان يرى في العلم السبيل الاساس الى نهضة المجتمع من آفاته التي تعوق سبيله الى التقدم،فكانت المدرسة التي تاسست باشرافه في النبطية الفوقا في اربعينات القرن، وقد دعا الى افتتاحها رئيس الوزراء حينذاك رياض‏الصلح.

نقرا اذا السيد نور الدين، عالما عاملا، للشان العام حيز بارز في حياته الهادئة، البعيدة عن جدال السياسة المباشرة، ولكنه شان العلماءالعالميين، او غالبيتهم، كان ثمة ما اخذ باهتمامه، ولم تصرفه حركة الحياة وتحدياتها عنه، عنيت به الانشغال بالتصنيف العلمي. وشان‏العلماء العامليين، او غالبيتهم ايضا، نظم الشعر الذي بات منسقا مع العالم، وان لم يكن مفطورا عليه، حيث كان لاجواء النجف المفعمة‏بهذا الفن، تاثير في اكتساب صنعته والتزود من مطولاته. ولكن السيد الذي حفظ كثيرا من نصوص كتاب الاغاني، لم يبحر بعيدا في فضاءالشعر، بقدر ما كان التاريخ المساحة الاثيرة التي جال فيها، منجزا كتابه الوحيد المنشور، تحت عنوان ;ژرس‏ز÷الكلمات;ژرس‏ز÷.

ولقد توفي السيد عبد الحسن نور الدين في الخامس والعشرين من تشرين الثاني لسنة خمسين وتسعماية والف، وكان في السادسة‏والسبعين من العمر.

كلمات ثلاث...

ولم يفصح السيد، في ما سماه فاتحة الكتاب، عن سبب اختياره هذا العنوان.. فهل قصد من ذلك ان يدلي بدلوه في مسائل تعنيه بوصفه‏رجل دين شيعيا - في الصميم؟، فكانت هذه ;ژرس‏ز÷الكلمات;ژرس‏ز÷ التي جاشت في صدره، وترجمها كتابا ثم مضى، متيمنا ربما بالريحاني صاحب‏المقولة الشهيرة: ;ژرس‏ز÷قل كلمتك وامش;ژرس‏ز÷، من دون ان يكون في وسعنا التاكيد على اسبقية اي منهما: ;ژرس‏ز÷كلمة الريحاني ام ;ژرس‏ز÷كلمات;ژرس‏ز÷ السيد نورالدين، ولكن السيد من الواضح انه نسج على نهج الطبري الذي قال ;ژرس‏ز÷كلمته;ژرس‏ز÷ ايضا، وترك للقارئ حرية الموقف من اخباره، وما جاء فيها من وقائع ليس بعضها مما يندرج‏في الحقيقة التاريخية.

وليس مؤهلا في الواقع للكتابة في التاريخ الاسلامي، اكثر من الفقهاء الذين درجوا، منذ رواية ;ژرس‏ز÷السيرة النبوية;ژرس‏ز÷، على اعتبار ان التاريخ غيرمنفصل عن العلوم الدينية التي ما فتئت المادة التاريخية في صلب تصانيفها. ولم يشذ الفقهاء الشيعة عن القاعدة، فكان التاريخ ما طرقوابابه في تليفهم، او جاء عرضا في المسائل التي بحثوا فيها، وهي غالبا محورها سيرة الائمة، انطلاقا من ;ژرس‏ز÷الخلافة;ژرس‏ز÷ التي كان الامام علي(ع)معدا لها، سواء بالوصية، على ما جاء في بيعة الغدير، ام من خلال الدور الريادي في الاسلام، ام من حيث الكفاءة العالية التي اهلته عن‏جدارة لقيادة الامة في ذلك الحين.

وابتداء من عهد الشيخ المفيد، في القرن الرابع الهجري، كان هذا الهاجس آخذا بالمصنفين الشيعة الذين كتبوا في الموضوعة التاريخية، اوجاءت هذه في سياق اعمالهم، من دون اي تعديل في هذا الاتجاه لقرون طويلة.

والمنهج ايضا لم يصبه تغيير على مدى تلك المسافة من الزمن، فكان انتقائيا في التاريخ غالبا للشيعة ومعاناتهم وثوراتهم والتحديات‏الصعبة التي واجهت الائمة، من دون ان يخلو ذلك من التعرض لمسائل لها طابعها الفكري والاجتهادي، ولكن مصنفي الشيعة ما انفكواينهجون على الطريقة الاخبارية التي كان الطبري خير من يمثلها، ولم نجد لديهم قراءة مغايرة لما درج عليه الاسلاف، من الاقتباس‏الحرفي للرواية، من دون تحقيق او نقد لعناصر الضعف فيها.. كان ذلك ما اتبعه السيد محسن الامين في موسوعته الشهيرة، وآخرون منهم‏السيد نور الدين الذي اقتبس المادة بصورة شبه حرفية، كذلك العناوين التي جاء معظمها مطابقا لتلك التي اتخذها المصنفون‏الاوائل.

ولعل الشيخ محمد مهدي شمس الدين، كان من اوائل الذين حضروا من الفقهاء في المنهج التاريخي، منطلقا من تفكيك الرواية واكتناه‏مناخ الحدث والمؤثرات فيه، ناقدا، محللا، قبل ان يتوج ذلك في مقاربات رصينة. ولا نعني هنا التقليل من شان التصانيف التاريخية‏السالفة، التي اكتسبت قيمتها في حفظ تراث كان تبدد من دونها، ولكن هذه التصانيف تاثرت بالطريقة التي سادت قرونا طويلة، في‏وقت‏لم تكن بعد المفاهيم النقدية، قد ترسخت في وعي المؤرخين المسلمين، لا سيما التي طرحها البيروني في ;ژرس‏ز÷آثاره;ژرس‏ز÷ وابن خلدون في ;ژرس‏ز÷مقدمته;ژرس‏ز÷. فقد عكست هذه التصانيف ثقافة الازمنة التي ظهرت فيها، آخذة بطرائقها ومفاهيمها، ومراكمة على نسقهااخباراليست كلها ما يرقى الى الحقيقة التاريخية.

ماذا كان يريد السيد نور الدين من ;ژرس‏ز÷كلماته;ژرس‏ز÷؟ وبالتالي ما قيمة ما انطوت عليه من المادة التاريخية، المنتشرة على مدى ابواب ;ژرس‏ز÷كلمات;ژرس‏ز÷ثلاثة؟.. تساؤلات سنحاول الاجابة عنها في هذه الدراسة.

نبدا، اولا ، بالدافع الى هذا المصنف الذي يسوغه المؤلف في هذه الكلمات الافتتاحية، اذ يقول: ;ژرس‏ز÷دعاني لكتابة هذه الكلمات هو ما شاع‏في هذا العصر، بين ضعيفي البصيرة وقليلي الاطلاع والمعرفة بنقد الرجال واحوالها، ممن يخدعون بالسراب ويقنعون بالقشر عن اللباب،نسبة امير المؤمنين علي(ع) الى قلة المعرفة بالسياسة وتدبير امر الرعية وان من تقدمه من الخلفاء اعرض منه واقوى على القيام بامرالدولة. وافرط بعض اولئك، فقدم عليه معاوية وجعله اولى منه بالامر بقدرته على استنباط الحيل واستعمال الخداع والمكر والاخلاف‏بالوعد وعدم الالتزام بالوفاء والصدق، وسموا ذلك لجهلهم دهاء زعموا انه مدار الفضيلة وبه قوام الدولة ورسوخ قواعدها، وان اميرالمؤمنين عليا(ع) خلو من ذلك، وانما هو ذو دين شديد التمسك به والاحتياط له، وانه بالمحراب اولى منه بالرئاسة وتدبير الدولة‏وسياسة الرعية، الا وان تلك لهي فكرة فاسدة وعقيدة باطلة روجها الجهل بحقيقة امير المؤمنين علي(ع) وقلة المعرفة باحواله وعدم‏التدبر لسيرته واعماله. وهذا هو الداء العضال والوباء القتال، يذهب بالحقيقة ويتنكب بصاحبه عن الجادة، وها انا بعونه تعالى اءبين فسادهذه الفكرة باجلى بيان واوضح برهان، واكل الحكم في ذلك الى الراي العام، راضيا بقضائه.. فاقول: ان امير المؤمنين عليا (عليه السلام)اعرف الخلق بالسياسة بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)،..

لانه تلميذه وخريجه ربي في حجره ودرج في بيته.. فهو احقهم‏بالخلافة واولاهم بعده بالرياسة، ولولاه لما قامت للعرب دولة.. ولو سلمت العرب اليه مقاليدها بعد رسول اللّه او بعد الخليفتين(رض)،لكانت دولة العالم باسره، والمسيطرة على سطح الكرة الارضية حتى الساعة..;ژرس‏ز÷.

ويتضح مما تقدم ان مسالة الخلافة - كما سلفت الاشارة - كانت الدافع الى تصنيف هذا الكتاب، فتصدى السيد بالكلمة الفاصلة لانحراف‏الكتاب والمؤرخين الذين وجدوا في تبوء معاوية السلطة، انتصارا للسياسة على الدين، وكانها مشيئة الحركة التاريخية في رضوخها للمصالح على حساب القيم.. هذاالاقل في المنطق ;ژرس‏ز÷الخلدوني;ژرس‏ز÷ الذي سوغ التفوق الاموي، بانه تفوق العصبية على قاعدة ;ژرس‏ز÷مراعاة المصلحة في اجتماع الناس واتفاق‏اهوائهم باتفاق اهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني امية، اذ بنو امية لا يرتضون سواهم، وهم عصابة قريش واهل الملة اجمع واهل‏الغلب بينهم;ژرس‏ز÷ على حد تعبيره.

ولسنا هنا في صدد التفصيل في هذه المسالة، ولكن قريشا محور العصبية حينذاك، تكتلت مع معاوية،متخذة من اطروحته بعدا اسلاميا الى جانب البعد القبلي ;ژرس‏ز÷ان اللّه اعز قريشا في جاهليتها.. فكان اللّه يحوطهم في الجاهلية وهم على‏كفرهم باللّه، افتراه لا يحوطهم وهم على دينه;ژرس‏ز÷، حسب الرواية المنسوبة لسيف بن عمر في تاريخ الطبري، وخلافا لذلك عانى الامام‏غياب الكتلة القرشية على جبهته، بمن في ذلك ;ژرس‏ز÷المهاجرون;ژرس‏ز÷ الذين نكثوا العهد او اعتزلوا الصراع، معطين لمعاوية فرصة تحصين;ژرس‏ز÷شرعيته;ژرس‏ز÷ المزعومة بالالتفاف القرشي حوله. وسنجد في نهج البلاغة ما يعبر بمرارة عن هذه المفارقة، اذ تخلى اصحاب الاسلام‏والمناضلون الاوائل تحت رايته، عن ابرز رموزه، ليسهموا عن قصد او غير قصد، في الانحراف الذي تصدى له الامام والمتشيعون‏لقضيته.

ومن اللافت ان السيد نور الدين لم ير، برغم حوافزه، الى هذه المسالة بخلفية فئوية، ولكنه رآها بعقل العالم المتنور وربما المؤرخ الذي‏بني قراءته في ضوء المعطيات، وان تعارضت مع اتجاهاته وقناعاته. فمن هذا المنظور جاء تقويمه الايجابي لخلافتي ابي بكر وعمر،على الرغم مما يكنه ضمنا، بانهما توليا امرا كان للامام علي(ع)، ولكنه يعترف بان عهدهما شكل قاعدة ملائمة لمشروع الامام علي(ع)،لو اتيحت له الفرصة للحكم بعد الخليفة الثاني، ما سبق واشار في المقدمة. بيد ان ذلك كانت دونه عقبات كثيرة، وكان ثمة من يتربص‏بهذا الامر كلما اقتربت الخلافة من الامام علي(ع)، واجدا فيها، لو حدثت، تهديدا لمصالحه في الصميم. فلم يكن اي من الخليفتين‏الاولين، مسؤولا عن الانحراف الذي سرعان ما ظهر في عهد الخليفة عثمان، اذ سار كلاهما بهدي تجربة الرسول في المدينة، ولكن‏معاوية هو من يتحمل المسؤولية الاولى فيه منذ المؤامرة التي استهدفت الخليفة عمر، متصديا بعد ذلك لخلافة الامام، ومزورا الحقائق،ومفسدا النفوس، وعائدا بالقبائل حديثة العهد بالاسلام الى ;ژرس‏ز÷ايامها;ژرس‏ز÷ السالفة.

هذا اذا ما حمل السيد نور الدين على الكتابة في التاريخ، وهاجسه تصويب المفاهيم وتوضيح الصورة الغائمة، وكل ما اسهم فيه‏الاخباريون والمصنفون من غموض او لبس او تحريف على مساحة تلك المرحلة الدقيقة من الاسلام الاول من دون ان يكون المؤرخون‏الحديثون - مستشرقين وعربا - او معظمهم في مناى عن هذه الصورة الملتبسة.

ماذا عن المضمون؟ ينقسم كتاب السيد الى جزءين احدهما ضم فصلين: الاول في ;ژرس‏ز÷احوال العرب في جاهليتهم;ژرس‏ز÷، ممتدا الى الاسلام حتى الخلافة، والاخر في;ژرس‏ز÷احوال علي امير المؤمنين;ژرس‏ز÷ من ولادته حتى اغتياله، اما الجزء الثاني فيتناول ;ژرس‏ز÷احوال معاوية وسائر ملوك بني امية;ژرس‏ز÷.

ويمكن اختصار;ژرس‏ز÷كلمات;ژرس‏ز÷ الكتاب الثلاث بكلمة واحدة موضوعها الامام علي(ع) المنتشر على مساحة الكتاب كلها، في ولادته النورانية، ونشاته في بيت‏الاسلام، ودوره المفعم بروح الرسالة، متاهبا على الدوام للتضحية بالنفس والمنصب، من اجل ان تبقى العقيدة وان يعم نورها العالم‏الاوسع.

ولقد سبقت الاشارة الى تاثر السيد بمناخ المرحلة التي عاش فيها، مستخدما بعض مصطلحاتها غير المطابقة للعصر الذي يؤرخ لاحداث‏فيه مثل قوله: ;ژرس‏ز÷كانت الامة العربية زمن جاهليتها وتوغلها في البادية على حالة من الشقاء والانحطاط;ژرس‏ز÷. ومن الواضح هنا انه يقصد العرب‏الذين كانت غالبية قبائلهم منتشرة في البوادي، ومعتمدة في حياتها، كنمط انتاجي، على الغزو والترحال حيث الماء والكلا، بينما كانت‏قبائل اخرى مستقرة في الحواضر محترفة التجارة او الزراعة. وكلاهما: البدوى والحضري من العرب، كان على تنافس وصراع، ولم يندرج‏في منظومة الامة التي تفترض وحدة هذه القبائل، وهو امر لم يحدث الا في الاسلام، وتحديدا بعد الهجرة الى يثرب عندما اعلن الرسول(صلى اللّه عليه وآله وسلم) صحيفته التي جاء فيها: ان ;ژرس‏ز÷المسلمين امة واحدة من دون الناس;ژرس‏ز÷.

ومن اللافت والغريب معا، ذلك الانكسار للسياق التاريخي في نهاية ;ژرس‏ز÷الكلمة;ژرس‏ز÷ الاولى، حين يعرض المؤلف لحركة الشريف حسين الذي‏يسميه ;ژرس‏ز÷ملك العرب وابن ملكها، وسيدها وابن سيدها;ژرس‏ز÷، وكانه يربط بينها وبين الدولة التي حالت الظروف دون قيامها فعلا على عهدالامام علي(ع) وليس في وسع القارئ الذي يجد صعوبة في الربط بين دولة الامام علي(ع) ودولة الشريف، سوى الاستنتاج بان ما حمل السيد على ذلك، هو اظهار حماسته لهذه الحركة وصاحبها الذي ثار ;ژرس‏ز÷حمية لهذه‏الامة وانفة لها من ان تضام وتستعبد، وسعى لارجاع سلطاتها واعلاء شانها وانقاذها من مخالب برابرة الترك;ژرس‏ز÷، على حد تعبيره. وليس في‏وسع القارئ ايضا، سوى الافتراض ان السيد نور الدين، في استخدامه مصطلح الامة ومن ثم في حماسته لحركة الشريف حسين، كان‏يعكس انفعاله بالفكر القومي متاثرا ربما بالكواكبي الذي ارهصت كتاباته بوحدة العرب واستقلالهم، وذلك في اطار الخلافة‏وفقاللانموذج الراشدي. فقد عاصر السيد النصف الثاني من حياة هذا المفكر المتدفق حماسة في خطابه السياسي الوحدوي، والاكثرجراة في التعبير عن هواجسه القومية، فضلا عن التنديد بالاستبداد العثماني الذي نجد صداه الواضح في موقف السيد من حركة الشريف‏السالفة.

و;ژرس‏ز÷الكلمة;ژرس‏ز÷ الاولى، في كتاب السيد نور الدين، تعرض باختصار للعرب في جاهليتهم، اخلاقا وعادات وتقاليد و;ژرس‏ز÷اياما;ژرس‏ز÷ مستعرة في مابينهم، وذلك على سبيل المدخل او التمهيد للموضوعة المحورية المندرجة في الاسلام، وتحديدا موضوعة الامام علي(ع)، ولا ينفك‏ماخوذا - وان بصورة غير مباشرة - بالهاجس القومي، فلا يتوقف عند الدعوة الاسلامية في سياقها التاريخي الملائم، وانما ينطلق من‏الفتوح، بدءا من معركة اليرموك التي تجسد برايه مجد العرب وعزهم، في انتصارهم الكبير على البيزنطيين (الروم). وهو اذ يشير الى عزل‏خالد بن الوليد، بطل اجنادين وصانع النصر في اليرموك، ومن ثم احلال ابي عبيدة بن الجراح مكانه، لم يتوقف - وهو فقيه شيعي - عندالاسباب التي حدت بعمر بن الخطاب الى التخلي عن القائد المظفر.

فقد كان الخليفة يبطن تحفظا على بعض سلوك خالد منذ ايام الردة(قتل مالك بن نويرة)، وفي الوقت عينه يبدي حذرا من صعود القادة الكبار، وما يمكن ان تحدثه انتصاراتهم المبهرة، من تاثير ايجابي في‏نفوس المسلمين من دون ان تكون السلطة السياسية في مناى عن تاثيرها السلبي، الامر الذي تكرر في عزل سعد بن ابي وقاص والمثنى‏بن حارثة الشيباني في ظروف مماثلة. اما تفسير العزل لدى السيد نور الدين، فله اسباب اخرى، وهي تتصل بالشخصية الحاضرة دائما في‏وجدانه، اذ يقول مسوغا للخليفة عزل القائد الكبير: ;ژرس‏ز÷كانت الناس تحدثت بشجاعة خالد وحسن تعبئته للحرب وغشيانه لها، فقال عمر حين عزله: ليعلم خالد ان اللّه ناصر دينه. ولقد صدق عمر في ذلك وبر، فان المسلمين الذين صحبوارسول اللّهغ واخذوا تعاليمه واقتبسوا من اخلاقه واستضاءوا بنور هديه وراوا امير المؤمنين عليا(ع).. وحربه ومواقفه وثباته بين يدي‏رسول اللّهغ، حين تتزلزل الاقدام، وتشبهوا به وتدربوا على طريقه كل واحد منهم يقوم مقام خالد ويغني غناءه;ژرس‏ز÷.

وبعد اتمام السيطرة على الشام تتمحور عمليات الفتوح في العراق، حيث يتابع المؤلف بشي من التفصيل مساراتها بدءا من المراحل‏الاولى مع المثنى قبل التحاق خالد به، قادما من البحرين بعد اخضاع القبائل المرتدة، ومع ابي عبيد الثقفي الذي قتل في معركة الجسرحتى سعد بن ابي وقاص الذي زعزع انتصاره في القادسية اوصال الامبراطورية الساسانية. وهو اذ يختتم حديثه في هذا السياق بمعركة‏جلولاء، فانه يستثني اهم المعارك على هذه الجبهة، وهي ;ژرس‏ز÷نهاوند;ژرس‏ز÷ بقيادة النعمان بن مقرن المزني، ثم حذيفة بن اليمان الانصاري، والتي‏عرفت بفتح الفتوح، مطيحة نهائيا الامبراطورية العريقة. وثمة ما يمكن ملاحظته في ثنايا الكتاب، ان المؤلف، في ما يبدو، لم يكن يعنى‏بالتاريخ العسكري في هذه المتابعة، بقدر ما توخى العبرة التي توسلها عادة المصنفون الاوائل في اخبارهم ورواياتهم.

ومن هذا المنظور لا تنفك العبرة في بال السيد، مذكرا بها في اماكن كثيرة من كتابه، ومن ذلك على سبيل المثال قوله:

;ژرس‏ز÷هذه حالة الامة‏العربية زمن اسلامها واعتناقها الدين وتادبها بدابه، فانظر الى بعد ما بين حالتي اسلامها وجاهليتها، ايرتاب بعد هذا جاهل، فضلا عن‏عاقل بانه الذي عرج بهذه الامة الى هذه الذروة، وبلغ بها هذه الغاية، هو ذلك القانون الالهي والقيد الديني والرباط الشرعي الذي كبح‏جماحها وهذب اخلاقها..

ونظم امرها..;ژرس‏ز÷. ومرة اخرى يتجلى الامام علي(ع) اتم تجل في وعي السيد، مطابقا كانموذج لقيادة تلك الامة‏التي ساقها المنحرفون الى التراجع عن تلك المنجزات العظيمة، فيعبر عن ذلك قائلا: ;ژرس‏ز÷(فمن) كان من ملوك هذه الامة اشد تمسكا بهذاالقانون واكثر محافظة عليه واحتياطا له كعلي(ع)، (و) كان اليق برعايتها، واقوى على ادارتها واملك لزمامها، واقدر على لم شعثهاوحفظنظامها..;ژرس‏ز÷.

بهذه العبارة يختتم الفصل الاول، ممهدا للموضوعة (الكلمة) الثانية، وهي كلمة امير المؤمنين. فماذا يقول فيها، وما العبرة المستخلصة‏منها؟ الكلمة الحق..

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية