الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

ان الهدم والتدمير لا يزال مستمرا، فقد افنى الوهابيون آثار النبي‏غ والصحابة والائمة في المدينة المنورة ومكة، حتى كاد - كما يقول‏يوسف بن السيد هاشم الرفاعي وهو من اهل السنة في الكويت - لا يبقى منها الا المسجد النبوي الشريف وحده، في حين ان الامم تعتزوتحتفظ بثارها ذكرى وعبرة ودليلا على ماضيها التليد. بل انهم ينتهزون كل عام فرصة صيانة وصباغة وترميم المسجد النبوي لازالة‏الكثير من المعالم الاسلامية الموجودة في خلوة المسجد الشريف من الاثار والمدائح، مثل محاولتهم طمس ابيات البردة النبوية المكتوبة على الشباك لولا تدخل السلطة التي منعتهم من ذلك.

والان، انهم يتربصون بالقبة الخضراء، قبة القبر النبوي الشريف، فقد طالب ناصر الالباني باخراج قبر المصطفى‏غ من المسجد النبوي‏وزعم ان ابقاء القبر النبوي في المسجد من بدع المدينة المنورة، كما اعتبر مقبل بن هادي الوادعي كذلك - وهو من عتاة السلفية واشدهم‏سبا وشتما لمن خالفهم - وجود القبر والقبة الشريفة، بدعة كبيرة وطالب بازالتها وهدمها واخراج القبر الشريف من المسجد، فليعذرالمسلمون، ان الوهابية يتربصون بالقبر النبوي الشريف ليهدموه ويهدموا القبة الخضراء المبنية فوقه، ولولا خوف ساستهم من العواقب‏لاصبحت الان اثرا بعد عين، لكنهم ينتظرون الفرصة فقط؟! لذلك نجدد نداءنا للمسلمين في كافة بقاع العالم، ونطالب بارسال رسائل‏تحذيرية للسلطات السياسية هناك من عواقب الانجرار وراء الفتاوى الوهابية والسلفية المتطرفة الداعية الى هدم ما تبقى من الاثارالاسلامية، وخصوصا قبة قبر الرسول‏غ، ونذكر من يقرا الفكر الوهابي المعادي لبناء القبور والقباب والاضرحة، بان الصحابة والتابعين هم‏من دفن الرسول‏غ حيث هو الان، وقد وسعوا مسجده ولم نسمع عن احد منهم انه طالب باخراج قبره‏غ من المسجد او طالب بهدم قبره اوهدم القبة المبنية عليه، وهم من بنى القبور والقباب وحافظ عليها، وهؤلاء هم سلف هذه الامة، فاين الاتباع للسلف يا ادعياء السلفية؟! انه ابتداع محض، واعتداء صارخ على الاسلام ومعالم حضارته ومقوماتها، فهل من مذكر!؟ جدل خطاب التراث وعلمانية الغرب في قضايا النهضة عبد الامير كاظم زاهد# المدخل الفكري لا تزال قضية النهضة ومشروعها هي القضية الحاضرة في الذهن العربي، ولا تزال الملتقيات العلمية تزخر بحوارات فلسفية حول‏النهضة، على الرغم من كثرة المداخلات فيها، وذلك لان مشكلات التخلف لا تزال مشكلات مستديمة في الواقع العربي، ولا يزال‏المشرع النهضوي العربي في طور المخاض. ويفسح غياب مشروعنا الحضاري للتخلص من التخلف في المجال في ان يوزع آثاره على‏مجالات الفكر والثقافة بعامة، والاقتصاد وحقوق الانسان والامن الوطني والقومي بخاصة .

فمن المعلوم ان قرنا من الزمان، او يزيد، مر، ولا يزال العصر عصر ارهاص لهذا المشروع، فالسيد جمال الدين الافغاني(1739-1897)يؤسس لرؤية احياء التراث وتجديده نحو بناء مشروع نهضوي;ژرس‏ز÷ ((687)) ، يقابله التيار المتاثر بالعلوم التطبيقية التي ظهرت في اوروبا،وقد بشرت برؤيته النهضوية صفحات مجلة ;ژرس‏ز÷المقطف;ژرس‏ز÷ التي اصدرها يعقوب صروف(1868)، والهلال،(1882)، التي اصدرها جرجي‏زيدان، واردفته رؤية فكرية ظهرت في آراء قاسم امين(1908). وتطور اتجاه الافغاني لتستمر مدرسة نهضوية امتدت لاجيال، وليكون‏الاتجاه الاسلامي من انتاجها، وتطور الاتجاه العلمي الذي يضم سلامة موسى، والشدياق، #باحث من العراق واليازجي، ثم زكي نجيب محمود، وفؤاد زكريا، وامتد الرديف العلماني من الطهطاوي، الى خير الدين التونسي، وقد اطلق على‏مشروعهم المدرسة الليبرالية التنويرية، ثم انحدرت نحو العلمانية الصرفة على يد احمد لطفي السيد، وطه حسين.

وانضم الاتجاه القومي‏في اغلب فصائله الى الماركسية، وانتهت الرؤيتان النهضويتان الى العلمانية، وتحلل الاتجاه العلمي التطبيقي ليندرج في داخل التيارالعلماني، وانتهى حالنا الى ان يكون للامة جناحان فكريان للنهضة هما: تيار التراث الاسلامي، وتيار المشروع العلماني. ودخل العالم‏العربي والاسلامي القرن الحادي والعشرين، ولم تنجز مهمات المفكرين على اختلاف مشاربهم، اعني انضاج هيكل فكري متكامل‏لقضية النهضة، ولم يسيرا باتجاه اللقاء على الهدف الذي يفترض ان ينعكس على محتوى المشروع نظريا او عمليا، بل نزلا الى الصراع‏الذي يستهدف وجود الاخر الوطني، فقامت اشكالية جديدة تتساءل عن الاسباب التي تكمن وراء اختفاء عوامل التشابك الايجابي بين‏الرؤيتين وظهور ارادة الالغاء للاخر في كل منهما، ولضغط هذا التساؤل ظهرت طروحات مفسرة لهذه الاشكالية تعيدها الى عاملين‏مهمين هما:

-1 التاثيرات الاجنبية على فكر المشروعين معا.

-2 عدم قدرة المشروعين على تجاوز بنيوية الاغتراب في كل منهما(سواء الاغتراب الجغرافي الاجتماعي ;ژرس‏ز÷تموضع المشروع الليبرالي ام‏الزماني التاريخي;ژرس‏ز÷ تموضع المشروع الاسلامي) الذي يدرك مفكروه، ومفكرو العلمانية العربية المعاصرة ان حقبة زمنية فصلت عصرالابداع في الفكر الاسلامي الذي انتهى في القرن السابع الهجري وعصر الصحوة في القرن الثالث عشر الهجري ((688)) .

بيد ان الذي تحقق كمعط‏ى واقعي هو ان الرؤية الفكرية في الوطن العربي لمرجعيات النهضة انضمت بسبب تلاحق احداث المنطقة الى‏قطبين اساسيين هما:

1- قطب الرؤية الاسلامية التراثية للنهضة بقراءاتها المتعددة.

2- وقطب الرؤية العقلية النقدية العلمانية للنهضة بقراءاتها المتعددة.

وقد اطلق على الرؤية الاولى: تيار الاصالة، واطلق على الثانية تيار المعاصرة، ليعبرا عن الصلة بين الفكر والواقع، فالاصالة عبرت عن‏ضرورة استمرار الفكر من مخزون التراث العلمي والفلسفي للامة، والمعاصرة قراءة للواقع والافادة من منجزات الشعوب الفكرية من‏نجاحات هذه التجارب ((689)) .

ان جدلية حتمية تحكم ضرورتي الاصالة والمعاصرة، اغفلها كلا الاتجاهين في اعتبارهما حافزا للالتقاء والتطوير وتعديل البرامج‏والاسس الفلسفية وتحول الحوار والمناظرة من مسعى للانجاز الى مسعى للهدم والالغاء للاخر والاتهام والتكفير، لذلك كان تقدم‏مشروعي النهضة نحو التكامل تقدما بطيئا.

وتظهر خطورة هذا البط في مصادرة حق الامة في بناء مشروع استقلالها الفلسفي والتسارع‏الغربي نحو النمو وامتلاك مقومات القوة بجميع مجالاتها قد جعل المسافة بين الواقع الاوروبي الامريكي والواقع العربي مسافة غيرمنظورة، ويخشى ان تتحول نظرية النهضة الى نظرية سجالية وتدخل في مجال التعسر ان لم نقل الاستحالة، لذلك على المفكرين‏مسؤولية تاريخية ضخمة، ولذلك يحاول هذا البحث استطلاع اسباب هذه الاشكالية لعله يجد في ثنايا سعيه نقاطا مشتركة، فجاءمصمما على مدخلين: احدهما فكري يعرض اشكالية بحثه، والاخر اجرائي يوضح المراد من مفردات بحثه، ومباحث كثيرة احدهاالجذور الفلسفية والتاريخية لكل من الاتجاهين والاشكاليات في كل اتجاه من منظور الاتجاه الاخر، سعيا وراء تلمس نقاط الالتقاء،وتحديد نقاط الافتراق القابلة للحوار، وغير القابلة للحوار، ليقرر بعدها ما اذا كان هناك امكان فلسفي للقاء بين الاتجاهين، سواء بالدمج ام‏بالقواسم المشتركة، وفي حالة عدم الامكان فما الموقف الفكري في الحاضر والمستقبل الذي ستكون علية صورة كلا الاطروحتين؟ 1- المدخل الاجرائي يراد بالمدخل الاجرائي ضبط الدلالة الاصطلاحية والفكرية للمفردات المركزية للبحث، وهي: موضوعة الجدل والجدلية، والمقصود من‏التراث القومي، والمراد بعلمانية الغرب.

لعل معنى الجدل في اللغة، مهما اقترب، لا يؤدي تمام معنى الجدلية كمصطلح فلسفي، فهو في اللغة فعل يعني شدة الفتل، نقل الى‏الاعتباريات فصار الجدال: المخاصمة والمناظرة، يقال رجل جدل: قوي الحجة في الخصام. اخيرا فمحصلة المعنى: مقاومة الحجة‏بالحجة ، وقد ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى((690)) : [وجادلهم بالتي هي احسن ((691)) ]، وقوله تعالى: [يانوح قد جادلتنافاكثرت جدالنا. ] ((692)) اما الاصطلاح الفلسفي للجدل والجدلية فهو ماخوذ من لفظ اغريقي ( (حس‏زخژح‏حدچخح ويعني المناقشة التي تعين على تنسيق الافكار بحسب مبادئ المنطق.

وقيل: المراد بالجدلية منهج في فن الحوار الذي يرتفع من المحسوس الى المجرد. وقد استعمله هيغل في مفهوم تماسك المتناقضات‏ووحدتها وتاثيرها، بحيث تحول مفهوم الديالكتيك عنده الى منهج يوضح التسلسل المنطقي في فهم الظواهر من اصلها حتى تنقلب الى‏نقيضها، ثم تلف هذا الثابت المستقر( ( حس‏زخژچژژ مع النقيص ليظر الانموذج المركب حتى يتحول الى ثابت سائد ليظهر نقيضة في طريقة‏لاستنباط المفاهيم من تناقض الاثبات والنفي والجمع بينهما((693)) وعلى المعنى الاصطلاحي يكون معنى الجدلية:

ا- منهج لرؤية جديدة للاشياء والافكار من خلال تاثيرات التحدي الناقد للمعرفة السائدة.

ب- باخضاع المعرفة السائدة للفحص والتمحيص والمراجعة والنقد.

ج- محاولة للظفر بقيم جديدة تؤدي الى تغيرات في الرؤية.

د- محاولة للمواءمة المنهجية بين مقتضيات مشروع التراث، ومشروع المعاصرة، اي اداة او آلية لنقل الفكر من حالة اللاتوازن برصدعناصر الازمة الفكرية للخروج من مجال الازمة اللاتوازن،الى التوازن بين المؤثرات. اذن فالبحث يسعى الى الاعتراف الوجودي بالرؤى‏المتعددة لمفروض واحد، وافادة كل رؤية من المنهج النقدي لنقيضها، لاجراء تعديلات على بنيتها وهيكلها للوصول الى صيغة اكثرتكاملا.

ويفيدنا في اقصاء ما يساق من ان الاطروحتين النهضويتين(الاصالة/ المعاصرة) متناقضتان، وكل منهما يزعم امتلاك الحقيقة كلها، ويزعم‏خطا الاطروحة الاخرى.

اما المراد بالتراث فجذره اللغوي الفعل ورث. وهو في اللغة:

اوقد النار، وقيل: ان الارث في الحسب، والورث في المال، وقيل: عموما هوالشي القديم الذي يتوارثه الاخر عن الاول ((694)) ، واذا نقلنا المعنى الى الجانب الفكري يكون التراث هو المعرفة المنجزة من قبل‏الاجيال السابقة والمنقولة للاجيال اللاحقة، بما يطلق عليه التراث المعرفي(الفكري، العلمي التجريبي)، بلا فرق بين ابقائها في نطاق‏النظرية( ( پ‏چح‏خژحزرحخث او دخولها عالم الفعل والتطبيق العلمي(( پ‏چح‏خژح‏چزر ، اما في الاصطلاح ففيه مجموعة مداخلات:

1- منها ان بعض المفكرين العرب يرون ان التراث الفكري العربي هو الثقافة المؤسسة على النص الاسلامي(القرآن والسنة)،اي‏الاجتهادات والشروح والاستنباطات والنظريات العامة ازاء الافكار والاحداث. فهو اذن التكوين الفكري المؤسس على النص والمتصل به((695)) ، وعلى هذا يمكن القول:ان الحضارة العربية الاسلامية نشات مباشرة بعد تلقي الوحي، وتعلم العرب الكتابة واطلاعهم على الثقافات الاخرى.

وظهورها بعد عصر التدوين ((696)) ، يعني ان المعرفة لم تنشا من استقراء الطبيعة او من العقل الصوري، فطبيعة التراث طبيعة مركزية‏تبدا بالمركز باتجاه المحيط، فاذا اقترن بها وصف ;ژرس‏ز÷قومي;ژرس‏ز÷ فلا يراد به العنصر السلالي، انما العقل الحضاري المتشكل بهذا التراث، فالقوم‏مجموعة من الناس تربطهم رابطة ما، والرابطة هي التشكل الحضاري لعقل العرب باديانهم كافة والمسلمين باعراقهم كافة، وقد جمع‏بينهم امران:

الاول: ان الكل قد فكروا في نطاق اللغة العربية الفكري والدلالي.

الثاني: ان الكل قد خضعوا لانتاج المعرفة على اساس النص المقدس.

فيكون الميراث الثقافي هو ميراث العرب، مسلمين ومسيحيين ويهود وصابئة وميراث المسلمين عربا واتراكا وهنودا وفرسا..الخ.

2- ومنها من يرى ان التراث القومي اقدم من لحظة التاسيس القرآني الذي تبنته المداخلة الاولى، فهو تراث(عرقي) تاريخي ربما احتوى‏ما كان من المعرفة في الحضارات القديمة مرورا بالاسلام(نصا/ واجتهادا)، ثم في الوافد المعرفي الذي اعيد انتاجه في نطاق اللغة العربية،ما يمكن ان يكون جزءا من مكونات العقل العربي المعاصر ((697)).

3- ومنها من يرى ان مصدر النص هو اللّه/ ومصدر ثقافة النص هو عقل الانسان والدمج بينهما فيه اشكال مرجعي، ولكنهما يتوحدان‏على مستوى التاريخ، الا ان المطروح هو ان النص الاسلامي هو قراءة جديدة للتراث العربي السابق عليه، كتراث الحنفاء واشعار العرب‏وكذلك قراءة الفكر اليهودي والمسيحية وديانات العرب الاولى، معيدا انتاجها ومصححا لمساراتها، فكل جديد له اصل قديم. وعليه،فان النص الاسلامي من التراث بوصفه المؤسس لثقافة تاريخية متواصلة، ولكنه مختلف عن تلك الثقافة من حيث طبيعته وخواصه التي‏يمتاز بها. ومنها اعجازه في الشكل والمحتوى والاسلوب، ومنها ان المضمون القرآني لم يصطدم، منذ عصر نزوله، مع اية حقيقة علمية‏او تجريبية، ولم يصطدم مع حقائق الثقافات المنتقلة الى العالم الاسلامي قديما وحديثا، لذلك فهو نص يوسم بانه ليس فيه ما يقف‏بوجه التطور العلمي او العقلي، وانه غير قابل لتضارب بعض نصوصه مع بعضها الاخر، وله خواص اعجزت الناس عن الاتيان بمثله.

تصنيف مجالات التراث ذهب غير واحد الى تصنيف تكون التراث، وذهبوا الى عدة تصنيفات الراجح منها سبعة:

1- العلوم المفسرة والتحليلية: وهي تفسير القرآن، وشروح الحديث، والفقه المباشر من النص، وتحليل مقتضى السير النبوية، وهي علوم‏جمعت بين السمة الروائية (النقلية) اساسا، والاداة العقلية وسيلة.

2- العلوم المستنبطة من النص: مثل الفقه غير المباشر (الاجتهادي)، وقضايا علم الكلام المستنبطة من النص، الذي صار هو الاساس،ولكن العقل اصبح اداة استنباطية لما لم يصرح به منطوقا.

3- العلوم العقلية الخالصة: مثل الفلسفة في نطاق التجربة المعرفية الاسلامية.

4- العلوم الاجتماعية الانسانية: مثل اللغة، البلدان، التاريخ، الادب.

5- العلوم الطبيعية التطبيقية: الرياضيات، الفلك، الطب، الكيمياء، النبات، الحيوان، الصيدلة، المعادن.

6- علم السلوك الانساني: التصوف، مباحث، التربية واصولها.

7- علم المنهج: اصول الفقه، اصول المناظرة، علم المنطق.

المراحل الزمنية في تكون التراث قسم الباحثون التراث الى مراحل، والتقسيم الذي اراه هو القائل: ان التراث مر بست مراحل هي:

1- مرحلة التاسيس: مرحلة نزول النص القرآني المقترن بصدور السنة النبوية(ربع قرن).

2- مرحلة الاستيعاب: وهي مرحلة الرواية الشفوية لتفسير النص التي انتهت بمنتصف القرن الثاني.

3- مرحلة التدوين والتصنيف: واستغرقت ثلاثة قرون حتى منتصف القرن الخامس الهجري.

4- مرحلة النضج والابداع: واستمرت مدة قرنين هما السادس والسابع الهجريين.

5- مرحلة الجمود: امتازت بالشروح والمطولات من القرن الثامن حتى الرابع عشر.

6- مرحلة الصحوة والتجديد: من القرن الرابع عشر ولا تزال مستمرة.

المبحث الاول الجذور التاريخية والفلسفية(لعلمانية الغرب) يمكن تلمس المراد بهذا المصطلح من العرض التاريخي المكثف الاتي:

ا-المستوى القانوني التشريعي دخلت المسيحية الى اوروبا وهي تعيش ثقافة اليونان، فاختلط علم اليونان بها، واستمرت المسيحية في صراع مع الطبيعة الوثنية في‏ثقافة الاغريق حتى تحول الرومان الى المسيحية، فصار للكنيسة ترتيب هرمي، فادعت لنفسها حق السيطرة المطلقة على الامور الدينية،وتوسعت هذه السيطرة خارج طبيعتها التي تاسست على الفصل بين (ما للّه/ وما لقيصر) حتى استولت على زمام الامور الدنيوية ((698))، وفي الحقبة(1050-1122م) قوي نفوذ الكنيسة، فانتج اول نظام قانوني هو القانون الكنسي-( (ذس‏ژحزژحا وبه مارست الكنيسة‏خلافالطبيعتها دور الدولة في الوقت الذي احتفظت فيه بكيان سياسي خاص بها بحيث مهد لانفصال البابوية عن السلطة الدنيوية((699)) ، بيد ان قانونها لم يكن مشتقا من النص الديني، انما انتزعت القوانين من الاعراف والقانون الروماني، ولم تمتلك الكنيسة‏اصولانظرية ثابتة للقوانين ولا آليات لملاحقة التطور الاجتماعي والحضاري كليات الاجتهاد عند المسلمين، وليس لها نظام او منهج‏لهذا الاجتهاد مثل ;ژرس‏ز÷علم اصول الفقة;ژرس‏ز÷ الذي هو علم منهجي، فاصطدم القانون الكنسي بتطور الحياة الاوروبية ومع حاجات الانسان،فاصطدمت به الفطرة البشرية، حتى تمردت عليه باسقاطه واعلان مرجعية عقلية وتجريبية للتشريع ونظم ادارة المجتمع وتبنيها.

ب-المستوى العلمي والفكري كانت الكنيسة تتبنى وجهات نظر في الفلك والعلوم التطبيقية السائدة، وتراها كلمة الرب التي تعد مخالفتها كفرا ومروقا عن الدين، في‏الوقت الذي كانت فيه الجامعات في اوروبا قد استندت الى آراء ارسطو في الفلسفة الطبيعية. ورويدا رويدا شكلت ابحاث الجامعات‏تهديدا للتعاليم المسيحية، فنتج عن العمل العلمي الجامعي بوادر حركة احياء علمي خارج تعليمات الكنيسة وآراء، وثورة في المفاهيم، ورويدا استقل الدرس الفلسفي في الجامعات عن آراء الكنيسة((700)).

وعبثا حاولت الكنيسة ايقاف هذا الخروج، ومن ذلك صدور تكفير اسقف باريس (1227م) الذي اوجب فصل اللاهوت عن الفلسفة،ومنع كلية الاداب- باريس من مناقشة المسائل اللاهوتية، وطلب فصلها عن الطبيعيات والاخلاق، وبالتكفير زادت حدة الصراع وتطوره‏منذ عام(1325م) وما بعده.

فمهد ذلك كله، لظهور آراء في علوم الطبيعة تعارضت مع الفكر الكنسي، منها آراء كوبرنيكس، وكبلر، وغاليلو، ونيوتن، وكانت قفزات‏ميتافيزيقية مقابل اللاهوت، وهكذا نجد ان القرن السادس عشر كان قرن اكتشاف حقائق علمية تعارضت مع كلمة الكنيسة وما تعتنقه من‏مفاهيم علمية، وادى ذلك كله الى تصحيحات عقدية تمثلت بظهور ;ژرس‏ز÷البيورتانية;ژرس‏ز÷ في انكلترا.

وادى ذلك الى تغيرات اجتماعية في المجتمع الاوروبي، ترتبت عليها تفويضات شرعية‏لمرجعيات جديدة في مجال القانون والفلسفة‏العلمية، لان مرجعية الكنيسة اخفقت في الاجابة السليمة عن الاسئلة الكبرى، وادت الى تعطيل حركة العلم الذي كانت اوساط الكنيسة‏تعده سخافات وحماقات.

وهكذا شهد القرن السادس عشر في اوروبا ثلاث ثورات: ثورة في الكونيات واخرى في توازن العلوم، وثالثة على سلطة الكنيسة،فانتجت واقعا جديدا مؤسسيا، تشكل اول ما تشكل منه المجتمع المدني من جذر ثورة فكرية وقانونية وسياسية واجتماعية، وتاسست‏قبالة الفكر الاسطوري فلسفة العقل والعقلانية والبحث الحر، ثم حصرت الكنيسة في المسائل الروحية، وسحبت مرجعيتها من مجال‏التشريع ونظم التعليم، وتوجيه الفكر والثقافة، ومنعت من ممارسة ادارة الدولة والمجتمع طبقا لمفاهيمها الدينية.

ونتيجة قهرية لمثل هذا الواقع،ظهرت العلمانية التي تعنى بالعلم مقابل الجهل والخرافة، وبالعالم الدنيوي مقابل الاخرة، وبالدنيا مقابل‏الدين، وبالانسان مقابل اللّه في المفهوم الكنسي، وبحتمية الصراع مع الطبيعة، فقد حققت على هذا الطريق تقدما تقنيا وتجريبيا، صاحبه‏ضعف للافراط فيه في الجانب الروحي والاسري والمشاعر النبيلة الانسانية، وروح التكامل والتعاون، والحوافز المهمة لفعل الخيروالنفع العام للبشرية.

ونخلص مما تقدم الى ما ياتي:

1- ان الاساس الفلسفي، والاراء الكنسية في مجال الكونيات والنظم التشريعية لم تكن في الحقيقة هي كلمة اللّه، والا فان الناتج يلزم ان‏ينسب الى اللّه الجهل بطبيعة ما خلق، لذلك فقد كانت فكرا بشريا اضفى على نفسه صفة دينية الهية، فحقيقة الثورة لم تكن على الدين‏الحقيقي.

2- ان حقا- بقدر ما- لثورة اوروبا وتمردها على الفكر الكنسي، ولها الحق لكونها مضطرة حينما تعتمد العقلانية خارج اطار الوحي،ومحقه حينما تعتمد العلمانية والتجريبية المنقولة من نطاق التجربة الطبيعية الى التجربة الاجتماعية، فاوكلت اليها تشريع النظم‏الاجتماعية.

3- ان الاساس في الرؤية الكنسية- ما قبل الاصلاح- اساس ملفق من الثقافة اليونانية والتفكير البابوي، وثقافة التلمود، فليست هي‏مرجعيات متناسقة ولا متفقة.

4- بيد ان العلمانية ليست فلسفة شمولية للكون والحياة، انها رد فعل اولا واجرائي ثانيا، اضطرت للاعتراف با للّه خالقا، وانكاره‏حاكماومشرعا . وبذلك انشطرت العقلية الاوروبية الى شطرين: انها دينيا تلتزم الكنيسة ودنيويا ترجع الى العقلانية والتجريب‏ومقتضيات الحداثة.

5- انها - بالرغم من كونها تجربة متموضعة لها ظروفها التاريخية والاجتماعية، بل والجغرافية ايضا، نقلت بطريقة قسرية وادخالية الى‏العالم العربي والاسلامي مستغلة ;ژرس‏ز÷مرحلة الجمود والانكفاء على الذات لعدة قرون;ژرس‏ز÷ وللتصادم بين ارادة الهيمنة الاوروبية ودفاعات العالم‏الاسلامي عن وضعه الذي كان عليه وقت بدء ذلك الصراع اواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين، فاقحمته على صيرورته‏الثقافية من دون ان يكون له دور في تاريخه المعرفي.

6- ان فكر العلمانية نقلته قوى متعددة، وحولته الى ايديولوجية لتلك الطبقة التي كانت تحاول الانفصال عن الامبراطورية العثمانية‏الاسلامية الصبغة، وتبنته ;ژرس‏ز÷الاقلية المسيحية;ژرس‏ز÷ في الشام ومصر لاتصالها حضاريا مع اوروبا من خلال الطبقة التي تعلمت في الجامعات‏الاوروبية، مستثمرة تردي اساليب الادارة العثمانية، والاضطهاد غير المسوغ لغير المسلمين، والاضطهاد الطوراني العرقي للقوميات‏الاخرى، والهوة السحيقة بين واقع اوروبا وواقع العرب والفجوة الثقافة والفكرية بين عصر الابداع العلمي العربي وعصر الصحوة او عصر الصدام مع اوروبا..

7- هناك وقائع تشير الى ان العلمانية ليست اختيارا فكريا حرا من قبل العرب، ففي اواخر القرن التاسع عشر تشكلت جمعية الاتحادوالترقي التي كان فرعها الرئيسي في باريس، وقد تغلغلت في صفوف الجيش العثماني، وانتشرت في بلاد الشام(يافا/القدس). نادت هذه‏الجمعية باحياء الثقافة القومية غير الدينية، فتضافرت مع دول الحلفاء(الحرب الاولى) لاسقاط الدولة العثمانية وتفكيكها. وتاثر رضا شاه‏بهلوي بتجربة كمال اتاتورك، فبنى جهازا اداريا، واحيا ثقافة ما قبل الاسلام، ومنع ارتداء اللباس الوطني للرجال والنساء، واعتمد التاريخ‏الشمسي، واهتم بالتعليم المدني، واسس جامعة طهران (1934) على نمط جامعة باريس، واصدر قانونا مدنيا وآخر للعقوبات، كلاهمامستمد من القانون الفرنسي، وحصر سلطة ;ژرس‏ز÷علماء الدين;ژرس‏ز÷ في مجال الاوقاف، فاصطدم مع المؤسسة الدينية.

ومورس القمع منه وقابله‏العنف والتطرف من المؤسسة، وكان ذلك كله يجري تحت اعلان وضع البلاد على اعتاب التقدم وبناء الدولة العصرية. فارتبط هذا الهدف‏بالقمع والعنف المتبادل.

وعلى مستوى الوطن العربي، قامت تجربة علمانية في مصر الخديوية من خلال افكار مجلة الهلال(1892م)، والجنان لبطرس‏البستاني(1886م) وغيرها، وهكذا اوهمت الاجيال اللاحقة تدليسا ب:

1- ان الدين هو المعوق عن التقدم في كل العالم، ولما كانت اوروبا قد اختارت استبعاده واللجوء الى العقل والديمقراطية، وخرجت من‏ازمتها فلا بد من احتذاء انموذجها.

2- ان الفكر الحر، بلا مسلمات او بديهيات او مرجعيات ثابتة، هو الحل للازمة الحضارية (وهذا افتراض نظري بحث..). وعلى هذين‏المبداين سوغ:

ا-ضرورة فصل الدين تماما عن الحياة.

ب-عصرية الفكر وعدم اعتبار الماضي انموذجا للحاضر.

ج-عقلنة الفكر وعدم الارتكاز على مرجعية تراثية.

د-الانتقال من ثقافة الغيب الى ثقافة الشهود.

ه-اشاعة مفاهيم حرية التفكير والتعبير.

اما المراد من قضايا النهضة فتمثل بالقول: انها قضية تثوير العقل والفكر والثقافة لاجل النهوض، واكتشاف برنامج لبناء الانسان بناءنهضويا، وتطبيق مذهب اقتصادي تنموي مع عدالة التوزيع، وتحفيز القدرات على اكتشاف طريق وطني للتقنية، واكتشاف الاليات البناءة‏في مجال التعاون الدولي، ويمكن وضع هذه القضايا تحت هدف خلق المجتمع القوي الرشيد . ((701)) المبحث الثاني الجذور التاريخية والفلسفية (الاتجاه التراثي) الاصالة يرى اصحاب هذا الاتجاه ان قضية الخالق ووحدانيته لم تعد قضية خلافية بين المفكرين، مؤمنين او فلاسفة احرارا في فكرهم، فاذا كانت‏قضية سجالية في بعض مراحل الفكر الانساني فقد استقر العقل والبرهان على صحة المقولة ((702)) ، لاسيما من خلال الادلة‏المحسوسة للنظام الكوني الشديد التعقيد والدقة والتكامل. بحيث لا ينتهي اي متامل فيه الا الى ان وراء هذا النظام خالق حكيم مطلق‏الكمالات. وعلى هذه المقدمة يرتبون ان الحكمة والدقة اذا ثبتتا في الخلق التكويني فانها تثبتان له في الخلق التشريعي، فاحكامه التي‏انزلها بالنص الموحى لا تقل دقة واحكاما عن افعاله في خلق الكون.

فالدين، على هذا التوصيف، ;ژرس‏ز÷مفاهيم فكرية كونية شمولية تضم جانبا عقديا ومنظمة تشريعية واخرى اخلاقية;ژرس‏ز÷، ويهدف الى نيل الانسان‏للسعادة في الدنيا والاخرة، ويكون تبعا للحق والحقيقة والحكمة في السلوك والخير في الاهداف التي من اجلها وجد او اوجد، وهذابالضبط مسلك الفلسفة في البحث عن الحقيقة واستهدافها وتحصيل السعادة. وبذلك، فهم يرون ان الاديان مرجعيات للحضارات التي‏انجبتها، ويرون ان جميع الحضارات وليدة الاديان، بما فيها الليبرالية المعاصرة(التاثيرات البروتستانتية)، بيد ان مسار الاديان في رايهم‏مسار تقدمي يرتقي بالانسان كلما وصل الى درجة من الرقي اعلى، فصارت مقولة النسخ مقولة ارتقائية. يضاف الى هذه السمة التي تفسرتعدد الاديان واحتواء الدين اللاحق على مكونات الدين السابق وزيادة حتى خاتم الاديان. يضاف اليها ان في خاتم الاديان مقولة تطويرية تتمثل بمجموعة من ادوات الحاق مالم يرد فيه نص، بحكم المنصوص عن طريق الاجتهاد الذي‏يلاحق التطور الحضاري، ولكن يتميز النص بانه ثابت لا يتغير ((703)) والاجتهاد بانه متغير بتغير الظروف والا حوال والبيئات.

ويرون ان برهان النص اعجازه المستمر الدائم، ودقة مضمونه وصحة هذا المضمون وعدم اصطدامه مع اية حقيقة علمية او تجريبية،وعدم تضارب نصوصه وتناقضها، وبرهان الاجتهاد مسالكه العقلية والبرهانية، لذلك لا تحصر هذه المرجعية الحضارات في حقبة‏تاريخية، ولا يسوغ العدول عن هذه المرجعية المعصومة الى مرجعية يمكن ان يجوز عليها الخطا والهوى كالعقل البشري وتجارب‏المجتمعات، فالوحي اصول جاهزة والاجتهاد اداة المعاصرة، لانه اولا احساس بالواقع، فقضية الاصالة والمعاصرة تتمثل في ان كلامنهماموجودة في الاطروحة الاسلامية ((704)).

ان نظرية الاسلام، في بناء الحضارة، لم تبق في حدودها النظرية انما تم تطبيقها، وسرعان ما تحولت الى تجربة فعلية انجزت انجازات‏عظيمة وحضارة كبرى استمرت لقرون ستة، وتركت لنا تراثا هائلا من الرؤى الحضارية كله منتزع من النص، لانه المفسر للوجودوالمحيط الاكبر لحركة العقل التي لم يرسم لها خط واحد انما تركت لتتحرك في فضاءات متعددة الاتجاهات والابعاد بحيث كان النص‏ينبوع الحقيقة.

يقول ادونيس: ;ژرس‏ز÷لقد عبر النص القرآني عن الحقائق خارج حدوديات الزمان والمكان;ژرس‏ز÷((705)) فهو كلي، وليس ذاتيا ولا موضوعيا انماهو كوني و موجه للبشر جميعهم. فهذا النص يفتح اذهاننا على خيال خلاق وحركية في التامل والتاويل ((706)) وعن علاقة الثابت‏النص، بالمتغير ;ژرس‏ز÷الاجتهاد;ژرس‏ز÷ اسس المفكرون رؤية منهجية تجعل المحكم هو المعيار وضوابط الاجتهاد هي الاداة وعدم التعارض مع‏السياقات والمقاصد العامة هي امارة الصحة، لذلك فان المعرفة طبقا لهذا البناء يجب ان تخضع لموجهات النص واهدافه(الخير، الحق،السعادة) فما مشروع اسلمة المعرفة الا اعادة ترتيب المعرفة على اسس هذا التوجيه واهدافه.

لهذا كله، فان الاسلام، بهذا الوصف، جدير بان يكون مرجعية الحضارة العربية، وينبوع المشروع الحضاري النهضوي المعاصر. فاذا تم لناذلك، انتقلنا الى الخطوات اللاحقة في البناء الفوقي الاجرائي في تجديد التراث وتفعيل الاجتهاد وعقلنة العقيدة وعلمنة الاحكام التي تخص شؤون الانسان..

الجذر الفلسفي للصلة بين الشريعة والفكر الفلسفي ان انفتاح المسلمين على الثقافات الاخرى، وبخاصة ;ژرس‏ز÷الفكر اليوناني;ژرس‏ز÷، مع حركة الترجمة، كان للتعرف على ذلك الفكر من دون الشعوربالنقص او التخلي عن السائد، فلقد تم ذلك في وعي عال بتمايز الانا عن الاخر، لذلك فانهم ترفعوا عن ترجمة الاساطير بحكم تصورهم‏للعالم. ويلاحظ انهم اتخذوا ثقافة الاخر وسائل لتطوير ما انتجوه، فكانت ترجمتهم للوافد وسيلة وليست غاية، ولعل هذا الانموذج‏يشابه اشكاليتنا الحاضرة من جهة ضرورة تحليل الوعي التاريخي للامة. واذا كانت طبيعة تحصيل المعرفة في البحث الفلسفي تختلف‏الى حد ما، عن طبيعة تحصيل المعرفة في اطار ;ژرس‏ز÷اسلامية المسالك;ژرس‏ز÷، يصبح الامر كما يقول الجرجاني:;ژرس‏ز÷اما اهل الفلسفة، فان البحث‏يجري عندهم على مقتضى العقول، حتى اذا انتهوا عادوا الى النصوص، فان وجدوها على وفاق معهم قبلوها، والا صرفوها عن ظاهرهابالتاويل وحملوها على المعنى الذي انتهى اليه بحثهم العقلي;ژرس‏ز÷.

ان عددا من المفكرين المسلمين، ممن يشتغل في الفكر الفلسفي، حدد نوع الصلة، وكانت تحديداتهم على اقوال هي:

1- ان التفكير الفلسفي يخدم استنطاق النص بالنظر العقلي فيه، ذلك لانه يهدف الى علم الاشياء على حقيقتها، وقد وضعت الرسل اسفارالحقيقة امام العقل فما عليه الا استكناهها، وهو راي الكندي الذي يتطابق مع نظرية الثابت والمتغير، وهو ينقله الى مصاف القاعدة الكلية‏المجردة لعموم الفكر ((707)) .

2- ان ما جاء في الشريعة مثال للحق، وما تاتي به الفلسفة مثال، فهما كيانان فكريان يتماثلان في اكتناز الحقيقة، سوى ان في الشريعة‏جانبا علميا للحقائق الفلسفية، وهو مذهب الفارابي الذي يقول. ;ژرس‏ز÷على الفلاسفة ان يجتهدوا لتفهيم اهل الملة ان ما في ملتهم هو مثالات‏للفلسفة;ژرس‏ز÷ ((708)) .

3- ترى السينوية ضرورة دمج الفلسفة في تقديم الشريعة باطار عقلي، ودمج الفلسفة في تقديمها باطار روحي مرتبط بالمطلق. ومع‏تطور هذا الاتجاه على يد الغزالي في ;ژرس‏ز÷تهافت الفلاسفة;ژرس‏ز÷ وحوار ابن رشد في;ژرس‏ز÷ تهافت التهافت;ژرس‏ز÷، وفي رسائل اخوان الصفا ((709)) .

4- اتجاه الغزالي الذي يرى ان الفلسفة ببحثها الحر قد تشتط، فيوهمها البحث الحر بما يتعارض ومستلزمات التوحيد، وقضايا الانصياع‏للمرجعية القرآنية، فاوقف بعده ابن الصلاح النظر الفلسفي وحرم المنطق، واغلق الاجتهاد، وفصل بين التفكير الديني والتفكير الفلسفي‏بفاصلة غير قابلة للحوار وتبادل الرؤى ((710)) .

5- موقف ابن رشد الحفيد، اواخر القرن السادس، الذي اكد حاجة الانسان الى الاصالة (بالوحي واجتهادات العلماء)، والمعاصرة بالفكرالانساني على سبيل التكامل وباساليب ;ژرس‏ز÷الاستدلال;ژرس‏ز÷ ;ژرس‏ز÷الخطابي والجدلي;ژرس‏ز÷ للعامة ;ژرس‏ز÷والبرهاني;ژرس‏ز÷ للخاصة، وقد عول، في اخاء الحكمة مع‏الشريعة، على الغاية والنطاق، لدى كل منهما، معرضا عن التباين في الاسس والمسارات، فتوصل الى انه لا يحكم فهم جيل واحدللفلسفة او للشريعة كمعيار على تفهم الاجيال اللاحقة، ودعا الى تعايش الافكار والنظريات وضرورة الافادة من الحضارات. قال: ;ژرس‏ز÷فان كان‏كله صوابا قبلناه منهم، وان كان فيه ماليس صوابا نبهنا عليه;ژرس‏ز÷ ((711)) . ويقرر ان النص القرآني ليس نصا تاريخيا. وذهب الى التاسيس على‏نظرية وحدة الحقيقة ايا كانت مسالكها شريطة صحة النهج ((712)) .

ومن استعراض المواقف نجد محورين للصلة هما:

ا-محور القطعية الذي تبناه الاتجاه الديني السلفي متمثلا بالغزالي واهل الحديث (ابن الصلاح الشهرزوري) والفقهاء ( ابن تيميه). يقوم‏هذا المحور على رفض ثقافة الاخر رفضا تاما قطعيا.

ب- محور التواصل- وان تعددت رؤى هذا التواصل- تبناه جميع فلاسفة المسلمين، من الكندي الى ابن رشد.

السؤال الاساس لماذا يتبنى المشتغلون حاليا بالفكر الفلسفي المعاصر رفض التعامل مع الفكر الاسلامي المستنير؟ ولماذا يعدونه مرجعية تشد الناس‏الى التخلف والجمود؟ اليس ذلك بتاثير علمانية الغرب؟ -ولماذا يتغافل المعنيون بالفكر الفلسفي الوضعي عن:

ا-ان الايمان، في منطق الوحي، لا يصح الا بعد قيام الادلة البرهانية عليه، وان هذا المنطق قد استبعد التقليد في الاصول وان اجازه بالفروع، اليس يقام الفكر الاسلامي على اساس عقلي مشفوع بادلة دائمة كاعجازالنص(بالمفهوم الديناميكي للاعجاز)؟ ب-وبعد قيام الادلة القاطعة على استحالة تقاطع النص مع الحقائق بالاستقراء التاريخي، لم لا يقبل كثير من المشتغلين بالفكر الفلسفي‏الوضعي بان النص مطلق غير تاريخي، فتكمن فيه حلول المشكلات القديمة والمستجدة؟ واخيرا، لم لم يعامل معاملة المرجعية‏للمشروع النهضوي؟ ج-واذا كان الاساس الذي يينى عليه المتاثرون بعلمانية الغرب هو نجاح التجربة الاوروبية، فلماذا تختزل التجربة الاسلامية، ويعتم عليهاوتنتقى منها فقط نقاط الاخفاق والتطبيقات المنحرفة، للتشهير في حل المشكل الحضاري؟ د- لم لم يسهم الاتجاه العلماني في تطوير آليات الاجتهاد، وضوابط دلالات النص؟ ولماذا لم يعمق سبل تفهم الانسان له، ما يحقق‏الاهداف العظمى، وهي بناء الانسان؟ ه-اذا كان المنظور الاسلامي للتعددية الفكرية منظورا ايجابيا، فلم لا تتعايش النظريات في كنف هذا المنظور؟ ولم تمارس قوى‏العلمانية عملية الالغاء التام للمشروع الاسلامي؟ و-لماذا اسهم الاتجاه العلماني في خنق محاولات تجديد التراث، ودفع اتجاه التراث الى العنف والتطرف والمغالاة والتفكير الخرافي‏والاصولية؟ ز-لماذا لا تسعى النخبة المفكرة والذات العالمة الى تطوير رؤية ابن رشد في تاكيد الصلة الوثيقة بين الاسلام والفكر البرهاني، ليخدم كل‏منهما الاخر؟ وليصل المجتمع العربي الى تكاملية للمشروع النهضوي؟ المبحث الثالث اشكاليات نهضوية في المشروع التراثي من منظور علماني ;ژرس‏ز÷يشكل;ژرس‏ز÷ العلمانيون على خطاب التراث النهضوي بانه يعيش وهم الارتداد الى التاريخ، حيث كان الدين يمثل مرحلة من مراحل التطورالانساني، وقد انتهت البشرية الى حصره في تنظيم علاقة الفرد باللّه، فالاصرار على تعميمه على جميع مجالات الحياة عودة مرتدة الى‏مرحلة تاريخية تجاوزها الفكر البشري. ومع ذلك فانه قد افتقد بسبب صفته اللاهوتية خطاب الانسنة ((713)) ثم ان الفكر الديني ليس فكرا حرا انما هو ايديولوجية وثوقية تتمحور على ثوابت مهيمنة ((714)) .

ويرى العلمانيون ان الدليل الحسي على ذلك هو تجربة اوروبا التي لم تخرج من ازمة التخلف الا بعد ان تخلصت من اسر الفكر الكنسي،وحيث ان منطق الاديان واحد فان القاعدة الاساسية للخروج من ازمة الجمود هي التحرر من مرجعية الدين، او على الاقل فصل السلطة‏الروحية عن الزمنية، لذلك يلاحظ على المتمسكين بالفكر الديني انهم ;ژرس‏ز÷مغتربون;ژرس‏ز÷ زمانيا عن حاضرهم ، وهم يرفضون جميع اشكال‏التقدم بسبب تمسكهم بالموروث والخوف من الاخر، لاسيما ان هذا الاخر قد اقترن في منطقتنا بالاستعمار، فلم يفرق التراثيون بين الفكرومقولات التقدم وبين الاستعمار والهيمنة، وهم يحشرون الحاضر بجميع متغيراته في اطار مرحلة تاريخية ماضية ((715)) . ويرى‏العلمانيون ان الخطاب النهضوي الاسلامي هو خطاب تجربي على مستوى الفكر العقدي او التشريعي، فهو خطاب لا يستطيع تجميع‏الطاقات وتفجير ابداعاتها ((716)) ، لذلك فهو خطاب تبجيلي، يبتعد عن النزعة النقدية للمفاهيم والتجارب التراثية، فيسد الطريق على‏التنوير.

وهو-على العكس من عموميات خطابه ونزعته الاممية كما تقدم- خطاب تخريبي، وعلى مستوى عموميات الخطاب فقد ازهق الحافزالقومي، ويزهق روح المواطنة لغير المسلمين في العالم العربي ويدفعهم دفعا للانتماء الفكري للتجربة الاوروبية.

ويرون انه خطاب مجمل شعاراتي، لم يقدم نماذج نهضوية، ولا برامج انمائية مفصلة، جميع التفاصيل اجتهادية عقلانية، لكنها في نطاق‏تجربة تاريخية، من ذلك مثلا تشكيل الدولة ومسالك تداول السلطة، لذلك ففقه النص يمثل نسبية تاريخية.

وعلى مستوى التطبيق، فان الخطاب التراثي وقف ضد الفكر الفلسفي، والنزعة النقدية والمنطق، واغلق الاجتهاد واوقف عناصر التجديدالذاتي، علاوة على ما يتصف به من طبيعة غيبية، ويختلط فيه الذاتي بالموضوعي ((717)).

واخيرا، يرى العلمانيون ان اكتشاف الحقائق لا يتم الا بالتفكير الحر المنظم والمتناسق والواعي، وليس بالفكر الذي ينطلق من مسلمات‏ايمانية، وبهذا يخرج اللاهوت (في جميع الاديان) من نطاق الفكر الحر، والمشروع التراثي يتبنى فكرة (صلاحية النص لكل زمان ومكان) والعقل يابى هذه الصلاحية، ويابى تحديد المسار البشرى عبر الالزام بشريعة ثابتة لجميع العصور((718)) .

مناقشة الاشكاليات تتصف رؤية/ تصور الخطاب العلماني للمشروع التراثي بانها عمومية تبسيطية تعتمد مقولة: ان كل شئ في التاريخ او الماضي ;ژرس‏ز÷فكرتخلف;ژرس‏ز÷ وكل معاصرة ;ژرس‏ز÷فكر تقدم;ژرس‏ز÷، وفي هذا تعميم بالغ ياباه المنطق العلمي.

ويتجاهل هذا الخطاب المنظومة التشريعية القابلة للتطور والتطوير والتي يعبرون عنها بالانسنة في الفقه الاسلامي، ما يعد ثمرة الحضارة‏العربية ((719)) ، وينكرون حقيقة ماثلة مفادها ان صاحب الفلسفة الخالصة انطلق من اعتبارات فكرية، وليس من فراغ، فلا يوجد فكرمنفصل تماما عن الزمان والمكان والتوارث العلمي واشكال الوعي الاجتماعي ((720)) ، ومنه ارتباط الرؤية العلمانية بتجربة اوروبا. امارفض اشكال التقدم فهو امر يشترك فيه كثير من الناس والصاقه بالتراثيين غير صحيح، اذ يقاس على مرحلة عصر الجمود. المشكلة‏الرئيسية التي يجب ان يتوقف عندها الخطاب العلماني هي قضية توقف الاجتهاد، وكيفية ردم القطيعة بين عصر الابداع وعصر النهضة،وآليات استئناف الاجتهاد وتجذير الوعي العلمي والفلسفي لضرورات الحاضر، فهذه الاطروحة قضية جامعة قابلة للحوار والتنظيرالمشترك.

المبحث الرابع اشكاليات الخطاب العلماني/ من وجهة نظر اتجاه التراث 1- ان الاتجاه العلماني يعتمد اسلوب التعتيم على مدلول المصطلح، سعيا وراء حجب وعي المسلمين عن ادراك المعاني المباشرة‏لمشروعهم، فهو اولا منهج تضليلي يخشى الاصطدام بصيرورة الشخصية القومية. ولم تطرح العلمانية منهجا شموليا، ولا نهجا علميا، بل‏طرحت ايديولوجية تعبوية ادعت الحق المطلق بالفكر واحتكار الحقيقية، لذلك تحولت من فلسفة مستنيرة الى ;ژرس‏ز÷ايديولوجية للقمع‏والاضطهاد;ژرس‏ز÷ ((721)) ، التزم بها العسكر في تركيا والجزائر لمقاومة المشروع الاسلامي، فصادروا جميع اشكال الديمقراطية، ورويدا تحولت هذه الايديولوجية الى اصولية جديدة في عالم الفكر.

2- ان العلمانية فكر متاثر تماما بالغرب وخطابه الاستشراقي، تدفعه وتغذيه ايديولوجيات(الاقليات الدينية في العالم الاسلامي)،والمركز الاستشراقي في الجامعات الاوروبية، ويلحظ جهل فاضح بابسط ابجديات الاسلام ((722)) .

3- لم يستطع الاتجاه العلماني، حتى الان، حل مشكلة التصادم بين مشروعه وتكونه وصيرورته وتاريخية العقل العربي، وكيف لا يكون‏دخيلا عليه؟ وكيف يفك ارتباطه الحيوي بالخطاب الاوروبي الاستشراقي ((723)) .

4- لم يحقق الفكر العلماني، على مدى قرن، انجازا يعتد به في العالم العربي الاسلامي سوى الاضطهاد الذي انتج حركات اصولية تتوسل‏العنف بوصفه رد فعل على ذلك الاضطهاد، فهو لم يمارس الحوار مع الراي الاخر على الرغم من ان هذه الدعوى من منطلقاته الاولى.

5- يرصد الخطاب العلماني، منهجيا، ;ژرس‏ز÷سيئات التجربة الاسلامية;ژرس‏ز÷ بوصفها مادة للتشهير، وليس للحوار، وهو يهرب من التحاور من نقطة‏الاسس الفلسفية الاولى لكلا الاطروحتين.

6- يعتمد الخطاب العلماني على ;ژرس‏ز÷المتغير;ژرس‏ز÷ فقط، وقد زج المجتمعات في اتون التجربة الاجتماعية ذات الكلفة الباهظة للانماءوالنهوض.

7- يقول د. عبد الامير الاعسم:

ان محنة العقلانية، في الفكر العربي المعاصر، انما تاتي نتيجة للتناقضات التي تحياها المجتمعات من جراء تراكيب مصنوعة من العقلية‏الغربية ((724)) .

ويقول، ;ژرس‏ز÷ انهم يصدرون مفاهيم من خلال الانفصام في الشخصية القومية، بدل ان يبحثوا في التراث عن الجذور العقلية بصياغة نتائج‏نابعة من التجديد والتحديث;ژرس‏ز÷ ((725)) .

ولم يستطع المفكرون، لا النهضويون ولا المعاصرون، ان يفصلوا بين العقلية الغربية بهويتها المسيحية وبين العقلية العربية بهويتهاالاسلامية،فحارب التراث مفكرون عرب باساليب التبعية والتقليد((726)) ، لذلك فمن اغرب ما نرى ان في بلادنا عددا من المفكرين‏وجدوا انفسهم اسرى الانفاق التي حفرها الغرب السياسي لهم ((727)) .

ومن هذه الانفاق تسويق فكرة النهضة على اساس التبعية الفكرية والازداوجية العقلية وانفصام الشخصية، بدل التجديد والابداع ((728)) .

خاتمة البحث ما الذي ينبغي ان يفكر فيه المشروعان النهضويان؟ من كل ما تقدم يتقرر ما ياتي:

ان على الاتجاه العلماني، في العالم العربي، ان يوجد موازنة علمية وتمييزا علميا بين النص الثابت والاجتهاد المتغير، وان يسعى الى‏ايجاد منهج علمي لتفسير النص وتمييز النتاج الثقافي المشرق من التراث وتحديث خطابه، وتحفيزه للنظر في قضايا العصر، وان يفك‏الارتباط البنيوي مع الثقافة الغربية، ويتخلص من التبعية، بتخطيط منهج علمي يتفهم منجزات حضارات الامم، ويعمل على اعادة انتاجهابما يتلاءم مع النسق الفكري للعقل العربي، تلك المنجزات ذات الامتداد الحيوي في المعرفة التاريخية والرؤية المستقبلية له على اساس‏ذلك التراث، لتحصيل الشروط التكاملية والتجديدية بوصفها اهم شروط النهضة.

ومما ينبغي على هذا الخطاب القيام به: المطالبة بتاسيس التجربة الايمانية على احدث المناهج العقلية واقواها ((729)) ، وضرورة‏التخلص من آفات النظرة التجزيئية للتراث، وقياس قيمة التراث بلياته المنتجة له، وتجنب الاليات المنقولة من تراث الاخر ((730)) ،وتجنب حشر التجربة الاوروبية (العلمانية) في المشهد النهضوي المعاصر، لان هذه القضية لها ظروفها الخاصة بها، ولا يعرف العالم‏العربي والاسلامي، في تكويناتها المعرفية والحضارية، قضية مشابهة لها، مع ضرورة الحفاظ على الهوية الحضارية للامة في عالم‏تكتسح فيه، هيمنة العولمة الثقافات القومية، تشكيلا للعالم من جديد وفق ترتيب يخدم الهيمنة الغربية، فالعمل لتكريس الاغتراب‏الفلسفي والفكري يخدم الادوات الفعلية للهيمنة، علاوة على ذلك تحل قضية التثاقف على اسس منهج يحمي هذه الهوية، لانه ومع‏فارق تقنيات الخطاب وقضاياه، فهو حاليا يشتمل على ضرر جسيم بالتكون العلمي للشخصية العربية.

كما ينبغي ان يتخلى الخطاب العلماني عن التوسل بالقمع وسيلة للانفراد بالساحة الفكرية، لان الفكر والاضطهاد ضدان لا يلتقيان، وان‏الحرية وسيلة الابداع الفكري.

وعلى الخطاب النهضوي الاسلامي:

1- ان يسعى الى تطوير الاجتهاد داخل النص بما يرتقي الى مستوى قضايا العصر ومشكلات الانسان، بحيث يقدم الاسلام - وبليات عقلية - اطروحة عقلية نقدية انسانية حوارية برهانية الاسس والنتائج.

2- وان يقدم نمذجة تفصل في اقتراحاته لحل المشكلات القائمة، ولا يصح الاكتفاء بالنصوص العامة والاحكام المناظرة ذات الصفة‏التاريخية.

3- ان يطور انموذجه الثقافي، بحيث يسع الاراء الاخرى، سواء داخل اجتهادات النص ام خارجها كمادة للحوار والراي الاخر، وكذا الحال‏في مستوى طريقة ادارة المجتمع والدولة.

4- ان يتخلى عما ياتي:

ا - عن خطاب التبجيل لكل ما في التراث من اجتهادات، وان يربط تطبيقاته بمرحلة تاريخية بوصفها مرجعية اساسية، بدلا من ادعائه‏امتلاك الحقيقة لوحده وتكفير المخالفين وتهميشهم، وانزال العقوبات بهم.

ب - عن الغلو، والتطرف، والعنف، والعقل الاتهامي.

5- وان يضع هذا المشروع برنامجا معياريا للافادة من انجازات الشعوب في مجال الحضارات والمجتمع المدني وشروطه‏الحضارية.

6- ان يطور اسلوب اسلمة المعرفة على اساس التفريق بين العلم (قوانين معرفية ثابتة) وبين مادة العلم التي تتبع متغيرات العصور، فلا بدمن فقه البيئة، وفقه التعددية والحرية والحقوق، وفقه التنمية وبناء الانسان، وفقه التثاقف الحضاري، فتكون الاطروحة النهضوية‏الاسلامية محاولة لتحليل الواقع، ولا بد من التحرر من سلطة الماضي وسلطة الموروث، والاقتناع بان لا سلطان الا للعقل المسددبالنص، ولا قيمة لغير واقع الانسان ((731)) .

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية