|
ولكي لا يقع بعض الباحثين في مغالطات من هذا الكلام،
ويتصور ان الاحكام السياسية قابلة للبسط والقبض على اساس
التطوراتالزمنية، وانها مثل الديمقراطيات الغربية تعيش حالة
معلقة ونسبية، يحذر ضمن حديثه عن الاحكام الثابتة
والمتغيرة بان لا يتصور اننهج الاسلام يشابه نهج الديمقراطية
الغربية او ما يسمى بالديمقراطية الشرقية، ثم يوضح ان الاسلام
وفي كلا الجانبين من الاحكام لهنهجه الخاص به والذي
يختلف تماما عن تلك الانظمة الوضعية.
ويضيف الى ذلك، فيقول:
«من الاحكام الثابتة في الاسلام، ان المشرع الاصلي هو اللّه، في
حين ان الاحكام والقوانين الثابتة في سائر المناهج والانظمة
الاجتماعيةهي من نتائج الفكر البشري، سواء كانوا نخبة ام
اكثرية الشعب. كما ان الاساس في الاحكام المتغيرة في
المناهج (والانظمة) الغربية اوالشرقية ارادة الاكثرية من
الشعب ورايها بحيث نشاهد على الدوام التضحية بمشاريع
الاقلية وارادتها (النصف ناقص واحد) مقابل رايالاكثرية
(النصف زائد واحد)، سواء كانت مطالبهم محقة ام لا، في حين
ان القوانين المتغيرة في المجتمع الاسلامي رغم ان النتيجة
تتطابقواستشارة الشعب، لكن الاساس فيها هو الحق وليس
ارادة الاكثرية، كذلك تكون على اساس واقعي وليس على
اساس العواطف والاهواءالبعيدة عن الحق» ((806)).
ولان الملاك الوحيد في المجتمع الاسلامي هو الحق والصلاح،
فالاكثرية لن تكون معيار العمل، خصوصا ان العلم والتقوى هما
الحكموالمعيار الدائمين في المجتمع الاسلامي، كما ان
طلبات الناس مهذبة على اساس التربية الاسلامية، فلا ترجح
الاكثرية طلباتها التيمصدرها الاهواء النفسية على الحق
والحقيقة.
وقد صرح القرآن الكريم، في عدة آيات، ان الحق هو معيار
العمل وان تحديد ذلك يقع
على عاتق العلماء المتقين، الفقهاء، العدول الذين يتصدون
لولاية امر المسلمين.
وفي رده على الذين يرون هذه الفلسفة السياسية والحقوقية
الاسلامية قريبة من مطالب الاغلبية (الديمقراطية) وانها
ممكنة التطبيق علىالمدى القريب، وفي مقابل ذلك يرون ان
النظام الديمقراطي يمكن له الاستمرار والبقاء لانه يهتم
بمطالب الاغلبية ويحترم راي الناس،يقول السيد الطباطبائي:
«مع انه لايمكن انكار رضى الاكثرية وقبولها في مقبولية اي
نظام شعبيا، لكنه يجب ان لا ننسى ان مطالب الاكثريةهي
بدون شك معلولة نوع خاص من التربية العامة والتعليم.
والبيئة التربوية التي يوجدها الاسلام في المجتمع تجعل
الغالبية لا تتبعالاهواء، ولا تضحي بالحقيقة من اجلها، بل ان
راي الغالبية يكون مع الحق عادة، كما ان مطالب الاغلبية في
البيئات غير الاسلامية تتناسبوالعادات والتقاليد او الغايات
العامة الثابتة في تلك المجتمعات» ((807)).
وفي ما يتعلق بالمرحلة الاولى لتكوين المجتمع السياسي
الاسلامي الذي قد نشاهد فيه بعضا من عدم الرضى، لان
التربية الاسلاميةالشاملة لم تاخذ دورها بعد، ما يؤدي الى
فقدان الغالبية المرادة، يقول الطباطبائي:
«بديهي، ان لا يوافق اي نظام في بدء ظهوره مع مطاليب
اغلبية المجتمع الذي يظهر فيه، وهو امر لا يختص بالاسلام
لاننا نجده فيالاساليب والاتجاهات الاخرى ايضا».
وعلى هذا الاساس يستنتج:
«على ذلك، ما يشكل على النظام الاسلامي في كونه لا ينسجم
وغير قابل للتطبيق مع التربية والتعليم المنحل والحر بلا
قيود، ما هي الامغالطة لا اكثر» ((808)) .
ويرد العلامة الطباطبائي على القائلين: ان النظام السياسي
الاسلامي لم يكن له الاستمرار مع وقوع الاحداث التي كانت
بعد وفاةالرسولغ، فيقول:
«تجاوز النمط الاسلامي واختفاؤه من بين المسلمين لم يكن
بهذا الشكل الذي يتصوره البعض من انتهائه بشكل طبيعي بعد
سنواتقلائل من زمن
الرسولغ. ولم تكن هذه طبيعة النظام الاسلامي التي ماتت
وانتهت، لان نظاما تجلى اساسا في سيرة الرسولغ كان
بالامكان ان يبقىويستمر، اذا لم يجهض عليه ولم يستبدل
بامبراطورية عربية. الحقيقة هي ان النظام السياسي الاسلامي
لم ينتهي بشكل
طبيعي في بداية عمره. بل اذا جاز لنا التعبير يمكن القول: انه
قتل واستشهد، اقتنعنا باسم الديمقراطية فقط في حين اننا
نسير من سي الىاسوا. ولم نجن من شجرة الحرية
والديمقراطية هذه التي آتت اكلها وخيراتها (حسب رايي)
للاخرين، سوى الويلات والفضائح;ژرسز÷.((809))
هنا يطرح العلامة الطباطبائي السؤال الاتي:
«ما هي الاجابة في هذا الصدد، سوى انه لا يطبق القانون وقد
اكتفينا من الديمقراطية باسمها فقط!؟ وهو ما يصدق على
النظام السياسيالاسلامي ايضا. فكما ان الديمقراطية في
الانظمة الغربية والشرقية ليست مسؤولة عن تخلفات الانظمة
والناس، ففي النظام السياسيالاسلامي ايضا تقع المسؤولية
على الانظمة التي تدعي الاسلام، وليست على النظام الذي
يبينه الكتاب والسنة وسيرة
الرسولغ ويقوم على الشورى» ((810)) .
وفي مقارنته بين النظام المبني على اساس ولاية الفقيه
والانظمة التي تدعي الديمقراطية، يطرح العلامة الطباطبائي
هذا التساؤل:
لماذا نشاهد تيارين عريضين في مجال تطبيق الديمقراطية
بعد الحرب العالمية الاولى، بينما تفقد الديمقراطية كل يوم
موقعا لها حتىوصل الامر الى عزوف ما يقرب من نصف الكرة
الارضية عن الديمقراطية والالتجاء الى الاساليب الماركسية؟
وهل ان قيمة الديمقراطيةتكمن في مواجهتها للانظمة
المستبدة، فاذا ما انتهى الاستبداد وانظمته فقدت
الديمقراطية احترامها ومكانتها؟
من جانب آخر اليس الفهم العالمي للديمقراطية اليوم هو
تحول الاسلوب الظالم والاستبدادي والمتحلل لعهود
الاساطير، من الحالةالفردية الى شكله الاجتماعي؟ فالمظالم
التي كان يرتكبها الاسكندر وجنكيز وامثالهما بالقوة سابقا،
تجري على الدول والشعوبالضعيفة بشكل جماعي من قبل
المجتمعات القوية، الديمقراطية والمتحضرة في العالم، بفارق
ان المظالم السابقة كانت تصدر عن جهلومن دون اي غطاء
وبشكل صريح، فكانت تثير الاحقاد وتدعو الى الانتقام بسرعة،
وكان لها دور في تسريع عملية الاطاحة بالقوىالظالمة، لكنها
اليوم تطلى بانواع الشعارات الاخاذة مثل احياء حقوق الانسان
ونشر العدل
والانسانية، مستخدمين في ذلك احدث التقنيات والاساليب
النفسيةواكثرها تعقيدا.
لاتزال مشاهد الاستعمار موجودة في كثير من الدول ويمكن
الاعتبار بها، فهي من مخلفات الديمقراطية، ومازلنا نذكر
منطق الحكومةالفرنسية، حاملة مشعل الحرية والداعية للعدل
الدولي، في ادعائها بان الجزائر جزء من ترابها ((811)) .
الادهى من ذلك، نجد الشيوعية التي تعد نفسها مرحلة تكامل
الديمقراطية -وعلى الرغم من اختلافهما في نهب العالم
والسيطرة عليه-تسيطر على المجتمعات التي لم تصل بعد الى
المراحل السابقة، بل مازالت في بداية مسيرتها الحضارية، ورغم
ادعاءاتها، نجد ان اكثرالدول تخلفا تتجه بسرعة اكثر نحو
الشيوعية! فاذا كان مثل هذا التغيير يعد طفرة، فلماذا لا
تنطبق قوانين الفلسفة المادية الديالكتيكية التيتتحدث عن
الطفرة مع اسسها ((812)) ؟!
يرى الاستاذ العلامة الطباطبائي ان الانسان موجود مدبر
يطلب الاستدلال بشكل فطري. فما يحكم حياة الانسان
وافكاره هو العقلوالبرهان العقلي، وبينما لا نرى الشريعة
تخالف هذا الاتجاه الفطري، بالعكس فقد اكدت عليه كثيرا،
وعدت الانسان الفارغ من المنطقوالبرهان احط من البهيمة.
النظام السياسي في زمن الغيبة
بعد ان يستدل الاستاذ العلامة على مسالة الولاية مثل سائر
القوانين الثابتة ويرى ضرورة تطبيقها دائما، ويبين راي الشيعة
في استمراريةمقام الولاية والجانب التعييني (التنصيبي) فيها
من قبل المشرع سبحانه وتعالى، يقول:
ايمان الشيعة الامامية بالنص في الائمة (عليهم السلام) من
جانب الرسولغ لا يعني بقاء المجتمع الاسلامي في حال غياب
الامامالمعصوم(ع) مثل عصرنا الحاضر-بلا امام وهاد، كقطيع
بلا راع، مشتتين وحائرين. لاننا نمتلك الدليل على استمرارية
اصل مقام الولايةوثباته، وكذلك لدينا دليل على تعيين
اشخاص محددين لهذا المقام.
ومن البديهي امكانية التفكيك والتمايز بين هذين الاثنين،
فالشخص (الشخصية الحقيقية للامام) هي غير مقام الامامة،
بالنتيجة فانفقدان الامام لا يعني ابدا فقدان مقام الامامة
ونهايتها. فكيف يمكن تصور الغاء مقام الولاية في يوم من الايام،
بينما هي ثابتة
بدليل الفطرة الاسلامية، لان الغاءها يعني الغاء للفطرة، والغاء
الفطرة بدوره يعني الغاء الانسانية وبالنهاية الغاء اصل الاسلمة؟
بعد ذلك، يقوم الاستاذ العلامة بايضاح نقطة اهم ويبين شروط
من يتصدى لمقام الولاية. ثم يصل في النهاية الى النتيجة
الاتية:
حكم الفطرة في لزوم وجود مقام الولاية في اي مجتمع مبني
على اساس الحفاظ على المصالح العليا لذلك المجتمع.
والاسلامايضايساير هذه الفطرة، ونتيجة هاتين المقدمتين هي:
الولاية للشخص السباق من حيث التقوى والتدبير وادراك
الاوضاع، ولابد ان يكونالمتصدون للحكم دائما من اخلص
افراد المجتمع وافضلهم والمتميزين فيه.
ومن خلال هذه النظرة يقدم الاستاذ العلامة تعريفه للفقيه،
فيقول:
«الفقيه في صدر الاسلام، هو العالم بجميع معارف الدين
الاصول، الفروع والاخلاق وليس العالم بالفروع فقط كما هو
مصطلحاليوم((813)) ».
وفي نهاية هذا البحث، يقوم العلامة بالاستنباط الاتي:
الفقيه هو الافضل لتصدي مقام الولاية. ثم يقوم ببحث مسائل
الاجتهاد والتقليد فقهيا، ويعد الاجتهاد والتقليد في فقه
الشيعة فهماعلميالمسالة فطرية، ويرى ان الاجتهاد -بمعنى
الفهم العلمي لاحكام الشريعة- امر يتطابق والاعتبارات العقلية
وما تقتضيه الادلةالشرعية.
من جانب آخر، بما ان نشاطات الانسان ارادية وفكرية، وهو
بحاجة الى دليل وبرهان في افعاله وسلوكياته، فانه مضطر الى
التقليد عندمالا يكون باستطاعته الوصول الى جميع
المعلومات النظرية بالاستدلال، والتقليد هو تطابق العمل مع
استدلال الاخر عندما يكون هناكايمان بفقاهته وعدالته، وهو
مقبول عند العقلاء والعرف العام الذي يستند اليه الناس
. ((814))
ومع بيانه لفطرية مسالة الاجتهاد والتقليد، يضع العلامة
الطباطبائي فارقا بين معنى التقليد الفطري والاتباع الاعمى
الذي ينهى عنه القرآنويذمه ((815)) ، ويرى ان التقليد
بالشكل السلبي له، عمل غير عقلاني ويعني القيام بعمل يكون
ثمنه فقدان الانسان لاهم جوهر فيهواساس خصوصية البشرية،
اي فطرة البرهان والبحث، بينما التقليد على
اساس عقلاني في الرجوع الواعي للعالم والخبير والمتقي، يعد
عملا استدلاليا ومرتكزا وفطريا ((816)) .
يتناول الاستاذ العلامة، في هذه المجموعة من المباحث
السياسية، مفهوم الحرية من منظار الاسلام. ويقوم بدراسة هذا
الموضوعالحياتي بالنسبة للبشر من ثلاث زوايا متفاوته، ليصل
في النهاية الى ان منطق الفطرة الانسانية في هذه القضية
السياسية منسجم تماما معمنطق الشريعة الاسلامية والعقل،
وذلك بعد نقد وتحليل لمنطلقات الحضارة الحديثة ومقارنتها
باسس الفطرة والعقل.
ويرى الاستاذ ان الحرية بمعنى الحد الاكثر من التمتع
بالماديات ولذائذها تهبط بالانسان الى مستوى البهيمة، وهي
مخالفة لنواميسالخلق في ما يتعلق بالتكامل الانساني، اما
المفهوم الصحيح للحرية فيفسره من خلال نظرة توحيدية
وفطرية تتلخص في الانعتاق منعبودية غير اللّه، ويذكر ان
الاسلام اباح الحرية -بمعناها الغربي- وترك للانسان ان
يستمتع بيعض النعم الالهية بشريطة الصحة
والعقلانية((817)).
وفي ما يتعلق بحرية المراة يرى الاستاذ الطباطبائي ان الاسلام
تركها حرة في مختلف شؤون الحياة الاجتماعية، وهي متساوية
في ذلكمع الرجل، وقد دعم على الدوام استقلال ارادتها
وعملها، ولم يجعل المراة تحت قيمومة الرجل ابدا ((818)).
والمورد الوحيد لقيمومةالرجل على المراة بمعنى طاعتها
لزوجها في اطار العلاقة الزوجية المبنية بدورها على عقد
الزواج ((819)) . ولهذا يقوم في مكان آخرببحث نوع آخر من
الزواج تكون للمراة فيه قدر اكبر من الحرية ((820)) .
وفي ما يتعلق بحرية الفكر والعقيدة، يعلن بصراحة:
ان الذين يتصورون قبول الاسلام لاية عقيدة، حتى العقائد غير
العقلية والبرهانية مثل عبادة الاصنام، على اساس الاية [لا
اكراه فيالدين)، مخطئون جدا، لان الاسلام الذي يقوم على
فطرة التوحيد ونفي الشرك لا يمكنه ان يترك الناس احرارا في
معارضة اصل التوحيد.والاية [لا اكراه في الدين ]تعني نفي
الاستناد الى الاساليب غير المنطقية في الاتجاه الديني
. ((821))
ويطرح الاستاذ اصل «العقد» الاساسي والفطري في جميع
المناسبات الاجتماعية
والسياسية، ويرى امكانية تنظيم جميع العلاقات الانسانية
وتعديلها على اساس هذا الاصل القويم. وهو الاصل الذي يطلق
عليهالاسلام، «الايمان» في ما يتعلق بالعلاقة بين الانسان واللّه،
وهو نفسه «العقد» في العلاقات الانسانية. وعلى الرغم من ان
العقد وتعهدالانسان امامه من الامور الفطرية، لكن بعض العقود
والتعهدات المترتبة عليها تكون غير عقلانية ومخالفة للفطرة
تماما، وهي مخلةبالنظام الاجتماعي. ويبحث على سبيل
المثال العقود الربوية وما ينتج عنها من اخلال في نظام
المجتمع وتمايز طبقي وتعميق للفقر((822)) .
نظرية الثابت من داخل المتغير
وتحت عنوان الاسلام والمتطلبات الحقيقية لكل عصر، يقوم
الاستاذ العلامة ببحث قضية اساسية هي التنمية السياسية في
الاسلام،اكمالا لفلسفته السياسية، وكيفية تطبيق قوانين
الاسلام الثابتة في مختلف عصور الحضارة الانسانية وعلى
اختلاف الظروف الاجتماعية.في هذا المجال ايضا، يرى ان
اساس التشريع هو الفطرة الانسانية الثابتة، وان العديد من
المتطلبات والظروف الاجتماعية التي يتصورعدم تطابقها مع
قوانين الاسلام، هي انحراف عن الفطرة السليمة، بينما النظام
واحكامه ما هو الا انعكاس لنظام الخلق.
وقد بحث هنا بدقة خلق الانسان خصوصا، وطبيعة الانسان
المتحولة والتكاملية-باعتباره جزءا من عالم الطبيعة-المتغيرة
على مدىاللحظات، والمتجهة نحو الكمال، واعتبارها هي
الملاك، في ما عد الاحكام الثابتة والمتغيرة، انطباقا مع الفطرة
وقوانين التكامل.
ويرى ان الاسلام ينص على تلك الاحكام نفسها الثابتة
المنسجمة مع نظام الخلق والكون الثابت، الذي يسير من
داخله نحو التحولوالتغيير لا محالة. وعلى مدى اطلاعي، فان
الاستاذ العلامة هو اول فقيه يقوم بتقسيم الاحكام الالهية الى
ثابتة ومتغيرة على شكل نظرية«النظام الفقهي الثابت والمتغير
من الداخل»، وذلك في مجال المباحث الحقوقية والفقهية.
ويشرح الاستاذ العلامة هذه النظرية ضمن بيانهللاحكام الثابتة
والمتغيرة في الاسلام، فيقول: مع ان اساس احكام الاسلام
ثابتة، لكنها وعلى اساس معادلات يطلق عليها بالعناوينالثانوية
- وفي ظروف خاصة - تتحول الى احكام اخرى تسمى بالاحكام
الثانوية.
هذا التغيير في احكام الاسلام يكون على اساس ضوابط خاصة
لا يمكن القيام به الا من قبل الفقهاء لدقة عملية الاستنباط من
جهة، ودقةتنفيذ هذه الضوابط الخاصة من جهة اخرى، وفي
هذا المجال تلعب القواعد والضوابط الاتية دورا كبيرا في عملية
تغيير الاحكام. وهذهالقواعد هي: قاعدة لا حرج، قاعدة لا ضرر،
قاعدة نفي السبيل، قاعدة اختلال النظام، قاعدة تقديم الاهم
على المهم وقاعدة دفع الافسدبالفاسد.
ويرى الاستاذ ان هذا التحول مساوق للنمو الذي تتطلبه
الفطرة، والضرورة التي لا مفر منها مع الاخذ باصل تكامل
الانسان، لانه لابد منلركب الحضارة من اتباع هذه القوانين في
التكامل لكي يصل الى اهدافه السامية، وقد ضمن هذا التكامل
في الاحكام الاسلامية الثابتةالمنبثقة من داخل المتغير
. ((823))
وبهذه النظرة، تقوم الفلسفة السياسية. الاسلامية على تيار
مستمر من التغيير الدائم والتنمية السياسية، وبهذا يواكب
الفكر السياسيالاسلامي مسيرة التقدم والتطور الاجتماعي
والحضارة الانسانية، وتبقى احكام الاسلام الثابتة متطابقة مع
شروط الزمان والمكانوالعوامل الاخرى ومقتضياتها.
المبادئ العامة للعلاقات الدولية في الاسلام
ا.عباس ذهيبات
ان المتفحص لاقوال الرسولغ وسيرته يجد انه قد صاغ مبادئ
جديدة للعلاقات الدولية، لم تكن معروفة من قبل، وقد اقرها
القانونالدولي في ما بعد، واصبحت سارية المفعول في
العلاقات بين الدول في اوقات الحرب والسلم، ومن ابرز هذه
المبادئ ما ياتي:
اولا: المعايير والقواعد الاخلاقية
ان اهم ما يميز السياسة الخارجية الاسلامية، من غيرها، انها
تضع المعايير الاخلاقية على راس اهتماماتها، على العكس
ممن يرىانالعلاقات الدولية لا علاقة لها بالجانب الاخلاقي.
ففي القرون الوسطى كما هي الحال في عالم اليوم ;ژرسز÷اتصفت
الدبلوماسية بمعاني المؤامرات والدسائس والتجسس
والنشاطات السريةللدبلوماسيين والسفراء;ژرسز÷((824)) . وغدت
العلاقات ترسم على قاعدة المصالح، بعيدا عن المبادئ والقيم،
واصبحت النظرة الى السياسةالدولية كانها غابة كبرى تعيش
فيها الحيوانات المفترسة، لذلك يتحتم على الساسة ان يتحلوا
باخلاق الثعالب حتى يبصروا مواقعالفخاخ.
واستمر السلوك الغربي على هذا النحو، وظهرت فلسفات
ومقولات تسوغ هذا المنحى
#باحث من العراق
غير السوي وتجذره ، كالميكيافيللية التي ترى: ;ژرسز÷ان الغاية تبرر
الوسيلة;ژرسز÷، ومفادها الحصول على المنافع وتحقيق المصالح،
بغض النظرعن الوسائل المتبعة، انسانية كانت ام وحشية،
ومهما كانت النتائج المترتبة عليها. وكالبراغماتية التي تسوغ
الظلم والانحراف عن مبادئالحق والصدق في سبيل الوصول
الى النتيجة.
من ذلك كله، نلاحظ اتصاف السلوك السياسي الغربي
باللامبدئية، وانعكاس ذلك على تصريحات ساستهم، فعلى
سبيل الاستشهاد: كانتشرشل رئيس الوزراء البريطاني في
اثناء الحرب العالمية الثانية يردد مقولته المشهورة: ;ژرسز÷ليس
هناك عدو دائم او صديق دائم. ولكنهناك مصلحة دائمة;ژرسز÷.
ويورد ;ژرسز÷امين هويدي;ژرسز÷ قصة ونستون تشرشل، حينما كان في
زيارة احدى المقابر، فقرا الكلمات الاتية المحفورة علىاحد
القبور: ;ژرسز÷هنا يرقد السياسي العظيم والرجل الصادق;ژرسز÷، فعلق
تشرشل على ذلك: ;ژرسز÷هذه اول مرة ارى رجلين مدفونين في
تابوت واحد;ژرسز÷((825)).
ومن الضرورة بمكان الاشارة الى ان بعض قادة العالم وساسته،
قد ادرك حديثا ضرورة ادراج المعايير الاخلاقية والانسانية
في العلاقاتالدولية. يقول الرئيس السوفياتي السابق
(غورباتشوف) في كتابه الموسوم ب ;ژرسز÷البرويسترويكا;ژرسز÷: ;ژرسز÷لاول مرة
في التاريخ اصبح هناك حاجةلادراج المعايير والقواعد
الاخلاقية والجمالية الانسانية في اساس السياسة الدولية،
وانسنة العلاقات الدولية;ژرسز÷ ((826)) .
وفي عودة الى اصل المطلب، نلاحظ ان للاسلام قصب السبق
في تقنين مفاهيم الصدق، والامانة،والوفاء بالعهود، والرحمة،
والاحسان،والدعوة بالحسنى، والامر بالمعروف والنهي عن
المنكر، وغيرها من المفاهيم الاسلامية وتطبيقها.
وكان السلوك السياسي الاسلامي، خصوصا في صدر الاسلام،
منسجما والاطار العام للشريعة وقواعدها وتوجهاتها. ومصداقا
من السنةعلى ذلك، يقول الامام الصادق(ع): ;ژرسز÷كان رسول اللّهغ
اذا اراد ان يبعث سرية دعاهم فاجلسهم بين يديه، ثم يقول:
سيروا باسم اللّه وباللّه،وفي سبيل اللّه، وعلى ملة رسول اللّه، ولا
تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا شيخا فانيا، ولا صبيا، ولا
امراة، ولا تقطعوا شجرا الاانتضطر وا اليها...;ژرسز÷ ((827)) .
كان ذلك ديدن الرسولغ في جميع حروبه، يحدد قواعد
التعامل الدولي في اوقات الحرب، التي هي عادة من اصعب
الاوقات،وفيهاتوضع المبادئ على المحك.
وفي نظرة مقارنة، نجد تعاليم ;ژرسز÷العهد القديم;ژرسز÷ المحرفة، وهي
الدليل الشرعي للسلوك الاسرائيلي اللاانساني، تقول: ;ژرسز÷اهلكوا
جميع من فيالمدينة من رجل وامراة وطفل وشيخ، حتى البقر
والغنم والحمير بحد السيف، واحرقوا المدينة وجميع ما فيها
بالنار;ژرسز÷ ((828)).
اما الصليبيون، فقد دون التاريخ ما ارتكبوه من اعمال شنيعة،
فقد كتب المؤرخ الراهب (روبرت) يصف ما حدث حين
الاستيلاء علىالقدس: ;ژرسز÷وكان قومنا يجوبون الشوارع والميادين
وسطوح البيوت ليرووا غليلهم من التقتيل، وذلك كاللبوات
التي خطفت صغارها، وكانوايذبحون الاولاد والشبان والشيوخ
ويقطعونهم اربا اربا، وكانوا لا يستبقون انسانا، وكانوا يشنقون
اناسا كثيرين بحبل واحد بغية السرعة...وكان قومنا يقبضون
على كل شي يجدونه، فيبقرون بطون الموتى ليخرجوا منها
قطعا ذهبية، فياللشره وحب الذهب! وكانت الدماء
تسيلكالانهار في طرق المدينة المغطاة بالجثث.. ولم يكن
بين تلك الجماعة الكبرى واحد ليرضى بالنصرانية دينا، ثم
احضر ;ژرسز÷بوهيموند;ژرسز÷جميع الذين اعتقلهم في برج القصر، وامر
بضرب رقاب عجائزهم وشيوخهم، وضعافهم، وبسوق فتيانهم
وكهولهم الى انطاكية لكي يباعوافيها;ژرسز÷ .
مما تقدم يظهر البون الشاسع بين السلوك الاسلامي ((829))
السوي، وبين الممارسات اللاانسانية لساسة النصرانية
واليهودية. ما دفعالمؤرخين المنصفين، وفيهم غربيون امثال
(غوستاف لوبون) الفرنسي، الى القول: ;ژرسز÷ان التاريخ لم يعرف
فاتحا ارحم من العرب;ژرسز÷ ((830)).
ان هذه الشهادة من مفكر غربي تثبت، بما لا يدع مجالا للشك،
ان العلاقات الدولية في الاسلام قائمة على مبادئ الرحمة،
التي تتضمن آمن دون شك معاني: الصدق، والاحسان،
واحترام كرامة الانسان. ولا تنفصل علاقاته السياسية او
العسكرية بحال عن المبادئالانسانية والاخلاقية.
يقول الشيخ محمد مهدي شمس الدين: ;ژرسز÷اذا وصفنا نظام حكم
بانه (اسلامي) فلا بد من ان نشترط نتيجة ضرورية للوصف
السابق آتوافر العنصر الاخلاقي فيه، لان الاسلام ومكارم
الاخلاق لا يفترقان. فاذا خضع هذا النظام لمبادئ الدين
الاسلامي خضوعا شكليا،وخالفه في عدم توافر العنصر الاخلاقي
فيه كان خارجا عن الاسلام، فلا يمكن اعتباره اسلاميا;ژرسز÷
. ((831))
ولكون السياسة الاسلامية اخلاقية بالدرجة الاولى، فلم تعرف
نظام الاستعمار او نظام
الاحتلال العسكري او نظام الحماية العسكرية ولم تاخذ به.
والشريعة الاسلامية نفسها لم تالف اساليب الاستعمار
الحديث بالتدخلفي اقتصاديات الدول الاخرى عن طريق
الضغط، وفرض النفوذ، والتهديد، والوعيد بالاحتكام الى وسائل
الاكراه والقوة.
ثانيا: احترام العهود والمواثيق
العهد: هو ما يتفق رجلان او فريقان من الناس على التزامه
بينهما لمصلحتهما المشتركة، فان اكداه ووثقاه بما يقتضي
زيادة العناية بحفظه،والوفاء به، سمي ميثاقا، وان اكداه باليمين
بخصوصا سمي يمينا.
والمعاهدات وطبقا للقانون الدولي تعقد بين الدول
والمنظمات الدولية، اما في الاسلام فان عقد العهد قد يكون
من احد الافرادالعاديين الراشدين، كما في الامان. وقد يكون
من قائد الجيش المفوض ابرام الصلح مع العدو، او من حاكم
الدولة. اما الامان فهو عقد يفيدترك القتل والقتال مع
الحربيين ((832)) .
وقد مارس الرسولغ السياسية بمفاهيم مثالية قد لا يستوعبها
الناس في هذا العصر، مع انه عاش الواقع، ومارس ;ژرسز÷فن
الممكن;ژرسز÷، فتحالفمع المشركين، كما في حلفه مع خزاعة،
وتعاقد مع اليهود في خبر الصحيفة، فلم ينقض عهدا، ولم يغدر
بعدو ((833)) .
اما في ما يتعلق بالعلاقات الدولية، فيمكن عد كتاب الصلح
الذي كتبه الرسولغ مع يوحنا حاكم ايلة، مثالا على ذلك. اذ
تعهد لهم بانهموسفنهم وقوافلهم البحرية في امان اللّه ورسوله.
كما ان الذين يمرون من تلك المنطقة قادمين من الشام
واليمن والبحر، هم بدورهمسيكونون آمنين. ويجب ان يتعهد
اهل ايلة على ان يدفعوا الدية لاهالي المقتولين، وان لا يحرموا
الاخرين من دخول مياههم الاقليمية،ولا يغلقوا الطرق المائية
والبحرية بوجه الاخرين ((834)).
ولو راجعنا سيرة الرسول الاكرم(ص) وجدنا انه كان يفي
بوعوده ومعاهداته، ولا ينقضها طالما يلتزم الطرف الاخر بها،
على سبيل المثال:;ژرسز÷انالرسول الاكرم(ص) وعد المشركين
[في]ضوء معاهدة صلح الحديبية، بتسليمهم الاشخاص الذين
يفر ون من مكة الى المدينة. وبعدعقد المعاهدة دخل المدينة
شخص مسلم يدعى ابا بصير، كان قد هرب من مكة. واثر ذلك
بعث المشركون شخصا الى الرسولالاكرم(ص) طالبين منه ان
يسلمهم
ذلك الشخص.
فقالغ لابي بصير: نحن عاهدنا هؤلاء القوم بتسليم الهاربين
اليهم، وان ديننا لا يسمح بالغدر ونقض المعاهدات، اذهب
معهم وسيجد اللّهلك حلا. فقال ابو بصير: هل تسلمني الى
المشركين يا رسول اللّه لياخذوا ديني مني؟! فقال له الرسول: يا
ابا بصير، يجب ان نفي بوعدنا.اذهب معهم وكن على يقين بان
اللّه تعالى سينقذك ومعك سائر المستضعفين;ژرسز÷ ((835)) .
وفي هذا السياق، نجد للرسولغ احاديث تدعو الى الوفاء
بالعهود، منها: ;ژرسز÷من كان يؤمن باللّه واليوم الاخر فليف اذا وعد;ژرسز÷.
وقال ايضا:;ژرسز÷يجب على المؤمنين الوفاء بالمواعيد والصدق فيها;ژرسز÷
. ((836))
يقول العلامة الطباطبائي في الميزان: ;ژرسز÷وليس ذلك، الا لان
العهد والوفاء به مما لا غنى للانسان في حياته عنه ابدا، والفرد
والمجتمع فيذلك سيان، وانا لو تاملنا الحياة الاجتماعية التي
للانسان وجدنا جميع المزايا التي نستفيد منها، وجميع
الحقوق الحيوية الاجتماعية التينطمئن اليها، مبنية على
اساس العقد الاجتماعي العام، والعقود والعهود الفرعية التي
تترتب عليه، فلا نملك من انفسنا للمجتمعين شيئا،ولا نملك
منهم شيئا الا عن عقد عملي، وان لم نات بقول، فانما القول
لحاجة البيان، ولو صح للانسان ان ينقض ما عقده وعهد به
اختيارا،لتمكنه منه بقوة او سلطة او بطش او لعذر يعتذر به،
كان اول ما انتقض بنقضه هو العدل الاجتماعي، وهو الركن
الذي يلوذ به وياوي اليهالانسان من اسارة الاستخدام... واذا
قايست بين ما جرت عليه سنة الاسلام من احترام العهد، وما
جرت عليه سنن الامم المتمدنة وغيرالمتمدنة، ولا سيما ما
نسمعه ونشاهده كل يوم من معاملة الامم القوية مع الضعيفة
في معاهداتهم ومعاقداتهم، وحفظها لها ما درت لهماو
استوجبتها مصالح دولهم، ونقضها بما يسمى عذرا، وجدت
الفرق بين السنتين في رعاية الحق وخدمة الحقيقة;ژرسز÷ ((837)).
على هذا الصعيد، من حق الدولة الاسلامية عقد المعاهدات
المختلفة مع الدول الاخرى، سواء اكانت لاغراض ثقافية ام
اقتصادية امعسكرية، شريطة ان تراعى مصلحة الاسلام، وان لا
تتضمن هذه المعاهدات ما يتناقض واصول الدين، واركان
الاسلام، فتصبح باطلةعملا بالحديث المروي عن الرسولغ :
;ژرسز÷كل شرط ليس في كتاب اللّه فهو باطل;ژرسز÷.
هذا وقد قامت بين دولة الاسلام وبين غير المسلمين معاهدات
حسن جوار او موادعة، فقد عاهد الرسول بني مدلج ليؤمن
الطرق التييسلكها جيش المسلمين، لمحاربة اعدائه، كما
صالح يوحنا بن رؤبة، صاحب ايلة، على الجزية وكتب له كتابا،
وذلك ابان الاعداد لغزوةتبوك، ليؤمن الرسولغ حدود بلاد
المسلمين من الروم في المنطقة القريبة من بلاد الشام..
ويمكن للمسلمين ان يدفعوا الى عدوهممالامقابل الامان
والموادعة، وذلك عند الضرورة القصوى، وقد كادت مثل هذه
الحالة تتم في عهد الرسولغ بعد معركة الخندق، حيثوجد
النبيغ انه يمكن رافة بالمسلمين في المدينة، وحماية لهم من
اذى المشركين، ان يدفع لاعدائه ثلث نتاج يثرب من التمر، غير
انالرسول عدل عن هذا الموقف حين انس من الانصار القوة
والرغبة في الدفاع عن مدينتهم ((838)).
وقد اجاز الاسلام نقض المعاهدات في عدة حالات، منها:
1 اذا ظاهر المعاهد عدوا للمسلمين وناصره عليهم.
2 اذا خاف المسلمون من المعاهدين خيانة للمعاهدة.
اما في حالة نقض المعاهدة فيجب الرد على المشركين بقوة
وقسوة، كما نصت عليه الايتان: 56 و57 من سورة الانفال. وفي
الاية منسورة التوبة اشارة ضمنية الى امكانية اقامة العلاقات
الدولية مع الدول غير الاسلامية.
وبمقتضى الاية الاخيرة يجب الوفاء بالعهود حتى نهاية المدة
المحددة في متن العقد، فاذا انتهت جاز عدم تجديدها او
انهائها. يقولتعالى: [الا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم
ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم اءحدا فاءتموا اليهم عهدهم
الى مدتهم].((839))
ولم تكن المعاهدات في الاسلام حبرا على ورق، ولا وسيلة
لخداع العدو عند الاحساس بالضعف، ليتم نقضها عند الشعور
بالقوة، كما هوالشان عند الدول غير الاسلامية المعاصرة، او
تلك الدول التي يحسب حكامها على المسلمين انفاسهم،
كالطاغية صدام الرئيس العراقيالسابق المنبوذ الذي ابرم
معاهدة عام 1975م مع شاه ايران، ثم عاد ونقضها ومزق ما وقعه
بالامس امام شاشات التلفاز! ثم عاد واعترفبها من جديد بعد
حرب ضروس استمرت ثمانية اعوام، وحصدت الاخضر
واليابس، وجعلت من اقتصاد البلدين الجارين قاعاصفصفاوهنا
كان من الضروري الاشارة الى ان الاسلام قد سبق الى مبدا
مثالي في التعاملص
الخارجي، وهو ;ژرسز÷مبدا النبذ;ژرسز÷، تحرزا من الغدر في حالة نقض
الصلح او العهد مع الاعداء.
والنبذ: معناه الاعلام بنقض العهد. وهو مبدا قرآني اشارت اليه
الاية: [واما تخافن من قوم خيانة فانبذ اليهم على
سواء].((840))
والمعنى، اذا كان بينك يا محمد وبين قوم عهد، وعلمت يقينا
انهم خائنون بظهور امارات قاطعة على انهم يضمرون الغدر،
ويتخذون منالعهد ستارا يدبرون من ورائه المكر السيئ، اذا
كان كذلك فالق اليهم عهدهم، واعلمهم انك قد نقضته،
بحيث تكون انت وهم في العلمبالنقض سواء، ولا تبداهم بقتال
قبل ان تعلمهم بذلك، كي لا تنسب الى الغدر والخيانة
. ((841))
وفي نهاية هذه الفقرة يمكن القول: ان الاسلام، من خلال
السيرة النبوية الشريفة، يحترم المعاهدات والالتزامات
الخارجية، ولا يبغي منورائها سيطرة ولا تملكا ولا استعمارا،
ولا يتخذ منها وسيلة لاذلال الشعوب والدول واخضاعها، بل
يحرم كل معاهدة تهدف الى شي منهذا الطغيان، انه ينسف
من الاساس مبدا ميكيافيللي: ;ژرسز÷الغاية تبرر الوسيلة;ژرسز÷.
ثالثا: عدم الاعتداء
ان الاسلام دين مبدئي يحرم الاعتداء على الاخرين، سواء على
المستوى الفردي ام الجمعي. ومن يدرس اسباب غزوات
الرسولغ، يجدانها كانت لرد اعتداء خارجي او داخلي او لاحباط
نية اعتداء. وما ان يجد الرسول الاكرم(ص) من عدو ميلا
للسلام الا بادر الى تشجيع هذاالميل، وسعى حثيثا الى
الارتباط مع العدو بصلح او هدنة او معاهدة وما الى ذلك.
يقول محمود شيت خطاب: ;ژرسز÷ان دراسة اسباب غزوات الرسولغ
بروح محايدة بعيدة عن الهوى، تثبت ان المسلمين لم يعتدوا
على احد،لان اللّه لا يحب المعتدين;ژرسز÷ ((842)).
وعليه، فمن الطبيعي ان يذم الاسلام الحروب العدوانية، اما
حروبه فكانت دفاعية، اما لرد اعتداء فعلي او لردع اعتداء
مستقبلي. فلوتقصينا اسباب التوتر في العلاقات الدولية
الاسلامية مع الدولتين الرومية والفارسية، لوجدنا ان هاتين
الدولتين قد رفضتا الاعترافبالدولة الاسلامية الفتية، ولم
تستجيبا لدعوات
الرسولغ السلمية التي بعثها الى زعيمي الدولتين.
ومما يثير الاستغراب ان كسرى، كان يعد الرسولغ احد رعايا
دولته: ;ژرسز÷قيل: بعد ان مزق كسرى الكتاب قبل ان يعلم ما فيه،
قال: يكتب الىبهذا وهو عبدي;ژرسز÷ ((843)).
ثم ارسل عامله على اليمن لياتيه براس الرسولغ، وقد رد اللّه
تعالى كيده الى نحره، بعد ان لقي كسرى حتفه على يد ابنه،
مع ذلك استمرالفرس في الاغارة على القبائل العربية المجاورة
لهم بعد ان اعلنت اسلامها، وانضوت تحت سيادة الدولة
الاسلامية.
اما الروم، فلم يشا النبيغ محاربتهم ابتداء، ولكنهم احتكموا الى
السيف، وتعاونوا مع نصارى الشام بغية التصدي لايقاف المد
الاسلاميالجارف، الذي اخذ يكتسح حدودهم الجنوبية، فاخذوا
يقتلون كل من اسلم من القبائل العربية الخاضعة لسيادتهم،
ومن ضمن القتلى احدامراء الغساسنة (فروة بن عمرو
الجذامي)، الامر الذي اشعل فتيل الحرب في تبوك، التي
تفادى الروم هزيمتها بانسحابهم (التكتيكي) الىداخل
حدودهم. كما قتلوا من قبل سفير الرسولغ وهو (الحارث بن
عمير الازدي) الى عظيم بصرى. وكان هذا العمل
الشنيعسببالاشتباك قوات الدولتين الاول في مؤتة.
من ذلك كله نخرج بنتيجة يقينية هي ان حروب النبيغ ضد
هاتين الدولتين كانت من اجل رد الاعتداء، واحباط النوايا
العدائية.
من جهة اخرى، نلاحظ ان رسول اللّهغ يحرم الاعتداء على
الابرياء من رعايا الدول غير الاسلامية. انه يمنع قتل النساء
والصبيان والرهبانوالشيوخ والعميان والزمنى ونحوهم، الا ان
يكونوا انفسهم مقاتلين، لان القتال هو لمن يقاتل المسلمين،
ويصدهم عن اظهار دين اللّه،فمن لم يمنع المسلمين من اقامة
دين اللّه لم تكن مضرة كفره الا على نفسه.
فلم يكن القصد من الحروب الاسلامية اجبار الناس على
الدخول في الاسلام، كما يزعم بعض المستشرقين، ولا العامل
الاقتصادي بسببالجفاف او الجوع في الجزيرة العربية، كما
ظن البيزنطيون والساسانيون الاولون، وانما كان الهدف
الاسمى هو اعلاء كلمة لا اله الا اللّه،التي تستبطن التحرر من
كل العبوديات الارضية. ومن الشواهد التاريخية على ذلك: قال
ربعي بن عامر مبعوث المسلمين الى الفرسلرستم قائد الفرس
قبيل موقعة القادسية: انا لم ناتكم لطلب الدنيا، وواللّه
لاسلامكم احب الينا من غنائمكم.
وقال عبادة بن الصامت للمقوقس: ان رغبتنا وهمتنا في اللّه
واتباع رضوانه، وليس غزونا لعدونا ممن حارب اللّه لرغبة في
دنيا، ولا طلباللاستكثار منها، لان غاية احدنا من الدنيا اكلة
ياكلها، يسد بها جوعه لليله ونهاره، وشملة يتلحفها، لان نعيم
الدنيا ليس بنعيم، ورخاؤهاليس برخاء، انما النعيم والرخاء في
الاخرة ((844)).
وعليه، فالقصد هو دفع العدوان، والتمكن من نشر الاسلام
لتحرير الانسان. وبكلمة جامعة، فالمسلمون لا يعتدون، ولكن
لا يقفونمكتوفي الايدي امام العدوان، وهو حق طبيعي يقره
العرف والقانون الدولي.
رابعا: العالمية
ليس خافيا على احد ان الرسالة الاسلامية هي رسالة عالمية،
لم تقتصر على امم معينة [تبارك الذي نزل الفرقان على عبده
ليكونللعالمين نذيرا[((845)) ].وما اءرسلناك الا كافة للناس
بشيرا ونذير((846)) ا].
ومن هنا يتجه الاسلام الى جميع الشعوب والاقوام على صعيده
العقدي والتشريعي، من دون الحاجة الى الغاء انتماءاتهم
القومية اوالعرقية، فهو يحل مشكلة القوميات بالجمع بينها
على صعيد انساني، والربط بينها في تصور واحد للوجود،
ومفاهيم مشتركة في الحياة،وبذلك ينسق بينها، ويوجهها نحو
التعارف والتعاون الانساني، وهذا ما تشير اليه بوضوح الاية
الكريمة: [يا اءيها الناس انا خلقناكم منذكروانثى وجعلناكم
شعوبا وقبائل لتعارفوا ((847)) . ]والعلاقة بين الشعوب
والاقوام علاقة مساواة انسانية لا علاقة استعلاء وسيادة، وهدف
كل قومية ليس اعلاء نفسها على غيرها في صراع بين
القوميات، بل هو هدف انساني مشترك بينها.
ولما كان الاسلام اشمل دائرة من الاديان الاخرى، كالمسيحية
التي لا تتعدى دائرتها النصائح، تطلب الامر ان تكون نظراته
السياسية ابعدنطاقا، لذلك سعى الاسلام لتشكيل حكومة
عالمية، رسالتها اصلاح العالم. يقول الاستاذ عبد القادر عودة:
;ژرسز÷الاصل في الشريعة الاسلاميةانها شريعة عالمية لا مكانية،
ولكن لما كان الناس جميعا لا يؤمنون بها، ولا يمكن فرضها
عليهم فرضا، فقد قضت ظروف الامكان، ان لاتطبق الشريعة الا
على البلاد التي يدخلها سلطان المسلمين من دون غيرها من
البلاد.. ولهذا نستطيع ان نقول: ان الشريعة
الاسلامية في اساسها شريعة عالمية، اذا نظرنا اليها من الوجهة
العلمية، ولكنها في تطبيقها شريعة اقليمية، اذا نظرنا اليها من
الوجهةالعملية;ژرسز÷ ((848)).
من هذا المنطلق نقرر ان الاسلام يسعى في علاقاته الدولية
الى تشكيل دولة عالمية، وهو مطلب حضاري اخذت اصوات
بعضالسياسيين والفلاسفة المعاصرين ترتفع للدعوة اليه،
منهم الفيلسوف الانكليزي ;ژرسز÷برتراند راسل;ژرسز÷ الذي دعا في كتابه
;ژرسز÷الامال الجديدة;ژرسز÷ الىالسلام الدائم من خلال اقامة الحكومة
الواحدة في العالم.
وهذا هو اصل المعتقد عند الشيعة، التي تنتظر الامام المنتظر،
ولقد طرح الشيعة هذا الامر في زمن لم تكن قد وجدت فيه
الولاياتالمتحدة الامريكية، ولا الامم المتحدة، وفي زمن لم
تخطر فيه ببال احد امكانية الوصول الى الحكومة العالمية
الواحدة.
ان الاهداف الرئيسة للاسلام على المستوى العالمي، تتلخص
في:
1 ابلاغ العالم بالتوحيد على اساس الوحي ونبوة الرسولغ.
2 الايمان بكرامة الانسان، وخلافته التي اودعها اللّه فيه
لاعمار الارض.
3 محاربة الافكار العنصرية والقومية وممارساتها بين شعوب
الارض.
4 جعل الناس امة واحدة في الغاية اذا تحققت اهداف الاسلام.
5 محاربة الظلم والجور واقرار نظام العدل والقسط على
اسس الاخوة.
6 السعي الى اقامة حكومة عالمية تتاسس على تعاليم الشريعة
وقوانينها ((849)) .
ونتيجة للمهمات العالمية التي تضطلع بها الرسالة الاسلامية،
كان سلوك الرسول السياسي، يتصف بالعالمية. وفي هذا الصدد
كان رسولاللّهغ يؤكد: ;ژرسز÷لا يبقى على ظهر الارض بيت مدر ولا
وبر الا ادخل اللّه عليهم كلمة الاسلام;ژرسز÷ ((850)) .
وفي هذا السياق تقع على المسلمين مسؤولية العمل على خلق
مجتمع عالمي، ينسجم مع توجهات الاسلام، يقول المرحوم
محمداقبال: ;ژرسز÷ان المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار، ويساير
الركب البشري حيث اتجه وسار، بل خلق ليوجه العالم
والمجتمع والمدنية، ويفرضعلى البشرية اتجاهه، ويملي عليها
ارادته، لانه صاحب الرسالة، ولانه المسؤول عن هذا العالم
وسيره واتجاهه;ژرسز÷ ((851)).
خامسا: قواعد العدل والاحسان
الاصل الاولي في السياسة الاسلامية مبني على الاحسان، كما
انه مبني على العدل. الاحسان الى كل احد الا من سعى في
الارض ليهلكالحرث والنسل، فان لسيئته جزاء مثلها:
شلا ينهاكم اللّه عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم
من دياركم اءن تبروهم وتقسطوا اليهم]((852)) .
حيث نهي النبى عن التولي، والارتباط بمن قاتل المسلمين
وآذاهم، اما من لم يقاتلهم ولم يؤذهم، ولم يصدهم عن سبيل
اللّه، ولم يبغهاعوجا، فلا نهي عن البر والاحسان والاقساط اليه،
بل هو امر محمود، ليروا عدل الاسلام واحسانه، ويعيشوا في
ضوء قسطه وبره.
والقرآن الكريم قد ربط بين الرسالات الالهية واقامة العدالة
الاجتماعية في قوله تعالى:[لقد اءرسلنا رسلنا بالبينات واءنزلنا
معهم الكتابوالميزان ليقوم الناس بالقسط].((853))
وهناك احاديث عديدة تروى عن رسول اللّهغ في هذا السياق،
منها:
;ژرسز÷اول من يدخل النار امير متسلط لم يعدل;ژرسز÷ ((854)) .
;ژرسز÷وعن ابي هريرة، وعبداللّه بن عباس قال: خطبنا رسول اللّهغ
قبل وفاته، وهي آخر خطبة خطبها بالمدينة، حتى لحق باللّه
عز وجل...فقام اميرالمؤمنين على بن ابي طالب(ع) فقال: بابي
انت وامي يا رسول اللّه ما منزلة امير جائر معتد لم يصلح
لرعيته، ولم يقم فيهم بامراللّه تعالى؟ قال: هو رابع اربعة من
اشد الناس عذابا يوم القيامة: ابليس، وفرعون، وقاتل النفس،
ورابعهم الامير الجائر;ژرسز÷ ((855)).
ولم يحدثنا التاريخ او كتب السيرة بان النبيغ قد تجاوز حدود
العدالة قيد انملة، بل تعدى افق العدالة والانصاف الى رحاب
الاحسانوالتفضل على اعدائه. وخير شاهد على ذلك: احسانه
للقرشيين عندما فتح مكة.
;ژرسز÷ان قواعد العدل والمقابلة بالمثل، تقتضي بان يقتص منهم،
لكونهم قتلوا بعض المسلمين، وفتنوا بعضا آخر عن دينهم،
واذاقوهماشدالعذاب، وصادروا اموال المؤمنين، والمهاجرين
الى المدينة، وهم وا بقتل الرسولغ، وجمعوا الجموع لحرب
المسلمين في مواقعكثيرة، ولكن النبيغ مع ذلك كله عفا
عنهم واحسن اليهم، عندما قال لهم:
يا معشر قريش، ما ترون اني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا! اخ كريم
وابن اخ كريم. قال: فاني اقول كما قال يوسف لاخوته: لا تثريب
عليكم اليوم،اذهبوا فانتم الطلقاء;ژرسز÷ ((856)).
مما تقدم، نستكشف ان العدالة هي اصل اولي في التعامل
السياسي الاسلامي، وفي العلاقات بين الافراد والتجمعات، ولها
اولوية فيالتعامل الدولي.
سادسا: المساواة
ان المساواة التي اعلنها الاسلام تشتمل على جميع عوامل
النهوض والارتقاء، وتحتوي على جميع وسائل التعاون والتزر
والتلف،والانسانية في حاجة لها اكثر من حاجتها الى غيرها من
مقومات الحياة، لانها توطد دعائم السلم في الارض، وتقضي
على اسباب الاعتداءوالخصومات، فان الحروب بين الدول،
والعداوات الناشئة بين الافراد والجماعات انما تنشا على الاكثر،
وتتولد في الغالب من الفروقالبارزة بينها، ومن تعالي بعضها
على بعضها الاخر، ومن تظاهر آخرين بالجاه والاعتبار. وللقضاء
على هذه الفوارق نادى الاسلامبالمساواة، ودعا الى الصفاء
والوئام، حتى لا يبقى في النفوس اثر للحزازات ((857)).
ففي هذا الصدد، قال الرسول الاكرم(ص): ;ژرسز÷الناس سواء كاسنان
المشط;ژرسز÷ ((858)) .
وفي هذا التشبيه الفذ يلمح النبيغ الى معنى سام شريف، فكما
ان المشط يفقد فائدته اذا لم تستو اسنانه جميعا، فكذلك
المجتمع لايؤتي فائدته الاجتماعية وهي التكامل اذا لم يستو
افراده جميعا في الحقوق والواجبات ((859)).
ولقد اسلفنا القول: ان الدولة الاسلامية ذات منظار عالمي،
تنظر للناس كاعضاء في اسرة واحدة كبيرة، وتحاول ان
تصهرهم في بوتقةالعقيدة، بغض النظر عن انتماءاتهم الوطنية
او القومية. وليس ادل على ذلك من ارسال الرسولغ رسائله
الى زعماء العالم من دون تفريقبين الرومي والفارسي
والقبطي والحبشي او غيرهم، وكانت اكثر كتبه تحمل عبارة:
;ژرسز÷سلام على من اتبع الهدى;ژرسز÷، بغض النظر عن كونالمخاطب
عربيا او اعجميا.
ولا يخفى ان المساواة في الخطاب تكشف عن رغبته في اقامة
علائق الاخوة مع جميع المخاطبين.
ثم ;ژرسز÷ان الغاء التمايز العنصري الذي رفع شعاره الاسلام، يحقق
التعايش السلمي بين جميع الشعوب، ويحطم الفوارق
والامتيازات التي لاتزال موجودة باجلى مظاهرها;ژرسز÷ ((860)) .
يقول الاستاذ حبيب: ;ژرسز÷ان الاسلام هو الدين الوحيد الذي ما زال
في قدرته ان ينجح
نجاحا باهرا في تاليف العناصر والاجناس البشرية المتنافرة في
جبهة واحدة اساسها المساواة، واذا وضعت منازعات الشرق
والغربموضع الدرس، فلا بد من الالتجاء الى الاسلام;ژرسز÷ ((861))
.
ويقول جواهر لال نهرو: ;ژرسز÷ان نظرية الاخوة الاسلامية، والمساواة
التي كان المسلمون يؤمنون بها، ويعيشون فيها، اثرت في
اذهانالهندوس تاثيرا عميقا، وكان اكثر خضوعا لهذا التاثير
البؤساء، الذين حرم عليهم المجتمع الهندي المساواة والتمتع
بالحقوق الانسانية;ژرسز÷((862)).
سابعا: المقابلة بالمثل
ان مبدا المقابلة او المعاملة بالمثل هو اساس فكرة التبادل
الدبلوماسي. فالدول عادة تحدد طبيعة علاقاتها بالدول
الاخرى حسبمعاملة تلك الدول لها سلما او حربا. وهذا المبدا
معترف به في العلاقات الدولية، وفي القرآن الكريم اشارة
صريحة اليه في قوله تعالى:[الشهر الحرام بالشهر الحرام
والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما
اعتدى عليكم]((863)) .
لقد خاف المسلمون ان يبداهم المشركون بالقتال في الشهر
الحرام، فاذن اللّه لهم بقتال المشركين، وبين ان المحظور هو
الاعتداء بالقتالمن دون المدافعة اي الدفاع ،وعليه يكون
معنى: الشهر الحرام بالشهر الحرام، ان من استحل دمكم ايها
المسلمون في هذا الشهر،فاستحلوا انتم دمه فيه، ;ژرسز÷والحرمات
قصاص;ژرسز÷((864))، اي ان من ينتهك حرمات اللّه يقتص منه،
ويعامل بمثل فعله، وهذا اصل عام يقطعكل عذر يتذرع به من
ينتهك الحرمات.. فشرط العقوبة ان تكون مماثلة لجناية
المعتدي من دون زيادة او نقصان، وهذا هو القصاص
فيحقيقته .
ولو نرجع الى السيرة، نجد ان اول صدام مع قريش كان في
جمادى الاخرة قبل غزوة بدر بشهرين، وقيل: في رجب عندما
تعرضالمسلمون لقوافل قريش التجارية القادمة من الشام
بقيادة ابي سفيان،وقد قام بعملية التعرض هذه سرية عبداللّه
بن جحش. وهذا العمل،وان كان في الظاهر تعرضيا، فهو في
الحقيقة كان من قبيل القصاص والمقابلة بالمثل، لانه جاء بعد
سلسلة طويلة من الاعتداءات القرشية،والحصار الاقتصادي،
والمعروف ان الحصار
الاقتصادي يعد من الوسائل التي يلجا اليها المتحاربون ضد
خصومهم.
|