الشعائر الحسينية بين النمذجة والاصلاح

الشعائر الدينية والمظاهر الايمانية اقوى رسوخا في حياة الانسان‏حتى من الاعتقادات الدينية نفسها، ومن ثم فان اجراء تعديلات،او اصلاحات فيها، يبدو اصعب من اجراء اصلاحات في مجالات‏دينية اخرى.

ولعل بعض اسباب ذلك يعود الى دخول الشعائر والمظاهرالدينية في مكونات الشخصية الانسانية، كونها المظهر الحسي‏للدين الذي يتعامل الانسان معه تعاملا مباشرا.

-والشعائر الحسينية، في المذهب الامامي، لها خصوصياتهاووضعها في نفوس المؤمنين، وقد تحولت عبر الزمن الى مضخة‏تضخ ;ژرس‏ز÷الحراك;ژرس‏ز÷ الذي ساعد ويساعد على خلق روح ثورية دفاعية‏في النفوس، تقف مانعا دون نفوذ كل جسم غريب او تسلط كل‏جائر، ولسنا نبعد عن مظاهر اسهمت مقولات الثورة الحسينية في‏خلقها كالثورة الاسلامية في ايران والمقاومة الاسلامية في لبنان‏و...

ان الحفاظ على هذه الروح الابية التي تضخ بها مقولات الثورة‏الحسينية في عصر ما زال قانون المواجهة حاكما فيه، تشهد بذلك‏السياسات الاسرائيلية والامريكية، لهو فريضة من فرائض الدين،لاستثارة الهمم للدفاع عن الذات والاهل والوطن والدين‏والانسان، ولا يصح - باى حال من الاحوال - ان نقتل هذه‏الروح التي حققت لنا نتائج باهرة عبر الزمن، بل وفي العصرالقريب ايضا.

2 - لكن ذلك لا يمنع من ان تتنوع المواقف، احيانا، حسب طبيعة‏الظروف، فتغدو حسنية بعد ان كانت حسينية، او تتحول الى‏حسينية بعد ان كانت حسنية، والقصد من ذلك ان لا يتحول‏المذهب الامامي الى مذهب زيدي لا يرى شرعية الا للخروج‏بالسيف، ولا يرى اماما الا فاطميا نهض بسيفه لمواجهة الظلم.

ربما لا يكون الامر كذلك في العقيدة او الفكر، لكنه قد يغدوكذلك في العقل الجمعي والذهن الجماعي، فتنعدم في ذاكرة‏الجماعة تنوعات الاداء، ويغدو اداء واحد حصرا يمثل شريعة‏اللّه ورسوله، بل يتفاقم الامر الى حد اتهام الناس بتهم قاسية‏والتجريح بهم، وهم اصحاب رؤى مختلفة.

ليس من الضروري تفسير انطلاق كل من يقدم او يكون‏حسينياعلى انه حماس شبابي او تهور غير عقلاني، ولا واقعي،كما انه ليس من السليم تفسير رؤية كل من يتخذ موقفا حسنياعلى‏انه عميل او متخاذل او جبان او...، بل يفترض ان تدرس الاموربنمط عقلاني وعلمي وهادئ، بعيدا عن الاتهامات المتبادلة‏للوصول الى اكبر قدر ممكن من التفاهم والتفهم.

3 - وقد سعى فريق من كبار العلماء المصلحين، كان من اولهم‏السيد محسن الامين، ومن آخرهم السيد علي الخامنئي، وبينهم‏الكثير من العلماء كالشهيد المطهري والعلامة فضل اللّه و...، سعواالى اصلاح الشعائر الحسينية، وقد شكلت رسالة ;ژرس‏ز÷التنزيه;ژرس‏ز÷ للسيدالامين عام 1346ه‏-، منعطفا في التاريخ الحديث للطائفة‏الشيعية، رغم ما لاقاه صاحبها من حملات طالت المرجع الديني‏السيد ابا الحسن الاصفهاني آنذاك لدفاعه عن آراء الامين‏الاصلاحية.

ولعله من المؤسف - وربما من المتوقع - ان تتضاعف مظاهرعاشوراء التي تعرضت لنقد المصلحين، باعتبار ذلك ردة الفعل‏الانتقامية على حركات الاصلاح، وهذا ما شاهدناه لدى بعضهم‏بعد الدعوة التي اطلقها المرشد الخامنئي عام 1994م.

في خطابه‏التاريخي في مدينة ياسوج الايرانية.

4 - وقد شعر التيار الرافض لحركة اصلاح الشعائر ان المذهب‏الامامي والعقائد الشيعية تتعرض لغزو وابادة، فراى ان تتوقف‏حركة النقد الداخلي في هذه المرحلة على الاقل، ورجح سياسة‏الدفاع على سياسة الاصلاح، من دون ان يدرك بجدية - على مايبدو - المخاطر القادمة نتيجة هذه السياسة التي تراكم المشاكل‏الداخلية حتى تتعاظم تحت شعار مواجهة الخر الخارجي، وربمازاد فريق ليحاول اقناع نفسه بشرعية ما يقوم به مما كانت دعوات‏الى اصلاحه، فيتمسك به بدليل هنا او بشاهد هناك، لسنا في‏معرض بحثه او مناقشته فعلا.

وقد تعزز، لدى فريق من الفرقاء، الاقتناع بان تصفية الحساب مع‏بعض المظاهر او الوقائع غير الثابتة دينيا، ربما يواصل سيره‏لتتعرض الامور الثابتة بعد ذلك لهزة او ارتجاج، فقرر ابقاءالمعركة في دائرة الموضوعات البسيطة، بل وتضخيمها، في مايشبه خطادفاعيا وهميا، يصون الثوابت من ان تغدو عرضة‏لهجمات.

5 - وتتنوع جهات الاصلاح اللازمة في الشعائر الحسينية‏وامثالها، ويقف على راسها ضرورة تصفية نصوص السيرة‏الحسينية التاريخية من الاكاذيب والاساطير التي اختلقت عبرالزمن، ولم يكن لها من وجود في مصادر الحديث ولا التاريخ ولاالتراث، وانما صنعتها العقلية الشعبية او ما هو بحكمها، ان هذه‏الضرورة ضرورة علمية ومعرفية، كما انها ضرورة توعوية وتربوية‏في الوقت عينه.

ولا يعني ذلك ابدا تنحية كل نص تاريخي لا تستسيغه عقولناالعادية او تجده خلاف المالوف، وانما تنحية ما تقوم الشواهدالتاريخية او العقلية او الشرعية او... على نفيه، وفق منهج ينبغي‏تحديده على اسس علمية وضوابط منطقية، تخضع لنظريات‏مدروسة ومبرهن عليها في قراءة التاريخ، لا لايديولوجيات‏مسقطة تهدف التزييف او..

ولا ينبغي تنحية الاكاذيب والمعلوم عدم صدوره ولا وقوعه ولوبالعلم العادي الاطمئناني فقط، بل من الضروري تشييد السيرة‏الحسينية وفق اسس النقد التاريخي والحديثي ايضا، فالذي لم‏يثبت - ولو لم يكن عدمه ثابتا - ينبغي تخفيف حضوره على‏الاقل، كما ان الذي يقع مرجوحا من الناحية التاريخية ينبغي‏تقديم الطرف الراجح المقابل له عليه، وبعبارة جامعة:

ينبغي‏التعامل مع وقائع الثورة الحسينية والنصوص التاريخية الواصلة‏الينا عنها، تبعالدرجة صحتها، فالمؤكد صحته ينبغي الترويج له‏والاصرار عليه واشاعته، واما غيره فينبغي ان يكون حضوره تبعالقيمته العلمية والتاريخية، ولا ينظر فقط الى رغبة الراي العام‏الذي نطالب نحن - من ننعت انفسنا بالعلماء - ان نوجهه‏ونصوبه لا ان يكون هو المسير دائما لحركتنا وادائنا.

ان الشعوب في حال انتاج دائم للمعتقدات الشعبية الممزوجة‏بالخرافة، كما تؤكد ذلك ايضا تواريخ الاديان كافة، وعلماء الدين‏ومفكرو المسلمين والمصلحون الاجتماعيون يمثلون بالدرجة‏الاولى مصفاة تنقي هذه المنتجات الملوثة بالخرافة او الوهم،فاذا تعطلت هذه المصفاة تلوث المناخ كله، وصار من العسيرديمومة الحياة في ظله.

6 - ومن عناصر الاصلاح الضرورية الاخرى، اصلاح المظاهرالعامة، واعادة النظر فيها وفق الموازين الشرعية والعقلية‏والانسانية، ثمة مظاهر يجب نقدها لتقديم صورة اكثرجمالية‏وتاثيرا في القلوب عن الثورة الحسينية، فمظاهر مثل‏التطبير (ضرب القامات)، ووضع الاقفال على الابدان، وضرب‏السلاسل، واللطم العنيف المدمي، وشبه التعري الموجود احيانا،والمشي على النيران، والزحف والمشي مشية الكلاب على ابواب‏المراقد المطهرة للمعصومين(، ونعت الذات بانها كلب الائمة(او التسمي باسماء تحمل هذا المضمون او..، وغير ذلك من‏المظاهر، لم يقم عليها - من وجهة نظرنا - دليل شرعي، بل باتت‏اليوم سلاحا بيد الخر لتشويه المذهب الامامي في ارجاءالمعمورة.0 ولا نريد بذلك التنازل عن عقائدنا وشعائرنا لاجل الخر، اوخوفا من تشويهه وتشهيره، فهذا ما لا يرضاه اللّه لنا، وانما نقصدملاحظة قانون التزاحم بين المصالح والمفاسد، سيما وان هذه‏المظاهر على اقصى تقدير مستحبة بعنوانها الاولي لا واجبة، فلاينبغي التورط في الحرام لاجل تحقيق مستحب.

7 - ولسنا نطالب بقمع هذه المظاهر بالقوة او مواجهتها بالعنف‏والقسوة، فهذا ما لا نجد عظيم جدوى من ورائه، انما المطلوب‏نشر الوعي، ورفع مستواه بين العامة من الناس، بل بين بعض‏رجال الدين ايضا، بطريق مباشر او غير مباشر، لا باثارة العامة اوتهييجهم.

ان المعتقدات والمشاعر الدينية ربما يضيق نطاقها على صعيدالكم من حيث عدد المقتنعين بها عندما نمارس ضغطا وقسوة،لكن العدد القليل المتبقي ترسخ عنده المفاهيم المحمولة، وتزدادرسوخا وتعمقا، ليتحول تيارا صلدا على قلة مناصريه.

ان الطرف الرافض لهذه الانشطة الاصلاحية يحق له ان يبدي‏رايه، ويمارس نشاطه بحرية، وان لا يقمع او يرهب اويستخف‏به، من دون ان يكون له قمع غيره او تفسيقه او تضليله اوتكفيره.. بسبب امور لا تسمى سوى الاختلاف في وجهات النظرليس الا.

8 - ومن ابرز مظاهر الاصلاح تطوير آليات عرض الثورة‏الحسينية، فليست مجالس العزاء المتداولة هي السبيل الوحيدلنشر ثقافة الثورة، بل قد استجدت طرق يمكن اضافتها الى ماكان، فادخال الثورة الحسينية الى دور السينما، والى التلفزيون‏والفضائيات والكمبيوتر، وللاطفال والشبان، قصة ورواية‏وحكاية وط، هذه جميعها وسائل جديدة يمكن توفيرها لخدمة‏الاهداف الحسينية الكبرى.

كما ان تنظيم المسيرات ومجالس العزاء، واتسامها بالترتيب‏والتنظيم والاناقة والتناسق والجمال و.. واخضاعها لتجويدوتحسين مستمرين، هذه جميعها عناصر مساعدة على رفع‏مستوى احياء الشعائر، لتكون منبرا اعلاميا للاسلام يعرض الفكروالمفهوم كما يبدي العاطفة والاحساس، بدل ان تستغل للتشويه‏والتزييف.

ان صور الاحياء واشكاله امر بشرى لا يخضع لنص الهي او حكم‏ديني، وانما يتبع الاوضاع الاجتماعية والثقافية في المجتمعات‏المختلفة، شريطة ان يبقى محافظا على القواعد والاخلاقيات‏والاسس الدينية العامة، وهذا ما يسمح لاشكال احياء الشعائربفرص كبيرة من التطوير والتجويد، تبعا لحاجات العصروضرورات المرحلة، من دون ان يكون هذا التطوير - بالضرورة‏- خوفا من طرف او حياء من آخر، وانما رغبة عقلانية صادقة في‏رفد نظم مشاركاتنا الشعبية بالمزيد من التناسق المنسجم مع‏التطورات التي تلف المجتمع برمته.

حيدر حب اللّه المدرسة التاويلية الايرانية المعاصرة رصد تقويمي للمشروع الهرمنيوطيقي لمحمد مجتهدشبستري د. احمد بهشتي(-) تمهيد تتطرق هذه المقالة، اولا، الى بحث اختلافات علماء التاويل،وتوضح بعد عرضها لعدة نظريات تاويلية مهمة، صعوبة الكلام‏على مستلزماتها وآثارها، اذا اخذت في الاعتبار العقائد والراءالمختلفة والمتفرقة. ثم تتطرق الى تحقيق رسالة تبحث في‏المقالات التاويلية والى نقدها، وتتكلم على لوازمها وآثارها من‏قبيل:

1 - النسبية لا الاطلاق.

2 - التطبيق والتاويل لا التفسير.

3 - تحميل النص توقعات المفسر ورغباته.

سيتوضح، من خلال هذه المقالة، ان ليس كل نص بحاجة الى‏التفسير، وما اذا كان هنالك من حاجة الى تفسير النصوص‏والظواهر ام لا.

بمساعدة النصوص والظواهر يتوضح المعنى المركزي، وبعد ذلك‏تفسر العبارات التي ليست نصا ولا ظاهرا بمساعدة الشواهدوالقرائن الخارجية. وبما ان التفسير عمل اجتهادي، هنالك‏احتمال ايضا ان تظهر الاختلافات، هذه الاختلافات حتى وان لم‏تكن كبيرة يمكن تجنبها، بتوخي الدقة الكاملة في استخدام‏ضوابط التفسير((1)).

وعلم التفسير هو فن الفهم، ولكن هل التفسير معناه التوصل الى‏فهم النصوص او انه يشمل دائرة اوسع؟ وهل هو متعلق بفهم‏النصوص فقط او انه يحتاج مع الفهم الى الفن؟ وهل المتون‏جميعها بحاجة الى التفسير؟ وحيث يتوجب التفسير مامفتاحه؟ يقول بعض الباحثين: ;ژرس‏ز÷ان علم التفسير هو ذلك العلم التقليدي‏الذي له علاقة بفن الفهم;ژرس‏ز÷((2))، ولذلك ترجموا الهرمنيوطيقابعلم التفسير او الاطلاع المعمق((3)).

ويرى بعض آخر ان لفظة التاويل تتضمن الاشارة الى ثلاث‏مراحل: ;ژرس‏ز÷العلامة;ژرس‏ز÷ ;ژرس‏ز÷الرسالة او النص المحتاج الى التفسير;ژرس‏ز÷و;ژرس‏ز÷المفسر;ژرس‏ز÷ والاقسام الثلاثة المذكورة، تتضمن المسائل العقلية‏التية((4)):

1 - ما هي ماهية نص ما؟ 2 - ماذا يعني فهم النص؟ 3 - كيف يمكن للفهم وللتفسير، من طريق الفرضيات المسبقة‏ومعتقدات المخاطبين، ان يقدم فهما معينا للنص؟ ان التامل‏الجدي للمسائل الثلاث المذكورة اعلاه، يبين ان ;ژرس‏ز÷التفسير;ژرس‏ز÷ يحتاج‏الى تفسير.

يرى ;ژرس‏ز÷غادامر;ژرس‏ز÷، في كتابه ;ژرس‏ز÷الحقيقة والاسلوب;ژرس‏ز÷، ان ;ژرس‏ز÷الادراك‏التفسيري يشمل مجالا واسعا، ارفع من الادراك الجمالي‏ط‏ويجب ان يعرف علم التفسير بحيث يتضمن ايضا الادراك‏الفني.

يجب ان يتصور الفهم بوصفه عنوانا جزئيا في مسار تحقق‏المعنى، الذي تتشكل فيه معاني القضايا المرتبطة بالفن وبسائرالعلوم النقلية وتتصل الى الكمال‏ط ان هذا العلم يتخط‏ى غايته‏العملية الاصلية التي هي تهيئة امكانية فهم المتون الادبية‏وتبسيطهاط وينطبق هذا الامر على جميع العلوم النقلية والفنون‏وكل الابداعات المعنوية الماضية، وعلم الحقوق والدين والفلسفة‏وامثالها، وفي الخلاصة كل ما هو غريب عن معناه الاصلي،ويحتاج الى مرشد يكشف اسراره، والى وسيط - اي ما نسميه‏تاسيا باليونانيين: هرمس ((ژحذزحب ، اي رب النوع، رسول اللهة،او جبرائيل;ژرس‏ز÷((5)).

علم التاويل هو المبين لقواعد التفسير، والتفسير هو وسيلة الفهم،ولكن هل يتوافق الجميع على هذه القواعد؟ يعتقد ;ژرس‏ز÷غادامر;ژرس‏ز÷ ان كلا من ;ژرس‏ز÷شلايرماخر;ژرس‏ز÷((6)) (1768 -1834) - الذي يعد مؤسس التاويل الجديد - وهيغل قد تورط‏في موضوع علم التفسير بنوع من النظرة الافراطية، على انهمااهتما بمنهج اعادة الصياغة والادغام، وعدا منشا علم التفسيرغريبا مقابل النقل((7)).

لقد اراد ;ژرس‏ز÷شلايرماخر;ژرس‏ز÷ تجديد الخصوصيات الاصيلة للاثر في‏الذهن. اي اعادة صياغة الحياة الاولية واحياء الابنية السابقة‏بشكلها الاولي، واعادة التصاوير والمجسمات الى مكانهاالاصلي، وهذا كله يعبر عن معنى واحد هو: ;ژرس‏ز÷ان الهدف من‏التفسير هو ان نحصل من جديد على نقطة الاتصال مع ذهن‏الفنان، ومن خلال نقطة الاتصال هذه، يمكن لاي اثر فنى ان‏يصبح قابلا للفهم بصورة كاملة;ژرس‏ز÷((8)).

يقول ;ژرس‏ز÷دلامر;ژرس‏ز÷ في نقده لنظرية ;ژرس‏ز÷شلايرماخر التاويلية:

;ژرس‏ز÷لا شك في ان اعادة صياغة الشروط التي تدل على خصوصيات‏الاثر المنقول الاصلية، تقدم المساعدة المناسبة لفهم ذلك‏الاثر، لكن، هل ما نحصله على هذا النحو هو في الواقع الشي‏نفسه الذي كنا نبحث عنه تحت عنوان معنى الاثر؟;ژرس‏ز÷((9)).

راي هيغل: يرى هيغل ;ژرس‏ز÷ان اعادة صياغة الماضي غير ممكنة، ولايمكن الحياة في الفضاء الاصلي لتلك الثار الفنية. ان الشجرة‏التي تقدم لنا جناها من الثمار، هي شي ارفع من ماهية الثمار،يسري في ظروف خاصة وفي عناصر الثمار والشجرة.

وهكذا فان‏الروح التقديرية التي تضعها هذه الثار الفنية تحت تصرفنا هي‏ايضاارفع من الحياة المعنوية والواقعية لاي امة;ژرس‏ز÷((10)).

يقول ;ژرس‏ز÷غادامر;ژرس‏ز÷ في كتاب ;ژرس‏ز÷الحقيقة والمنهج;ژرس‏ز÷:

;ژرس‏ز÷يرى هيغل ان هذه الفلسفة - التي تمتد جذورها على مدى‏التاريخ - يمكنها ان تطلع من عهدة التفسير. ان موقف هيغل هذاهو بالضبط الموقف المقابل لذلك الادراك التاريخي الذي يريد ان‏ينسى نفسه في الكل.

ان طريقة تصور الماضي في هذا السؤال، وهي نفسها مقيدة بقيودالتاريخ، تتبدل الى طريقة تفكر وتامل في التاريخ. وعلى هذاالنحو يعبر هيغل عن هذه الحقيقة المهمة، لان حركة التاريخ‏ليست في تصحيح الماضي، وانما في الوساطة الفكرية القائمة بين‏الماضي والحاضر;ژرس‏ز÷((11)).

راي غادامر: برى غادامر ان راي هيغل في فهم الحوادث‏التاريخية مهم، وافكار الرجال الكبار واعمالهم موافقة لمسيرة‏التاريخ ولتجلي حقيقة ذلك العصر وظهورها. فالعمل الذي ينجزه‏الفرد والقرارات التي يتخذها موافقة لميول الزمان الكلية، ومن‏الممكن، من خلال تفسير آراء الاشخاص وافكارهم وافعالهم،ادراك احوال التاريخ والعصر.

لقد قام غادامر، من اجل توضيح ماهية التاويل، بالتحقيق في‏شروط ادراك الفن، وفهم التجارب التاريخية، وبحسب رؤية‏الرومنطيقيين يجب علينا، لتفهم الاثر الفني، ان نشارك النوابغ في‏فهمهم متعة ابداعهم، لكن ليس بامكان اى كان ان يفعل ذلك،ويكون ادعاء مبالغا فيه، اذا فكرنا ان بامكاننا ان نشارك مفكرين‏كافلاطون وارسطو في افكارهم، حتى وان كان هذا ممكنا ايضا،ماذا ترانا نقول في شان الخرافات التي ليس لها مؤلف خاص؟ ان‏الكتب السماوية، ليست نابعة من تفكير البشر - حتى كتاب‏الاناجيل، لم يكتبوا رؤيتهم الشخصية - وان كان الامر على هذاالنحو جزئيا فان مشاركتهم في افكارهم غير ممكنة كذلك.

وعلى الرغم من ان ;ژرس‏ز÷ غادامر;ژرس‏ز÷ ليس من اتباع هيغل، فان رايه‏المتعلق بفهم الحوادث التاريخية يعد مهما. والمهم في نظره‏بالنسبة الى المفسر هو المشاركة اللغوية، لان الفهم هو فهم لغوى،واللغة في التاويل هي محور الفهم، ولكن التاويل ليس الالسنية،ان التفهم ولغة التفهم متزامنان، اذا التاويل ليس مختصا بالفلسفة،وليس تفكيرا متعلقا بعصر معين((12)).

اضافة الى ان غادامر لم يضع حاجزا بين العلوم الطبيعية والعلوم‏الانسانية، فقد سمى في حوزة علم الاجتماع الكانط‏ي ;ژرس‏ز÷الفيزياءالاجتماعية;ژرس‏ز÷، وقد اكد دوركايم، في احد فصول كتابه ;ژرس‏ز÷قواعد علم‏الاجتماع ومناهجه;ژرس‏ز÷، ان من الواجب استخدام المنهج نفسه‏المستخدم في العلوم الطبيعية;ژرس‏ز÷((13)).

1 - شلايرماخر: (1768 - 1834) لقد سمى ديلتاي شلايرماخر ;ژرس‏ز÷كانط التاويل;ژرس‏ز÷، فهو يريد من‏التاويل ان يحل المشاكل والتناقضات المتعلقة بالتفسير.

لقداءجريت قبل ;ژرس‏ز÷شلايرماخر;ژرس‏ز÷ ابحاث في الفرق بين ;ژرس‏ز÷التفسيرالقدسي;ژرس‏ز÷، و;ژرس‏ز÷التفسير الدنيوي;ژرس‏ز÷، وصنع كل واحد من حملة لواءتفسير العهدين لحناوعزفه.

لقد اراد شلايرماخر، من وضعه لاسس التاويل، ان يتبع‏المفسرون المعايير والملاكات والضوابط، ويبتعدوا عن‏الاختلافات، ويفسروا كلهم النص على نحو واحد.

واللافت انه لم يقترح في الوقت نفسه منهجا خاصا، على الرغم‏من ان بعض الباحثين قللوا من اهمية منهج القواعد الخاص‏و;ژرس‏ز÷قوانين الدلالة;ژرس‏ز÷ فقد اولى شلايرماخر هذه الناحية اهمية خاصة،وكما راينا فقد عد ;ژرس‏ز÷دلامر;ژرس‏ز÷ ايضا ;ژرس‏ز÷الاشتراك اللغوي;ژرس‏ز÷ مهما. لا يعني;ژرس‏ز÷الاشتراك اللغوي;ژرس‏ز÷ او ;ژرس‏ز÷المشاركة اللغوية;ژرس‏ز÷ ان المخاطب‏والمخاطب يفهم احدهما لغة الخر، ومن هذا المعبر يصلان الى‏الفهم المشترك؟ لقد اثبت ان الكتاب المقدس لا يحتاج الى اي منهج خاص،وانما يجب فقط ايجاد الابنية النحوية والشروط السيكولوجية‏اللازمة لفهم اي نص، لقد اعط‏ى للغة الاهمية القصوى، لان فهم‏المعاني التي تتضمنها آراء الاشخاص، يتيسر بوساطة اللغة.

لقد اخذ شلايرماخر، في اعتباره من اجل النظرية التاويلية،المحورين التيين:

1 - الفهم النحوي لانواع العبارات والصور اللغوية الثقافية التي‏يعيش فيها المؤلف، وتفكيره مشروط بها ومتعين بوساطتها.

2 - الفهم الفني او النفسي لذهنية المؤلف الخاصة او لنبوغه‏الخلاق، وهو في هذين المحورين يتبع المفكرين الرومانسيين،الذين يرون ان اسلوب تعبير الفرد، على الرغم من اهميته‏وقراءته، يعكس روحية او احساسا ثقافيا اوسع.

هذا العمل يحتاج نوعا ما الى عمل مسبق وحركة شهودية، تمكن‏المفسر من تحرير معرفة المؤلف، للتوصل الى فهم افضل من فهم‏المؤلف.

حتى العام 1920، كانت مذاهب النقد الادبي الانجليزية‏والاميركية الواقعة تحت تاثير ;ژرس‏ز÷شلايرماخر;ژرس‏ز÷ بصورة عامة، تعتقدبان هدف التفسير كشف نية المؤلف. اما اتباع فرويد وماركس،فقد بينوا ان للنص الادبي حياة مستقلة عن المؤلف، وليس لفهمه‏علاقة بنية المؤلف الى هذا الحد. في كل الاحوال، لنظريته تاثيراقل في كشف نية المؤلف، وتاثير اكبر في موضوع الدين.

2 - ويلهالم ديلتاي (1833 - 1911) كان ديلتاي يريد ان يبني اساسا علميا، يمنح نتائج العلوم‏الانسانية قدرا من الاعتبار مساويا لقدر العلوم الطبيعية، علما ان‏التوفيق لم يحالفه بسبب ظهور بعض الفروع المتخصصة ونموهاالزائد، وسيطرة المذاهب الاسلوبية، واحتلالها مكان‏التاويل((14)).

كان تاويل ديلتاي يريد ان يوجد نظاما اساسيا للعلوم الانسانية‏مقابل العلوم الطبيعية، ومع انه متاثر بشلايرماخر، فانه رفض‏عقيدة شلايرماخر القائلة: ;ژرس‏ز÷ان كل اثر هو حصيلة نية موجودة في‏الذهن بصورة ضمنية;ژرس‏ز÷.

لقد انتقد كانط العقل المحض وديلتاي العقل التاريخي،مستنداعلى التمايز بين ;ژرس‏ز÷التفهيم;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷التبيين;ژرس‏ز÷.

ولقد استند، في تبيين الحوادث الطبيعية، على استخدام القوانين‏الكلية، ولكن المؤرخ يسعى وراء فهم افعال صانعي الاحداث،فيتوصل من طريق الكش عن نواياهم وآمالهم وطبائعهم‏وشخصياتهم الى فهم افعالهم. هذه الافعال قابلة للفهم لانهابشرية ولها باطن على عكس الحوادث الطبيعية، وبامكاننا ان‏ندركها نحن بسبب بشريتها. اذا التفهم يعني ;ژرس‏ز÷اكتشاف الانا في‏الانت;ژرس‏ز÷، وهذا يمكن قبوله بدليل الماهية البشرية العامة. لقد تابع‏من ثم ;ژرس‏ز÷ماكس ؟يبر;ژرس‏ز÷ الالماني (1920 - 1964) طريق ديلتاي.

اولا، ديلتاي و;ژرس‏ز÷؟يبر;ژرس‏ز÷ قللا من تاثير العلاقة في اكتشاف نية المؤل،وثانيا، سعيا من اجل ايجاد ;ژرس‏ز÷منطق الفهم;ژرس‏ز÷ بوصفه فاعلية آحادية‏بالنسبة الى العلوم الانسانية. حتما لقد اتكا ديلتاي على اثبات;ژرس‏ز÷امكانية الفهم;ژرس‏ز÷ في بعض النظريات المتعلقة بالبنية البشرية‏وتجلياتها، كما اتكا ؟يبر على انواع الاعمال الاجتماعية.

لقد اثر شلايرماخر وديلتاي كلاهما في ;ژرس‏ز÷يوافيم ؟اخ;ژرس‏ز÷ الالماني‏الذي هاجر في العام 1953 الى امريكا، والذي اراد ان يؤسس‏للتفسير الديني بوصفه فرعا عينيا وتوصيفيا ومحررا من ادعاءات‏علم الكلام. لقد كان يسعى كديلتاي الى وص الشروط الضرورية‏للفهم، وراى كشلايرماخر ان الفهم يستلزم نوعا من التعاط،بحيث ان شعور التعلق بالدين ضرورى لفهم الدين، وقد عدالميول الدينية خصلة نابعة من ذات البشر.

3 - سيغموند فرويد (1856 - 1939) في نظريات ;ژرس‏ز÷فرويد;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷يونغ;ژرس‏ز÷ السيكولوجية التي تشرح سلوك‏البشر وانماطهم، على اساس القوى الروحية اللاواعية، تضخم‏ضمير اللاوعي الى حد اشتماله على الرؤى والاحلام وزلات‏اللسان، التي تتدخل في تكوين النص، ولقد وصل بهما الامر الى‏عد الفن والدين متضمنين لمعان لاواعية، لقد رفض فرويد الكلام‏على نية المؤلف وعدها مقولة سطحية، واكثر من ذلك، قدم معنى‏مختلفا في حكم التاويل التقليدي، حيث يقول: ;ژرس‏ز÷ان المفسر يفهم‏المؤلف افضل مما يفهم نفسه;ژرس‏ز÷، وعد ذلك ضروريا.

المفسر، في نظر فرويد، يحمل مفتاحا خاصا معه، يمكن ان يفتح‏بوساطته، قفل المعاني اللاواعية والغريزية والقناعات المسجونة‏فيها التي تعوق صفة معينة من المظاهر الحياتية، على نحو اكثرعلمية. ان التفسير العلمى هو الذي يفتح اقفال المتون‏المغلقة((15)).

4 - مارتين هايدغر (1889 - 1976) مع ان مارتين هايدغر، في كتابه ;ژرس‏ز÷الوجود والزمان;ژرس‏ز÷، متاثربديلتاي، الا انه يرى ان ديلتاي لم يتغلب على الميول الذهنية. في‏نظره، ان فهم الجماعة البشرية للعالم، يبدا من الطريق الذي‏يسبق صياغة الفهم - اي الفرضيات والتوقعات والمفاهيم‏المشكلة ;ژرس‏ز÷للفهم;ژرس‏ز÷ -. وهو يسمي هذه الحال: الوضعية التاويلية.لوجود البشر ايضاوضعية هي المجال الذي تصاغ فيه تفسيراتناالمحلية.

يرى المتكلم الالماني بولتمان (1884 - 1976) ان تحليل‏هايدغر للوجود البشري هو البناء العقلي لتفسير العهد الجديد،ومن هذا الطريق يمكن فصل المفاهيم الدينية الاساسية عن‏قوالب القرن الاول الميلادي الاسطورية. وان غادامر سعى لفهم‏تاويل هايدغر من جديد فانتقد شلايرماخروديلتاي.

شلايرماخر وديلتاي عدا المسافة الفاصلة بين المفسر والمؤلف‏مجالا لسعة الفهم، غادامر كهايدغر يعتقد بان الفرضيات هي‏مجال للفهم، ولسوء الفهم، ففي نظره ;ژرس‏ز÷يفسر الشي او النص في‏نظرة خاصة متعلقة هي نفسها بسنة خاصة، تصوغ افقاخاصاتصبح كل الاشياء في اطاره صالحة للفهم، هذا الافق‏يطرا عليه التعديل على اثر مواجهته للاشياء، لكن لا وجودمطلقا لاي تفسير نهائي وعيني;ژرس‏ز÷((16)).

اميليو ض‏تي، انتقد غادامر لانه لم يفرق بين تفسير ذهنى‏وتفسيرمعتبر شامل. والغى مجال حدوث مثل هذا الفرق كليا.

5 - التاويل من دون ;ژرس‏ز÷قواعد;ژرس‏ز÷ هنالك اشخاص ليس لديهم اي رغبة في تدوين القواعد لتفسيرالنصوص. ;ژرس‏ز÷فماري هشر;ژرس‏ز÷ متعلقة بفلسفة العلم، ولا تعتقد باي‏تمايز دقيق بين التبيين والتفسير. قال بعضهم: لا وجود لاى‏اسلوب صحيح او غير صحيح لتفسير الوجود، هذا النوع من‏التفكير مصدره مقالات فيتغنشتاين (1889 - 1976) الذي‏يبحث في آثاره عن معنى الفهم، وعن كيفية فهمنا لادراك آخر،ولكنه لا يقدم قاعدة.

هو يعتقد بان تدوين نظرية عامة ل;ژرس‏ز÷الفهم;ژرس‏ز÷ امر محال، يجب ان‏نفهم فقط استخدام الالفاظ، كما يعتقد كهايدغر ان الوضعية‏البشرية نفسها تاويلية((17)).

جمع الراء ونقدها تبين ان هنالك نظريتين في وجود قواعد للتاويل او عدم وجودذلك، وان فيتگنشتاين احد اولئك الذين رفضوا قوننة التاويل،ويرى ان الفهم الجيد لاستخدام الالفاظ كاف للتوصل الى‏التفسير الصحيح. نحن حتما نعتقد بان فهم استخدام الالفاظ غيركاف، ومن الضروري استخدام التشخيص العام والخاص‏والمطلق والمقيد والحقيقة والمجاز والاستعارة والكناية، والناسخ‏والمنسوخ (في حال كان النص يتضمن ناسخا ومنسوخا).

لكن الذين يرون ان للتاويل قواعد لا يتفقون على راي موحد،فديلتاي، على عكس شلايرماخر، لا يوافق على الفهم النفساني‏للمؤلف وعلى فهم نبوغه. مع ان راي فيتگنشتاين يستند على‏فهم الاستخدام الصحيح للالفاظ، فهو قريب من احد محوري‏نظرية ;ژرس‏ز÷شلايرماخر;ژرس‏ز÷ التي هي عبارة عن فهم قواعد انواع العبارات‏والصور اللغوية الثقافية للمؤلف.

شلايرماخر يسير على خط‏ى المفكرين الرومنطيقيين، بينماديلتاي وفرويد ويونغ وماركس ليسوا كذلك، وهايدغر متاثربدليتاي، ولكنه يعده متورطا بالخضوع للميول الذهنية.

النتيجة هي ان ليس بالامكان، من خلال مجموعة من الابحاث،التوصل الى خلاصة جامعة عن التاويل يمكن الكلام على آثارهاومستلزماتها العامة.

محمد مجتهد شبستري وتكوين الاتجاه التاويلي المعاصر في‏ايران ظهرت، في ايران، في السنوات الاخيرة، ترجمات‏ومؤلفات‏عديدة تحت تاثير النحل التاويلية الغربية احد نماذجهاكتاب: ;ژرس‏ز÷تاويل الكتاب والسنة;ژرس‏ز÷((18)).

تتمثل حسنة هذا الكتاب في نوعية تنظيم القوانين والقواعدالتاويلية، ويتمثل عيبه الكبير في عدم ذكره للمصادروالمراجع.

بغض النظر عن الافراط والتفريط والميول والاتجاهات الايجابية‏والسلبية للاراء المختلفة، يمكننا ان ندعي ان جميع المفكرين‏التاويليين في الغرب يتفقون على مسالتين:

احداهما ضرورة التفسير، اعم من حصر التفسير في حدودالنصوص القديمة، او تعميمها على جميع الثار الفنية، والاخرى‏ان التفسير لا يمكن ان يكون بلا ضوابط. حتى اولئك الذين لم‏يضعوا قاعدة، اكتفوا في الحقيقة بوجود قاعدة واحدة، وهي‏ان‏من الواجب فهم كيفية استخدام الالفاظ. وبحسب هذه‏النظرية، اذا كان لدى الشخص اطلاعات كلى ة على صرف اللغة‏ونحوها وعلى آراء اللغويين، كان مطلعا على النصوص الشعرية‏في لغة من اللغات، بامكانه ان يفسر نصا قديما ماثورا.

حتما، من‏الواجب اضافة شرط آخر في صدد النصوص الفنية هو معرفة‏الفن.

من يريد ان يفسر نصا كلاميا او فلسفيا، يجب ان يكون من اهل‏الكلام والفلسفة، ومن يريد ان يفسر نصا رياضيا او طبيعيا اوحقوقيا او فلكيا، يجب ان يكون مطلعا اطلاعا كافيا على هذه‏العلوم، والا، مهما كان متمكنا من آداب لغة تلك العلوم، فانه لن‏ينجح في مهمة التفسير.

مشروع شبستري، المقدمات والمقومات نبدا بتحقيق المقدمات والمقومات التي وردت في كتاب:

;ژرس‏ز÷تاويل‏الكتاب والسنة;ژرس‏ز÷ لنتعرف الى النتائج الناجمة عنها:

بحسب تعبير مؤلف الكتاب، يتوقف تفسير نصوص الكتاب‏وفهمها على خمس مقدمات:

1 - مفاهيم المفسر السابقة (البعيدة عن التاويل).

2 - العلاقات والتوقعات التي توجه المفسر.

3 - اسئلته حول التاريخ.

4 - تشخيص النقطة المركزية في معنى النص وتفسيره، من ثم،بوصفه وحدة تتمحور حول ذلك المركز.

5 - ترجمة النص من خلال الافق التاريخي للمفسر.

بحسب هذه المقومات، لا يمكن للمفسر ان يفسر النص، ما لم‏يكن يملك معارف او فرضيات مسبقة، فهو يجب ان يمتلك‏معرفة مجملة او كثيرة الاجمال، ولا يمكنه ان انطلق من المجهول‏المطلق ان يفهم شيئا من اى نص.

ان الفهم والتبيين ممكنان حين يعلم الانسان شيئا عن الموضوع،ولا يعلم عنه كل شي في الوقت عينه. في كل مرة يحدث تقدم‏وتراجع يتكامل الفهم، وهذا ما سمي ;ژرس‏ز÷الدور التاويلي;ژرس‏ز÷.

ما هو الدور التاويلي وما هي اهميته؟ نقرا، في احدى المقالات، ما ياتي:

;ژرس‏ز÷ما الذي يعرفه من يجهل التاويل عن الفلسفة المعاصرة؟ ومن‏يجهل الفلسفة المعاصرة لا يدرك معنى التاويل. هذه القضية هي‏ايضا احد مظاهر (الدور التاويلي)، وصورتها الاصلية هي:;ژرس‏ز÷حين نريد ان نفسر كلاما يجب ان نعرف هذا الكلام، لاننا ان كنالا نعرف عنه شيئا، فاننا نصغي اليه. في الوقت نفسه يجب ان‏يطرح هذا الكلام علينا سؤالا، لا نعرف جوابه، اي اننا لم نفهم‏معنى الكلام;ژرس‏ز÷((19)).

كل فهم يبدا ;ژرس‏ز÷بالسؤال;ژرس‏ز÷، والسؤال مبنى على عدة معلومات مسبقة:الشخص او النص الذي يسال عنه، لغة السؤال معرفة مسبقة الى‏اي علم من العلوم ينتمي السؤال، ليعرف ما الذي يقع في اطارذلك العلم وما الذي يقع خارجه وغير قابل للسؤال، ويظهر في‏النتيجة توقع الجواب المتعلق بالعلم المقصود. لا يجب ان يضع‏المفسر فهمه المسبق في المعنى المركزي للنص، والا فان الطريق‏لن توصله الى اى مكان.

بتوضيح الفرضية المسبقة، يصل الدور الى العلاقات والتوقعات‏التي يستمدها الانسان من السؤال عن النص، ان لدى الانسان‏توقعات تتعلق بمعيشته وحريته ومصيره، وعلى اساس هذه‏التوقعات نفسها يطرح اسئلة اقتصادية او حقوقية او دينية اوفلسفية. بناء على ذلك، يجب ان ينتبه المفسر الى انه يجب الايتلقى من النص الاقتصادي جوابا حقوقيا او فلسفيا، وكذلك‏النص الديني او الفلسفي يجب الا يتلقى جوابا فنيا اواقتصاديا.

ياتي، بعد هذه المرحلة، دور توجيه السؤال الى التاريخ، يجب ان‏يعلم المفسر كيف فهم المفسرون السابقون ذلك النص، وما هي‏الظروف الاجتماعية التي قيل او كتب فيها النص، وماذا كان‏المؤلف او القائل يريد ان يقول لمخاطبيه.

يجب ان توضح في هذه المرحلة المعاني الكافية وراء الكلمات‏والعبارات، ودور النص في الحث على المعرفة والعمل، وقصدالمتكلم الجدي، والتاثير الذي يتركه النص، ياتي بعد ذلك دورالكشف عن ;ژرس‏ز÷المعنى المركزي للنص;ژرس‏ز÷، ويجب ان يكون كشف‏النقطة المركزية في معنى النص من وجهة كونه المحك والمعيار.فالنص وحدة لها معنى واحد، ووحدة المعنى مرتبطة، ب‏-;ژرس‏ز÷المعنى المركزي;ژرس‏ز÷، لماذا يختلف المفسرون، وما العمل لاستنطاق‏النص، وليستمع المفسر خالي الذهن من التاثيرات الى كلام;ژرس‏ز÷النص;ژرس‏ز÷، فيترجم ما يفهمه او يعكسه على افقه التاريخي؟ الن كيف يفهم الناس المرتبطون بفاق تاريخية مختلفة ومتوازية،والناس المنتمون الى ثقافات مختلفة ومتعارضة كلام بعضهم‏بعضا؟ ان الاشخاص المنتمين الى آفاق تاريخية مختلفة‏وثقافات مختلفة، يفهمون كلام بعضهم بعضا بسبب مشتركاتهم‏الانسانية.

طرح بضعة ((20))اسئلة لنر، الن، ان كان قد اجيب عن اسئلتنا اجابات واضحة ام لا:

1 - كيف تصبح ترجمة النص ;ژرس‏ز÷فهما;ژرس‏ز÷ له؟ قيل: ان المفسر باستخدامه المقدمات يصل الى مرحلة يتوجب‏عليه، فيها، ان يترجم النص من افق تاريخى سابق الى افق‏تاريخى معاصر. والسؤال هو التي: هل يجب ان تكون هذه‏الترجمة ;ژرس‏ز÷فهما;ژرس‏ز÷ او لا؟ الجواب ايجابى حتما، من حيث ان كل‏فهم‏يحتاج الى تفسير، ودلالة النص على المعنى تحصل في ضوء;ژرس‏ز÷التفسير;ژرس‏ز÷، وفي الواقع ينطق النص بوساطة التفسير ويخرج ما في‏داخله;ژرس‏ز÷((21))، قطعا، ان فهم هذه الترجمة يحتاج الى‏التفسير و;ژرس‏ز÷صحيح ان دلالة النص على المعنى ترتبط باوالية قواعدعلم الدلالة (سيمنتك) ولكن المحور الذي يجعل عمل نظام ;ژرس‏ز÷علم‏الدلالة;ژرس‏ز÷ مثمرا هو التفسير النابع من المفسر;ژرس‏ز÷((22)).

بناء على ذلك، ما من نص هو بغنى عن التفسير، والتفسير يحتاج‏الى تفسير ايضا، واذا كان تفسير النص الثاني بوساطة النص الاول‏دورا، فهو ليس دورا تاويليا، وانما هو دور واقعي، واذا كان فهمه‏متسلسلا من تفسير آخر، وذلك ايضا من آخر، فذلك التسلسل‏ليس تسلسلا تاويليا وانما هو تسلسل واقعي.

النتيجة: انطلاقا من التفسير اعلاه، فان احد آثار التاويل‏ومستلزماته هو التورط بالدور وبالتسلسل المحال. حتما هذه‏نتيجة مستمدة من كتاب ;ژرس‏ز÷تاويل الكتاب والسنة;ژرس‏ز÷، ومثل هذه‏النتيجة لا تستفاد من المنظرين الغربيين.

الحقيقة هي اننا يجب ان نستند، في فهم المتون، على بديهيات‏غير محتاجة الى التفسير. واذا كان فهم جميع المتون غير بديهي‏ومتوقف على التفسير، لن نتوصل قطعا، الى اى فهم. لا بد من ان‏نقر بان بعض الافهام ليست بحاجة الى التفسير، وكذلك هنالك‏افهام هي مفاتيح لافهام تحتاج الى التفسير، الا اذا وجد من‏يدعي ان الادراك غير المتوقف على التفسير ليس فهما. فيكون‏لدينا بناء على ذلك نوعان من الادراك، ومع ذلك يبقى اصل‏الاشكال واردا.

بهذه المحاسبة، يعلم ان الدور الاصلي في دلالة النص على‏المعنى هو في عهدة اولية قواعد علم الدلالة، فحين يعمل الانسان‏جيدا قواعد دلالات الالفاظ على المعاني، والصرف والنحو،ويعرف فنون المجاز والكناية والاستعارة، ويعرف تاريخ الادب‏والاساليب الادبية، وله معرفة بما فهمه القدماء من نص قديم،يمكنه ان يتاكد ان ما قصده المؤلف هو ما فهم الن، وان القدماءفهموه ايضا قليلا او كثيرا على هذا النحو. من الممكن ان يختلف‏المفسرون ايضا، ولكن هذه الاختلافات لا تصل الى الحد الذي‏تحمل الانسان على ان يياس من فهم النصوص المعنية.

ان‏مفسري النص متوافقون ولغتهم واحدة الى حد تبدو فيه مواطن‏الاختلاف بينهم بالمقابل باهتة ولا قيمة لها. نعم، ان المشتركات‏الانسانية لا تساعدنا فقط في فهم مقاصد بعضنا بعضا، وانما هي‏توصلنا الى فهم مشترك للمتون، وحتما ان المباني الفكرية‏والعقدية يمكن ان تؤثر في التفسير، واذا اراد مفسر ان يصون‏نفسه من تاثيرها، لا يجد امامه من مفر سوى ان لا يحمل تفسيره‏للنص آراءه ونظراته وعقائده. اي ان لا يتكلم بدلا عن النص، بل‏يترك النص نفسه يعبر عن محتواه، وان يفهم لغته طبقا لمبنى‏اولية علم الدلالة وقاعدة التفسير المتفق عليها.

قيل ايضا: ;ژرس‏ز÷حين لا تبرز اختلافات في فهم معنى نص من‏النصوص، فليس لان النص يدل بنفسه على المعنى، وانه ليس‏بحاجة الى التفسير، وانما لان الجميع فهموه على نحوواحد((23)).

حين تكون الافهام والفرضيات المسبقة المختلفة والعلاقات‏والتوقعات واسئلة التاريخ غير متجانسة، ويكون كشف المعنى‏المركزي للنص متنوعا حتما تبعا للسلائق والميول المتنوعة‏والترجمات التي تشكل في الافق التاريخى للمفسرين، كيف‏يمكن اذا، ان يفسر الجميع النص على نحو واحد؟ واذا كانت قواعد الدلالة، في مورد النصوص، غير كافية وغيرقطعية الدلالة، وليست بغنى عن التفسير، كيف يمكن ان يتفق‏جميع الذين فهموا النص على مقدمات التفسير ومقوماته،ويفسروا النص تفسيرا واحدا؟ من الممكن ان تكون الاختلافات، في صدد النصوص او في صددالظواهر - غير مرتبطة بمعاني الكلمات، وانما بالمصاديق، ومن‏الممكن ايضا، ان لا يكون هنالك حوار حول اصل وجودالجن‏والملائكة، وانما تكون هنالك اسئلة وخلافات حول‏كيفيتهم، او ان يكون هنالك اتفاق في الراء حول اللّه وحول‏صفاته (العلم والقدرة والحياة والارادة والكلام والمشيئة والخلق)،بين مفسري القرآن ايا كان مذهبهم، ولكن الاختلاف بينهم، حول‏قدم خلق الصفات وعينيتها وزيادتها على الذات، وتظهر آراءمختلفة فلسفية وكلامية، مع ان الجواب عن هذه الاسئلة يتضح‏بدقة في النصوص وظواهر اليات والروايات على نحو عام اوخاص.

كذلك ما يتعلق بالجنة والنار، فما من مفسر مسلم يمكنه ان‏يتجاهل صراحة اليات المتعلقة بالجنة والنار، ويقول: ;ژرس‏ز÷لا دليل في‏القرآن على وجود الجنة وجهنم، ولكن الخلاف يظهر حتما حول‏الخصوصيات التي لا يستفاد من اليات اى شي حولها صراحة اوفي الظاهر.

كذلك بالنسبة الى قضية خلق آدم، في القرآن مسائل حول الانسان‏الاول لا جدال حولها، ولكن الجدال في هذا: هل ظهر هذا الدم‏على اثر تطور الكائنات الاخرى او انه خلق مستقلا؟ يمكن‏لبعض الباحثين، بعد طرح نظرية داروين، ان يقبلوا هذاالراي اويرفضوه بادلة غير قرآنية، ويدور البحث حول: هل هذه النظرية‏منافية للقرآن او لا؟ بعض الباحثين لم يروا في اليات المتعلقة‏بخلق آدم منافاة للتحولية، علما ان الاكثرية العظمى تؤيد الراي‏القديم نفسه وتقول: ان نظرية التكامل ليست شيئا يمكن اثباته،ولا لزوم لان نجعل تفسير اليات مطابقا لها، حتى مع عدم وجوداي آية تبطل هذه النظرية.

في بعض الاحيان يوجد الاختلاف هنا، في ان المفسر فسراليات من بعد واحد، وتعامل مع اليات انتقائيا، مثلا: استنتج‏بعض المفسرين الجبرية من آيات مثل: (يضل من يشاء ويهدي‏من يشاء(، [فاطر/35 ] وبعضهم الخر استنتج الواردة بمعنى‏التفويض من آيات مثل: (كل امرئ بما كسب رهين) [الطور/20]،وبهذه النظرة آحادية البعد الى القرآن اغفلوا بعده الخر، ولم‏يبحثوا داخل القرآن عن اسراره، وانما اغفل كل واحد فهم بعض‏آيات القرآن وتجاهلها، في حين انهم، في طريق الكشف عن‏المقصود، لو نظروا الى القرآن من جميع جوانبه لوجدوا ان‏الانسان في نظر القرآن لم يسلب المسؤولية، وان اللّه ليس بغافل‏عن امورالبشر والخليقة، وهنا يولد ;ژرس‏ز÷الامر بين الامرين;ژرس‏ز÷.

ما اكثر الاختلافات التي سببتها هذه النظريات آحادية البعدوالانتقائية الى القرآن، ولذلك اظهر اهل البيت (عليهم السلام)دائما حساسية تجاه التعاط‏ي الانتقائي والناقص مع القرآن وتجاه‏تفسيره بالراي. نذكر انموذجا على ذلك ما روي عن الامام‏الصادق (ع): قيل ان شخصا اكتسب شهرة عظيمة بسبب افكاره‏ونظرياته، ذهب الامام الصادق (ع) الى مجلسه متخفيا، كان حوله‏جماعة عظيمة من البشر، بعد ان فرغ من حديثه الى الناس، وبعدان تفرقت الجموع، تبعه الامام(ع) فشاهده يسرق في اثناءالطريق رمانتين ورغيفين ويتصدق بها.

فساله الامام (ع) عما فعل‏فاستشهد بالقرآن حيث يقول: (من جاء بالحسنة فله عشر امثالهاومن جاء بالسيئة فلا يجزى الا مثلها) [الانعام/29]، وطبقا لهذه‏الية: انا استحق اربعين حسنة، في حين انني لا ادين الا برغيفين‏ورمانتين، فقال الامام(ع):

انت نسيت قوله تعالى: (انما يتقبل اللّهمن المتقين)[المائدة/29]، وبحسب هذه الية، فان قبول‏الاعمال مرتبط بتقوى الانسان((24)).

بعبارة اخرى: ان النظرة ذات البعد الواحد الى القرآن، تمنع‏الانسان من فهم كثير من الحقائق، كما ان النظرة آحادية البعد الى‏اليات: (بل يداه مبسوطتان) [المائدة/64 ]و(الرحمن على‏العرش استوى) [طه/5]، تبعث على التوهم ان اللّهموجودجسمانى، له يدان ويجلس على العرش، كما ان نظرة‏انتقائية الى صفات ;ژرس‏ز÷السميع والبصير;ژرس‏ز÷ الى اللّه تبعث على‏التوهم‏ان اللّه كالانسان له اذنان وعينان، لانهم لم يلاحظوا آية (ليس‏كمثله شي)[الشورى/11]، ولم يروا آية (سبحان اللّه رب العرش‏عما يصفون) [الانبياء/22]، او آية (تعالى اللّه عما يشركون)[الاعراف/190]، ليفهموا ان استواء اللّه على العرش، او كونه‏سميعا بصيرا، بمعنى سام لا يتلاءم مع التجسيم في المكان‏والجلوس على الشي.

هؤلاء الاشخاص الذين يتعاملون مع التفاسير ببعد واحد، لامفرامامهم سوى ان يؤولوا اليات وبعض الروايات المخالفة‏لاذواقهم، ويفسروها بالراي، وان يتعص‏-بوا لموقفهم المخرف.في حين انهم، ان وضعوا الابعاد المختلفة نصب اعينهم، لكان‏وضعهم غير هذا، ولتوصلوا، من دون حاجة، الى تاويل اليات‏والاخبار المخالفة لرائهم، الى تفسير واقعى والى اكتشاف معنى‏واقعي.

2 - ما معنى ;ژرس‏ز÷الفهم المسبق;ژرس‏ز÷ او ;ژرس‏ز÷الفرضية المسبقة;ژرس‏ز÷؟ ما المقصود بالفهم المسبق او الفرضية المسبقة التي ذكرت في‏بعض مقالات الكتاب؟ ما معنى القول: ان المفسر ما لم يملك‏فهما مسبقا، لا يمكن ان يفسر النص؟ وهل الانسان من دون الفهم‏المسبق او الفرضية المسبقة يطلب المجهول المطلق؟ من المسلم‏به ان الانسان لا يستطيع ان يكون طالب ;ژرس‏ز÷المجهول المطلق;ژرس‏ز÷،حتمايجب ان يكون لديه من قبل شيئا من العلم ليتحقق مما لايعرفه، حين يكون لدينا عن الشي معلوم ومجهول، فان لدينامجهولا مطلقا ومعلوما مطلقا، بناء على ذلك لن نتقدم، وسيبقى‏المجهول مجهولا الى النهاية!! ان وجود معلوم ومجهول لدينا عن امر ما لا يحل المشكلة، ولكن‏المشكلة تحل حين يستطيع ;ژرس‏ز÷المعلوم;ژرس‏ز÷ ان يجعل المجهول;ژرس‏ز÷معلومالدينا. فتنتقل من التصورات البديهية الى التصورات‏النظرية، ومن التصديقات البديهية الى التصورات النظرية، ومن‏التصديقات البديهية الى التصديقات النظرية، ويصبح كل معلوم‏بديهى، مقدمة لفهم مجهول ما، وكلما صار ذلك المجهول - مع‏الاهتمام بالمقدمات البديهية - معلوما بالنسبة الينا، فانه سيصبح‏هو نفسه مقدمة لكشف مجهول آخر.

معنى اننا لا نسعى وراءمجهول مطلق لا يعني اننا يجب ان نعلم شيئا عن الشي، كي نتنقل‏مما نعرف الى ما لا نعرف.

ومثالا على ذلك، ما لم نملك تصورا عن اللّه او واجب الوجود،لن نشرع في التفكير والتامل في ما ياتي: ;ژرس‏ز÷هل هو موجود في‏الخارج او لا؟ واذا كان في الخارج كيف هو؟ هل هو مادى اومجرد؟ قديم او حادث؟ مخلوق او غير مخلوق؟ له صفات كمالية‏او لا؟ واذا كانت له صفات كمالية، هل هي عين ذاته او زائدة‏عليها؟ لا شك في اننا نحتاج للاجابة عن كل واحد من الاسئلة المذكورة‏اعلاه الى معارف قبلية، هي نفسها اما بديهية او نظرية، واذا كانت‏نظرية يجب ان تصبح في النهاية بديهية، اذا لا مجال للانكاران‏كل سؤال منوط بتصور موضوع او محمول، ونسبة بينهما. اذاكان هذا هو القصد من غالمعرفة المسبقة;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷الفرضية المسبقة;ژرس‏ز÷،فمعنى ذلك تهافت ادعاء القائلين ;ژرس‏ز÷بنسبية المعرفة الدينية;ژرس‏ز÷.

هذا الامر لا علاقة له بادعاء السادة التاويلي، القائل: انه من اجل‏الوصول الى مجهول تصوري هنالك دائما حاجة الى معرفة مسبقة‏تصورية، وللوصول الى مجهول تصديقي نحن بحاجة الى معرفة‏مسبقة تصديقية. النقطة المهمة هي اننا لا نحتاج، من اجل طرح‏السؤال، الى تصور الموضوع والمحمول. ومثالا على ذلك: انناحين نتصور ;ژرس‏ز÷النفس;ژرس‏ز÷ بمعنى موجود مجرد مغاير للبون ولتركيبته‏الفيزيائية، نسال ان كان مثل هذا الشي موجودا ام لا؟ من الممكن‏ان لا نتصوره من قبل ;ژرس‏ز÷كشي مجرد;ژرس‏ز÷ وانما نتصوره كذلك الذي نعبرعنه ب‏-;ژرس‏ز÷انا;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷انت;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷هو;ژرس‏ز÷، حينئذ نبدا بطرح الامثلة حوله: هل‏هو مجرد او مادي؟ قديم او ازلي؟ حادث بحدوث البدن او لا؟فان بفناء البدن او لا((25)) في الحقيقة حين يظهر تصور لذلك الشي في ذهن الانسان فانه‏يبدا بالتحقيق في المحمولات المتصورة المتنوعة ايها ينطبق‏عليه وايها لا ينطبق؟ وهكذا نحصل في النهاية، بالاستعانة‏بالمقدمات التصديقية البديهية والنظرية، الى سلسلة من القضاياالسلبية والايجابية والمعارف الجديدة.

القول، اذا، ;ژرس‏ز÷نحن لسنا طالبي مجهول مطلق;ژرس‏ز÷ معناه انه طالما اننا لانملك تصورا عن ;ژرس‏ز÷الشي;ژرس‏ز÷ في ذهننا فاننا لن نتصدى للبحث عن‏محمولاته، تلك المحمولات ليست هي ايضا الموجودة في ذهنناوالتي هي اصطلاحا مجهول مطلق، وانما هي ذلك النوع من‏المحمولات التي اعددنا لها تصورا في الذهن من قبل.

ما لم يكن لدينا اي نوع من انواع التصور في الذهن عن اي‏محمول او موضوع، لا يمكننا ان نطلب اى شي، لان طلب;ژرس‏ز÷المجهول المطلق;ژرس‏ز÷ محال، لكن حين تحصل بعض التصورات‏فاننا ننال التصديقات البديهية، لان حمل بعض التصورات لايحتاج الى الحد الوسط ولا الى الاستدلال. في المرحلة اللاحقة‏في ما يتعلق باسناد بعض التصورات الاخرى، فاننا سنصاب‏بالشك وهنا نبدا بطرح الاسئلة.

اذا، ان طرح السؤال لا ينبني على اى فرضية مسبقة، وانما على‏تصورين او ثلاثة تصورات فقط.