ان هذا المثقف، اذا تزود بالمادة المطلوبة، في هذا المجال،
سوفيحدث حركة نشطة في مشروع الكيانية الشيعية، الامر
الذي نريدالافصاح عنه في هذه العجالة هو ان هذه الكيانية
تشكل في حدذاتها مكمن امان لهذا المثقف، في ظل الاوضاع
العالميةالجديدة التي تنطوي على اغراءات هائلة، تدعو المثقف
الىالتمرد والخروج، ومما ثبت من خلال التجربة ان الانشداد
الىالانتماء لا يستمد قوته من صلاحية المبدا والفكر فحسب،
بلاضافة الى ذلك من تماسك المنتمين لهذا المبدا، فان
تفككاهله، وتناقضهم اقتصاديا، وعدم انسجامهم في اطار
منظممتناسق ومتكافئ، وغياب الاهداف الواضحة، وانعدام
التصورالمتقارب من قضايا العالمط ذلك كله يقود الى الغربة
الفكريةوالانقلاب العقيدي، او الى التحلل المبدئي والانصراف
الى عوالماخرى، وهذه القضية سنعود اليها قريبا.
وفي الحقيقة، ان المثقف الشيعي يستطيع ان يسهم في
طرحموضوعة الكيانية الشيعية بلا فاصل وبفعالية عالية، فان
لوحة فنيةمعبرة تترجم الواقع الشيعي المؤلم وتطرح البديلط
ان انجازا منهذا النوع يهز الضمير الشيعي، ويخلق حالة من
الوعي المستنفر،سيكون سببا في تولد قيم جديدة على صعيد
البنية الشيعيةط انرواية تتعرض لحالة التمزق التي تحكم
العلاقة بين مكوناتالجسم الشيعي، وتستنجد الضمير الحر في
التصدي لهذه الحالةالمرفوضة في ضوء قيم اهل البيت(،
وبلحاظ قيم القرن الواحدوالعشرين السياسية والاقتصادية
والاجتماعية وبمعاينة متطلباتالعصر وتعقيداتهط ان مثل
هذه الرواية اذا اءحكمت وجاءت وفققواعد الرواية الحديثة،
ستحدث انقلابا في عمق العقلية الشيعيةبشكل عام، تستنبت
وعيا بالواقع، وتحرك نزعة التغيير.
ان المثقف الشيعي مدعو للقيام بدوره الفاعل على طريق
الكيانيةالشيعية العالمية، التي من شانها جمع هذا الشتات،
وحماية هذاالوجود من المؤامرات الهادفة الى تمزيقه وتقطيع
اوصاله،والارتفاع به الى تذوق جماليات العمل الموحد
والمتعاضد، مناجل القوة الهادية، والتقدم الذي يعود بالخير
على الذات وعلىالخر.
الاكاديمي الشيعي والكيانية
صاحب الاختصاص ثروة وسلطة، والطوائف الناجحة تسعى
الىالاستفادة من ابنائها اصحاب الاختصاص، سواء في
تاصيلوجودها واستجلاء تاريخها، ام في الدفاع عن سياستها
ومواقفها،ام في تجديد فكرها وفلسفتها، ام في طرح مشاكلها
والعمل علىتذليلها وحلها. انهم فريق عمل على جميع
الاصعدة وفي جميعالاتجاهات، والشيعة طائفة مثقفة متعلمة،
تضم في صفوفها مئات
اللاف من اهل الاختصاص في العلوم
الطبيعية والانسانية، وهمطاقة مبددة، اذ لم يوجد اي سعي
جاد للاستفادة من هذا الجيشالمعرفي الكبير لصالح هذه
الطائفة المظلومة، في حين تعملالطوائف الناجحة على
احتضان هذه الثروة وتضع في خدمتهاجميع الامكانات، وتنيط
بها مهمة التخطيط للحاضر والمستقبل،
والهدف الجوهري هو
الارتقاء بمستويات الطائفة والارتفاعبقدراتها وامكانياتها المادية
والمعنوية.
ان ذوي المعرفة الاكاديمية، في علم المال والاقتصاد، يمكن
انيقدموا للوجود الشيعي اطروحة ناضجة عن الراسمال
الشيعي(الحقوق الشرعية) وكيفية استثماره وتشغليه، ليس
لتسيير شؤونالحوزة العلمية وحسب، بل لعلاج مشكلة الفقر
داخل الجسمالشيعي، كما ان ذوي الاختصاص الاداري
والسياسي، يمكن انيقدموا اطروحة تنظيمية تتولى مهمة
التكامل الفكريوالاقتصادي والسياسي والاجتماعي بين
مكونات الجسم الشيعيالمبعثر والمجزا، ويمكن لذوي
الاختصاص الاعلامي، انيقترحوا خطة اعلامية ناجحة تؤهلنا
للدخول الى العالم، نتحركمن خلالها للدعوة الى الاسلام،
ونستعين بها للذود عن حقوقناوللرد على الشبهات الفكرية
والسياسية التي تشن على التشيع عنقصد او جهل، ويمكن
لذوي الاختصاص، وفي جميع المجالاتالمعرفية، ان يقدموا
منهجا علميا وتربويا للنهوض بشباب الطائفةعلى جميع
الاصعدة والاتجاهات.
اننا على ثقة بان هذه الجمهرة من ذوي الاختصاص من
اهلنا،يتفاعلون مع مشروع الكيانية الشيعية، وهم على استعداد
لتقديمكل الدعم في هذا الاتجاه الخير، الا ان هؤلاء بحاجة الى
التفاتذوي الكلمة الحاسمة في الجسم الشيعي، اقصد
المرجعيةالعظيمة، فانهم وبمجرد اشارة سريعة سيضعون
جميع طاقاتهمعلى هذا الطريق.
في الواقع، ان تجميع اهل الاختصاص من الشيعة لاجل
مشاريعثقافية وتربوية، تخدم اتباع آل محمد (عليهم السلام)
ليسبالفكرة الجديدة، فقد سبق ان تحركت في هذا الاتجاه
مجموعةمن الاكاديميين الشيعة في العراق، وبدعم من
المرجعية الدينيةالعظيمة، آنذاك، وكان اول مشروع فكر به
آنذاك، هو جامعةالكوفة، وقد كان المتصدون خيرة
الاكاديميين من اهلنا، حيثوجد المشروع اصداء شعبية واسعة،
وتفاعل معه جميع الشيعة،وابدوا استعدادات هائلة للوقوف الى
جانب المشروع المذكور،ومنها نعرف جيدا ان الجمهور الشيعي
متفاعل مع اي مشروع منشانه ايجاد كيانية خاصة به، تجمع
الشتات وتنسق الطاقاتوتؤلف بين الاختصاصات، وباتجاه
النهضة والتقدموالازدهار.
الفقير الشيعي
يشكل الفقر ظاهرة بارزة في الوسط الشيعي بشكل عام،
ولمتاخذ هذه الظاهرة المؤسفة موقعها المركزي من الدرس
والبيانوالمعالجة من قبل الشيعة بالذات، وذلك رغم كونها
ظاهرة تتضادمع القيم الانسانية ومنطق الحياة، فضلا عن
تناقضها الجذري معبديهيات الفكر الاسلامي الذي اسسه اهل
البيت (عليهم السلام)،بل قد تلمس احيانا العكس، حيث طالما
يتردد على السنة بعضالوعاظ واصحاب المنابر ورجال الدين،
ان الفقر فضيلة، وانه منسمات المؤمنين، وربما هو قضاء اللّه
الذي لا مفر منه!
هذه الظاهرة قد يفسرها بعض الدارسين بانها نتيجة
منطقيةلاوضاع اقتصادية متردية، فيما يتصور آخرون انها قد
تشكلحالة انسجام مع اتجاه معين في فهم الاسلام والتشيع، او
هي منملامح الكسل الفكري والجسدي للمجتمع العربي
والاسلامي، اوهي من مستحقات تحريم المدارس والاشتغال
بالوظائف قبلعقود من السنين!
الواقع ان كل واحد من هذه التصورات لا يصيب كل الاصابة
ولايخطئ كل الخطا، ولكن لا ريب في انها تهمل عنصرا اساسيا
فيالموضوع، ذلك هو الانتماء المذهبي، فالانسان الشيعي دفع
ضريبةضخمة بسبب انتمائه الى خط اهل البيت(. لقد حورب
في رزقهوحياته وطموحاته لانه كان محسوبا على الائمة
الاطهار( هذهحقيقة نتلمسها بوضوح، زمن الائمة، ثم تاسست
موقفاتاريخياساري المفعول على مر العصور! والى هذه اللحظة
يضيقعلى الانسان الشيعي اقتصاديا ، حتى اذا كان غير ملتزم،
لا لسببالا لكونه شيعيا، والشواهد على ذلك معروفة.
تطلع الانسان الشيعي الى الحكومات الوطنية لحل مشكلته
هذه،ولكن الحكومات الوطنية كانت نسخة مكررة للعقلية
السلفية فيالحكم والسياسة والرؤى، رغم التغير الشكلي في
المظاهر العامة،فاتخذ اكثرها موقفا سلبيا من الشيعة، واتجهت
طائفيا فيسياستها التعليمية والاجتماعية والاقتصادية، وكانت
الطائفةالشيعية ضحية هذه السياسة المتخلفة، رغم ان للشيعة
الدورالرئيسي في محاربة الاستعمار وفي بناء الدولة الحديثة،
كما هوفي العراق والهند ولبنان وايرانط، وقد كانت هذه
النتيجة متوقعة،لان مجتمعاتنا محكومة لعقود من السنين
بالطغيان الطائفيالبغيض والمفارقات المذهبية الظالمة،
وليس هناك في الافق مايدعو الى الامل في هذه القضية!
ان استمرار هذه المشكلة له انعكاس سلبي على
الطائفةوخصوصا في هذا الزمن الذي اصبح فيه الدخل الفردي
منعلامات التقدم في الحياة واسبابه، كما اننا نعي جيدا ان
لقمةالعيش مذهب ودين، والبطون الخاوية لا تحمل المعاني
السامية،وليس من شك في ان الافكار الهدامة تجد مرتعها في
احضانالوسط المعدم، كما ان الفقر من اكبر دواعي الانحلال
الخلقيوالديني، وهذه هي الوهابية تستغل ظاهرة الفقر في
بعضالاوساط الشيعية، لاستمالة الشباب الى افكارها الخرافية.
انهابعض النتائج المخيفة، وربما تتوالد وتتناسل في المستقبل.
ما يدعو للاسف هو ان الشيعة، بوصفهم وجودا بشريا
ضخما،يمكنه ان يحل هذه المشكلة من خلال التضامن
الاجتماعي، ومنخلال تنظيم راسمال الطائفة، تماما كما تعمل
طائفة البهرةوطوائف اخرى، حتى اننا لم نجد فيهم فقيرا.
ان اغناء الفقير الشيعي من مهمات الشيعة بالذات قبل ان
يكونمهمة الانظمة الحكومية، انها مسؤوليتنا بالدرجة الاولى،
ونملكجميع اسباب الحل الكامل، ومن الطبيعي ان هذا لا
ينفي ضرورةالمطالبة بحقوق الشيعة، وذلك عبر جهاد منظم
ومنسق في جميعانحاء العالم، انطلاقا من كونهم بشرا
ومواطنين وبناة، فان هذاالعمل لا ينفصل باي حال من الاحوال
عن توظيف الراسمالالشيعي الشرعي لحل هذه القضية
الحساسة، ولكن وبكل صراحة،لو وجدت الكيانية الشيعية
سيكون حل هذه المشكلة اسهلوايسر، وسيتخذ صفة
الاستراتيجية العامة والمبرمجة، ان ممايؤسف له حقا ان يتوزع
جزء كبير من الحقوق الشرعية الذييخصص للفقراء على شكل
صدقات، تستهلك على شكل نفقةيومية او شهرية، في حين
بالامكان ان تتحول الى عمل وظيفي،وهو الاسلوب الذي تتبعه
الطوائف الاخرى في سياسةالمساعدات، ولو اتبع هذا الاسلوب
منذ زمن لحققنا مساحةعريضة من الاكتفاء الاقتصادي في
مجال طائفتنا، ولكن اتباعناللاسلوب التقليدي تسبب في
اهدار كميات ضخمة من المال!
ان مشروع الكيانية الشيعية ينقذ الراسمال الشيعي من
التبذير،ومن الطريقة التقليدية في صرف هذا المال العزيز، انه
يحول هذاالمال الى وظيفة، وينقذه من قانون ;ژرسز÷قضاء حاجة;ژرسز÷،
ويحوله منصدقة الى مهنة او شهادة او حرفة.
الكيانية الشيعية والاولويات
في نطاق مشروع الكيانية الشيعية لا بد من تحديد
الاولويات،ومن الملاحظ اننا نفتقد هذه المسالة التي تدخل
بشكل جديومباشر في صميم المصير، واهمال هذه الحقيقة
يقود الى بعثرةالطاقات، وربما يساعد على خلق حالة مزرية من
التشتتوالتبعثر، كما انه يزج بالطائفة في حالة من الصراع
العلني والخفي.ان استقراء عاديا من خلال النقاش وبعض ما
يكتب هنا وهناك،وفي ضوء جملة من النشاطات، يمكننا من ان
نكتشف اتجاهاتكثيرة في هذا الخصوص. ان بعضهم يحصر
الاولوية في قضيةواحدة لا غير، الا وهي الدفاع عن الجمهورية
الاسلامية والذبعن حياضها ضد الاعداء في الداخل والخارج،
وليس من شكفي ان هذا واجب شرعي، لان الجمهورية
الاسلامية معقل الدينوالحق، وهي امل الامام المهدي (عج).
والشيعة في كل مكانوجدوا فيه يعملون من اجل ازدهار
اوطانهم وتحر رها،وفاقالاولويات يرونها، وهذه الاولويات نابعة
من اسبابعديدة، يتم تحديدها في كل بلد في ضوء الظروف
والمعطيات.
وفي الواقع ان كل اولوية من هذه الاولويات حق، وهي نابعة
منظروف موضوعية، وذلك بغض النظر عن بعض
المفارقاتوالتناقضات، ولكن الامر الخطير هنا، او العنصر
المفقود، اوالعقدة التي يجب ان تحل، هو افتقاد التنسيق بين
الشيعة، الذيمن شانه احترام الاولويات، ومن ثم تبادل
الخبرات وتقدمالامكانات، الامر الذي سوف يسهم كثيرا في
تفعيل كل طرفشيعي على مواجهة الاولوية التي تهمه
وتنشيطه وترشيده،بالعكس، قد نجد اصرارا على حذف جميع
الاولويات وحصرهافي عنوان واحد، وفي ذلك ضرر خطير قد
يهدد الكيان برمته.
ان مشروع الكيانية الشيعية يوفر مثل هذا التصور وبعمق،
حيثسيتضمن المشروع تحديدا علميا دقيقا للاولويات، ويضع
خطةفكرية وعملية لكيفية التضافر بين الامكانات الشيعية
المبعثرة علىطريق معالجة هذه الاولويات.
ان المراجع العظام وعلماء الدين الابرار والمثقفين
الواعينوالتجار الاتقياء والاكاديميين المخلصين مدعوون الى
بياناولوياتنا كشيعة في ضوء امكاناتنا وحاجاتنا، وبلحاظ
الاجواءالعالمية وما يحيط بنا من احداث وتغيرات، وبمعاينة
مستجداتالفكر والثقافة وجميع العوامل الاخرى ذات العلاقة
فيالموضوع.
ان الكيانية الشيعية ستكون عنصر دعم فاعل للنظام
الاسلامي،تحقق له حضورا معنويا واخلاقيا في الضمير والواقع،
وتكون قوةاحتياط اضافية الى امكانات الانتصار العظيم الذي
تشرف الشيعةبانجازه في الجنوب اللبناني، وصمام امان من
تكرار ماساةالاقتتال بين الاخوة في لبنان، وسوف تحول الشيعة
الى قوةسياسية واقتصادية في اوروبا، تسهم في دعم قضايانا،
فضلا عنكونها السبيل الوحيد الى انقاذ اجيالنا من
الضياعوالخراب.
بدايات بسيطة
قلنا: ان الكيانية الشيعية العالمية عبارة عن وجود منظم، يسير
وفققواعد مرنة باتجاه اهداف عامة، تصب اولا وآخرا
باستنهاضهذه الطائفة، اجتماعيا وفكريا وسياسيا، يشكل
المراجع قوتهاالروحية، والتجار قوتها المادية، والاكاديميون
قوتها العلمية،والمثقفون قوتها الفكرية، والجماهير الشيعية
قاعدتها الشعبية،والمذهب الاسلامي الجعفري هو الايديولوجيا
التي تميز الهويةالاولى، وهي المسؤولة عن تنظيم العلاقات
داخل الكيان، وتحددالمواقف خارج الكيان، تعين وتشخص
شرعية الاهدافوالوسائل والاولويات والخطوات والممارسات،
ولا نعتقد بانمثل هذه المنظومة امر مستحيل اذا وضعنا خطة
تدريجية، تبدامن مصاديق بسيطة، من القرية والمحلة لتكون
بعد ذلك علىمستوى المدينة، ثم على مستوى الجغرافية
الشيعية ككل، مرورابهذا البلد وذاك، ونعتقد بان لبنان جاهز
لمثل هذه الاطروحة فيظل ظروفه الحالية، كما ان دول
المهجر عينات رائعة لتنفيذالتجربة خصوصامهاجر الشمال
الاوروبي، ولا مجال هنا للافاضةفي هذه المسالة.
ان الانطلاق من تجارب محلية بسيطة، توفر فرصة ثمينة
لطرحالتجربة عمليا، وربما تتحول الى تجربة للدراسة على
مستوىالفكر والتطبيق، ومن الطبيعي سيكون من الخطا
الفادح اذا فكراصحاب التجربة بكسب جميع الشيعة الى
المشروع، بل المطلوبتحقيق الفكرة عمليا ولو في نطاق
مجموعة من المؤمنين بالفكرة،وبمرور الزمن ومن خلال
مجموعة من الانجازات البسيطةالملموسة ذات المردود
الحسي، تتهيا امكانات التفاعل الايجابيمع المشروع. وفي
الحقيقة لو ان علماءنا في القرى والاريافوالمدن الصغيرة
يباشرون هذا المشروع في ظل امكاناتهم العاديةلقدموا خدمة
جليلة على طريق الفكرة.
ولكن ماذا لو حصل العكس؟!
اذا لم يبادر العلماء وجميع المعنيين بالشان الشيعي الى تبني
هذاالمشروع المصيري، قد نواجه مصيرا غير مريح، اذ ربما
تتاكدحالات التصدع داخل الجسم الشيعي، وتتفاقم عمليات
التشققفي الكيان المهدد اصلا، وتطفح على السطح القضايا
الهامشية،وتحتل مركز الاهتمام الفكري والسياسي، فيما تغيب
القضاياالكبيرة التي تتصل بالمصير، ومن الطبيعي ان تصاحب
حالةالتمزق الداخلي نتائج سلبية، ولعل من اخطرها - لا سمح
اللّه -انحسار العلاقة بين الناس وقادتنا العلماء، وهو الهدف
الذيتخطط له دوائر الاستعمار العالمي، وفي هذه الظروف قد
تفرزحالات من الغلو، وفي المقابل تفرز حالات من التميع
العقديالمخيفة، وبالتالي قد ينشا جيل غريب عن فكر اهل
البيت(.
ان الكيانية الشيعية هي الحل الوحيد، انها الحل الناجع
والوحيدلجميع مسينا، وهي الطريق الوحيد لتقدمنا
ونهضتناوانتصاراتنا.
نهج البلاغة جمعه، مصادره، مناقشة التشكيك في نسبته
الىالامام علي(ع)
السيد عبد الهادي الشريفي(-)
جامع النهج الشريف
هذا النتاج الجليل تصدى لجمعه وتبويبه السيد الشريف،
النقيبابو الحسن محمد بن الحسين الرضي الموسوي (359
-406ه-)، واطلق عليه اسم ;ژرسز÷نهج البلاغة;ژرسز÷، ليشير بذلك الى ان
هذاالنتاج هو المثال لبلاغة التعبير بعد كتاب اللّه العزيز، وقد
ظهر فيعصر ازدهرت فيه الحضارة الاسلامية والعربية، وظهر
فيه اشهرالنوابغ في مختلف العلوم الانسانية والداب. والسيد
الشريفالرضي هو مفخرة العترة، وقد جمع الى شرف النسب
النبويشرف العلم والحلم والادب، وهو ما تتباهى به العصور.
يقول عنهالثعالبي (429ه-): ;ژرسز÷وهو اليوم ابدع ابناء الزمان، وانجب
سادةالعراق، يتحلى - مع محتده الشريف، ومفخره المنيف -
بادبظاهر، وفضل باهر، وحظ من جميع
المحاسنوافر;ژرسز÷((185)).
والسيد الرضي كان محدثا ومحققا واديبا، وشاعرا، وهو
صاحبالمؤلفات التي بلغت ثمانية عشر مؤلفا، وقد بلغ بعضها
العشرةاجزاء، ومن اهمها: ;ژرسز÷مجاز القرآن;ژرسز÷ و;ژرسز÷مجاز الحديث;ژرسز÷
و;ژرسز÷نهجالبلاغة;ژرسز÷، هذا الثلاثي الرائع الذي الفه من كلام اللّه تعالى،
وكلامالنبي، وكلام الامام(ع)، كان مثار اعجاب العلماء والادباء،
ولكننهج البلاغة كان الاشهر والافضل والاكثر تداولا، ولذلك
نالمن الشروح والتعليق، قديما، وحديثا، ما لم ينله غيره من
بقيةالكتب البشرية، حتى قاربت المئتي شرحا الى يوم الناس
هذا،ولعل شهرة الرضي جاءت بسبب جمعه لهذا الكتاب، الذي
كانموضع اهتمام المسلمين وغيرهم من العلماء
والادباءوالمحدثين.
وقد صرح السيد الرضي عن سبب تسمية ما جمعه ب-
;ژرسز÷نهجالبلاغة;ژرسز÷ فقال: ;ژرسز÷ورايت من بعد تسمية هذا الكتاب
ب-(نهجالبلاغة)، اذ كان يفتح للناظر فيه ابوابا، ويقرب عليه
طلابها. فيهحاجة العالم والمتعلم، وبغية البليغ والزاهد،
ويمضي في اثنائهمن عجيب الكلام في التوحيد والعدل، وتنزيه
اللّه سبحانه وتعالىعن شبه الخلق، ما هو بلال كل غلة، وشفاء
كل علة، وجلاء كلشبهة...;ژرسز÷.
((186))
طريقته في الجمع
كان للسيد الرضي (رحمه اللّه) اسلوبه الخاص في جمع
;ژرسز÷نهجالبلاغة;ژرسز÷ وتدوينه، وقد تحدث عن هذا الاسلوب في
مقدمةالكتاب، ونعرض لذلك باختصار، وفي نقاط هي:
1 - قام (رحمه اللّه) بجمع ما تفرق من كلام الامام(ع)
منمصادره الموثوقة، ودونه في اوراق متفرقة ليستدرك ما
يشذ عنهمستقبلا، ثم عمد الى اختيار محاسن كلامه، فحذف ما
شاء ممااجتمع عنده، وانتقى ما شاء وفق ذوقه وسليقته، ومبناه
البلاغي،ومنهجه في النظم. فابتدا باختيار محاسن الخطب، ثم
محاسنالكتب، ثم محاسن الحكم، وكان يعترف بعجزه وقصوره
عنالاحاطة باقطار كلامه(ع) مع بذل الجهد وبلاغة الوسع،
لغزارتهوسعة موارده، يقول الرضي: ;ژرسز÷... فاجمعت بتوفيق اللّه
تعالى علىالابتداء باختيار محاسن الخطب، ثم محاسن الكتب،
ثم محاسنالحكم والادب، مفردا لكل صنف من ذلك بابا،
ومفضلا فيهاوراقا، لتكون مقدمة لاستدراك ما عساه يشذ عني
عاجلا، ويقعالى آجلا...;ژرسز÷((187)).
2 - ان جميع ما ضمه النهج، اخذه الرضي من المصادر
التيسبقته زمانا، او التي عاصرته، ولما لم تكن غايته في ما
يختارهمن كلام الامام(ع) تحقيق سنده، ولا تصحيح روايته،
بقدراهتمامه بما ينسجم مع الجانب البلاغي والبياني الذي
امتاز به،ادرج في النهج ما وجده امامه من كلمات الامام
وخطبه، وكتبه،في مؤلفات المؤرخين والمحدثين، مما نقلوه
ورووه عنالامام(ع)، وعزوه اليه من دون ان يسنده اليهم،
وعذره في ذلكانه لم يكن بعمله هذا راويا، بمعنى الرواة، ولا
محدثا على طريقةالمحدثين، الذين يدونون الروايات
والاحاديث باسانيد متصلةالى من صدرت عنه، وانما كان اديبا
له حس ادبي فريد، تغريهروائع البلاغة والبيان، ولا يلوي على
شي آخرسواها((188)). ولذا فانالباحث لا يجد كثير صعوبة
فيالعثور على جل ما في النهج في غير مصدر مما قد صنف
قبلعصر الرضي.للّه
3 - لما كانت مهمة الرضي محصورة بالجمع مع
التمحيصوالتحقيق والانتقاء لضبط مادة النهج، لابراز بلاغة
الامام(ع)0وفصاحته، فانه لم يراع في ما اختاره التنسيق
والتتالي، ولذاجرت هذه الطريقة مشاكل على حساب التنسيق
الفني، ودقةالتصنيف والنظم، يقول الرضي: ;ژرسز÷وربما جاء في ما
اختاره;ژرسز÷ منذلك فصول غير متسقة، ومحاسن كلم غير
منتظمة، لاني اوردالنكت واللمع، ولا اقصد التتالي
والنسق;ژرسز÷((189)).
4 - صنف السيد الرضي ;ژرسز÷النهج;ژرسز÷ بحسب الفنون النثرية، لا
بحسبالموضوعات، فابتدا بالخطب، ثم الرسائل، ثم الحكم،
وكان منالممكن ان تضاف اليه اشكال اءخر من فنون النثر،
مثل الدعاء،الخاطرة، الزيارة والمحاورة، والمقالة... الخ، الا انه
ادرجها ضمنالابواب اللائقة بها بحسب مقياسه الجمالي
والبلاغي، واشدهاملاءمة لغرضه: ;ژرسز÷ورايت كلامه(ع) يدور على
اقطاب ثلاثة،اولها: الخطب والاوامر، وثانيها: الكتب والرسائل،
وثالثها:الحكم والمواعظ;ژرسز÷((190)).
5 - بناء على خطته في الجمع، نراه قد يختار من الخطبة
الطويلةمقطعا منها فيقتطعه، وربما يجمع خطبة واحدة من
خطب شتى،ويوزع الخطبة الواحدة الى عدة فصول، ويدرج كل
فصل منها فيموضع مستقل، كما انه قد يكرر، في كتابه، الكلام
الواحد اوالخطبة الواحدة لوجود رواية اءخرى تختلف عن
الاولى، يقول(رحمه اللّه): ;ژرسز÷وربما جاء، في اثناء هذا الاختيار،
اللفظ المردد،والمعنى المكرر، والعذر في ذلك ان روايات
كلامه(ع) تختلفاختلافا شديدا. فربما اتفق الكلام المختار في
رواية فنقل علىوجهه، ثم وجد بعد ذلك في رواية اءخرى،
موضوعا في غيرموضعه الاول، اما بزيادة مختارة، او لفظ احسن
عبارة، فتقتضيالحال ان يعاد، استظهارا للاختيار، وغيرة على
عقائل الكلام...;ژرسز÷.
وربما يخ((191))تار من خطب متعددة فصولا ويوردهابنسق
خطبة واحدة((192)). وقد اشار الى ذلك ابن ابيالحديد في
شرح الخطبة (121)، فقال: ;ژرسز÷هذا الكلام يتلو بعضهبعضا، ولكنه
ثلاثة فصول لا يلتصق احدها بالخر، وهذه عادةالرضى، تراه
ينتخب من جملة الخطبة الطويلة كلمات فصيحة،يوردها على
سبيل التتالي، وليست متتالية حين تكلم بهاصاحبها;ژرسز÷((193)).
وفي موضع آخر من شرحه قال: غهذا كلام منقطع عما
قبله،لانالشريف الرضي (رحمه اللّه) كان يلتقط الفصول التي
فيالطبقة العليا من الفصاحة من كلام امير المؤمنين(ع)
فيذكرها،ويتخط ى ما قبلها وما بعدها;ژرسز÷((194)).
ف-;ژرسز÷نهج البلاغة;ژرسز÷ اذن، وان خلا من وحدة النظم
والتنسيقوالانسجام بين فصوله، بهذا المعنى الذي ذكرناه، الا
انه تنتظمتهوحدة الروح والمثل والاسلوب على اختلاف
موضوعاتهومقاصده وفنونه، فحينما نطل على ;ژرسز÷النهج;ژرسز÷ تغمرنا
انوارهالمشرقة، وعبقاته العطرة، ويستولي على مشاعرنا جو
روحانيايماني اخاذ، وكان المكانة السامية والمقام الروحي
لاميرالمؤمنين وسيد الاوصياء(ع) لا تبعد آنا ما، عما هو مسطور
فيهفتحس بادب الوحي والنبوة، وروحانية الايمان الصادق،
واخلاقالامام المعصوم،
ذلك كله في صور فنية رائعة في اعلى طبقات البلاغة
والفصاحة.وكاننا نقرا
شخصية الامام وسيرته بين سطور النهج كما وصفها رسول
اللّهغ:غلا يعرفك الا اللّه واناف.
وقد قدم السيد الشريف (رحمه اللّه) بعمله هذا خدمة كبيرة
علىمر العصور للادب واللغة والاخلاق، وللانسانية عموما،
وسوفيوفى اجر المصلحين والمحسنين ؟انا لا نضيع اءجر
المصلحين؟،؟ولا نضيع اءجر المحسنين؟.
فالنهج نسخة فريدة بين آثار بني الانسان تشتمل على
معارفالهية عالية، ومنهاج للاخلاق، وقوانين في الاجتماع،
والسياسة،والحرب، والاقتصاد.. ودروس في الحكمة، والادب،
والعرفان...الخ. ينهل منه العارف، والفيلسوف، والمتكلم، وعالم
الاجتماعوالسياسة والحرب، والفقيه، والحكيم، والاديب..
مصادر الرضي في جمع نهج البلاغة
ان الامام الرضي محمد بن الحسين الموسوي (قدس
سره)،العالم البصير، والثبت الخبير والمامون، قد تصدى لجمع
كلامامير المؤمنين على(ع)، وروايته وتنظيمه في كتاب اسماه
;ژرسز÷نهجالبلاغة;ژرسز÷، ومنذ اول يوم ظهر فيه هذا الكتاب للوجود،
وعرفهالناس، تناقله العلماء، والادباء، وتلقوه بالقبول
والاستحسان،وتصدوا لشرحه وترجمته، والتعليق عليه وعبر
القرون، دونما نكيراو تشكيك الا من بعض الشذاذ دونما سبب
مهم يوجب التشكيكمن مناقضة للكتاب الكريم او السنة
الثابتة او العقل، ولا لضرورةمن ضروريات الدين.
وكتاب النهج هذا جدير بان يكون من اجل المصادر
واعلاهاواوثقها، ولا يحتاج بعد الى مصدر او مرجع يوثقه، شانه
في ذلكشان سائر ما يرويه المحدثون الثقات، فيؤخذ
بمروياتهم من دونتشكيك، ولا مطالبة بمصدر، على انه جاء
جله مرويا بالاسانيدفي مصادر اءخر سابقة اءو معاصرة لجامع
النهج. وقد صرح جامعهالشريف الرضي (رحمه اللّه) - خلاله - في
ابواب متفرقة، بانهنقل بعض نصوص نهج البلاغة من مصادر
مدونة، ذكر اسماءهاواسماء مؤلفيها، ومن مصادر مروية
بالاسانيد المتصلة الىالامام على(ع)، ;ژرسز÷والظاهر ان تخصيص
ذلك البعض بذكرالمصدر دون غيره من مندرجات الكتاب، هو
ان ذلك البعض ممالم تتحقق عند المؤلف نسبته الى امير
المؤمنين(ع)، بخلافغيره فانه على ثقة منه ويقين، فلا يحتاج
الى ذكر مصدر له تكونالعهدة عليه في النقل والنسبة، وهذه
عادة القدماء من اهلالتاليف;ژرسز÷((195))، ونحن نذكر مصادره
المدونة، ثممصادره المروية ب((196))السند كما ذكرها في
ثنايا النهجالشريف.
اولا - المصادر المدونة
1 - حلف ربيعة واليمن، لابي منذر هشام بن محمد
الكلبي(204ه-)، وهو الحلف الذي عقده الامام على(ع) بين
ربيعةواليمن.
2 - ا((197))لجمل، لابي عبد اللّه محمد بن عمرالواقدي
(207ه-)((198)).
3- اصلاح المنطق، لابن السكيت ابي يوسف يعقوب بن
اسحاق(224ه-)، اصله من الاهواز، وهو مؤدب ولدي المتوكل
العباسي(237ه-) ونديمه((199)).
4 - غريب الحديث، لابي عبيد الهروي القاسم بن سلام(224ه-).
5 - كت((200))اب المقامات، لابي جعفر محمد بنعبد اللّه
الاسكافي (240ه-)، وهو في مناقبالا((201))مام على(ع).
6 - المغازي، لابي عثمان سعيد بن يحيي بن ابان بن سعيد
بنالعاص بن اءمية (249ه-)((202)).
7 - كتاب البيان والتبيين، لابي عثمان عمرو بن بحر
الجاحظ(255ه-)((203)).
8 - المقتضب، لابي عباس محمد بن يزيد المبر
د(285ه-)((204)).
9 - تاريخ الرسل والملوك، لابي جعفر محمد بن جرير
الطبري(310ه-)((205)).
ثانيا - المصادر المروية بالسند
1 - رواية ضرار بن ضمرة (ق1ه-)، وذكر ابن ابي الحديد فيموضع
آخر انه ضرار بن حمزة الضبائي، كان من خواص الامامعلى(ع)،
ورواية ضمرة عن الامام(ع) قوله: ;ژرسز÷يا دنيا غريغيري;ژرسز÷((206)).
2 - رواية ذعلب اليماني (ق1ه-)، من اصحاب الامام
اميرالمؤمنين(ع)، وقد سال ذعلب الامام(ع): هل رايت ربك
ياامير المؤمنين؟ فقال(ع): افاعبد ما لا ارى((207))!؟
3 - رواية ابن صدقة العبدي مسعدة بن صدقة (ق2ه-)،
كانمعاصرا للامامين الصادقين(، وهو من اعلام الجمهور. له
كتاب;ژرسز÷خطب امير المؤمنين(ع);ژرسز÷((208)).
4 - رواية ذعلب اليمامي ابي محمد ذعلب اليمامي (ق4ه-)،من
رجال الشيعة ومحدثيهم - يستعمل ابن ابي الحديد
لفظ;ژرسز÷المحدث;ژرسز÷ بمعنى ;ژرسز÷المؤرخ;ژرسز÷((209)).
5 - رواية ابي جحيفة السوائي وهب بن عبد اللّه (75ه-)،
رئيسشرطة امير المؤمنين(ع)، وصاحب بيت ماله((210)).
6 - رواية كميل بن زياد النخعي (82ه-.)، كان من خواص
اميرالمؤمنين(ع)((211)).
7 - رواية نوف بن فضالة البكالي الحميري (90 - 100ه-)،
كانصاحب الامام(ع)، روى عنه خطبة وحديثا((212)).
8 - حكاية الامام ابي جعفر محمد الباقر بن علي بن الحسين
بنعلى بن ابي طالب(ع) (ت/114ه-)، خامس ائمة اهل
البيتالمعصومين (عليهم السلام)((213)).
9 - رواية ثعلب الشيباني ابي العباس احمد بن يحيى (ت
/291ه-)، عن المامون العباسي، عن الامامعلى(ع)((214)).
انتهت مصادر الشريف الرضي التي اوردها في نهجالبلاغة.
اشكاليات حول الكتاب
ما ان ظهر كتاب ;ژرسز÷نهج البلاغة;ژرسز÷ الذي جمعه الشريف
الرضي(رحمه اللّه) حتى انفتح الباب امام الاقلام التي حركتها
وخزاتالحقد والشنن، فاثارت الشبهات حول مصداقية النهج
الشريف،وصحة نسبته الى الامام امير المؤمنين(ع)، فزعمت ان
جميع مافي النهج او بعضه هو من تاليف السيد الرضي، او هو
من تاليفاخيه السيد المرتضى (436ه-)، او من تاليفهما معا، او
منتاليف قوم من فصحاء الشيعة، وضعوه ليزيدوا الناس يقينا
بماعرفوه من بلاغة الامام(ع)، وقوة بيانه، واقتداره
وفصاحته،وساقوا في معرض الشك مزاعم لا تصمد امام سلطان
العلموالمنطق، وشواهد الاحوال.
ولعل اول من شكك في صحة ما اءثر في النهج هو ابن
خلكان(681 ه-)، فقد تردد في مؤلف النهج، اهو الشريف الرضي
امالمرتضى (رحمهما اللّه)؟ فقال: غقد اختلف الناس في كتاب
نهجالبلاغة المجموع من كلام الامام على بن ابي طالب(ع)،
هل هوجمعه، ام جمعه اخيه الرضي؟ وقد قيل: انه ليس من
كلامعلى(ع)، وانما الذي جمعه ونسبه اليه هو
الذيوضعه;ژرسز÷((215)).
ثم تبعه جملة من الباحثين من قدماء ومحدثين، امثال ابن
تيمية(728ه-) في منهاج السنة، والذهبي (748 ه-) في
ميزانالاعتدال، الذي زعم ان واضع النهج هو السيد المرتضى
اخوالرضي. ثم جاء الصفدي (764 ه-) في الوافي بالوفيات،
واليافعي(768 ه-) في مرآة الجنان، ثم تبع هؤلاء من المحدثين
احمدامين، واحمد حسن الزيات، واحمد زكي، ومحمد كرد
علي،وجرجي زيدان، ومحمد سيد كيلاني، وغيرهم،
وبعضالمستشرقين، امثال المسيو ديمومبين، الذي حاول ان
يغض منقيمة ما نسب الى الامام(ع) استنادا الى ما شاع قديما
من انالشريف الرضي هو واضع كتاب ;ژرسز÷نهج البلاغة;ژرسز÷((216)).
ومجمل حجج هؤلاء المنكرين او المشككين تعود الى
اسبابكثيرة، بعضها يتعلق بجهة السند، وبعضها الخر
بمضمونهومحتواه، وبعضها باءسلوبه، ولعل اكثر الشبهات شهرة
وتداولاهي:
1 - خلو الكتب التاريخية والادبية من اكثر ما في النهج،
اواناكثره عرض منسوبا في غير النهج لغير الامام(ع).
2 - طول بعض الخطب، وتعس ر حفظها على الرواة.
وهاتان الشبهتان تتعلقان بالسند.
3 - التعريض بالخلفاء السابقين، وبعض الصحابة،
كالخطبةالشقشقية وغيرها، وهذا امر لا يتناسب وواقع
الامام(ع)، او انهيتنافى وعقيدة المشكك، او المنكر.
4 - كثرة الخطب بما لا يتناسب وحاجة الامام(ع) لمثلهاعادة.
5 - اطالة بعض الكتب المملوءة بالراء السياسية،
والادارية،والقضائية بما لم يعهد من غيره من الخلفاء، كعهده
لمالك الاشتر(رضي اللّه عنه).
6 - ما يظهر في النهج من الاخبار بالمغيبات.
7 - اصطباغ بعض محتويات النهج بما لا يتلاءم مع
عصرالامام(ع)، كذكره بعض الالفاظ المحدثة، كلفظة ;ژرسز÷الازل;ژرسز÷
و;ژرسز÷الازلية;ژرسز÷، و;ژرسز÷الكيف;ژرسز÷، و;ژرسز÷العدم;ژرسز÷، و;ژرسز÷الوجود;ژرسز÷ واستعمال
بعضالالفاظ بمصطلحاتها المنطقية او الفلسفية ك- ;ژرسز÷الحد;ژرسز÷
و;ژرسز÷العلة;ژرسز÷و ;ژرسز÷المعلول;ژرسز÷ وغيرها، والتعرض لدقائق علم التوحيد،
وابحاثالرؤية والعدل، وكلام الخالق وصفاته ووجوده، التي
نشات بعدعصر الامام(ع).
8 - عدم ملاءمة اءسلوبه لزمن الامام(ع)، بما استعمل فيه
منالفنون البديعية، كالسجع والازدواج، والطباق، الى امثال
ذلك مماانتشر في العصر العباسي، وكدقة الوصف، كوصفه
للطاووس،والخفاش والجراد، والسحاب، والجنة والنار، وغيرها.
هذه جملة الشبهات التي اوردوها، ولاجل الرد عليها نقول:
اولا - ان خلو الكتب التاريخية والادبية من اكثر ما في النهج
لاينهض دليلا على ان تلك الخطب غير صادرة عنه(ع)، بعد
تواترنقله عن الرضي (رحمه اللّه) ونسبته له، وتصريح الرضي
في جملةمن مؤلفاته بنسبته له، كما جاء في كتاب ;ژرسز÷حقائق
التاويل;ژرسز÷ قوله:;ژرسز÷... ومن اراد ان يعلم برهان ما اشرنا اليه من ذلك،
فلينعم النظرفي كتابنا الذي الفناه ووسمناه ب- ;ژرسز÷نهج البلاغة;ژرسز÷،
وجعلناهيشتمل على مختار جميع الواقع الينا من كلام
اميرالمؤمنين(ع);ژرسز÷((217)).
وكتابه ;ژرسز÷المجازات النبوية;ژرسز÷ حيث قال فيه: ;ژرسز÷... وقد ذكرنا ذلك
فيكتابنا الموسوم ب- ;ژرسز÷نهج البلاغة;ژرسز÷ الذي اوردنا فيه مختار
جميعكلامه صلى اللّه عليه وسلم وعلى الطاهرين
مناولاده;ژرسز÷((218)).
وبعد هذا، فان تشكيك ابن خلكان واضرابه لا اعتبار له،
بخاصةبعد قول المسعودي (346ه-): ;ژرسز÷... والذي حفظ الناس
عنه منخطبه في سائر مقاماته اربعمئة خطبة، ونيف وثمانون
خطبة،يوردها على البديهة، تداول الناس ذلك عنه
قولاوعملا...;ژرسز÷((219)).
وقول اليعقوبي احمد بن اسحاق العباسي (بعد 292ه-) فيكتابه:
;ژرسز÷مشاكلة الناس لزمانهم;ژرسز÷: غوحفظ الناس عنه الخطب،
فانهخطب باربعمئة خطبة، حفظت عنه، وهي التي تدور بين
الناس،ويستعملونها في خطبهم...;ژرسز÷((220))، ونحو ذلك
قولعبدالحميد الكاتب (132ه-)، وقول ابن نباته
(374ه-)،وغيرهما.
وواضح ان ;ژرسز÷نهج البلاغة;ژرسز÷ لا يشتمل على هذا العدد، بل
الذيضمه بين دفتيه حوالى 240 خطبة و79 كتابا، وهو دون ما
ذكروهبكثير.
وربما كان منشا الشك في نسبته الى اخيه المرتضى، هو
تلقيببعض المؤرخين له بالمرتضى، تعريفا له بلقب جده
ابراهيم، ثمتفرد الرضي بلقبه هذا واشتهر به بعد ان اختير نقيبا
للهاشميين.
كما ان تشكيك يعقوب صروف صاحب;ژرسز÷المقتطف;ژرسز÷((221)) في
مقالة له تحت عنوان: ;ژرسز÷عهد الاماموكتاب السلطان با يزيد
الثاني;ژرسز÷، بان نهج البلاغة كله مظنون، وقداءقحم فيه بعض
الخطب في عصور متاخرة، وضرب على ذلكالمثل بالتفاوت
بين ما بايدينا من عهد الامام(ع) لمالكالاشتر، وبين ما وجد
منه في نسخة كتبت للسلطان بايزيد منذخمسمئة عام، فوجد
ان نسخة النهج ابسط واطول من نسخةالسلطان با يزيد
المخطوطة سنة 858 ه-، فاستنتج من ذلكانهذه الزيادة انما
حدثت منذ سنة 858 ه- الى زمن طبع نسخةالنهج في مصر او
بيروت سنة 1307ه-، وبنى على هذا الامرتشكيكه.
هذا التشكيك لا اعتبار له بعد وجود نسخ مقروءة على
جامعهاالشريف الرضي نفسه كتبت سنة 400ه- ، وموقع عليها
بقلمه،ومتلقاة منه يدا بيد، وعصرا بعد عصر، وهي مطابقة لما
بايدينامن النسخ، ولو كان فيها اقحام او زيادة لنبه على ذلك
الشراح علىكثرتهم، كشرح ابن ابي الحديد (656ه-) الذي فيه
النص كاملاعلى الصورة الموجودة في النسخة المطبوعة، وكذا
شرحالفيلسوف العارف ابن ميثم البحراني (679ه-). ومن هذا
كلهيتضح ان نسخة السلطان بايزيد اما مختصرة من نسخة
النهج، اوانها نسخت على رواية اءخرى، وما اءكثر المصادر التي
تروي كلامالامام(ع).
اما دعوى اختلاق السيد الشريف الرضي للنهج ووضعه له
فكلاملا يمكن ان يصدر من عارف بتاريخ الشريف وخلقه،
وورعهوكماله ووثاقته. وبعده عن التعصب المذهبي، ورتبته
من العلموالادب، ومكانته الاجتماعية وما كتبه عنه
المؤرخونوالمترجمون اكثر مما ذكرنا من حميد الخصال
وجليل الفعال،هذه الصفات تابى عليه ان يتجاوزها فيختلق
وينسب الىالامام(ع) ما ليس له، فهذا الرجل فوق التهم
والظنون.
ثم، لماذا كل هذا الايثار من السيد الرضي؟ فهلا نسب النهج
لذاتهليسجل نفسه في لوحة عظماء التاريخ واءدبائهم؟! اذن
فالنهج نهجالامام(ع)، لكن الاقلام المنكوسة الحاقدة هي التي
الصقتبالشريف تهمة الوضع والخيانة والدس، وبالامام(ع)
تهمةالعجز والقصور، وحاشاه صلوات اللّه عليه.
اضافة الى ما ذكرنا، فان الكثير من الكتب التاريخية،
والحديثيةالمعروفة قبل زمان الرضي، قد تناولت كثيرا من
نصوص النهجكاليعقوبي، والطبري، والكليني، والنجاشي،
والجاحظ، وغيرهمعشرات من امثالهم.
وهناك من المحدثين والمؤرخين من جمع كلام الامام او
خطبهاو قسما منها، وقد ذهب بعض هذه المجموعات مع
الزمن، وتلفضمن ما تلف من تراثنا العربي والاسلامي، بسبب
الحروبوالفتن، وبقيت الاسماء فقط، يعرفها كل من عني
بالتراثالاسلامي، ومن هذه المجموعات:
1 - كتاب ;ژرسز÷خطب امير المؤمنين(ع) على الناس في
الجمعوالاعياد;ژرسز÷، لزيد بن وهب الجهني الكوفي (96ه-).
2 - كتاب ;ژرسز÷خطب امى--ر المؤمنين(ع);ژرسز÷، المروية عن
امامناالصادق(ع) (148ه-).
3 - كتاب ;ژرسز÷خطب الامام على;ژرسز÷، لهشام بن السائب الكلبي(206ه-).
4 - كتاب ;ژرسز÷خطب على(ع) وكتبه الى عماله;ژرسز÷، لابي الحسنعلي
بن محمد المدائني (225ه-).
5 - كتاب ;ژرسز÷رسائل امير المؤمنين(ع);ژرسز÷، لابراهيم بن محمد
بنسعيد بن هلال الثقفي (283ه-)، وعشرات من نظائرها.
وبعد هذاط، فهل يمكن ان ينسب جميع النهج او بعضه
الىالشريف الرضي، او الى غيره؟
والواقع ان اتهام السيد الرضي بوضع ;ژرسز÷نهج البلاغة;ژرسز÷ قديم كما
قلنا،كما ان الدفاع عنه قديم ايضا. ونكتفي في هذا المجال
بذكر دفاعشارح النهج عز الدين ابي حامد بن ابي الحديد
المعتزليالشافعي، عن نسبة نهج البلاغة الى الامام امير
المؤمنين(ع)،حيث يقول: غان كثيرا من ارباب الهوى يقولون:
ان كثيرا من (نهجالبلاغة) كلام محدث، صنعه قوم من فصحاء
الشيعة، وربما عزوابعضه الى الرضي ابي الحسن وغيره، وهؤلاء
قوم اعمت العصبيةاعينهم، فضلوا عن النهج الواضح، وركبوا
بنيات الطريق،ضلالاوقلة معرفة باساليب الكلام، وانا اوضح لك
بكلام مختصرما في هذا الخاطر من الغلط، فاقول: لا يخلو اما
ان يكون كل(نهجالبلاغة) مصنوعا منحولا، او بعضه.
والاو ل باطل بالضرورة، لانا نعلم بالتواتر صحة اسناد بعضهالى
امير المؤمنين(ع)، وقد نقل المحدثون كلهم او
جلهم،والمؤرخون كثيرا منه، وليسوا من الشيعة لينسبوا الى
غرض فيذلك.
والثاني يدل على ما قلناه، لان من قد انس بالكلام
والخطابة،وشدا طرفا من علم البيان، وصار له ذوق في هذا
الباب، لابد انيفرق بين الكلام الركيك والفصيح، وبين الفصيح
والافصح، وبينالاصيل والمولد، واذا وقف على كراس واحد
يتضمنكلامالجماعة من الخطباء، او لاثنين منهم فقط، فلابد
ان يفرق بينالكلامين، ويميز بين الطريقتين....
وانت اذا تاملت ;ژرسز÷نهج البلاغة;ژرسز÷ وجدته كله ماء واحدا،ونفساواحدا
، واءسلوبا واحدا، كالجسم بسيط، الذي ليس بعضمنابعاضه
مخالفا لباقي الابعاض في الماهية، وكالقرآن العزيز،
اولهكاوسطه، واوسطه كخره، وكل سورة منه، وكل آية مماثلة
فيالماخذ والمذهب والفن والطريق والنظم لباقي اليات
والسور،ولو كان بعض ;ژرسز÷نهج البلاغة;ژرسز÷ منحولا وبعضه صحيحا، لم
يكن ذلككذلك، فقط ظهر لك بهذا البرهان الواضح ضلال من
زعم ان هذاالكتاب او بعضه منحول الى امير المؤمنين(ع).
واعلم ان قائل هذا القول يطرق على نفسه ما لا قبل له به،
لانامتى فتحنا هذا الباب، وسلطنا الشكوك على انفسنا في هذا
النحو،لم نثق بصحة كلام منقول عن رسول اللّهغ ابدا، وساغ
لطاعن انيطعن ويقول: هذا الخبر منحول، وهذا الكلام
مصنوع، وكذلك مانقل عن ابي بكر وعمر من الكلام والخطب
والمواعظ والادبوغير ذلك، وكل امر جعله هذا الطاعن
مستندا له في ما يرويه عنالنبيغ، والائمة الراشدين، والصحابة
والتابعين، والشعراءوالمترسلين، والخطباء، فلناصري امير
المؤمنين(ع) ان يستندواالى مثله في ما يروونه عنه من ;ژرسز÷نهج
البلاغة;ژرسز÷ وغيره، وهذاواضح((222)).
واما نسبة بعض خطب النهج لغير الامام(ع)، فقد كان
مناختلاق المؤرخين وفعلهم عن خطا او عمد ، كالخطبة
التينسبت الى معاوية، الذي القاها في جماعة من قريش قبيل
وفاته:;ژرسز÷ايها الناس، انا قد اصبحنا في دهر عنود، وزمن كنود، يعد
فيهالمحسن مسيئا، ويزداد الظالم فيه عتوا... الخ;ژرسز÷((223)).
وقد شكك الجاحظ في هذه النسبة - بعد ان ذكر هذه
الخطبة،وذكر من نسبها الى معاوية - لاسباب اهمها: ;ژرسز÷ان هذا
الكلامبكلام على(ع) اشبه... ثم قال: ومتى وجدنا معاوية في
حال منالاحوال يسلك في كلامه مسلك الزهاد،
ومذاهبالعباد؟!;ژرسز÷((224)).
اقول: هذا مع العلم ان الجاحظ كان معتزليا عثماني المذهب،
لايميل لعلى(ع) ولا يفضله على عثمان او غيره
منالخلفاء((225)).
وانى للرضي او غيره من فصحاء الشيعة وغيرهم
محاكاةالامام(ع)، او مجاراته في اءسلوبه وطريقته، اءو في
معانيهوالفاظه.
ثانيا - اما التشكيك بنسبة بعض الخطب له(ع)، لطولها،ولتعذر
حفظها على الرواة، فهو كسابقه تشكيك لا قيمة له، اذاعرفنا
انالعرب كانوا في تلك العصور يعتمدون على قوة
الحافظة،وسرعتها، فقد كانوا يحفظون القصائد الطوال لمجرد
سماعها.حكى صاحب الاغاني، ان ابن عباس (رحمه اللّه) حفظ
قصيدةعمر بن ابي ربيعة: ;ژرسز÷امن آل نعم انت غاد فمبكر;ژرسز÷ لمجرد
سماعهابقراءة واحدة.
وخطب النهج ليست بدعا من خطب النبيغ او الخلفاء، ولو
كانالحفظ يتعذر، لكان الشك يسري الى كل ما حفظ من
خطبالنبيغ والخلفاء، والولاة وغيرهم من اهل الجاهلية
والاسلام.
ومن المحتمل ان خطب الامام(ع) كانت تكتب بعد سماعهامن
قبل اصحابه ومريديه.
ثالثا - اما وجود خطب تعرض فيها الامام(ع) لبعض
الصحابةوالخلفاء السابقين، وطعنت عليهم ونالت منهم، واكثر
هذهالتعريضات جاءت في الخطبة الشقشقية، وقد ذكر ذلك
غير واحدممن شكك في النهج كابن تيمية والذهبي، وقد صرح
الاخير فيميزان الاعتدال، بقوله: غومن طالع كتابه نهج
البلاغة جزم بانهمكذوب على امير المؤمنين على(ع)، ففيه
السب الصراحوالحط من السيدين ابي بكر وعمر...;ژرسز÷((226)).
والجواب: ان التعرض لنقد الصحابة - في الواقع - لا ينسجم
مععقيدة المشكك ومذهبه، باعتباره قائما على بدعة عدالة
الصحابةوتن-زيههم. والواقع التاريخي والموضوعي يرفضه
بشكل قاطع،حيث ان كثيرا من الاخبار في غير النهج تؤكد
وقوع التسابوالتشاجر، والتخاصم، والاغتياب وشهر السلاح
والاغتيال بينالصحابة. وقد ذكر ابن ابي الحديد ذلك
فيشرحه((227)).
واما الواقع السياسي، فان الامام(ع) بحكم اقصائه وابتزاز
حقهودفعه فقد نقم على بعض الصحابة، وهذا امر يقتضيه على
ايحال، سواء لحظنا الامام(ع) كبشر... يغضب ويتالم ويرضى،
اذاتعرض الى مفارقات كالتي تعرض لها يوم السقيفة، او
يومالشورى، او غيرها وهو صاحب الحق، او جراتهم على
بيته،وزوجته. ام لحظناه كحجة للّه وامام هدى يتوقف اداء
رسالتهعلى تاكيد مظلوميته، وانه صاحب الحق المنصوص
عليه منالنبيغ، والمقصى عن مقام الامامة والخلافة، فيبين
ذلك علىالملا حتى تتم له الحجة على الناس، ويتم ايصال
تعاليم الاسلاموالنبيغ ووصاياه اليهم.
ثم ان هذه الخطبة - الشقشقية - رويت في مصادر كثيرة
قبلالشريف الرضي، وكلها تستمد من مصدر واحد وهو ابن
عباس،متفقة في المعنى وان اختلفت الفاظها، فلو كان واضعها
الرضيلنقلت عن النهج بوجه واحد في جميع المصادر.
وفي معرض دفاع ابن ابي الحديد عن نسبة هذه الخطبة
الىالامام(ع) ينقل هذه القصة الظريفة، ثم يذكر بعض المصادر
قبلعصر السيد الرضي، فيقول:
غقال مصدق((228)): وكان ابن الخشاب صاحب دعابةوهزل،
قال: فقلت له: اتقول انها منحولة؟!
فقال: لا واللّه، واني لاعلم انها كلامه، كما اعلم انك مصدق.
قال: فقلت له: ان كثيرا من الناس يقولون انها من كلام
الرضى.للّه
فقال: انى للرضى ولغير الرضي هذا النفس وهذا الاسلوب!
قدوقفنا على رسائل الرضي، وعرفنا طريقته وفنه في الكلام
المنثور،وما يقع من هذا الكلام في خل ولا خمر. ثم قال: واللّه
لقدوقفتعلى هذه الخطبة في كتب ص نفت قبل ان يخلق
الرضيبمئتي سنة، ولقد وجدتها مسطورة بخطوط اعرفها،
واعرفخطوط من هو من العلماء واهل الادب قبل ان يخلق
النقيب ابواحمد والد الرضى.
قلت: وقد وجدت انا كثيرا من هذه الخطبة في تصانيف
شيخناابي القاسم البلخي((229)) امام البغداديين من
المعتزلة،وكان في دولة المقتدر قبل ان يخلق الرضي بمدة
طويلة. ووجدتايضاكثيرا منها في كتاب ابي جعفر ابن
قبة((230)) احدمتكلمي الامامية، وهو الكتاب المشهور
المعروف بكتاب;ژرسز÷الانصاف;ژرسز÷، وكان ابو جعفر هذا من تلامذة
الشيخ ابي القاسمالبلخيللّه، ومات في ذلك العصر قبل ان
يكون الرضى (رحمهاللّه) موجودا;ژرسز÷((231)).
رابعا - اما قضية كثرة الخطب، فانها كانت قياسا الى
كثرةالدواعي والاغراض، وتراكم الاحداث والظروف
السياسية،والعسكرية، والاجتماعية، والاخلاقية، قليلة، لان
جميع هذهالامور تحتاج الى كلام كثير هو اضعاف ما ورد في
النهج منالخطب. وقد ذكرنا روايتي المسعودي واليعقوبي
وغيرهما، بانالمروي اكثر من ذلك المدون في النهج
بكثير((232)).
خامسا - واما الاطالة في الكتب، وبخاصة عهد مالك،
فهيضرورة اقتضتها ظروف الحركة التغييرية التي تبناها
الامام(ع)،بعد بروز ظاهرة الفساد الاداري واستهتار الولاة،
فاراد الامام(ع)ان يعهد عهدا، يكون منهاجا يسير عليه الولاة
عموما، ويقرا علىالامة ليكون شاهدا ورقيبا على تصرفاتهم،
وحتى مالك في حنكتهوحزمه وتقواه، يحتاج الى نصح
الامام(ع) وتوجيهه. ثم ان هذاالعهد الذي يرسم علاقة الحاكم
مع القضاة، والقواد، والتجار،والعمال، والجند، والرعية.. لا يسعه
الا الاطالة والاسهاب النافع،والبيان الشافي، كما هي الحال في
زماننا حينما يكتب دستور للامةاو تعين وظائف الحاكم.
|
|---|