الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

ان هذا المثقف، اذا تزود بالمادة المطلوبة، في هذا المجال، سوف‏يحدث حركة نشطة في مشروع الكيانية الشيعية، الامر الذي نريدالافصاح عنه في هذه العجالة هو ان هذه الكيانية تشكل في حدذاتها مكمن امان لهذا المثقف، في ظل الاوضاع العالمية‏الجديدة التي تنطوي على اغراءات هائلة، تدعو المثقف الى‏التمرد والخروج، ومما ثبت من خلال التجربة ان الانشداد الى‏الانتماء لا يستمد قوته من صلاحية المبدا والفكر فحسب، بل‏اضافة الى ذلك من تماسك المنتمين لهذا المبدا، فان تفكك‏اهله، وتناقضهم اقتصاديا، وعدم انسجامهم في اطار منظم‏متناسق ومتكافئ، وغياب الاهداف الواضحة، وانعدام التصورالمتقارب من قضايا العالم‏ط ذلك كله يقود الى الغربة الفكرية‏والانقلاب العقيدي، او الى التحلل المبدئي والانصراف الى عوالم‏اخرى، وهذه القضية سنعود اليها قريبا.

وفي الحقيقة، ان المثقف الشيعي يستطيع ان يسهم في طرح‏موضوعة الكيانية الشيعية بلا فاصل وبفعالية عالية، فان لوحة فنية‏معبرة تترجم الواقع الشيعي المؤلم وتطرح البديل‏ط ان انجازا من‏هذا النوع يهز الضمير الشيعي، ويخلق حالة من الوعي المستنفر،سيكون سببا في تولد قيم جديدة على صعيد البنية الشيعية‏ط ان‏رواية تتعرض لحالة التمزق التي تحكم العلاقة بين مكونات‏الجسم الشيعي، وتستنجد الضمير الحر في التصدي لهذه الحالة‏المرفوضة في ضوء قيم اهل البيت(، وبلحاظ قيم القرن الواحدوالعشرين السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبمعاينة متطلبات‏العصر وتعقيداته‏ط ان مثل هذه الرواية اذا اءحكمت وجاءت وفق‏قواعد الرواية الحديثة، ستحدث انقلابا في عمق العقلية الشيعية‏بشكل عام، تستنبت وعيا بالواقع، وتحرك نزعة التغيير.

ان المثقف الشيعي مدعو للقيام بدوره الفاعل على طريق الكيانية‏الشيعية العالمية، التي من شانها جمع هذا الشتات، وحماية هذاالوجود من المؤامرات الهادفة الى تمزيقه وتقطيع اوصاله،والارتفاع به الى تذوق جماليات العمل الموحد والمتعاضد، من‏اجل القوة الهادية، والتقدم الذي يعود بالخير على الذات وعلى‏الخر.

الاكاديمي الشيعي والكيانية صاحب الاختصاص ثروة وسلطة، والطوائف الناجحة تسعى الى‏الاستفادة من ابنائها اصحاب الاختصاص، سواء في تاصيل‏وجودها واستجلاء تاريخها، ام في الدفاع عن سياستها ومواقفها،ام في تجديد فكرها وفلسفتها، ام في طرح مشاكلها والعمل على‏تذليلها وحلها. انهم فريق عمل على جميع الاصعدة وفي جميع‏الاتجاهات، والشيعة طائفة مثقفة متعلمة، تضم في صفوفها مئات اللاف من اهل الاختصاص في العلوم الطبيعية والانسانية، وهم‏طاقة مبددة، اذ لم يوجد اي سعي جاد للاستفادة من هذا الجيش‏المعرفي الكبير لصالح هذه الطائفة المظلومة، في حين تعمل‏الطوائف الناجحة على احتضان هذه الثروة وتضع في خدمتهاجميع الامكانات، وتنيط بها مهمة التخطيط للحاضر والمستقبل، والهدف الجوهري هو الارتقاء بمستويات الطائفة والارتفاع‏بقدراتها وامكانياتها المادية والمعنوية.

ان ذوي المعرفة الاكاديمية، في علم المال والاقتصاد، يمكن ان‏يقدموا للوجود الشيعي اطروحة ناضجة عن الراسمال الشيعي(الحقوق الشرعية) وكيفية استثماره وتشغليه، ليس لتسيير شؤون‏الحوزة العلمية وحسب، بل لعلاج مشكلة الفقر داخل الجسم‏الشيعي، كما ان ذوي الاختصاص الاداري والسياسي، يمكن ان‏يقدموا اطروحة تنظيمية تتولى مهمة التكامل الفكري‏والاقتصادي والسياسي والاجتماعي بين مكونات الجسم الشيعي‏المبعثر والمجزا، ويمكن لذوي الاختصاص الاعلامي، ان‏يقترحوا خطة اعلامية ناجحة تؤهلنا للدخول الى العالم، نتحرك‏من خلالها للدعوة الى الاسلام، ونستعين بها للذود عن حقوقناوللرد على الشبهات الفكرية والسياسية التي تشن على التشيع عن‏قصد او جهل، ويمكن لذوي الاختصاص، وفي جميع المجالات‏المعرفية، ان يقدموا منهجا علميا وتربويا للنهوض بشباب الطائفة‏على جميع الاصعدة والاتجاهات.

اننا على ثقة بان هذه الجمهرة من ذوي الاختصاص من اهلنا،يتفاعلون مع مشروع الكيانية الشيعية، وهم على استعداد لتقديم‏كل الدعم في هذا الاتجاه الخير، الا ان هؤلاء بحاجة الى التفات‏ذوي الكلمة الحاسمة في الجسم الشيعي، اقصد المرجعية‏العظيمة، فانهم وبمجرد اشارة سريعة سيضعون جميع طاقاتهم‏على هذا الطريق.

في الواقع، ان تجميع اهل الاختصاص من الشيعة لاجل مشاريع‏ثقافية وتربوية، تخدم اتباع آل محمد (عليهم السلام) ليس‏بالفكرة الجديدة، فقد سبق ان تحركت في هذا الاتجاه مجموعة‏من الاكاديميين الشيعة في العراق، وبدعم من المرجعية الدينية‏العظيمة، آنذاك، وكان اول مشروع فكر به آنذاك، هو جامعة‏الكوفة، وقد كان المتصدون خيرة الاكاديميين من اهلنا، حيث‏وجد المشروع اصداء شعبية واسعة، وتفاعل معه جميع الشيعة،وابدوا استعدادات هائلة للوقوف الى جانب المشروع المذكور،ومنها نعرف جيدا ان الجمهور الشيعي متفاعل مع اي مشروع من‏شانه ايجاد كيانية خاصة به، تجمع الشتات وتنسق الطاقات‏وتؤلف بين الاختصاصات، وباتجاه النهضة والتقدم‏والازدهار.

الفقير الشيعي يشكل الفقر ظاهرة بارزة في الوسط الشيعي بشكل عام، ولم‏تاخذ هذه الظاهرة المؤسفة موقعها المركزي من الدرس والبيان‏والمعالجة من قبل الشيعة بالذات، وذلك رغم كونها ظاهرة تتضادمع القيم الانسانية ومنطق الحياة، فضلا عن تناقضها الجذري مع‏بديهيات الفكر الاسلامي الذي اسسه اهل البيت (عليهم السلام)،بل قد تلمس احيانا العكس، حيث طالما يتردد على السنة بعض‏الوعاظ واصحاب المنابر ورجال الدين، ان الفقر فضيلة، وانه من‏سمات المؤمنين، وربما هو قضاء اللّه الذي لا مفر منه! هذه الظاهرة قد يفسرها بعض الدارسين بانها نتيجة منطقية‏لاوضاع اقتصادية متردية، فيما يتصور آخرون انها قد تشكل‏حالة انسجام مع اتجاه معين في فهم الاسلام والتشيع، او هي من‏ملامح الكسل الفكري والجسدي للمجتمع العربي والاسلامي، اوهي من مستحقات تحريم المدارس والاشتغال بالوظائف قبل‏عقود من السنين! الواقع ان كل واحد من هذه التصورات لا يصيب كل الاصابة ولايخطئ كل الخطا، ولكن لا ريب في انها تهمل عنصرا اساسيا في‏الموضوع، ذلك هو الانتماء المذهبي، فالانسان الشيعي دفع ضريبة‏ضخمة بسبب انتمائه الى خط اهل البيت(. لقد حورب في رزقه‏وحياته وطموحاته لانه كان محسوبا على الائمة الاطهار( هذه‏حقيقة نتلمسها بوضوح، زمن الائمة، ثم تاسست موقفاتاريخياساري المفعول على مر العصور! والى هذه اللحظة يضيق‏على الانسان الشيعي اقتصاديا ، حتى اذا كان غير ملتزم، لا لسبب‏الا لكونه شيعيا، والشواهد على ذلك معروفة.

تطلع الانسان الشيعي الى الحكومات الوطنية لحل مشكلته هذه،ولكن الحكومات الوطنية كانت نسخة مكررة للعقلية السلفية في‏الحكم والسياسة والرؤى، رغم التغير الشكلي في المظاهر العامة،فاتخذ اكثرها موقفا سلبيا من الشيعة، واتجهت طائفيا في‏سياستها التعليمية والاجتماعية والاقتصادية، وكانت الطائفة‏الشيعية ضحية هذه السياسة المتخلفة، رغم ان للشيعة الدورالرئيسي في محاربة الاستعمار وفي بناء الدولة الحديثة، كما هوفي العراق والهند ولبنان وايران‏ط، وقد كانت هذه النتيجة متوقعة،لان مجتمعاتنا محكومة لعقود من السنين بالطغيان الطائفي‏البغيض والمفارقات المذهبية الظالمة، وليس هناك في الافق مايدعو الى الامل في هذه القضية! ان استمرار هذه المشكلة له انعكاس سلبي على الطائفة‏وخصوصا في هذا الزمن الذي اصبح فيه الدخل الفردي من‏علامات التقدم في الحياة واسبابه، كما اننا نعي جيدا ان لقمة‏العيش مذهب ودين، والبطون الخاوية لا تحمل المعاني السامية،وليس من شك في ان الافكار الهدامة تجد مرتعها في احضان‏الوسط المعدم، كما ان الفقر من اكبر دواعي الانحلال الخلقي‏والديني، وهذه هي الوهابية تستغل ظاهرة الفقر في بعض‏الاوساط الشيعية، لاستمالة الشباب الى افكارها الخرافية.

انهابعض النتائج المخيفة، وربما تتوالد وتتناسل في المستقبل.

ما يدعو للاسف هو ان الشيعة، بوصفهم وجودا بشريا ضخما،يمكنه ان يحل هذه المشكلة من خلال التضامن الاجتماعي، ومن‏خلال تنظيم راسمال الطائفة، تماما كما تعمل طائفة البهرة‏وطوائف اخرى، حتى اننا لم نجد فيهم فقيرا.

ان اغناء الفقير الشيعي من مهمات الشيعة بالذات قبل ان يكون‏مهمة الانظمة الحكومية، انها مسؤوليتنا بالدرجة الاولى، ونملك‏جميع اسباب الحل الكامل، ومن الطبيعي ان هذا لا ينفي ضرورة‏المطالبة بحقوق الشيعة، وذلك عبر جهاد منظم ومنسق في جميع‏انحاء العالم، انطلاقا من كونهم بشرا ومواطنين وبناة، فان هذاالعمل لا ينفصل باي حال من الاحوال عن توظيف الراسمال‏الشيعي الشرعي لحل هذه القضية الحساسة، ولكن وبكل صراحة،لو وجدت الكيانية الشيعية سيكون حل هذه المشكلة اسهل‏وايسر، وسيتخذ صفة الاستراتيجية العامة والمبرمجة، ان ممايؤسف له حقا ان يتوزع جزء كبير من الحقوق الشرعية الذي‏يخصص للفقراء على شكل صدقات، تستهلك على شكل نفقة‏يومية او شهرية، في حين بالامكان ان تتحول الى عمل وظيفي،وهو الاسلوب الذي تتبعه الطوائف الاخرى في سياسة‏المساعدات، ولو اتبع هذا الاسلوب منذ زمن لحققنا مساحة‏عريضة من الاكتفاء الاقتصادي في مجال طائفتنا، ولكن اتباعناللاسلوب التقليدي تسبب في اهدار كميات ضخمة من المال! ان مشروع الكيانية الشيعية ينقذ الراسمال الشيعي من التبذير،ومن الطريقة التقليدية في صرف هذا المال العزيز، انه يحول هذاالمال الى وظيفة، وينقذه من قانون ;ژرس‏ز÷قضاء حاجة;ژرس‏ز÷، ويحوله من‏صدقة الى مهنة او شهادة او حرفة.

الكيانية الشيعية والاولويات في نطاق مشروع الكيانية الشيعية لا بد من تحديد الاولويات،ومن الملاحظ اننا نفتقد هذه المسالة التي تدخل بشكل جدي‏ومباشر في صميم المصير، واهمال هذه الحقيقة يقود الى بعثرة‏الطاقات، وربما يساعد على خلق حالة مزرية من التشتت‏والتبعثر، كما انه يزج بالطائفة في حالة من الصراع العلني والخفي.ان استقراء عاديا من خلال النقاش وبعض ما يكتب هنا وهناك،وفي ضوء جملة من النشاطات، يمكننا من ان نكتشف اتجاهات‏كثيرة في هذا الخصوص. ان بعضهم يحصر الاولوية في قضية‏واحدة لا غير، الا وهي الدفاع عن الجمهورية الاسلامية والذب‏عن حياضها ضد الاعداء في الداخل والخارج، وليس من شك‏في ان هذا واجب شرعي، لان الجمهورية الاسلامية معقل الدين‏والحق، وهي امل الامام المهدي (عج).

والشيعة في كل مكان‏وجدوا فيه يعملون من اجل ازدهار اوطانهم وتحر رها،وفاقالاولويات يرونها، وهذه الاولويات نابعة من اسباب‏عديدة، يتم تحديدها في كل بلد في ضوء الظروف والمعطيات.

وفي الواقع ان كل اولوية من هذه الاولويات حق، وهي نابعة من‏ظروف موضوعية، وذلك بغض النظر عن بعض المفارقات‏والتناقضات، ولكن الامر الخطير هنا، او العنصر المفقود، اوالعقدة التي يجب ان تحل، هو افتقاد التنسيق بين الشيعة، الذي‏من شانه احترام الاولويات، ومن ثم تبادل الخبرات وتقدم‏الامكانات، الامر الذي سوف يسهم كثيرا في تفعيل كل طرف‏شيعي على مواجهة الاولوية التي تهمه وتنشيطه وترشيده،بالعكس، قد نجد اصرارا على حذف جميع الاولويات وحصرهافي عنوان واحد، وفي ذلك ضرر خطير قد يهدد الكيان برمته.

ان مشروع الكيانية الشيعية يوفر مثل هذا التصور وبعمق، حيث‏سيتضمن المشروع تحديدا علميا دقيقا للاولويات، ويضع خطة‏فكرية وعملية لكيفية التضافر بين الامكانات الشيعية المبعثرة على‏طريق معالجة هذه الاولويات.

ان المراجع العظام وعلماء الدين الابرار والمثقفين الواعين‏والتجار الاتقياء والاكاديميين المخلصين مدعوون الى بيان‏اولوياتنا كشيعة في ضوء امكاناتنا وحاجاتنا، وبلحاظ الاجواءالعالمية وما يحيط بنا من احداث وتغيرات، وبمعاينة مستجدات‏الفكر والثقافة وجميع العوامل الاخرى ذات العلاقة في‏الموضوع.

ان الكيانية الشيعية ستكون عنصر دعم فاعل للنظام الاسلامي،تحقق له حضورا معنويا واخلاقيا في الضمير والواقع، وتكون قوة‏احتياط اضافية الى امكانات الانتصار العظيم الذي تشرف الشيعة‏بانجازه في الجنوب اللبناني، وصمام امان من تكرار ماساة‏الاقتتال بين الاخوة في لبنان، وسوف تحول الشيعة الى قوة‏سياسية واقتصادية في اوروبا، تسهم في دعم قضايانا، فضلا عن‏كونها السبيل الوحيد الى انقاذ اجيالنا من الضياع‏والخراب.

بدايات بسيطة قلنا: ان الكيانية الشيعية العالمية عبارة عن وجود منظم، يسير وفق‏قواعد مرنة باتجاه اهداف عامة، تصب اولا وآخرا باستنهاض‏هذه الطائفة، اجتماعيا وفكريا وسياسيا، يشكل المراجع قوتهاالروحية، والتجار قوتها المادية، والاكاديميون قوتها العلمية،والمثقفون قوتها الفكرية، والجماهير الشيعية قاعدتها الشعبية،والمذهب الاسلامي الجعفري هو الايديولوجيا التي تميز الهوية‏الاولى، وهي المسؤولة عن تنظيم العلاقات داخل الكيان، وتحددالمواقف خارج الكيان، تعين وتشخص شرعية الاهداف‏والوسائل والاولويات والخطوات والممارسات، ولا نعتقد بان‏مثل هذه المنظومة امر مستحيل اذا وضعنا خطة تدريجية، تبدامن مصاديق بسيطة، من القرية والمحلة لتكون بعد ذلك على‏مستوى المدينة، ثم على مستوى الجغرافية الشيعية ككل، مرورابهذا البلد وذاك، ونعتقد بان لبنان جاهز لمثل هذه الاطروحة في‏ظل ظروفه الحالية، كما ان دول المهجر عينات رائعة لتنفيذالتجربة خصوصامهاجر الشمال الاوروبي، ولا مجال هنا للافاضة‏في هذه المسالة.

ان الانطلاق من تجارب محلية بسيطة، توفر فرصة ثمينة لطرح‏التجربة عمليا، وربما تتحول الى تجربة للدراسة على مستوى‏الفكر والتطبيق، ومن الطبيعي سيكون من الخطا الفادح اذا فكراصحاب التجربة بكسب جميع الشيعة الى المشروع، بل المطلوب‏تحقيق الفكرة عمليا ولو في نطاق مجموعة من المؤمنين بالفكرة،وبمرور الزمن ومن خلال مجموعة من الانجازات البسيطة‏الملموسة ذات المردود الحسي، تتهيا امكانات التفاعل الايجابي‏مع المشروع. وفي الحقيقة لو ان علماءنا في القرى والارياف‏والمدن الصغيرة يباشرون هذا المشروع في ظل امكاناتهم العادية‏لقدموا خدمة جليلة على طريق الفكرة.

ولكن ماذا لو حصل العكس؟! اذا لم يبادر العلماء وجميع المعنيين بالشان الشيعي الى تبني هذاالمشروع المصيري، قد نواجه مصيرا غير مريح، اذ ربما تتاكدحالات التصدع داخل الجسم الشيعي، وتتفاقم عمليات التشقق‏في الكيان المهدد اصلا، وتطفح على السطح القضايا الهامشية،وتحتل مركز الاهتمام الفكري والسياسي، فيما تغيب القضاياالكبيرة التي تتصل بالمصير، ومن الطبيعي ان تصاحب حالة‏التمزق الداخلي نتائج سلبية، ولعل من اخطرها - لا سمح اللّه -انحسار العلاقة بين الناس وقادتنا العلماء، وهو الهدف الذي‏تخطط له دوائر الاستعمار العالمي، وفي هذه الظروف قد تفرزحالات من الغلو، وفي المقابل تفرز حالات من التميع العقدي‏المخيفة، وبالتالي قد ينشا جيل غريب عن فكر اهل البيت(.

ان الكيانية الشيعية هي الحل الوحيد، انها الحل الناجع والوحيدلجميع مسينا، وهي الطريق الوحيد لتقدمنا ونهضتناوانتصاراتنا.

نهج البلاغة جمعه، مصادره، مناقشة التشكيك في نسبته الى‏الامام علي(ع) السيد عبد الهادي الشريفي(-) جامع النهج الشريف هذا النتاج الجليل تصدى لجمعه وتبويبه السيد الشريف، النقيب‏ابو الحسن محمد بن الحسين الرضي الموسوي (359 -406ه‏-)، واطلق عليه اسم ;ژرس‏ز÷نهج البلاغة;ژرس‏ز÷، ليشير بذلك الى ان هذاالنتاج هو المثال لبلاغة التعبير بعد كتاب اللّه العزيز، وقد ظهر في‏عصر ازدهرت فيه الحضارة الاسلامية والعربية، وظهر فيه اشهرالنوابغ في مختلف العلوم الانسانية والداب. والسيد الشريف‏الرضي هو مفخرة العترة، وقد جمع الى شرف النسب النبوي‏شرف العلم والحلم والادب، وهو ما تتباهى به العصور.

يقول عنه‏الثعالبي (429ه‏-): ;ژرس‏ز÷وهو اليوم ابدع ابناء الزمان، وانجب سادة‏العراق، يتحلى - مع محتده الشريف، ومفخره المنيف - بادب‏ظاهر، وفضل باهر، وحظ من جميع المحاسن‏وافر;ژرس‏ز÷((185)).

والسيد الرضي كان محدثا ومحققا واديبا، وشاعرا، وهو صاحب‏المؤلفات التي بلغت ثمانية عشر مؤلفا، وقد بلغ بعضها العشرة‏اجزاء، ومن اهمها: ;ژرس‏ز÷مجاز القرآن;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷مجاز الحديث;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷نهج‏البلاغة;ژرس‏ز÷، هذا الثلاثي الرائع الذي الفه من كلام اللّه تعالى، وكلام‏النبي، وكلام الامام(ع)، كان مثار اعجاب العلماء والادباء، ولكن‏نهج البلاغة كان الاشهر والافضل والاكثر تداولا، ولذلك نال‏من الشروح والتعليق، قديما، وحديثا، ما لم ينله غيره من بقية‏الكتب البشرية، حتى قاربت المئتي شرحا الى يوم الناس هذا،ولعل شهرة الرضي جاءت بسبب جمعه لهذا الكتاب، الذي كان‏موضع اهتمام المسلمين وغيرهم من العلماء والادباءوالمحدثين.

وقد صرح السيد الرضي عن سبب تسمية ما جمعه ب‏- ;ژرس‏ز÷نهج‏البلاغة;ژرس‏ز÷ فقال: ;ژرس‏ز÷ورايت من بعد تسمية هذا الكتاب ب‏-(نهج‏البلاغة)، اذ كان يفتح للناظر فيه ابوابا، ويقرب عليه طلابها. فيه‏حاجة العالم والمتعلم، وبغية البليغ والزاهد، ويمضي في اثنائه‏من عجيب الكلام في التوحيد والعدل، وتنزيه اللّه سبحانه وتعالى‏عن شبه الخلق، ما هو بلال كل غلة، وشفاء كل علة، وجلاء كل‏شبهة...;ژرس‏ز÷.

((186)) طريقته في الجمع كان للسيد الرضي (رحمه اللّه) اسلوبه الخاص في جمع ;ژرس‏ز÷نهج‏البلاغة;ژرس‏ز÷ وتدوينه، وقد تحدث عن هذا الاسلوب في مقدمة‏الكتاب، ونعرض لذلك باختصار، وفي نقاط هي:

1 - قام (رحمه اللّه) بجمع ما تفرق من كلام الامام(ع) من‏مصادره الموثوقة، ودونه في اوراق متفرقة ليستدرك ما يشذ عنه‏مستقبلا، ثم عمد الى اختيار محاسن كلامه، فحذف ما شاء ممااجتمع عنده، وانتقى ما شاء وفق ذوقه وسليقته، ومبناه البلاغي،ومنهجه في النظم. فابتدا باختيار محاسن الخطب، ثم محاسن‏الكتب، ثم محاسن الحكم، وكان يعترف بعجزه وقصوره عن‏الاحاطة باقطار كلامه(ع) مع بذل الجهد وبلاغة الوسع، لغزارته‏وسعة موارده، يقول الرضي: ;ژرس‏ز÷... فاجمعت بتوفيق اللّه تعالى على‏الابتداء باختيار محاسن الخطب، ثم محاسن الكتب، ثم محاسن‏الحكم والادب، مفردا لكل صنف من ذلك بابا، ومفضلا فيه‏اوراقا، لتكون مقدمة لاستدراك ما عساه يشذ عني عاجلا، ويقع‏الى آجلا...;ژرس‏ز÷((187)).

2 - ان جميع ما ضمه النهج، اخذه الرضي من المصادر التي‏سبقته زمانا، او التي عاصرته، ولما لم تكن غايته في ما يختاره‏من كلام الامام(ع) تحقيق سنده، ولا تصحيح روايته، بقدراهتمامه بما ينسجم مع الجانب البلاغي والبياني الذي امتاز به،ادرج في النهج ما وجده امامه من كلمات الامام وخطبه، وكتبه،في مؤلفات المؤرخين والمحدثين، مما نقلوه ورووه عن‏الامام(ع)، وعزوه اليه من دون ان يسنده اليهم، وعذره في ذلك‏انه لم يكن بعمله هذا راويا، بمعنى الرواة، ولا محدثا على طريقة‏المحدثين، الذين يدونون الروايات والاحاديث باسانيد متصلة‏الى من صدرت عنه، وانما كان اديبا له حس ادبي فريد، تغريه‏روائع البلاغة والبيان، ولا يلوي على شي آخرسواها((188)). ولذا فان‏الباحث لا يجد كثير صعوبة في‏العثور على جل ما في النهج في غير مصدر مما قد صنف قبل‏عصر الرضي.للّه 3 - لما كانت مهمة الرضي محصورة بالجمع مع التمحيص‏والتحقيق والانتقاء لضبط مادة النهج، لابراز بلاغة الامام(ع)0وفصاحته، فانه لم يراع في ما اختاره التنسيق والتتالي، ولذاجرت هذه الطريقة مشاكل على حساب التنسيق الفني، ودقة‏التصنيف والنظم، يقول الرضي: ;ژرس‏ز÷وربما جاء في ما اختاره;ژرس‏ز÷ من‏ذلك فصول غير متسقة، ومحاسن كلم غير منتظمة، لاني اوردالنكت واللمع، ولا اقصد التتالي والنسق;ژرس‏ز÷((189)).

4 - صنف السيد الرضي ;ژرس‏ز÷النهج;ژرس‏ز÷ بحسب الفنون النثرية، لا بحسب‏الموضوعات، فابتدا بالخطب، ثم الرسائل، ثم الحكم، وكان من‏الممكن ان تضاف اليه اشكال اءخر من فنون النثر، مثل الدعاء،الخاطرة، الزيارة والمحاورة، والمقالة... الخ، الا انه ادرجها ضمن‏الابواب اللائقة بها بحسب مقياسه الجمالي والبلاغي، واشدهاملاءمة لغرضه: ;ژرس‏ز÷ورايت كلامه(ع) يدور على اقطاب ثلاثة،اولها: الخطب والاوامر، وثانيها: الكتب والرسائل، وثالثها:الحكم والمواعظ;ژرس‏ز÷((190)).

5 - بناء على خطته في الجمع، نراه قد يختار من الخطبة الطويلة‏مقطعا منها فيقتطعه، وربما يجمع خطبة واحدة من خطب شتى،ويوزع الخطبة الواحدة الى عدة فصول، ويدرج كل فصل منها في‏موضع مستقل، كما انه قد يكرر، في كتابه، الكلام الواحد اوالخطبة الواحدة لوجود رواية اءخرى تختلف عن الاولى، يقول(رحمه اللّه): ;ژرس‏ز÷وربما جاء، في اثناء هذا الاختيار، اللفظ المردد،والمعنى المكرر، والعذر في ذلك ان روايات كلامه(ع) تختلف‏اختلافا شديدا. فربما اتفق الكلام المختار في رواية فنقل على‏وجهه، ثم وجد بعد ذلك في رواية اءخرى، موضوعا في غيرموضعه الاول، اما بزيادة مختارة، او لفظ احسن عبارة، فتقتضي‏الحال ان يعاد، استظهارا للاختيار، وغيرة على عقائل الكلام...;ژرس‏ز÷.

وربما يخ((191))تار من خطب متعددة فصولا ويوردهابنسق خطبة واحدة((192)). وقد اشار الى ذلك ابن ابي‏الحديد في شرح الخطبة (121)، فقال: ;ژرس‏ز÷هذا الكلام يتلو بعضه‏بعضا، ولكنه ثلاثة فصول لا يلتصق احدها بالخر، وهذه عادة‏الرضى، تراه ينتخب من جملة الخطبة الطويلة كلمات فصيحة،يوردها على سبيل التتالي، وليست متتالية حين تكلم بهاصاحبها;ژرس‏ز÷((193)).

وفي موضع آخر من شرحه قال: غهذا كلام منقطع عما قبله،لان‏الشريف الرضي (رحمه اللّه) كان يلتقط الفصول التي في‏الطبقة العليا من الفصاحة من كلام امير المؤمنين(ع) فيذكرها،ويتخط ى ما قبلها وما بعدها;ژرس‏ز÷((194)).

ف‏-;ژرس‏ز÷نهج البلاغة;ژرس‏ز÷ اذن، وان خلا من وحدة النظم والتنسيق‏والانسجام بين فصوله، بهذا المعنى الذي ذكرناه، الا انه تنتظمته‏وحدة الروح والمثل والاسلوب على اختلاف موضوعاته‏ومقاصده وفنونه، فحينما نطل على ;ژرس‏ز÷النهج;ژرس‏ز÷ تغمرنا انواره‏المشرقة، وعبقاته العطرة، ويستولي على مشاعرنا جو روحاني‏ايماني اخاذ، وكان المكانة السامية والمقام الروحي لاميرالمؤمنين وسيد الاوصياء(ع) لا تبعد آنا ما، عما هو مسطور فيه‏فتحس بادب الوحي والنبوة، وروحانية الايمان الصادق، واخلاق‏الامام المعصوم، ذلك كله في صور فنية رائعة في اعلى طبقات البلاغة والفصاحة.وكاننا نقرا شخصية الامام وسيرته بين سطور النهج كما وصفها رسول اللّهغ:غلا يعرفك الا اللّه واناف.

وقد قدم السيد الشريف (رحمه اللّه) بعمله هذا خدمة كبيرة على‏مر العصور للادب واللغة والاخلاق، وللانسانية عموما، وسوف‏يوفى اجر المصلحين والمحسنين ؟انا لا نضيع اءجر المصلحين؟،؟ولا نضيع اءجر المحسنين؟.

فالنهج نسخة فريدة بين آثار بني الانسان تشتمل على معارف‏الهية عالية، ومنهاج للاخلاق، وقوانين في الاجتماع، والسياسة،والحرب، والاقتصاد.. ودروس في الحكمة، والادب، والعرفان...الخ. ينهل منه العارف، والفيلسوف، والمتكلم، وعالم الاجتماع‏والسياسة والحرب، والفقيه، والحكيم، والاديب..

مصادر الرضي في جمع نهج البلاغة ان الامام الرضي محمد بن الحسين الموسوي (قدس سره)،العالم البصير، والثبت الخبير والمامون، قد تصدى لجمع كلام‏امير المؤمنين على(ع)، وروايته وتنظيمه في كتاب اسماه ;ژرس‏ز÷نهج‏البلاغة;ژرس‏ز÷، ومنذ اول يوم ظهر فيه هذا الكتاب للوجود، وعرفه‏الناس، تناقله العلماء، والادباء، وتلقوه بالقبول والاستحسان،وتصدوا لشرحه وترجمته، والتعليق عليه وعبر القرون، دونما نكيراو تشكيك الا من بعض الشذاذ دونما سبب مهم يوجب التشكيك‏من مناقضة للكتاب الكريم او السنة الثابتة او العقل، ولا لضرورة‏من ضروريات الدين.

وكتاب النهج هذا جدير بان يكون من اجل المصادر واعلاهاواوثقها، ولا يحتاج بعد الى مصدر او مرجع يوثقه، شانه في ذلك‏شان سائر ما يرويه المحدثون الثقات، فيؤخذ بمروياتهم من دون‏تشكيك، ولا مطالبة بمصدر، على انه جاء جله مرويا بالاسانيدفي مصادر اءخر سابقة اءو معاصرة لجامع النهج. وقد صرح جامعه‏الشريف الرضي (رحمه اللّه) - خلاله - في ابواب متفرقة، بانه‏نقل بعض نصوص نهج البلاغة من مصادر مدونة، ذكر اسماءهاواسماء مؤلفيها، ومن مصادر مروية بالاسانيد المتصلة الى‏الامام على(ع)، ;ژرس‏ز÷والظاهر ان تخصيص ذلك البعض بذكرالمصدر دون غيره من مندرجات الكتاب، هو ان ذلك البعض ممالم تتحقق عند المؤلف نسبته الى امير المؤمنين(ع)، بخلاف‏غيره فانه على ثقة منه ويقين، فلا يحتاج الى ذكر مصدر له تكون‏العهدة عليه في النقل والنسبة، وهذه عادة القدماء من اهل‏التاليف;ژرس‏ز÷((195))، ونحن نذكر مصادره المدونة، ثم‏مصادره المروية ب((196))السند كما ذكرها في ثنايا النهج‏الشريف.

اولا - المصادر المدونة 1 - حلف ربيعة واليمن، لابي منذر هشام بن محمد الكلبي(204ه‏-)، وهو الحلف الذي عقده الامام على(ع) بين ربيعة‏واليمن.

2 - ا((197))لجمل، لابي عبد اللّه محمد بن عمرالواقدي (207ه‏-)((198)).

3- اصلاح المنطق، لابن السكيت ابي يوسف يعقوب بن اسحاق(224ه‏-)، اصله من الاهواز، وهو مؤدب ولدي المتوكل العباسي(237ه‏-) ونديمه((199)).

4 - غريب الحديث، لابي عبيد الهروي القاسم بن سلام(224ه‏-).

5 - كت((200))اب المقامات، لابي جعفر محمد بن‏عبد اللّه الاسكافي (240ه‏-)، وهو في مناقب‏الا((201))مام على(ع).

6 - المغازي، لابي عثمان سعيد بن يحيي بن ابان بن سعيد بن‏العاص بن اءمية (249ه‏-)((202)).

7 - كتاب البيان والتبيين، لابي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ(255ه‏-)((203)).

8 - المقتضب، لابي عباس محمد بن يزيد المبر د(285ه‏-)((204)).

9 - تاريخ الرسل والملوك، لابي جعفر محمد بن جرير الطبري(310ه‏-)((205)).

ثانيا - المصادر المروية بالسند 1 - رواية ضرار بن ضمرة (ق‏1ه‏-)، وذكر ابن ابي الحديد في‏موضع آخر انه ضرار بن حمزة الضبائي، كان من خواص الامام‏على(ع)، ورواية ضمرة عن الامام(ع) قوله: ;ژرس‏ز÷يا دنيا غري‏غيري;ژرس‏ز÷((206)).

2 - رواية ذعلب اليماني (ق‏1ه‏-)، من اصحاب الامام اميرالمؤمنين(ع)، وقد سال ذعلب الامام(ع): هل رايت ربك ياامير المؤمنين؟ فقال(ع): افاعبد ما لا ارى((207))!؟ 3 - رواية ابن صدقة العبدي مسعدة بن صدقة (ق‏2ه‏-)، كان‏معاصرا للامامين الصادقين(، وهو من اعلام الجمهور. له كتاب;ژرس‏ز÷خطب امير المؤمنين(ع);ژرس‏ز÷((208)).

4 - رواية ذعلب اليمامي ابي محمد ذعلب اليمامي (ق‏4ه‏-)،من رجال الشيعة ومحدثيهم - يستعمل ابن ابي الحديد لفظ;ژرس‏ز÷المحدث;ژرس‏ز÷ بمعنى ;ژرس‏ز÷المؤرخ;ژرس‏ز÷((209)).

5 - رواية ابي جحيفة السوائي وهب بن عبد اللّه (75ه‏-)، رئيس‏شرطة امير المؤمنين(ع)، وصاحب بيت ماله((210)).

6 - رواية كميل بن زياد النخعي (82ه‏-.)، كان من خواص اميرالمؤمنين(ع)((211)).

7 - رواية نوف بن فضالة البكالي الحميري (90 - 100ه‏-)، كان‏صاحب الامام(ع)، روى عنه خطبة وحديثا((212)).

8 - حكاية الامام ابي جعفر محمد الباقر بن علي بن الحسين بن‏على بن ابي طالب(ع) (ت/114ه‏-)، خامس ائمة اهل البيت‏المعصومين (عليهم السلام)((213)).

9 - رواية ثعلب الشيباني ابي العباس احمد بن يحيى (ت /291ه‏-)، عن المامون العباسي، عن الامام‏على(ع)((214)).

انتهت مصادر الشريف الرضي التي اوردها في نهج‏البلاغة.

اشكاليات حول الكتاب ما ان ظهر كتاب ;ژرس‏ز÷نهج البلاغة;ژرس‏ز÷ الذي جمعه الشريف الرضي(رحمه اللّه) حتى انفتح الباب امام الاقلام التي حركتها وخزات‏الحقد والشنن، فاثارت الشبهات حول مصداقية النهج الشريف،وصحة نسبته الى الامام امير المؤمنين(ع)، فزعمت ان جميع مافي النهج او بعضه هو من تاليف السيد الرضي، او هو من تاليف‏اخيه السيد المرتضى (436ه‏-)، او من تاليفهما معا، او من‏تاليف قوم من فصحاء الشيعة، وضعوه ليزيدوا الناس يقينا بماعرفوه من بلاغة الامام(ع)، وقوة بيانه، واقتداره وفصاحته،وساقوا في معرض الشك مزاعم لا تصمد امام سلطان العلم‏والمنطق، وشواهد الاحوال.

ولعل اول من شكك في صحة ما اءثر في النهج هو ابن خلكان(681 ه‏-)، فقد تردد في مؤلف النهج، اهو الشريف الرضي ام‏المرتضى (رحمهما اللّه)؟ فقال: غقد اختلف الناس في كتاب نهج‏البلاغة المجموع من كلام الامام على بن ابي طالب(ع)، هل هوجمعه، ام جمعه اخيه الرضي؟ وقد قيل: انه ليس من كلام‏على(ع)، وانما الذي جمعه ونسبه اليه هو الذي‏وضعه;ژرس‏ز÷((215)).

ثم تبعه جملة من الباحثين من قدماء ومحدثين، امثال ابن تيمية(728ه‏-) في منهاج السنة، والذهبي (748 ه‏-) في ميزان‏الاعتدال، الذي زعم ان واضع النهج هو السيد المرتضى اخوالرضي. ثم جاء الصفدي (764 ه‏-) في الوافي بالوفيات، واليافعي(768 ه‏-) في مرآة الجنان، ثم تبع هؤلاء من المحدثين احمدامين، واحمد حسن الزيات، واحمد زكي، ومحمد كرد علي،وجرجي زيدان، ومحمد سيد كيلاني، وغيرهم، وبعض‏المستشرقين، امثال المسيو ديمومبين، الذي حاول ان يغض من‏قيمة ما نسب الى الامام(ع) استنادا الى ما شاع قديما من ان‏الشريف الرضي هو واضع كتاب ;ژرس‏ز÷نهج البلاغة;ژرس‏ز÷((216)).

ومجمل حجج هؤلاء المنكرين او المشككين تعود الى اسباب‏كثيرة، بعضها يتعلق بجهة السند، وبعضها الخر بمضمونه‏ومحتواه، وبعضها باءسلوبه، ولعل اكثر الشبهات شهرة وتداولاهي:

1 - خلو الكتب التاريخية والادبية من اكثر ما في النهج، اوان‏اكثره عرض منسوبا في غير النهج لغير الامام(ع).

2 - طول بعض الخطب، وتعس ر حفظها على الرواة.

وهاتان الشبهتان تتعلقان بالسند.

3 - التعريض بالخلفاء السابقين، وبعض الصحابة، كالخطبة‏الشقشقية وغيرها، وهذا امر لا يتناسب وواقع الامام(ع)، او انه‏يتنافى وعقيدة المشكك، او المنكر.

4 - كثرة الخطب بما لا يتناسب وحاجة الامام(ع) لمثلهاعادة.

5 - اطالة بعض الكتب المملوءة بالراء السياسية، والادارية،والقضائية بما لم يعهد من غيره من الخلفاء، كعهده لمالك الاشتر(رضي اللّه عنه).

6 - ما يظهر في النهج من الاخبار بالمغيبات.

7 - اصطباغ بعض محتويات النهج بما لا يتلاءم مع عصرالامام(ع)، كذكره بعض الالفاظ المحدثة، كلفظة ;ژرس‏ز÷الازل;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷الازلية;ژرس‏ز÷، و;ژرس‏ز÷الكيف;ژرس‏ز÷، و;ژرس‏ز÷العدم;ژرس‏ز÷، و;ژرس‏ز÷الوجود;ژرس‏ز÷ واستعمال بعض‏الالفاظ بمصطلحاتها المنطقية او الفلسفية ك‏- ;ژرس‏ز÷الحد;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷العلة;ژرس‏ز÷و ;ژرس‏ز÷المعلول;ژرس‏ز÷ وغيرها، والتعرض لدقائق علم التوحيد، وابحاث‏الرؤية والعدل، وكلام الخالق وصفاته ووجوده، التي نشات بعدعصر الامام(ع).

8 - عدم ملاءمة اءسلوبه لزمن الامام(ع)، بما استعمل فيه من‏الفنون البديعية، كالسجع والازدواج، والطباق، الى امثال ذلك مماانتشر في العصر العباسي، وكدقة الوصف، كوصفه للطاووس،والخفاش والجراد، والسحاب، والجنة والنار، وغيرها.

هذه جملة الشبهات التي اوردوها، ولاجل الرد عليها نقول:

اولا - ان خلو الكتب التاريخية والادبية من اكثر ما في النهج لاينهض دليلا على ان تلك الخطب غير صادرة عنه(ع)، بعد تواترنقله عن الرضي (رحمه اللّه) ونسبته له، وتصريح الرضي في جملة‏من مؤلفاته بنسبته له، كما جاء في كتاب ;ژرس‏ز÷حقائق التاويل;ژرس‏ز÷ قوله:;ژرس‏ز÷... ومن اراد ان يعلم برهان ما اشرنا اليه من ذلك، فلينعم النظرفي كتابنا الذي الفناه ووسمناه ب‏- ;ژرس‏ز÷نهج البلاغة;ژرس‏ز÷، وجعلناه‏يشتمل على مختار جميع الواقع الينا من كلام اميرالمؤمنين(ع);ژرس‏ز÷((217)).

وكتابه ;ژرس‏ز÷المجازات النبوية;ژرس‏ز÷ حيث قال فيه: ;ژرس‏ز÷... وقد ذكرنا ذلك في‏كتابنا الموسوم ب‏- ;ژرس‏ز÷نهج البلاغة;ژرس‏ز÷ الذي اوردنا فيه مختار جميع‏كلامه صلى اللّه عليه وسلم وعلى الطاهرين من‏اولاده;ژرس‏ز÷((218)).

وبعد هذا، فان تشكيك ابن خلكان واضرابه لا اعتبار له، بخاصة‏بعد قول المسعودي (346ه‏-): ;ژرس‏ز÷... والذي حفظ الناس عنه من‏خطبه في سائر مقاماته اربعمئة خطبة، ونيف وثمانون خطبة،يوردها على البديهة، تداول الناس ذلك عنه قولاوعملا...;ژرس‏ز÷((219)).

وقول اليعقوبي احمد بن اسحاق العباسي (بعد 292ه‏-) في‏كتابه:

;ژرس‏ز÷مشاكلة الناس لزمانهم;ژرس‏ز÷: غوحفظ الناس عنه الخطب، فانه‏خطب باربعمئة خطبة، حفظت عنه، وهي التي تدور بين الناس،ويستعملونها في خطبهم...;ژرس‏ز÷((220))، ونحو ذلك قول‏عبدالحميد الكاتب (132ه‏-)، وقول ابن نباته (374ه‏-)،وغيرهما.

وواضح ان ;ژرس‏ز÷نهج البلاغة;ژرس‏ز÷ لا يشتمل على هذا العدد، بل الذي‏ضمه بين دفتيه حوالى 240 خطبة و79 كتابا، وهو دون ما ذكروه‏بكثير.

وربما كان منشا الشك في نسبته الى اخيه المرتضى، هو تلقيب‏بعض المؤرخين له بالمرتضى، تعريفا له بلقب جده ابراهيم، ثم‏تفرد الرضي بلقبه هذا واشتهر به بعد ان اختير نقيبا للهاشميين.

كما ان تشكيك يعقوب صروف صاحب;ژرس‏ز÷المقتطف;ژرس‏ز÷((221)) في مقالة له تحت عنوان: ;ژرس‏ز÷عهد الامام‏وكتاب السلطان با يزيد الثاني;ژرس‏ز÷، بان نهج البلاغة كله مظنون، وقداءقحم فيه بعض الخطب في عصور متاخرة، وضرب على ذلك‏المثل بالتفاوت بين ما بايدينا من عهد الامام(ع) لمالك‏الاشتر، وبين ما وجد منه في نسخة كتبت للسلطان بايزيد منذخمسمئة عام، فوجد ان نسخة النهج ابسط واطول من نسخة‏السلطان با يزيد المخطوطة سنة 858 ه‏-، فاستنتج من ذلك‏ان‏هذه الزيادة انما حدثت منذ سنة 858 ه‏- الى زمن طبع نسخة‏النهج في مصر او بيروت سنة 1307ه‏-، وبنى على هذا الامرتشكيكه.

هذا التشكيك لا اعتبار له بعد وجود نسخ مقروءة على جامعهاالشريف الرضي نفسه كتبت سنة 400ه‏- ، وموقع عليها بقلمه،ومتلقاة منه يدا بيد، وعصرا بعد عصر، وهي مطابقة لما بايدينامن النسخ، ولو كان فيها اقحام او زيادة لنبه على ذلك الشراح على‏كثرتهم، كشرح ابن ابي الحديد (656ه‏-) الذي فيه النص كاملاعلى الصورة الموجودة في النسخة المطبوعة، وكذا شرح‏الفيلسوف العارف ابن ميثم البحراني (679ه‏-). ومن هذا كله‏يتضح ان نسخة السلطان بايزيد اما مختصرة من نسخة النهج، اوانها نسخت على رواية اءخرى، وما اءكثر المصادر التي تروي كلام‏الامام(ع).

اما دعوى اختلاق السيد الشريف الرضي للنهج ووضعه له فكلام‏لا يمكن ان يصدر من عارف بتاريخ الشريف وخلقه، وورعه‏وكماله ووثاقته. وبعده عن التعصب المذهبي، ورتبته من العلم‏والادب، ومكانته الاجتماعية وما كتبه عنه المؤرخون‏والمترجمون اكثر مما ذكرنا من حميد الخصال وجليل الفعال،هذه الصفات تابى عليه ان يتجاوزها فيختلق وينسب الى‏الامام(ع) ما ليس له، فهذا الرجل فوق التهم والظنون.

ثم، لماذا كل هذا الايثار من السيد الرضي؟ فهلا نسب النهج لذاته‏ليسجل نفسه في لوحة عظماء التاريخ واءدبائهم؟! اذن فالنهج نهج‏الامام(ع)، لكن الاقلام المنكوسة الحاقدة هي التي الصقت‏بالشريف تهمة الوضع والخيانة والدس، وبالامام(ع) تهمة‏العجز والقصور، وحاشاه صلوات اللّه عليه.

اضافة الى ما ذكرنا، فان الكثير من الكتب التاريخية، والحديثية‏المعروفة قبل زمان الرضي، قد تناولت كثيرا من نصوص النهج‏كاليعقوبي، والطبري، والكليني، والنجاشي، والجاحظ، وغيرهم‏عشرات من امثالهم.

وهناك من المحدثين والمؤرخين من جمع كلام الامام او خطبه‏او قسما منها، وقد ذهب بعض هذه المجموعات مع الزمن، وتلف‏ضمن ما تلف من تراثنا العربي والاسلامي، بسبب الحروب‏والفتن، وبقيت الاسماء فقط، يعرفها كل من عني بالتراث‏الاسلامي، ومن هذه المجموعات:

1 - كتاب ;ژرس‏ز÷خطب امير المؤمنين(ع) على الناس في الجمع‏والاعياد;ژرس‏ز÷، لزيد بن وهب الجهني الكوفي (96ه‏-).

2 - كتاب ;ژرس‏ز÷خطب امى‏--ر المؤمنين(ع);ژرس‏ز÷، المروية عن امامناالصادق(ع) (148ه‏-).

3 - كتاب ;ژرس‏ز÷خطب الامام على;ژرس‏ز÷، لهشام بن السائب الكلبي(206ه‏-).

4 - كتاب ;ژرس‏ز÷خطب على(ع) وكتبه الى عماله;ژرس‏ز÷، لابي الحسن‏علي بن محمد المدائني (225ه‏-).

5 - كتاب ;ژرس‏ز÷رسائل امير المؤمنين(ع);ژرس‏ز÷، لابراهيم بن محمد بن‏سعيد بن هلال الثقفي (283ه‏-)، وعشرات من نظائرها.

وبعد هذاط، فهل يمكن ان ينسب جميع النهج او بعضه الى‏الشريف الرضي، او الى غيره؟ والواقع ان اتهام السيد الرضي بوضع ;ژرس‏ز÷نهج البلاغة;ژرس‏ز÷ قديم كما قلنا،كما ان الدفاع عنه قديم ايضا. ونكتفي في هذا المجال بذكر دفاع‏شارح النهج عز الدين ابي حامد بن ابي الحديد المعتزلي‏الشافعي، عن نسبة نهج البلاغة الى الامام امير المؤمنين(ع)،حيث يقول: غان كثيرا من ارباب الهوى يقولون:

ان كثيرا من (نهج‏البلاغة) كلام محدث، صنعه قوم من فصحاء الشيعة، وربما عزوابعضه الى الرضي ابي الحسن وغيره، وهؤلاء قوم اعمت العصبية‏اعينهم، فضلوا عن النهج الواضح، وركبوا بنيات الطريق،ضلالاوقلة معرفة باساليب الكلام، وانا اوضح لك بكلام مختصرما في هذا الخاطر من الغلط، فاقول: لا يخلو اما ان يكون كل(نهج‏البلاغة) مصنوعا منحولا، او بعضه.

والاو ل باطل بالضرورة، لانا نعلم بالتواتر صحة اسناد بعضه‏الى امير المؤمنين(ع)، وقد نقل المحدثون كلهم او جلهم،والمؤرخون كثيرا منه، وليسوا من الشيعة لينسبوا الى غرض في‏ذلك.

والثاني يدل على ما قلناه، لان من قد انس بالكلام والخطابة،وشدا طرفا من علم البيان، وصار له ذوق في هذا الباب، لابد ان‏يفرق بين الكلام الركيك والفصيح، وبين الفصيح والافصح، وبين‏الاصيل والمولد، واذا وقف على كراس واحد يتضمن‏كلامالجماعة من الخطباء، او لاثنين منهم فقط، فلابد ان يفرق بين‏الكلامين، ويميز بين الطريقتين....

وانت اذا تاملت ;ژرس‏ز÷نهج البلاغة;ژرس‏ز÷ وجدته كله ماء واحدا،ونفساواحدا ، واءسلوبا واحدا، كالجسم بسيط، الذي ليس بعض‏من‏ابعاضه مخالفا لباقي الابعاض في الماهية، وكالقرآن العزيز، اوله‏كاوسطه، واوسطه كخره، وكل سورة منه، وكل آية مماثلة في‏الماخذ والمذهب والفن والطريق والنظم لباقي اليات والسور،ولو كان بعض ;ژرس‏ز÷نهج البلاغة;ژرس‏ز÷ منحولا وبعضه صحيحا، لم يكن ذلك‏كذلك، فقط ظهر لك بهذا البرهان الواضح ضلال من زعم ان هذاالكتاب او بعضه منحول الى امير المؤمنين(ع).

واعلم ان قائل هذا القول يطرق على نفسه ما لا قبل له به، لانامتى فتحنا هذا الباب، وسلطنا الشكوك على انفسنا في هذا النحو،لم نثق بصحة كلام منقول عن رسول اللّهغ ابدا، وساغ لطاعن ان‏يطعن ويقول: هذا الخبر منحول، وهذا الكلام مصنوع، وكذلك مانقل عن ابي بكر وعمر من الكلام والخطب والمواعظ والادب‏وغير ذلك، وكل امر جعله هذا الطاعن مستندا له في ما يرويه عن‏النبي‏غ، والائمة الراشدين، والصحابة والتابعين، والشعراءوالمترسلين، والخطباء، فلناصري امير المؤمنين(ع) ان يستندواالى مثله في ما يروونه عنه من ;ژرس‏ز÷نهج البلاغة;ژرس‏ز÷ وغيره، وهذاواضح((222)).

واما نسبة بعض خطب النهج لغير الامام(ع)، فقد كان من‏اختلاق المؤرخين وفعلهم عن خطا او عمد ، كالخطبة التي‏نسبت الى معاوية، الذي القاها في جماعة من قريش قبيل وفاته:;ژرس‏ز÷ايها الناس، انا قد اصبحنا في دهر عنود، وزمن كنود، يعد فيه‏المحسن مسيئا، ويزداد الظالم فيه عتوا... الخ;ژرس‏ز÷((223)).

وقد شكك الجاحظ في هذه النسبة - بعد ان ذكر هذه الخطبة،وذكر من نسبها الى معاوية - لاسباب اهمها: ;ژرس‏ز÷ان هذا الكلام‏بكلام على(ع) اشبه... ثم قال: ومتى وجدنا معاوية في حال من‏الاحوال يسلك في كلامه مسلك الزهاد، ومذاهب‏العباد؟!;ژرس‏ز÷((224)).

اقول: هذا مع العلم ان الجاحظ كان معتزليا عثماني المذهب، لايميل لعلى(ع) ولا يفضله على عثمان او غيره من‏الخلفاء((225)).

وانى للرضي او غيره من فصحاء الشيعة وغيرهم محاكاة‏الامام(ع)، او مجاراته في اءسلوبه وطريقته، اءو في معانيه‏والفاظه.

ثانيا - اما التشكيك بنسبة بعض الخطب له(ع)، لطولها،ولتعذر حفظها على الرواة، فهو كسابقه تشكيك لا قيمة له، اذاعرفنا ان‏العرب كانوا في تلك العصور يعتمدون على قوة الحافظة،وسرعتها، فقد كانوا يحفظون القصائد الطوال لمجرد سماعها.حكى صاحب الاغاني، ان ابن عباس (رحمه اللّه) حفظ قصيدة‏عمر بن ابي ربيعة: ;ژرس‏ز÷امن آل نعم انت غاد فمبكر;ژرس‏ز÷ لمجرد سماعهابقراءة واحدة.

وخطب النهج ليست بدعا من خطب النبي‏غ او الخلفاء، ولو كان‏الحفظ يتعذر، لكان الشك يسري الى كل ما حفظ من خطب‏النبي‏غ والخلفاء، والولاة وغيرهم من اهل الجاهلية والاسلام.

ومن المحتمل ان خطب الامام(ع) كانت تكتب بعد سماعهامن قبل اصحابه ومريديه.

ثالثا - اما وجود خطب تعرض فيها الامام(ع) لبعض الصحابة‏والخلفاء السابقين، وطعنت عليهم ونالت منهم، واكثر هذه‏التعريضات جاءت في الخطبة الشقشقية، وقد ذكر ذلك غير واحدممن شكك في النهج كابن تيمية والذهبي، وقد صرح الاخير في‏ميزان الاعتدال، بقوله: غومن طالع كتابه نهج البلاغة جزم بانه‏مكذوب على امير المؤمنين على(ع)، ففيه السب الصراح‏والحط من السيدين ابي بكر وعمر...;ژرس‏ز÷((226)).

والجواب: ان التعرض لنقد الصحابة - في الواقع - لا ينسجم مع‏عقيدة المشكك ومذهبه، باعتباره قائما على بدعة عدالة الصحابة‏وتن‏-زيههم. والواقع التاريخي والموضوعي يرفضه بشكل قاطع،حيث ان كثيرا من الاخبار في غير النهج تؤكد وقوع التساب‏والتشاجر، والتخاصم، والاغتياب وشهر السلاح والاغتيال بين‏الصحابة. وقد ذكر ابن ابي الحديد ذلك في‏شرحه((227)).

واما الواقع السياسي، فان الامام(ع) بحكم اقصائه وابتزاز حقه‏ودفعه فقد نقم على بعض الصحابة، وهذا امر يقتضيه على اي‏حال، سواء لحظنا الامام(ع) كبشر... يغضب ويتالم ويرضى، اذاتعرض الى مفارقات كالتي تعرض لها يوم السقيفة، او يوم‏الشورى، او غيرها وهو صاحب الحق، او جراتهم على بيته،وزوجته. ام لحظناه كحجة للّه وامام هدى يتوقف اداء رسالته‏على تاكيد مظلوميته، وانه صاحب الحق المنصوص عليه من‏النبي‏غ، والمقصى عن مقام الامامة والخلافة، فيبين ذلك على‏الملا حتى تتم له الحجة على الناس، ويتم ايصال تعاليم الاسلام‏والنبي‏غ ووصاياه اليهم.

ثم ان هذه الخطبة - الشقشقية - رويت في مصادر كثيرة قبل‏الشريف الرضي، وكلها تستمد من مصدر واحد وهو ابن عباس،متفقة في المعنى وان اختلفت الفاظها، فلو كان واضعها الرضي‏لنقلت عن النهج بوجه واحد في جميع المصادر.

وفي معرض دفاع ابن ابي الحديد عن نسبة هذه الخطبة الى‏الامام(ع) ينقل هذه القصة الظريفة، ثم يذكر بعض المصادر قبل‏عصر السيد الرضي، فيقول:

غقال مصدق((228)): وكان ابن الخشاب صاحب دعابة‏وهزل، قال: فقلت له: اتقول انها منحولة؟! فقال: لا واللّه، واني لاعلم انها كلامه، كما اعلم انك مصدق.

قال: فقلت له: ان كثيرا من الناس يقولون انها من كلام الرضى.للّه فقال: انى للرضى ولغير الرضي هذا النفس وهذا الاسلوب! قدوقفنا على رسائل الرضي، وعرفنا طريقته وفنه في الكلام المنثور،وما يقع من هذا الكلام في خل ولا خمر. ثم قال: واللّه لقدوقفت‏على هذه الخطبة في كتب ص نفت قبل ان يخلق الرضي‏بمئتي سنة، ولقد وجدتها مسطورة بخطوط اعرفها، واعرف‏خطوط من هو من العلماء واهل الادب قبل ان يخلق النقيب ابواحمد والد الرضى.

قلت: وقد وجدت انا كثيرا من هذه الخطبة في تصانيف شيخناابي القاسم البلخي((229)) امام البغداديين من المعتزلة،وكان في دولة المقتدر قبل ان يخلق الرضي بمدة طويلة. ووجدت‏ايضاكثيرا منها في كتاب ابي جعفر ابن قبة((230)) احدمتكلمي الامامية، وهو الكتاب المشهور المعروف بكتاب;ژرس‏ز÷الانصاف;ژرس‏ز÷، وكان ابو جعفر هذا من تلامذة الشيخ ابي القاسم‏البلخي‏للّه، ومات في ذلك العصر قبل ان يكون الرضى (رحمه‏اللّه) موجودا;ژرس‏ز÷((231)).

رابعا - اما قضية كثرة الخطب، فانها كانت قياسا الى كثرة‏الدواعي والاغراض، وتراكم الاحداث والظروف السياسية،والعسكرية، والاجتماعية، والاخلاقية، قليلة، لان جميع هذه‏الامور تحتاج الى كلام كثير هو اضعاف ما ورد في النهج من‏الخطب. وقد ذكرنا روايتي المسعودي واليعقوبي وغيرهما، بان‏المروي اكثر من ذلك المدون في النهج بكثير((232)).

خامسا - واما الاطالة في الكتب، وبخاصة عهد مالك، فهي‏ضرورة اقتضتها ظروف الحركة التغييرية التي تبناها الامام(ع)،بعد بروز ظاهرة الفساد الاداري واستهتار الولاة، فاراد الامام(ع)ان يعهد عهدا، يكون منهاجا يسير عليه الولاة عموما، ويقرا على‏الامة ليكون شاهدا ورقيبا على تصرفاتهم، وحتى مالك في حنكته‏وحزمه وتقواه، يحتاج الى نصح الامام(ع) وتوجيهه. ثم ان هذاالعهد الذي يرسم علاقة الحاكم مع القضاة، والقواد، والتجار،والعمال، والجند، والرعية.. لا يسعه الا الاطالة والاسهاب النافع،والبيان الشافي، كما هي الحال في زماننا حينما يكتب دستور للامة‏او تعين وظائف الحاكم.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية