الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

وما قانون العقوبات الذي عملت به الانظمة الحقوقية، واخذته‏بنظر الاعتبار، الا دليل على وجود محدودية في التمتع ببعض‏الحقوق الطبيعية في بعض الموارد التي تعد خرقا للقانون،فالحرية حق طبيعي لكل انسان، لانه خلق حرا، الا انه يحرم منهااذا ما ارتكب جريمة ادت به الى السجن. فهذا الحرمان نتيجة‏طبيعية لما ارتكبه من جرم بارادته واختياره، وعليه فان عدم‏مساواته مع الخرين من هذه الناحية يمثل تجسيدا لروح العدالة.فقاتل النفس المحترمة، انما يحكم عليه بالقصاص، ويسقط حقه‏في الحياة، بسبب ارتكابه للقتل، وتعديه على حق الخرين في‏الحياة، وليس هناك من قانون يحميه ويدافع عنه.

ومن هنا نستنتج ان الحقوق الطبيعية للانسان ليست بالحقوق‏القطعية الثابتة التي تابى التغيير والانفصال.

وبناء على ما تقدم، نخلص الى ان هناك بعض القضايا التي ينبغي‏بحثها ودراستها، واخذها بنظر الاعتبار من وجهة نظر الفلسفة‏الحقوقية من قبيل:

اولا: الاسس والمبادئ التي تحدد التاثير على الحقوق‏الطبيعية..

ثانيا: العناصر المؤثرة على الحقوق الطبيعية.

ثالثا: دائرة هذا التاثير.

ان مبداي الحق والعدل هما المحوران الاساسيان اللذان‏يحددان دائرة التاثير على الحقوق الطبيعية، بل يمثلان البنى‏التحتية للنظام الحقوقي في الاسلام، سواء في مجال الحقوق‏الطبيعية ام الاكتسابية. فاذا ما اقر الحق والعدل بوصفهما مبداين‏من وجهة نظر الاسلام، تيسر التعرف بسهولة على العناصر المؤثرة‏الى حقوق الانسان، وبالتالي امكن الوقوف على دائرة تاثير هذه‏العناصر.

العوامل المؤثرة على الحقوق الطبيعية:

يمكن حصر هذه العوامل في ما ياتي:

1 - الايمان والكفر: (افمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون)[السجدة/18.] 2 - العلم والجهل: (هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون) [سورة الزمر/9.((557))] 3 - الطهارة والخبث: (قل لا يستوي الخبيث والطيب(ج‏المائدة/100.] 4 - الورع والتقوى: (ان اكرمكم عند اللّه اتقاكم( ج‏الحجرات:13.] 5 - الجهاد: (وفضل اللّه المجاهدين على القاعدين اجرا عظيما)[النساء/95.] 6 - الاحسان والاساءة: (ولا يكونن المحسن والمسي عندك‏بمنزلة سواء)((558)).

7 - السعي والجد: (وان ليس للانسان الا ما سعى(ج‏النجم/39.] تعد العوامل آنفة الذكر من اهم ركائز الثقافة الحقوقية للنظام‏الاسلامي، ذات الاثر البالغ على الحقوق الطبيعية ايجابيا في‏مضاعفتها، او سلبيا في نقضها ونقصانها. فالفرد الذي يعمل‏بجدواجتهاد واخلاص ليل نهار، لا جرم ان ه سيكتسب تجربة‏ومهارة وتخصصا تؤهله لان يحظ‏ى ببعض الامتيازات الخاصة‏من دون الخرين.

فالفوارق بين الاحسان والاساءة، القباحة والجمال، العلم‏والجهل، الخدمة والخيانة، التضحية والشح بالنفس، انما تقوم‏على اساس العدالة. ولذلك تكون المحصلة النهائية لموازنة‏الحقوق الطبيعية لصالح الخادم الامين وضد الخائن.

ان امتياز النظام الحقوقي، في الاسلام، على سائر الانظمة‏الحقوقية انما يكمن في الدور المؤثر الذي تمثله العناصر الداخلية‏للانسان في الحقوق الطبيعية، الى جانب العوامل والعناصرالخارجية التي تشترك فيها مع سائر المذاهب والانظمة الحقوقية.فاذا كان التخصص العلمي - مثلا - عاملا في افضلية فرد على‏آخر، فان للالتزام الديني مثل هذا الدور والتاثير ايضا، فان كان‏للعمل الحسن قيمة، وكل قيمة تستتبع حقا، فان قيمة العقيدة‏الحسنة والاصيلة لتعد افضل واسمى بمراتب عن بقية‏الاعمال.. فلا شك في ان هناك ترابطا جدليا وثيقا بين الهوية‏الانسانية، وبين ما نحمله من افكار وعقائد.

ونرى ان هذه المسالة‏تتطلب قدرا من الاسهاب في موضوع الحرية بابعادها كافة،ونتناولها هنا بالبحث والتحليل.

2 - الحرية 1 - 2: حرية العقيدة تتفرع حرية العقيدة الى ما ياتي:

ا - الحرية في اعتناق العقيدة.

ب - الحرية في التعبير عن العقيدة.

ج - الحرية في التحقيق والتفتيش عن العقيدة.

د - الحرية من فرض العقيدة بالقوة والاجبار.

لقد اقرت الحكومة العلوية العلوية الفروع الاربعة المذكورة‏للحرية. فلم يحرم حتى اصحاب الافكار الالحادية او الاقليات‏الدينية من اي حق قط، او يخضعوا للتحقيق والمساءلة بسبب مايعتنقون ويتبنون من افكار وعقائد. بل اوجب على(ع) على‏نفسه الدفاع عن حقوقهم اسوة بسائر المسلمين. فقد اصيب‏بالذهول وفجع لحادثة مدينة الانبار، ونطق بكلمات، في شان‏الذود والدفاع عن حقوق النسوة الكافرات، لا يمكن العثور على‏شبيهها ومثيلها: «الا واني قد دعوتكم الى قتال هؤلاء القوم ليلاونهارا، وسرا واعلانا، وقلت لكم: اغزوهم قبل ان يغزوكم،فواللّهما غز ي قوم قط في عقر دارهم الا ذلوا.

فتواكلتم‏وتخاذلتم‏حتى شنت عليكم الغارات، وملكت عليكم الاوطان.وهذا اخو غامد]و[ق د وردت خيله الانبار، وقد قتل حسان بن‏حسان‏الب كري وازال خيلكم عن مسالحها، ولقد بلغني ان‏الرجل‏منهم ك ان يدخل على المراة المسلمة، والاخرى‏المعاهدة، فينتزع حجلها وقلبها وقلائدها ورعثها، ما تمتنع منه الابالاسترجاع‏والا سترحام، ثم انصرفوا وافرين ما نال رجلا منهم‏كل‏م ولا اريق لهم دم، فلو ان امرا مسلما مات من بعد هذا اسفا ماكان به ملوما، بل كان به عندي جديرا»((559)).

فاذا كان الانسان حرا فيما يعتنق من عقائد، فليس هنالك من منع‏لابدائها والمجاهرة بها. لقد ترك الامام علي(ع) الخوارج -الذين يمتازون بالغلظة والعنف، وقصر النظر، والتحجر والتقوقع،والعقائد الفاسدة ذات الخطورة - احرارا في ممارسة عقائدهم،ثم عمد لتوضيح الحق والحقائق دون ان يفرض عليهم العقائدالحقة، وهو القائل بحقهم: «قوم حيارى عن الحق لا يبصرونه،وموزعين بالجور لا يعدلون به، جفاة عن الكتاب، نكب عن‏الطريق‏»((560))، «ثم انتم شرار الناس، ومن رمى‏به‏الشيطان‏مرام يه ، وضرب به تيهه‏».

وقد صرح((561)) الشهيد المطهري، في هذا الشان،قائلا: غلقد عامل امير المؤمنين على(ع) الخوارج بمنتهى‏الحرية والديمقراطية... فلم يحبسهم او يجلدهم. بل، لم يقطع‏حتى عطاءهم من بيت مال المسلمين‏ط لقد كانوا احرارا في‏التعبير عن عقائدهم اينما حلوا، ولم يجابههم على(ع) وصحبه‏الميامين الا بالرد العقائدي. ولعل الدنيا باسرها لم تشهد مثيلالتلك الحرية بحيث تتبع الحكومة كافة الاساليب الديمقراطية‏لهذا الحد مع معارضيها ومناوئيهاف.

نعم، لجا((562))اخيرا لقتالهم بعد ان استشرت فتنتهم،وجاهروا بكفرهم، وحملوا السلاح لقتاله(ع)، وبعد ان ولواظهورهم لمبالغته في نصحهم وارشادهم ليرعوا عن غيهم‏وضلالهم: «انا الذي فقاءت عين الفتنة ولم يكن لينبري لهاغيري‏»((563)).

ومما يجدر ذكره، في هذا المجال، انه(ع) لم يثن او يمدح‏حرية اعتناق اي عقيدة او يشجع على ذلك، على الرغم من‏ان‏الحرية في اعتناقها، والتعبير عنها، والشعور بالحماية التام ة عن‏التحقيق عنها ومتابعتها، وفرض العقائد الاخرى على اصحابهاكانت سائدة في حكومته، قبل ان تشهد الحكومات الديمقراطية‏في الالفية الثالثة مثيلا لها. وانى له(ع) ان يروج لكل فكرة‏وعقيدة فاسدة او منحرفة، وهو مثال الحق والعدالة.

ان الحد الفاصل بين المؤمنين والكافرين انما يعود فقط للفكروالعقيدة. وعليه فهناك قيمة واعتبار للعقيدة الحقة بالنسبة للعقيدة‏الباطلة، تلك القيمة التي تشكل عنصرا مهما ذا تاثير فاعل في‏مضاعفة حقوق اتباع العقائد الحقة.

ان الحرية في العقيدة لا تعني منح الامتيازات لكل عقيدة مهماكانت باي شكل من الاشكال. فطلاب المرحلة الاعدادية - مثلا- احرار في اشتراكهم في الامتحانات الوزارية - الممهدة‏لدخول الجامعة - او في عدم اشتراكهم. وليس لاحد فرض‏المطالعة والدرس عليهم واجبارهم، الا ان هذا الحق في حرية‏المشاركة في الامتحانات سوف لا يؤهلهم للتمتع بحق الدخول‏للجامعة، والتمتع بامتيازات طلبة الجامعة اذا ما اختاروا عدم‏المشاركة في الامتحانات الوزارية.

لكل فرد الحق والحرية في ان يراجع الطبيب لعلاج مرضه، الا انه‏سيعرض اءمته للخطر اذا لم يتخذ الاجراء اللازم في شان علاج‏مرضه، ويقدم على مراجعة الطبيب.

فمنطق الحقوق يرى ان الانسان حر في ان ياكل، يشرب، ينام، لايدرس، يخلد الى الراحة والدعة، يدخن، لا يتدخل في اعمال‏الخرين، لا يكلف نفسه عناء الفكر والتامل، وعشرات بل مئات‏الامور الاخرى من هذا القبيل، والتي له الا يمارسها بكل حرية،ولكن وبحكم المنطق الحقوقي نفسه، ليس بوسع هكذا انسان، ولايحق له ان يرتقي سلم الكمال الذي يسلكه الخرون، ويتمتع‏بالحقوق نفسها التي يتمتعون بها، والحال انهم قد آثروا اليقظة‏على النوم، والجوع على الاكل والنهم، والدرس والمطالعة على‏الكسل والخمول.

وعليه، فان الاعتقاد بالحرية في امر ليس فقط يمثل عدم‏المساواة في منح الامتيازات والاعتبارات فحسب، بل ان التمتع‏بالحرية في بعض الامور قد يؤدي على المدى البعيد لاضاعة‏الفرص والحرمان من بعض الحقوق والتوفيق والنجاح.

ومما يثير الدهشة في هذا المجال، هو كيفية امكانية تجاهل تاثيرهذا العنصر على حقوق الانسان، في حين نرى القرآن الكريم قداحتوى على الكثير من اليات التي اوضحت الحد الفاصل بين‏الكفر والايمان، بل وردت فيه ثلاث سور كل سورة تحمل اسمايختلف عن الخر، سورة المؤمنون، سورة الكافرون، والمنافقون.

وقد حظيت قضية الكفر والايمان باهمية متزايدة في مئات‏الروايات والاحاديث، بل افرد الكليني في احد مجلدات الكافي‏- المجلد الثاني - لهذه القضية بابا اسماه «كتاب الكفروالايمان;ژرس‏ز÷.

ونخلص مما سبق الى ان ما نصت عليه المادتان (18) و (19)من الميثاق الدولي لحقوق الانسان في ان: (لكل فرد الحق في‏اختيار ما يشاء من فكر ومسلك ومذهب;ژرس‏ز÷، وف‏لكل فرد الحرية‏في اعتناق العقيدة، والتعبير عن الراي)، ليست الا تلك الحريات‏التي دونها الشريف الرضي قبل قرون عن لسان اميرالمؤمنين(ع). غير ان هناك بحثا ونقاشا في نص المادة الثانية‏لهذا الميثاق رغم منطوقها الجميل والجذاب. فقد نصت هذه‏المادة على ان: ;ژرس‏ز÷لكل فرد ان يتمتع بكافة الحقوق وجميع‏الحريات التي نص عليها هذا الميثاق، بغض النظر عن كافة‏الاختلافات، سيما من ناحية العرق، اللون، الجنس، اللغة، الدين،والعقائد السياسية او اية عقيدة اخرى;ژرس‏ز÷.

ان الاشخاص الذين نظموا مواد هذا الميثاق يستحقون المدح‏والثناء على انهم خطوا خطوة جبارة في سبيل احياء حقوق‏الانسان، غير ان اهمالهم للدين وعدم اعتنائهم به، وذلك بجعله‏في مصاف سائر الامور التي ذكرت كالعرق، اللون، الجنس، اللغة،والعقائد السياسية، كان يمثل ظلما شديدا قد ارتكبوه بحق الدين‏وبحق الانسانية.

طبعا لم يكن يتوقع منهم اكثر من ذلك بفضل الافكار العلمانية‏التي يدينون بها. ولكن يبقى هذا الانتقاد موجها اليهم في ان حرية‏العقيدة والمذهب (المادتان 18 و19 من الميثاق) لا تعني‏المساواة بين العقائد وعدم امتياز احداها على الاخرى (المادة‏الثانية). الامر الذي حدا بالمتصدين لتدوين دستور الجمهورية‏الاسلامية الايرانية الى تجنب الاشكال الوارد على المادة الثانية‏من الميثاق الدولي لحقوق الانسان، في ان تصرح المادة الاولى‏من الفصل الثالث - من الدستور - الذي اختص بحقوق الامة‏بان تتمتع الامة بكافة قومياتها واقوامها بالحقوق نفسها، وليست‏هنالك ادنى امتيازات تترتب على العرق، اللون، اللغة والجنس‏وما شابه ذلك((564)).

ولعل بعض الباحثين يتصور ان هذه المادة قد تشمل المساواة في‏الدين ايضا، الا انه مما لا شك فيه انها لا تشمل الدين، سيما اذااخذنا بنظر الاعتبار الصيغة التي تطلق على المصاديق ذات‏الاهمية الاقل من المصاديق المذكورة التي نصت عليها المادة‏التاسعة عشرة من الدستور لتعني سائر الامور من قبيل:

الوراثة،القرابة، الثروة، الموقع الاجتماعي وما الى ذلك من هذه الامورالتي يعد الدين الاكثر اهمية منها، خصوصا ان الميثاق العالمي‏لحقوق الانسان في المادة الثانية قد ذكر ;ژرس‏ز÷الدين;ژرس‏ز÷ مباشرة بعد ذكره‏لتلك العناصر الثلاثة: غاللغة، اللون، العرق‏ف، والتي يشابهها مانص عليه من المادة الاولى من الدستور.

والحقيقة والواقع هي‏ان‏الحقوقيين الذين دونوا الدستور قد وضعوا نصب اعينهم‏المعايير الواضحة والقابلة للاستدلال للحقوق الاسلامية، فلم يكن‏يسعهم ذكر الدين في مصاف اللون والعرق واللغة، ويكرروا ذلك‏الظلم الذي ارتكبه الميثاق الدولي لحقوق الانسان بحق البشرية.

وهناك احتمال آخر ايضا في شان الميثاق الدولي لحقوق‏الانسان، وهو ان مدونيه انفسهم كانوا يعتقدون باختلاف الاديان‏والمذاهب، وذلك لانه يبدو من المستبعد ان يعتقد احد بتماثل‏العقيدة، والدين الحق مع الدين الباطل. الا انهم واجهوامازقافرضه عليهم اختلاف الاديان والمذاهب السائدة بين‏الافراد الذين يرى كل منهم انه يعتنق الدين الحق، ويرى لنفسه‏ولدينه امتيازا على الخرين، وهذا ما دعاهم لتجاهل دور الدين‏والمذهب على حقوق الانسان وانكاره.

ويبقى السؤال المطروح‏هو: هل حلوا المشكلة بهذا الهروب والتنكر؟ ان ادنى مطالعة حقوقية للانظمة الحقوقية العالمية في هذاالشان، بالاضافة الى اعظم خمسة مذاهب‏حقوقية((565))، لترينا التاثير المباشر او غير المباشرللعقائد الدينية والمذهبية في قطاعي الحقوق العامة والخاصة في‏كثير من الموارد. ولا يوجد دليل ادل على التفاوت الديني في‏المباني والمصادر الحقوقية، من اختلاف القواعد والمقررات التي‏تسلكها الانظمة الحقوقية لبلد عن تلك التي يسلكها بلد آخر.

والسؤال الذي يطرح نفسه، هنا: هل للبلدان، سيما الاسلامية، ان‏تلغي دور الدين من قوانينها المدنية ودساتيرها على غرار ما فعله‏الميثاق الدولي لحقوق الانسان؟ وهل يسعنا بصورة عامة - كمايتصور بعضهم - ان نتعامل على اساس العرف مع القضية‏الحقوقية؟ لا شك في ان تاثير الدين على الحقوق سيبقى حيويا فاعلا مادام الدين موجودا وقائما بذاته، وذلك لان حياة الامة قائمة‏بالدين وعلى اساس تعاليمه. فلا يبقى امام من ينادي بالغاء الدين‏وبالتعامل العرفي مع الحقوق سوى حث الخط‏ى للقضاء على‏الدين ومحوه من صفحة الوجود - وانى لهم ذلك - والا فتاثيره‏ودوره ما زالا فاعلين، سيما اذا كان ذلك الدين هو الدين الحق قال‏تعالى: (هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على‏الدين كله...) [التوبة/3، الفتح/28، الصف/9.] 2 - 2: حرية التعبير عن الراي ان ما ذكرناه في شان الحرية في اعتناق المذهب والعقيدة انماكان من وجهة النظر التي تراها حقا اجتماعيا للانسان.

والذي‏نرومه هنا هو التعرض لمسالة حرية التعبير عن الراي بوصفهااحد الحقوق السياسية للامة من خلال النظرة العلوية لها.ونكتفي بالاشارة الى كلمتين وردتا عنه(ع) في هذا الشان:

اولاهما ما خاطب به مالك الاشتر قائلا: «و اجعل لذوي‏الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلساعامافتتواضع فيه للّه الذي خلقك، وتقعد عنهم جندك‏واعوانك‏من احر اسك وشرطك، حتى يكلمك متكلمهم غيرمت‏تعتع، فاني سمعت رسول اللّهغ يقول في غير موطن «لن تقدس‏امة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع‏».

ثم‏احتمل‏الخرق م نهم والعي، ونح عنهم الضيق والانف، يبسط‏اللّهعليك بذلك اكناف رحمته، وى وجب لك ثواب طاعته. واعط‏ما اعطيت هنيئا وامنع في اجمال واعذار»((566)).

والاخرى حين رد بها على رجل من اصحابه كان قد كلمه بكلام‏طويل، وقد اكثر فيه المدح والثناء عليه، فقال(ع):

«ان من حق من عظم جلال اللّه سبحانه في نفسه، وجل‏موضعه‏من قلبه، ان يصغ ر عنده - لعظم ذلك - كل ما سواه، وان‏احق من كان كذلك، لمن عظمت نعمة اللّه عليه، ولطف‏احسانه‏اليه، فانه لم تعظم نعمة اللّه على احد الا ازداد حق اللّهعليه عظما. وان من اسخف حالات الولاة عند صالح الناس‏ان‏يظن بهم حب الفخر، ويوضع امرهم على الكبر، وقد كرهت‏ان‏يكون جال في ظنكم اني احب الاطراء، واستماع الثناء، ولست‏- بحمد اللّه - كذلك، ولو كنت احب ان يقال ذلك لتركته‏انحطاطا للّه سبحانه عن تناول‏ما هو احق ب ه من العظمة‏والكبرياء. وربما استحلى الناس الثناءب عد البلاء، فلا تثنوا علي‏بجميل ثناء لاخراجي نفسي الى اللّه سبحانه واليكم من التقية في‏حقوق لم‏اف رغ من ادائها، وفرائض لا بد من امضائها، فلاتكلموني بما تكلم به الجبابرة، ولات تحفظوا مني بما يتحفظ به‏عند اهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنوا بي استثقالافي حق‏قيل لي، ولا التماس‏اعظ ام لنفسي، فانه من استثقل الحق‏ان يقال له، او العدل‏ان يعر ض عليه، كان العمل بهما اثقل عليه.فلا تكفوا عن مقالة بحق ، او مشورة بعدل، فاني لست في نفسي‏بفوق ان‏اخ طئ، ولا آمن ذلك من فعلي، الا ان يكفي اللّه من‏نفسي ما هوامل ك به‏م ني‏»((567)).

فهل هناك بيان اجمل وافصح من هذا في الانظمة الحقوقية على‏صعيد ذكر الحقوق السياسية للامة، وحثها على المطالبة باستيفاءحقوقها؟ وهنا لا بد من استخلاص بعض النقاط التي يمكنها ان تشكل‏العناصر الرئيسة للحقوق السياسية - الاجتماعية من كلماته(ع)الواردة في هذا الشان:

1 - على الجهاز الحكومي - مسؤولي الدولة - ان يفردواوقتالسماع الامة، وهي تتحدث عن مشاكلها وهمومهاواحتياجاتها، لا التحدث اليها فقط.

2 - الانتقاد الصريح الذي لا يشوبه الخوف والقلق من الحقوق‏المسلم بها للامة، وعلى الدولة ان تمهد السبيل لذلك لتمكين‏الناس من ابداء رايهم وانتقاداتهم.

3 - على الحكومة ان تعتمد التواضع في الحوارات الانتقادية مع‏الامة.

4 - ينبغي ان تعالج الحكومة حالة ضعف المبادرة الانتقادية‏لدى الامة، وان تقوي عندها هذه الروح برفع الاسباب التي تؤدي‏الى ضعفها، وحثها على ممارستها لحرية التعبير عن آرائها.

5 - لا بد لمسؤولي الحكومة والمتصدين لادارة الامور من‏مواجهة الانتقادات البناءة واستقبالها بروح مفعمة بالمرونة‏والرضا، بهدف تلافي الاخطاء وتصحيح الاعمال وفاقاللانتقادات المطروحة.

6 - يجب الا تسود حالة الاستعلاء بين صفوف المتصدين لادارة‏الامور على الامة.

7 - لا ينبغي للحكومة ان ترى نفسها صائبة في كل ما تتخذه من‏قرارات، والا تنفي عنها الخطا والزلل والاشتباهات.

8 - آفة الحكومة تكمن في اطراء المتملقين، والتي لا تؤدي في‏خاتمة المطاف الا الى تضييع حقوق الامة وهضمها.

9 - الانتقاد حق يمارسه الضعفاء من الامة، ويجب ان يكون‏بحرية تامة، ولا ينبغي اقتصاره على ذوي القدرة والسطوة.

10 - العنف في الكلام حين طرح الانتقادات والراء يقودلاضعاف روح النقد، ويؤطر العلاقات القائمة بين الحكومة والامة‏بالاطر الجافة المصطنعة التي تفتقر للروح والحيوية، وهذا يعد من‏مميزات الحكومة الاستبدادية.

11 - ليس للافراد الذين لا يسعهم تحمل مرارة سماع كلمة‏الحق والعدل، فضلا عن العمل بهما، ان يشغلوا المناصب‏الحكومية والوظائف العامة.

12 - لا يمكن اطلاق الحكومة العلوية على تلك التي تفتقرلحرية البيان والتعبير عن الراي وممارسة الانتقاد.

ويتضح بجلاء، مما سبق، عظم مكانة الامة وحرمتها التي يجب‏ان تتبناها الحكومة، الى جانب شعورها بانها مدينة لها، والا ترى‏نفسها مستغنية ولو لبرهة عن انتقاداتها واقتراحاتها وآرائها.

وهكذا عدت حرية القلم والصحافة اليوم من بين الحقوق‏الاساسية التي ينبغي ان تتمتع بها الامة وتمارسها بارفع‏مستوياتها. والواقع ان دائرة حرية التعبير عن الراي قد اتسعت‏رقعتها بفضل التطور الذي شهده عالم الكتابة والاعلام من حيث‏الامكانات والوسائل، فاصبح يخاطب اعدادا اضخم واكثر من‏السابق. ومما لا شك فيه ان هذه الوسائل كانت اقل نشاطا في‏الماضي البعيد، خصوصا في المجالات السياسية - الاجتماعية،ويعزى سبب ذلك الى حرمان قطاعات واسعة من ابناء الامة‏آنذاك من نعمة القراءة والكتابة، اضف الى ذلك بساطة امكانات‏وادوات التاليف والنشر والصحافة، وبدائية وسائل الاعلام‏والتثقيف العامة.

اما عالمنا المعاصر فقد شهد تجسيدا واسعا لحرية البيان وطرح‏الافكار والراء المختلفة بعد ظهور قضية الصحافة وبهذه السعة‏والشمولية، بل ورد التاكيد عليها بوصفها حقا مسلما به‏واساسيامن حقوق الامة. الا ان الصحافة تبقى سلاحا ذا حدين،فلها ان تقوم بوظيفتها بصورة ايجابية فتتصدى لبيان مشاكل‏المجتمع وما يتعرض له من ازمات ومزق، وطرح الحلول‏الايجابية للخروج من هذه الازمات ورفض التسلط والهيمنة‏والاستبداد، وايصال الحقائق والمعلومات، والانتقادات،والاقتراحات، وبالتالي اداء دور حلقة الوصل في ارساء العلاقات‏الودية وترسيخها بين الحكومة والمجتمع.

كما يمكنها في الوقت نفسه ان تقوم بدور سلبي مشبوه هدام.

ولم نعثر، في وصايا الامام على(ع) وكلماته، في هذا الشان، مايشير الى حرمان المجتمع الاسلامي من حرية الصحافة، كونهاتمثل جامعة تربوية تفيض على المجتمع بالخير والعطاء.

وهنا لا بد من الاشارة الى عدم امكانية اطلاق العنان ومنح الحرية‏المطلقة للصحافة والتعبير عن الراي. فلكل حق حدود معينة‏مرسومة، فلسنا احرارا في التعبير عن كل شي، فالبيان قولا اوكتابة ممنوع عقلا وشرعا وعرفا اذا ما انطوى على التعرض‏لحرمات الافراد وشخصياتهم واشاعة الفحشاء والفساد ونشرالتهم والاكاذيب وكشف الاسرار الامنية للبلاد ومهاجمة القيم‏الاسلامية والموازين الشرعية وحث الافراد بشكل مباشر او غيرمباشر على الاخلال بحالة النظم العام للمجتمع.

3 - 2: حرية تشكيل الاحزاب والجمعيات قد تكتسب الحرية طابعا فرديا وآخر فئويا، وقد اقرت‏الحكومات الديمقراطية حرية تشكيل الاحزاب والجمعيات‏بوصفها احد الحقوق السياسية والاجتماعية للامة. ولعل الحاجة‏لهذه الحرية نشات على اثر عدم وجود حالة من التكافؤ بين الفردوالحكومة، الامر الذي دفع ببعض الفئات والجماعات لتشكيل‏الجمعيات المنظمة ذات القدرات والامكانات الاكثر فاعلية من‏الافراد بمفردهم، بهدف اعانة الحكومة على تحقيق آمالهاوتطلعاتها التي تصبو اليها.

لقد تعرض الامام على(ع) لقضية الاحزاب في كلماته، الا انه‏حصرها على غرار ما طرحه القرآن الكريم في حزبين رئيسين هماحزب اللّه وحزب الشيطان((568)).

الا اننا اليوم نستنتج بسهولة شرعية حرية التحزب التي تمارسهاالامة، وذلك للظروف المختلفة ولبعض الصيغ والامور التي لم‏تكن سائدة آنذاك في تلك الحقبة التاريخية، والتي من خلالهاتنشا الحاجة لذلك، اي من خلال خصوصيتها المعاصرة.

4 - 2: حرية التجمعات ان هذا النوع من الحريات لا يختص بالحكومات القائمة اليوم في‏عالمنا المعاصر، ولنا ان نرى ممارسة الامة لهذه الحرية بوضوح‏ابان حكومة الامام علي(ع). بل مما لا نقاش فيه ان انطلاقة‏المدرسة الاسلامية في مسيرتها لتحقيق مشاريعها واهدافهاالاجتماعية والسياسية انما بنيت على اساس اقامة التجمعات‏وترسيخ قواعدها في المجتمع. فهناك مختلف التجمعات التي‏تقام في المجتمع الاسلامي من قبيل: صلاة الجمعة العبادية‏السياسية، الاجتماعات العظيمة التي تعقد في موسم الحج، تنظيم‏المجالس والتجمعات الدينية والهيئات والاحتفالات في بعض‏المناسبات، وقد استثمرت استثمارا اجتماعيا وسياسيا مفيدا الى‏جانب اشتمالها على الابعاد والاطر العبادية التقربية، وما ذلك‏الاسند متين وحجة قاطعة دامغة على الاعتراف الرسمي بحرية‏التجمعات في النظام الاسلامي.

لقد مارس الخوارج نشاطاتهم السياسية، واقاموا عدة اجتماعات‏في ضوء الاسس والمبادئ الحزبية، ولم تتعرض اجتماعاتهم لاية‏مداهمة او مضايقة، حتى شهروا اسلحتهم واعلنوا حالة الحرب‏والقتال.

والخلاصة: هي ان التجمعات انما تتمثل في المحاور التية:

-التجمعات العبادية المحضة كصلاة الجماعة.

-التجمعات العبادية السياسية كصلاة الجمعة والعيدين، ومراسم‏الحج.

-التجمعات المهنية كالاجتماعات العمالية، الثقافية، الفنية و... .

-التجمعات السياسية كالندوات الحزبية، واقامة المسيرات‏لتحقيق بعض الاهداف الخاصة من قبيل: الاعلان عن المواقف‏الحزبية، ردود الفعل بالنسبة لبعض الاجراءات التي تتخذهاالدولة، ممارسة الحملات الدعائية الانتخابية و...

وتنفرد الحكومة الاسلامية، من بين سائر الحكومات، في انهاتمثل افضل من وفر الغطاء الامني والدعم التام لضمان حقوق‏الامة في اقامة التجمعات المهنية والسياسية، ليتسنى للقائمين بهاالافصاح عن حاجاتهم ومتطلباتهم التي يمكن تلبيتها من خلال‏هذا السبيل.

3 - الامن والحصانة (العصمة) تتمثل الحالة الامنية اهم الحقوق الاساسية للامة، ولا يؤدي‏تغييبها الا الى اضاعة سائر الحقوق. وللامن ابعاد مختلفة‏نوجزها في ما ياتي:

1 - 3: الامن على النفوس والارواح والكرامة الانسانية قال الامام على(ع) بهذا الشان:

;ژرس‏ز÷وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها، وشد بالاخلاص‏والتوحيدحقوق المسل مين في معاقدها. «فالمسلم من سلم‏المسلمون من لسانه ويده‏» الا بالحق، ولا يحل اذى المسلم الا بمايجب;ژرس‏ز÷((569)).

وهنا تنبغي الاشارة الى موضوعين في حديث الامام‏على(ع):

الاول: ان حديث الامام(ع)، وان ورد بشان حرمة المسلمين،الا انه ليس هناك من شك في تعميمه ليشمل حرمة ارواح الكفارغير المحاربين الذين يعيشون في كنف الحكومة الاسلامية. وقداوردنا سابقا مدى الاسى والاسف الذي اعترى الامام(ع) من‏جراء غزو الانبار، وانتهاك حرمة امراة كافرة، وبالطبع فان حرمة‏المسلم تحظ‏ى باهمية اعظم.

الثاني: اذا ما قامت العلاقات بين المسلمين على اساس الاخاءوالمحبة، وعدم تعرض اي منهم للاخر بالباطل، فمن الاولى ان‏تكون وظيفة الدولة هي توفير الغطاء الامني لانفسهم وارواحهم‏وكرامتهم، لانها من حقوقهم المسلم بها الطبيعية.

فكان من اشدما حذر منه الامام(ع) مالك الاشتر قضية اراقة الدماء: ;ژرس‏ز÷اياك‏والدماء وسفكها بغير حلها فانه ليس شي ادعى لنقمة، ولااعظ م‏لتبعة، ولا احرى بزوال نعمة، وانقطاع مدة، من‏سف ك‏الدماء بغيرحقها...».

2 - 3: ا((570))لامن المالي والاقتصادي لقد بعث(ع) بكتاب لماموري جمع الخراج والصدقات ينهاهم‏فيه عن التعرض لاموال الناس وممتلكاتهم، ويامرهم بالعدل‏والانصاف والصبر ومداراتهم. فكان مما قاله لهم:«فانكم‏خزان‏الرعية وو كلاء الامة، وسفراء الائمة. ولا تح شموااحدا عن حاجته، ولا تحبسوه عن طلبته، ولا تبيعن للناس في‏الخراج كسوة شتاء ولا صيف، ولا دابة يعتملون عليها، ولا عبدا،ولا تضربن احداسوطا لمكان درهم، ولا تمسن مال احد من‏الناس، مصل ولا معاهد...»((571)).

وقال في موضع آخر لعمال جمع الزكاة ما بيانه: «انطلق على‏تقوى اللّه وحده لا شريك له، ولا تروعن مسلما ولا تجتازن‏عليه‏كار ها، ولا تاءخذن منه اكثر من حق اللّه في ماله، فاذا قدمت‏على الحي فانزل بمائهم من غير ان تخالط ابياتهم ثم امض‏اليهم‏بالسكينة وال وقار، حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم، ولاتخدج‏بالتحية لهم ، ثم تقول: عباد اللّه، ارسلني اليكم ولي اللّهوخليفته، لاخذ منكم حق اللّه في اموالكم، فهل للّه في‏اموالكم‏من حق فتؤدوه الى وليه؟ فان قال قائل لا فلا تراجعه،وان انعم لك منعم‏فانطلق معه من غير ان تخيفه او توعده اوتع‏سفه او ترهقه‏»((572)).

ولا نرى هذه العبارات التي هي من اروع بيانات اميرالمؤمنين(ع) في شان الامن المالي تحتاج لادنى شرح اوتحليل.

3 - 3: الامن القضائي ان بسط العدل والقسط والهدوء والاستقرار بين صفوف المجتمع،سيما طبقاته المحرومة والضعيفة، يمثل روح الرسالة التي تنهض‏بها الاجهزة القضائية لكل حكومة، الى جانب خطورة وظائفهاالاخرى التي تكمن في حراسة حقوق الامة، ومعالجة مشاكلها،والنظر في شكاواها، وردع المعتدين الذين يتطاولون على ارواح‏الناس وممتلكاتهم.

من جانب آخر فان الحكومة، ممثلة باجهزتها القضائية، مكلفة‏بضمان حصانة الافراد في ضوء اصل البراءة، الذي ينص على‏ان‏اي فرد وان كان متهما فهو بري حتى تثبت ادانته. وهذا حق‏مسلم به من الحقوق المنصوصة لافراد الامة فردا فردا، فلايشوبهم ويقلقهم اي هاجس من خوف او خشية في ظل المحاكم‏المعنية الصالحة، والقضاة العدول. واليك ما اورده اميرالمؤمنين(ع) في هذا المجال:

;ژرس‏ز÷ثم اختر للحكم بين الناس افضل رعيتك في نفسك، ممن لات‏ضيق به الامور ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلة، ولاى‏حصر من الفي الى الحق اذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولايكتفي بادنى فهم دون اقصاه واوقفهم في الشبهات، وآخذهم‏بال‏حجج، واقلهم تبرما بمراجعة الخصم، واصبرهم‏على‏تكشف‏الامور ، واصرمهم عند اتضاح الحكم ممن‏لا يز دهيه‏اطراء، ولا يستميله اغراء، واولئك قليل‏»((573)).

ولابد هنا من الاشارة الى هذه المسالة، وهي ان هنالك ثلاثة‏عناصر مهمة في توفير الامن القضائي وضمان هذا الحق‏الانساني، وهي:

ا - القوانين الصحيحة العادلة، ب - المؤسسات والانظمة‏الادارية الفاعلة، - القضاة العدول من ذوي الخبرة والتجربة.

فطالما كان القانون الاسلامي هو افضل القوانين التي تكفلت‏بضمان حقوق الافراد وانفعها، فلا يرى الامام(ع) من حاجة‏للخوض في تفاصيله.

اما النظام الاداري الفاعل والمفيد، فهو من الامور التي تفرزهاطبيعة المقتضيات الخاصة للزمان. فقد شهد صدر الاسلام سرعة‏قصوى في معالجة الدعاوى، من خلال المراجعة المباشرة لطرفي‏الدعوى عند الحاكم، من دون الحاجة للرتابة والامور التشريفية‏القضائية ذات التركيبة المعقدة. ولذلك كان جل اهتمام‏الامام(ع) منصبا على مسالة انتخاب القضاة وتبيين صفاتهم‏التي وردت في العنصر الثالث، ولا يسع هذا البحث دراسة‏الخصائص والصفات التي لا بد من ان يتصف بها القضاة من‏وجهة نظر الامام على(ع). والذي نقطع به هنا، هو حتمية ضمان‏الامن القضائي للامة اذا ما توافرت في القاضي بعض من هذه‏الخصائص، لا كلها، وبحدودها المتوسطة، لا القصوى.

4 - 3: العصمة والحماية من التجسس وافشاء اسرار الناس ان عدم كشف الاسرار الخاصة بالناس يعد احد الحقوق التي‏تستبطن مسؤولية مشتركة ينهض بها كل من الافراد والحكومة‏ايضا. وقد ورد المنع من الشارع عن التجسس واختراق خلوة‏الافراد. وهذا ما اكده على(ع) في عهده الذي عهده لمالك‏الاشتر: «وليكن ابعد رعيتك منك واشناهم عندك‏اطلبهم‏لمعايب الناس، فان في الناس عيوبا، ال والي احق‏من‏سترها، فلات ك شفن عما غاب عنك منها، فانما عليك تطهيرما ظهر لك، واللّه يحكم على ما غاب عنك، فاستر العورة مااستطعت‏»((574)).

وقد اتخذ هذا الحق في الحصانة من التجسس ابعادا جديدة في‏عالمنا الراهن، ففتح الرسائل البريدية، والتجسس على المكالمات‏الهاتفية والكشف عن مضامينها، واعلان الاتصالات التلغرافية،واستراق السمع، من بين الامور التي يمكنها ان تشكل خطراجديايهدد الامن الشخصي للافراد، واطلاع الخرين على‏الاسرار العائلية الخاصة.

والنقطة المهمة التي لا بد من الاشارة اليها هنا، والتي تاتي متممة‏لقضية منع التجسس بجميع صوره، هي قضية اختيار ;ژرس‏ز÷العيون;ژرس‏ز÷،ويقصد بهم الافراد الذين يقومون بالوظائف الاستخباراتية،فهؤلاء وان كان لهم تواجد ودور في حكومة الامام على(ع) غيران وظيفتهم انما كانت مقتصرة على الاشراف والحصول على‏المعلومات بالنسبة لعمال الامام(ع) وولاته في البلاد الاسلامية،فنراه يقول في رسالة: «وابعث العيون من اهل الصدق والوفاء»وفي رسالة اخرى يقول: «فان عيني - بالمغرب - كتب الي‏يعلمني انه وجه الى الموسم اناس من اهل الشام العمي القلوب،الصم الاسماع، الكمه الابصار، الذين يلبسون الحق بالباطل،ويطيعون‏الم خلوق في معصية الخالق، ويحتلبون الدنيا درهابالدين، ويشترون عاجلها بجل الابرارالمتقين‏»((575)).

وعليه، فلية عملهم انما تختص باعداد التقارير في شان‏الاوضاع السائدة في المنطقة، الى جانب سير اعمال الولاة‏وانشطة الاعداء، لا التجسس على الامة والافراد. وبالطبع فقداجازت الانظمة الحقوقية كافة قضية التجسس في ضوء القانون،بالنسبة للحالات والامور التي تنشط فيها بعض الاوكار والمحافل‏الخاصة التي تحوك الدسائس والمؤامرات ضد امن الدولة.

4 - حق التربية والتعليم مجانية التعليم والتربية هي الاخرى تشكل جزءا من الحقوق التي‏اكد عليها الميثاق الدولي لحقوق الانسان، والتي حظيت بالعناية‏والاهتمام الخاصين في القرون المتاخرة.

ولعل واحدة من مفاخر الحكومة الاسلامية الحقة، والتي تمثلت‏بحكومة الامام على،(ع) قد تجسدت في تصدي زعيمهاللتعرض لقضية التربية والتعليم منذ ما يقارب الاربعة عشر قرنا،على انها جزء من حقوق الامة. فقد قال بهذا الشان:

«فاماحقكم‏علي فالنصيحة لكم ، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلاتجهلوا وتاءديبكم كيما تعلموا»((576)).

5 - حق الضمان الاجتماعي كانت احدى وصايا امير المؤمنين(ع) في عهده الذي عهده‏لمالك الاشتر، هي اعطاء الاولوية للصغار، والطاعنين في السن،والمعوزين، والمقعدين، في الاستفادة من بيت المال ومن‏الامكانات الخدمية للدولة:«ثم اللّه اللّه في الطبقة السفلى‏من‏الذين لا حيلة لهم، من المساكين والمحتاجين واهل البؤس‏والزمنى ... واجعل لهم قسما من بيت مالك وقسما من غلات صوافي الاسلام في كل بلد...» مر على((577))(ع) برجل مكفوف كان يتكدى‏ويسال الناس، فقال(ع): ما هذا؟ قالوا: انه نصراني. فقال(ع):;ژرس‏ز÷استعملتموه حتى اذا عجز منعتموه! انفقوا عليه من بيت‏المال.((578)) اللغة والهوية وحوار الحضارات ندوة في جامعة القاهرة نظم ;ژرس‏ز÷مركز البحوث والدراسات السياسية;ژرس‏ز÷، في جامعة القاهرة،ندوة عنوانها: ;ژرس‏ز÷اللغة والهوية وحوار الحضارات;ژرس‏ز÷، وقد اءثيرت اءسئلة‏كثيرة في هذه الندوة منها:

كيف يمكن تاصيل العلاقة بين اللغة والهوية؟ وما هو دور اللغة‏العربية في الحضارة الاسلامية باعتبارها اللغة التي استخدمتهاشعوب هذه الحضارة في مرحلة نموها وازدهارها؟ وما ملامح‏تراجع اللغة العربية واسباب هذا التراجع ومراحله؟ وما عواقب‏هذه العملية على الهوية وعلى العلاقة مع الخر؟ وكيف اضحى‏تراجع اللغة العربية امام لغات اخرى چ في مجال التعليم والثقافة‏والعمل والاعلام والادب چ دليلا على الضعف القومي؟ استطاعت هذه الندوة، في ست جلسات، ان تتوصل الى ضرورة‏الاهتمام باللغة العربية ومناهج تدريسها وطرائقه قديمة وحديثة،وراى المجتمعون ان محاولة تعميم العامية امر خطير، وحصراللغة الفصحى او تهميش التعامل بها امر اكثر خطورة، وان تعلم‏اللغات الاجنبية والعلم بها امر غير منكور، والتعامل بها حينماتقتضي الحاجة ضرورة. وطالبت الندوة بضرورة وضع استراتيجية‏لغوية تهتم بشان اللغة العربية يسهم في وضعها والحوار حولها كل‏من يهمه الامر.

وقال المشاركون: ان ذلك ترافق مع الدعوة الى ضرورة تاسيس‏مجلس قومي اعلى للاستراتيجيات والسياسات اللغوية، يجعل‏من اللغة الهم الاكبر، حيث ان المشكلة اللغوية قضية امة اكبر من‏الجميع، وان كان احد ادوات حلها، وان مشكلة اللغة العربية‏قضية مجتمع سواء في تشخيصها ام في اصلاحها، وان هذايتطلب منا ضرورة الاهتمام بمعاجم المفاهيم، والمعاجم الدلالية‏والموضوعية، وسيرة الافكار وتاريخها، والتي تتولى اصلاح‏الجهاز المفاهيمي المولد والمتمم للجهاز اللغوي.

وطالبت الندوة بضرورة وجود مقررات جامعية للغة العربية في‏الجامعات التي لا تدرس اللغة العربية، او ان يدرس طلاب‏الدراسات العليا مقررات موازية ;ژرس‏ز÷للتويفل;ژرس‏ز÷ الذي يمتحن فيه باللغة‏الانجليزية، مع وجود مراجعة شاملة لمناهج دار العلوم، واقسام‏اللغة في كليات والازهر، والتنسيق في ما بينها، كل هذا فضلا عن‏تنشيط البحوث التربوية بمختلف انواعها في مجال مناهج تعليم‏اللغة العربية في الجامعات ومراكز البحوث، بوصفها قناة اساسية‏لتطوير تعليم اللغة العربية. واخيرا تاكيد الهيئات المعنية بالحوارمع الخر للتمسك باللغة العربية بوصفها اداة للحوار، مع توجيه‏خطابين شخصيين لوزير الاعلام ورئيس اتحاد الاذاعة‏والتلفزيون.

بدات الندوة التي استمرت يومين بمحاضرة للدكتور هيثم الخياط‏عضو مجامع اللغة العربية بدمشق وبغداد وعمان والقاهرة‏واكاديمية نيويورك للعلوم چ جاءت تحت عنوان:

;ژرس‏ز÷لسان العرب‏بين التذكير والتانيث;ژرس‏ز÷ تناول فيها قضية المراة ومكانتها في الكتاب‏والسنة، وذلك من خلال الحديث عن التانيث ومكانة المراة في‏الاسلام والتي تتلخص في المساواة العادلة، بين الرجل والمراة،وكيف ان اللغة العربية فيها صيغتان للخطاب: صيغة للاناث‏وحدهن، وصيغة مشتركة للاناث والذكور معا.

وتحت عنوان: ;ژرس‏ز÷اللغة العربية والهوية والحضارة، كانت مناقشات‏الجلسة الاولى التي راسها الدكتور رؤوف عباس الذي استهل‏حديثه بقوله: ما علينا الا ان نخاطب الراي الاكاديمي الدولي‏والراي العام الغربي بما نطرحه في هذه الندوات من افكار، واننابحاجة لمخاطبة الخر بلغته. واشار د. عباس الى ان قضية اللغة‏والهوية مهمة وضرورية في عصر سحق العولمة للخصوصيات.

وكان اول المتحدثين في هذه الجلسة الدكتور سيف الدين عبدالفتاح چ الاستاذ بالمركز چ فقدم ورقة تحمل عنوان:

;ژرس‏ز÷تاصيل‏العلاقة بين اللغة والهوية، قراءة في فكر حامد ربيع;ژرس‏ز÷، تناول فيهاثلاث نقاط تلخصت في اللغة والوعي وحقائق الهوية، واللغة‏العربية وثقافة التكامل، واللغة العربية ونتائج النصوص الحرة،وحقوق التراث.

وتساءل الدكتور فيصل الحفيان چ منسق برامج معهدالمخطوطات العربية بالقاهرة چ عن العلاقة بين اللغة والهوية‏وماذا بقي لنا من دلالات هذين اللفظين؟ اجاب: لم يبق من الاول سوى الاتصال او التواصل، ولم يبق من‏الثاني سوى البطاقة الشخصية التي تسمى في بعض البلاد العربية‏بالاسم نفسه ;ژرس‏ز÷بطاقة;ژرس‏ز÷، وفي بعضها ;ژرس‏ز÷هوية;ژرس‏ز÷، وداخل شرائح من هذاالبعض يتم القفز على الاسماء العربية، ما يعني القفز على اللغة‏نفسها، ويحدث الاتجاه الى لفظ اجنبي دخيل قد يكون: .ا .پ واضاف: ولا تتعدى في الهوية التعريف بالانا الفردية مقطوعة‏الصلة بالانا الجمعية بمختلف مستوياتها. الانا التاريخية،والجغرافية والثقافية والسياسية والدينية والحضارية، وداخل كل‏مستوى من هذه المستويات درجات، ونحن دائما في الدرجة‏الادنى/القريبة. ومن المفارقات ان العامة اصبحوا اليوم اكثرصدقاوعفوية في الالتفات الى المستويات العليا للهوية اول‏-;ژرس‏ز÷الانا;ژرس‏ز÷. كاان الوعي البسيط والعفوي يقترب بنا من المثل‏والغايات والحقائق، وفي الوقت نفسه من المصالح وتحقيق‏الذات اكثر من الوعي المركب والعاقل.

وتناولت الجلسة چ والتي راسها الدكتور سيف الدين عبد الفتاح‏تراجع اللغة العربية: الاسباب، الملامح، العواقب، وفيها تحدث‏الدكتور محمد الزغبي چ استاذ اللغويات بداب عين شمس چ‏عن تراجع اللغة العربية في الاستخدامات الحياتية.

فاشار الى‏شيوع اختراق في اللغة العربية المستعملة نتيجة للتلوث السمعي‏وسوء الوضع الثقافي العام لمعظم فئات الشعب، وانتشار الفاظ‏في وسائل الاعلام يراها المعجميون وحماة العربية سوقية مبتذلة‏تنحط درجات عن الفصحى، ويرى د. الزغبي ان هناك اسبابامتعددة لوصول لغتنا الى هذه الحالة يرجع بعض منها الى النظرللغة العربية باعتبارها من ميراث الماضي متحجرة وليست لينة،والشعور بانها اللغة نفسها التي قراناه في المعلقات السبع، بناءعلى سوء اختيار بعض النصوص من العصر الجاهلي في سني‏تعليمنا المبكرة، الى جانب ان العاميات العربية اكثرمساسابمتطلبات التعبير عن المسائل الروحية والعاطفية‏والوجدانية.

كما اشار الى ان الصعوبة والاستثقال اللذين يلفان بالفصحى،سبب اعراض الناس عن الفصحى وميولهم في لغتهم الى لغة‏الصحافة والاعلام المعاصرين، وان هناك سببا آخر يرتبط بنزوع‏كثير من الشبان في مرحلة المراهقة الى كسر الفصحى كانها نوع‏من اثبات ذواتهم، وبنظرة تشاؤمية يرى د.

الزغبي انه لا تستطيع‏هيئة علمية مثل مجمع اللغة العربية او جمعية حماة العربية او اي‏ندوات متخصصة ان تمنع شيوع هذه الالفاظ، لان اللغة قوة لايستطيع احد منعها.

وعن اللغة العربية والتعليم، تحدث الدكتور محمد يونس‏الحملاوي چ استاذ هندسة الحاسبات بجامعة الازهر چ حيث‏اشار الى اخفاق نظامنا التعليمي في تخريج متطلبات سوق العمل‏بالكفاءة المرغوبة، وفي دفع الامة الى الامام، وخير شاهد على‏ذلك چ كما يقول د. يونس چ تدني معدلات التنمية الاقتصادية‏وتدني المردود الابتكاري للافراد، حيث تشير التقارير الدولية‏الى ان عدد البراءات التي منحت للمصريين عام 2000م. براءة‏واحدة لكل مليون مواطن، ولا يمكن لاحد ان يدعي ان انعدام‏الجو العلمي في الوطن هو السبب الوحيد لهذا التدني في ابتكارية‏المواطنين، كما لا يمكن لاحد ان يدعي عكس ذلك، ولكن‏الدراسات تشير الى ان عنصر لغة التعليم وبالتالي الثقافة عنصرحاسم في القضية.

العودة الى الذات محاضرة في حلب بدعوة من جمعية العاديات ومديرية الثقافة في حلب، القى د.حسين الصديق، في المركز الثقافي في حلب، محاضرة عنوانها:;ژرس‏ز÷العودة الى الذات;ژرس‏ز÷، بدا د. صديق الكلام بتمهيد راى فيه ان‏الانسان هو محور الحياة، ولذا فان محاضرته ستتركز عليه، وحددهدف محاضرته بالتصدي للاجابة عن اسئلة منها:

من نحن؟ط‏ولماذا نحن؟ط وكيف يمكن ان نكون؟ط ثم راح يشرح مفردات‏عنوان محاضرته قائلا: اردت بالعودة اننا اليوم مغربون عن ذواتنا،وانه آن اوان العودة، لنجابه التغريب الذي فرض علينا ولا يزال‏يفرض كي ننسى هويتنا وتاريخنا. وراى ان العودة الى الذات فعل‏يحتاج من صاحبه الى جهد كبير، يقوم على الارادة والوعي لديه.

ثم حدد اقسام المحاضرة فقال: انه سيبحث في القسم الاول‏مفهوم العودة وتاريخيتها، والظروف التي ادت اليها، وفي القسم‏الثاني مفهوم الذات بين الفرد والامة، وعلاقة هذا المفهوم‏بالثقافة الاجتماعية وذاكرتها التاريخية. وفي القسم الثالث مفهوم‏الذات الذي يتبناه في محاضرته، والقسم الرابع والاخير يشرح‏الخطوات العملية المقترحة التي تساعد على تحقيق تلك العودة‏التي تعني انك تملك مكانا تعود اليه بعد فراق، ويرى ان زماناطويلا مر على امتنا، في العصر الحالي، لم تدرك فيه انها مغربة،وما كانت تشعر بضرورة العودة الى الذات.

وتعود مرحلة التغريب، في الامة العربية والاسلامية، الى العقودالاخيرة من القرن التاسع عشر. وقد انعكس التغريب، في الواقع،لدى الحكام والمثقفين، في صورة تقليد اعمى للافكاروالمفاهيم في الحياة اليومية التي غدت تقليدا للغرب ونمط‏حياته. وادى هذا التغريب، كما يرى المحاضر، الى نتائج وخيمة،على مستويي الحكام والمثقفين من جهة، والناس من جهة ثانية.ولكن اخطر بكثير من تغرب الناس الذي انحصر في الاستهلاك.اذ ان الحكام والمثقفين يمثلون فكر المجتمع وارادته، وعندمايشل الفكر والارادة يفشل الجسد، وهذا ما قاد الامة الى كارثة‏وطنية وقومية، وشلل اجتماعي حاد، جمد كل ما تملكه الامة من‏قدرات ابداعية ذاتية. هذا في حين راح المفكرون يكتفون باجترارافكار الغرب، من دون هضمها او فهمها، وهو ما انتج خواء في‏الشخصية وضبابية في الهوية.

العودة اذن هي دعوة الى العودة من التغرب الى البيت، وهي فكرة‏عمت جميع البلدان التي كانت تخضع للاستعمار الاوروبي،وتعرضت لهجمات الثقافة الغربية، حيث حاول المثقفون الوقوف‏في وجه التغريب، ودعوا الامة الى العودة الى ذاتها. ولكنهم لم‏يتمكنوا من الصمود امام المد التغريبي الذي دعمه الغرب من‏الخارج، بوسائل من الداخل. وبعد مرور قرن ونيف، اليوم، يصحوالناس وينادون بضرورة العودة الى الذات.

ان ابرز العوامل المساعدة على تلك العودة هي النظام الحيوي‏للثقافة الاسلامية الذي استطاع ان يقاوم جميع الجهود التغريبية،فالاديان في العالم هي اديان روحية، تركز على علاقة الانسان‏بالاله، اما الاسلام فهو يجمع، الى هذا، نظاما اجتماعياشاملاللحياة الانسانية.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية