ازمة انتماء واعتراف
 الشيعة جزء لا يتجزا من الامة الاسلامية


الحديث عن الشيعة والتشيع حديث مؤلم من بعض جوانبه، فهذه الفئة من المسلمين بخس حقها في بعض مقاطع التاريخ،وجرى عليها من الجور والظلم والاجحاف، من قوى الظلم والقهر والظلام، ما قد لا تحصيه الكتب وما لا تستوعبه السطور،وقد صار من حق هذه الجماعة ان يصنفها الجميع جزءا لا يتجزا من الامة الاسلامية، كما اشتدالوجوب عليها ان تتجاوزمحنها وتص نف نفسها كذلك، فتعيش احساس الانتماء للمسلمين قاطبة، فتنخرط في واقعها الاجتماعي، وتكسر الطوق‏المضروب عليها.

1 - اول نداء - علمي - نوجهه للمسلمين، بمذاهبهم المتنوعة، ان يعيدوا النظر في قراءة التاريخ، وانتاج المعرفة الاسلامية،من دون عصبية او مذهبية مفرطة، اننا نعتقد باءن الشيعة قد قدموا عبر التاريخ الكثير لامة الاسلام، سياسة، واجتماعا،وثقافة، وفكرا، وجهادا... لقد ترك الشيعة آثارهم في بلاد الشام وشمال افريقيا، كما تركوا بصماتهم على العقل الاعتزالي،كذلك ترك هذا العقل بصماته فيهم، وكان لهم نصيب كبير في خلق النزعات الروحية الملتهبة في الاسلام وانضاجها، كماكان لوجودهم دور في خلق توازن سياسي واجتماعي عام، كونهم مثلوا، في غير حقبة وعصر، قوى المعارضة السياسية‏الرافضة لسياسة الانظمة الحاكمة، فاءقاموا بذلك قوى ردع، كما شكلوا عوامل ايقاظ حالت - في كثير من الاحيان - دون‏تمادي السلطات الحاكمة في تجهيل الامة واستغبائها.

ولسنا نعصم افراد الشيعة ولا جماعتهم عن خطاء ارتكبوه عبر الزمن، ونفتح الباب لمناقشة اخطاء الشيعة التاريخية، في‏القضايا كافة التي قيل فيها الكثير، من الغزو المغولي ونصير الدين وابن طاوس، مرورا بالتحالف الصفوي - الغربي ضدالدولة‏العثمانية، وصولا الى ما يقال اليوم عن تحالف بين الشيعة وامريكا... فهذه الموضوعات جميعها قابلة للنقاش، فلم يزعم‏شيعي عصمة الشيعة بالمطلق ولا افرادهم بمن فيهم كبار علمائهم ومراجعهم وسياسى يهم، لكن هذا امر والصورة الاقصائية‏والتخوينية للشيعة امر آخر.

اننا نعتقد باءن على الشيعة ان لا يحجموا عن الاعتراف باءخطائهم التاريخية عندما تقوم عليها الحجة، وتثبت بالشواهدالمؤكدة، وان لا يحاولوا طمس حقائق التاريخ او التلاعب بها لمصالح مذهبية او طائفية.

2 - سؤال آخر يوجه لبعض المسلمين القلائل من المختلفين مع الشيعة في التصورات الدينية، لماذا تكفير الشيعة؟! ولماذاالتهويل باءوراق خلافية موجودة داخل الديانات جميعها، ورفعها دوماللحكم عبرها بتكفير الشيعة واخراجهم عن الاسلام؟!ان جهود تكفير الشيعة باءت بالاخفاق وستبوء به دائما ، كونها - سيما في هذا العصر - لم تعد منطقية، فالشيعة يؤمنون‏باللّه ورسوله وانبيائه وكتبه وقبلته و... واذا اختلفوا مع غيرهم، فقد اختلف هذا الاخر مع نفسه كثيرا ايضا، ان تكفير المسلم‏ذنب عظيم، ومحاربة البدعة واجب مقدس، والجمع بين هذين المبداين يحتاج الى الكثير من الوعي والرشد، لا الى غضب‏وعنف وانتقام و..

ولسنا نمانع في ان نطالب بعض الشيعة - وهم قليلون ايضا في ما نعلم - بوقف مسلسل التكفير المتبادل، والاقلاع عن‏سياسة تخوين اخوانهم من اهل السنة والجماعة، واعادة النظر في بعض موروثاتهم في هذا المجال.

3 - اما المعتقدات الشيعية والسلوك الشيعي، فقد كونا في الاوساط غير الشيعية، صورة نمطية قاتلة عنهم، ولسنا نخوض‏هنا في جدل عقدي ولا فقهي، بل نشير سريعا الى ظاهرة الموقف من الخلفاء والصحابة، ان الشيعة واقعيون في قراءتهم‏لظاهرة الصحابة، وليس جرما ان يخطئ الصحابي، او ليس مستحيلا ان يعصي، فلكل منا قناعاته بالناس، فاذا كانت بعض‏الايات القرآنية والروايات الشريفة تعني عندك عدالة الصحابي، فان غيرك قد لا يفهم منها ذلك، بل قد لا يرى صحة‏لصدور بعض الروايات منها، وليس ذلك بالبدع من القول، فلطالما اختلف علماء المسلمين في تفسير آيات او توثيق‏روايات او شرحها، فاذا اختلفوا هذه المرة في هذه المفردة، فهذا امر طبيعي يجدر ترقبه.

ثم هل تعد عدالة الصحابة عقيدة يكفر منكرها، سيما مع انكاره لها على اسس نظرية وفكرية؟! الم يكتب من انكر عدالة‏الصحابة العشرات، وربما المئات، من الكتب والمصنفات في هذا الموضوع؟! هل انكروها استعجالا وابتسارا؟! نعم، المشكلة الكبرى للشيعة مع اخوانهم المسلمين، تتمركز بشكل اكبر في سب بعض الخلفاء ورموز الصحابة ولعنهم، اننانرفض هذا الاسلوب ولا نرغب فيه، مؤيدين في ذلك بعض العلماء الكبار، ومنهم السيد هاشم معروف الحسني في كتابه:;ژرس‏ز÷الموضوعات في الاثار والاخبار;ژرس‏ز÷، وندعو من يقوم بذلك من الشيعة الى اعادة النظر في ادائه، هل يخدم به التشيع؟! هل‏يخدم به حال المسلمين اليوم؟! هل اللعن والسب افضل وسائل التبري؟ الا توجد وسائل اخرى؟! هذه موضوعات ينبغي درسها ولا نبت فيها هنا، ولا نبرئ من فعلها ويفعلها، لكن حتى لو سب‏الشيعي الصحابة، هل يعني‏ذلك التكفير كما يقول العلامة المجد د محمد حسين آل كاشف الغطاء؟ لنفرض ان سب الصحابة معصية كبيرة من الكبائر،هل فعل الكبيرة يساوق الكفر؟ وهل يوجب حل دم المسلم وعرضه وماله و..؟! اننا نطالب الشيعة والسنة، على السواء في هذا الموضوع، باءن يقرؤوه بجدية، وبشكل مختلف عن الموروث، ويتحلوا بقدرة‏عالية على تقبل فهمه بصورة مختلفة.

4 - وفي سياق الصورة النمطية عن الشيعة في العالم، تاءتي فكرة المزج بين الشيعة والفرس، فالفرس، وفاقا لهذه الفكرة، هم‏من اختلق التشيع لمصالحهم ضد العرب و.. لست هنا في صدد رصد تاريخي للموضوع، لكن لنفرض جدلا ان الفرس ادوادورا ما في انهاض التشيع وتاءسيسه، فما هي العلاقة اليوم بهذا الموضوع؟! انا اتعجب من بعض اخواننا المسلمين، من بني‏جلدتنا، اعني العرب، كيف يحاربون القومية العربية ويرفضون المنطق القومي، ثم يتعاملون مع فريق مسلم - او يعلن‏اسلامه على الاقل - بمنطق قومي من الدرجة الاولى، انها مفارقة حقيقية، فهل نريد ان نتعامل - وحديثي مع الحركة‏الاسلامية التي لا تؤمن بالمنطق التاريخاني للفكر الا مع عدوها - مع الفكر من زاوية قومية؟! ثم اين تاريخ الشيعة‏العرب؟! واين الدولة الفاطمية؟! واين الشيعة في بلاد الشام والخليج وتركيا؟! دعك عن شيعة شبه القارة الهندية وشيعة آسياالوسط‏ى، علما انه لم تعرف ايران التشيع بقوة الا مع الحلي في القرن الثامن الهجري.

اننا نختلف مع هذا المنطق في التعامل مع الشيعة، ونطالب بمحاسبة افكارهم محاسبة علمية، سواء كانوا فرسا ام مغولا ام‏بولونيين، فالحق يتبعه الرجال ولا يتبعهم، فللفرس خدماتهم للاسلام مثل ما للعرب، وللاتراك خدمات ايضا.

5 - ومن ازمة انتماء التشيع للفرس، ظهرت ازمة الاقليات الشيعية في العالم العربي، فكثيرون يشككون في وطنية الشيعة‏العرب، واعتقد باءن في هذا الامر ظلما واجحافا ايضا بحق امة مسلمة، اسهمت في بناء اوطانها، وجاهدت اعداء الامة‏العربية، الم يصدر مراجع النجف فتاوى الدعم للدولة العثمانية ضد الانجليز كما اصدر جعفر كاشف الغطاء فتاوى دعم‏الدولة القاجارية الفارسية ضد الروس؟! الم يحقق شيعة لبنان انتصارا تاريخيا على عدو الامة العربية؟! لماذا يحاول بعضناان يمنع اكتشاف الناس لحزب اللّه اللبناني وانه تنظيم شيعي راهن الكثيرون على‏لبنانيته ثم ثبتت بمرور الايام؟! واذا حصلت بعض المشاكل، في بعض الاماكن، فقد حصلت مثيلاتها لدى كل اقلية في العالم، والجميع يعرف الظروف، لانريد تسطيح الاوضاع بل نهدف الى ممارسة وعي اكبر للظاهرة، وفي الوقت عينه نطالب الشيعة باحترام الاكثرية في‏بلادها، وتعزيز الحس الوطني في ابناء طائفتهم، وايجاد توازن اكبر في علاقاتهم الوطنية، والقومية، والاسلامية، وعدم‏ممارسة سذاجة في هذا الموضوع، سيما تركيز الروح الوطنية، والانخراط في مجتمعهم، والدخول في مؤسسات المجتمع‏المدني، ووظائف الدولة، عندما تسمح لهم الظروف، وان يستغلوا هامش الحرية الممنوح لهم لاثبات مصداقيتهم وبث روح‏الثقة بينهم وبين الاكثرية.

6 - ولكي ترتاح الاكثرية عليها ان تمنح هامش الحرية الاكبر للاقلية الشيعية، وفي المقابل ندعو الدول ذات الاغلبية‏الشيعية ان تمنح حرية اكثر فاءكثر للاقليات غير الشيعية، ان ذلك يدعو الاقليات للراحة، فتظهر افكارها بشفافية، ويتداعى‏جدار انعدام الثقة، سيما عندما يشعرالمسلم السني ان حاجز التقية لم يعد موجودا، ويبدي المسلم الشيعي افكاره بحرية‏وارتياح. ان حاجز التقية من اكبر حواجز عدم الثقة بين المسلمين والمسؤول عنه عوامل عديدة، ابرزها الظلم التاريخي‏الذي مورس على العلويين قديما، فاذا انهار هذا الحاجز، ولا ينهار الا في ظل‏حرية وتعد دية وانفتاح، لا في نقاش علمي،انعكست آثاره الايجابية المهمة، فلو بذل الشيعي وقته وعمره لاقناع السني انه لا يعبد الحجارة، او لا يقول بتحريف‏القرآن، وان القرآن الموجود في مساجد الشيعة هو القرآن السني، بل كثير من الشيعة لا يملكون في بيوتهم الا النسخ‏القرآنية التي تصدرها المملكة العربية السعودية.. لو بذل الشيعي - وقد رايناه ولا نزال - لن يستطيع اقناع الطرف الاخرباءنه صادق، الا اذا حصلت شفافية مطلقة، ولن تكون الا في ظل مثلث ذي اضلاع ثلاثة هي: الحرية والتعددية والانفتاح‏من جهة، واعادة قراءة الموروث الشيعي من جانب الشيعة، ونقد ما يستحق النقد منه من جهة اخرى، واعادة رسم صورة‏جديدة غير الصورة النمطية في العقل السني عن المسلم الشيعي.

ان علماء المذهب الامامي مختلفون في ما بينهم، في بعض القضايا العقدية الفرعية، او الفقهية او.. وهذا امر طبيعي نجده‏عند اى مذهب، ما يعني انه لا يجدر اخذ راي واحد عند الامامية واعتباره راي الامامية كلها، فاذا قال المحدث النوري(1320ه) بتحريف القرآن لا يعني ذلك قول جميع الشيعة به، كما ان ليس كل رواية في مصادر الشيعة تعني اخذ الشيعة‏بها، فقد ناقش علماء الشيعة - الا ما قل - في الكتب الاربعة بما فيها الكافي، وعليه يجب تحصيل رؤية موحدة ومكتملة‏عن التفكير الشيعي للحكم عليه، تماماكما هي الحال في الموقف السني، فنحن لا نرضى باءن يتهم السنة ويؤخذوا براي‏عالم منهم، ولا يدانوا باءى رواية في احد كتبهم، بل نطالب الشيعة بالمزيد من الدقة والامانة في هذا المجال.

نساءل اللّه، سبحانه، ان يقرب قلوبنا، ويوحد صفوفنا، ويلهمنا حب بعضنا بعضا ، واحترامنا افكار غيرنا، والوعي بكل‏مخاطر تحدق بنا.

[ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدماجاءهم البينات واولئك لهم عذاب عظيم[ ]آل عمران/105].

حيدر حب اللّه صراع العقل مع العقل دراسة حول الصراع الذاتي في علم الكلام د. يحيى محمد(×) الصراع الذاتي لم يتخذ التاءسيس القبلي للنظر، لدى العقل، في علم الكلام، منظومة مشتركة ولا قاعدة موحدة. فقد كان هناك عدد من‏الاعتبارات جعلت من هذا العقل يتعدد بتعددها، بل ويتناقض بتناقضها× اذ كان العقل منقسما غالبا الى اتجاهين متضادين‏تولد عنهما الصراع او النزاع، وهو الذي نطلق عليه ;ژرس‏ز÷صراع العقل مع العقل;ژرس‏ز÷، تمييزا له من صراع آخر قد جرى بين العقل‏والبيان.

وبالجملة يمكن القول: ان العقل قد واجه نوعين من الصراع ضمن ;ژرس‏ز÷النظام المعياري;ژرس‏ز÷، احدهما ذاتي، وذلك انه لا يتعدى‏حقل الاعتبارات العقلية، والاخر عارض، وهو مع الدائرة البيانية ;ژرس‏ز÷النقلية;ژرس‏ز÷ التي انكرت عليه ممارساته المعرفية في ظل‏الاعتبارات العارضة. واذا كان الصراع الاول يدور حول تاءسيس النظر والذي عليه تترتب حالات النزاع الاخرى الخاصة‏بقضايا الانتاج المعرفي وفهم الخطاب ;ژرس‏ز÷الديني;ژرس‏ز÷، فان الصراع الثاني يدور حول هذا الفهم قبل اي اعتبار آخر، اي انه صراع‏فهم لا تاءسيس. وما يهمنا في هذا البحث هو الصراع الاول ;ژرس‏ز÷الذاتي;ژرس‏ز÷ فحسب.

ان عملية الصراع الذاتي للعقل المعياري قد تولدت بفعل النشاط العقلي المضاد، فالعقل انتج ما هو ضد له، وذلك استنادا الى‏اعتبارات التاءسيس القبلي للنظر، اذ نعلم ان الاشاعرة قد خرجت من رحم المعتزلة رد فعل عليها، وان كلا منهما يحمل‏مشروعا للتاءسيس القبلي، وان الصراع بينهما بدا منذ لحظات المخاض التي اسفرت عن فصل العقل الجديد عن القديم. وقدكانت احدى محاورات الاشعري مع استاذه ابي علي الجبائي حول المؤمن والكافر والصبي حاسمة في الفصل بينهما((1))،بل انها بلورت روح التفكير لكلا العقلين، مثلما حددت نوع التناقض الذي اصاب العقل المعياري بمجمله.

ذلك ان الاشعري‏بدا حياته العلمية بتبني الفكر الاعتزالي، وقد استمر على هذا النحو سنين طويلة، حتى جاء اليوم الذي نفض فيه يده من‏ذلك الفكر ليؤسس قباله فكراآخر ضده، رغم انه وقف على الخشبة نفسها التي يقف عليها الاول، واعني بذلك انه جعل‏اعتباراته الاساسية قائمة على العقل. فالاعتبارات العقلية بين الطرفين مختلفة، اذ كانت مع المعتزلة وعدد من المذاهب‏الاخرى تمثل ما نطلق عليه ;ژرس‏ز÷منطق الحق الذاتي;ژرس‏ز÷، حيث للحق اعتباراته الخاصة غير المقيدة بالقيود الخارجية، لكنهاتحولت مع الاشعري الى اعتبارات ما نطلق عليه ;ژرس‏ز÷منطق حق الملكية;ژرس‏ز÷، وهو ان الحق مقيد بسلطة المالك المطلق.

وبالتالي‏فالخلاف بينهما هو خلاف الاعتبارات ضمن الدائرة العقلية نفسها.

ومع ان الاشعري حمل بعض الاعتقادات التي كانت متبناة من قبل السلف، ومن ابرزها مساءلة قدم كلام اللّه وصفات اليدين‏والعينين والوجه وما اليها، وكذلك الصفات الالهية السبع التي قال بها ابو حنيفة، بل وحتى نظرية الكسب التي يعتقد بعضهم‏باءنها ترجع في الاساس الى هذا الامام الفقيه((2)).. لكن جميع هذه الاعتقادات جاءت - مع الاشعري - ضمن سياق خاص‏من التنظير القائم على الاعتبارات العقلية.

وهي الاعتبارات نفسها التي جعلت حدودا للممارسة العقلية في العديد من‏القضايا، وعلى راسها تلك التي تتعلق بالحسن والقبح وما يترتب عليها من مسائل فرعية، وذلك بخلاف ما كان لدى‏المعتزلة من تنظير افضى الى نفي مثل هذه الحدود والقيود. ففي السؤال عما يرد في الخطاب الديني من مدح وذم وثواب‏وعقاب، هل كان لحسن الافعال وقبحها، سواء في ذاتها ام في صفاتها ام في اعتباراتها او العكس هو الصحيح، بمعنى ان‏اعتبارات الحسن والقبح جاءت لمدح الخطاب وذمه، فكل شي مدحه الخطاب هو حسن، وكل شي ذمه هو قبيح؟ وواضح ان هذا الاختلاف في الاعتبارات العقلية يجعل من علاقة المنطقين - آنفي الذكر - بالخطاب علاقة مختلفة.

فلواخذنا باعتبارات حق الملكية لكان تحديد هذه المساءلة لا يخضع الى تقدير العقل من حسن الاشياء وقبحها، بل المرجع‏في ذلك هو الخطاب الديني باعتباره الناطق الوحيد باسم المالك الحقيقي. ما يعني انه لا مجال للتشريع العقلي في قضاياالحقوق والواجبات، وذلك على العكس مما هي عليه اعتبارات الحق الذاتي التي تجعل دائرة هذا التشريع مفتوحة بلاحدود.

ولدى الغزالي تمييز واضح للنتائج المتضادة المترتبة على المنطقين السابقين، فمن ذلك ما صرح به: ;ژرس‏ز÷قول المعتزلة:

ان‏الانسان خالق لافعاله× لان اللّه لو خلقها ثم نسبها اليه، ولانه لو فعلها مع انه لم يفعلها، وعذبه عليها مع انه لم يوجدها،لكان ظالما له، والظلم نقصان، وكيف يصح ان يفعل شيئا ثم يلوم غيره عليه، ويقول له: كيف فعلته؟ ولم فعلته؟ واهل السنة‏يقولون: وجدنا كمال الاله في التفرد ونفي العيب والنقصان، وليس تعذيب الرب على ما خلقه بظلم، بدليل تعذيب البهائم‏والمجانين والاطفال، لانه يتصرف في ملكه كيف يشاء، لا يساءل عما يفعل، والقول بالتحسين والتقبيح باطل، فراوا ان‏يكون هو الخالق لافعال العباد، وراوا تعذيبهم على ما لا يخلقون جائزا من افعاله غير قبيح;ژرس‏ز÷ . كذلك: ;ژرس‏ز÷ايجاب المعتزلة على‏اللّه ان يثيب الطائعين كي لا يظلمهم، والظلم نقصان. وقول الاشعري ليس ذلك بظلم× اذ لا يجب عليه حق لغيره، اذ لووجب عليه حق غيره لكان في قيده، والتقييد بالاغيار نقصان;ژرس‏ز÷. كذلك: ;ژرس‏ز÷قول المعتزلة: ان اللّه تعالى يريد الطاعات وان لم‏تقع، لان ارادتها كمال، ويكره المعاصي وان وقعت، لان ارادتها نقصان. وقول الاشعري لو اراد ما لا يقع لكان ذلك نقصا في‏ارادته لكلالها عن النفوذ فيما تعلقت به، ولو كره المعاصي مع وقوعها لكان ذلك كلالا في كراهته، وكذلك نقصان;ژرس‏ز÷. كذلك:;ژرس‏ز÷ايجاب المعتزلي على اللّه تعالى رعاية الاصلح لعباده لما في تركه من النقصان. وقول الاشعري لا يلزمه ذلك لان الالزام‏نقصان، وكمال الاله ان لا يكون في قيد المتاءلهين;ژرس‏ز÷((3)).

ويفهم من التناقضات العقلية السابقة التي ادلى بها الغزالي ان بعضها يذهب الى ان اعتبارات الكمال متجلية في مساءلة القيم‏الخلقية تبعا لمنطق الحق الذاتي، في حين ان بعضها الاخر يذهب الى ان هذه الاعتبارات تتمثل بالتفرد والملكية المطلقة،ومن ثم بالمشيئة - الارادة التي لا تحدها حدود ولا تقيدها قيود، حتى وان كانت على عدم توافق مع قيم الاخلاق كمايراها البشر، وذلك طبقالمنطق حق الملكية. فالنقص بحسب الاعتبارات الاولى يتمثل بدواعي القيم الاخلاقية، في حين ان‏النقص، حسب الاعتبارات الثانية× يتمثل بالقيود التي تكبل ارادة المالك الحقيقي وتحدد من فرادته وفعله المطلق.

اذن هناك صراع في التاءسيس القبلي للنظر ضمن الدائرة العقلية، او بين البداهتين الاوليين للحق الذاتي وحق الملكية.والسؤال هو: كيف يمكن التاءكد من مصداقية اي من هاتين البداهتين المتضادتين؟ لنعد الى العقل، بغض النظر عن الاعتبارات الاخرى، ومنها الاعتبارات الدينية، ونتساءل: هل هناك ما يمكن ان نتوصل اليه‏من صدق احد هذين التصورين؟ او هل بمقدور العقل ان يشخص طبيعة الحق فيدرك ما اذا كان يتوقف على قيد خارجي،كشرط الملكية، او ان له اعتباراته الذاتية الصرفة من غير قيد وشرط؟ وبعبارة اخرى: هل الحق هو الذي يحدد سلطة‏الملكية، او الملكية هي التي تحدد سلطة الحق؟ فم ن يحكم من× سلطة الحق في ذاته او الملكية؟ دعنا نفترض ان العلاقة بين السيد المالك المطلق والعبد المملوك هي علاقة تقبل الحكم من طرف آخر هو العقل.

فطالما ان‏اصحاب البداهتين ارتكنوا الى العقل في تحديد كل منهما للبداهة كما راوها، فان هذا يعني ان العقل مدرك لطبيعة ما هوعليه الحق، وان العلاقة بين المالك والمملوك هي علاقة محكومة بهذا الكاشف، سواء قدر الامر على نحو اعتبارات‏الملكية، ام باعتبار الحق في ذاته.

والسؤال هو: كيف يتاح لنا التاءكد عقلا من صدق احدى المقولتين وكذب الاخرى؟ بادئ ذي بدء، لا بد من التذكير باءننا امام مساءلة قيمية او معيارية ولسنا امام حقيقة موضوعية او خارجية.

ففي‏الموضوعات الخارجية قد يمكن كشف الحقيقة عبر التجربة والبحث الموضوعي. فمثلا ان القضية التي تقول: ان المطرسيهطل غداهي قضية قابلة للفحص والاختبار، فعلى الاقل يمكن الانتظار الى يوم غد لنتاءكد ما اذا كان المطر سيهطل ام لا.وعلى هذه الشاكلة لو ادعى شخص باءن هناك حياة في كوكب ما من منظومتنا الشمسية× فان هذا الادعاء قابل للتحقيق‏والفحص الخارجي ليعرف من خلال البحث ان كان صادقا او كاذبا . اما في القضايا القيمية فانا لا نواجه حقائق موضوعية‏خارجية، فليس هناك شي يمكن ان نطلق عليه (حق، او حسن، او عدل.. الخ) ليمكن فحصه والكشف عن مضامينه ان كان‏محكوما بقضايا اخرى مثل الملكية او عاريا عنها. وبعبارة اخرى: لا يوجد في الواقع الموضوعي ما يمكن ان نطلق عليه;ژرس‏ز÷قيم;ژرس‏ز÷ لنستكشفها عبر الحواس والاثار الخارجية.

فعالم القيم هو غير عالم الواقع والوجود، رغم الصلة الوثيقة والتلازم بين‏العالمين، حيث لا يمكن التحدث عن القيم بمعزل عن وجود الاشياء، والعكس ليس صحيحا، اذ يمكن التحدث عن‏الاخيرة بمعزل عن الاولى.

يضاف الى ذلك انه عندما نتحدث عن القيم فاننا لا نتحدث عنها بعلاقتها بالمادة الخارجية الجامدة، ولا بعلاقتها بالحياة‏النباتية والحيوانية، بل ولا حتى بعلاقتها بالحياة العاقلة× ما لم تمتلك القدرة والارادة والاختيار. فالقيم انما يصح وجودهاواعتبارها لارتباطها بهذا الشرط الاخير من دون غيره، وهو شرط يتضمن وجود الحياة العاقلة. فمثلا لا يمكن الحديث عن‏القيم عندما يتعلق الامر بموضوع خارجي كالنار.

فلا يقال للنار ان فعلها حسن او قبيح، او انها تمتلك حقا في هذا الفعل اوتفتقر اليه. وكذا لا يقال للحيوان مثل هذه النعوت، بل ولا يقال للعاقل المدرك فاقد القدرة والارادة ان فعله حسن او قبيح.وانما يقال ذلك لمن يمتلك القدرة والارادة بما تتضمنان من الادراك العقلي، حيث ينعت فعله بالحسن والقبيح، او الحق‏والباطل.

فالقيم قائمة - اذن - على شرط وجود الارادة المدركة، وبالتالي لو كانت افعالنا جبرية لما صدقت عليها احكام هذه القيم.كذلك لو لم تكن للّه القدرة في ان يفعل غير ما فعله في خلقه - رغم سعة علمه وعظمته - لما صدقت عليه هو الاخر تلك الاحكام، بل لكان فعله كفعل النار، حيث ليس في وسعها غير الحرق.

لكن مع هذا تظل مشكلتنا معلقة بطبيعة الاحكام الصادرة في حق مثل هذه القيم. فهل هي احكام عقلية كتلك التي لهاعلاقة بالموضوعات المنطقية والخارجية؟ اذ نعلم ان المعرفة العقلية لها اقسام بعضها ذهني وبعضها واقعي‏كالاتي((4)):

المعرفة الذهنية، مثل قضية مبدا عدم التناقض والواحد المضاف الى مثله يساوي اثنين. وهذه المعرفة لا علاقة لها بالواقع‏عندما تعبر مقدماتها عن قضايا مفترضة.

المعرفة الاخبارية الضرورية، مثل مبدا السببية العامة القائل:

انه لا حادثة من غير سبب ما يوجدها، وان الشي الواحد لايمكن ان يكون في غير مكان في الوقت نفسه، وكذا لا يمكن ان يكون شيئان في المكان الواحد نفسه في الوقت نفسه.وهذه المبادئ تتصف بالضرورة العقلية، بمعنى ان العقل يدرك حتمية ما تتضمنه هذه القضايا، والضرورة فيها ليست منطقية‏كالذي عليه الحالة السابقة، بل هي من نوع آخر، اذ ان عدم التسليم بها لا يفضي الى مشكلة منطقية كالتناقض، وكل ما في‏الامر ان عقلنا يستبعد تماما ان يجد شاهدا يكذبها، ومن يشك في ذلك فعليه التحقيق، بخلاف القضايا المنطقية التي لا تقبل‏مثل هذا الشك والتحقيق((5)). فالفارق بين المجموعتين من القضايا هو ان المعرفة في القضايا الاخبارية تتميز بالضرورة‏الوجدانية، وان اللابدية فيها هي لابدية تحدية، في حين ان الضرورة في المجموعة الاولى هي ضرورة منطقية، وان اللابدية‏فيها لا تقبل التحدي.

المعرفة الاخبارية الوجدانية، مثل الاعتقاد بالواقع الاجمالي للعالم، حيث ليست هذه المعرفة ضرورية، كما لا يمكن‏الاستدلال عليها، وبالتالي فهي من المعارف الوجدانية الصرفة((6)).

المعرفة الاحتمالية، وهي حالة خاصة تتصف باءن اخبارها عن الواقع الموضوعي لا يطابق غالبا ما هو عليه الواقع، وذلك‏بخلاف المعرفة الاخبارية الضرورية التي شرطها مطابقة الواقع بالضرورة. فمثلا ان قيمة احتمال ظهور وجه الصورة لرمية‏واحدة لنقد متماثل الوجهين تساوي (1/2)، وهذه تمثل قضية ضرورية لا شك فيها. وعليها يمكن استنتاج قضية اخرى‏جزئية بطريقة قياسية بالشكل الاتي:

ان قيمة احتمال ظهور وجه الصورة لكل نقد منتظم تساوي (1/2) بالضرورة، وحيث ان هذه قطعة نقد منتظمة، لذا فقيمة‏احتمال ظهور الصورة فيها تساوي (1/2) بالضرورة ايضا، طالما كنا متاءكدين من انتظام القطعة. وبالتالي فقد استنتجناالجانب العقلي للقضية الجزئية. ولكن حين نرمي هذه القطعة النقدية عددا من المرات، ولنفترض عشر مرات، فسوف‏نلاحظ ان نتائج ظهور وجه الصورة لا يؤدي بالضرورة الى القيمة الاحتمالية النصفية، فقد تكون اكثر او اقل من ذلك، بل‏الغالب انها لا تكون نصفا، لاسباب ذكرناها في دراسة مستقلة. ورغم ان هذه هي حال القضية الواقعية في الحسابات‏الاحتمالية، الا ان ذلك لا يغير شيئا من ضرورة الحكم العقلي السابق. فالقضية المنطقية في المبادئ الاحتمالية ضرورية،وذلك على خلاف القضية الواقعية المستندة اليها. والسبب في هذا الاختلاف يرجع الى طبيعة القضايا الاحتمالية نفسها،حيث تقتضي ان تكون القضايا الواقعية فيها غير محتمة، كما تقتضي ان تكون قضاياها المنطقية ذات صبغة ضرورية.

اما بخصوص المعرفة القيمية، كالحسن والقبح، فهي لدى الفلاسفة القدماء من المشهورات، ولدى اصحاب منطق الحق‏الذاتي من العلوم الضرورية التي تتوقف عليها متفرعاتها من الاحكام((7)). لكن بعض الباحثين خلط بين هذين الاتجاهين،اذ نقل لنا مفهوم اصحاب منطق الحق الذاتي (العدلية)، ودافع عنه دفاعا تاما، لكنه رآه بعين الفلاسفة، واستشهد عليه ببعض‏عباراتهم، كالذي نقله عن ابن سينا في ;ژرس‏ز÷الاشارات والتنبيهات;ژرس‏ز÷ وما وافقه عليه شارحه نصير الدين الطوسي. لذا اتصفت‏عباراته احيانا بالتهافت وعدم الاتساق.

فالشيخ المظفر عرف المشهورات باءنها قضايا لا عمدة لها في التصديق الا الشهرة‏وعموم الاعتراف بها، كحسن العدل وقبح الظلم، حيث لا واقع لهذه القضايا وراء تطابق الاراء عليها، فلو خلي الانسان‏وعقله المجرد فانه لا يحصل له حكم بها، ولا يقضي عقله فيها بشي كما يقول ابن سينا. وليس الامر كذلك مع قضاياالضرورات الاولية كالحكم باءن الكل اعظم من الجزء، اذ لو خلي الانسان وعقله فانه لا يتردد في الحكم بها، اذ يكفي تصورطرفي هذه القضية للحكم بها. وعليه فان المعتبر في مثل هذه القضايا الاولية للعقل النظري هو انها مطابقة لما عليه الواقع.اما المعتبر في المشهورات فهو انها مقبولة لتوافق الاراء عليها، حيث لا واقع لها غير ذلك، وان تطابق الاراء عليها هو لاجل‏قضاء المصلحة العامة، حيث بها يكون حفظ النظام وبقاء النوع، كقضية حسن العدل وقبح الظلم. فمعنى حسن العدل هو ان‏فاعله ممدوح لدى العقلاء، ومعنى قبح الظلم هو ان فاعله مذموم لديهم. فهذا هو المفهوم الوجودي للفلاسفة عن العقل‏العملي للحسن والقبح، وهو المفهوم نفسه الذي راى المظفر ان العدلية - اصحاب منطق الحق الذاتي - قائلون به، حيث يدل‏عندهم على كون تلك القضية من المشهورات لا الضرورات، واستشهد عليه بقول لابن سينا وبما وافقه عليه تابعه نصيرالدين الطوسي((8)). لكنه رغم ذلك ذهب في بعض عباراته مذهب القائلين بالحق الذاتي، ومن ذلك اعتباره قضايا الحسن‏والقبح من القضايا الذاتية، وان ما كان ذاتيا لا يقع فيه اختلاف، فالعدل بما هو عدل لا يكون قبيحا ابدا، وكذلك الظلم بما هوظلم لا يكون حسنا ابدا، اي ما دام عنوان العدل صادقا فهو ممدوح، وما دام عنوان الظلم صادقا فهو مذموم((9)).

ورغم ان المعنى الفلسفي السابق يثير مشكلة، وهي انه اذا كانت قضية الحسن والقبح من المشهورات، فكيف ترجح على مايقدمه نص الخطاب، الى الدرجة التي يتوقف عليها هذا الخطاب في التاءسيس، سواء من الخارج ام من الداخل، وذلك تبعالمنطق الحق الذاتي الذي ذهب اليه الشيخ المظفر؟ ذلك ان القول باءنها من المشهورات يدعم فكرة منطق حق الملكية، باءنه‏لا اساس لها سوى ما الفناه من الاعتبارات الانسانية، من دون ان يكون لها بعد عقلي مجرد. اذ لو ان اللّه ادخل المؤمن‏الصالح في النار، وجعل الكافر الشرير في الجنة، فاننا سنعد ذلك امراقبيحا لكونه من المشهورات عند الناس، او لانه مماتوافقت عليه آراء العقلاء، من دون ان يكون له حكم عقلي مجرد يخصه. ولا شك في ان هذا الاعتبار لا قيمة له امام‏الاعتبارات التي تخص اللّه تعالى، ومن ذلك ما قد يقال من اعتبارات المشيئة وحق التصرف المطلق بملكه. اذ ما الذي‏يجعلنا نعتقد باءن ما يوليه اللّه من اعتبارات هي الاعتبارات نفسها التي نسلم بها نحن البشر بالتوافق والشهرة؟ فلو قيل: ان‏اللّه هو من العقلاء ;ژرس‏ز÷بل رئيسهم، بل خالق العقل، فلا بد من ان يحكم بحكمهم بما هم عقلاء;ژرس‏ز÷((10))× لقلنا كيف عرفنا انه‏يحكم بحكمهم، خصوصا ونحن من عالم وهو من عالم آخر مختلف؟ اذ لو قيل: ;ژرس‏ز÷اننا عرفنا هذا بما دلنا عليه الخطاب‏الديني، حيث عرفنا ان حكم اللّه هو مثل حكمنا في هذه القضايا، لكان هذا القول غير صحيح، وذلك لتوقف اثبات الخطاب‏على صحة تلك القضايا. اما لو قيل: اننا عرفنا ذلك بالعقل، فان كان المقصود هو الادراك بحسب الشهرة والتوافق على‏الاراء بين العقلاء، فان ذلك لا يقدم شيئا، اذ قد يكون المشهور باطلا، كما قد تكون اعتبارات المشهور لدينا هي غيراعتبارات من هو اعلى منا عقلا وعلما. وهنا تنقلب القضية الى المفهوم الذي يخص منطق حق الملكية، وبالتالي يصبح من‏المحال ان تثبت المساءلة الدينية وفق منطق الحق الذاتي، كما لا يمكن الحكم على الافعال الالهية بالحقوق والواجبات،وكذا الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، مادامت انها لا تخرج عن حد الشهرة واتفاق العقلاء.

ومن حيث التحليل، عندما نقول: ان المساءلة عقلية، فهذا يعني ان الوجدان العقلي يشهد بصدقها× سواء شهد بذلك على نحوالضرورة، ام على نحو التاءكيد فحسب. وهنا نجد ان القضايا القيمية هي ايضا مما يشهد عليها الوجدان العقلي بالصحة‏والصدق، رغم انها ليست بصدد الاخبار عن اشياء الواقع الموضوعي او التطابق معها، ولا علاقة لها بالقضايا المنطقية‏المجردة، بل لها ما يجعلها حالة اخرى تختلف فيها عن جميع الحالات التي مرت بنا، وهو انها تتضمن الكيفية القيمية.وليس في الامر غرابة، فقد عرفنا كيف ان بعض الحالات المعرفية تمتاز قضاياها بالضرورة العقلية، رغم انها لا تتطابق في‏الغالب مع مصاديقها الواقعية، كما هي الحال مع القضايا الاحتمالية، وكاءنها بذلك تتضمن التناقض وعدم الاتساق، لكن‏حالها ليست كما يبدو، اذ ان طبيعتها، لاعتبارات منطقية ورياضية، تفرض عليها ان تكون غير متطابقة - غالبا - مع ما هوعليه الواقع. كذلك هناك من القضايا ما تكون محلاللاعتقاد الراسخ بحسب العقل والوجدان× رغم انها ليست من القضاياالضرورية، ولا من القضايا التي يمكن الاستدلال عليها، مثل قضية الايمان بوجود الواقع الموضوعي العام.

وبالتالي فان‏الادراك العقلي والاحكام التي تصدر عنه لا يمكن ارجاعها الى وتيرة واحدة، اذ هناك صور وكيفيات مختلفة قد تعط‏ي‏انطباعا بالتعددية التي يمتاز بها العقل في ادراكه للاشياء تبعا لما هو عليه شروطها الخاصة. ومن بين هذه الصور والكيفيات‏تلك المتعلقة بادراك قضايا العقل العملي. فمثلا لا يتردد العقل في ان يستقبح قتل بعضهم لوالديه، او لمن احسن اليه، اولنظرائه من غير سبب موجه. لكن من الواضح ان مثل هذه الامثلة تتضمن افتراض ان يكون بين الافراد نوعا من التماثل‏والاستقلالية. فالعلاقة بينهم ليست قائمة تبعالسلطة الملكية الحقيقية، اذ لا يمتلك بعضهم بعضهم الاخر، وبالتالي فان هذه‏الصورة يمكن ان يتفق عليها كلا المنطقين المتنازعين (الحق الذاتي وحق الملكية). وهي مؤشر على صلاحية العقل العملي‏في الحكم على الاشياء وفقا للشروط المطلوبة. الا ان المشكلة تكمن في الشرط الميتافيزيقي المتمثل بافتراض وجودعلاقة من الملكية المطلقة، وليس في حالة التماثل السابقة. وبحسب هذا الافتراض فان هناك كائنا يتمتع بامتلاك غيره‏امتلاكا مطلقا، والسؤال هو: هل يحق له تعذيبه والعبث به من غير سبب موجه؟ لا شك في انه ليس امامنا في هذه الحالة الا ان نفترض وجود طرف ثالث مجرد و;ژرس‏ز÷محايد;ژرس‏ز÷ يتصف بقدرته على الادراك‏والحكم، واعني بذلك العقل او الوجدان. فلو رجعنا الى الوجدان العقلي، وبغض النظر عن كل الاعتبارات الخارجية كالدينية‏وما شاكلها، نجد انه لا يشك في ادراك حالة القبح او النقص القيمي لمثل ذلك الفعل، رغم اتصاف الفاعل بالملكية المطلقة.الامر الذي يسوغ الواجبات العقلية، سواء كانت تخص المكلف ام المكلف.

وتبعا للامر المنطقي لابد لكل معرفة من قيود وشروط، ومن هذه القيود ما يتعلق بطبيعة القضايا نفسها. فمثلا ان القضية التي‏تقول بان الواحد المضاف الى واحد مثله يساوي اثنين، هي قضية تتحدث عن الواحد البسيط او المجرد، وبالتالي لا يمكن‏نقضها بقضية اخرى لا تحمل هذه البساطة او التجريد، كاءن يقال: اننا لو جمعنا حجم غاز بخر مثله فانه يمكن ان نحصل‏على حجم واحد منهما، اي ان الواحد المضاف الى مثله يساوي واحدا لا اثنين.

كذلك فانه في قضية السببية العامة يشترط ان تكون هناك حادثة ما، كاءن تعبر عن تغير او عن وجود بعد عدم، وهذا يعني‏ان هذا الشرط لا ينطبق في بسط هذه القضية على مبدا الوجود الاول، ليقال: انه لا بد له من سبب غيره، وذلك باعتباره‏ليس حادثة، حيث انه موجود في الاصل من دون ان يسبقه عدم، كما انه لا يتغير كي يقال: ان هذا التغير لابد له من سبب.وايضا ان من قيود هذه القضية هو انها لا تتحدث عن معرفة نوع السببية وتعيين السبب، وبالتالي فانها وان كانت حالة‏عامة، يمكنها ان تنطبق على كل مظاهر الكون وحوادثه، وانها كذلك شرط في المعرفة البشرية من دونها لا يمكن الوثوق‏باءي علم من مظاهر الكون والطبيعة، الا انها ليست كافية لتفسير هذه المظاهر والحوادث، وذلك باعتبارها لا تعمل على‏تشخيص طبيعة الاسباب التي تكمن وراء ما يحدث.

فهذا هو قيدها كما يدركها العقل النظري القبلي.

وايضا انه في قضية الايمان بواقعية العالم من غير دليل، فان قيدها هو انها تصدق في حدود العالم المجمل للواقع‏الموضوعي، ولا دخل لها في تفاصيل هذا العالم. ذلك ان اي شي جزئي في العالم يمكن ادراكه ان كان من الواقع او من‏الافرازات الذهنية، وذلك عبر الدليل الاستقرائي والقرائن الاحتمالية. اما قضية الحياة بعمومها وكليتها فانه لا دليل على‏واقعيتها رغم ايماننا بها ايمانا جازما، وانه مهما شككنا فيها فانه من الناحية الغريزية او الفطرية نتعامل معهاتعاملاموضوعيا، اي بافتراض انها ذات واقع موضوعي خارج حدود الذهن وافرازاته الذاتية. فهذا هو قيد المعرفة الوجدانية‏بوجود الواقع الموضوعي.

كما يلاحظ، في القضية العقلية الخاصة بالاحتمالات انها مقيدة بتماثل الحالات الممكنة، ولولا هذا التماثل لانتفت‏الضرورة من المعرفة، ولاصبحت المعرفة غتقديرية‏ف. وبصفة عامة ان اغلب حالات الواقع يشهد عدم تحقق هذا الشرط،ما يعني انه لا يخضع الى الحكم العقلي، في حين هناك قضايا بسيطة يمكن ان ينطبق عليها الحكم العقلي، كالسحب‏العشوائي لبعض الكرات المختلفة الالوان مع علمنا بعددها والوانها وتساوي اوزانها واحجامها واشكالها، حيث يكون‏الحكم فيها حكما عقليا غير قابل للنقض والتبديل((11)).

على ان معنى الضرورة في هذه القضايا المختلفة هو ان تكون غير قابلة للخرق والتجاوز، فهي بالتالي صحيحة صحة مطلقة‏وشاملة وان باعتبارات مختلفة. والحكم فيها يستند الى ما يتفق عليه جميع الناس، اذ لو اعتمدنا على ما يقوله الاخرون لماوجدنا قضية يمكن الاتفاق عليها، بما في ذلك مبدا عدم التناقض، فضلا عن مبدا السببية العامة وغيرها. وعليه كان لا بدمن النظر الى القضية نفسها بحسب التجريد العقلي، اي العمل على رؤيتها مباشرة من الداخل قبل محاكمتها باعتبارات‏مختلفة تبعا لما هي عليه طبيعة هذه القضايا وقيودها. فقد يرى العقل فيها الضرورة، ولهذه الاخيرة اشكال مختلفة كماقدمنا، وذلك بخلاف ما هو معروف لدى المفكرين من وجود نمط واحد منها هو الضرورة المنطقية، واحيانا يشار بشكل‏مجمل الى الضرورة العقلية ليضم فيها عدد من الضرورات، كتلك التي تخص مبدا عدم التناقض ومبدا السببية العامة.

فتارة تكون الضرورة منطقية كما في عدم التناقض، وثانية تكون تحدية كما في السببية، وثالثة احتمالية كما هي الحال في‏الاحتمالات العقلية. ونضيف الى ذلك ما نطلق عليه ;ژرس‏ز÷الضرورة القيمية;ژرس‏ز÷ التي نحن في صدد بحثها وتحليلها. فهذه الضرورات‏بعضها يختلف عن بعضها الاخر، والصفة المشتركة بينها هي انه لا يوجد مسوغ لتغييرها وابدالها، ويفترض ان لها طبيعة‏شمولية وكلية مطلقة، بما في ذلك النوع الاخير من الضرورات، وهو الخاص بالعقل العملي تمييزا له من الانواع الاخرى‏المنضمة الى العقل النظري.

والاختلاف بين هذه الضرورات هو ان الاولى (المنطقية) لها علاقة بالقضايا النظرية التجريدية، وان الثانية ;ژرس‏ز÷التحدية;ژرس‏ز÷ لهاعلاقة بالواقع الموضوعي مباشرة، وذلك باعتبارها اخبارية وكاشفة عن الواقع بالقيد الذي ذكرناه، وان الثالثة (الاحتمالية)هي، وان تحدثت عن الواقع، الا ان ميزتها كونها لا تطابق الواقع بالضرورة، او انها في اغلب الاحيان لا تطابقه. اما الضرورة‏القيمية فهي لا تتحدث عن اشياء الواقع الوجودي والتكويني، وبالتالي لا يمكن محاكمتها كما يحاول البعض محاكمة‏الضرورة التحدية، بل المهم هو مشاهدتها بالرؤية المباشرة تبعا لما يفضي اليه الوجدان العقلي ليعرف انها شاملة وكلية‏مطلقة، لكن بحدود القيود التي هي عليها، مثلما راينا مع غيرها من ضرورات العقل النظري وقد كان الاعتراض العقلي الذي قدمه اصحاب منطق حق الملكية على قضايا الحسن والقبح، هو انها لو كانت عقلية لماوقع التفاوت بينها وبين حكم العقل بالضرورات الاولية كقضية عدم التناقض وان الكل اعظم من جزئه، حيث العلوم‏الضرورية لا تتفاوت في ما بينها في الحكم. وهذا غير صحيح، بل هناك تفاوت في هذه العلوم، كما ان فيها قيودا يختلف‏بعضها عن بعضها الاخر، ويظل المشترك بينها هو القول بالضرورة بمعناها العام عندما يدركها العقل مجردا، او عند تصورطرفيها. ذلك ان العقل يحكم بضرورة صدق قضية الحسن والقبح، مثلما يحكم بهذه الضرورة للقضايا المنطقية والعقلية‏والاحتمالية، مع اخذ كل منها بحسب مجاله وقيوده واعتباراته. ومن الامثلة على قضايا هذه الضرورة نذكر ماياءتي:

العقاب من غير بيان في التكليف قبيح.

التكليف بما لا يطاق، ان لم يكن عقوبة، قبيح.

الاعتداء على الاخرين من غير ذنب، ولا اضطرار، قبيح.

شكر المنعم الخير حسن.

الاعتراف بجميل المحسن حسن.

التعاون مع الاخيار في العمل الصالح حسن.

مساعدة المحتاجين الاخيار حسن.

ترجيح الاهم على المهم حسن.

دفع الضرر عن غير المستحقين حسن ما لم يفض‏الى ضرر اكبر.

رد المظالم الى اهلها المستحقين حسن ما لم يؤد الى ضرر اكبر.

الانتصاف من الظالم الى المظلوم حسن ما لم يؤد الى ضرر اكبر.

الصدق حسن ما لم يضطر الى الكذب.

تجليات الصراع العقلي ان التضاد الحاصل بين البداهتين، كالذي سبق عرضه، كان له تاءثيره وانعكاساته على عدد من الاصعدة: عالم الوجودوالواقع، وعالم الفقه والتشريع، واخيرا عالم فهم النص. وهذا ما سنتعرف اليه حسب الفقرات الثلاث الاتية:

اولا:

ان اهم مسائل الخلاف العقلي، بين منطقي الحق الذاتي وحق الملكية في مجال الوجود والواقع، هي مساءلة السببية‏وعلاقاتها في الطبيعة. فاذا كان منطق حق الملكية يميل الى تفسير السببية طبقاللعادة وذلك تبعا لمقولة ;ژرس‏ز÷لا فاعل في‏الوجود الا اللّه;ژرس‏ز÷، الامر الذي يتسق مع البداهة الاولية لهذا المنطق، فان الامر مع منطق الحق الذاتي مختلف، ذلك ان طائفة‏من هذا الاتجاه اعتمدت في تفسيرها للسببية على منطق له علاقة بمفهوم ;ژرس‏ز÷التوليد;ژرس‏ز÷ كالذي فصل الحديث عنه القاضي‏الهمداني في كتابه ;ژرس‏ز÷المحيط بالتكليف;ژرس‏ز÷. فمفهوم السبب عند الهمداني يتضمن معنى الواسطة مشبهااياها بالالة او الاداة، فتارة‏يعبر عن الواسطة باءنها السبب نفسه، واخرى يعد السبب واسطة بين الفاعل المختار وفعله((12)). وعلى هذا المعنى يمكن ان‏يكون هناك سبب من غير مسبب، اذ قد يقع عارض يمنع وجود المسبب رغم وجود السبب، كما يمكن ان يكون هناك‏مسبب من غير سبب، حيث يحدث المسبب ابتداء بفعل الفاعل المختار، وكذا قد يكون المسبب حادثا بفعل السبب والذي‏يطلق عليه التوليد. وكما يقول الهمداني في هذا الصدد:

غقد ذكرنا ان في افعالنا ما لا يصح منا ان نفعله الا بسبب، وفي‏افعالنا ما يصح ان نفعله ابتداء وبسبب، وفيها ما لا يصح ان نفعله الا مبتدا من دون ان يقع بسبب، فالضرب الاول هوالصوت والالم والتاءليف، والضرب الثاني هو الاعتماد والكون والعلم، والضرب الثالث هو الارادة والكراهة والظن والنظر،وما كان من باب الاعتقاد الذي ليس بعلم‏ف((13)).

وما يقصده الهمداني من ;ژرس‏ز÷الاعتماد;ژرس‏ز÷ هو ان يحصل المتولد في غير محل القدرة، كالذي يحدث في الحركات والظواهر النائية‏المنفصلة عنا وعن اي فاعل مختار، مثلما يحصل من احراق النار التي تولد التفريق، وما يكون في الماء من الثقل ما يوجب‏النزول، ويسمى ذلك عند بعضهم طبعا، ويطلق عليه لدى طائفة من المعتزلة ;ژرس‏ز÷الاعتماد;ژرس‏ز÷، حيث انه معلق على القادر، اذ يصح‏ان يمنعه من التوليد والايجاب((14)).

وفي جميع الاحوال، لا ينفي الهمداني ما يصطلح عليه الفلاسفة بمبدا السببية العامة، حيث انه يردكلا من السبب والمسبب،سواء كانا مقترنين ام منفردين، الى الفاعل المختار، وهو المتمثل بالمكلف والمكلف، ومن ذلك قوله: غاذا كان المبتدا احتاج‏الى فاعل لحدوثه، فالمتولد اذا كان حادثا يجب ان يجري مجراه في الحاجة الى المحدث، ولا يمكن ان يقال:

ان حدوثه‏واجب، لانه انما يراد بالوجوب الاستمرارف((15)).

وهو ما يلزم عنه مضامين الحسن والقبح، سواء بفعل الفاعل للسبب او بماقد يتولد عنه من المسبب، او حتى من حيث فعل المسبب من غير سبب. وذلك كله لا يتنافى مع مبدا السببية العامة.والهمداني يعترف باءن قدرتنا لا تسمح لنا في اغلب الاحيان اتيان المسبب من غير سببه، وذلك بخلاف القدرة الالهية‏المطلقة التي يسعها ذلك مثلما يسعها فعل المسبب عن السبب بالتوليد. وعليه فان هذا المعنى يختلف كليا عن المعنى‏الخاص بعلاقة العلية كما يبشر بها الفلاسفة، ذلك غان المتولد ذات منفصلة عن السبب، حادثة كحدوث نفس السبب،فاءمكن ان يقال: انه حدث من جهة القادر، وموجب العلة ليس باءمر يحدث فتصبح اضافته الى الفاعل، بل ليس ينفصل عن‏المعلول;ژرس‏ز÷، لذا فالمعنيان مفترقان ((16)). فالمسبب او المتولد مرتبط بالفاعل المختار حسب ما يفعله من السبب او الواسطة،وهو بالتالي اولى ان يناط بفاعله من سببه((17))، ذلك لان السبب واسطة بين الفاعل المختار وفعله، لذا لا يطلق على الفاعل‏موجبا، حيث الفعلية تنافي الايجاب، كما لا يقال عن السبب انه مولد، وذلك لان المولد هو من اسماء الفاعل، والفعل ليس‏حادثا بالسبب، وانما حدوثه بالقادر او الفاعل المختار، وبالتالي يصح القول: ان ما احدث الفعل هو القادر بهذا السبب((18)).ما يعني ان للسبب تاءثيرا على المسبب، وان لم يكن هذا التاءثير موجبا كالعلة بالنسبة الى المعلول عند الفلاسفة. والغرض‏من هذا التحديد هو لاجل تنقيح قاعدة الحسن والقبح، حيث تصدق ليس فقط على الافعال الابتدائية وانما كذلك عمايترتب عليها من متولدات ومسببات.

هكذا: ان المفهوم السابق للسببية والتوليد مفيد باءكثر من اعتبار: فمن جهة انه لا يتعارض مع الضرورات العقلية، وذلك‏باعتباره يحافظ على مبدا السببية العامة القائل: ان لكل حادث لا بد له من غسبب‏ف يوجده، او بحسب تعبير هذا الاتجاه‏هو ان لكل حادث لابد له من فاعل، ابتداء او توليدا، ومن ذلك انه يعد من الضرورات العقلية العلم بتعلق الفعل بفاعله، مثل‏تعلق الجواهر والاعراض كالروائح والالوان والطعوم بالخالق((19)). اما من جهة ثانية فهو انه يتسق تمامامع البداهة الاولية‏للحق الذاتي، وذلك لانه يجعل من العلاقة بين الفعل والفاعل علاقة غير محتمة او لزومية، وبالتالي فان ذلك يحفظ لناارادتنا واختيارنا عندما تتولد عنهما الافعال والمسببات، فليس هناك ما يجبرنا على الفعل ويلجئنا اليه، الامر الذي تتصحح‏به صورة الحسن والقبح. ومن ذلك ما يقوله الهمداني:

;ژرس‏ز÷ان الذم يتوجه على المتولد من الانفعال، كما يتوجه على المبتدا،وذلك لان احدنا يذم على الكذب والظلم والقتل وغيرها، وكل هذه الافعال تقع متولدة، فلو لم تكن حادثة من جهتنا لقبح‏ذمنا عليها;ژرس‏ز÷((20)).